الإنسان عبد لله، خلقه ليكون كذلك، وكما أن الله - سبحانه - لم يخلقه عبثًا في أصل نشأته، فكذلك لم يتركه هملًا في شؤون حياته.
خلقه وعلمه ودله على طريق الخير الذي يوصل إليه سبحانه، وجعلها طريقًا واحدة، دليلها الكتاب وبابها الرسول، فمن أراد سلوك الطريق من غير دليل تاه، ومن أراد الولوج من غير باب الرسالة، وبدون مفتاح النبوة فقد ضيع دنياه وأخراه.
ولهذا جاء الأمر الحتمي الملزم بالاعتصام بالوحي المنزل؛ لكونه الصراط المستقيم الموصل.. وجاء النهي الشديد المحتم بترك ما سوى قصد السبيل، ونبذ الجائر المجافي للدليل.
وسوف أسرد بإيجاز بعض ما ورد من الكتاب والسنة والآثار في ذم البدع والتنفير منها، والنهي عنها، ثم أورد بعد ذلك باختصار بعض أقوال العلماء في ذلك.
والذم هنا يشمل كل أنواع البدع صغيرها وكبيرها، في الاعتقاد أو في الأعمال بالفعل أو بالترك سواء كانت بدعة حقيقية أم إضافية وذلك لعموم حديث المصطفى ﵇: "وكل بدعة ضلالة".
فمن آيات الكتاب المجيد في ذم البدع:
١- قوله - ﷿: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) .
[ ١ / ٦٧ ]
وقد جاء تفسيرها في حديث المصطفى - ﷺ - كما روت عائشة - ﵂ - أن الرسول - ﵇ - تلا هذه الآية ثم قال: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
وكذلك فسرها ابن عباس - ﵄ - كما روى الآجري بسنده أنه ذكر لابن عباس - ﵄ - الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن فقال - رضي الله تعالى عنه -: (يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) .
٢- وقوله - جل وعلا: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق
[ ١ / ٦٨ ]
بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) .
فالصراط المستقيم الذي أمر الله به هو سبيل الله والسبل الأخرى التي نهى الله عنها هي سبل أهل البدع.
والدليل على هذا ما رواه عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: (خط رسول الله - ﷺ - خطًا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل) .
وما رواه أبو نعيم بسنده عن مجاهد في قوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) قال: (البدع والشبهات) .
والنهي عن هذه السبل يدل على ذمها.
٣- وقوله - ﷾:
(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) .
وقد ورد ما يفسر هذه الآية من كلام الصادق - ﷺ - كما نقل ذلك معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله..".
ولما رأى الصحابي الجليل أبو أمامة - ﵁رؤوس الخوارج منصوبة على درج مسجد دمشق قال: (كلاب النار ثلاثًا شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ثم قرأ: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) الآيتين.
قل - القائل راوي الحديث أبو غالب - لأبي أمامة: أسمعته من
[ ١ / ٦٩ ]
رسول الله - ﷺ -؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو ستًا أو سبعًا ما حدثتكم) .
وقد فسر ابن عباس - ﵁ - قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) بقوله: (فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة) .
٤- وقوله - سبحانه -: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) .
قال الحافظ ابن كثير:
(أي عن أمر رسول الله - ﷺ - وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا (أن تصيبهم فتنة)، أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة) .
٥- وقوله - تعالى -:
(وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) .
[ ١ / ٧٠ ]
٦- وقوله - تعالى -:
(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) .
ومن أحاديث المصطفى - ﷺ - في ذم البدع:
١- قوله - ﷺ:
".. أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) . وزاد النسائي: "وكل ضلالة في النار".
٢- وقوله - ﷺ:
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
٣- وقوله - ﷺ - كما روى العرباض بن سارية:
"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة".
٤- وقوله - ﷺ - من حديث معاوية بن أبي سفيان -
[ ١ / ٧١ ]
﵄ - قال: (ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة".
٥- وقوله - ﷺ - كما روى ذلك أنس وعبد الله بن عمرو: "من رغب عن سنتي فليس مني".
٦- وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنما أخشى عليكم بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء".
[ ١ / ٧٢ ]
ومن الآثار الواردة في ذم البدع:
١- ما رواه أبو داود بسنده عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: (إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك أن يقول قائل: ما للناس لايتبعوني؟ وقد قرأن القرآن وما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع؛ فإن ما ابتدع ضلالة واحذروا زيفة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق) .
٢- وعن حذيفة - ﵁ - قال: (يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا أو شمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا..
٣- وروى الآجري بسنده عن أبي العالية قوله: (تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام ولا تحرفوا عن الصراط يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم - ﷺ - والذي عليه أصحابه، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يفعلوا الذي فعلوه خمس عشرة سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء، فحدثت به الحسن فقال: صدق ونصح..) .
٤- وعن ابن عباس - ﵄ - قال: (عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع) .
[ ١ / ٧٣ ]
٥- وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم كل ضلالة) .
٦- وروى الإمام أحمد في الزهد بسنده عن الحسن البصري أنه قال: (اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم وإياكم ما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات) .
٧- وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته: (أما بعدن أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه - ﷺ - وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا اقوي، وبفضل ما كانوا فيه أولى فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه.. ولئن قلتم: ٠إنما حدث بعدهم) ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر وما فوقهم من محسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم..)
[ ١ / ٧٤ ]
٨- وقال أيوب السختياني: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا) .
٩- وقال أبو قلابة: (ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف) .
١٠- وقال حسان بن عطية - كما روى ذلك الأوزاعي عنه: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.
١١- قال رجل لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله أوصني، قال: إياك والأهواء، وإياك والخصومة، وإياك والسلطان) .
[ ١ / ٧٥ ]
وهذه بعض أقوال العلماء في ذم البدع:
جاءت الشريعة الإسلامية بمصالح الأنام في معاشهم ومعادهم وسلكت لأجل ذلك أوضح المسالك وأعطت كل دارج عليها نوره لتهدي وحذرته من مغبة التنكب المقيت؛ لأنه الضلال والفساد والمهالك.
والقلوب كالأبدان، لها غذاء ودواء وبلاء فـ ( الشرائع أغذية القلوب فمتى اغتذت بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث.
بل بمنزلة من تعاطى السموم المهلكة واتخذ الدواء من أنياب الأفاعي لأن فاعل البدع: (.. يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاءوا به.. وحينئذ.. تورث القلب نفاقًا.. فمن تدبر هذا علم يقينًا ما في حشوة البدع من السموم المضعفة للإيمان ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر..) .
لأن الجامع بينها هو مشاقة أمر الله - ﷾ - والخروج عن الطريق المستقيم القاصد، إلى الطريق الجائز.
وهذا هو الجامع أيضًا بين البدع والمعاصي، بيد أن البدع في عمومها أشر من المعاصي، وأشد إثمًا، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حين قال:
(.. والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري: والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) .
واستدل - ﵀ - على أن البدع شر من المعاصي بحديث الرجل الذي
[ ١ / ٧٦ ]
كان يدعى (حمارًا) وكان يضحك النبي - ﷺ -، وكان يكثر من شرب الخمر فحده النبي - ﵇ -، فلعنه أحد الصحابة فقال: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله".
وشرب الخمر معصية، ولكنه لما كان صحيح الاعتقاد، محبًا لله ورسوله شهد له النبي - ﵇ - بذلك ونهى عن لعنه.
واستدل على غلظ البدعة وعظم خطرها بحديث الرجل الذي قال للنبي - ﷺ -: (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) فقال النبي - ﷺ: "يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".
ولكون البدع أشر من المعاصي صار (أئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب.. ولهذا أمر النبي - ﷺ - بقتل الخوارج ونهى عن قتال الولاة الظلمة..) .
والسبب في أن البدع أسوأ حالًا ومآلًا من المعاصي ما بينه سفيان الثوري، - ﵀ - في الكلام المنقول عنه آنفًا، يضاف إلى ذلك أمور هي
[ ١ / ٧٧ ]
من أسباب اعتبار البدع أضخم في الإثم والذم من المعاصي، وهي في ذات الوقت ذم للبدع فمن ذلك:
١- أن المبتدع بلسان حاله يتهم الرسول - ﷺ - بالخيانة في أداء الأمانة والرسالة، وذلك بكونه يحدث من العبادات والاعتقادات والأقوال والأعمال ما يعتقد أنه قربه إلى الله - تعالى -، ولو كان كذلك لأخبرنا به نبينا - محمد ﷺ - لأنه ما ترك خيرًا إلا دلنا عليهن ولا شرًا إلا نهانا عنه، وهذا المبتدع كأنه يقول بفعله: هذه طريقة حسنة، وعبادة تقرب إلى الله وتنيل الثواب الوفير، وهذا اتهام للمبلغ الأمين - عليه أفضل الصلاة والتسليم-، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس - عليه رحمة الله-: (من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله - ﷺ - خان الرسالة، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا) .
٢- أن البدع مضادة للشريعة ومتهمة لها، إذ تستدرك على الشرع بزيادة أو نقصان، أو تغيير للأصل الصحيح الذي هو الصراط المستقيم، فالبدع عمومًا: (.. مضادة للشارع، ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له) .
٣- وعلة ذلك أن المبتدع: (.. المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيرًا له من رأي أو كشف أو نحو ذلك.
[ ١ / ٧٨ ]
ولأن أهل البدع عمومًا أصلوا أصولًا توافق أهواءهم، وتناقض الحق الذي أمر الله به، فلم يهتدوا إلى الحق، بل جعلوا ما أصلوه مقدمًا على الشرع الحنيف، بل إنهم جعلوا كلامهم هو المحكم، وكلام الشارع هو المجمل المتشابه.. وهذا هو عين المضادة والمراغمة التي تقود إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال والأحوال الفاسدة، والخروج عن الشريعة والمنهاج الذي بعث به الرسول - ﷺ - إلينا.
٤- إن الشيطان الرجيم في تدرجه المشين لإضلال بني آدم بشروره واستحواذهن يسعى أولًا إلى إدخال الإنسان في الكفر والشرك، وهذه غاية أمانيه، فإذا لم يستطع ذلك انتقل (.. إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة، وجعله من أهلها بقي أيضًا نائبه، وداعيًا من ذاته، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها.
ومن هذا الباب يخشى على المبتدع أن يكون كافرًا، ويخاف عليه من سوء الخاتمة - نعوذ بالله -.
ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر.
[ ١ / ٧٩ ]
وبسبب خطورة البدع، حذر العلماء الأجلاء من مجالسة ومخاطبة أهل البدع، والصلاة خلفهم، والرواية عنهم، والتحدث معهم؛ إلا لمن كان قادرًا على كف شرهم عن نفسه، بالرسوخ في العلم، وعلاج ما هم فيه من البلاء بالحرص على إنقاذهم، ودعوتهم إلى الحق بالرفق والحكمة.
فهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - عليه رحمة الله - كان يغشى مجلسه عبد الرحمن بن صالح الأزدي - وكان رافضيًا - فيقربه الإمام أحمد ويدنيه، فقيل له فيهن فقال: (سبحان الله! رجل أحب قومًا من أهل بيت النبي - ﷺ -..) .
وكان عبد الرحمن هذا يحدث بمثالب الصحابة، وأمهات المؤمنين، ولكن الإمام أحمد - بفقهه، وعلمه بمقاصد هذا الدين، ورسوخه في علم الكتاب والسنة، وحرصه على إنقاذ هذا الرجل - الذي أخبر الإمام بحاله - كان يقربه ويدنيه، لعله يزيل عن قلبه غشاوة البدعة، وعن بصره ضلالة الهوى، ليعود إلى الحق المبين، كما فعل - ﵀ - مع موسى بن حزام شيخ البخاري والترمذي، والنسائي، حيث (.. كان في أول أمره ينتحل الإرجاء ثم أعانه الله - تعالى - بأحمد بن حنبل، فانتحل السنة وذب عنها، وقمع من خالفها، مع لزوم الدين حتى مات.
(.. ألا ترى أن الإمام أحمد لزمه أن يجلس معه المجالس الطوال، مناقشًا له برفق وسكينة، وحكمة وموعظة حسنة، حتى استطاع صرفه عن بدعة
[ ١ / ٨٠ ]
الإرجاء، التي توهمه أن العمل ليس شرطًا في الإيمان، وإنما هو تصديق القلب فقط، ثم مجالس أخرى علمه فيها السنن، ثم مجالس أخرى بعث فيه همة عالية، استمر حتى موته بالدفاع عن السنة وقمع مخالفيها، من أهل البدع والشهوات) .
وكلام العلماء في دعوة المبتدعة وإرشادهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، واسع، له أحكامه وآدابهن ووسائلهن مما لا يتسع له الموضوع الذي نحن بصدده.
وما ورد من أقوال فضلاء هذه الأمة في التحذير من مبتدع بعينه، يتوجه إلى من كان داعيًا لبدعته، مصرًا عليها، ومن كان مظهرًا لها، وهو ممن يقتدى به، أما المسر ببدعته، والمستتر بشبهته، فالأولى عدم تعيينه بتحذير، أو تشهير أو تنفير؛ لما في ذلك من فساد، قد يؤدي إلى إصرار واستكبار، ودعوة إلى البدعة من حيث ظن أنه تنفير عنها، وجلب للفرقة والخلاف، بدلًا من الاجتماع والائتلاف، وسيأتي الحديث عن هذا مفصلًا في حكم المبتدع.
أما ما ورد عن الأئمة النبلاء، في التحذير من أهل الأهواء فكثير، اذكر منه على سبيل المثال والاستدلال، لا على سبيل الحصر، ما يلي:
أول تنبيه على هذا المعنى ما ورد عن النبي - ﷺ - في الجليس الصالح والجليس السوء، والتمثيل بحامل المسك ونافخ الكير، وإذا كان هذا الحديث في عموم المعاصي والمخالفات بين، فهو في البدع والأهواء أبين، إذ إن للسنة عبقها وعبيرها، وشذاها ونداها.. وللبدعة نتنها وعفنها، وكيرها وأذاها.
وكذلك ما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "لا تجالسوا أهل
[ ١ / ٨١ ]
القدر ولا تفاتحوهم".
ومما يمكن أن يستدل به من كلام المصطفى - ﷺ - في هذا المعنى قوله: ".. ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى، يتجارى بهم ذلك الهوى، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقًا ولا مفصلًا إلا دخله".
ولهذا الحديث وجه في الاستدلال على وجوب الحذر من مجالسة ومخالطة أهل البدع.
