الأول: من يعلم بدعية فعله ويزعم أن الشارع يحبه، فقد جمع كذبا وتشريعا.
وإنَّما اشتبه على الناس أمران:
الأول: في حكم صاحبه.
الثاني: في الطريق التي يُعْلَم بها في الأمر أنَّه بدعة.
فلنعقد لكل منهما بابًا.
الباب الأول
فأما الأمر الأول فأصحاب البِدَع على أربعة أقسام (^١):
القسم الأول: الذي يعلم أنَّ بدعته ليست من دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ - عن ربه، ومع ذلك فيزعم أنَّها ممَّا يحبُّه الله ويرضاه، فهذا قد جمع بين الكذب على الله والتكذيب بآياته.
أما الكذب على الله: فبزعمه أنَّ الله يحبُّ ذلك الفعل ويرضاه، وليس عنده من الله ﷿ برهان على ذلك، فقد اعترف أنَّه ليس من دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ -.
فإمَّا أن يزعم أنَّ له أو لغيره أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وفي ذلك دعوى الرُّبوبية؛ لأنَّ شرع الدين من خواصها، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وإمَّا أن يزعم أنَّه أو شيخه علم أنَّ الله ﷿ يحبُّ ذلك الأمر ويرضاه بإعلام الله تعالى، ففيه دعوى أنَّه أو شيخه نبي ورسول بشريعةٍ تَنْسَخُ بعض
_________________
(١) لم يذكر المؤلِّف ــ فيما وجدته من رسالته ــ القسم الرابع.
[ ٦ / ١٠٩ ]
الشريعة المحمَّدية.
وأمَّا كونه مكذِّبًا بآيات الله: فواضح.
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كثيرة في أنَّ شرع الدين خاص بالله ﷿، وفي أنَّ الدين قد كَمَل، وأنَّ عِلْم حُكْمِ الله قد انسدَّ إلَّا بواسطة كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وفي أنَّ النبوة قد خُتِمَت ولم يبق منها إلَّا الرُّؤيا الصالحة، والكشف نوع منها يحتاج إلى التعبير مثلها، فإذا تضمَّن الزيادة في الدِّين على ما بلَّغه رسول الله - ﵌ - فذلك برهانٌ على كَذِبه أو على أنَّ له تعبيرًا يخرجه عن ظاهره.
وقد حقَّقنا هذا في "رسالة العبادة"، وحقَّقنا فيها أنَّ التَّحديث المذكور في قوله: "إنَّه كان فيمن قبلكم محدَّثون " (^١) إنَّما يحصل به الظَّن، ولا يعلم المُحَدَّث أنَّ ذلك الظن من التحديث، لأنَّ الظَّن كما يحصل به فقد يحصل بالوسوسة، وبالتوهُّم المبنيِّ على سببٍ خفيٍّ قد لا يتنبَّه له المتوهِّم، وإن كانت نفسه قد بَنَتْ عليه ما بَنَتْ.
ومثال ذلك: أن ينالك أذى وضُرٌّ من إنسان، ثم بعد بُرْهةٍ من الزَّمان رأيتَ إنسانًا آخر، فوقع في نفسك أنَّه يريد بك شرًّا وأذى.
والسبب أنَّ بينه وبين المؤذي مشابهة ما في الصورة أدْرَكَتْها نفسُك لأول نظرةٍ، ولم يضبطها عقلك، ولهذا الاشتباه لم يكن عمر نفسُه يحتجُّ بظنِّه، ولا يبني عليه الأحكام.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂، وغيرهما.
[ ٦ / ١١٠ ]
القسم الثاني: من يشك في بدعية فعله ولكنه يجزم أنها من دين الإسلام، فهو كالقسم الأول.
القسم الثالث: من يجزم أن بدعته من دين الإسلام، وليس عنده برهان عليه، وهذا ثلاثة أضرب
الأول: مجتهد بشبهة دليل، فهو معذور إن خفي عليه اختلال شرط أوقيام معارض دون علمه.
