" دراسة عقدية"
[ ٥٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ملخص البحث
هذه الدراسة مقصودها شرح آثار المثل الأعلى، وبيان ما ينبني على معرفته من أصول وبراهين التوحيد، وذلك من خلال النقاط الآتية:
١ - معرفة الرب وتوحيده هي الثمرة العظمى لمعرفة المثل الأعلى، وهي ثمرة فطرية عقلية من حيث الأصل، إلا أن المعرفة التامة سبيلها العلم بما يجمعه المثل الأعلى من صفات الكمال.
٢ - كمال العلم بمثل الرب الأعلى يثمر في حياة المؤمن صدق العبادة والاستعانة، وكل نوع من صفات الكمال يثمر عبادات قلبية خاصة تدفع الجوارح لفعل الطاعة وترك المعصية.
٣ - براهين التوحيد دائرة مع المثل الأعلى وجودا وعدما، ولهذا جعل الله مثل السوء للمشركين وآلهتهم المزعومة، وأخبر أنه المتفرد بالمثل الأعلى في السماوات والأرض.
٤ - مشروعية الاعتبار بين صفات الرب بقياس الأولى والمساواة، وعدم مشروعيته بين صفات الرب والعبد إلا بقياس الأولى لما في قياس المساواة من التنديد والتمثيل.
[ ٥٥ ]
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد تمدح الرب ﵎ بتفرده بالمثل الأعلى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]، وجعله طريقا لمعرفته وعبادته، وبرهانا على توحيده وبطلان عبادة ما سواه، فالمعرفة المفصلة لا تحصل إلا بما جاء به الوحي من أخبار عن أسماء الله وأفعاله ومثله الأعلى الجامع لأنواع كمالاته، وتعلق القلوب برب العالمين محبة ورغبة ورهبة وتوكلا، وما يتبع ذلك من صدق العبادة والاستعانة والبراءة من الشرك بجميع أنواعه ومظاهره كل ذلك من آثار العلم بالمثل الأعلى، وصدق التحقق بمعرفة صفات الكمال. ولهذا جعل الله مثل السوء المتضمن لكل نقص وعيب للمشركين وآلهتهم المزعومة، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لكل كمال لله وحده، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]. وعلى هذا الأساس المحكم قامت براهين التوحيد، الصريح منها وما كان عن طريق التشبيه وضرب الأمثال، لأن استحقاق العبادة دائر مع صفات الكمال وجودا وعدما، فمن جمعها فهو الإله الحق الذي له المثل الأعلى، ومن تجرد عنها فهو الإله الباطل الذي له مثل السوء!.
[ ٥٧ ]
وقد عني علماء السلف بتحديد مدلول المثل الأعلى، وتفسيره من وجوه مختلفة، فمن حيث حقيقته فسروه بصفات الكمال التي يستحيل معها وجود المثل والكفء، ومن حيث آثاره فسروه بالتوحيد وما يتضمنه من حقائق الإيمان، وهما معنيان مترابطان أحكم ترابط وأوثقه، فإن معرفة الرب وعبادته، وبراهين التوحيد وأدلته كلها مبنية على كمال العلم بما يجمعه مثل الرب الأعلى من صفات الكمال.
وعلى هذا فإن دراسة المثل الأعلى تتطلب دراسة أمرين مترابطين ومتكاملين:
أحدهما: حقيقة المثل الأعلى، وذلك ببيان معناه، وشرح مدلولاته، التي يجمعها ثبوت الكمال الوجودي المطلق المنافي لصفات النقص ووجود المثل، وقد أفردت هذا الجانب بدراسة سابقة، بعنوان: "حقيقة المثل الأعلى".
والثاني: آثار المثل الأعلى، وذلك ببيان ما يثمره صدق التحقق بمعرفة المثل الأعلى من حقائق التوحيد، وما ينبني على التفرد به من براهين الإيمان. وهذا الجانب هو موضوع هذه الدراسة، وهي في تمهيد ومطلبين وخاتمة:
فالتمهيد: في معنى المثل الأعلى.
والمطلب الأول: في معرفة الرب وعبادته، ويشتمل على المسائل الآتية:
١ - فطرية المعرفة والتوحيد.
٢ - أدلة وجود الله وتوحيده.
٣ - دلالة المثل الأعلى على وجود الله وتوحيده.
[ ٥٨ ]
٤ - ثمرات المثل الأعلى الخاصة.
٥ - براهين التوحيد.
٦ - جناية التعطيل.
والمطلب الثاني: في قياس الأولى، ويشتمل على المسائل الآتية:
١ - معنى القياس وإطلاقاته.
٢ - استعمال القياس بين صفات الله تعالى.
٣ - حكم القياس بين صفات الخالق والمخلوقين.
٤ - تطبيق قياس الأولى.
٥ - أما الخاتمة فإجمال لأهم نتائج الدراسة.
[ ٥٩ ]
تمهيد
معنى المثل الأعلى
اختلف المفسرون في المراد بالمثل الأعلى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد بالمثل الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي صفتهم، وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، أي صفتها، فالمثل الأعلى بمعنى الصفة العليا، وهذا قول لابن عباس ﵄، وقال به الخليل وكثير من المفسرين، كالبغوي والقرطبي وابن كثير. وقد اختلف المفسرون في تعيين الوصف الأعلى، فمنهم من خصه بأوصاف محددة، كالتوحيد والإخلاص، أو النزاهة عن الولد، وهذه طريقة البغوي وابن الجوزي ومن وافقهما. ومنهم من جعله عاما لجميع صفات الكمال ومعاني التنزيه. وهذه طريقة ابن كثير ومن وافقه (١).
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٧٣، ٤٨١، تفسير القرطبي ٩/ ٣٢٤، ١٠/ ١١٩، ١٤/ ٢٢، زاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٤٥٩، ٦/ ٢٩٨، تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٣، حاشية الصاوي على الجلالين ٣/ ٣٠٣، ٣٠٤، تفسير القاسمي ١٠/ ١٢٠.
[ ٦١ ]
والظاهر أن تخصيص الصفة العليا بالتوحيد والإخلاص من تخريجات المفسرين، واجتهاداتهم في التوفيق بين العبارات المأثورة عن السلف في تفسير المثل الأعلى، لأن التوحيد والإخلاص من آثار الوصف الأعلى، وليس هو الوصف الأعلى نفسه، ولهذا درج أكثر المفسرين على اعتبار تفسير المثل الأعلى بالتوحيد قولا مستقلا عن تفسيره بالصفة!.
القول الثاني: أن المراد بالمثل الأعلى تنزيه الرب عن وجود المثل. روى الإمام الطبري بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، قال: "يقول: ليس كمثله شيء" (١). وهذا القول محقق لتفسير المثل الأعلى بالوصف الأعلى، لأن نفي المثل إذا ورد في سياق المدح دل على التفرد بصفات الكمال، ولهذا قال القرطبي: "المثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير" (٢).
القول الثالث: أن المراد بالمثل الأعلى كلمة التوحيد، وما دلت عليه من حقائق الإيمان، يقول ابن عباس ﵄: "المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله" (٣). ويؤثر نحوه عن قتادة ومجاهد ومحمد بن المنكدر (٤). وقال قتادة في رواية ثانية: "المثل الأعلى
_________________
(١) تفسير الطبري ١١/ ٢١/٣٨.
(٢) تفسير القرطبي ١٠/ ١١٩، وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١٠٢٢.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٧٣، تفسير القرطبي ١٠/ ١١٩.
(٤) انظر: تفسير الطبري ٨/ ١٤/١٢٥، ١١/ ٢١/٣٨، معاني القرآن للنحاس ٤/ ٧٧، تفسير القرطبي ١٤/ ٢٢، تفسير ابن كثير ٣/ ٤٣١، الدر المنثور للسيوطي ٤/ ١٢١.
[ ٦٢ ]
الإخلاص والتوحيد" (١)، وهي بمعنى الرواية الأولى، ولهذا قال أبو جعفر النحاس: "المعنيان واحد، أي لله ﷿ التوحيد ونفي كل معبود دونه" (٢).
ويدخل تحت هذا القول تفسير المثل الأعلى بما ضربه الله للتوحيد وأهله من الأمثال، وتفسيره بما يحل في قلوب المؤمنين من معرفة الرب ومحبته. يقول ابن تيمية: "وأما المؤمنون فإن الإيمان بالله، ومعرفته، ومحبته، ونوره وهداه، يحل في قلوبهم، وهو المثل الأعلى، والمثال العلمي" (٣).
ومما يعضد تفسير المثل الأعلى بالتوحيد قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ ﴾ [الروم: ٢٧، ٢٨]، فأتبع ما تمدح به من التفرد بالمثل الأعلى ما يشعر بمعناه من أمثال التوحيد، ولهذا كان تفسير المثل الأعلى بالتوحيد هو غالب المأثور عن السلف (٤). وهذا لا يعني ضعف تفسيرهم له بالصفة أو تفسيره بعدم وجود المثل، لاختلاف مدارك عباراتهم، ومآخذ أقوالهم، وذلك لأن المثل الأعلى باعتبار حقيقته يعني التفرد بأوصاف الكمال التي يستحيل معها وجود المثل، وباعتبار آثاره يعني التوحيد وما يحل في القلوب من حقائق الإيمان ومعاني
_________________
(١) تفسير الطبري ٨/ ١٤/١٢٥، معاني القرآن للنحاس ٤/ ٧٧.
(٢) معاني القرآن ٤/ ٧٧.
(٣) الجواب الصحيح ٤/ ٣٧٢، وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١٠٣٣ - ١٠٣٧.
(٤) انظر: ص١٣ - ١٤.
[ ٦٣ ]
الإخلاص، ولهذا جنح بعض المفسرين إلى تفسيره بمجموع أو أغلب المأثور عن السلف. يقول الخازن: "ولله المثل الأعلى، أي الصفة العليا المقدسة، وهي أن له التوحيد، وأنه المنزه عن الولد، وأنه لا إله إلا هو، وأن له جميع صفات الجلال والكمال" (١).
_________________
(١) تفسير الخازن ٣/ ٩٧، وانظر: تفسير الطبري ١١/ ٢١/٣٨، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ١/ ٤٢٩، الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٥.
[ ٦٤ ]
المطلب الأول
معرفة الرب وعبادته
فطرة المعرفة والتوحيد:
معرفة الرب وتوحيده أعظم الحقائق المركوزة في فطر الناس أجمعين، فكل من سلمت فطرته من الاجتيال والتبديل فإنه سيذعن لا محالة لما يجده في داخله من الإيمان بوجود خالقه، والإقرار المجمل بمعاني ربوبيته، وكمال صفاته، واستحقاقه وحده للعبادة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا، قال المصطفى - ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١)، وفي رواية لمسلم: «ما من مولود يولد إلا وهو على الملة» (٢)، وفي رواية له أيضا: «إلا على هذه الملة» (٣). يقول ابن تيمية: "الله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده، فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب
_________________
(١) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ ٣/ ٢١٩، وانظر: صحيح مسلم بشرحه للنووي: كتاب القدر، باب كل مولود يولد على الفطرة ١٦/ ٢٠٧.