(وبيان ذلك: أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب، ثم إذا عض ذلك الكلب أحدًا صار مثله، ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب، إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل غما أن يقع معه في مذهبه، ويصير من شيعته وإما أن يثبت في قلبه شكًا، يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر) .
وقد فهم هذا المعنى الدقيق ابن طاووس حين دخل عليه وعلى ابنه أحد المبتدعة، فجعل يتكلم في القدر، فأدخل ابن طاووس أصبعه في أذنيه وقال لابنه: (أدخل أصابعك في أذنيك، واشدد، فلا تسمع من قوله شيئًا فإن القلب ضعيف.
[ ١ / ٨٢ ]
ووعى هذا من قبل الإمام الحجة محمد بن سيرين - ﵀ - حين دخل عليه رجل من المبتدعة فقال: (يا أبا بكر، أقرأ عليك آية من كتاب الله، لا أزيد على أن أقرأها، ثم أخرج، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال: أخرج عليك أن كنت مسلمًا لما خرجت من بيتي، فقال يا أبا بكر: إني لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، قال: فقال بإزاره يشده عليه ويتهيأ للقيام، فأقبلنا على الجرل، فقلنا: قد حرج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلًا من بيته؟ قال: فخرج.
فقلنا: يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج قال: إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكني خفت أن يلقي في قلبي شيئًا أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع) .
وهذا هو حكم (سماع كلام أهل البدع، والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم) .
ولكنه ينهى في العموم عن ذلك لما يترتب عليه من مفاسد في الدين والدنيا.
فهذا هو سبيل السلف - عليهم رضوان الله - أخذوه من تأديب الرسول - ﷺ - للثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وإن كان ذلك ليس ابتداعًا منهم، ولكنه مخالفة لأمر النبي - ﵇ -، فكان ذلك دالًا على هجر أهل البدع، وعدم السماع منهم من باب الأولى، كما بوب أبو داود السجستاني لذلك في سننه بقوله: (باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم) ثم استدل بحديث كعب ابن مالك في قصة تخلفه عن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك.
وهذا صاحب رسول الله - ﷺ - وابن صاحبه عبد الله ابن عمر - ﵄ - لما نقل له كلام نجدة الحروري: (.. جعل لا
[ ١ / ٨٣ ]
يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء) .
وقد ذهب إمام دار الهجرة إلى أبعد من ذلك فجعل تلقي العلم عن المبتدع الداعي لبدعته أمرًا منهيًا عنه، وهذا من باب الأولى أيضًا فإذا كان السماع قد نهي عنه فتلقي العلم أحرى بالنهي.
قال مالك - ﵀ -: (لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به) .
هذا في سماعهم والتلقي عنهم، أما في مجادلتهم والخوض معهم فيما خاضوا فيه، فقد نبه السلف على ذلك كثيرًا، إذ جعلوا مصطلح (أهل الجدل والخصومات) مرادفًا لمصطلح (أهل البدع والأهواء) فهذا أبو قلابة يقول: ٠إياكم وأصحاب الخصومات، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
بل قد جعل الحكم بن عتيبة الخصومات سببًا في دخول الناس في الأهواء والبدع حين سأله أحد أصحابه: (ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال: الخصومات) .
[ ١ / ٨٤ ]
ولعله يدخل في هذا ما يسلكه بعض أهل السنة، بدافع حبهم للسنة وتحذيرهم من البدعة، فيجادلون عن السنن، ويخاصمون أهل البدع، فيكون ذلك سببًا في نشر بدعة كانت نائمة، والإشارة إلى مبتدع لم يكن معروفًا، قال الفضيل ابن عياض: (لا تجادلوا أهل الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله) .
وقد بوب اللالكائي - ﵀ - لهذا بابًا سماه: (سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) .
وهذا لا يعارض ما ذكرناه آنفًا من دعوة المبتدعة، وإرشادهم، ولا يعارض كذلك التحذير منهم وكشف شبههم والرد عليها.
بشرط أن يلتزم في ذلك بآداب الدعوة إلى الله ﷿، ومعرفة المهم والأهم، وقاعدة أخف الضررين، وأعلى المنفعتين.
وما يقال في ترك السماع من أهل البدع، وترك الخوض فيما خاضوا فيه، يقال كذلك في مجالستهم، وجامع ذلك هو الذم للمبتدع ولبدعته، والتحذير منه، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: (لا تجالس أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلوب) .
وعن عبد الله بن المبارك: (يكون مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجالس صاحب بدعة) .
وعن الحسن البصري قال: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) .
[ ١ / ٨٥ ]
وهذا ما يسميه العلماء: (هجر أهل البدع والأهواء) .
ولابد من التنبيه هنا إلى أن الهجر حكم شرعي، يأتي على وجه التأديب لمن أظهر المنكرات والمحدثات (.. وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدعة لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية..) .
ولابد من تنبيه آخر يناسب هذا المقام وهو: أن الذم الوارد للمبتدعة وللبدع، فإذا ثبت ذم البدع فقد ثبت ذم صاحبها، وإذا تأكد ذم مقارف البدع دل ذلك من باب الأولى على ذم ما كان سببًا في استحقاقه لهذا الذم.
وإنما تطلق هذه المعاني التي ذكرناها آنفًا في باب التحذير من البدع والتنفير من أهلها، ولهذا الباب متعلقات حكمية تفصيلية، تختلف باختلاف البدعة من حيث ضخامتها، أو ضآلتها، وكونها في الأصول أو الفروع العلمية العملية، وتختلف كذلك باختلاف أحوال المبتدع جهلًا أو علمًا، وهوى أو تأولًا، ودعوة أو استتارًا، مما ينبغي مراعاته والعناية به، وسوف يأتي تفصيله - بعون الله - في الباب الثالث.
[ ١ / ٨٦ ]
لمحة تاريخية عن ظهور البدع
[ ١ / ٨٧ ]
المبحث الأول:
اللمحة التاريخية الموجزة لظهور البدع:
لم يكن ظهور البدع في دين الإسلام على شكل طفرة في زمن واحد وبشكل مفاجئ، وإنما كان ذلك في أزمنة مختلفة متباعدة، وبهيئات وكيفيات متنوعة، وفي أشخاص وثبات وجماعات متباينة.
وكلما ظهرت شمس النبوة في مكان أو زمان، أو شخص أو جماعة، اختفت حنادس البدع، وكلما حجبت أنوار الرسالة، بدت دياجير ظلام الهوى والابتداع، ولذلك فسوف أعرض لتاريخ البدع هنا بإيجاز، على حسب الفترات التاريخية، ذاكرًا أهم البدع وأغلظها في كل فترة، لأجمع بين المنهجين اللذين ذكرهما شيخ الإسلام في ترتيب الناس لأهل الأهواء، إذ إن ( منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم، فيبدأ بالخوارج، ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغلظه..) .
الفترة الأولى: "فترة ما قبل ظهور البدع".
من بعثته - ﷺ - حتى عام ٣٥ هـ.
فيها بعث المصطفى - ﵇ - فنشر الإسلام، وأقام على طريق الجنة المعالم بسيرته وسنته، وبه اقتدى ذلك الرهط الكريم.
وشعت أنوار النبوة، فزهق الباطل، وتراجع حزب الشيطان مذؤومًا مدحورًا، وأقيم صرح الملة الحنيفية، وتزلزل كيان الوثنية.
وتحرر الإنسان من ربقة العبوديات المتفرقة، ونجا من نيران الشهوات
[ ١ / ٨٨ ]
والشبهات المحرقة، ليصبح عبدًا للإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، ثم ليكون بعد ذلك في نور التوحيد معتصمًا بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
وفي فترة حياة الرسول - ﵇ - كان ينزل الوحي الكريم، فكان منه ري القلوب، وشبع العقول، وطمأنينة الأرواح، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يجدون فيه أمنهم وأمانهم، وإسلامهم وإيمانهم، فمنه كانوا ينهلون وعليه كانوا في أقوالهم وأعمالهم واعتقادهم يعتمدون.
استناروا بنوره فلم يضلوا، وتمسكوا بقوته فلم يذلوا، آمنوا بغيبه وعملوا بشرعه، فخافوا من وعيده واطمأنوا لوعده، حفظوه من بعد أن وعته قلوبهم، وفهمته عقولهم، وطبقته جوارحهم.
وكان الوحي الطريق الوحيد لاعتقادهم، والسبيل الفريد لأعمالهم، فلم تجرفهم الشبهات، ولم تلعب بهم الأهواء، فكانوا على هدى من الله وفي صراط مستقيم، قدوتهم نبيهم، يبلغهم عن ربهم، فيصل الأرض بالسماء ويربط الدنيا بالآخرة.. وبه كانوا يقتدون، وعلى سنته يسيرون، أفعاله وأقواله وأحواله - ﵇ - محط أنظارهم، ومجال تنافسهم، وقرة أعينهم وبهجة أفئدتهم، فكانوا لذلك خير أمة أخرجت للناس، وكانوا خير القرون.. أهم ما يشغلهم تطبيق هذا الدين، واتباع الرسول الأمين، والحذر من مخالفته بالتقصير عنه، أو الاستدراك فيه، أو الإفراط بالغلو والتعمق والتنطع، أو التفريط بالتكاسل والتهاون، فكانوا بذلك أمة وسطًا وكانوا على عقيدة واحدة؛ لإدراكهم زمن الوحي، وحيازتهم شرف صحبة النبي - ﷺ - وشدة تمسكهم بالمأثور، ونفورهم من الابتداع والافتراق، وإن كان قد حصل بينهم تنازع في مسائل الاجتهاد؛ فذلك لسعة هذا الباب، وارتفاع الملام عن كلا المتنازعين باجتهاد.
إلا أن الصحابة الكرام لم يتنازعوا في مسألة من قواعد هذا الدين أو كلية من كلياته، أو أصل من أصوله.
[ ١ / ٨٩ ]
كما قال ابن القيم - ﵀ -: (.. أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا.. ولكن - بحمد الله - لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء، والصفات، والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلًا ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوها في صدورها، وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوا بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدًا، وأجروها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها، من غير فرقان مبين..) .
هكذا كان عصر خيرة أمة محمد - ﷺ -: اتباع عن طواعية ومحبة، وبعد عن البدع والجدل والخصومات، والمشكلات والمشتبهات، وكل ما فيه مغبة، وانتصار للحق الذي يؤمنون به، ودعوة إلى الله وجهاد في سبيله.
وإن كان قد حدث بعض الميل عن هذا الخط العام، والصراط الواضح، فإنما كان ذلك من بعضهم - عليهم رضوان الله - وكان بمثابة قزعة صغيرة من السحاب، في ليلة بدر ساطعة، لاحت ثم راحت، وأطلت ثم اضمحلت، فمن ذلك ما أراده النفر الثلاثة - عليهم رضوان الله - حين سألوا عن عبادة الرسول - ﷺ - فكأنهم استقلوها، فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: لا آكل اللحم، فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك، وأخبرهم بالسنة، فانتهوا - عليهم الرضوان.
وحين تكلم بعض الصحابة في القدر، فخرج عليهم رسول الله - ﷺ - فنهاهم عن ذلك الصنيع فانتهوا، ومنعهم من هذا ومثله فامتنعوا.
[ ١ / ٩٠ ]
ففي مسند الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي - ﷺ - فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله - ﷺ - فخرج، فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان، فقال: "بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا) .
وفيه بالسند نفسه أنه - ﷺ - خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع بآية، فذكر الحديث.
وهذا الذي حدث بين بعض الصحابة - عليهم رضوان الله - شذوذ يؤكد القاعدة ولا ينفيها، وأمر عارض اقتضته الحكمة الإلهية، ليكون منه التأديب والتعليم، والتشريع إلى قيام الساعة.. ولذلك فإننا نرى أن الصحابة - عليهم رضوان الله - لما قامت فتنة القدرية، كانوا مصابيح الهداية في ظلمات الشبهات، التي علقت بأذهان بعض الناس.
وفي العهد النبوي بعد الهجرة، ظهرت بعض البذور الخبيثة لبعض البدع لكنها لم تكن ظاهرة على السطح، أو بارزة للعيان، ولم تكن قد اتخذت مسارًا فكريًا أو عمليًا واضحًا.. وإنما كانت بمثابة اعتراضات سطحية جانبية لم تشكل عمقًا، ولم تكن ذات بال، ولولا أن الرسول - ﷺ - أخبر بأنها
[ ١ / ٩١ ]
بذرة لفرقة تخرج فيما بعد، لما التفت لها إلا كما التفت إلى اعتراضات المنافقين أو اليهود، وذلك أن نور النبوة الساطع كان هو الأعم الأغلب، ومثل هذه النتوءات الضئيلة ما كانت لتحجب ضوء الرسالة الصافي.
(والنبي - ﷺ - إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده، بل أولهم خرج في حياته فذكرهم لقربهم من زمانه..) .
قال شيخ الإسلام في المعنى الذي قررناه آنفًا:
(ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف، فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية، والمتأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها، كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبي - ﷺ - كانت أفضل، فالسنن ضد البدع، فكل ما قرب منه - ﷺ - مثل سيرة أبي بكر وعمر كان أفضل مما تأخر كسيرة عثمان وعلي، والبدع بالضد كلما بعد عنه كان شرًا مما قرب منه، وأقربها من زمن الخوارج فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه، ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي - ﵁-) .
ويشير شيخ الإسلام بقوله: (إن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه - ﷺ - إلى قصة ذي الخويصرة المروية في الصحيح عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: (بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله:
[ ١ / ٩٢ ]
اعدل، فقال رسول الله - ﷺ -: "فمن يعدل إذا لم أعدل.."، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال رسول الله - ﷺ -: "دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر أحدهم إلى نصله، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس.. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - وأشهد أن علي ابن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله - ﷺ - الذي نعت) .
وهذه البدعة التي فاح شيء من نتنها في عهد النبوة المبارك، لم تكن سوى ومضة تشبه ارتداد الطرف، في ضحًا أشرق بالسنا النبوي وأضاء بسراج الرسالة المحمدي، فلم يكن لها أن تطمس شيئًا من ذلك وأتي لها؟ بيد أن هذه البدعة كانت نواة بدع ضخام كبرى فيما بعد، ومن هذا الباب عد العلماء الفضلاء بدعة الخوارج أول البدع ظهورًا، وعدوها كذلك البدعة التي حدثت في عهد رسول الله - ﷺ-.
