العلم
أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: "الأولى" العلم،
ــ
قوله: "يجب علينا تعلم أربع مسائل: ألأولى: "العلم"، المراد هنا: الوجوب العيني، وهو ما يجب أداؤه على كل مكلف بعينه.
والتعلم: تحصيل العلم، والعلم: معرفة الهدى بدليله.
والمراد بالعلم هنا: العلم الشرعي، والمقصود به ما كان تعلمه فرض عين، وهو كل علم يحتاج إليه المكلف في أمر دينه، كأصول الإيمان وشرائع الإسلام، وما يجب اجتنابه من المحرمات، وما يحتاج إليه في المعاملات، ونحو ذلك مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عليه العلم به. ١
قال الإمام أحمد ﵀: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، قيل له: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته وصيامه، ونحو ذلك٢
فالواجب على المسلم أن يتعلم ما يجب عليه من أمر دينه مما يتعلق بعقيدته وعبادته ومعاملته، وعليه أن يسأل أهل العلم، ويحذر من الإعراض عما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ، وعليه أن يقبل النصح والتوجيه، وينقاد للحق. فهذه صفة المؤمن الحق.
أما العلم الذي تعلمه فرض كفاية كتفاريع المسائل الفقهية والاطلاع على أقوال العلماء ومعرفة الخلاف ومناقشة الأدلة فهذا ليس بواجب على كل مسلم، فإذا وجد من يقوم به من أهل العلم صار في حق الباقين سنة.
_________________
(١) ١ أنظر: "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر: "ص٣١"، "حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول": "ص١٤". ٢ "الفروع" لابن مفلح: "١/٥٢٥".
[ ١٢ ]
وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
ــ
ومما يدل على أن العلم واجب حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ١
وقد فسر الشيخ ﵀ العلم الذي لابد من تعلمه بأنه يتناول ثلاثة أمور، فقال: "وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة".
_________________
(١) ١ أخرجه من أصحاب الكتب الستة ابن ماجه: "١/٨١"، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": "رقم٢٨٣٧"، والطبراني في "الأوسط": "١/٣٣"، وغيرهم كثيرون. وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث، فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه، فقد نقل ابن الجوزي في "العلل" "١/٦٦" قول الإمام أحمد: "لا يثبت عندنا في هذا الباب شيء". والحديث مروي عن عدد من الصحابة ﵃ وله طرق جمعها السيوطي في جزء مطبوع. ورواه ابن الجوزي في "العلل": "١/٥٧" من أربعة عشر طريقًا، من حديث أنس ﵁ ثم تكلم عليها. ولعل تعدد رواته وطرقه يدل على أن له أصلًا. وقد صححه بعض الحفاظ المتأخرين، قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة" "١/٢٥٨": "قال الحافظ المزي الشافعي: وله طرق كثيرة عن أنس، يصل مجموعها إلى مرتبة الحسن وفي "تلخيص الواهيات" للذهبي: روي عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبي سعيد، وبعض طرقه أوهى من بعض، وبعضها صالح، والله أعلم". ومال السخاوي في "المقاصد": "ص٢٧٥" إلى تصحيحه، ونقل المناوي في "فيض القدير": "٤/٣٥٤" أن السيوطي حسنه. وممن صححه الألباني في "تخريج أحاديث مشكلة الفقر" وقال بعد أن تكلم عن طرقه: "إن طرقه يقوي بعضها بعضًا، بل أحدها حسن، فالحديث بمجموع ذلك صحيح بلا ريب عندي". قال السخاوي في "المقاصد" "ص٢٧٧": "قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث "ومسلمة" وليس لها ذكر في شيء من طرقه، وإن كان معناها صحيحًا" اهـ.
[ ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وخص الشيخ ﵀ هذه الأمور؛ لأنها هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا عليها، وهي التي يسأل عنها العبد في قبره. فالإنسان إذا عرف ربه وعرف نبيه وعرف دين الإسلام بالأدلة كمل له دينه، فهذا هو العلم الشرعي الذي لابد منه.
وقوله: "معرفة الله"، أي: أن معرفة الله تعالى هي أساس الدين، ولا يكون الإنسان على حقيقة من دينه إلا بعد العلم بالله تعالى، وذلك بالنظر في الآيات الشرعية من الكتاب والسنة، والنظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات، وهذه المعرفة تستلزم قبول ما شرعه الله تعالى والانقياد له.