(٢) صحيح مسلم بشرحه للنووي: كتاب القدر، باب كل مولود يولد على الفطرة ١٦/ ٢١٠.
(٣) المرجع السابق.
[ ٦٥ ]
عارفا بالله محبا له، عابدا له وحده" (١).
أدلة وجود الله وتوحيده:
إلى جانب تلك الحجة النابعة من داخل الإنسان وأعماق نفسه فإن هناك حججا خارجية في الأنفس والآفاق، تجمعها حقيقة عقلية أولية واحدة، وهي دلالة الأثر على المؤثر، وهذه الحجج تنتظم ما لا يحصى من آحاد الأدلة، إذ العالم كله دليل وشاهد على وجود الله وتوحيده، ولهذا جنح أهل العلم لحصر أنواع الأدلة دون آحادها، وذلك بطرق متعددة، وتحت أسماء مختلفة، منها:
١ - دليل الخلق والاختراع: فما يعلمه كل عاقل بالمشاهدة والضرورة العقلية من وجود المخلوقات بعد العدم دليل قاطع على وجود الخالق وتوحيده، وذلك لافتقار المخلوق إلى الخالق، واحتياج المحدَث للمحدِث، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦]، وقال: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٨]. وهذا النوع من الاستدلال يرتكز على أصلين معلومين بداهة:
أحدهما: حدوث المخلوقات: وهذا معلوم بالمشاهدة في آحاد الحيوان والنبات، وبالضرورة العقلية في الكواكب وسائر
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٣٥، وانظر: الأدلة العقلية للعريفي ص١٩١ - ٢٠٩.
[ ٦٦ ]
المخلوقات، لأنها مسخرة مدبرة، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة.
والثاني: حاجة المحدَث إلى محدِث: وهذا الأصل معلوم بضرورة العقل، فالمحدَث لابد له من محدِث لا يفتقر إلى غيره، وهو الله تعالى. يقول ابن تيمية: "معلوم بضرورة العقل أن المحدث لابد له محدث، وأنه يمتنع تسلسل المخلوقات باتفاق العقلاء، وذلك بأن يكون للمحدَث محدِث، وللمحدِث محدَث إلى غير غاية، وهذا يسمى تسلسل المؤثرات، والعلل، والفاعلية، وهو لا يزول إلا بمحدث أزلي لا يحتاج إلى غيره" (١).
٢ - دليل العناية: فما في الوجود من مظاهر العناية بالمخلوقات عامة، والإنسان خاصة، براهين قاطعة على وجود الخالق، وعلى كماله، وتوحيده. ويدخل في هذا الدليل كثير من صور الاستدلال، منها:
أ - دلالة الإتقان: فكل مخلوق يحمل من كمال الإتقان ما يدل على وجود خالقه وكمال ذاته وصفاته، قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، وقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
ب - دلالة التناسق: فالعالم كله علويَّه وسفليَّه يخضع لنواميس كونية متناسقة ثمرتها التوافق الدقيق بين المخلوقات، والموافقة التامة لوجود الإنسان، قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤٤٥ (بتصرف)، وانظر: الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ص٦١، الأدلة العقلية للعريفي ص٢٠٩ - ٢٢٦.
[ ٦٧ ]
الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦]، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، أي أدلة على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد وصدق الرسل، ولهذا أطلق متعلق الآية ولم يقيدها بمطلوب معين (١).
ج - دلالة الهداية العامة: فإن هداية المخلوقات ودلالتها إلى مصالح معاشها، وسبل بقائها وما يقيمها ويحفظها من أعظم آيات الربوبية، قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠]. يقول ابن القيم: "الهداية العامة قرينة الخلق في الدلالة على الرب ﵎ وأسمائه وصفاته وتوحيده، ومعنى الآية أن الله أعطى كل شيء من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه. والخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني. والآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه، وطيره ودوابه، فصيحه وأعجمه" (٢).
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد ٤/ ١٦٢، ١٦٣.
(٢) شفاء العليل ص١١٩، ١٣٧ - ١٤٠ (بتصرف).
[ ٦٨ ]
٣ - دليل المعجزات: فآيات الأنبياء وما يتبعها من نصر الرسل وأتباعهم، وإكرامهم بخوارق العادات، وإجابة الدعوات برهان حسي عقلي قاطع على إثبات الخالق وتوحيده وصدق رسله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠١، ١٠٢]، أي حجج وأدلة تبصر بصدق ما يدعو إليه موسى من الإيمان بالله وتصديق رسوله، وآثار واضحة للإله الحق وصفاته وأفعاله: يقول ابن القيم: "هذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع، وصفاته، وأفعاله، وارتباط أدلة هذا الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس (١)
والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا! وهكذا
_________________
(١) هذا في حق من شاهدها، أما من غاب عنها فإنها في حقه من باب دلالة الخبر القاطع والعقل، والقطع بثبوت آيات الأنبياء يعلم بطرق متعددة، كذكرها في القرآن المقطوع بصحته، وكتواتر بعض آحادها تواترا عاما يعلمه العام والخاص، أو تواترا خاصا يعلمه العلماء، وكتواتر القدر المشترك بين آحادها تواترا عاما اتفقت على معرفته جميع الطوائف. انظر: الجواب الصحيح لابن تيمية ٦/ ٣٢٤ - ٣٨٠، الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١١٩٦ - ١١٩٧.
[ ٦٩ ]
سائر آياته وآيات الأنبياء، فكلها من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر" (١).
دلالة المثل الأعلى على وجود الله وتوحيده:
لم يكتف الشرع بتنبيه العباد وإرشادهم لما هو مركوز في فطرهم، وما تعرفه عقولهم من الإيمان المجمل بوجود الله وتوحيده، وإنما عرفهم بربهم ومعبودهم معرفة مفصلة، إذ من المحال أن تستقل العقول بمعرفة فاطرها ومعبودها على التفصيل (٢)، فعرفهم بأسماء الرب وصفاته وأنواع كمالاته التي يجمعها ما تفرد به من المثل الأعلى في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١١٩٧، ١١٩٨ (بتصرف يسير). وانظر في الأدلة الخارجية عامة: الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ص٦٠ - ٦٤، الأدلة العقلية للعريفي ص٢٠٩ - ٣٠٨.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/ ٢٤٨، الصواعق المرسلة لابن القيم ١/ ١٥٠.
[ ٧٠ ]
وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
ولهذا النصوص نظائر كثيرة يدخل كل واحد منها ضمن جانب أو أكثر من جوانب المثل الأعلى، وهي:
١ - صفات الكمال الذاتية: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
٢ - صفات الكمال الفعلية: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ ٧١ ]
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥].
٣ - التنزيه عن النقائص المتصلة: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، وقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
٤ - التنزيه عن النقائص المنفصلة: قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وهذه المعرفة المفصلة لابد أن تُثَمِّر في قلب العارف محبة الله
[ ٧٢ ]
ورجاء ثوابه والخوف من عقابه والالتزام بعبادة الله وحده قولا وعملا، وهذا هو المقصود الأعظم لما أخبرنا الله به من تفرده بالمثل الأعلى في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٢٧ - ٣٠]، فتمدح الحق ﷾ بتفرده بالمثل الأعلى، ثم أتبع ذلك بالأمر بلزوم موجبه والمقصود من ذكره، وهو البراءة من عبادة ما سوى الله، وإفراد الله بجميع أنواع العبادة. والأمر بهذا التوحيد والإخلاص مستفاد من المثل المضروب ببطلان الشرك ولزوم التوحيد، ومن التشنيع بجهل المشركين واتباعهم أهوائهم بغير علم، ومن الأمر الصريح في آخر الآيات بالإخلاص الموافق للفطرة، ولهذا فسر كثير من علماء السلف المثل الأعلى بمقصوده الأعظم من التوحيد والإخلاص. يقول ابن عباس ﵄: "المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله" (١)، ويقول قتادة: "المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله" (٢)،
ويقول: "المثل الأعلى الإخلاص والتوحيد" (٣)، وقال مجاهد: "المثل
_________________
(١) تفسير البغوي ٣/ ٧٣، تفسير القرطبي ١٠/ ١١٩.
(٢) تفسير الطبري ٨/ ١٤/١٢٥، معاني القرآن للنحاس ٤/ ٧٧ ..
(٣) المرجعان السابقان، تفسير القرطبي ١٤/ ٢٢.
[ ٧٣ ]
الأعلى قول لا إله إلا الله" (١)، وقال محمد بن المنكدر في قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ قال: "لا إله إلا الله" (٢).
فالمعرفة والتوحيد أمران متلازمان، وهما أعظم ثمرات المثل الأعلى على الإطلاق، ولهذا كثر في نصوص القرآن والسنة التصريح بصفات الكمال ليعرف العباد ربهم بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتمتلئ قلوبهم بمحبته وصدق التوكل عليه، فإن التحقق بمعرفة صفات الإلهية يورث المحبة الخاصة المستلزمة لكمال الطاعة والعبادة، والتحقيق بمعرفة صفات الربوبية يورث صدق التوكل وكمال الاستعانة، وهي الاعتماد على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار، ثقة بكفاية الله في العطاء والمنع والضر والنفع.
فالمعرفة الحق بصفات الإلهية تثمر إفراد الله بالعبادة قولا وعملا، والمعرفة بصفات الربوبية تثمر كمال الاستعانة بالله، والعبادة والاستعانة، أو الشرع والقدر هما أصلا السعادة في الدنيا والآخرة، وخاصة المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد جمع الله هذين الأصلين في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]، يقول ابن تيمية: "الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام:
فالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه.
وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم
_________________
(١) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٢.
(٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٤٣١.
[ ٧٤ ]
تحريا للطاعة والورع، ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع.
وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة. فقد يمكن أحدهم، ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا، ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول (١)، ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى، فالأولون (٢) لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر، واتبع فيه السنة.
وشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه، فهو لا يشهد أن عمله لله، ولا أنه بالله" (٣).
ثمرات المثل الأعلى الخاصة:
إذا كانت العبادة والاستعانة ثمرتي التحقق بالعلم بصفات الربوبية والإلهية على وجه الإجمال فإن لكل صفة من صفات الكمال عبادة قلبية خاصة، وحالا معينة يثمرها العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهي كثيرة، منها:
_________________
(١) مقصوده القسم الثاني، وهم أهل العبادة دون الاستعانة، كما هو واضح من السياق.
(٢) أي أهل العبادة دون الاستعانة، وهو يعزو ما ذكرته في التعليق السابق. وانظر: التحفة المهدية لفالح آل مهدي ص٤٢٢، ٤٢٤.
(٣) الرسالة التدمرية ص٢٣٤، ٢٣٥، وانظر منها: ص٢٣١، ٢٣٢، الفوائد لابن القيم ص٩٧، مدارج السالكين لابن القيم ١/ ٧٨ - ٨٤، تفسير السعدي ١/ ٣٦، ٦/ ٥٩٦، ٥٩٧.