ولا تناقض بين قول هؤلاء وقول الذين قالوا بأنه لم يكن في عهد النبي - ﷺ - شيء من البدع والأهواء فإن كلا القولين صحيح من جهة، فأما قول الأولين فإنهم قصدوا أن جذور بدعة الخوارج وجدت منذ أن اعترض ذو الخويصرة على حكم الرسول - ﵇ -، ودليلهم في ذلك قوله - ﷺ -: " إن من ضئضيء هذا قومًا يقرأون القرآن ولا يجاوز
[ ١ / ٩٣ ]
حناجرهم".
والضئضيء بالهمز: الأصل، والمراد يخرج من صلبه ونسله وهذا ما حدث في آخر العهد الراشد.
وبهذا الاعتبار عدت هذه أول بدعة في الإسلام حدثت في مدة حياة الرسول - ﷺ-.
لأن هذه معارضة للشرع بالهوى، ومعاندة للنص بالرأي الباطل، فمن هنا كانت أولى البدع.
وأما من قال بأنه لم يكن في عهده - ﷺ - شيء من البدع، فينصرف إلى اعتبار ظهورها وتفشيها وانتشارها، وتجمع الناس حولها، وهذا لم يحدث في زمنه - ﷺ -، وما كان ليحدث والوحي يتنزل والإسلام في زيادة، والنبي حي - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وهو الناصح الأمين والمجاهد الجاهد في طمس كل ما لا يحبه الله.
وبدأو ببعض المخالفات التي قد تحسب في حساب البدع كقول الثلاثة، وتنازع بعض الصحابة في القدر، واعتراض ذي الخويصرة.. لا يشكل ظاهرة يشار إليها.. وإنما كان حدوث ذلك وفق حكمة الباري - ﷿ - ليكون بسببها التنبيه على خطورة البدع، والتحذير من شرها، وفي ذلك بلاغ وذكرى للمؤمنين.
وبعد وفاة المصطفى - ﵊ - ظهرت الاعتراضات كالبذور، وظهر منها الشبهات كالزروع، ولكنها كانت في أغلبها اختلافات اجتهادية، خصوصًا ما حدث بين الصحابة - عليهم رضوان الله - وكان كل قصدهم إقامة مراسم الدين وفق مناهج الشرع القويم، وحفظ الملة من كل خطأ وزلة، فكان بينهم اختلافات اجتهادية، لم تصل إلى حد البدعة والفرقة، مثل ما حدث في مرضه - ﵇ -
[ ١ / ٩٤ ]
في شأن الكتاب الذي طلب النبي - ﷺ - كتابته، وما حصل بين ابن عباس وعمر - ﵄ - في ذلك، وما حصل كذلك عند وفاته - ﵇ -، حينما اعتقد عمر أنه - ﷺ - لم يمت وإنما رفع إلى السماء.
وما حصل في موضع دفنه ﵇.
ثم ما حصل من خلاف في السقيفة بين المهاجرين والأنصار، في موضع الإمامة، ولكن الله سلم تلك الأمة المختارة من الفتنة في هذا الباب، الذي كان فيما بعد سببًا من أسباب الفتن، ومدخلًا من مداخل البدع، ثم ما حصل من اختلاف بين الصحابة في أمر فدك وفي إرث النبي - ﷺ - ثم في قتال مانعي الزكاة وأشباه هذه المسائل التي لم تكن من البدع في شيء،
[ ١ / ٩٥ ]
والحمد لله؛ بل كانت من الأمور الاجتهادية التي يؤجر فيها المصيب والمخطئ لكونها من مسائل الأحكام.
وهكذا كان عهد أبي بكر الصديق - ﵁ - هو أقرب العهود إلى العهد النبوي المبارك، وكان من أهم ما حدث في هذا العهد قتال المرتدين، ولم يعتبر العلماء أهل الردة من المبتدعة لكونهم جحدوا بعض أركان الإسلام، وأعلنوا الخروج على الدين باتباعهم للكاذبين المدعين للنبوة، وتصريح بعضهم بالكفر والردة عن الإسلام.
وفي عهد الفاروق عمر - ﵁ - حدثت حوادث مفردة وحيدة في عصر الخلافة التي هي على منهاج النبوة..
وكانت نادرة في زمان، السنة فيه هي الملتزم، والشرع هو المحترم، والوحي هو المقدم، وهذا ما حدث من (صبيغ بن عسل) الذي كان يطرح على الناس ما استشكل عليه من متشابه القرآن، فأخذه عمر وضربه، حتى زال ما كان يجد في رأسه من شبه) .
وبهذا تبددت نأمة هذه الشبهة وتلاشت نبتة هذه الفتنة، وهكذا مضى العهد العمري، فلما قُتل - ﵁ - عام ٢٤هـ انكسر الباب، ولكن
[ ١ / ٩٦ ]
الفتن والبدع لم تطل برأسها في أول عهد ذي النورين - ﵁ -، ولكنها قد فشت سرًا بين الناس عن طريق عبد الله بن سبأ، وأشياعه، حتى حاصر الناسُ عثمان - ﵁ - سنة خمس وثلاثين واقتحموا داره، وذبحوه، وهنا وقع السيف، وأسقط في أيدي كبار الصحابة، وبدت بوادر الفتنة التي حضر لها اليهودي، وإن كانت مقدمات هذه الفتنة، وما ترتب عليها فيما بعد من حروب ومشكلات، تعد من الخلافات السياسية، والأمور التي اختلفت فيها اجتهادات الصحابة - عليهم رضوان الله - إلا أنها كانت إرهاصات لبدع كبيرة هزت الأمة الإسلامية ولا تزال.
ومن خلال هذا العرض الموجز، لهذه الفترة التاريخية، يتبين لنا بالمقارنة مع الفترات الآتية صفاء هذه الفترة من المحدثات، ونقاؤها من البدع والانحرافات، وما حدث من أمور مبتدعة في هذه الفترة، لم يكن سوى نقطة سوداء صغيرة في ثوب أبيض نقي، وحالة نادرة عابرة في حياة مليئة بالحرص على السنة وتطبيقها.
الفترة الثانية من سنة ٣٦ - ١٠٠ هـ:
وتبدأ هذه الفترة من بداية ولاية أمير المؤمنين علي - ﵁ - وقد اختلفت آراء الناس، وتفرقت أمورهم، وزاد ابن سبأ اليهودي أمور الفتنة بما كان يصنعه في السر بين الناس، حتى اقتتلوا وكانت وقعة الجمل سنة ست وثلاثين، وقد أثار فتنتها ابن سبأ ومن معه من السفهاء صباح ذلك اليوم، بعد
[ ١ / ٩٧ ]
أن تم في اليوم الأول ما يشبه الصلح بين الناس..
وفي سنة سبع وثلاثين وقعت موقعة صفين، وفيها رفع أهل الشام المصاحف، ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله، وقبل علي ذلك مكرهًا من بعض جيشه، ثم إنهم اعترضوا على قبول التحكيم بعد ذلك فكانت فرقة الخوارج الذين كفروا عليًا - ﵁ - ثم جعلوا أن من تبرأ من عثمان وعلي وطلحة والزبير والحكام من بني أمية فهو منهم، وانحازوا بعد ذلك وكونوا قوة تقوم على مبدأ تكفير العصاة من أمة محمد - ﷺ - واعتبارهم من الخالدين في النار.
وبدأ الخروج على الإمام، وقد جهد أمير المؤمنين علي في ردهم عن غيهم وتوضيح الشبهة لهم، ولكنهم لم يقبلوا منه بل كانوا يقاطعونه ويؤذونه ويشتمونه، وانتهى بهم الأمر إلى قتاله - ﵁ -.
وظهر على إثر فتنة الخوارج فتنة الشيعة، الذين أفرطوا في محبة علي - ﵁ - كما أفرط الخوارج في بغضهم وإن كانت فكرة التشيع أسبق في عهد علي من فكرة الخوارج، فإن الناس كانوا يتعاطفون مع علي - ﵁ - وكانت الشيعة المفضلة يفضلون عليًا على عثمان من غير تجريح لأحد من الصحابة.. وبعد أن ازدادت الفتنة ووقعت المعارك، ازداد تعلق الناس بعلي - ﵁ - وقد استغل ابن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام هذه المحبة، الموجودة في قلوب الناس، فأظهر التعلق بمحبة آل البيت وخاصة علي - ﵁ - وزعم أن عليًا أوصى له بالخلافة من النبي - ﷺ -، ونشر ذلك بين الناس، ثم غالى حتى زعم أن عليًا كان نبيًا يوحى إليه، ثم غلا حتى ادعى له الألوهية من دون الله - ﷿ -.
[ ١ / ٩٨ ]
قال شيخ الإسلام: (وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله ابن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر".
إلا أن الشيعة في تلك الفترة لم يكن لهم قوة ولا جماعة ولا إمام يقاتلون به المسلمين، نما كان ذلك للخوارج الذين تميزوا بدارٍ سموها دار الهجرة، وجعلوا ديار المسلمين الأخرى ديار كفر وحرب، وتميزوا كذلك بجماعة أطلقوا عليها الشراة، وجعلوا غيرهم من المسلمين كافرًا، وتميزوا كذلك بقوة وقيادة، ولهذا كان فسادهم ظاهرًا في سفك الدماء وأخذ الأموال والخروج بالسيف، وهنا ندرك حكمة الأحاديث النبوية التي جاءت بقتالهم وهي كثيرة جدًا.
الخوارج:
منذ سنة سبع وثلاثين وشر الخوارج يزداد أواره؛ بسبب شدة الخوارج وتمسكهم بمبادئهم وتحمسهم لآرائهم، على شدة جهل بالدين، وقوة اندفاع نحو ما اعتقدوه؛ فاستولت على أذهانهم بعض المفاهيم للإيمان والكفر والحكم، فانطلقوا من فهمهم القاصر واستنباطهم الجزئي باسم الإيمان والحكم، فقتلوا المسلمين وأهرقوا الدماء، كما استهواهم فكرة البراء من الظالمين، فخرجوا على أئمة المسلمين، ومزقوا قوة الأمة وشتتوا جهودها، وفرقوا شملها، وكانوا من الأسباب القوية لضعف الفتح الإسلامي الرشيد.
ومن أهم بدعهم:
١- الحكم على كل مرتكب للكبيرة بأنه كافر مخلد في النار حلال الدم والمال.
[ ١ / ٩٩ ]
٢- أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
٣- الخروج على الحاكم الظالم والفاسق.
٤- يردون الأحاديث الواردة عن طريق عثمان وعلي ومعاوية - ﵃ - وكل من كان في حزبهم.
٥- يرون أن الخلافة لا يشترط أن تكون في قريش أو في العرب، بل تكون بالشورى فيمن يختاره عقلاء الأمة.
٦- يردون أخبار الآحاد التي فيها زيادة على ما في القرآن، كأحاديث الرجم ونحوها.
هذه هي جملة المبادئ التي اتفق أكثر الخوارج عليها، وإن كانوا فيما بعد اختلفوا فيها وفي غيرها اختلافًا كبيرًا.
فإنهم كانوا كثيري الخلاف شديدي النزاع، يختلفون في أصغر الأمور وأدق المسائل، فيفترقون ويقتتلون، وربما كان هذا هو السبب الذي أدى إلى انهزامهم، وتضاؤلهم وانكسار شوكتهم فيما بعد، بالرغم من قوتهم وشدة شكيمتهم في القتال وندرة صبرهم فيه.
وقد تفرع من فرقة الخوارج فرق كثيرة.. ففي سنة ثمان وثلاثين كانت وقعة النهروان بين علي بن أبي طالب - ﵁ - والخوارج (.. فقاتلهم علي - ﵁ - بالنهروان مقاتلة شديدة فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة، فانهزم اثنان منهم إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورون
[ ١ / ١٠٠ ]
باليمن.. وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع منهم..".
وهذا أحد أسباب تفرقهم في البلدان، وما ذكر آنفًا من شدة نزاعهم وغلظة جدالهم، هو السبب في تفرقهم إلى فرق متناحرة متقاتلة، لكل منها مقولة وعقيدة، كالأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية..) وكانت لهم دولًا وحكومات في نجد واليمن وعمان والمغرب العربي ولا يزال من بقاياهم الإباضية المنتشرة في عمان وليبيا وأجزاء من المغرب العربي، وعلى منهجهم الفكري وطريقتهم العملية والاعتقادية وجدت في مصر في هذا القرن (جماعة المسلمين) أو ما يسمى بجماعة التكفير والهجرة.
الشيعة:
في أواخر عهد الخليفة الراشد عثمان - ﵁ - نقم عليه بعض الناس أمورًا بعضها لا يثبت بدليل، والآخر مما ثبت له مجال من الاجتهاد المقبول.
وهناك أثيرت الفتن في الأقطار الإسلامية ضد الخليفة الراشد.
وسواء أكانت هذه الفتن مثارة من قبل عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، أم أنه استغل وجود هذه الفتن لينشر أفكاره وسمومه، وهي مسألة تمسك كل فريق من المؤرخين قديمًا وحديثًا فيها بجانب.. وهذا لا يعنينا هنا، ولكن الذي يعنينا أن ابن سبأ قد فعل فعلته تلك ومعه من المؤيدين من يثير الفتنة ويذكيها، ويجمع أراذل الناس وأوباش القبائل، والهمج والرعاع والغوغاء وسفلة الناس، ويرتب لكل منهم مسؤولًا ويكاتبهم ويحرضهم، حتى اجتمعوا على قتل الخليفة - ﵁ - ووقعت الفتنة التي تموج كموج البحر، كما أخبر المصطفى - ﷺ-.
[ ١ / ١٠١ ]
وتولى علي - ﵁ - في هذه الظروف الصعبة بعد أن بقيت المدينة والأمة الإسلامية فترة بدون خليفة، وكانت لعلي - ﵁ - محبة في قلوب الناس، بما وهبه الله من علم وتقوى، وسابقة في الإسلام، وقرب من النبي - ﷺ - وقوة في الحق.
ولما تولى ازداد المعجبون به إعجابًا، وأصبحوا يعلنون على الناس آراءهم فيه ومحبتهم له، حتى وصل بهم الأمر إلى تفضيله على عثمان - ﵁ - ولا سيما بعد أن انقسم الناس بينه وبين معاوية - ﵁ - من جانب، وطلحة والزبير وعائشة - ﵃ - من جانب آخر.
وازداد تعلق هؤلاء به بعد مقتل عمار ورجوع عائشة من معركة الجمل وندمها، وفي هذه الأثناء عملت السبئية عملها مستغلة هذه العواطف، وهذه القلوب المائلة نحو أمير المؤمنين علي - ﵁ - فزادت في إذكائها، وأظهر ابن سبأ محبته لآل البيت وعلي بالذات، وغالى فيه وزعم أنه الوصي بالخلافة، ثم زعم له الرجعة، ثم زعم له الألوهية، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا..