متى تبين للمجتهد - أو لمقلده - خطأ اجتهاده المعذور فيه ابتداء = فأصر على رأيه فهو هالك.
هذا وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وقد حقَّقنا هذا المعنى في "رسالة العبادة"، والحمد لله.
القسم الثاني: من يشكُّ في بدعته، أمِنْ دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ - عن ربِّه أم لا؟ ولكنَّه يجزم بأنَّها ممَّا يحبُّه الله ويرضاه، وحُكْمُه كالأول.
القسم الثالث: من يجزم بأنَّ بدعته من دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ -، ولكن ليس عنده برهان على ذلك، وهذا على أضْرُب:
الضَّرْب الأول: المجتهد الذي قامت عنده شُبْهَةٌ هي من جنس الأدلة المقرَّرة في الشريعة، على ما هو مفصَّل في أصول الفقه، ولكن اختلَّ شرط من شروطها، ولم يعلم باختلاله، أو قام لها معارض ولم يعلم به ونحو ذلك، وقد بَحَثَ ونَظَرَ بقدر وُسْعِه، وذلك كأن يبلُغَه حديثٌ عن النبي - ﵌ -، فينظر في سنده فيراه مستجمعًا لشروط الصِّحة أو الحُسْن، ويتدبَّر الكتاب والسُّنة فلا يجد له معارضًا، ولم تكن الأمة أجمعت على خلافه= فيقول به.
ويطَّلِع غيرُه على ما خفي عليه، إمَّا على قدحٍ في أحد الرُّواة، أو على عِلَّةٍ تُوْهِن الحديث، أو على دليل آخر يعارضه، أو على أنَّه ليس ظاهرًا في المعنى الذي فهمه ذاك.
فالأول معذور مأجور، اللهم إلَّا أن يُنَبَّه على خطئه فيُصرَّ ويستكبر، فهذا هالك لا محالة.
وفي حكم المجتهد من قلَّده عارفًا لدليله، فإن كان المقلِّد يرى صحَّة
[ ٦ / ١١١ ]
الثاني: من لم يبلغ درجة الاجتهاد وينظر في الأدلة ويحكم دون موافقة مجتهد، فهذا ضال مضل.
دليل مُقلَّده فهو معذور مأجور، وإن تبيَّن له بطلان دليل مُقلَّده وأصرَّ على تقليده فهو هالك، وإن لم يعلم دليل مُقلَّده أصلًا، أو عَلِمَه ولم يتبيَّن له أصحيح هو أم باطل فهو معذور، ولكن إذا علم بأنَّ بعض المجتهدين يُخالِف إمامه في ذلك فعليه أن ينظر في أدلَّتهم ــ إن تيسَّر له ــ ثم يقلِّد من ظَهَر له رُجْحَانُ دليله، فإن لم يتيسَّر له ذلك فقد قال جماعة من العلماء: يلزمه الاحتياط، وقال بعضهم غير ذلك.
والذي تقتضيه الأدلَّة أنَّ عليه الاحتياط، وفي "الصحيح" (^١): "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهُنَّ كثير من الناس، فمن اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدِينِه وعِرْضه " الحديث. والمختلف فيه مشتبه.
اللَّهم إلَّا أن يشقَّ عليه الاحتياط مشقَّة شديدة فقد يقال له حينئذٍ أن يأخذ بالأخف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الضَّرْب الثاني: من لم يبلغ درجة الاجتهاد، وإنَّما يتعاطى النَّظَر في الأدلَّة، ويحكم بما يظهر له بدون استنادٍ إلى موافقة مجتهدٍ من المجتهدين فهذا ضالٌّ مُضِلٌّ، وهو من الرُّؤساء الجُهَّال الذين وَرَد فيهم الحديث (^٢).
_________________
(١) البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁، ولفظ المؤلف أحد ألفاظ مسلم.