[ ٧٥ ]
أولا: التوكل: فإن العلم بقدرة الرب وتفرده بالضر والنفع يورث أهله صدق التوكل على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار، وهذه الثمرة من أعلى درجات الإيمان التي توصل أهلها لخيرات الدنيا والآخرة، وأعلاها دخول الجنة بلا حساب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي كافيه في جلب المنافع ودفع المضار. وروى مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄: «عرضت عليَّ الأمم » الحديث، وفيه: «هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا (١)
يدخلون الجنة بغير حساب » الحديث إلى قوله: «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» (٢). وهذه الفضيلة لأهل التوكل التام خاصة، وهو ما تميز أهله باجتماع ثلاث خصال قل أن تجتمع في مسلم، وهي: ترك الرقى الشركية، وعدم العمل بمقتضى التشاؤم، وترك الاكتواء في الأحوال المكروهة (٣).
_________________
(١) ورد في بعض الروايات الثابتة ما يدل على تكرم الرب وإكرام الرسول - ﷺ - بما يزيد على هذا العدد بكثير: فقد ورد أن النبي - ﷺ - استزاد ربه فزاده مع كل ألف سبعين ألفا، وفي رواية للترمذي: وثلاث حثيات من حثياته. انظر: المسند للإمام أحمد ٢/ ٣٥٩، سنن الترمذي: كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة ٤/ ٦٢٦، فتح الباري لابن حجر ١١/ ٤١٠، صحيح الجامع الصغير للألباني ٢/ ١١٩٦.
(٢) صحيح مسلم بشرحه للنووي: كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ٣/ ٩٣، ٩٤.
(٣) في تحرير دلالة الحديث كلام طويل لأهل العلم، والظاهر ما ذكرته حملا للمطلق من النصوص على المقيد، وجمعا بين النصوص المتعددة في المسألة. انظر: الوعد الأخروي للمؤلف ٢/ ٨٣٥ - ٨٥٣.
[ ٧٦ ]
والتوكل عمل قلبي إذا استقر في القلب استتبع آثاره الظاهرة والباطنة، وأهمها اثنان:
أحدهما: البراءة التامة من الشرك الأكبر في التوكل، وهو الاعتماد على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، وذلك كالاعتماد على الأولياء المزعومين في الحفظ أو النصر أو الرزق أو العافية أو غير ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله وحده.
الثاني: صحة التعامل مع الأسباب، وذلك بالحرص على فعل ما ثبت أنه من الأسباب النافعة شرعا أو قدرا دون اعتماد عليه، أو اعتباره وسيلة مستقلة أو حتمية في حصول المسببات. وفي هذه الثمرة نجاة المسلم من كثير من صور الشرك الخفي، كالاعتماد على الأسباب الظاهرة العادية في حصول آثارها، وكمباشرة بعض الأسباب التي تعتبر شركا أو ذريعة له. روى الإمام أحمد بسنده عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: قال رسول الله - ﷺ «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١). وقد يصل الانحراف في التعامل مع الأسباب بأهله إلى الخروج من الإسلام كلية، وذلك كمن يؤمن بالتأثير الذاتي للأسباب، أو يباشر من الأسباب ما هو مشتمل على الشرك الأكبر، كالرقى والتمائم المشتملة على سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله (٢).
_________________
(١) المسند ١/ ٣٨١، وهو حديث صحيح. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١/ ٥٨٤، ٥٨٥، ح (٣٣١).
(٢) انظر في التوكل وما يتعلق به: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢/ ٢١٣، مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ١١٧، ١١٨، تيسير العزيز الحميد لعبد العزيز آل الشيخ ص٤٩٥ - ٥٠٥، القول السديد لعبد الرحمن بن سعدي ص٤١، ٤٢.
[ ٧٧ ]
ثانيا: الحياء: فإن العلم بسمع الرب وبصره، وعلمه المحيط بما في السماوات والأرض، والتحقق بمعيته يثمر في قلوب العباد الاستحياء من اطلاع الرب عليهم، وأن يراهم على ما يكره، فتبقى خواطرهم وألسنتهم وجوارحهم محفوظة من المعاصي الظاهرة والباطنة، ولهذا كثر في القرآن الكريم ذكر صفة العلم في نصوص الجزاء على الأعمال كقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٤]، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، والمعية في الآية معية علم، كما يدل لذلك سياق الآية، حيث بدئت وختمت بالعلم، ولهذا قال علماء السلف: هو معهم بعلمه (١). وهذه المعية تورث القلب كمال الحياء من الله تعالى، وكذلك شأن المعية الخاصة من باب أولى، إذ كلا النوعين يدل على مصاحبة الرب لعبده واطلاعه على أحواله، واختلافهما إنما هو في المقتضى لا في أصل الدلالة، يقول ابن القيم: "المعية نوعان: عامة: وهي معية العلم والإحاطة وخاصة: وهي معية القرب فهذه تتضمن الموالاة والنصر والحفظ.
وكلا المعنيين مصاحبة منه للعبد، لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة، فـ "مع" في لغة العرب تفيد الصحبة
_________________
(١) انظر: الرد على الجهمية للإمام أبي سعيد الدارمي ص٢٦٨، ٢٦٩ (ضمن عقائد السلف).
[ ٧٨ ]
اللائقة، لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة، فمن ظن منها شيئا من هذا فمن سوء فهمه أتي" (١).
ثالثا: المحبة: وهي ثمرة العلم بجمال الرب وكماله وإنعامه وإحسانه، لأن القلوب مجبولة على محبة الكمال، وعلى محبة من أحسن إليها. والمحبة التي يثمرها العلم بهاتين الصفتين أكمل أنواع الحب القلبي، وهي محبة التأله التي إذا استقرت في القلب أورثت أهلها كمال الاتباع والإيثار، وموافقة الرب في محبوباته ومكروهاته ظاهرا وباطنا، وليست مجرد دعاوى وعواطف لا حقيقة لها في الواقع، كما يتوهمه المغرورون، أو مجرد محبة عقلية تعني إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، كما يزعم الجهمية نفاة المحبة، إذ الرب عندهم لا يحب ولا يحب، لأن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين الجانبين، ولا مناسبة بين القديم والمحدث!.
والقرآن يكذب مقالتهم في نصوص كثيرة، لقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والحق خلاف ما عليه هؤلاء وهؤلاء، فإن محبة الله - تعالى - تملأ القلب، وتستتبع آثارها الظاهرة والباطنة، التزاما بالشرع واتباعا لأحكامه وتقديما له على كل محبوب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٢٦٥، وانظر في الحياء وما يتعلق به: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١/ ٢١، ٢١٣، الفوائد لابن القيم ص٩٦، مفتاح دار السعادة لابن القيم ٢/ ٩٠، تفسير السعدي ١/ ١٥٤.
[ ٧٩ ]
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
وهذه المحبة أهم أعمال القلوب على الإطلاق، لأنها أصل أعمال الإيمان كما أن التصديق أصل أقواله، ولهذا كان شرك المحبة أصل الشرك العملي، وأعظم أنواعه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. يقول الآلوسي: "جواب (لو) محذوف، للإيذان بخروجه عن دائرة البيان، أي لوقعوا من الحسرة والندامة فيما لا يكاد يوصف" (١).
رابعا: الخوف: وهو ثمرة العلم بصفات العقوبة، كالغضب والسخط والانتقام. والخوف من أعلى مراتب الإيمان، ومن ضرورات تحقيقه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ الآيات [الأنفال: ٢ - ٤] ويقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. يقول إبراهيم التيمي: "ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، وينبغي لمن لا يشفق أن يخاف ألا
_________________
(١) روح المعاني للآلوسي ١/ ٢/٣٥، وانظر في المحبة وما يتعلق بها: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١/ ٢١، ٢٠٦، ٢/ ٢١٣، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٠/ ٤٨، ٤٩، الفوائد لابن القيم ص٩٥، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٢٦٦.
[ ٨٠ ]
يكون من أهل الجنة، لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]. اهـ كلامه" (١).
والخوف المحمود تارة يتعلق بالمخوف ذاته، كخوف مقام الرب أو عذابه، وتارة يتعلق بوسائل المخوف، كخوف رد العمل، أو الوقوع في الموبقات، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. روى الإمام أحمد بسنده عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق وهو يخاف أن لا يقبل منه» (٢). وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه" (٣).
والخوف من الله تعالى يستلزم القيام بفعل المأمور وترك المحظور، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *
_________________
(١) صفة الصفوة لابن الجوزي ٣/ ٩١.
(٢) المسند ٦/ ٢٠٥، وهو حديث صحيح. صحيح الترمذي للألباني ٣/ ٨٠.
(٣) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر ١/ ١٠٩.
[ ٨١ ]
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]، وأعظم ما يدخل في المحظور شرك العبادة، فإنه أعظم المحرمات، وهو ينتظم أنواعا كثيرة، منها شرك الخوف، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما لا يقدر عليه إلا الله سواء اعتقد أن ذلك على سبيل الكرامة أو الاستقلال. وهذا المعنى هو الذي يعتقده المشركون في آلهتهم، ولهذا كانوا يخافونها ويخوفون بها أولياء الرحمن، قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال - حكاية عن قوم هود ـ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقد ورث هذا الشرك كثير من غلاة الشيعة والصوفية وغيرهم.
أما ترك بعض الواجبات خوفا من الناس، كترك ما يجب من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا مما دون الشرك من المحرمات، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، أي يخوفكم بأوليائه، لئلا تجاهدوهم، ولا تأمروهم بمعروف ولا تنهوهم عن منكر (١).
خامسا: الرجاء: وهو ثمرة العلم بصفات الرحمة، كالمغفرة واللطف والعفو والبر والإحسان. والرجاء من أعظم عبادات القلوب، وأقوى بواعث الطاعة، وقوته في القلب تكون على حسب قوة المعرفة بالله وصفاته. يقول ابن القيم: "قوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وغلبة رحمته غضبه، ولولا روح
_________________
(١) انظر في الخوف وما يتعلق به: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١/ ٢١، ٢٠٦، الفوائد لابن القيم ص٩٦، تيسير العزيز الحميد لسليمان آل الشيخ ص٤٨٣ - ٢٩٥، ٤٩٨.
[ ٨٢ ]
الرجال لعطلت عبودية القلب والجوارح، وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا" (١).
والرجاء عبادة لا يجوز أن ينفك عنها المسلم لا في حال الإحسان ولا في حالة الإساءة، ففي حال الإحسان يرجو قبول العمل فرضا كان أو نفلا، وفي حال الإساءة يرجو قبول التوبة والتجاوز عن العقوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، أي لمن تاب، ولهذا عمم في المذنبين وأطلق في الذنوب، لأن الله يغفر بالتوبة النصوح لكل مذنب من كل ذنب، وهذه خاصة التوبة من بين أسباب المغفرة.
وقد اختلف أهل العلم في التفضيل بين الرجاءين، فطائفة فضلت رجاء المحسن، لقوة أسباب الرجاء معه، وطائفة فضلت رجاء المذنب التائب، لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل، ومقرون بكسرة رؤية الذنب. والظاهر أن التفضيل لا يتعلق بنوع الرجاء، وإنما يتعلق بمقدار ما يقوم بقلب صاحبه من حقائق التقوى حال رجائه، فمن كان أتقى كان رجاؤه أفضل سواء أكان محسنا أو تائبا، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وفيما تقدم ذكره بيان واضح لنوع الرجاء المحمود، وهو إما
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٤٢.