وبهذا يتضح لنا أن المتشيعين لعلي - ﵁ - لم يكونوا على درجة واحدة منذ بداية الأمر.
فالمفضلة على قسمين: الأول من يرى أفضليته على عثمان دون أبي بكر وعمر، والثاني من يرى أفضليته على سائر الصحابة وعلى أبي بكر وعمر، من غير تكفير أو ذم لأحد منهم.
والسابة هم الذين كانوا يسبون أبا بكر وعمر، وتفرع منهم الرافضة الذين جاءوا في خلافة هشام بن عبد الملك للخروج مع زيد بن علي بن
[ ١ / ١٠٢ ]
الحسين فخرجوا عليه وتركوه لرفضه التبري من الشيخين ولترحمه عليهما، فانقسم الشيعة: الرافضة فتولى أخاه أبا جعفر محمد بن علي، والزيدية يتولون زيد بن علي.
والسبئية: وهم الذين كانوا يقولون بأنه إله وقد أحرقهم علي - ﵁ -.
وهم أصل فرق الشيعة الباطنية كالإسماعيلية والدروز والنصيرية.
ومن أهم بدع الشيعة التي تكاد سائر الطوائف الشيعية أن تتفق عليها:
١- تفضيل علي - ﵁ - على سائر الصحابة.
٢- القول بإمامته نصًا ووصية.
٣- القول بعصمته.
٤- القول بإمامة وعصمة ذريته من بعده.
مع أن بعض طوائف الشيعة تخالف في بعض هذه الأمور بزيادة فيها أو
[ ١ / ١٠٣ ]
نقصان، وبإضافات بدعية أخرى ليس هذا مجال استقصائها.
وكما نشأت بدعة التشيع متعددة، فإنها اطردت في التعدد إلى عشرات الفرق والأهواء، فكان منها: الزيدية بفرقها المتعددة، وكان منها الإمامية الإثنى عشرية، والإمامية الإسماعيلية، وسائر الفرق الباطنية.
القدرية:
كان الكفار يتذرعون بالقدر ويحتجون به لتبرير شركهم ولتسويغ أعمالهم الفاسدة المبتدعة..
ففي القرآن المجيد: (يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك، واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم: (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء) .
أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطانًا..
ومضمون كلامهم أنه لو كان - تعالى - كارهًا فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكننا منه، قال الله - تعالى - رادًا عليهم شبهتهم: (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) .. أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة: أي في كل قرية وطائفة من الناس رسولًا..".
[ ١ / ١٠٤ ]
وكان مشركوا قريش يخاصمون في القدر، ويجعلونه حجة لهم في ترك عبادة الله ووسيلة لهم في التخلي عن وحدانية الله.
فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: (جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله - ﷺ - في القدر فنزلت: ٠يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر) .
وفي حياة النبي - ﷺ - تكلم بعض الصحابة في القدر فخرج عليهم النبي - ﷺ - غضبانًا ونهاهم عن ذلك وقد تقدم الحديث على ذلك.
وقد حذر النبي - ﷺ - أصحابه وأمته من القدرية وآرائهم، وأمر بهجرهم وتركهم وسماهم: مجوس هذه الأمة.
فقد روى ابن أبي عاصم بسنده في كتاب السنة عدة أحاديث في ذلك منها:
١- عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إن لكل أمة مجوسًا وإن مجوس هذه الأمة القدرية فلا تعودوهم إذا مرضوا ولا تصلوا على جنائزهم إذا ماتوا) .
ولم يظهر الكلام في القدر إلا في عهد عبد الملك بن مروان،
[ ١ / ١٠٥ ]
وكان هذا في آخر عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - وكان أول من تكلم في القدر معبد الجهني، قال الأوزاعي: (أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد".
فكان أول من قال بها هو سوسن النصراني، وأول من أظهرها معبد الجهني، الذي قتله عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين للهجرة.
أما سوسن النصراني هذا فقد قال عنه ابن عون، كما روى اللالكائي بسنده: (أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان حتى نشأ ها هنا حقير يقال له: سنسويه البقال.. قال: فكان أول من تكلم في القدر..".
[ ١ / ١٠٦ ]
وروى اللالكائي بسنده أيضًا عن يونس بن عبيد قال: (أدركت البصرة وما بها قدري إلا سنسويه ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوافة) .
هذا هو أول بدعة القدرية (.. وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله، والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده. وظنوا أن ذلك ممتنع، وكانوا قد آمنوا بدين الله، وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر، من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر، وهو يعلم أن المأمور يعصيه، ولا يطيعه، وظنوا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يعلم أنه يفسد، فلما بلغ قولهم بإنكار القدر السابق الصحابة، أنكروا إنكارًا عظيمًا وتبرأوا منهم..
ثم كثر الخوض في القدر وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام، وبعضه في المدينة، فصاروا هم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار نزاع الناس في الإرادة وخلق أفعال العباد، فصاروا في ذلك حزبين:
(النفاة) يقولون: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد، وقابلهم الخائضون في القدر من (المجبرة) مثل الجهم بن صفوان وأمثاله فقالوا: ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا: العبد لا فعل له البتة، ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط".
ثم أخذت المعتزلة القول بالقدر على أن الله عالم بأفعال العباد قبل أن تقع، ولكن أفعال الشر ليست بمشيئته وخلقه، وإنما هي من أفعال العباد فقط، ثم تعددت فرق القدرية وتشعبت مذاهبها وكل فرقة تكفر سائرها.
[ ١ / ١٠٧ ]
المرجئة:
لما وقعت الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان - ﵁ - انقسم الصحابة كل بحسب اجتهاده، فرهط منهم مع علي وآخرون مع طلحة والزبير، وجماعة منهم مع معاوية، وبقيت فئة منهم لم تشارك في القتال، ولم يبدو رأيهم في المقاتلين، ومن هؤلاء سعد بن أبي وقاص وأبو بكرة، وابن عمر وعمران بن حصين، وأرجؤوا الحكم في أي الطائفتين أحق، وفوضوا أمرهم إلى الله - تعالى -.
وهذا هو أول الكلام عن الإرجاء، وهو كما ترى ليس الإرجاء البدعي المتعلق بالإيمان، كما قال سفيان بن عيينه عندما سئل عن (الإرجاء فقال: " الإرجاء على وجهين: قوم أرجأوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك.. فأما المرجئة اليوم فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصلوا معهم، ولا تصلوا عليهم ".
قال الطبري بعد أن ساق جملة من الآثار في ذم المرجئة والتحذير منهم: (الإرجاء معناه ما بيّنا قبل من تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان - ﵄ - إلى ربهما، وتارك ولايتهما والبراءة منهما، مرجئًا أمرهما فهو مرجيء، ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان ومرجئهما عنه فهو مرجيء ) .
[ ١ / ١٠٨ ]
وأول من أظهر الإرجاء، بمعنى إرجاء أمر المتحاربين من الصحابة إلى الله - ﷿ - هو (الحسن بن محمد بن الحنفية) كما ذكر ذلك علماء التراجم، وذكروا ندمه على تأليفه للكتاب الذي وضعه في الإرجاء.
وذكروا نقد بعض الأئمة له بسبب هذا المؤلف، وعدّوه بذلك من المرجئه، وقد نقل العراقي عن الدارقطني قوله: (هو صحيح الحديث واحتج به أهل الصحيح، فلا اعتبار بكونه نسب إلى الإرجاء، فلم ينقل أنه عاد إليه بل قد روي عنه أنه ندم عليه.. ".
وإن كان هذا الإعتذار عن الحسن بن محمد وله وجاهته من جانب، إلا أنه يوهم كما نقلت كتب التراجم أنه من المرجئة المبتدعة، وقد محّص الحافظ بن حجر القول في ذلك، وذكر أنه اطلع على كتاب الحسن بن محمد ولم يجد فيه القول المبتدع، الذي يعزل العمل عن الإيمان، فقال في تهذيب التهذيب ما نصه: ( قلت: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه، غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة، المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور )، إلى أن قال الحافظ ناقلًا من هذا الكتاب: ( ونوالي أبا
[ ١ / ١٠٩ ]
بكر وعمر - ﵄ - ونجاهد فيهما، لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ونرجيء من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله إلى آخر الكلام.
فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة، يكون مخطئًا أو مصيبًا، وكان يرى أنه يرجيء الأمر فيهما، أما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب) .
وقد خصص البخاري - ﵀ - بابًا في كتاب الإيمان للرد على المرجئة خاصة كما قال ابن حجر: (قوله: (باب خوف المؤمن من أن - يحبط عمله وهو لا يشعر) هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة "، وقد روى البخاري بسنده في هذا الباب عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ".
وفي هذا دلالة على أن قول المرجئة المبتدعة قد شاع فيما قبل سنة مائة للهجرة.
إلا أن هذه البدعة لم تكن في بداية الأمر إلا موقفًا مضاداَ لموقف الخوارج، الذين يرون كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار، فجاء هؤلاء بالقول بأن الأعمال ليست من الإيمان، مع أنه لابد في الإيمان من الإقرار باللسان، وأن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب.
[ ١ / ١١٠ ]
ولذلك عد العلماء هذه البدعة بهذا المعنى من أخف البدع.
فقال الحافظ الذهبي بعد أن ساق أسماء بعض العلماء الذين كانوا ينتحلون الإرجاء بالمعنى السالف.. ( قلت: الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء ولا ينبغي التحامل على قائله ) .
ولكن بدعة الإرجاء لم تتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه قوم حتى عدّوا الإيمان هو معرفة الله بالقلب فقط، وأن المعاصي والطاعات غير مضرة ولا نافعة، وأن إيمان الفاسق والعاصي كإيمان الرسول - ﷺ - وجبريل - ﵇ -.. وهؤلاء هم غلاة المرجئة، منهم غيلان الدمشقي، ثم بعد ذلك جهم ابن صفوان كما سيأتي.. وقد افترقت المرجئة إلى فرق عديدة كل فرقة تضلل أختها.
الفترة الثالثة: ١٠١ - ١٧٧هـ:
وفيها تأصلت بعض البدع السابقة وتطور بعضها، كما نشأت بدع جديدة.
فكان للخوارج شوكة ظهرت بعد وفاة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وصار بينهم وبين الناس معارك، وظهرت الشيعة سنة إحدى وعشرين ومائة، وبايعوا زيد بن الحسين بن علي بالكوفة، ثم إنهم افترقوا عنه ورفضوه بسبب ترحمه على الشيخين، وبقي معه أناس قاتل بهم الكوفة، وانصرف آخرون وبايعوا جعفر بن محمد إمامًا لهم ومن هنا افترقت الشيعة إلى إماميّة وزيديّة،
[ ١ / ١١١ ]
وفي هذه الفترة ظهرت دعوة القرامطة على يد عمار بن يزيد: (خداش) في مرو، فدعا على دين الخرمية، وأباح النساء ونادى بأن لا صلاة ولا صوم ولا حج، وأظهر تأويلات الباطنية وذلك في سنة ١١٨هـ.
وفي هذه الفترة وجدت نواة الاتجاه الصوفي في كثير من بلدان الإسلام، لكنها كانت في بداية الأمر زهدًا في الدنيا، وتقللًا منها وتزكية للنفس، ومجاهدة للطبائع والأخلاق الرذيلة مما سوف نعرض له بعد قليل، وقد تميزت هذه الفترة بظهور شخصيات كان لأعمالها وأفكارها أثرًا عميقًا في وجود تأصيل بدع كثيرة، وسوف أذكر أشهر هذه الشخصيات التي كانت ذات أثر في تكريس بدعة سابقة، أو إيجاد بدعة لاحقة، مرتبًا ذلك بحسب سني الوفاة:
١- غيلان بن مسلم الدمشقي (١٠٥هـ):
قال الأوزاعي: (أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد "، وقد أصبح غيلان الدمشقي فيما بعد ( داعية إلى القدر)، وكان له مناقشات مع محمد بن كعب وربيعة الرأي، ذلك أن غيلان ( قدم
[ ١ / ١١٢ ]
بكلمة قد صاغها حتى وقف على ربيعة فقال له: أنت الذي تزعم أن الله أحب أن يعصى، فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى كرهًا؟ فكأنما ألقمه حجرًا ".
وكانت بين غيلان والإمام الأوزاعي مناظرة بين يدي الخليفة الأموي هشام ابن عبد الملك، وكان قد نهاه عمر بن عبد العزيز عن أقواله هذه ومنعه من نشر شكوكه وأوهامه، ودعا عليه، ولكنه عاد داعيًا إلى بدعته بعد موت عمر فناقشه الأوزاعي وحكم عليه بأنه مرتاب ومن أهل الزيغ، فأمر هشام بقطع يده ورجله ولسانه وضرب عنقه وصلب في دمشق.
وكانت بدعة غيلان الدمشقي تتركز في إنكار القدر، وبإنكار خلق الله لأعمال البشر التي فيها معصية لله سبحانه.
وقد أصبح هذا القول فيما بعد أصلًا من أصول المعتزلة سموه (العدل) .
٢- الجعد بن درهم توفي بعد عام ١١٨هـ وهو من أهل حران:
ومن موالي بني مروان، سكن دمشق وكان يتردد على وهب بن منبه، ويسأله عن صفات الله مستشكلًا مشككًا، فنهاه وهب عن ذلك، ومازال فيه
[ ١ / ١١٣ ]
وهواه، حتى خرج على الناس ببدعة خلق القرآن، ونفي صفات الرحمن - جل وعلا - فأنكر أن يكون الله قد كلم موسى تكليمًا أو اتخذ إبراهيم خليلًا، وقد أخذ هذه البدعة عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت، هذا هو ابن أخت لبيد بن أعصم وزوج ابنته، ولبيد بن أعصم هو الساحر الذي سحر النبي - ﷺ - وقد دعا الجعد إلى بدعته ونشرها في دمشق، وكان هو أول من قال بخلق القرآن، فأخذه هشام وأرسله على خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فقتله يوم عيد الأضحى، وقال عند قتله مقولته المشهورة، وقد اختلف في قتله فقيل سنة ١١٨هـ، وقيل ١٢٤هـ، ولكن من المؤكد أن لم يقتل إلا بعد عام ١١٨هـ في خلافة هشام بن عبد الملك.