(٢) يعني: ما أخرجه البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣)، وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ النَّاس رؤوسًا جهالًا فسُئِلُوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا". تنبيهٌ: قوله: "لم يُبقِ عالمًا" وصحَّت الرواية بلفظ: "حتى إذا لم يبقَ عالمٌ". وقوله: "رُؤُوسًا" جمع "رأس"، ولفظ المؤلِّف: "رُؤَسَاء" جمع "رئيس" هي روايةُ أبي ذرٍّ للصَّحيح، وهي رواية ابن حبَّان في "صحيحه" (٤٥٧١). ويُنْظَر فيما تقدَّم: "الفتح" لابن حجر (١/ ١٩٥).
[ ٦ / ١١٢ ]
أكثر البدع من اختراع العباد، الذين لا يعتد بأقوالهم، إذ لم يكونوا في العلوم بدرجة الاجتهاد.
الثالث: من يقيس على نصوص المجتهدين ويستنبط منها، وهو الذي يسمى «مجتهد المذهب».
وأكثر البِدَع من اختراع هؤلاء، وإنَّما تبعهم الناس فيها لاشتهار بعضهم بالزُّهد والتصوُّف، أو بعلمٍ آخر غير العلم المشروط في الاجتهاد.
وقد حقَّقنا في "رسالة العبادة" أنَّ الزُّهاد والعُبَّاد لا يعتدُّ بأقوالهم ما لم يكونوا من العلوم المعروفة بدرجة الاجتهاد، وأنَّ الكَشْف ليس من الحُجَج الشرعية، وأنَّ الوَلِيَّ يخطئُ كما يخطئُ غيره، بل الخطأ أقرب إليه؛ لغلبة حُسْن الظن عليه.
وحقَّقنا أنَّ الأحوال المكتسبة بالرِّياضة التي لم يندب إليها الشرع ليست من الولاية الصحيحة في شيءٍ، وإن صارت حياة صاحبها كُلَّها خوارق وغرائب، وأوضحنا ذلك ببراهينه.
نعم قد يكون للرجل من هذا الضَّرْب عذر يرفع عنه الملامة، وكذا لِمَن تَبِعَه جاهلًا بحقيقة الأمر معذورًا بجهله.
وقد حقَّقنا في "رسالة العبادة" ما يكون من الجهل عذرًا، وما لا يكون، فمهما أمكن أن يكون له عذر فلا يجوز الحكم عليه بالهلاك أو الإثم، بل لعلَّه يكون في نفسه من الصَّالحين الأخيار، ولكن احتمال كونه معذورًا لا يكون مسوِّغًا لاتِّباعه.
الضَّرْب الثالث: من يقيس على نصوص المجتهدين ويستنبط منها، وهو
[ ٦ / ١١٣ ]
الاستنباط من نص المجتهد تحصيل لدلالات ظنية قد تضعف جدا، كعموم فاته فيه بعض أفراده.
عموم نصوص الله ورسوله - ﷺ - يشمل الصور النادرة؛ لأنه مبني على علم معصوم بخلاف غيرهما.
مناقشة ومنع الاستنباط من نص المجتهد بدلالة ظنية، كالإشارة ومفهوم الموافقة والمخالفة.
الذي يسمُّونه: "مجتهد المذهب"، وهو كما يُؤْخَذ من كلامهم: مَنْ أحرز شروط الاجتهاد المطلق، إلَّا أنَّه قاصر في معرفة التفسير، وفي معرفة السُّنة، ويكون مع ذلك واسع الخبرة بمذهب إمامه أصولًا وفروعًا.