[ ٨٣ ]
رجاء المحسن لقبول العمل، أو التائب لقبول التوبة. أما الرجاء المجرد عن العمل، والاسترسال في المعاصي اتكالا على عفو الله تعالى فهو من الغرور، والأمن من مكر الله، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، إذ عاقبته استدراج العاصي حتى يهلكه الله في غفلته!.
ولابد من اقتران الخوف والرجاء في قلب المؤمن، لئلا يفضي به الرجاء إلى الأمن من مكر الله، أو يفضي به الخوف إلى القنوط من رحمة الله، واليأس من روحه، ولهذا قرنت صفات الرحمة بصفات العقوبة في مواضع كثيرة من القرآن، لتورث المؤمن قوة في الخوف والرجاء، واعتدالا بين وعد الله ووعيده، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨].
وللرجاء الصادق أكبر الآثار في واقع المسلم، فهو يبعث على التوبة النصوح، والإكثار من الأعمال الصالحة رجاء الفوز بجنة الله، ورؤيته، وسماع كلامه، ويحفظ عقيدة المسلم من التعلق بالمخلوقات، رجاء حصول البركة، أو الشفاعة، أو كشف الضر، أو تحويله، ولهذا لا ترى في حياة المسلم الصادق شيئا من مظاهر شرك الرجاء، كالتبرك بمقامات الأنبياء، أو بذوات الأولياء وأضرحتهم، أو بالعيون والمغارات، أو بغير ذلك من البقاع والأمكنة والأعيان، لأنه يعلم يقينا تفرد الرب بجلب المنافع ودفع المضار، ويؤمن بأن الله وحده هو محل رجائه في كل ما يؤمله من
[ ٨٤ ]
خيرات الدنيا والآخرة (١).
براهين التوحيد:
تفرد الرب بالمثل الأعلى من أعظم أدلة صحة التوحيد ووجوبه وبطلان الشرك وتحريمه، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، فجعل مثل السوء المتضمن لكل عيب ونقص للمشركين وآلهتهم المزعومة، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لجميع صفات الكمال لله وحده. وهذا يستلزم عقلا بطلان الشرك وصحة التوحيد. وعلى هذا المعنى الجامع والتلازم الضرورية قامت براهين التوحيد وإبطال الشرك، وهي أربعة أنواع:
الأول: الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد العبادة، فإن تفرد الرب بمعاني الربوبية يستلزم إفراده بالعبادة، وذلك لاعتبارات متعددة، منها:
١ - أن التفرد بالربوبية يعني التفرد بتربية العباد بنعمه وإحسانه، وأصل ذلك الخلق، إذ كل ما بعده من النعم تابع له، وفرع عنه، ولاشك أن شكر من تفرد بالخلق والإنعام أوجب شيء في العقول.
٢ - أن التفرد بالربوبية يعني التفرد التام بجلب المنافع ودفع
_________________
(١) انظر في الرجاء ومتعلقاته: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١/ ٢١، ٢٠٦، مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٣٦، الفوائد لابن القيم أيضا ص٩٥، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٣٤٣، تيسير العزيز الحميد لسليمان آل الشيخ ص٤٠، ١٧٤، ١٨٣، ٢٢٠، ٢٤٣، روح المعاني للآلوسي ٥/ ٩/١٢، ١٣.
[ ٨٥ ]
المضار، وهذا يقتضي عقلا أن يكون الرب وحده محل محبة العبد ورغبته ورهبته.
٣ - أن التفرد بالربوبية يعني التفرد بالخلق والملك والغنى الذاتي، وأن ما عدا الرب مخلوق مملوك فقير لا يصح عقلا أن يكون محلا لمحبة العبد ورغبته ورجائه، ولا لشيء مما ينشأ عن ذلك من عباداته!! وعلى هذه الاعتبارات وما يجري مجراها جاء هذا النوع من براهين القرآن على صحة التوحيد وبطلان الشرك، فمن تفرد بمعاني الربوبية من خلق وتدبير وملك وعناية وهداية ونفع وضر فهو المستحق عقلا وشرعا للعبادة وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]، وقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ الآيات [النمل: ٦٠ - ٦٤].
الثاني: الاستدلال بتوحيد الصفات على توحيد العبادة، فإن التفرد بصفات الكمال المطلق يستلزم تعلق القلب بالموصوف بها محبة وخوفا ورجاء وتألها في الظاهر والباطن، وهذا البرهان ينتظم جميع ما ورد من صفات الكمال، فكلها أدلة على توحيد العبادة سواء أصرح بذكر لازمها، أو ذكرت مجردة. فمما ذكر مجردا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:
[ ٨٦ ]
٦٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، فهذه النصوص ونظائرها لم تذكر لمجرد تقرير الكمال وإنما ذكرت لبيان أن الموصوف بها هو المستحق للعبادة وحده. يقول ابن تيمية: "الله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد، وهما: إثبات الكمال، ردا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردا على المشركين" (١).
أما ما صرح بذكر لازمه من نصوص الصفات فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢، ٢٣]، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، فصرح بذكر لازم صفات كماله، وهو البراءة من الشرك وأهله، وإفراد الله بجميع العبادات الظاهرة والباطنة، ومحل الدلالة في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإن الشهادة تدل على توحيد العبادة مطابقة، والتنزيه عن الشرك يستلزم إفراد الله بالعبادة.
وصفات الكمال لا تدل على التوحيد فحسب، بل إنها تدل
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٨٣.
[ ٨٧ ]
مع ذلك على ما يليق بالرب، من الأفعال، ولهذا نزه الرب نفسه عن كل ما ينافي كماله من الأفعال، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، وقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]، فنزه نفسه عن اللعب والعبث والظلم وتصديق المتنبئ بما لا معارض له من البراهين، لأن هذه الأفعال تنافي كماله وحكمته وعدله ورحمته (١).
الثالث: الاستدلال بأوصاف الآلهة الباطلة على التوحيد، فإن كل ما يعبد من دون الله تعالى من بشر، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك يجمعهم مثل السوء من الحدوث والعجز والفقر، وهي كلها صفات نقص تبطل ألوهيتهم المزعومة، وقد فصل القرآن هذه الصفات في نصوص كثيرة بطرق متعددة، منها:
١ - تقرير أن كل ما يعبد من دون الله مخلوق مربوب لا قدرة له على الخلق، وهذا يقتضي ضرورة بطلان الشرك، وأن الإله الحق هو خالق هذه المعبودات والخلق أجمعين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]. يقول ابن القيم: "إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئا مع الله
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٣٦.
[ ٨٨ ]
طولبوا بأن يروه إياه، وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت إلهيتها باطلة ومحالة" (١).
٢ - أن الآلهة المزعومة ليست أهلا للعبادة، وذلك لتجردها من جميع معاني الربوبية، فهي لا تنفع ولا تضر، ولا ترزق ولا تضر، ولا تملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢]، وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣]. يقول ابن القيم: "أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلابد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو شريكا لمالكها، أو ظهيرا، أو وزيرا، أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت؛ انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٦٥.
[ ٨٩ ]
مثقال ذرة في السماوات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة لمالك الحق.
فنفى شركتها له، فيقول المشرك: قد تكون ظهيرا أو وزيرا ومعاونا، فقال: وما له منهم من ظهير، فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه" (١).
٣ - بيان ما عليه الآلهة المزعومة من صفات النقص المنافية للألوهية، فهي إما مخلوقات محتاجة، لا قيام لها بنفسها، أو جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال - حكاية عن الخليل ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] (٢).
الرابع: الاستدلال على التوحيد بضرب الأمثال في المعاني (٣)،
وهي عبارة عن براهين وحجج تفيد توضيحا للمعنى
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٦١، ٤٦٢.
(٢) وانظر في هذه البراهين الثلاثة: القول السديد لعبد الرحمن بن سعدي ص٦١ - ٦٩، دعوة التوحيد لمحمد خليل هراس ص٣٥ - ٤١، الأدلة العقلية على أصول الاعتقاد لسعود العريفي ص٣٩٠ - ٤٥٠.
(٣) هذا لإخراج المثل اللغوي، وهو القول السائر الممثل مضربه بمورده، وهو الذي عني به علماء اللغة، وأفردوا له مؤلفات مستقلة، كمجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني. وفائدة هذه الأمثال ترجع إلى التعبير اللغوي ولا دلالة فيه على الأحكام، لأن الدلالة على الأحكام مخصوصة بأمثال المعاني سواء أكانت معينة أم كلية، فالأمثال المعينة هي التي يقاس فيها الفرع بأصل معين إما موجود أو مقدر، وفي بعض المواضع يذكر الأصل من غير تصريح بذكر الفرع، والقصص القرآني من هذا الباب، فإنها كلها أصول قياس ولا يمكن تعديد ما يلحق بها من الفروع. والأمثال المعينة ترجع إلى القياس الفقهي المشهور بقياس التمثيل. أما الأمثال الكلية فهي التي يقاس فيها الفرع (المثل) بالمعنى الكلي، لأن القضية الكلية في قياس الشمول تماثل كل ما يندرج فيها من الأفراد، فإن الذهن يرتسم فيه معنى عام يماثل الفرد المعين، فصار هذا قياسا حقيقة، وهو ضرب مثل في نفس الوقت، لأن ضرب المثل هو القياس بعينه. انظر: مجمع الأمثال للميداني ١/ ٥، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٥٤ - ٦٨، ١٦/ ٤١.
[ ٩٠ ]
أو دلالة على الحكم عن طريق تصوير المعقول في صورة المحسوس، أو تصوير أحد المحسوسين في صورة أظهرهما، واعتبار أحدهما بالآخر. وهي أقوى في النفس، وأبلغ في الإقناع، لقوة التشبيه، وقربه من الحس، واقتران دلالته بالترغيب والترهيب (١). وأمثال التوحيد مما يدخل في معنى المثل الأعلى، ولهذا فسره ابن كيسان بما ضربه الله للتوحيد والشرك من الأمثال (٢)، وهو تفسير للمثل الأعلى باعتبار أثره لا باعتبار حقيقته، وهو يعم تفسيره بكلمة التوحيد، أو بمدلولاتها، أو بأدلتها وبراهينها كما تقدم (٣).
وقد ذكر الله في كتابه كثيرا من الأمثال المشتملة على ذكر ما في الآلهة المزعومة من نقائص وأمثال سوء تنفر القلب، وتهدي
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٥٦، إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٤٨، البرهان للزركشي ١/ ٤٨٦ - ٤٩٦.
(٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم ٣/ ١٠٣٣.
(٣) انظر: ص (٦٣) من الكتاب.
