_________________
(١) تكرر ذكر التعطيل في مواطن كثيرة من الكتاب، لأنه من أعظم ما ينافي حقيقة المثل الأعلى وآثاره، ولهذا رئي أن تلحق بالكتاب هذه النبذة في التعريف به وبيان درجاته.
[ ١٢٣ ]
معنى التعطيل وأنواعه
معنى التعطيل:
التعطيل لغة بمعنى الخلو والفراغ، يقال: عطلت المرأة وتعطلت إذا خلا جيدها من الحلي فهي عطل وعاطل ومعطال، وعطلت البئر إذا لم تورد، وإبل معطلة إذا لم يكن لها راع، قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، وقال: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤]، ويقال: إن أصله في الخلو من الزينة، ثم توسع في مدلوله حتى أصبح اسما لمطلق الخلو بقطع النظر عن متعلقه (١).
وأما في الاصطلاح فإن للعلماء وجهتين في تحديد مدلوله: فمنهم من يخصه بمن ينكر وجود الله تعالى، كأبي الحسين الملطي والراغب الأصفهاني، وهو ما استقر عليه اصطلاح المتكلمين (٢).
ومنهم من يتوسع في مدلوله حتى يجعله عاما في نفي الذات وغيرها، وهو الاتجاه الغالب على علماء السلف، وبناء على ذلك ذكر الإمام ابن القيم أن التعطيل ثلاثة أنواع:
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٤/ ٣٥١، ٣٥٢، المفردات للراغب ص٣٣٨، النهاية لابن الأثير ٣/ ٣٥٧، ٣٥٨، مختار الصحاح للرازي ص٤٤٠، القاموس المحيط للفيروز آبادي ٤/ ١٧، ١٨.
(٢) انظر: التنبيه والرد للملطي ص١٠٦، المفردات للراغب ص٣٣٨، شرح المقاصد للتفتازاني ٥/ ٢٢٧.
[ ١٢٥ ]
الأول: تعطيل المخلوق عن خالقه، كتعطيل الدهرية من الفلاسفة وغيرهم.
الثاني: تعطيل الخالق عن حقه على عباده، كتعطيل من صرف نوعا أو فردا من إفراد العبادة لغير الله تعالى.
الثالث: تعطيل الخالق عن صفات كماله، وذلك بنفيها أو نفي شيء منها (١).
وقد حدث تعطيل الصفات أواخر عصر التابعين، وأول من حفظت عنه مقالة التعطيل هو الجعد بن درهم، ثم أخذها عنه الجهم بن صفوان، فأظهرها وناظر عليها، ودعا إليها، فنسبت المقالة إليه، واشتهر المعطلة بلقب الجهمية. وفي أثناء ذلك حدث الاعتزال ثم سرى التعطيل إليه وإلى كثير من الفرق التي جاءت من بعده (٢)، وأصبح التعطيل أو التجهم على ثلاث درجات: تجهم الغلاة، وهم الجهمية الأولى، وتجهم المعتزلة، وتجهم الكلابية ومن وافقهم.
تعطيل الجهمية الأولى:
الجهمية الأولى هم أصحاب الجهم بن صفوان السمرقندي،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٥/ ٣٢٦، الجواب الكافي لابن القيم ص٩٠، فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن ص١٨١، شرح النونية لأحمد بن عيسى ١/ ٢٠٧، القول السديد للسعدي ص٥٢، التنبيهات السنية للرشيد ص٢٣، فتح رب البرية لابن عثيمين ص٤٩.
(٢) انظر: خالق أفعال العباد للإمام البخاري ص١١٨ [ضمن عقائد السلف]، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٥/ ٢٠ - ٢٥، الخطط للمقريزي ٢/ ٣٥٧.