وقول: "ومعرفة نبيه"، أي: أن معرفة النبي ﷺ فرض على كل مكلف، وأحد مهمات الدين؛ لأنه ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى. وهذه المعرفة تستلزم قبول ما جاء به من عند الله تعالى من الهدى ودين الحق١. سيأتي -إن شاء الله تعالى- تفصيل ذلك في محله.
وقوله: "ومعرفة الإسلام بالأدلة"، الإسلام له معنيان: معنى عام ومعنى خاص؛ لأنه قد وردت أدلة تدل على أن الإسلام خاص بهذه الأمة ووردت أدلة على أن الإسلام في الشرائع السابقة، فتحريرًا للمسألة نذكر كلام شيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضوع٢، وهو أن
_________________
(١) ١ انظر: "شرح الشيخ ابن عثيمين للأصول الثلاثة" "ص١٣"، و"حاشية ابن قاسم": "ص١٥". ٢ "مجموع الفتاوى": "٣/٩٤". وانظر: "تفسير ابن كثير": "٣/٣٧٧".
[ ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإسلام بالمعنى العام يراد به: عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا دين الأنبياء عمومًا، قال الله -﷿- عن التوراة وأنبياء بني إسرائيل: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ١، فوصف الله -﷾- أنبياء بني إسرائيل بالإسلام مما يدل على أن الإسلام ليس خاصًا بهذه الأمة بل هو عام، وذكر الله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٢، وعن أبناء يعقوب ﵇: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، فهذا هو الإسلام بالمعنى العام.
أما الإسلام بالمعنى الخاص فيراد به: الدين الذي بعث الله نبيه محمدًا به وجعله خاتمة الأديان لا يقبل من أحد دين سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، وقال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ٥، فهذه الآية تفيد أن الله تعالى ارتضى لهذه الأمة الإسلام دينًا، فيفسر بالمعنى الخاص.
وقوله: "بالأدلة" جمع دليل. والدليل فعيل بمعنى: فاعل. من
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٤٤. ٢ سورة يونس، الآية: ٨٤. ٣ سورة البقرة، الآية: ١٣٣. ٤ سورة آل عمران الآية: ٨٥. ٥ سورة المائدة، الآية: ٣.
[ ١٥ ]
العمل بالعلم، دليله
الثانية العمل به.
ــ
الدلالة، وهي الإرشاد. فالدليل هو المرشد إلى المطلوب. وهو إما سمعي: وهو ما ثبت بالوحي من كتاب أو سنة. وإما عقلي: وهو ما ثبت بالنظر والتأمل. وسيأتي شيء من ذلك في أثناء الرسالة.
وفي كلام الشيخ ﵀ إشارة إلى أن التقليد لا ينفع في باب العقائد، وأنه لابد من معرفة دين الإسلام بالأدلة من كتاب أو سنة أو إجماع.
قوله المصنف ﵀: "الثانية: العمل به"، أي: العمل بالعلم؛ لأن العلم لا يطلب إلا للعمل، وذلك بأن يتحول العلم إلى سلوك واقعي يظهر على فكر الإنسان وتصرفه، وقد وردت النصوص الشرعية في وجوب إتباع العلم بالعمل. وظهور آثار العلم على طالبه. وورد الوعيد الشديد لمن لا يعمل بعلمه. ولم يبدأ بإصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، وهي أدلة معروفة معلومة١.
وما أحسن قول الفضيل بن عياض ﵀: "لا يزال العلم جاهلًا حتى يعمل بعلمه فإذا عمل به صار عالمًا". وهذا كلام دقيق؛ لأنه إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل بهذا العلم فهو جاهل؛ لأنه ليس بينه وبين الجاهل فرق إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل به، فلا يكون العالم عالمًا حقًا إلا إذا عمل بما علم، ثم إن العمل إضافة إلى أنه حجة للإنسان فهو أيضًا من أسباب ثبات العلم وبقائه، ولهذا تجد الذي يعمل بعلمه يستحضر علمه، أما الذي لا يعمل بعلمه، فسرعان ما يضيع علمه، قال بعض السلف: "كنا
_________________
(١) ١ انظر كتابي: "العمل بالعلم"، ط١، دار المسلم.
[ ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نستعين على حفظ الحديث بالعمل به"١. أضف إلى هذا ما قاله بعض أهل العلم: "من عمل بما علم أورثه الله علم مالم يعلم، ومن لم يعمل بما علم أوشك الله أن يسلبه ما علم"، وهذا يذكره بعضهم على أنه حديث٢، وهذا ليس بصحيح٣، إنما هي عبارة مأثورة ذكرها شيخ الإسلام ﵀، ومعنى أورثه الله علم ما لم يعلم، أي: زاده إيمانًا ونور بصيرته وفتح عليه من العلوم أنواعًا وفروعًا؛ ولهذا تجد العالم العامل بازدياد، ويبارك الله في وقته وعلمه، ودليل هذا في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٤، قال الشوكاني: "زادهم إيمانًا وعلمًا وبصيرة في الدين، أي: والذي اهتدوا إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به زادهم إيمانًا وعلمًا وبصيرة في الدين"٥.