ومن شرطه
_________________
(١) أيضًا أن يعلم مَأْخَذ إمامه في المسألة التي يريد الاستنباط منها. ومدار الاستنباط على تحصيل دلالة ظنية من نصوص المجتهد بأنَّ الحُكم في هذه المسألة هو كيت وكيت، وقد تكون تلك الدلالة عمومًا أو مفهومًا، والغالب فيها هو القياس، وكلٌّ من هذه الدلالات قد يَضْعُف جدًّا. فأمَّا العموم فإنَّه قد يدخل تحت النص العام صور نادرة قد لا تكون خَطَرَت على ذهن المجتهد. وإنَّما قلنا إنَّ عموم نص الكتاب أو السنة يشمل الصورة النادرة لأنَّ الله ﵎ لا يعزُبُ عن علمه شيء، وهو رقيب على لسان رسوله، يعْصِمُه عن الخطأ، ومع ذلك فقد قال جماعة من العلماء بعدم دخول الصورة النادرة في النص الشرعي أيضًا. وأمَّا غير المعصوم فإنَّنا لا نثق بأنَّه خَطَرت على ذهنه الصورة النادرة. وإذا لم تكن خَطَرت على ذهنه فلا يثبت أنَّ لها عنده ذلك الحكم، فلعلَّه لو سُئِل عنها لرأى لها حكمًا آخر، واعتذر عن ذلك العموم بأنَّها صورة نادرة لم تخطر على ذهنه. فإن قيل: فقد قال جماعة من العلماء بدخول الصور النادرة في عموم كلام غير المعصوم، في نحو النَّذر واليمين والوكالة.
[ ٦ / ١١٤ ]
قلتُ: نعم، قد قالوا ذلك، ولكن الوجه في ذلك أنَّهم رأوا أنَّ الصِّيغة سبب تامٌّ في انعقاد العقد، ولهذا قالوا بدخول الصُّوَر التي لم يقصدها العاقد، وبالانعقاد بالصيغة التي لم يقصد بها الإيقاع، وإنما قصد بها الهزل.
وفتوى المجتهد ليست بسبب تامٍّ لثبوت الحكم؛ إذ ليست بإنشاءٍ للحُكْم كما كانت صيغة النَّذر إنشاءً للنذر مثلًا، وإنَّما الفتوى إخبار من المجتهد بما فهمه من الشريعة، فيحصل ظنٌّ بصحة ذلك؛ لأنَّه عدل عالم، وهذا خاص بما قَصَدَه في عبارته، فكيف تدخل الصُّوَر التي لم يظهر أنَّه قصدها؟ !
وهكذا يقال في دلالة الإشارة، فإنَّها عندهم: دلالة اللَّفظ على ما يلزم معناه، ولا يظهر من اللَّفظ أنَّه قصد به، فنقول بها في كلام الله تعالى؛ لإحاطة علمه بما يلزم، وكذا في كلام رسوله - ﵌ -؛ لأنَّ الله تعالى رقيبٌ عليه كما تقدَّم، وكذلك يقول بها في العقود من يرى العقود أسبابًا تامَّةً؛ لأنَّها إنشاء لأحكامها، ولا يصح أن يقال بها في فتاوى العلماء؛ لما سبق.
وأمَّا المفهوم فمفهوم الموافقة إن كان واضحًا فهو كالمنطوق الصَّريح، وإلَّا فهو من القياس، وسيأتي ما فيه.
وأمَّا مفهوم المخالفة فقد نقل ابن السُّبكي عن والده: أنَّه لا عبرة به في غير الشرع (^١)، قال المحلِّي في "شرح جمع الجوامع": "من كلام المصنِّفين والواقفين لغلبة الذُّهول عليهم بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله المبلِّغ عنه؛ لأنَّه تعالى لا يغيب عنه شيء" (^٢).
_________________
(١) "جمع الجوامع" (ص ٢٤) حيث قال: "والشيخ الإمام في غير الشرع".
(٢) "شرح المحلِّي" مع "حاشية البنَّاني" عليه (١/ ٢٥٥)، و"حاشية العطَّار" عليه (١/ ٣٣٥).
[ ٦ / ١١٥ ]
مناقشة ورد استحسان البدع والمحدثات بناء على القياس على نصوص مجتهدي المذاهب.
وهذا قوي جدًّا بالنسبة إلى كلام المصنِّفين، ومَن في معناهم مِن المفتين.
ويؤيِّده أنَّ القائلين بمفهوم المخالفة يشترطون أن لا يكون المتكلِّم جاهلًا بحكم المسكوت عنه، والجهل ممكن في المصنِّفين والمفتين.