[ ٩١ ]
العقل بالبرهان لبطلان الشرك وصحة التوحيد، والتزامه قولا وعملا، رغبا ورهبا، ومنها:
١ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، فهذا مثل ضربه الله لنفسه وللأوثان، فللأوثان مثل السوء ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، فالله تعالى هو مالك كل شيء، ينفق على عباده سرا وجهرا وليلا ونهارا، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يقبل عقل أن تكون شريكة لله ومعبودة معه مع هذا التفاوت العظيم! (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، وهذا مثل آخر ضربه الله لنفسه وللوثن، فإن القادر على الحق قولا وأمرا وفعلا لا يماثل الأبكم الذي لا يقدر على شيء البتة لا نطقا ولا فعلا، وهكذا شأن الله مع الأوثان - ولله المثل الأعلى - فإن كماله المطلق يحيل أن تماثله الأوثان العاجزة في شيء من كمالاته أو حقوقه! (٢).
٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ *
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٥٧، ١٥٨.
(٢) انظر: تفسير القرطبي ١٠/ ١٤٩، ١٥٠، إعلام الموقعين ١/ ١٥٨ - ١٦١.
[ ٩٢ ]
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤]، وقد ضرب الله هذا المثل بأوجز عبارة وأحلاها، وبين فيه ما يعم المعبودات الباطلة من عجز حتى حال الاجتماع والتعاون، فهي لا تقدر على إيجاد مخلوق من أضعف المخلوقات، ولا حتى على الانتصار منه، وذلك لكمال عجزها المستلزم بطلان ألوهيتها ضرورة، إذ من لوازم الألوهية الحق القدرة التامة على كل شيء، ولهذا فإن من عرف الله حق المعرفة، وآمن بصفاته الكاملة، وقدرته التامة عصمه إيمانه من شرك العبادة، إذ لا يبتلى به إلا من لم يقدر الله حق قدره. وهذا المثل يقطع مواد الشرك، وهو من أبلغ ما أنزله الله في إبطال الشرك وتجهيل أهله (١).
٤ - قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]، فمثل اتخاذ الأولياء من دونه، واعتماد المشركين عليهم في حصول المنافع بما في ذلك العزة والقدرة والنصرة مثله باعتماد العنكبوت على أضعف البيوت، فإن اعتمادهم عليها ما زادهم إلا ضعفا، وموالاتهم لها ما زادتهم إلا ذلة، جزاء وفاقا، ومعاملة للمشرك بنقيض مقصوده، كما هي سنة الله مع المشركين (٢).
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٧٤، ١٧٥، الصواعق المرسلة ٢/ ٤٦٦، ٤٦٧.
(٢) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية ٤/ ٣١٨، تفسير القرطبي ١٣/ ٣٤٥، إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٥٢، ١٥٣. ومما يدل مع الآية على معاملة المشرك بنقيض قصده حديث عمران بن حصين مرفوعا: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا"، وحديث عقبة بن عامر مرفوعا: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"، أي لا تركه في دعة وراحة وسكون بل حرك عليه كل مؤذ. انظر فيا يتعلق ببيان معنى الحديثين وتخريجهما: كتاب التوحيد بشرحه فتح المجيد وتخريجه لعبد القادر الأرنؤوط ص١٢٥ - ١٣٠.
[ ٩٣ ]
٥ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ملكه حتى يساويه في التصرف، ويخافه على ماله كما يخاف أمثاله من الشركاء الأحرار؟! فإذ لم ترضوا بهذا لأنفسكم فلم جعلتم خلق الله وعبيده شركاء له في العبادة؟! (١).
وقد رأى القرطبي أن مقصود المثل المضروب في الآية إبطال أن يكون شيء من العالم شريكا لله في شيء من أفعاله، ولهذا قال في تحرير المثل: "كيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركاء في خلقي؟! " (٢). وهذا ليس بصحيح، لأن مقصود المثل إقامة البرهان على توحيد العبادة - وهو يتضمن توحيد الأفعال ـ، ودعوة الخلق له قولا وعملا، إذ هو محل الخصومة بين الرسل وأممهم. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي ١٤/ ٢٣، إعلام الموقعين ١/ ١٥٦، ١٥٧.
(٢) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٣.
[ ٩٤ ]
٦ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، وهذا المثل للدلالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وعدم استواء الموحد والمشرك في صفتيهما وحاليهما، فالمشرك الذي يعبد آلهة شتى بمنزلة عبد يملكه شركاء مختلفون متعاسرون، لا يلقاه أحدهم إلا جره واستخدمه، ومع ذلك لا يرضي واحدا منهم بخدمته، لكثرة الحقوق في رقبته، وتعاسر مواليه، وسوء أخلاقهم!! والموحد الذي يعبد الله وحده مثله كمملوك سالم لرجل واحد، لا ينازعه فيه أحد، قد عرف مقاصده وطرق رضاه، فهو في راحة من تشاحن الشركاء، وفي نعمة ورغد عيش من إحسان سيده وتوليه لمصالحه!! فهذا مثل المؤمن في حياته الطيبة، وذاك مثل المشرك فيما يبتلى به من ضنك الحياة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، أي عيشا ضيقا في الدنيا. يقول ابن كثير: "لا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج، لضلاله وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد، فهذا من ضنك المعيشة" (١).
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٣/ ١٦٨، وانظر: تفسير القرطبي ١١/ ٢٥٨، ٢٥٩، ٥/ ٢٥٣، إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٧٩، مدارج السالكين ١/ ٤٢٢، ٤٢٣.
[ ٩٥ ]
جناية التعطيل:
المعرفة التامة ناشئة عن العلم بصفات الله تعالى، وإثباتها دون تمثيل أو تعطيل، ولهذا تواطأت النصوص على بيان أسماء الرب وصفاته وأفعاله حتى كأن العباد ينظرون إليه فوق سماواته، مستو على عرشه، يكلم ملائكته، ويسمع أصوات خلقه، ويرى ظواهرهم وبواطنهم، ويدبر أمورهم، ويقضي حاجاتهم. قيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه (١).
فالإيمان بالصفات قاعدة الإيمان، وسبيل المعرفة المفصلة برب العالمين. وقد قعدت المعطلة على رأس هذا الطريق تنفر الناس عن سلوكه بألفاظ ظاهرها يوهم التنزيه عن النقائص والعيوب والحاجة، وحقيقتها تعني تعطيل أوصاف الكمال كليا أو جزئيا، كالتنزيه عن الأعراض والأبعاض والأغراض، ونفي التجدد والتحدد، حتى راجت مقالاتهم على كثير من المسلمين، ونفرت قلوبهم عن طريق الصفات، وحيل بينهم وبين أعظم طرق المعرفة، ولهذا كان المعطلة حقا كما قيل: قطاع الطريق على القلوب! (٢).
وقد تولد عن هذه الجناية العظمى جنايات كثيرة، منها:
١ - تعطيل أعمال القلوب: فإن المعرفة الحق بصفات الإلهية هي القوة الجاذبة إلى محبة الرب، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، فإذا عطلوا الأصل، وأنكروا الصفات، تعطل الفرع ولابد، ولهذا ضربت قلوبهم بالقسوة، وظهرت آثارها على كلامهم
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٣٤١.
(٢) انظر: المرجع السابق ٣/ ١٧، ٢٣، ٣٨، ٣٩، ٣٤٨، ٣٤٩.
[ ٩٦ ]
وعباداتهم، حتى آل الأمر ببعضهم إلى فعل المحرمات وترك العبادات الظاهرة، كما يذكر عن النَّظَّام وثمامة بن أشرس، وأبي هاشم وغيرهم! (١).
وكذلك فإن المعرفة بصفات الربوبية تورث المؤمن عبادة التوكل، فإن أساس التوكل الإيمان بقدرة الرب وقيوميته، وعلمه، ومشيئته، فإذا عطلوا هذه الصفات تعطل التوكل حتما، ولهذا قال ابن تيمية: "لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة القائلين: بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب ﷻ. ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات، فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه؟! ولا هو فاعل باختياره؟! ولا له إرادة ولا مشيئة، ولا يقوم به صفة؟! فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى" (٢).
فالمعطل لا يتصور منه عبادة ولا استعانة، ولا شيء مما يتفرع عن هذين الأصلين من أعمال القلوب، إذ كل ذلك ناشئ عن إثبات الصفات، والتحقق بمعرفة حقائقها ومعانيها. يقول ابن القيم: "كيف تصمد القلوب إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه، ولا مباينا له ولا محايثا، بل حظ العرش منه كحظ الآبار والوهاد، والأماكن التي يرغب عن ذكرها؟!
_________________
(١) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص١٥، الفرق بين الفرق للبغدادي ص١٧٢ - ١٧٤، ١٩١، مدارج السالكين لابن القيم ٣/ ٢٣، ٢٦، ٣٥١.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١١٨ [ويبدو أن النقل كان مشافهة].
[ ٩٧ ]
وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يحب ولا يحب، ولا يقوم به فعل البتة، ولا يتكلم ولا يكلم، ولا يَقْرُب من شيء ولا يَقْرُب منه شيء، ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان، ولا له حكمة، ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها؟! فكيف يتصور على ذلك محبته والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه، ورؤية وجهه الكريم في جنات النعيم، وهو مستو على عرشه فوق جميع خلقه؟! أم كيف تأله القلوب من لا يَحِبُّ ولا يُحَبُّ، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يفرح ولا يضحك؟! فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته ومعرفته، والسرور والفرح به، والشوق إلى لقائه، وانتظار لذة النظر إلى وجهه الكريم، والتمتع بخطابه في محل كرامته ودار ثوابه! " (١).
٢ - لزوم الشرك والإلحاد، فإن الشرك لازم حتمي للتعطيل، لأن تعلق القلوب بالرب محبة ورغبة ورهبة وتوكلا ناشئ عن استيقان القلوب بعلم الرب، وسمعه وبصره، ورحمته، وجوده، وبره، وإحسانه، وقدرته، وتفرده بجلب النافع ودفع المضار. فإذا نفى المعطل هذه الصفات أبطل مقتضى التعلق برب العالمين، وفزعت الخليقة إلى غيره، وتعلقت قلوبهم بمن يتوهمون فيه العلم بأحوالهم، والقدرة على تحقيق رغباتهم، وقضاء حوائجهم، واتخذوه ندا من دون الله، يدعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه!!.
وإذا كان اللازم مجرد دليل فساد المذهب وليس بمذهب فإن هذه القاعدة قد لا تنطبق هنا من كل وجه، لأن قوة التلازم بين التعطيل والشرك قد تدفع إلى الوقوع في الشرك اعتقادا وعملا، إذ
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٣٥١.
[ ٩٨ ]
كل شرك في العالم فإن تعطيل الصفات أصله ومبدؤه، فالمشرك إنما يعبد مع الله غيره إذا ساء ظنه بصفات ربه، فظن أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان، أو يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى من يعرفه بها، أو لا يقدر وحده على الاستقلال بقضاء حاجات العباد، أو شك في رحمته فظن أنه محتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده، أو شك في قوته فظن أنه محتاج إلى أولاد وأولياء يتكثر ويتعزر بهم!.