فعلى المسلم أن يدرك أهمية العمل بالعلم، وأن الإنسان الذي لا يعمل بعلمه سيكون علمه حجة عليه. كما ورد في حديث أبي برزة ﵁ قال رسول الله ﷺ: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: وعن علمه ماذا عمل فيه" ٦، وهذا لا يخص العلماء كما قد
_________________
(١) ١ انظر: "اقتضاء العلم العمل": "ص٩٠". ٢ كالبيضاوي في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، وراجع: "حلية الأولياء" لأبي نعيم: "١٠/١٥". ٣ انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" للألباني: "١/٤٣٢، رقم٤٢٢". ٤ سورة محمد، الآية: ١٧. ٥ "فتح القدير": "٥/٣٥". ٦ أخرجه الترمذي: "٧/١٠١-تحفة"، وقال: حديث صحيح. وانظر "الصحيحة" للألباني: "رقم ٩٤٦"، "واقتضاء العلم العمل" للخطيب البغدادي: "ص١٦، وما بعدها"، و"صحيح الترغيب والترهيب": "١/١٢٥
[ ١٧ ]
الدعوة إلى توحيد الله وطاعته
"الثالثة" الدعوة إليه.
ــ
يفهم بعض الناس بل كل من علم مسألة من المسائل قامت عليه الحجة فيها، فإذا سمع إنسان فائدة في محاضرة أو خطبة جمعة تضمنت تحذيرًا من معصية هو واقع فيها، فعلم أن هذه المعصية التي وقع فيها أنها أمر محرم، فهذا علم. فتقوم عليه الحجة بما سمع. وقد ثبت في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه ﷺ قال: "والقرآن حجة لك أو عليك" ١.
قول المصنف ﵀: "الثالثة: الدعوة إليه"، أي: الدعوة إلى توحيد الله وطاعته، وهذه وظيفة الرسل وأتباعهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٢؛ لأن الإنسان إذا كملت قوته العلمية بالعلم وقوته العملية بالعمل؛ فإن عليه أن يسعى إلى بذل الخير للآخرين تأسيًا برسل الله تعالى عليهم الصلاة والسلام.
والدعوة إلى الله تعالى أمرها عظيم، وثوابها جزيل، كما قال النبي ﷺ: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" ٣.
والدعوة لا تؤتى ثمارها وتكون وسيلة إصلاح وبناء، إلا إذا كان الداعي متصفًا بما يكون سببًا لقبول دعوته وظهور أثرها. ومن ذلك:
_________________
(١) أخرجه مسلم: "٣/١٠١" من حديث طويل. ٢ سورة يوسف، الآية: ١٠٨. ٣ أخرجه البخاري: "رقم٤٢١٠"، ومسلم: "رقم٢٤٠٦".
[ ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١- التقوى: ويقصد بها كل معانيها من امتثال المأمور واجتناب المحظور، والتحلي بصفات أهل الإيمان.
٢- الإخلاص: بأن يقصد بدعوته وجه الله تعالى ورضاه، والإحسان إلى خلقه ويحذر من أن يقصد إظهار التميز على غيره. وإذلال المدعو بإشعاره بالجهل والتقصير.
٣- العلم: فلا بد أن يكون الداعي عالمًا بما يدعو به، ذا فهم لما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وسير السلف الصالح.
٤- الحلم وضبط النفس عن الغضب؛ لأن ميدان الداعية صدور الرجال ونفوس البشر، وهي متباينة ومختلفة كاختلاف صورهم وأشكالهم.
٥- أن يبدأ بالأهم فالأهم على حسب بيئة التي يدعو فيها. فمسائل العقيدة وأصول الدين تأتي في المقام الأول. وقد دل على ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله الحديث" ١.
٦- أن يسلك في دعوته المنهج الذي نص الله عليه في كتابه الكريم، يقول سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢، والحكمة معرفة الحق والعمل به والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "رقم١٣٩٥"، ومسلم: "رقم١٩"، كتاب الإيمان. ٢ سورة النحل، الآية: ١٢٥.
[ ١٩ ]
الصبر على الأذى في الدعوة إلى الله
"الرابعة" الصبر على الأذى فيه.