ويشترطون أن لا يكون القيد خرج مخرج الغالب، وقد خالف في هذا إمام الحرمين (^١)، وخلافه قويٌّ بالنسبة إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله؛ لأنه يبعد أن يُحْمَل قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] على أنَّه لا معنى له، وإنَّما جَرَى مَجْرَى الغالب؛ إذ ليس في موافقة الغالب فائدة تُذكر، مع أنَّ زيادة ذلك تُنْقِص الفائدة، وتُوقِع في الخطأ. وعلى نحو هذا يقال في كلام رسول الله - ﵌ -.
فأمَّا المصنِّفون ونحوهم فلا يبعد أن يجري على ألسنتهم زيادة الكلمة موافقة للغالب.
وأمَّا القياس فمالك لا يكاد يعتدُّ به في العبادات، كما قرَّره الشاطبي في "الموافقات" (^٢)، وعامَّة البدع التي نحن في صدد البحث عنها إنَّما هي في العبادات.
وشرط الاحتجاج بالقياس أن لا توجد دلالة أقوى منه من كتاب أو سنة. وعدم الوجدان إنَّما يُعْتَدُّ به في حقِّ المجتهد المستقل، وأمَّا مجتهد المذهب فلا أثر لعدم وجدانه؛ لقصور معرفته بالكتاب والسنة. على أنَّ كثيرًا
_________________
(١) كما في "البرهان" له (١/ ٤٧٧).
(٢) "الموافقات" (٢/ ٥١٩)، وبنحوه في: "الاعتصام" له (٣/ ٥٤).
[ ٦ / ١١٦ ]
قياس مجتهد المذهب على نص إمامه المستند في اجتهاده على قياس= باطل؛ لأنه قياس على قياس.
أكثر مسائل الفروع لا من نص إمام المذهب ولا مستنبطة من كلامه، بل كل متأخر يستنبط ممن قبله!
من علماء المذاهب يرجِّحون قياس قول إمامهم على نصوص شرعية قد وقفوا عليها!
ثم نقول: إن كان مجتهد المذهب قاس على قول إمامه بدون أن يعرف دليل إمامه = فإنَّنا نخشى أن يكون إمامه استند إلى قياس، فيكون قياس هذا المقلِّد مركَّبًا على قياس، وهو باطل عندهم، كما قرَّروه في كتب الأصول.
وإنْ عَلِم دليل إمامه وكان قياسًا فالأمر واضح.
وإن كان نصًّا فشرط القياس على النَّص أن لا توجد دلالة أقوى منه من كتاب أو سنة، ولا اعتداد بعدم وجدان من ليس بمجتهد مستقل؛ إذ لو كان لمجتهد المذهب من المعرفة بالكتاب والسنة ما يصحِّح الاعتداد بعدم وجدانه= لكان مجتهدًا مستقلًا، والمفروض خلافه.
هذا مع أنَّ من الأقيسة ما هو ضعيف جدًّا، كقياس الشَّبَهِ وغيره.
والحاصل: أنَّ الاستنباط من كلام المجتهد على جانبٍ من الضعف، فإن جاز الاستناد إليه فعلى قدر الضرورة مع وجوب الاحتياط، ويشتدُّ الأمر إذا علمنا أنَّ أكثر المسائل المدوَّنة في كتب الفروع ليست من نصِّ الإمام، ولا مستنبطة من نصِّه، بل كل متأخر يستنبط مِن كلام مَن قَبْله، ففي مذهب الشافعي مثلًا تجد "دحلان" يستنبط من كلام "الباجوري"، و"الباجوري" يستنبط من كلام "البجيرمي"، و"البجيرمي" يستنبط من كلام "الشبراملسي"، و"الشبراملسي" من كلام "ابن حجر"، و"ابن حجر" من كلام "الزركشي"، و"الزركشي" من كلام "النَّووي" وهكذا.
ولعلَّك لا تصل إلى الإمام إلَّا بعشر درجات وأكثر.
[ ٦ / ١١٧ ]
من أسباب استحسان البدع: ميل العالم لأهل البدع، أو لأهل الدنيا، أو منافسة علماء عصره.