[ ١ / ١١٤ ]
البدع التي دعا إليها الجعد:
١) أول من قال بأن القرآن مخلوق.
٢) أنكر تكليم الله سبحانه لموسى ﵇.
٣) أنكر اتخاذ الله إبراهيم خليلًا.
٤) أول من قال بأن الله سبحانه ليس على العرش حقيقة.
٥) أول من قال بأن الله استوى بمعنى استولى.
ثم إن هذه البدع أخذها عنه الجهم بن صفوان ودعا إليها فنسبت إليه.
٣- الجهم بن صفوان (١٢٨هـ):
من أهل خراسان ومولى لبني راسب، تتلمذ على الجعد بن درهم، وكان له اتصال بمقاتل بن سليمان، وعمل كاتبًا للحارث بن سريج، وكان جهم بن صفوان في جيش الحارث بن سريج، وكان جهم بن صفوان في جيش الحارث فطعنه رجل في فمه فقتله، وقيل بل أسر وأوقف بين يدي سلم بن أحوز فأمر
[ ١ / ١١٥ ]
بقتله
كان كاتبًا متكلمًا صاحب ذكاء وجدل.
البدع التي دعا إليها جهم:
١) إنكار صفات الباري ﷿.
٢) القول بخلق القرآن.
٣) القول بأن الله سبحانه في الأمكنة كلها.
٤) القول بأن الإيمان عقد القلب وإن تلفظ بالكفر.
٥) القول بالجبر وأنه لا فعل للإنسان ولا استطاعة بل كل الأفعال لله فقط.
٦) الزعم بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان.
٧) الزعم بأن علم الله حادث.
وأصبح إطلاق لفظ الجهمية عند العلماء يشمل معنى خاصًا وآخر عامًا أما الخاص: فيقصد به من قال بأقوال جهم كلها أو أعظمها، كنفي الصفات والقول بالجبر والقول بفناء الجنة والنار.
وأما الإطلاق العام: فيقصد به نفاة الصفات عامة.
[ ١ / ١١٦ ]
٤- واصل بن عطاء (١٣١هـ):
أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري ولد سنة ٨٠هـ بالمدينة، كان بليغًا يهجر الراء في خطبه لأنه يلثغ فيها، كان يتعلم في مجلس الحسن البصري، فأظهر قولة المبتدع في مرتكب الكبيرة، وكان ذلك في مجلس الحسن البصري حين دخل عليه رجل فقال: (يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟.
فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعنزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة ".
وفي رواية أخرى: أن واصل بن عطاء لما قال قولته هذه في مرتكب الكبيرة، طرده الحسن من مجلسه، فانضم إليه عمرو بن عبيد، واعتزلا حلقة الحسن، وانحاز إليه من وافق مذهبه، فسموا بالمعتزلة.
وكان هلاكه في سنة إحدى وثلاثين ومائة وقد أخذ واصل بن عطاء من البدع التي سبقته فتأثر ببعضها، كبدعة الخوارج في الفاسق الملي، وتبنى بعضها
[ ١ / ١١٧ ]
كالقول بخلق القرآن، وكان هو رأس مذهب المعتزلة ومؤسسه، وأما البدع التي دعا إليها فهي:
١) القول بالمنزلة بين المنزلتين في الفاسق من أمة محمد - ﷺ -.
٢) أخذ رأي معبد الجهني في القدر، إلا أنه قال بأن الله عالم بالأشياء قبل وقوعها ولكن أفعال البشر ليست بمشيئته وإرادته، ولا من خلقه.
٣) القول بنفي صفات الله - ﷾ -.
٤) القول بأن أحد الفريقين المتحاربين من الصحابة فاسق لا محالة، من غير تعيين له بعينه وأنه لا تقبل شهادة أحد منهم.
فكانت هذه البدع التي قال بها واصل بن عطاء، كالأساسات التي انبنى عليها مذهب المعتزلة في الاعتقاد، وقد أضيف إلى هذه البدع بدع أخرى وأصلت عند المعتزلة فيما يسمونه بالأصول الخمسة، وكانت منهم فتن كبيرة على أهل السنة، إذ حملوا الناس بالقوة على اعتقاد أن القرآن مخلوق وغير منزل.
٥- عمرو بن عبيد بن باب البصري (١٤٤هـ):
أصله من كابل وولاؤه لبني تميم، كان والده من شُرُط الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان شيعيًا، روى عن الحسن وأبي قلابة، وكان وهو وواصل بن عطاء يتعلمان في مجلس الحسن البصري، فطردهما الحسن من مجلسه لما قالا: الفاسق
[ ١ / ١١٨ ]
لا مؤمن ولا كافر.
ونقل الذهبي في الميزان أن أول من تكلم في الإعتزال واصل الغزال، ودخل معه في ذلك عمرو بن عبيد، فأعجب به وزوجه أخته وقال لها: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة.. .
ويعتبر عمرو بن عبيد كبير المعتزلة ورأسهم بعد واصل بن عطاء وكان داعية إلى مذهبه.
وسئل عنه يحيى بن معين فقال: (لا يكتب حديثه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال: كان داعية إلى دينه ) .
وكان يكذب لأجل مذهبه، ويروي عن الحسن البصري أشياء لم يقلها.
ويعتبر عمرو بن عبيد المؤسس لفرقة المعتزلة، وقد اغتر بعض الناس بزهده وعبادته وتشقفه، حتى قال الإمام ابن عدي في الكامل: (وعمرو بن عبيد قد
[ ١ / ١١٩ ]
كفانا السلف مؤونته حيث بينوا ضعفه في رواياته، وبينوا بدعته ودعاءه إليها ويغر الناس بنسكه " إلى أن قال: ( وللسلف فيما ينسب إلى الصلاح كلام كثير، حتى قال يحيى القطان: ما رأيت قومًا أصرح كذبًا من قوم ينسبون إلى الخير، وكان يغر الناس بنسكه وتشقفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جدًا معلن بالبدع، وقد كفانا ما قال فيه الناس ".
أما البدع التي دعا إليها فهي التي مضى ذكرها عند واصل بن عطاء، وقد ذكر علماء الجرح والتعديل ما قاله عمرو بين عبيد من بدع) .
٦- مقاتل بن سليمان (١٥٠هـ):
أصله من بلخ، ويقال له الخرساني المروزي وهو أزدي بالولاء، انتقل إلى البصرة من بلخ وعاش بها، يروى على ضعفه وسقوطه ثقته عند بعض العلماء
[ ١ / ١٢٠ ]
عن أئمة كابن سيرين وعمرو بن شعيب والمقبري والزهري، اشتهر هذا الرجل بتفسير القرآن، قال الذهبي في السير: (قال ابن المبارك - وأحسن - ما أحسن تفسيره لو كان ثقة ".
اتهمه أكثر من الأئمة بالكذب والضعف في الرواية، والنكارة في الحديث، والجسارة على الكذب، وغير ذلك من الأوصاف الجارحة، توفي في سنة خمسين ومائة للهجرة.
البدع التي دعا إليها مقاتل:
في الوقت الذي خرج فيه جهم بن صفوان ببدعة نفي صفات الله - ﷿ - جاء مقاتل بن سليمان ببدعة أخرى كردة فعل لبدع الجهم فأثبت لله الصفات على سبيل تشبهه - سبحانه - بالمخلوقين.
روى ابن عدي بسنده في الكامل أن مقاتلًا قدم مرو فتزوج بها، وكان يقص في الجامع بمرو، فقدم عليه جهم فجلس على مقاتل، فوقعت العصبية بينهما فوضع كل واحد منهما على الآخر كتابًا ينقض على صاحبه.
وقال ابن حبان: ( كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن
[ ١ / ١٢١ ]
الذي يوافق كتبهم، وكان شبيهيًا يشبه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب في الحديث ".
وقد قرن الأئمة بين مقاتل وجهم في الذم والتحذير من كل منهما، بسبب بدعتيهما المتناقضتين، فقال الإمام أبو حنيفة: (أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه) .
وقال: (أفرط جهم في النفي حتى قال إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الإثبات حتى جعل الله مثل خلقه ".
وقال أبو يوسف: (بخراسان صنفان ما على الأرض أبغض إليّ منهما المقاتلية والجهمية ".
ولعل هذه البدعة التي قال بها مقاتل قد أخذها من بعده الهاشمية والكرامية، ودعوا إليها.
[ ١ / ١٢٢ ]
٧- عبد الواحد بن زيد (١٧٧هـ):
أبو عبيدة البصري أدرك الحسن البصري، وأخذ عنه، كان كما قال ابن حبان: (ممن يغلب عليه العبادة حتى غفل عن الإتقان فيما يروي، فكثر المناكير في روايته فبطل الاحتجاج به ".
وقال البخاري: (عبد الواحد بن زيد صاحب الحسن تركوه) .
وكان يصاحب عمرو بن عبيد المعتزلي، ففارقه لاعتزاله، وقال بصحة الاكتساب، وقد نسب إليه شيء من القدر ولم يُشهر.
وسبب إتيان هذا الرجل ضمن المبتدعة، أنه كان فَرَطًا للصوفية، ومنه ومن تلامذته انبثقت الصوفية بهذا الاسم، وصار لها بعض الاصطلاحات والمراسيم والشارات الخاصة، بل إنه أصبح للصوفيه دار خاصة في البصرة.
قال الذهبي عن عبد الواحد بن زيد: ( نسب إلى شيء من القدر ولم يشهر، بل نصب نفسه للكلام في مذاهب النساك وتبعه خلق، وقد كان ثابت البُنَانى ومالك بن دينار يعظان أيضًا، ولكنهما كانا من أهل السنة.
[ ١ / ١٢٣ ]
وكان عبد الواحد صاحب فنون، داخلًا في معاني المحبة والخصوص، وقد بقي عليه شيء من رؤية الاكتساب، وفي ذلك شيء من أصول أهل القدر، فإن عندهم لا نجاة إلا بالعمل، فأما أهل السنة فيحضّون على الاجتهاد في العمل وليس به النجاة وحدة دون رحمة الله، وكان عبد الواحد لا يطلق: أن الله يضل العباد تنزيهًا له، وهذه بدعة) .
وقال الذهبي في الميزان: " عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد شيخ الصوفية وواعظهم ".
وقال شيخ الإسلام في معرض حديثه عن أصل كلمة صوفية: (وقيل - وهو المعروف - أنه نسبة إلى لبس الصوف، فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد، والعبادة، والخوف، ونحو ذلك ما لم يكن في سائر الأمصار ".
وقد ذكر شيخ الإسلام بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد الذين كان لهم أثر في إيجاد بعض بدع الصوفية فقال: (وظهر أحمد علي الهجيمي، الذي صحب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد صحب الحسن ومن اتبعه من المتصوفة وبنى دويرة للصوفية، وهي أول ما بُني في الإسلام، وكان عبد الرحمن ابن مهدي وغيره يسمونهم الفقرية، وكانوا يجتمعون في دويرة لهم، وصار
[ ١ / ١٢٤ ]
لهؤلاء من الكلام المحدث طريق يتدينون به، مع تمسكهم بغالب الدين.
ولهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع، وضار لهؤلاء حال من السماع والصوت حتى إن أحدهم يموت أو يغشى عليه) .
ومن أصحاب عبد الواحد بن زيد: رياح بن عمرو القيسي، وهو أول من نسب للزندقة من الصوفية، قال عنه الذهبي: (رجل سوء)، وقال: (هو من زهاد المبتدعة بالكوفة)، وعدّه أبو داود أحد أربعة في الزندقة، وهكذا بدأت الصوفية من المبالغة في العبادة والزهد والمراقبة والحب والمقامات والأحوال والأفعال، وكلما أوغلوا في هذه الأبواب انفتحت عليهم صنوف البدع والأهواء، فأصبحت لهم عبارات ومعان يجعلونها حدودًا وسيرًا وأخلاقًا يسير عليها المريد، ثم أصبحت بعد ذلك طرقًا مختلفة، كل طريق لها في السبل متاهات، ولها في البدع ترهات، وأصبحت طرق الصوفية تنتحل من كل فرقة ضلالة، فمنها من يقول بالجبر، ومنها من يقول بالقدر، وآخرون يسلكون الإرجاء، حتى قادتهم البدع إلى وحدة الوجود والاتحاد وتقديس للأولياء، وغير ذلك من البدع الكفرية - نسأل الله العفو والعافية -.
وقد ذكر شيخ الإسلام منشأ الصوفية، وحكم الانتساب لها، وحكمها من حيث المدح والذم، ومراحلها التي مرت بها، وأصنافها الموجودة بما فيه الكفاية لمن أراد.
[ ١ / ١٢٥ ]
الفترة الرابعة: ١٧٨ - ٣٠٠هـ:
في هذه الفترة تبلورت كثير من البدع وتداخل بعضها في بعض، وأصبح لبعض المبتدعة قوة وسلطانًا، ولبعض البدع مدارس ومناهج.
وفي هذه الفترة توسعت الترجمة عن كتب الفرس، والهند، واليونان، وأصبح الإطلاع والتعلم من الكتب الفلسفية ميزة يحرص عليها الناس، ففُتن كثير من الناس بما يسمى (العقليات) فكانت فتنة الابتداع تترسخ ببعد الناس عن النقل، الذي هو الوحي الموافق للفطرة والعقل، وبما زُعم لهم من مسلمات عقلية وقواعد منطقية لا تقبل النقاش فضلًا عن الرد.
فأخذت الفرق المبتدعة من هذه سندًا فكريًا لها، فالصوفية أخذت فلسفة الإشراق من الهند، والمعتزلة أخذت فلسفتها العقلية من المنطق اليوناني، والشيعة والباطنية أخذت فلسفة الإمامية والعصمة والحلول والتناسخ من فلسفات الفرس وهكذا
وكما قال شيخ الإسلام عن هذه الفلسفات المعربة:
( فعُرب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند في أثناء الدولة العباسية.
ثم طُلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم، فعُربت ودرسها الناس وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر ) .
وفي هذه الفترة دخلت بعض البدع السالفة في بعض، فالمعتزلة مثلًا أخذت من القدرية والجهمية والخوارج.
والشيعة أخذت من المجسمة، والمرجئة أخذت من الجبرية، والصوفية أخذت من التشيع وهكذا
بيد أنه حصل لهذه الفرق من الشتات ما جعل كل فرقة منها تنقسم إلى
[ ١ / ١٢٦ ]
فرق عديدة، وسبل متفرقة، يلعن بعضها بعضًا، ويكفر بعضها بعضًا، كما هو حال أهل البدع في كل زمان.