[ ١٢٦ ]
الذي كان أعظم الناس نفيا لأسماء الله وصفاته، فلا يجوز عنده أن يسمى الله أو يوصف بما يطلق على غيره، كالشيء والموجود والحي والعالم، لأن ذلك بزعمه من التشبيه الممتنع، وأجاز أن يسمى الله قادرا فاعلا، لأن القدرة والفعل مختصة بالرب، بناء على أصله في الجبر. وقد أنكر العلماء بدعته وكفروه بها، ولهذا قتله سلم بن أحوز صاحب شرطة خراسان سنة (١٢٨ هـ) ولكن بعد أن أورد على أهل الإسلام شكوكا أثرت في الملة الإسلامية آثارا قبيحة تولد عنها بلاء كبير كما قال المقريزي (١)، وذلك أنه أصل البدع الكبرى في الإسلام التي ورثتها الفرق الكلامية من بعده، كالتعطيل وخلق القرآن والجبر وإرجاء المتكلمين! ودعوى الحلول، والقول بفناء الجنة والنار، قطعا للتسلسل في المستقبل! (٢). وليس معنى هذا أن مقالاته توزعتها الفرق، وأن الجهمية الأولى ذابت في غيرها من الفرق ولم يعد لها وجود مستقل كما ادعى ذلك الأستاذ أحمد أمين (٣)، لأنه من الثابت تاريخيا أنه قد امتد الزمان بأتباعه إلى القرن الخامس، ونص البغدادي على وجودهم في زمانه، وأنه قد خرج إليهم في نهاوند من يدعوهم لمذهب الأشاعرة فأجابه فريق منهم (٤). وربما امتد بهم الزمان إلى ما بعد ذلك بمدة، فقد ذكر المقريزي أنهم فرقة عظيمة (٥). وكلامه قد يكون بالنظر إلى وجودهم
_________________
(١) الخطط ٢/ ٣٥٧.
(٢) انظر: شرح الطحاوية ص٤١٨، ٤١٩، ٥٢٦، ٥٢٧.
(٣) انظر: فجر الإسلام لأحمد أمين ص٢٨٧.
(٤) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢١٢.
(٥) انظر: الخطط ٢/ ٣٥١.
[ ١٢٧ ]
الواقعي في عصره، وقد يكون بالنظر إلى وجودهم التاريخي وأثرهم الفكري، والله أعلم.
وتعطيل الجهم وإن اعتمد في الظاهر على نصوص التنزيه إلا أنه فلسفي الجذور، أخذه عن الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد عن فلاسفة حران، ولهذا ذكر ابن تيمية ﵀ أن مقالته في التعطيل من جنس مقالة غلاة الفلاسفة، كالفارابي وابن سينا بخلاف مقتصدتهم، كأبي البركات وابن رشد الحفيد، فإن المشهور عنهم إثبات الأسماء الحسنى وأحكام الصفات (١).
تعطيل المعتزلة:
المعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، حدثت بدعتهم أوائل القرن الثاني، وكان مبدأ أمرهم القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو قول مخترع انفردوا به عن سائر فرق الأمة، وأطلق عليهم بسببه لقب الاعتزال. يقول المقريزي: "لما بلغ الحسن البصري ﵀ عن واصل القول بمنزلة بين المنزلتين قال: هؤلاء اعتزلوا، فسموا من حينئذ المعتزلة، وقيل: إن تسميتهم بذلك حدثت بعد الحسن، وذلك أن عمرو بن عبيد لما مات الحسن وجلس قتادة مجلسه اعتزله في نفر معه فسماهم قتادة المعتزلة" (٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٢/ ٢٠٢، ٢٠٥، ٢٠٦، ١٤/ ٣٤٩. وانظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٨٦، البداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٧، شرح النونية لابن عيسى ١/ ٤٥ - ٥٨، ٢٥٠ - ٢٥٣، مقدمة ابن قاسم لنقض التأسيس ١/ ٩، ١٢.
(٢) الخطط ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦ [بتصرف يسير]. وهذه الرواية وما في معناها مشهورة ومنطقية، ولكن للمستشرقين وأتباعهم اعتراضات وتخرصات تخالف المشهور. انظر: فجر الإسلام لأحمد أمين ص٢٨٨، المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق ص١٦ - ٢٢.
[ ١٢٨ ]
وكان القول بالقدر قد حدث أهله قبل نشوء المعتزلة، وكان الناس يخوضون فيه في الشام والعراق وغيرها، فرأى المعتزلة أن هذه المقالة تغليظا على صاحب الكبيرة، إذ بمقتضاها يتحمل مسؤولية ذنبه كاملة، لأنه يفعل استقلالا عن القدر، فضموها إلى أصلهم في الوعيد، وأصبح الاعتزال يدور على أصلين: أحدهما في الوعيد والحكم على أصحاب الجمل وصفين، والآخر في القدر، وكان أكثر كلام واصل فيهما.