الشريعة كجداول نبعت من جبل، فيها ما صفي وفيها ما كدر، فمن لم يقدر على المنبع فليحتط.
هذا مع أنَّ كثيرًا من العلماء يبنون الأحكام على استحسانهم.
ومنهم مَن غَلَب عليه الميل إلى بعض المبتدعة، وكثير منهم من كان يعتقد الولاية لكل من حُكِي عنه ضَرْب من الغرائب التي يسمُّونها كرامات، ويتعصَّب له، ويؤلِّف في فضائله، ويكاد يجعل أقواله براهين قطعيَّة.
ومنهم من كان يعرض له الميل إلى أهل الدنيا والتعصُّب لهم.
ومنهم من كان بينه وبين علماء عصره منافسة تَحْمِلُه على مخالفتهم، كما وقع في قضية الصلاة المُبْتَدَعَة في ليلة أول جمعةٍ من رجب، كما حكاه أبو شامة في "الباعث" (^١).
وبالجملة فالعوارض المشكِّكة في صحَّة أقوالهم كثيرة.
وما مَثَلُ الشريعة إلَّا مثل ينبوع يخرج من جبل ويجري إلى مراحل كثيرة، وقد تكفَّل المَلِك بحفظ مجراه وتنظيفه، ومنع اختلاط الأوساخ والأقذار والمياه المتغيِّرة به، وهناك سَوَاقٍ قد اسْتَقَت منه، ويجري فيها من مائه إلى مراحل كثيرة أيضًا، ولكن المَلِك لم يتكفَّل بحفظها ولا حراستها، فهي مُعرَّضة لاختلاط الأقذار والأوساخ والمياه الرديئة والمتغيِّرة بمائها، وكثير من تلك السَّواقي قد عَظُم وغزُر ماؤه، فَمِن الناس من يستقبل من تلك السَّواقي ساقية أو ساقيتين أو أكثر، فيملأ من مائها بحيرة، ومنهم من يتجشَّم السفر إلى المجرى الذي تكفَّل المَلِك بحفظه، فيملأ جرَّة أو جرَّتين أو ما قُسِمَ له.
_________________
(١) "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص ٤٢ - ٤٣)، وفيه قصَّة العز بن عبد السلام مع أحد منافسيه.
[ ٦ / ١١٨ ]
استنباط المتأهل للاستنباط من المذاهب جائز إن اضطر إليه ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق منه.
والمقصود: أنَّ الاستنباط من المذاهب جائز بقدر الضرورة، فمن كان أهلًا للاستنباط واضطرَّ إليه في مسألة، ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق منه، واحتاط بقدر إمكانه= فلا حرج عليه إن شاء الله وإن أخطأ، وكذلك من تبعه ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق من قوله، ومع ذلك احتاط بقدر الإمكان.
ومن حكمة الله البالغة ورحمته السَّابغة أنَّ غالب البدع لا يدَّعي أصحابها ومن شُبِّهت عليهم أنَّها من أركان الإيمان، ولا فرائض الإسلام، ولا الواجبات المحتَّمة، وإنَّما غايتهم دعوى أنَّها مستحبَّة، وذلك تيسير من الله ﷿ لطريق الاحتياط لمن أراده، فما عليك إلَّا أن تتحرَّى فيما قيل إنَّه مستحب، وقيل إنَّه بدعة.
فإن كنت ممَّن يستطيع الوصول إلى المجرى المحفوظ فانظر، فإن وجدتَ ما يُثلج صدرك من الدلالة على أنَّه من الدِّين، أو على أنَّه ليس منه= فالزم ذلك.
وإن اشتبه عليك فدَعْه عالمًا أنَّ اجتناب البدعة أحق من فعل المستحب، وأنَّ ارتكاب البدعة من الخطر بحيث لا يوازنه ترك المستحب.
على أنَّك بتركك لذلك الشيء حذرًا من أن يكون بدعة، لك أجر عظيم أعظم مِن أجر مَنْ فَعَل مستحبًّا، وإن فعلتَه مع خشية أن يكون بدعة فعليك إثم البدعة، وإن كان في نفس الأمر غير بدعة!