ــ
الإسلام وحقائق الإيمان ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، وإلانة القول وتنشيط الموعوظ.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيسلك كل طريق يكون أدعى للاستجابة: من الالتزام بالموضوع والبعد عن الانفعال والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى حفظًا للوقت وعزة للنفس وكمالًا للمروءة١.
قوله: "الرابعة: الصبر على الأذى فيه"، أي: الرابعة من المسائل الأربع: الصبر على الأذى في الدعوة إلى الله تعالى، بأن يكون الداعية صابرًا على ما يناله من أذية الناس؛ لأن الدعاة من طبيعة البشر إلا من هدى الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ٢.
فيجب على الداعية أن يكون صابرًا على دعوته مستمرًا فيها، صابرًا على ما يعترض دعوته أو ما يعترضه هو من الأذى؛ لأن الداعية يطلب من الناس أن يتحرروا من شهواتهم ورغباتهم، وعادات أقوامهم، ويقفوا عند حدود الله تعالى في أوامره ونواهيه وأكثر الناس لا يؤمن بهذا المنهج.
فلهذا يقاومون الدعوة بكل قوة، ويحاربون دعاتها بكل سلاح، قال
_________________
(١) ١ انظر: "مدارج السالكين": "٢/٤٧٨"، "تفسير ابن سعدي": "٣/٩٢"، ورسالة "مفهوم الحكمة في الدعوة" للدكتور صالح بن حميد. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٣٤.
[ ٢٠ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
ــ
تعالى عن لقمان الحكيم في وصيته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١.
وعلى الداعية أن يتأسى بالرسل الكرام الذين قص الله علينا أخبارهم، وما حصل لهم من مشاق الدعوة ومتاعبها من إعراض الناس عن دعوتهم وأذيتهم بالقول والفعل مع طول الطريق واستبطاء النصر، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢، وقد جعل الله تعالى العاقبة للمتقين، وكتب النصر لدعاة الحق، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٣.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٤"
استدل المصنف ﵀ على هذه المسائل الأربع بسورة عظيمة لا تزيد على ثلاث آيات وهي سورة العصر، فالمسألة الأولى والثانية في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فإن الإيمان لا يكون صحيحًا، والعمل لا يكون صالحًا إلا بعلم بأن يعبد الله
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ١٧. ٢ سورة الأحقاف، الآية: ٣٥. ٣ سورة البقرة، الآية: ٢١٤. ٤ سورة العصر، الآيات: ١-٣.
[ ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على بصيرة. والمسألة الثالثة في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ . والرابعة في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ هذا قسم، والعصر المراد به: الزمن الذي تقع فيه الأحداث من خير أو شر. أقسم الله به؛ لأن أفعال الناس وتصرفاتهم كلها تقع في هذا الزمن فهو ظرف يودعه العباد أعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر فهو جدير أن يقسم به. وقيل: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ما بعد العشي وهو آخر النهار، ومنه صلاة العصر، والأول هو الأظهر في معنى الآية، والله أعلم١.
وجواب القسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، فالله تعالى يقسم بالعصر على أن الإنسان في خسر. والألف واللام للاستغراق والشمول بدليل الاستثناء بعده، أي: كل إنسان في خسر، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٢.
والخسر: هو النقصان والهلكة؛ لأن حياة الإنسان هي رأس ماله، فإذا مات ولم يؤمن ولم يعمل صالحًا خسر كل الخسران.
ولم يبين هنا نوع الخسران في أي شيء بل أطلق ليعم، فقد يكون مطلقًا كحال من خسر الدنيا والآخرة وفاته النعيم، واستحق الجحيم وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض.
_________________
(١) ١ انظر: "التبيان في أقسام القرآن": "ص٦١". ٢ سورة النساء، الآية: ٢٨.
[ ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذي يستفاد من مفهوم الآية أن الخسران قد يكون بالكفر- والعياذ بالله- قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ ٢، وقد يكون بترك العمل قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا٤﴾، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٥، وقد يكون الخسران بترك التواصي بالحق كلية أو التواصي بالباطل. وليس بعد الحق إلا الضلال. وقد يكون بترك الصبر كلية أو بالوقوع في الهلع والجزع، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ٦.
والمقصود أن الإنسان في خسر مهما كثر ماله وولده، وعظم قدره وشرفه إلا من اتصف بالصفات الأربع. فعلى الإنسان أن يتأمل حاله ويعلم يقينًا أنه لا نجاة للعبد من الخسران إلا بهذا الطريق الذي رسمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية: ٦٥. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٣١. ٣ سورة المؤمنون، الآية: ١٠٣. ٤ سورة النساء، الآية: ١١٩. ٥ سورة المجادلة، الآية: ١٩. ٦ انظر: "أضواء البيان" التتمة: "٩/٤٩٥"، "تفسير ابن السعدي": "٥/٤٥٣"، والآية من سورة الحج، رقم: ١١.