وقد ورد التعيين لأصول البدع لأول مرة في هذه الفترة على لسان يوسف ابن أسباط ثم عبد الله بن المبارك (وهما إمامان جليلان من أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد) .
هذا التعيين لأصول البدع يدلنا على ضخامة كل واحدة من هذه البدع في زمانها، وأنه قد ترتب عليها بدع أخرى، وقد تكلف بعض الناس في تعيين الفرق الاثنتين والسبعين الهالكة بناء على هذا القول، فجعلوا لكل فرقة من هذه الفرق الأربع ثماني عشرة فرقة، ومن أدخل الجهمية مع الفرق الأربع جعل لكل طائفة من هذه البدع الخمس اثنتي عشرة فرقة، لكي يتم العدد الذي ذكره النبي - ﷺ - ولكن هذا التعيين لا دليل عليه، وهو تحكم بغير برهان.
والذي يهمنا هنا هو أن هذه الفرق الأربع التي جعلها ابن المبارك وابن أسباط أصل البدع، هي في الحقيقة من أمهات الفرق الضالة، ولذلك فسوف نتحدث عن كل واحدة من هذه البدع، وما حصل لها ومنها في هذه الفترة بإيجاز.
أمهات الفرق الضالة
هذه الفرق الأربع التي جعلها ابن المبارك وابن أسباط أصل البدع، هي في الحقيقة من أمهات الفرق الضالة، ولذلك فسوف نتحدث عن كل واحدة من هذه البدع، وما حصل لها ومنها في هذه الفترة بإيجاز:
[ ١ / ١٢٧ ]
١- الشيعة:
بعد أن وضع ابن سبأ بذور شره وهلك، أخذ مذهب السبئية بعده بنان ابن سمعان، وأنشأ طائفة تسمى البنانية، تقوم على تأليه علي ثم تأليه بنان، والقول بالتناسخ، وكان معه في هذه المدة وهذه البدعة المغيرة بن سعد البجلي، الذي كان يزعم أنه عليًا - ﵁ - كان يستطيع أن يحيي الموتى، وأن لمعبوده أعضاءً على صورة حروف الهجاء، ثم ظهر بعدهما وعلى نفس المنوال أبو منصور العجلي، الذي تنسب إليه فرقة المنصورية، وكان يزعم أنه رفع إلى السماء، وأن الله سبحانه مسح على رأسه، وكان هو وأتباعه من الشيعة ينكرون القيامة، ويزعمون أن عليًا هو الكسف الساقط من السماء، وأن الجنة رجل أُمرنا بموالاته، وهو إمام الوقت، وأن النار رجل أُمرنا بمعاداته وهو خصم الإمام، وتأول المحرمات والفرائض على أسماء رجال، ثم جاء بعده أستاذ الباطنية وجامع ضلالات من سبق، ومضل من لحق أبو الخطاب الأسدي، الذي تنتسب إليه فرقة الخطابية الكافرة، القائلين بألوهية أحد
[ ١ / ١٢٨ ]
أبناء جعفر الصادق، وبالتناسخ، وبكون الشريعة ذات ظاهر وباطن، وأن الفرائض أسماء رجال ونساء.
وكان أبو الخطاب الأسدي أحد شيوخ المفضل بن عمر الجعفي وهذا الأخير هو شيخ محمد بن نصير النميري الذي كون فرقة النصيرية الباطنية، ولما توفي جعفر الصادق سنة ١٤٨هـ انقسمت الشيعة بحسب اعتقاداتها السالفة في آل البيت، فالغلاة منهم وهم الذين ذكرنا آنفًا قالوا بإمامة إسماعيل ابن جعفر، الذي توفي قبل والده بخمس سنوات، والإمامية الرافضة قالوا بإمامة أخيه موسى الكاظم.
[ ١ / ١٢٩ ]
أما الإسماعيلية فقد بايعت على الإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الإمام المكتوم كما يقولون، وفي هذه المدة تركز المذهب الباطني بفلسفاته، وظهر بفتنته في أيام المأمون العباسي، وكان تدبير أمر هذه الدعوة ونشرها واستمالة الناس إليها على يد عبد الله بن ميمون القداح، الذي كان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وميمون بن ديصان، ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، حيث
[ ١ / ١٣٠ ]
اجتمع الثلاثة في سجن العراق، ووضعوا قواعد الملة الإسماعيلية، وبدأوا بنشر دعوتهم في جبال الأكراد، وبلاد المغرب، وفي أهل البحرين، ثم في أهل اليمن، وقد تمكنت الدعوة الباطنية من الانتشار، حتى دخل في دعوتهم من حشم المعتصم، وخاصته، وجلٌ يقال له: (أفشين) وكان يداهن بابك الخرمي الذي قام بحرب المسلمين وقتالهم وكانت منه أمور نكراء.
وتفرع من مذهب الباطنية هذا مذاهب عديدة، كالقرامطة، والدروز، وإخوان الصفا، والحشاشين، وقامت لهم دولة العبيدية في المغرب ثم الفاطمية في مصر، والقرمطية في البحرين واليمن، وكانت لهم ثورات مثل ثورة الزنج،
[ ١ / ١٣١ ]
وكان منهم شر عظيم ومفاسد كبيرة ولا يزال.
أما الشيعة الإمامية فإنهم كما سبق قد افترقوا على الإسماعيلية، بزعمهم أن الإمام جعفر الصادق هو موسى الكاظم، وفي الحقيقة أن هذا الإفتراق كان مبنيًا على افتراق في المعتقد أساسًا، مثلما افترقت الزيدية قبل ذلك عن الشيعة، وقد كان للشيعة الاثني عشرية بعض شأن في هذه الفترة من الزمان، ومما كان منهم أنهم خرجوا في البصرة على المأمون مع زيد بن موسى الكاظم، وكان أخوه علي الرضا وهو ثامن الأئمة الإثني عشر عند الإمامية، قد نال منزلة عند المأمون، فجعله ولي عهده وزوجه ابنته وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، وغيّر من أجله زي بني العباس من الأسود إلى الأخضر، وبقي علي الرضا على ذلك حتى توفي بطوس سنة ٢٠٣هـ.
وفي هذه الفترة عاش ستة من الأئمة الإثنا عشر عند الشيعة الإمامية الرافضة وهم بالترتيب:
١) موسى الكاظم، المتوفي عام ١٨٣هـ.
[ ١ / ١٣٢ ]
٢) علي الرضا، المتوفي عام ٢٠٣هـ.
٣) محمد الجواد، المتوفي عام ٢١٩هـ.
٤) علي الهادي، المتوفي عام ٢٥٤هـ.
٥) الحسن العسكري، المتوفي عام ٢٦٠هـ.
٦) محمد المنتظر بن الحسن العسكري، الذي يسمونه الإمام المهدي المنتظر.
وفي هذه الفترة ظهر متكلموا الشيعة الإمامية، ووضعوا المؤلفات في تأسيس عقائدهم، وأول من ألف في ذلك:
[ ١ / ١٣٣ ]
علي ابن إسماعيل بن ميتم التّمار، ألف كتاب الإمامة وتكلم في هذه المسألة على مذهبه الشيعي الرافضي الإمامي.
ثم كان بعده تلميذه هشام بن الحكم، الذي كان يعتبر من أكبر الشخصيات الكلامية في القرن الثاني الهجري، وكانت له معارك كلامية لمخالفي مذهبه الإمامي، مثل مناظرته مع أبي الهذيل المعتزلي، ويعتبر هشام بن الحكم عند الشيعة ( من متكلمي الشيعة ممن فتق الكلام في الإمامة، وهذب المذهب والنظر، وكان حاذقًا بصناعة الكلام حاضر الجواب "
وكان مما قرره هشام بن الحكم في فلسفته الكلامية أنه قال: بأن الله - ﷾ - جسم ذو أبعاض، وأنه سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه - سبحانه - كالبلورة أو كالسبيكة، وغير ذلك من الأقوال التي هي في حقيقتها ولوازمها، تشبيه للباري - ﷾ - بخلقه.
فقد جمع هشام بن الحكم بين التشبيه والتجسيم في صفات الباري - سبحانه
[ ١ / ١٣٤ ]
وتعالى - (وزعم أن الله علم بالأشياء بعد أن لم يكن علمًا بها)، وزعم كذلك بأن النبي تقع منه المعصية، ويأتيه الوحي بالتنبيه عليها أما الإمام فيجب أن يكون معصومًا عن المعصية، لأنه لا ينزل عليه الوحي.
وتعتبر مدرسة هشام بن الحكم الكلامية ومؤلفاته الشيعية الفلسفية هي العمدة عند الشيعة الإمامية، مع بعض المخالفات اليسيرة التي طرأت على هذه النحلة فيما بعد.
وممن ظهر في هذه الفترة وكان ينسج على منوال هشام بن الحكم، هشام ابن سالم الجواليقي وبسبب تمازج أقوالهما وتداخل بدعهما نسبت فرقة الهاشمية إليهما، وممن أظهر على هذه الطريقة الشيعية الرافضة الإمامية المجسمة، يونس بن عبد الرحمن القمي إمام الشيعة وفقيههم بالعراق، وإليه تنسب فرقة اليونسية
[ ١ / ١٣٥ ]
من الشيعة الإثنا عشرية.
ومحمد بن النعمان الملقب بشيطان الطاق من متكلمة الشيعة وحذاقهم، وله مؤلفات في الإمامة وفي إمامة المفضول وفي أمر طلحة والزبير وعائشة - ﵃ -.
ومنهم علماء وفقهاء الشيعة الإمامية في هذه الفترة، أحمد بن محمد البيزنطي ومحمد بن خالد البرقي القمي، والحسن بن محبوب السراد، ومحمد ابن عيسى بن عبيد بن يقطين وغير هؤلاء مما لا يتسع المجال لحصرهم هنا.
وكان انتشار فقه وعقائد الشيعة في هذه الفترة سببًا لقوتهم وتعاظم أمرهم فيما بعد، إذ نشأت بعد سنة ثلاثمائة من الهجرة دول شيعية إمامية وإسماعيلية وكان منهم شر مستطير.
[ ١ / ١٣٦ ]
ففي سنة ٣٢١هـ ابتدأ أمر بني بويه وظهرت دولتهم، وهي دولة شيعية إمامية، قاتلوا خلفاء بني العباس وأظهروا الرفض والشتم للصحابة.
وقامت دولة الحمدانية، وهي شيعية بقتال الخليفة العباسي الراضي سنة ٣٢٧هـ، وما استكملت سنة ٣٤٦هـ إلا ( وقد امتلأت البلاد رفضًا وسبًا للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصرًا وشامًا وعراقًا وخراسان وغير ذلك من البلاد، وكانوا رفضًا، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب فكثر السب والتكفير منهم للصحابة ".
٢- الخوارج:
وكانت لهم في هذه الفترة ثورات وحروب، إذ إنهم بعد أن تفرقوا في البلدان، وانتشروا في الأقاليم، نشروا أفكارهم وبثوا دعاتهم، وجمعوا في أماكن عديدة من بلدان المسلمين حولهم أتباعهم من كان قوة لهم في الحروب والمعارك، ولقيت أفكارهم رواجًا بين الناس الذين رأوا إسراف خلفاء بني العباس في الملذات والشهوات وتسلط أمرائهم على الناس بالظلم والاضطهاد، وتنازع بني العباس على الولايات، وتحكم الموالي في شؤون الدولة، وغير ذلك من أمور أحفظت الناس، وجعلتهم يلتفون حول قادة الخوارج فكان من ثوراتهم:
خروج خراشة الشيباني الخارجي سنة ١٨٠هـ على الرشيد بالجزيرة
[ ١ / ١٣٧ ]
من أرض العراق وفيها قتل، وكان قد خرج قبله بالجزيرة الفراتية الوليد بن طريف الشيباني سنة ١٧٧هـ في خلافة الرشيد، وحشد جموعًا كثيرة، وكان ينتقل بين نصيبين والخابور، واستولى على أرمينية وسار إلى أذربيجان، ثم حلوان وأرض السواد، وعبر إلى غرب دجلة واستولى على بلاد الجزيرة بالعراق حتى قتل سنة ١٧٩هـ.
وفي سنة ١٨٠هـ هدم الرشيد سور مدينة الموصل بالعراق لكثرة الخوارج فيها وتحصنهم بها.
وفي سنة ١٨٠هـ خرج أبو عمرو الشاري على الرشيد بالجزيرة العراقية فأرسل إليه الرشيد من يقاتله.
وفي سنة ١٨٥هـ قتل أبان بن قحطبة، وكان من رؤوس الخوارج، وكانت له قوة وشوكة، حتى قتل في مرج العلقة، وفي هذه السنة خرج حمزة الشاري في بلاد باذغيس من خراسان، فقاتلهم والي الخليفة حتى انحاز حمزة
[ ١ / ١٣٨ ]
إلى كابل وزابلستان، وبقي حتى كانت حوادث سنة ١٩٢هـ في خراسان، حيث ضعفت قوة الخلافة بسبب ثورات الخرّميّة، وانتقاض القواد والأمراء على الدولة، فخرج حمزة الخارجي وعاث بها فسادًا وصار يقتل ويجمع الأموال، ويحملها إلى عمال هراة وسجستان، حتى قاتله والي المأمون عبد الرحمن النيسابوري، وسار خلفه حتى بلغ هراة، وهناك تفرقت قوته وتلاشت، وذلك في سنة ١٩٤هـ.
ومن ثورات الخوارج التي تذكرها كتب التاريخ، ثورتهم ببلاد ربيعة سنة ٢٣١هـ أيام الواثق تحت إمرة محمد بن عبد الله التغلبي الخارجي، فقوتلوا حتى غلبوا وأسر أميرهم وتفرق شملهم.
ومن فتنتهم العظيمة بالمشرق ثورة مساور بن عبد الرحمن البجلي، الذي خرج في سنة ٢٥٢هـ ثائرًا على الخليفة في الموصل، وتجمع حوله جمع من الأعراب والأكراد، وكانت له مواقع مع جيش الخلافة في جلولاء سنة ٢٥٣هـ، وفي الموصل سنة ٢٥٤هـ حتى دخل الموصل، واستولى عليها سنة ٢٥٥هـ واتخذ مكانًا يقال له الحديثة، قرب الموصل دار هجرة له، واستولى على بقاع كثيرة
[ ١ / ١٣٩ ]
من العراق، وحاصر بغداد، ومنع الأموال عن الخليفة حتى ضاقت عليه وعلى جنده البلاد، وتأهبت الجيوش لقتال هذا الخارجي فلم تظفر به وخافه الناس، وجعل ينتقل في البلاد فيُجبى له خراجها، وقتل والي خراسان سنة ٢٦١هـ وبقي هذا دأبه حتى توفي وهو يريد لقاء عسكر الخليفة العباسي الموفق بالله سنة ٢٦٣هـ.