وإن لم تستطع الوصول إلى المجرى المحفوظ فإن ظفرت بمَن وصل إليه وهو ثقة مأمون بريء من التعصب، وقد اطَّلَع على قول من قال: إنَّ ذلك
[ ٦ / ١١٩ ]
قد يكون المستحسن لبدعة خيرا في نفسه صالحا وليا لله، ولكن لا يلزم من ذلك عصمته عن الخطأ.
لا يلزم من كون المجتهد معذورا مأجورا في اجتهاده أن يكون كل من وافقه على ذلك كذلك.
الأمر مستحب، وقول من قال: إنَّه بدعة، وعَرَض القولين على نصِّ الشرع= فخذ بقوله.
وإن بقي عندك تردُّد في صحَّة قوله فالزم الاحتياط، وإن لم تظفر بواصلٍ فلابدَّ من الاحتياط، وعليك بالاحتياط لنفسك، وحسن الظَّن بغيرك على قدر الإمكان، ولا يصدنَّك أحدهما عن الآخر.
فإذا علمتَ أنَّ فلانًا كان يقول: إنَّ هذا الأمر مستحب، ويعمل به، فلا تتَّخذ ذلك دليلًا على أنَّه ليس بدعة.
وإذا بان لك أنَّه بدعة أو شَكَكْت فيه فلا تسئ الظن بذلك القائل، بل قل: لعلَّ له عذرًا، والأعذار ههنا كثيرة، ولعله يكون في نفسه خيِّرًا فاضلًا صالحًا من أولياء الله تعالى، ولا يلزم من ولايته عصمته عن الخطأ، ولا يلزم من كونه معذورًا مأجورًا في قول أو فعل أن يكون كل مَنْ وافقه على ذلك معذورًا مأجورًا أيضًا.
وههنا مَثَلٌ: رجل خاف على نفسه الزِّنا، فأسرع إلى بيته ليواقع زوجته فتسكن نفسه عن الجماح، فعَمَد إلى السَّرير الذي تنام عليه زوجته، فقضى حاجته، وبعد الفراغ تأمَّل المرأة وإذا هي أُمُّه، قد نامت تلك الليلة على سرير زوجته، خلافًا للعادة، فهذا الرجل معذور مأجور.
ولو عكس فعَمَد إلى السرير الذي تنام عليه أُمُّه ليقع على أُمِّه فوقع، ثم تبيَّن له أنَّ التي وقع عليها زوجته فإنَّه آثم فاجر.
قال الأشخر في "شرح ذريعته": "لو وطئ زوجته على ظنِّ أنَّها أجنبية فتحل لمطلِّقها ثلاثًا وإن أثم (الواطئ) قطعًا، بل حكى ابن الصَّلاح وجوب
[ ٦ / ١٢٠ ]
الحدِّ" (^١).
ولو اشتبه عليه الحال فلم يدر، أَزَوجته هي أمْ أُمُّهُ فإنَّه يحرم عليه الوقوع عليها حتمًا.
ولو أنَّ رجلًا تزوَّج امرأةً فأُهديت إليه أختُها وهو لا يشعر، بل يظنُّ المُهْدَاة زوجته، فعاشرها طول عمره فهو معذور مأجور.
ولو أنَّ رجلًا آخر تزوَّج وأُهديت إليه أخت زوجته فأُخْبِر بذلك، فهل له أن يستمر على معاشرتها، محتجًّا بأنَّ الأول كان عالمًا صالحًا وقد استمرّ على معاشرة أخت زوجته، وأفتى العلماء بأنَّه معذور مأجور؟ أَوَ لا يقول له العقلاء جميعًا: يا أحمق! ذاك لم يكن يعلم، وأنت قد علمتَ!
_________________
(١) "شرح ذريعة الوصول إلى اقتباس زبد الأصول للأشخر الزبيدي" (١/ ٥٤). رسالة جامعية.
[ ٦ / ١٢١ ]