ثم حدث التعطيل من قبل الجهمية فسرى إلى المعتزلة ولكنهم لم يبالغوا في النفي مبالغة الجهمية، فأثبتوا أسماء الله الحسنى في الجملة، ونفوا صفاته، فرارا من التعدد، وألف واصل كتابا في التوحيد، واستقر اعتزاله على ثلاث قواعد: هي القول بالوعيد، والحكم بفسق أحد الفريقين من أصحاب الجمل وصفين لا على سبيل التعيين،،القول بالقدر، ونفي الصفات (١).
وكانت مقالة التعطيل عند الطبقة الأولى من المعتزلة غير ناضجة حتى جاء أبو الهذيل العلاف، شيخ المعتزلة ومقدمهم، ومقرر طريقتهم، فحرر مذهبهم، وبناه على الأصول الخمسة المشهورة، وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان لإقباله على مطالعة الفلسفة أكبر الأثر في تأصيل التعطيل، والمبالغة في نفي
_________________
(١) انظر: الملل والنحل ١/ ٤٦ - ٤٩، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٣٥٠، الخطط للمقريزي ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦.
[ ١٢٩ ]
الصفات حتى أنه اعتبرها مجرد وجود للذات، بناء على رأي الفلاسفة في اعتبار الذات واحدة لا كثرة فيها بوجه، والصفات عين الذات لا زائدة عليها، ولهذا أرجعوا صفاته لمعنى السلب أو الإضافة.
والمشهور عن المعتزلة أن الصفات غير الذات، ولهذا قالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، بخلاف أبي الهذيل فإنه قال: هو عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذاته. والفرق بين القولين أن الأول نفي للصفة، والثاني إثبات صفة هي بعينها الذات، ومحصلة القولين واحد، وهو إنكار أن تكون الصفات معان قائمة بالذات، لأن ذلك ينافي حقيقة التوحيد، إما من جهة التعدد على رأي أوائل المعتزلة، وإما من جهة التركيب على رأي أبي الهذيل ومن وافقه (١).
وبهذه الطريقة أدخل المعتزلة تعطيل الصفات في أكبر أصول مذهبهم حتى غدا التجهم سيماهم، وأصبح لقب الجهمية لا يكاد يقصد به سواهم، وما كتبه الإمام أحمد والإمام البخاري في الرد على الجهمية إنما كان موجها لهم بالقصد الأول (٢).
تعطيل الكلابية:
وهم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، حدثت بدعتهم في
_________________
(١) انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٤ - ٨٦، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٥٢٤ - ٥٢٧، مقدمة ابن خلدون ص٤٦٤.
(٢) انظر: عقائد السلف (المقدمة) ص٢٥، ٢٦، نقض التأسيس (المقدمة) ص١٢.
[ ١٣٠ ]
القرن الثالث الهجري، نتيجة للخلاف بين السلف والمعطلة، فأثبتوا الصفات اللازمة موافقة للسلف، وأنكروا الصفات الاختيارية موافقة للمعتزلة، لئلا يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الرب، لأن ما قامت به الحوادث فهو حادث، بناء على دليل الحدوث المشهور، ولهذا قال بأزلية جميع ما أثبته من الصفات، وأنكر كل ما يدل على تجدد الصفات حتى زعم أن ألفاظ القرآن حكاية عن كلام الله، لأن كلام الله مجرد المعنى القديم القائم بذات الرب! (١).
وقد أنكر الإمام أحمد والإمام ابن خزيمة وغيرهما من أئمة السلف مقالة الكلابية، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم، وحذروا منهم وهجروهم، وأغلظوا القول فيهم حتى كان بعضهم يلعن الكلابية، كما أثر عن أبي نصر السجزي وغيره (٢).
وفي مطلع القرن الرابع أعلن أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري في البصرة توبته من مذهب المعتزلة وانتقل لمذهب الكلابية، فأثبت الصفات عدا الاختياري منها، بناء على أصل ابن كلاب والمعتزلة، ولهذا قال خلف المعلم: "أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع، وثبت على الأصول" (٣).
وقد كان لأبي الحسن الأشعري أثر بالغ في تأصيل مذهب
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ص١٦٩، ١٧٠، درء التعارض ٢/ ٦، ١٨، ٩٩.