وذكر الحافظ ابن كثير أن الخوارج أقاموا خلافةً باسمهم في مدينة هراة لمدة ثلاثين سنة من ٢٢٩-٢٥٩هـ حتى ظفر بزعيمهم الذي كان ينتحل الخلافة، فقتل وحمل رأسه على رمح وطيف به في الآفاق.
ومن فرق الخوارج التي تشعبت في هذه الفترة فرقة (الحمزية)، وهم أتباع حمزة بن أكرك الشاري، الماضي ذكره تقريبًا، والذي كانت منه فتن وطامات في ارض خراسان.
وقد افترق عن الخوارج (الخازمية) في باب القدر والاستطاعة، فقالوا فيهما بقول القدرية، وقالوا بتكفير كل من لا يوافقهم، وكانوا يزعمون أن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، لا تحل غنائمهم، وكانوا يحرقون غنائم معاركهم مع مخالفيهم، ويعقرون دوابهم.
وقد ذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) طائفة من متكلمي الخوارج
[ ١ / ١٤٠ ]
وأسماء كتبهم.
وفي موضع آخر من (الفهرست) ذكر طائفة من فقهائهم وأسماء ما صنفوه من الكتب، وقد كان لطائفة (الإباضية) من الخوارج في هذه الفترة دولة في عمان جنوب شرق جزيرة العرب، وكان أول أئمة الخوارج الإباضية فيها: الوارث ابن كعب الخروصي اليحمدي، ولي إمامة الإباضية سنة ١٧٩هـ فأرسل إليه هارون الرشيد جيشًا بقيادة ابن عمه عيسى بن جعفر، فانكسر جيشه وأسر عيسى، وبقي الوارث إمامًا للخوارج الإباضية اثني عشر عامًا ونيفًا، حتى مات غرقًا في سنة ١٩٢هـ فتولى بعده الإمامة غسان بن عبد الله اليحمدي وبقي حتى توفي عام ٢٠٧هـ فجاء بعده عبد الملك بن حميد الأزدي وبقي على إمامتهم حتى سنة وفاته ٢٢٦هـ.
[ ١ / ١٤١ ]
فأخذ إمامتهم بعده المهنا بن جيفر اليحمدي، وكان له جيش قوي، وأسطول بحري ضخم، واستمر إمامًا لهم إلى أن توفي سنة ٢٣٧هـ.
فجاء بعده الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي، وكانت لدولته قوة ومنعة، حتى قاتل البرتغال عند احتلالهم جزيرة سقطرى في بحر العرب جنوب حضرموت، وبقي إمامًا للإباضية خمسة وثلاثين عامًا، وخُلع قبل وفاته التي كانت سنة ٢٧٥هـ.
٣- القدرية:
ذكرنا فيما مضى أن القدرية بعد أن نشأت على يد معبد الجهني وغيلان الدمشقي، على أن الله لم يكن عالمًا بشيء قبل وقوعه، وأنه لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد، تحولت بعض هذه الآراء إلى المعتزلة، وحصل في بعضها تبدل، وذلك حين أخذ واصل بن عطاء قول معبد الجهني في القدر، غير أنه قال بعلم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها، خلافًا لمعبد وغيلان اللذين كانا يقولان الأمر أنف، ووافقهم واصل الذي يعتبر رأس مذهب الإعتزال، في أن أفعال الشر الواقعة من العباد ليست بإرادته ولا مشئيته، وليست من خلقه - ﷾ - وفي هذه الفترة التي نحن بصد الحديث عنها، لم يكن للقدرية فرقة مستقلة كالخوارج والشيعة، بل إن بدع القدرية توزعت بين فرق أخرى، فلأخذت الشيعة منها: كقول الكيسانية بالبداء على الله - ﷾ -
[ ١ / ١٤٢ ]
زكقول هشام بن الحكم - الذي يعتبر بمثابة المؤسس الكلامي لمذهب الشيعة الإثنا عشرية - أن الله عليم بالأشياء بعد أن لم يكن عالمًا بها.
وأخذ بعض فرق الخوارج من أقوال القدرية كفرقة (الميمونية)، الذين قالوا في باب القدر والاستطاعة والإرادة بقول القدرية والمعتزلة، وكفرقة (الحمزية) إذ قال زعيمهم حمزة بن أكرك بقول القدرية، وممن قال بأقوال القدرية من الخوارج، فرقة (الحارثية) من الإباضية، ومن الخوارج غير الإباضية الفرقة التي تسمى (أصحاب طاعةٍ لا يراد الله بها) .
وكذلك فقد أخذ بعض فرق المرجئه بأقوال القدرية، وهم الذين يطلق عليهم في كتب الفرق " المرجئه القدرية ".
بل لقد تأثر ببدعة القدرية بعض الأئمة الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، ونذكر هنا بعضهم - على سبيل المثال - ممن عاش خلال هذه الفترة التي يجري الحديث عنها وهي من ١٧٨هـ إلى ٣٠٠هـ فمنهم:
عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وكهمس بن المنهال، ومحمد بن سواء
[ ١ / ١٤٣ ]
العنبري، وغيرهم من الثقات الذين روي لهم في غير الصحيحين.
ولكن الفرقة التي أخذت أقوال القدرية، وتولت كِبر هذه البدعة، وتفننت فيها، ووسعت القول البدعي فيها، ووضعت لها الأسس والأصول الفلسفية، هي فرقة المعتزلة، وسيأتي الحديث عنها قريبًا بعون الله.
٤- المرجئة:
انتشرت في هذه الفترة أقوال غيلان الدمشقي وجهم بن صفوان، التي من ضمنها الإرجاء في الإيمان، وجعل الإيمان معرفة الله بالقلب فقط.
وتشعبت أقوال المرجئة، وتعددت مدارسها، فأخذ بعضها بالجبر مع الإرجاء، وأخذ بعضها الآخر بالقدر مع الإرجاء، بينما قال البعض بالإرجاء الذي يعتبر مع معرفة القلب إقرار باللسان مع اعتبار زيادة الإيمان دون نقصه، أو نقصه دون زيادته، أو مع نفي زيادة الإيمان ونقصه، وقد أخذت بعض الفرق الأخرى ببعض أقوال المرجئة.
وقال ببعض أقوالهم جِلّة من علماء الإسلام، وهنا سنعرض لبعض مشاهير المرجئة وبعض من قال بالإرجاء أو رمي به:
١) يونس بن عون صاحب فرقة اليونسية:
وقد زعم أن الإيمان في القلب واللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وحقيقة
[ ١ / ١٤٤ ]
الإيمان المحبة لله والخضوع له والتصديق برسله، وأن معرفة ما جاءت به الرسل في الجملة من الإيمان، وليست المعرفة التفصيلية لذلك من الإيمان، وأن كل خصلة من خصال الإيمان ليست بإيمان ولا بعض إيمان ومجموعها إيمان.
ولم تخض هذه الفرقة في القدر والجبر كغيرها كما سيأتي، وخالفت فرقة " الغسانية " فرقة اليونسية بقولهم: إن الإيمان يزيد وينقص.
٢) بشر المريسي وهو زعيم فرقة (المريسية) الذين يسمون مرجئة بغداد، وقد جمع المريسي بين ضلالات عدة وبدع مختلفة، فكان يقول بأقوال المعتزلة، ما عدا الوعد والوعيد فإنه كان فيهما مرجئًا على مذهب جهم بن صفوان، بيد أن المريسي اعتنق آراء جهم بن صفوان ولم يدركه، واحتج لها ودعا إليها ونافح عنها، وأثر بها على المأمون الخليفة العباسي فأضله أيما ضلال.
وأم البدع التي أخذها عن جهم ودعا إليها فهي:
١/ القول بخلق القرآن.
[ ١ / ١٤٥ ]
٢/ القول بنفي صفات الباري، وصنف في ذلك كتابًا سماه (كفر المشبهه)، وقد رد عليه الإمام الدارمي بكتاب سماه (الرد على بشر المريسي) فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجهمية.
٣/ القول بالجبر وأن الإنسان لا فعل له ولا استطاعة، ثم قيل إنه رجع عن هذا أو قال بالاستطاعة.
٤/ القول بأن الإيمان: التصديق بالقلب واللسان جميعًا وإن سجد للصنم فليس بكافر، ولكن فعله دلالة على الكفر، ففارق جهم في هذه البدعة بجعل تصديق اللسان من الإيمان، كما فارق المعتزلة الذين يكفرون بالكبائر ويقولون بالمنزلة بين المنزلتين، على أصلهم الباطل في الوعد والوعيد، وإن كان يعتبر شيخ المعتزلة في عصره، فهو يعتبر أيضًا رأسًا للجهمية في عصره، كذلك وراسًا للمرجئة المريسية، فكم جمع هذا الرجل من شر، وكم حوى من بدع، نسأل الله العافية.
وكان من المرجئة في هذه الفترة من أُطلق عليهم: المرجئة القدرية، إذ جمعوا بين القول بالإرجاء والقول بالقدر.
وقد قال بالإرجاء أو رُمي به عدد من رواة الصحيحين، وإن كان قولهم بالإرجاء ليس كقول جهم بن صفوان، وإنما يتراوح قولهم بين تأخير العمل عن الإيمان وعدم اعتباره منه، ونفي زيادة الإيمان ونقصانه، مع التبري من الذنوب والنهي عنها، والقول بأنها سبب في عذاب الإنسان ودخوله النار
[ ١ / ١٤٦ ]
وهذا ما سماه شيخ الإسلام إرجاء الفقهاء حين قسم الإرجاء إلى ثلاثة أقسام فقال:
(والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب ، الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية، الثالث: تصديق القلب وقول اللسان وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم.. - إلى أن قال - دخل في إرجاء الفقهاء جماعة عم عند الأئمة أهل علم ودين، ولم يكفّر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي، نعم اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب فليس لأحد أن يقول بخلافه ) .
وهنا سأذكر بعض هؤلاء العلماء الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، أو أحدهما، على سبيل التمثيل لامتداد فكرة الإرجاء، وتأثر الناس بها في ذلك العصر فمنهم:
شبابة بن سوار، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحمَّاني، وعبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي روّاد، ويونس بن بكير.
[ ١ / ١٤٧ ]
٥- الصوفية:
من سمات هذه الفترة الانفتاح على الثقافات والعلوم والفنون المختلفة، ودخول طوائف من البشر من مختلف الشعوب في الدين الإسلامي، وترجمة الكتب التي تحوي فلسفات وأفكار أمم سلفت..
وكان لكل هذا الأثر البالغ في إيجاد بدع مبتكرة جديدة، أو في تاصيل بدع سبقت.
وكما أسلفنا فإن عبد الواحد بن زيد وتلامذته الذين كانوا في البصرة هم البذرة الأولى للتصوف بمعناه المتضمن إيجاد طريقة في العبادة، ليست من المشروع في الدين.. وكانت هذه البذرة قد نشأت في جو قابل للترعرع والنماء في البصرة، بتأثير العوامل الدينية مع العوامل السياسية والاقتصادية، فنشأت هذه البذرة في تلك البيئة القابلة، ثم اتسع نماؤها فتجاوزت حدود المبالغة في الزهد، والعبادة، والخوف، وتجاوزت محل النشأة إلى بلدان أخرى، فأصبحت الصوفية علمًا يتخذ من الكلام المحدث والعمل المبتدع طريقة متميزة، وأصبحت كذلك علمًا على طائفة متميزة مخصوصة بسلوك وعلم وعمل، ثم اتسعت المسألة حتى أصبح لهؤلاء وأتباعهم فلسفة تقوم على ما يشبه الباطنية، التي اتسعت آنذاك وانتشرت أفكارها، فكان علم الباطن وعلم الحقيقة، الذي يعتمد على ما وراء الظاهر من ذوق ووجد، على أساس هذا العلم تناولوا القرآن والسنة.
وبدأ الحديث عن الفناء والبقاء، والصحو والمحو والصلم والوسواس، وغير ذلك من المصطلحات الصوفية المحدثة.. ونشأت الفُرقة العلمية والعملية في تناول المبتدعة للشرع الحنيف، فالمتكلمة تناولوا النصوص بميزانهم العقلي، والمتصوفة تناولوها بميزانهم الذوقي، وانتهى كل منهما إلى الفلسفة المحضة، كما انتهت الباطنية إلى ذلك من قبل، وذلك بتناولهم النصوص على أساس باطني فلسفي، يستتر بالرفض ويبطن الكفر المحض.
[ ١ / ١٤٨ ]
وإن كان التصوف في هذه الفترة الزمنية قد سلك مناهج عدة أبرزها منهجان:
الأول: ما يسمى بصوفية الورع والزهد والعبادة، ويقوم عليه (شيوخ الصوفية) كما سماهم شيخ الإسلام وابن كثير أو (أئمة الطريق) كما سماهم ابن القيم.
قال شيخ الإسلام: (.. شيوخ الصوفية الكبار كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وابي سليمان الداراني، وعمرو بن عثمان الشبلي، والجنيد ابن محمد وسهل بن عبد الله التستري وابي عبد الله محمد بن خفيف
[ ١ / ١٤٩ ]
الشيرازي ونحوهم - ﵃ -) .
وبعد أن ذكر ابن القيم بعض هذه الأسماء قال: ".. فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلامًا مفصلًا جامعًا مبينًا مطلقًا من غير ترتيب، ولا حصر للمقامات بعدد معلوم، فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرفن إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة، وطهارة القلوب وزكاة النفوس، وتصحيح المعاملة، ولهذا كلامهم قليل فيه البركة..) . وهذه الفئة من المتصوفة هي التي انقسمت آراء الناس حولها، فمنهم من جعلهم من الصديقين، وأنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، ومنهم من جعلهم من المبتدعين الخارجين عن الدين، والقول الوسط في هؤلاء أن يقال:
(.. أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين..".
وهؤلاء الأعلام في الزهد والعبادة كانت لهم مسالك في النسك والزهد والعبادة غير مأثورة، فكان النقض عليهم من هذا الباب، ولهذا نهى الإمام أحمد
[ ١ / ١٥٠ ]
عن مجالسة الحارث المحاسبي وأصحابه، وامتحن ذا النون المصري لكونه أتى بعلم لم يعهده الناس، وكان أول من تكلم بمصر في الأحوال ومقامات الأولياء، وكان أوائل الصوفية هؤلاء يقرون بأن الاعتماد في العبادة والذكر وأحوال القلوب وأعمالها، إنما يكون على الكتاب والسنة، ولكن لبس عليهم الشيطان لقلة علمهم.