وكذلك فإن الإلحاد في أسماء الرب لازم حتمي للتعطيل، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ودعاؤه بها يعم دعاء المسألة ودعاء الثناء، ودعاء التعبد. وهذا كله فرع عن ثبوت حقائق الأسماء ومعانيها، فإذا أنكر المعطل معانيها، واعتبرها مجرد أعلام لا تتضمن أوصافا ولا معان أبطل حسن دلالاتها على الرب، وأبطل متعلقاتها من الخلق، وهذا من أعظم الإلحاد عقلا وشرعا ولغة وفطرة، ولهذا قال ابن القيم: المعطل أشر من المشرك! (١)، وهذا محمول على غلاة المعطلة، لأنهم ينكرون جميع الصفات والمشرك غايته أن ينكر بعض الصفات أو يطعن في كمالها، كإنكارهم القدرة على البعث وشكهم في عموم علم الله بأفعال العباد، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ
_________________
(١) النونية بشرحها لابن عيسى ٢/ ٤٥١، وانظر: مدارج السالكين لابن القيم أيضا ١/ ٤٢٠، ٣/ ٣٤٧، ٣٥١، توضيح الكافية لابن سعدي ص١٦٦ - ١٦٩.
[ ٩٩ ]
عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢].
٣ - إنكار أعلى درجات العرفان والنعيم: فإن رؤية الرب عيانا وتكليمه أعلى درجات معرفته، وأعلى نعيم أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وروى الإمام البخاري بسنده عن جرير البجلي ﵁ مرفوعا: قال رسول الله ﷺ: «إنكم سترون ربكم عيانا» (١)، وروى الإمام مسلم بسنده عن صهيب الرومي ﵁ مرفوعا: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فا أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿» (٢). وهذا كله محال عند المعطلة، لأن الله عندهم منزه عن الأبعاض، فلا وجه له، ولا يجوز النظر إليه ولا كلامه، لما يستلزمه ذلك من إثبات الجهة وحلول الحوادث بذات الرب المناقض لحقيقة الألوهية! (٣).
وهذه الجنايات المتعلقة بمعرفة الرب وعبادته تدل على قبح مقالة التعطيل، وأنها من شر مقالات أهل الأرض، وأكثرها مناقضة لموجبات المعرفة والعبادة. ومما يزيدها قبحا كثرة لوازمها الباطلة،
_________________
(١) صحيح البخاري بشرح فتح الباري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١٣/ ٤١٩.
(٢) صحيح مسلم برح النووي: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ٣/ ١٧.
(٣) انظر: مدارج السالكين ٣/ ٢٤، ٣٤٩، ٣٥١، وانظر أيضا: الكشاف للزمخشري ٢/ ١١٢، ١١٣، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص٢٤٨ - ٢٣٥، ٢٧٦.
[ ١٠٠ ]
فإنه يلزم مقالة التعطيل على وجه العموم لوازم كثيرة، منها:
١ - سلب كمال الرب، ووصفه بالنقائص والعيوب، ويلزم غلاتهم جحد الصانع ونفيه، وتشبيهه بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات!.
٢ - سوء الظن بربهم، وبكتابه وبنبيه، وبأتباعه، فسوء ظنهم بربهم أفضى بهم إلى تعطيل صفات كماله، وقد جعل الله إنكار الصفات من سوء الظن به، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢، ٢٣].
وسوء ظنهم بالقرآن والسنة أفضى بهم إلى توهم أن ظاهرها إنما يدل على التمثيل، وهو كفر ضلال يستحيل أن يكون مراد الله ورسوله، ولهذا عزلوا الوحي عن معرفة الرب، وعطلوا أدلة صفات الكمال، واختلقوا دعوى تعارض العقل والنقل!.
أما سوء ظنهم بالرسول - ﷺ - فلأنه في زعمهم كان يتكلم بنصوص الصفات، ويقررها، ويؤكدها، دون أن يُبَيِّنَ للأمة أن الحق فيما يخالف ظاهرها. وهذا يستلزم القدح في علم الرسول، أو بيانه، أو نصحه، أو جميع ذلك!.
وأما سوء ظنهم بأتباع الرسول - ﷺ - فلأنهم كانوا يرددون ألفاظا لا يفقهون تأويلاتها، ولهذا قالوا: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعم وأحكم! (١).
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم ٤/ ١٢٣٢ - ١٢٣٦، مدارج السالكين ٣/ ٣٤٧، ٣٦٠، شرح النونية لأحمد بن عيسى ١/ ٥٠٦، ٥٠٧.
[ ١٠١ ]
وذلك أن طريقة السلف تقوم في نظرهم على التفويض، أي تفويض المعاني وإمرار نصوص الصفات دون اعتقاد لثبوت مدلولها واتصاف الرب بما دلت عليه!.
أما طريقة الخلف وهم المتكلمون وأتباعهم فهي تقوم على تفسير نصوص الصفات بما ينفي حقيقتها عن الرب، ولهذا جعلوا الحق دائرا بين التفويض والتأويل في كل نص يوهم التمثيل في نظرهم، وزعموا أن طريق التفويض أسلم، وطريق التأويل أعلم وأحكم. وهذا تنقص للسلف، وطعن في علمهم وإيمانهم، كما أنه تناقض ظاهر، إذ مقتضى السلامة العلم والحكمة!.
٣ - تعطيل دلالة الخلق والأمر على الصفات، فإن المخلوق يدل على صفات الرب من حيث وجوده وصفاته، فوجود المخلوق بعد عدمه دليل على وجود الخالق وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته، لأن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزما ضروريا، ويستحيل وجوده دونها. وصفات الكمال في المخلوق تدل على صفات خالقه، فما فيه من الإتقان يدل على حكمة خالقه، وما فيه من التخصيصات المتنوعة يدل على الإرادة. وما فيه من رحمة وعلم وسمع وبصر وكلام يدل على ثبوتها للخالق من باب أولى، لأن معطي الكمال أحق به.
وكذلك شأن الأمر فإنه يدل على صفات الكمال، فإن ما في الأوامر الشرعية من الحكم والمصالح والمنافع دليل على علم الخالق وحكمته، وهكذا أوامره وأحكامه الكونية، فإنها تدل على صفاته من وجوه مختلفة، فإن الإحسان إلى المطيعين دليل على المحبة والرضى، وعقوبة العصاة دليل على الغضب، واستجابة
[ ١٠٢ ]
الدعوات دليل على علم الرب بالجزئيات، وعلى سمعه وقدرته ورحمته، وجميع أقداره دليل على كماله، لأن أفعال الله مبنية على الحكمة، فلا يفعل إلا ما فيه مصلحة خالصة أو راجحة.
وهذا لازم لكثير من المعطلة بدرجات متفاوتة، فقد حرموا دلالة الآيات المشهودة كما حرموا دلالة الآيات المسموعة، وهما طريقا معرفة الله في القرآن، ولهذا استحكم جهلهم بالله، حتى كانوا يلتمسون معرفته بالمعميات الفلسفية، والقواعد المنطقية! ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (١).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل لابن القيم ص٤٦٦، ٤٦٧، مدارج السالكين ٣/ ٣٥٤ - ٣٥٧، الفوائد لابن القيم ص٣١ - ٣٤، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٤٤٢.
[ ١٠٣ ]
المطلب الثاني
قياس الأولى
معنى القياس وإطلاقاته:
القياس لغة مصدر لـ "قاس"، بمعنى: قدر الشيء بالشيء، يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدره به، وقاس الطبيب الشجة بالمقياس إذا قدر غورها به (١).
واصطلاحا يطلق حقيقة (٢) على معنيين:
أحدهما: قياس التمثيل: وهو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (٣)، ويسمى القياس الفقهي، لأن الفقهاء يحتجون به
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/ ٤٠، أساس البلاغة للزمخشري ص٣٨٣.
(٢) إطلاق القياس إطلاقا حقيقيا على قياس التمثيل والشمول هو قول جمهور أهل العلم، وذهب أكثر علماء الأصول إلى أن القياس حقيقة في التمثيل مجاز في الشمول. وذهب أهل المنطق إلى العكس، فقالوا: إنه حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل. والصواب أنه حقيقة فيهما، لأن القياس في اللغة بمعنى: تقدير الشيء بغيره، وهذا يتناول تقدير المعين بالمعين، وتقدير المعين بالكلي المتناول له ولأمثاله. انظر: المستصفى للغزالي ص٣٩٤، ٣٩٥، روضة الناظر لابن قدامة ص٢٧٦، الرد على المنطقيين لابن تيمية ص١١٩، ٣٦٤.
(٣) روضة الناظر لابن قدامة ص٢٧٥، وانظر: شرح الكوكب المنير للفتوحي ٤/ ٦.
[ ١٠٤ ]
في إثبات الأحكام الشرعية (١).
والثاني: قياس الشمول: وهو قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر (٢). وهو الذي عني به أهل المنطق، وزعموا أنه الطريق الوحيد لحصول العلوم اليقينية النظرية!، ولهذا استضعفوا قياس التمثيل، لأنه في نظرهم إنما يفيد الظن دون العلم!. والصواب أن حقيقة القياسين واحدة، واختلافهما إنما هو في صورة الاستدلال، وصورة التمثيل أقرب إلى الفطرة، ولهذا عول عليه أكثر العقلاء!.
وأما مفادهما من يقين أو ظن فتبع لمادة القياس لا لصورته، فإن كانت المادة يقينية أفاد اليقين وإلا أفاد الظن تمثيلا كان أو شمولا (٣).
والقياسان كلاهما من تمثيل وشمول يستعملان على وجهين:
الأول: قياس المساواة: وهو أن يكون الغائب مماثلا أو مقاربا للشاهد.
والثاني: قياس الأولى: وهو أن يكون الغائب أولى بالحكم من الشاهد (٤).
_________________
(١) انظر: معيار العلم للغزالي ص١١٩، الرد على المنطقيين لابن تيمية ص١١٦، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ٢/ ٢٠٧.
(٢) التعريفات للجرجاني ص١٨١، وانظر: معيار العلم للغزالي ص٩٨، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ٢/ ٢٠٧.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين لابن تيمية ص١٠٧، ١١٥، ١١٦، ١١٩، ٢١١، ٣٦٤.
(٤) انظر: درء التعارض لابن تيمية ١/ ٢٩، ٧/ ٣٦٧، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٥١ - ٥٤، المذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ص٢٤٩ - ٢٥٢.
[ ١٠٥ ]
أو بعبارة أشمل وأضبط أن يكون المقيس مماثلا للمقيس عليه أو أولى بالحكم منه.
استعمال القياس بين صفات الله تعالى:
استعمال القياس في العلم المتعلق بصفات الله تعالى يكون في اعتبار الغائب من أفعال الله بالمشهود منها، ويكون في اعتبار صفات الخالق بما يشاهد من صفات المخلوق، فإن كان الاعتبار في طرفيه متعلقا بأفعال الله وصفاته؛ جاز في ذلك استعمال قياس الأولى والمساواة، والأدلة على ذلك كثيرة. فمن أدلة قياس المساواة النصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، فقاس النظير على النظير، ودل بفعله المتحقق بالمشاهدة من إخراج وإحياء على بعث الأموات الذي استبعدوه وأنكروه، إذ الفعل الموعود نظير الفعل المشاهد، ومن أنكره لزمه التناقض والتفريق بين المتماثلين، والطعن في علم الرب وحكمته وإرادته وقدرته، ولهذا حكم الله على منكري البعث بكفر الربوبية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥].