[ ٢٣ ]
قال الشافعي ﵀: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم.
_________________
(١) وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا هو الوصف الأول لمن يسلم من الخسار وهو وصف الإيمان، والمعنى: إلا الذين آمنوا بما أمر الله تعالى من الإيمان به، وهو الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين، وكل ما يقرب إلى الله تعالى من اعتقاد صحيح وعلم نافع. وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المراد بالعمل الصالح: أفعال الخير كلها سواء كانت ظاهرة أو باطنة، وسواء كانت متعلقة بحقوق الله تعالى، أو متعلقة بحقوق العباد، وسواء كانت من قبيل الواجب أو كانت من قبيل المستحب إذا خالصة صوابًا. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ المراد بالحق في هذه الآية –والله أعلم- هو ما تقدم من الإيمان بالله والعمل الصالح ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ جميع أنواع الصبر، الصبر على طاعة الله وأداء فرائضه والقيام بحقوقه وحقوق عباده فهذا يحتاج إلى صبر، والصبر عن معصية الله؛ لأن النفس أمارة بالسوء فلابد للإنسان أن يصبر لئلا يقع في المعصية. ومن الصبر أيضًا: الصبر عن البطر عند كثرة النعم، فيصبر الإنسان عن البطر والإسراف والتبذير عند وجود النعم أو كثرتها، ومن الصبر أيضًا: الصبر على المصائب وهي ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا من مصائب وحوادث فإنه عرضة لذلك. قوله: "قال الشافعي ﵀: "لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم" معنى قول الشافعي: لو أن الله جل وعلا ما أنزل
[ ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للبشرية منهاجًا، ولا جهل لها طريقًا إلا هذه السورة القصيرة ذات الثلاث الآيات لكانت كافية؛ لأن هذه السورة رسمت المنهج الذي شرعه الله تعالى طريقًا للنجاة وهو الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهذه الأمور الأربعة هي التي تحصل بها النجاة، فلو أن الله تعالى ما أنزل إلا هذه السورة لكان من أراد الله هدايته يعرف أنه لا نجاة له إلا بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وهذا من الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى، آية واحدة تبين وظيفة الأمة الإسلامية ووظيفة كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية وهي التواصي بالحق والتواصي بالصبر. بعد الإيمان والعمل الصالح فما أعظمها من سورة ولهذا فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما نقل كلام الشافعي قال: "هو كما قال -يعني: ما قال الإمام الشافعي هو في محله- فإن الله جل وعلا أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنًا صالحًا ومع غيره موصيًا بالحق وموصيًا بالصبر" انتهى كلامه١.
وقد جاء في تفسير ابن كثير ما يختلف عن العبارة التي ذكرها المصنف فقد جاء فيه قال الشافعي ﵀: "لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"، والمعنى واحد، والله أعلم.
_________________
(١) ١ "مجموع الفتاوى": "٢٨/١٥٢"، وانظر "التبيان" لابن قيم: "ص٢٦".
[ ٢٥ ]
وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
"بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل".
ــ
قوله: "وقال البخاري رحمه الله تعالى"، يعني: في كتاب العلم من "صحيحه": "باب: العلم قبل القول والعمل".
وقوله: "باب" يقرأ بالتنوين؛ لأنه مقطوع عن الإضافة، والعلم: مبتدأ، قبل القول: خبر المبتدأ، أفادت هذه الترجمة أن قول الإنسان وعمله لا اعتبار له في ميزان الشرع إلا إذا كان قائمًا على العلم، فالعلم شرط لصحة القول والعمل.
وقوله: "والدليل" هذا من كلام البخاري، والذي في "الصحيح" أن البخاري قال: "باب: العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى"١، ولكن الشيخ ﵀ عبر بقوله "والدليل" ليكون أوضح. "قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ٢ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل"، وهذا من كلام البخاري أيضًا، لكن ليس في "صحيحه" كلمة "قبل القول والعمل" إنما الذي فيه "فبدأ بالعلم"، فإما أن يكون قوله: "قبل القول والعمل" من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ للتوضيح، أو أنه في نسخة أخرى، وقوله تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، وهو يشمل الأمة، وهذا هو العلم.
_________________
(١) ١ انظر: "صحيح البخاري": "١/١٥٩". ٢ سورة محمد، الآية: ١٩.
[ ٢٦ ]