(٢) انظر: درء التعارض ٢/ ٦، ١٨، موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ١/ ٤٦٩ - ٤٧٢.
(٣) الرد على من أنكر الحرف والصوت لأبي نصر السجزي ص١٦٨ [نقلا عن موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ١/ ٣٦٣].
[ ١٣١ ]
الكلابية، والانتصار لمقالتهم ببراهين كلامية، حتى كثر أتباعه، وانتشرت مقالاته، وتحولت نسبة المذهب إليه بدلا عن ابن كلاب (١).
وللأشعري مؤلفات كثيرة، أوصلها المقريزي إلى خمسة وخمسين مؤلفا (٢). آخرها "كتاب الإبانة" على أصح أقوال أهل العلم، وهو أقربها للسنة، حتى أن بعض علماء السلف اعتبره توبة من مذهب الكلابية ورجعة للسنة المحضة. وهو حكم تؤيده شواهد في الكتاب أبرزها إثبات العلو والاستواء، والوجه، والعينين، واليدين، وإبطال تأويلها (٣).
والصواب أنه بقي على عقيدة ابن كلاب حتى في الإبانة، لأن الموافقة بينهما إنما هي في نفي الصفات الاختيارية، فرارا من حلول الحوادث بذات الرب، ولهذا تأولوا ما ورد في النصوص منها بأحد أمرين:
الأول: أن تجعل الصفة أزلية، وينفي ما يستلزم تجددها، فالكلام مثلا جعلوه معنى أزليا قائما بذات الله، وأنكروا ما يتعلق منه بالمشيئة، ولهذا زعموا أن ألفاظ القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله!.
الثاني: أن يجعل مقتضى الصفة الاختيارية مفعولا منفصلا عن الله لا يقوم بذاته، فالاستواء والنزول مثلا لا يعنيان قيام مقتضاهما بذات الله، وإنما يعنيان أنه فعل فعلا في العرش سماه
_________________
(١) انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٩٣، الخطط للمقريزي ٢/ ٣٥٨.
(٢) انظر: الخطط ٢/ ٣٥٩.
(٣) انظر: الإبانة للأشعري ص١١٩ - ١٤١.
[ ١٣٢ ]
استواء، وفعل فعلا في سماء الدنيا سماه نزولا!.
أما إثبات العلو وسائر الصفات الخبرية التي وردت في القرآن، فإن كلام ابن كلاب والأشعري لا يختلف في إثباتها، وإن كان الأشاعرة يحملون ذلك على طريقة التفويض! (١).
وقد اقتفى طريقة الأشعري من بعده تلميذه ابن مجاهد، وأبو الحسن الباهلي، وغيرهما، وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، وهو الذي حرر مذهبهم، ووضع مقدمات براهينهم، كإثبات الجوهر الفريد، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وقد أوجب اعتقادها، لأن بطلان الدليل يستلزم بطلان المدلول!. وقد ظل في الصفات على عقيدة ابن كلاب والأشعري، فأثبت الصفات الأزلية، كالعلو، والوجه، واليدين، والعينين، ونفي الصفات الاختيارية، وقال بالكلام النفسي. يقول ابن تيمية: "الأشعري وأئمة أصحابه، كأبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي، والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن، كالاستواء والوجه واليد، وإبطال تأويلها وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن" (٢).
وقد عاصر الباقلاني عددًا من أئمة الأشاعرة، من أهمهم اثنان:
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٢/ ٦، ١٢، ١٧، ١٨، ٩٨، ٩٩ - ١١٥، موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٤٨ - ٣٥٦، ٣٧٧ - ٤١٠، ٤١٨ - ٤٢٦، ٤٤٢ - ٤٥٠.
(٢) درء التعارض ٢/ ١٧، ١٨، وانظر: مقدمة ابن خلدون ص٤٦٥، موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢/ ٥٢٦ - ٥٥٥.
[ ١٣٣ ]
أحدهما: محمد بن الحسن بن فورك، وقد تميز بالعناية بالحديث، والاهتمام به، والغلو في التأويل، فلم يقف عند تأويل ما جاءت به السنة من الصفات الخبرية، كالكف والقدم والأصابع، وإنما توسع في ذلك، فأول العلو والاستواء مخالفا أئمة مذهبه. أما ما عدا الاستواء من الصفات الخبرية الواردة في القرآن، وهي الوجه واليدين والعين فقد أبقاها على ظاهرها، ومنع تأويلها! (١).