وقد تكرر الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بالنبات، وذلك لصحة مقدماته، ووضوح دلالته، وقرب تناوله، وبعده عن كل معارض، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥، ٦]، وقال:
[ ١٠٦ ]
﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، وقال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. يقول ابن القيم: "جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودل بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آية ودليلا على خمسة مطالب:
أحدها: وجود الصانع، وأنه الحق المبين، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله.
الثاني: أنه يحيي الموتى.
الثالث: عموم قدرته على كل شيء.
الرابع: إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها.
الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النبات من الأرض" (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، فقاس النظير على النظير، وبَيَّنَ أن القدرة على إذهاب المخاطبين كالقدرة على إذهاب السابقين، فإذا ساووهم
_________________
(١) إعلام الموقعين ١/ ١٤٣، ١٤٤، وانظر من نفس المصدر: ص١٣٩، ١٤٢، ١٤٦.
[ ١٠٧ ]
في العلة والمعنى والأعمال؛ ساووهم في الحكم والوعيد والعاقبة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله، وكذلك كل موضع أمر فيه بالسير في الأرض فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين من أفعال الله وأمثلته مثل ما حل بالسابقين! (١).
٣ - ما رواه الإمام البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال: يا نبي الله! يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟! قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (٢)، فقاس الإمشاء على الوجه على الإمشاء على الرجلين، إذ قدرة الرب على الفعل الموعود نظير قدرته على الفعل المشهود. يقول ابن حجر: "المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته، وزعم بعض المفسرين أنه مثل، وأنه كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، قال مجاهد: هذا مثل المؤمن والكافر. قلت: ولا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أن يفسر به الآية الأخرى (٣)، فالجواب الصادر عن النبي - ﷺ - ظاهر في تقرير المشي على
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين ١/ ١٣٤، ١٣٨، ١٣٩.
(٢) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري: كتاب التفسير، باب الذين يحشرون على وجوههم ٨/ ٤٩٢.
(٣) أي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]، وهي الآية التي ساق الإمام البخاري الحديث في تفسيرها. انظر: كتاب التفسير، باب الذين يحشرون على وجوههم ٨/ ٤٩٢.
[ ١٠٨ ]
حقيقته والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا بأن يسحب على وجهه في القيامة، إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات" (١).
أما أدلة استعمال قياس الأولى بين صفات الله تعالى فمنها النصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فقاس القدرة على خلق عيسى على القدرة على خلق آدم، لأن من قدر على الخلق من غير أب ولا أم فقدرته على الخلق من غير أب من باب أولى. يقول ابن تيمية: "شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟! " (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٢]، فقاس القدرة على الأيسر على القدرة على الأعظم، لأن القدرة على النشأة الأولى، وعلى خلق
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٣٨٢، ٣٨٣.
(٢) الجواب الصحيح ٤/ ٥٥، وانظر: إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٣٥.
[ ١٠٩ ]
السماوات والأرض دليل على النشأة الثانية من باب أولى. وقد ذكر الله في ثنايا هذا الدليل الصفات المصححة للإعادة، وهي عموم العلم وتمام القدرة وكمال الإرادة، لأن تعذر الإعادة إنما يكون لقصور في هذه الصفات، ولا قصور في علم من هو بكل شيء عليم، ولا قدرة فوق قدرة من خلق السماوات والأرض، ولا إرادة تعارض من إذا أراد شيئا قال له: كن؛ فيكون! (١).
وقد تكرر الاستدلال على المعاد بخلق الأنفس والآفاق بأفصح العبارات، وأقطعها للعذر، وألزمها للحجة، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦، ٦٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ [الحج: ٥]، وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٥ - ٨]، فدل على الإعادة بالقياس على النشأة الأولى المعلومة والمشهودة، وهي نشأة أصل البشر من تراب لا حياة فيه، ونشأة آحاد بني آدم تدريجيا في الأطوار حتى إحكام الخلق (٢).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]، فقدرة الله التامة على خلق السماوات والأرض دليل
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ٩/ ١٥/١٦٩، ١٧٠، إعلام الموقعين ١/ ١٣٢، ١٤٠ - ١٤٧، تفسير ابن كثير ٣/ ٦٥، ٦٦، ٥٨٢، ٤/ ٨٥، ١٧١.
(٢) انظر: روح المعاني للآلوسي ٩/ ١٨/١١٧، تفسير السعدي ٥/ ٢٧٤.
[ ١١٠ ]
قطعي على قدرته على إعادة الخلق من باب أولى!.
حكم القياس بين صفات الخالق والمخلوق:
إذا كان الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق، فإنها طريقة قياس الأولى ليس غير، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، أي الصفة العليا التي يستحيل معها وجود المثل. والمراد بالصفة الجنس فتعم جميع صفات الكمال (١). وهذا المعنى يتضمن أمرين:
أحدهما: تنزيه الله عن المثل، وقد بنى العلماء على هذا الأصل تحريم قيام المساواة بين الخالق والمخلوق تمثيلا كان أو شمولا، فلا يجوز أن يستدل على الخالق بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، لأن الله لا مثل له، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا أن يدخل تحت قضية كلية يستوي أفرادها.
والثاني: استحقاق الله تعالى لأعلى صفات الكمال المنافية لجميع النقائص. وقد بنى العلماء على هذا المعنى مشروعية الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق عن طريق قياس الأولى سواء أكانت صورته تمثيلا أم شمولا، فكل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال المطلق فإن الخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من صفات النقص فإن الخالق أولى بالتنزه عنه (٢).
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٧٣، ٤٨١، تفسير ابن كثير ٣/ ٥٧٣، تفسير السعدي ٤/ ٢١٣.
(٢) انظر: درء التعارض لابن تيمية ١/ ٢٩، ٣٠، ٧/ ٣٦٢، الرسالة التدمرية ص٥٠، تفسير السعدي ٦/ ١٢٣.
[ ١١١ ]
وسياق الآية يبين دلالتها على صحة الاعتبار بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٥٧ - ٦٠]، فإذا كانت الأنوثة نقصا وعيبا لا يرضاه المشرك لنفسه، ويكره أن يضاف إليه، فإن الخالق أولى بالنزاهة عن الولد الناقص المكروه، لأن الله تعالى له المثل الأعلى المشتمل على كل كمال وللمشرك مثل السوء المشتمل على كل نقص! وهذه الحجة لبيان تناقض المشركين، لأن انتفاء الولد مطلقا معلوم من النصوص الأخرى! (١).
ومما يعضد دلالة الآية على صحة قياس الأولى، واعتباره طريقا شرعيا في الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق طردا وعكسا النصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فجعل ما في المخلوق من قوة وشدة يدل بطريق الأولى على قوة الخالق وشدته، لأن الخالق أحق بالكمال من المخلوق (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]، أي
_________________
(١) انظر: درء التعارض لابن تيمية ١/ ٣٦، ٣٧، ٧/ ٣٦٢ - ٣٦٩، تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٣، ٣/ ٤٣١.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٥٧.
[ ١١٢ ]
الأفضل من غيره في الكرم الجامع للمحاسن، فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد، وهي صفات الكمال، فهو الأحق بالإحسان والرحمة والحكمة والقدرة والعلم والحياة وسائر صفات الكمال (١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإن اسم العلي يدل على علو الذات والقهر والقدر، وعلو القدر يتضمن الدلالة على أنه الأحق بجميع صفات الكمال، فكل ما في المخلوق من كمال مطلق فإن الله أحق به، لأنه أعلى من المخلوقات قدرا (٢).
٤ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦]. فأبطل الشرك بقياس الأولى، فالعاقل لا يقبل البتة المساواة بين مخلوق يملك ويقدر وآخر لا يملك ولا يقدر، فلأن لا يقبل التماثل في الحقوق والكمالات بين الأوثان العاجزة المملوكة وبين من له المثل الأعلى من باب أولى (٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦/ ٣٦٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٥٨، ٣٥٩، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٢٦١، ٢٦٢.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٦/ ٧٩، ٨٠، إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٥٧ - ١٦١.
[ ١١٣ ]
٥ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، فنزه نفسه عن الشريك بمثل مضروب بطريق الأولى، فالسيد من الخلق يتنزه عن مشاركة مماليكه في حقوقه على الرغم من قصور ملكه، فيكون المالك الكامل أولى بالنزاهة عن الشركاء، لأن المخلوق لا يملك إلا بعض منافع عبيده، والخالق يملك أعيان عباده وأفعالهم، فلا يخرج عن ملكه شيء البتة (١).
٦ - روى ابن أبي عاصم بسنده عن أبي رزين ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه يوم القيامة؟ قال: «أكلكم يرى القمر مخليا به؟» قال: نعم، قال: «الله أعظم» (٢)، فأثبت الرؤية لجميع المؤمنين دون تضام وازدحام وقت النظر بالقياس على رؤية القمر، فإنه إذ كان ذلك ممكنا في رؤية المخلوق فإمكانه في رؤية الخالق أولى، لأنه أعظم وأولى بالكمال من كل موجود.
تطبيق قياس الأولى:
استعمل علماء السلف قياس الأولى في الاعتبار بين صفات الخالق، وفي الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق، فمن الاعتبار الأول إثبات المباينة قياسا على الرؤية والكلام، فإذا كان الرب لا
_________________
(١) انظر: درء التعارض لابن تيمية ١/ ٣٧، ٧/ ٣٨٩، ٣٩٠، تفسير ابن كثير ٣/ ٤٣١.
(٢) كتاب السنة ١/ ٢٠٠، وهو حديث حسن كما نص على ذلك الألباني في تخريج الكتاب.
[ ١١٤ ]
يراه ناسوت في الدنيا، ولا يكلمه بشر إلا من وراء حجاب، كما صرح بذلك المسيح وسائر الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - فلأن لا يستطيع ملابسته ناسوت بطريق الأولى، لأن ملابسة الشيء أبلغ من رؤيته (١).
ومن هذا الاعتبار أيضا إثبات الإنباء قياسا على التعليم، فإن قدرة الرب على تعليم بني آدم بعد الجهل دليل على قدرته على إنباء أكملهم من باب أولى، لأن من قدر على تعليم الناقص فقدرته على تعليم الأكمل أولى وأحرى. وهذا دليل عقلي على إمكان النبوة، وأما وجود الأنبياء وآياتهم فتعلم بالنقل المتواتر (٢).
والاعتبار بين صفات الخالق بابه واسع، فإنه يجوز فيه استعمال قياس الأولى والمساواة، لأنه لا يتضمن محذورا ولا يفضي إليه بوجه من الوجوه، وقد تضمنت النصوص كلا النوعين، فمن قياس المساواة بين صفات الله تعالى قياس البعث على إحياء الأرض الموات، ومن قياس الأولى بينها قياس الإعادة على ابتداء الخلق.
أما الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق فقد احتاط فيه علماء السلف حيطة تامة، فمنعوه إذا كان قياس مساواة سواء أكان تمثيلا أم شمولا، لما يتضمنه من التمثيل والشرك، والعدل بالله، وهو ضرب الأمثال لله. وأجازوه إذا كان على وجه الأولى، جريا على طريقة القرآن والسنة، واعتمادا على ما تقدم ذكره آنفا من أدلة، ولهذا استعملوه في تقرير وتقريب أصول الإثبات والتنزيه، وفي الاستدلال
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لابن تيمية ٣/ ١٤٨ - ٣١٨ - ٣٢٢، ٤/ ١٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦/ ٣٦٢.