ثاني المسالك الصوفية في تلك الفترة:
الصوفية الفلسفية:
وهي التي حوت الطامات، وجمعت سائر البليات، فكان ظاهرها الزهد والعبادة، وباطنها الكفر والإلحاد، فأتوا بألفاظ ومصطلحات تحوي عدة معان وتجمع الصحيح والسقيم من المقاصد، مثل الفناء، والبقاء، والصحو، والسكر، والذوق، والمحو، والتجلي، والمكاشفة، واللوائح، والطوالع، واللوامع، والتمكين، إلى
[ ١ / ١٥١ ]
غير ذلك من المتواضع عليه في كتب التصوف.
وجاؤوا كذلك بنظريات في التعبد والذكر تنافي الدين، مثل جواز النظر إلى المردان والنساء والجميلات، من أجل التفكر في خلق الله، ومثل سقوط التكليف عمن وصل إلى مرتبة كذا، ومثل جعل رسوم وهيئات - تشبه العبادات - للمريد بين يدي سيده، ومثل استحلال المحرمات، كالزنا والخمر والغناء، ومثل تأويلهم للآيات القرآنية والأحاديث النبوية - مع جهلهم بها - بما يوافق تفسيرات الباطنية ويتجانس معها، وانحدروا بعد ذلك إلى هوة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، نسأل الله العافية، ومن هؤلاء الضالين:
الحسين بن منصور بن محمي الحلاج:
كان جده محمي مجوسيًا من أهل فارس، ونشأ هو بواسط، وكان يظهر الزهد والعبادة والمجاهدة، حتى اغتر به طوائف من الناس في عصره، قيل إنه كان من القرامطة، وكان يكتب إلى خاصته وأتباعه: (من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان)، كان يعتقد الحلول ومن ذلك قوله:
سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرًا في صورة الآكل والشارب
حتى وقد عاينه خلقه كلحظة الحاجب بالحاجب
سافر إلى الهند وتعلم بها السحر، فكان يحتال على الناس، ويظهر لهم المخاريق، وكان يكتب ويؤلف زاعمًا أنه يعارض القرآن ويؤلف مثله، وابتلى كثير
[ ١ / ١٥٢ ]
من الناس والجهلة باتباعه والدفاع عنه، بسبب ما كان يظهره من صلاح وورع وتقوى وعبادة وتأله..
وكان يروج على الناس منكره، من خلال سحره وشعوذته، ومن خلال أتباعه، أجمع على تكفيره وحل دمه جماعة من الفقهاء والصوفية في عهد الخليفة العباس المقتدر، بعد أن وجدوا كتبًا بخطه تدل على ادعائه الربوبية، وإجازته جعل الكعبة والحج داخل منزل نظيف من النجاسات، وأن ذلك يكفي عن الحج إلى مكة والمشاعر، وأن من صام ثلاثة أيام متواصلة، لا يفطر إلى في اليوم الرابع، أجزأه ذلك عن صيام رمضان، وغير ذلك من ضلالاته.
وقد تأثر بالحلاج جماعة من الصوفية في عصره، فقالوا بأقواله ودافعوا عنه فمنهم:
١- دلف بن جعفر الشبلي: أبو بكر الشبلي:
وكان من نساك بغداد، ولكنه اشتبه عليه أمر الحلاج فيما نسب إليه من الأقوال، من غير تأمل لما فيها، وخدع بما أظهره الحلاج من زهد وملازمة للعبادة، فأحسن فيه الظن فكان يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمت، ولما سئل الشبلي عن قول الحلاج: هل الكاتب إلا الله، وأنا واليد آلة؟ قال: من يقول بهذا يمنع. وكان قد قال العلماء قبله: من يقول بهذا كافر.
[ ١ / ١٥٣ ]
٢- أبو العباس ابن عطاء:
وكان من أئمة الصوفية في عصرهن واشتبه عليه أمر الحلاج وأيده في قوله:
هل الكاتب إلا الله، وأنا واليد آلة؟ فسأل الوالي فقهاء بغداد فانكروا ذلك وكفروا من اعتقده، فأحضر ابن عطاء وسأله عن قول الحلاج، فقال: من لا يقول بهذا القول فهو بلا اعتقاد. فأمر الوالي بضرب رأسه حتى سال الدم من منخريه، ثم مات بعد سبعة أيام من ذلك في سنة ٣٠٩هـ.
محمد بن خفيف الشيرازي:
برغم ما قيل عنه من تمسك بالسنة إلا أنه خُدِع بالحلاج، فكان يقول عنه أنه: عالم رباني، ووقع في بعض موبقاته وأخذ ببعض ضلالاته.
وهكذا دخلت فلسفة الملاحدة والإباحية والزنادقة عن طريق الصوفية الذين تظاهروا بالزهد والعبادة، وتراءوا بالصلاح والنسك، وأظهروا تعظيم الدين وهم يهدمونه، وادعوا حماية شعائره وهم في الحقيقة يحطمونه، فهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان والإسلام ويبطنون الكفر والإلحاد.
٦- المعتزلة:
تعاظمت المعتزلة ونشطت في هذه الفترة وانتشرت أفكارها وكثر أتباعها، وتوسعت مؤلفاتها.
ومن أسباب ذلك تعريب كتب الفلاسفة من الروم والفرس في أثناء الدولة
[ ١ / ١٥٤ ]
العباسية، حين طلب المأمون العباسي ١٩٨-٢١٨هـ كتب هؤلاء الفلاسفة، فعربت ودرسها الناس، فكان منها شر عظيم؛ إذ إنها - وهي التصورات والتخصرات البشرية - أصبحت في تلك الفترة مقدمة على الوحي عند أهل الابتداع، إلا أن علماء السنة دافعوا عن الحق ونافحوا عنه، فوقعت الفتنة واستمرت في عهد المأمون، ثم في عهد المعتصم، ثم في عهد الواثق، ثم لما جاء عهد المتوكل، رفع الله لواء أهل السنة ونصرهم على أعدائهم.
ويمكن أن يطلق على هذه الفترة بأنها (فترة المعتزلة) لما كان لها من أثر بالغ في الحياة العامة والخاصة، سياسية أو علمية أو عملية، فقد تأثر الخلفاء بأفكارهم واستعانوا بهم على ولاياتهم.
وانتشر الفكر الاعتزالي وألفت فيه الكتب، وحدثت في داخل المعتزلة بدع كثيرة، أدت إلى تكفير بعضهم وغيرهم إلا أن هناك عقائد مبتدعة، وأصولًا محدثة، يكاد يتفق عليها سائر فرق المعتزلة، وهي التي أسموها: الأصول الخمسة وهي:
١- العدل: ويقصدون به نفي القدر، وأن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به،
[ ١ / ١٥٥ ]
وأن الله لم يخلق أفعال العباد، وأن الإنسان خالق أفعاله.. وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يريده، إذ لو خلقه ثم عذب العباد لأجله يكون ذلك جورًا والله عادل لا يجور.
٢- التوحيد: ويقصدون به نفي صفات الباري - ﷾ - تنزيهًا له - بزعمهم - وهذا من أهم أصولهم، فهم يصفون الله سبحانه بصفات السلوب، فيقولون: لا حي ولا سميع، ولا فوق العالم، ولا يقوم به علم ولا قدرة. وبناءً على أصلهم هذا قالوا ببدعة خلق القرآن ونفي رؤية الله - سبحانه-.
٣- الوعد والوعيد: ويقصدون به إيجاب وقوع الثواب للمطيع، وإيجاب وقوع العقاب على مرتكب المعاصي، فلا يجوز على الله - بزعمهم - أن لا يعذبهم ويخلف وعيده، ولا يجوز كذلك عفوه عن الكبيرة من غير توبة.
٤- المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل متلازم مع أصل الوعد والوعيد، فزعموا أن المسلم العاصي بارتكاب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر، فلا يسمى مؤمنًا ولا يسمى كافرًا، وإذا مات وهو مقيم على كبيرة، فهو من أهل النار خالدًا فيها.
٥- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقصدوا به الخروج على الحاكم الفاسق الظالم، وحمل الناس على ما يؤمنون به بالحجة والبرهان، أو بالقوة والسلطان، كما فعلوا في محنة خلق القرآن.
هذه هي أهم أصولهم التي بنوا بدعهم الكلامية عليها، وأهم مسالك المعتزلة في الاستدلال على العقائد:
[ ١ / ١٥٦ ]
١- العقل:
فكل ما قبله العقل أقروه، وكل ما لم يقبله رفضوه، ولذلك جعلوه هو الأصل، وجعلوا الشرع شاهدًا له، فكل ما خالف معقولاتهم من النصوص أولوه حتى يوافقها، وسبب ذلك ثقتهم المطلقة بالعقل، مما قادهم إلى رعونات في العقائد والأعمال، دفعتهم إليها نزعتهم العقلية فقالوا:
(إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية.. فإما أن يجمع بينهما، وهو محال؛ لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يردا جميعًا، وإما أن يقدم السمع وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل شيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يُتأول وإما أن يفوض..) .
فهذا هو القانون الكلي الذي يعتمد عليه هؤلاء ويطردونه في سائر مسائل العلم والعمل الخبرية والإرادية.
٢- الفلسفة:
لما ترجمت كتب الفلسفة وانتشرت أخذ منها المعتزلة وتأثروا بها، فكانت أدلتهم واستدلالاتهم وأقوالهم معتمدة على الأراء الفلسفية، والمقدمات المنطقية، والأقيسة الكلامية، التي تعود في مجملها إلى الفلسفة اليونانية، وجعلوا ما جاء به الأنبياء من باب الظن الذي لا يفيد يقينًا، كما تفيده معقولاتهم، ولذلك أدخلوا النقل من باب التأويل فهم يقولون:
بأن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا الحق، والحق هو ما علمناه بعقولنا، فيجتهدون في تأويل النصوص إلى ما يوافق رأيهم، بأنواع التأويلات التي هي في حقيقتها تحريفات للشريعة.
[ ١ / ١٥٧ ]
أسباب انتشار مذهب المعتزلة:
١- تأثيرهم على خلفاء بني العباس:
حتى إنهم استطاعوا إقناعهم بأقوالهم، وأخذ مهام الدولة والعمل فيها، والتأثير من خلالها في نشر بدعهم، وحمل الناس عليها وفتنتهم بها.. فقد كان عمرو بن عبيد، وهو المؤسس الثاني لمذهب المعتزلة بعد واصل بن عطاء، كان من جلساء الخليفة أبي جعفر المنصور وأحمد بن أبي دؤاد، كان قاضي القضاة لثلاثة من الخلفاء: المعتصم، والواثق، والمتوكل، وفي زمن المتوكل طرد من القضاء، وكان بشر المريسي أستاذًا للمأمون، وأحد كبار المؤثرين فيه.
حتى إنه كانت تعقد للمعتزلة مجالس المناظرة مع أهل السنة تحت نظر الخليفة وسمعه، في مجالس الخلافة.
٢- قدرتهم الكلامية وفصاحتهم اللسانية:
فقد أوتوا قوة في الجدال، وفصاحة في الألسن، فكان منهم أهل البيان والفصاحة، يلقون أفكارهم ممزوجة بحكم العرب وأمثالهم وأشعارهم، فكان ذلك
[ ١ / ١٥٨ ]
من أسباب انتشار مذهبهم، إذ خدعوا الناس بالبيان "وإن من البيان لسحرا" كما قال ﵊، وسبب ذلك أن المعتزلة جمعوا بين علوم الكلام والجدل، وهذه بطبيعتها تقود إلى المناظرات والمخاصمات وكثرة الكلام، وعلوم الأدب والغة وهي ثوب قثيب يخدع الناس ويستهويهم، وممن اشتهر بفصاحته من المعتزلة، ابن أبي دؤاد، وواصل بن عطاء، وأبو الهذيل العلاف، وأبو علي الجبائي وغيرهم، ولا تخلو طبقة من طبقات المعتزلة من وجود مفوه فصيح.
هذا وقد جمعت المعتزلة بين بدع سلفت وبدع حدثت، فأما البدع السالفة فقد أخذوا القول بالقدر، ولكن ليس لعى ريقة القدرية الغلاة النفاة، الذين يقولون بأن الأمر أنف، وإنما قالوا بنفي خلق الله لأعمال العباد وهو ما أسموه بالعدل، ونفي إرادة الله وقضائه، وخلقه للشر، ولذلك سموا بالقدرية، وأخذوا من الخوارج الحكم على مرتكب الكبيرة، ولكنهم حوروه إلى ما أطلقوا عليه المنزلة بين المنزلتين، وأخذوا منهم الخروج على الحاكم الظالم، وأخذوا من الجهمية نفي صفات الباري سبحانه، والقول بخلق القرآن، ولذلك سموا بالجهمية، فإنهم
[ ١ / ١٥٩ ]
كانوا أكثر الفرق ترسيخًا لبدعة الجهمية، وعلى أيديهم انتشرت مقالات جهم، ولذلك فإنه كما يقال المعتزلة القدرية فإنه يقال المعتزلة الجهمية.
وهذه الأقوال والأصول الخمسة التي ذكرت آنفًا هي جماع قول المعتزلة، وإن كان لبعض زعمائهم أقوال تخالف بعض ذلك أو تزيد عليه، فقد كثرت فرق المعتزلة في هذه الفترة، وتعددت مقالاتها، وتنوعت بدعها في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، مما لا يتسع المجال في هذه العجالة لحصره.
وأهم حدث حصل في هذه الفترة الزمنية، هو الابتلاء الواقع من قبل المعتزلة، ومعهم السلطة، على أهل السنة، في الفتنة التي سميت فتنة خلق القرآن، من سنة ٢١٨هـ، حين أجمع المأمون رأيه على القول بخلق القرآن والدعاء له، وإكراه الناس عليه، إلى أن أفضت الخلافة إلى المتوكل سنة ٢٣٤هـ فأمر بترك هذا القول المبتدع، ونبذ قائله وإظهار السنة.
٧- أشخاص لهم أقوال قامت عليها بدع:
عاش في هذه الفترة مجموعة من الأعلام، الذين كان لهم أثر في إيجاد بعض الأقوال البدعية، التي قامت عليها بعد ذلك فئات من الناس، ودعت إليها، وهؤلاء الأعلام الذين سنعرض لهم بإيجاز هنا ليسوا من أصحاب الفرق السالفة الذكر، فلذلك خصصناهم هنا:
[ ١ / ١٦٠ ]