والثاني: عبد القاهر بن طاهر البغدادي، وقد أدرك أبا عبد الله بن مجاهد، تلميذ الأشعري المشهور (٢)، وعاصر الباقلاني وابن فورك وغيرهما، إلا أن وفاته تأخرت عنهما بأكثر من عشرين عاما. وقد كان للبغدادي دور مهم في توسع الأشاعرة في التعطيل، فقد زاد على تعطيل ابن فورك نفي الصفات الخبرية الواردة في القرآن، وإلى جانب ذلك أيد بقوة دليل الحدوث، وما بناه عليه أسلافه من تعطيل الصفات، وصاغ آراء الأشاعرة على أنها عقيدة المسلمين على مدى القرون حتى استقر في أذهان كثير من الناس أن مذهب الأشاعرة يمثل مذهب أهل السنة والجماعة لا آراء فرقة من الفرق الإسلامية! (٣).
ويبدو أن تعطيل الأشاعرة قد استقر بعد هذين الرجلين على نفي الصفات الاختيارية والعلو والاستواء دون ما ذهب إليه
_________________
(١) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢/ ٥٥٥ - ٥٧٠.
(٢) انظر: أصول الدين للبغدادي ص٣١٠.
(٣) انظر: أصول الدين للبغدادي ص٢٣، ٧٦ - ٧٩، ١٠٩ - ١١٥، الفرق بين الفرق للبغدادي ص٣١٣ - ٣٦٦، موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص٥٧٢ - ٥٨٠.
[ ١٣٤ ]
البغدادي من تعطيل الصفات الخبرية بإطلاق، ولهذا كان بعض أعلام الأشاعرة من بعده يثبتون الوجه واليدين والعين، ويؤولون القدم والأصابع ونظائرها، وأبرز مثال على ذلك الإمام البيهقي (١).
وحين جاء أبو المعالي الجويني وافق البغدادي على تعطيل الصفات الخبرية بإطلاق، وقرر ذلك في كتابه "الشامل" ومختصره "الإرشاد"، وتلقاه الأشاعرة بالقبول، واستقر مذهبهم على ما في "الإرشاد" حتى قيل: إنه أصل طريقة المتقدمين! (٢)، وهي عبارة فيها تجاوز كبير، إذا كان المقصود بها ما يعم من قبله من أئمة مذهبه، لأن الجويني عطل ما أثبته قدماء الأشاعرة من الصفات الخبرية، واختار فيها إما التأويل كما في "الإرشاد"، أو التفويض كما في "النظامية"، وجنح بالمذهب نحو الاعتزال في المنهج والتأويل، حتى أنه كان يترك تأويلات الأشاعرة ويختار ما كان يبطله أئمة مذهبه من تأويلات المعتزلة! وأبرز مثال على ذلك صفة الاستواء، فقد أَوَّلها بالاستيلاء مع أن الأشاعرة كانوا لا يقبلون هذا التأويل البتة! (٣).
وقد تتلمذ على الجويني مجموعة من أعلام الأشاعرة أشهرهم وأكثرهم نبوغا أبو حامد الغزالي، وهو أول من مزج المنطق بعلوم المسلمين، وأدخل الرد على الفلاسفة في عقيدة الأشاعرة، ونشأ عن ذلك ما يعرف عندهم بطريقة المتأخرين، وهي تخالف كثيرا مما
_________________
(١) انظر: الاعتقاد للبيهقي ص٤٠ - ٤٣، موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص٥٨٠ - ٥٩١.
(٢) انظر: مقدمة ابن خلدون ص٤٦٥، ٤٦٧.
(٣) انظر: أصول الدين للبغدادي ص١١٢، العقيدة النظامية للجويني ص٣٢ - ٣٥، درء التعارض لابن تيمية ٢/ ١٢ - ٢٠، موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ص٦٠٠ - ٦٢٢.
[ ١٣٥ ]
حرره الباقلاني من مقدمات البراهين، وما ترتب عليها من اعتقاد بطلان المدلول من بطلان دليله (١).