[ ١١٥ ]
على أعيان الصفات نفيا وإثباتا، ومن ذلك الأمور التالية:
١ - وجوب الإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل، فقد استدلوا على هذا الأصل بمثالين من قياس الأولى:
أ - أن ما في الجنة من المطاعم والمشارب والمساكن وغيرها يوافق ما في الدنيا اسما ويخالفه حقيقة، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع توافق الاسم فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصل توافق في ألفاظ الصفات (١).
ب - أن الروح ثابتة لا يشك عاقل في وجودها، وقد وصفت في النصوص بصفات ثبوتية وسلبية، كالعروج والقبض، والعقول مع ذلك قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوها أو يشاهدوا نظيرها، فإذا كانت صفات الروح ثابتة حقيقة دون تمثيل أو تعطيل فإن صفات الخالق أولى بذلك الإثبات، وإذا عجز الخلق عن إدراك كيفية صفات الروح فإن عجزهم عن إدراك صفات الخالق أولى (٢).
٢ - صفة العلو والمباينة: يؤمن أهل السنة والجماعة بصفة العلو، علو الذات والقدر والقهر، وأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، وأن علو الرب لا يناقض معيته، لأنها تعني مطلق المصاحبة من غير إشعار بمخالطة أو حلول، ولهم على ذلك أدلة كثيرة من جملتها قياس الأولى، ودلالتهم على ذلك من وجوه:
أ - أن العلو كمال مطلق، وكل ما كان كذلك فإن الله أحق به من كل موجود.
_________________
(١) انظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية ص٤٦ - ٥١.
(٢) المرجع السابق ص٥٠ - ٥٨.
[ ١١٦ ]
ب - أن العلو ضده السفل، وهو نقص يتنزه عنه المخلوق، ويوصف به المعيب من المخلوقات، فالخالق أحق بالنزاهة عنه، وعدم الاتصاف به (١).
ج - أن القول بالحلول يعني أن يكون الرب في كل مكان بما في ذلك الأماكن التي يتنزه عنها المخلوق فيكون تنزه الرب عنها من باب أولى، ولهذا وصف نفسه بالقداسة والطهارة! (٢).
د - أن المخلوق يمكنه الإحاطة بما في يده دون محايثة فإمكان ذلك في حق الخالق أولى. يقول الإمام أحمد: "لو أن رجلا كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شراب صاف، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه" (٣).
هـ - أن المخلوق يعلم تفصيل مصنوعاته دون محايثة لها، فالخالق لكل شيء أولى بأن يعلم مخلوقاته، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه. يقول الإمام أحمد: "لو أن رجلا بنى دارا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها، وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله وله
_________________
(١) انظر: الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل ص٩٣ (ضمن سلسلة عقائد السلف)، نقض التأسيس لابن تيمية ٢/ ٥٤٣، الرسالة التدمرية ص٢٥٦، فتح رب البرية لابن عثيمين ص٢١.
(٢) انظر: أساس التقديس ٢/ ٥٣٧.
(٣) الرد على الزنادقة والجهمية ص٩٤.
[ ١١٧ ]
المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه، وعلم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء من خلقه" (١).
٣ - صفة الرؤية، فإن الرؤية من الأمور الوجودية المحضة، فالرؤية في ذاتها وجود محض فلا تستلزم أمرا عدميا، وشروط صحتها أمور وجودية محضة، هي القيام بالنفس، وكون المرئي بجهة من الرائي، وقوة البصر. وآخر الشروط منتف الآن، ولهذا لا نراه في الدنيا، وإذا كانت الرؤية وجودا محضا من كل جهة فإن الله أحق بها من كل موجود، لكمال وجوده (٢).
وكذلك استدل علماء السلف بقياس الأولى على إمكان الرؤية دون إحاطة. روى ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس ﵄ قوله: "إن النبي - ﷺ - رأى ربه، فقال له رجل عند ذلك: أليس قال الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؟ [الأنعام: ١٠٣]، فقال له عكرمة: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟ " (٣).
٤ - كمال العلم والإرادة، فإن الفعل المحكم المتقن يدل على علم فاعله وقدرته في الشاهد، فيكون دليلا عليها في الغائب من باب أولى، لكمال الإحكام والإتقان في المخلوقات (٤).
٥ - كمال الغنى، فإن كمال خلق الملائكة، واستغناءهم عن الأكل والشرب وأدواتهما يدل بطريق الأولى على كمال غنى الرب، واستغنائه عن ذلك، لأن كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به،
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) انظر: نقض التأسيس ١/ ٣٥٧ - ٣٦١، درء التعارض ٧/ ٣٢٤.
(٣) الدر المنثور للسيوطي ٣/ ٣٧.
(٤) انظر: مختصر الصواعق المرسلة ص٣٠٢.
[ ١١٨ ]
لكمال ذاته وصفاته، واستحالة أن يكون واهب الكمال متجردا عنه (١).
٦ - صفة الكلام، فالكلام من صفات الكمال، وعدمه نقص ينافي الألوهية، ولهذا أبطل الله ألوهية العجل المزعومة بعدم الكلام، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]؟. فإذا كان الكلام كمالا مطلقا فإن الله أحق به من كل موجود، لكمال وجوده، ولأن من جعل غيره متكلما فهو الأحق بالكلام.
وسائر صفات الكمال تجري مجرى هذه الصفة، لكمال وجود الرب، ولأن انتفاءها يناقض حقيقة الألوهية، ولهذا أبطل الله الشرك بانتفاء صفات الكمال عن المعبودات الباطلة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٤، ١٩٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]، وقال - حكاية عن الخليل ـ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، فجعل دليل بطلان الشرك انتفاء صفات الكمال، لأن الإله الحق لابد أن يكون له المثل الأعلى، وذلك باتصافه بأعلى الصفات التي يستحيل معها وجود المثل حتى تألهه القلوب محبة ورغبة ورهبة (٢).
_________________
(١) انظر: الرسالة التدمرية ص١٤٢.
(٢) انظر: الفوائد لابن القيم ص٩٥ - ٩٨، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص١٢٣، ١٢٤.
[ ١١٩ ]
الخاتمة
انتهيت من دراسة آثار المثل الأعلى إلى جملة من النتائج أهمها الأمور الآتية:
١ - معرفة المثل الأعلى من مهمات العقيدة، لأن الرب ﵎ تمدح بالتفرد به، وجعله طريقا لمعرفته، وبرهانا على توحيده. وقد فسره علماء السلف من حيث حقيقته بصفات الكمال التي يستحيل معها وجود المثل، وفسروه من حيث آثاره بكلمة التوحيد وما تدل عليه من حقائق الإيمان، وكلاهما تفسيران صحيحان ومترابطان ومتكاملان إلا أن الغالب على عبارات السلف تفسيره بالتوحيد، لقرينة اللحاق في آية الروم، ولأنه المقصود الأعظم من معرفة المثل الأعلى.
٢ - معرفة الرب وعبادته هي الثمرة العظمى للمثل الأعلى، وهي ثمرة فطرية عقلية، فالإيمان بها مستقر في قرارة القلوب، وأدلتها ظاهرة في الأنفس والآفاق، وهي كلها تستلزم معرفة الرب وعبادته، إلا أنها معرفة مجملة، وتأله ناقص، إذ المعرفة المفصلة والتأله التام طريقهما العلم بما يجمعه المثل الأعلى من صفات الكمال الواردة في القرآن وصحيح السنة، ولهذا يستحيل استغناء العباد بدلالة العقل عن نور الوحي.
٣ - المعرفة المفصلة تحصل عن طريق العلم بما ورد في القرآن والسنة من أخبار عن أسماء الرب وأفعاله ومثله الأعلى
[ ١٢٠ ]
الجامع لكمالاته، وقد تواطأت النصوص على بيان هذه الأخبار حتى كأن العباد ينظرون إلى ربهم فوق سماواته، مستو على عرشه، يسمع أصوات خلقه، ويرى ظواهرهم وبواطنهم، ويدبر أمورهم، ويقضي حاجاتهم. وقد قعدت المعطلة على رأس هذا الطريق تنفر الناس عنه بألفاظ ظاهرها التنزيه وباطنها التعطيل حتى راجت مقالاتهم على كثير من الناس، وحيل بينهم وبين أعظم طرق المعرفة، ولهذا قال علماء السلف: إن المعطلة قطاع الطريق على القلوب!.
٤ - كمال العلم بمثل الرب الأعلى وصفات كماله يثمر في حياة المؤمن صدق العبادة والاستعانة، وهما أصلا السعادة في الدنيا والآخرة، وكل نوع من صفات الكمال يثمر عبادات قلبية خاصة تدفع الجوارح لفعل الطاعة وترك المعصية، وتصونها عن الشرك بمظاهره وأنواعه، فصفات الرحمة مثلا تورث القلب الرجاء المحمود، وتصونه من التعلق بالخلق رجاء كشف الضر أو تحويله، وتدفع المؤمن إلى التوبة والإكثار من الأعمال الصالحة، رجاء القبول وتحقق الوعد بالجنة.
٥ - براهين التوحيد وأمثاله يجمعها الاستدلال على التوحيد بتجرد الآلهة الباطلة عن معاني الربوبية وصفات الكمال وتفرد الإله الحق بتلك المعاني والصفات، أي أن أدلة التوحيد دائرة مع المثل الأعلى وجودا وعدما، ولهذا جعل الله مثل السوق المتضمن لكل عيب ونقص للمشركين وآلهتهم المزعومة، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لجميع صفات الكمال لله وحده، وهذا التلازم يدل على بطلان الشرك وصحة التوحيد ضرورة.
[ ١٢١ ]
٦ - يجوز الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق بقياس الأولى تمثيلا أو شمولا، لأن الله تمدح في كتابه بمثله الأعلى، واستحقاقه لأعلى صفات الكمال المنافية لجميع النقائص، ودل على مشروعيته بما ضربه من الأمثال، وما ذكره من وجوه الاعتبار، ولهذا استعمله العلماء في تقرير وتقريب أصول الإثبات والتنزيه، وفي الاستدلال على أعيان الصفات نفيا وإثباتا، كإثبات العلو والمباينة وتنزيه الرب عن الحلول والاتحاد.
أما إذا كان الاعتبار بقياس المساواة فإنه لا يجوز البتة سواء أكان بصورة التمثيل أم الشمول، لما يتضمنه من التمثيل والتنديد والعدل بالله وضرب الأمثال له.
وهذا التفصيل محله الاعتبار بين صفات الرب والعبد، لأن الاعتبار بين صفات الرب يجوز فيه استعمال كلا النوعين، كما أرشد الله لذلك في كتابه، فمن قياس المساواة الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بالنبات، ومن قياس الأولى الاستدلال بالقدرة على الخلق من التراب على القدرة على الخلق بلا أب. والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٢٢ ]