التأويل في اللغة: مصدر أوّل يُؤوِّل، وأوّل فعَّل ــ بتشديد أوسطه ــ ثلاثيُّه آل يَؤوْلُ أوْلًا.
قال أهل اللغة: الأوْلُ الرجوع. وهذا تفسيرٌ تقريبي.
وأغلب ما تستعمل في الرجوع، الذي فيه معنى الصَّيرورة.
ومن أمثلة اللغويين: "طُبِخَ الشَّراب فآل إلى قَدْر كذا وكذا". ولذلك عدَّ بعض النُّحاة "آل" في الأفعال التي تجيء بمعنى "صار"، وتعمل عملها.
و"آل" قريبٌ من معنى "حال"، أي: تَحَوَّل من حالٍ إلى حال، وأكثر ما يقال: اسْتَحَال. وفي الحديث: "فاسْتَحالَت غَرْبًا" (^١)، إلَّا أنَّ "حال" و"اسْتَحَال" يختص بما تحوَّل إلى حالٍ غير ناشئةٍ عن حالهِ الأولى؛ و"آل" تكون حاله الثانية ناشئة عن الأولى، كقولك: "ربما تَؤُول البدعة إلى الكفر". أو ناشئة عما جُعل "آل" غاية له، كقولهم: "طُبِخَ الشَّراب حتى آل إلى قَدْر كذا وكذا".
وفرقٌ ثان، وهو أنّ "حال" و"اسْتَحَال" قد يكون بسرعة، كما في الحديث: "فاسْتَحَالَت غَرْبًا". و"آل" يقتضي أنَّه بعد مُدَّةٍ، كما في "طُبِخَ الشَّراب"، أو ما هو كالمُدَّة، وذلك أن يكون في رجوع الشيء إلى الشيء بغموضٍ وخفاء، كقولك: إنّ إخراج النصوص الشرعية عن ظواهرها بمجرّد الرأي والهوى يؤول إلى الكفر؛ تريد أنّه كفر، إلَّا أنّ كونه كفرًا إنّما يُعْلَم بعد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٨٢) من حديث ابن عمر ﵄، وبرقم (٧٤٧٥) ومسلم (٢٣٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ٦ ]
اشتقاق التأويل، وإطلاقاته، ومعنى تأويل الرؤيا، وتأويل الفعل، وتأويل اللفظ.
تروٍّ وتدبُّرٍ؛ ولذلك لا يكفر كلُّ من فعل ذلك؛ لأنّه قد يكون معذورًا.
والتّأويل مأخوذٌ من هذا، فهو أن يجعل الكلام يؤول إلى معنى لم يكن ظاهرًا منه، فآل الكلامُ إلى أنْ حُمِلَ على ذلك المعنى بعد أن كان غير ظاهرٍ فيه.
والتّأويل قد يكون للرُّؤيا، وقد يكون للفعل، وقد يكون للَّفظ.
فأمّا تأويل الرُّؤيا: فالأصلُ فيه أنّه مصدر أَوَّلَ العابرُ الرُّؤيا تأويلًا، أي: ذكر أنَّها تؤول إلى كذا، ويذكر ما يزعم أنّه رمز بها إليه.
وكثيرًا ما يُطلق على المعنى الذي تؤول به، ومنه
_________________
(١) والله أعلم قول الله ﷿ حكاية عن جلساء ملك مصر: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]، ومواضع أخرى في سورة يوسف. ويطلق على نفس الواقعة التي كانت الرؤيا رمزًا إليها، ومنه والله أعلم قول الله ﷿ حكاية عن يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ فجعل نفس سجود أبويه وإخوته له هو تأويل رؤياه التي ذكرها بقوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وأمّا تأويل الفعل: فهو توجيهه بذكر الباعث عليه والمقصود منه؛ فيتبين بذلك أنه على وفق الحكمة بعد أن كان متوهما فيه أنّه مخالفٌ لها، ومنه ما حكاه الله ﷿ عن الخضر: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]. وقد يطلق على العاقبة التي يؤول إليها الفعل؛ وبه فسّر قتادة وغيره قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
[ ٦ / ٧ ]
وأمّا تأويل اللفظ: فالأصل فيه أن يحمل على معنى لم يكن ظاهرًا منه، فالكلام الذي لا يظهر معناه لكثيرٍ من سامعيه يكون بيان أنّ معناه كذا تأويلًا، والكلام الذي يظهر منه معنىً يكون بيان أنّ معناه غير ذلك الظاهر تأويلًا.
ويُطلَق على نفس المعنى الذي حُمِل عليه.
ويُطلَق على نفس الحقيقة التي عُبّر عنها باللفظ؛ فإذا قال المفسِّر في قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿سَأُرْهِقُهُ (^١) صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]. "الحَرْدُ": المنعُ، "ويلٌ وغيٌّ وأثام": أوديةٌ في جهنم. و"صَعُودٌ": جبلٌ فيها. فحَمْلُه إيّاها على هذه المعاني هو التّأويل بالإطلاق الأوّل.
ونفسُ تلك المعاني هي التأويل بالإطلاق الثاني.
يُقال: ما تأويل الحَرْد؟ فيُقال: المنع، وما تأويل صَعُود؟ فيُقال: تأويله أنّه جبل في جهنم.
ونفس المنع، وتلك الأودية، وذلك الجبل: هي التأويل بالإطلاق الثالث.
ويحتمل الأوّل والثّاني دعاءُ النبي - ﵌ - لابن عباس: "اللهم فقِّهْهُ في الدّين وعلّمه التّأويل" (^٢).
_________________
(١) في الأصل: "سنرهقه".
(٢) أخرجه البخاري (١٤٣) ومسلم (٢٤٧٧) من حديث ابن عباس، دون قوله: "وعلمه التأويل". وأخرجه بهذا التمام أحمد (١/ ٢٦٦) وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٥٥) والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٦١٥) وصحَّح إسناده، وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٧/ ٢٨٥): "بسند صحيح".
[ ٦ / ٨ ]
معنى قوله - ﷺ - لابن عباس: «علمه التأويل».
وفي رواية: "اللَّهم علِّمه الحكمة وتأويل الكتاب" (^١).
وقد ذكر الحافظ طرق الحديث في "الفتح"، في كتاب العلم، في شرح باب قول النبي - ﵌ -: "اللَّهم علّمه الكتاب" (^٢).
ويحتمل أن يكون المراد: "عَلِّمه كيف يؤول"؛ فيكون من الإطلاق الأول، ويحتمل أن يكون المراد: "علِّمه المعاني التي تؤول إليها ألفاظ الكتاب"، فيكون من الإطلاق الثاني، والله أعلم.
ومن الثالث: قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٢ ــ ٥٣]، وقوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٧ ــ ٣٩].
_________________
(١) أخرجها البخاري (٣٧٥٦) من حديث ابن عباس، دون قوله: "وتأويل الكتاب". وأخرجها بهذا التمام ابن ماجه (١٦٦) من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذَّاء عن عكرمة عن ابن عباس ﵄. قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٧٠): "هذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه، فقد رواه الترمذي والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، وقد وجدتها عند ابن سعد من وجهٍ آخر عن طاوس عن ابن عباس ".
(٢) الفتح (١/ ١٧٠).
[ ٦ / ٩ ]