وقد سار أئمة الأشاعرة من بعده على طريقته، وأوغلوا في علوم الفلسفة، وخلطوها بعلم الكلام، وبلغ هذا الاتجاه ذروته على يد الفخر الرازي، ولهذا اتخذه الأشاعرة إماما، وبدؤوا في تحرير مذهبهم في صورته النهائية اعتمادا على كتبه في المقام الأول، ومن ثم ظهرت الكتب التي استقر عليها مذهبهم، كطوالع الأنوار للبيضاوي، والمواقف، والعقائد العضدية، وكلاهما لعضد الدين الإيجي، وشرح المقاصد للتفتازاني.
وأهم ما تميزت به مرحلة الغزالي والرازي فيما يتعلق بتعطيل الصفات، تأصيل قوانين التأويل، كتقديم العقل على النقل عند التعارض، والزعم بأن الدليل اللفظي لا يفيد اليقين، لعدم عصمة رواة مفرداته، واحتمال الاشتراك، والمجاز، والنقل، والتخصيص، والإضمار، والتأخير والتقديم، والنسخ، والمعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه! (٢).
_________________
(١) انظر: مقدمة ابن خلدون ص٤٦٥، ٤٦٦، مناهج البحث عند مفكري الإسلام للنشار ص٧٧ - ١٠٠.
(٢) انظر: المحصل للرازي ص٧١، أساس التقديس للرازي ص١٣٠، موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ص٦٢٧، ٦٢٩، ٦٤٣، ٦٥٤ - ٦٩٧. وعلى الرغم من هذه المخالفات العقدية المنكرة وغيرها مما لم أذكره، فقد اشتهر هذا المذهب، وكثر أتباعه، لكثرة من اعتقده وانتصر له وصنف فيه من المتكلمين، ولتبني بعض الممالك الإسلامية له، وحمل الناس على التزامه، حتى كان يستباح دم من خالفه! انظر: الخطط للمقريزي ٢/ ٣٥٨ - ٣٦١. وقد تصدى علماء السلف لهذا المذهب، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة، من أعظمها وأهمها فيما يتعلق بالرد على قوانين التعطيل، درء التعارض لابن تيمية، والصواعق المرسلة لابن القيم.
[ ١٣٦ ]
خطورة التعطيل وبطلانه:
مقالات الجهمية المعطلة من غلاة ومعتزلة وكلابية وأشعرية تغلط من أربعة أوجه:
الأول: أن النصوص المخالفة لأقوالهم كثيرة مستفيضة، وإنما يردونها بمثل تأويلات المريسي وابن فورك والرازي وغيرهم!.
الثاني: أن مقالاتهم تؤول إلى تعطيل الخالق وجحده بالكلية، وإن كان كثير منهم لا يعلم لازم قوله، ولهذا قال علماء السلف: إن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وسموهم معطلة لذلك، واتفقوا على ذمهم، والإنكار عليهم وعلى الممثلة، وكثر كلامهم في ذلك، وقالوا: إن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه، لأن المشبه يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما. يقول ابن تيمية: "لما كان مرض التعطيل أعظم كانت عناية الكتب الإلهية بالرد على أهل التعطيل أعظم، وكانت الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل مع تنزيهه عن أن يكون له فيها مثيل، بل يثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، ويأتون بإثبات مفصل ونفي مجمل، فيثبتون أن الله حي عليم قدير سميع بصير غفور رحيم ودود إلى غير ذلك من الصفات. ويثبتون مع ذلك أنه لا ند له ولا مثل ولا كفو له ولا سمي له، ويقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على أهل التمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ
[ ١٣٧ ]
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على أهل التعطيل، ولهذا قيل: الممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما" (١).
الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل وأهل الفطر السليمة، لكن مع هذا تخفى مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان، لكثرة ما يوردونه من الشبهات حتى رأينا رجلا مثل المقريزي يقف أمام كثرة نصوص الصفات، وإجماع السلف على روايتها، وإثباتها بلا تمثيل، ثم لا يرى فائدة لذلك كله إلا تمكين إثبات مطلق الوجود، والرد على طوائف الملاحدة من أهل الطبائع وعباد العلل (٢).
الرابع: أنهم يعتقدون فيما يضاف للخالق والمخلوق من الصفات أنها حقيقية في المخلوق، مجاز في الخالق، ولهذا زعموا: أن ظاهر نصوص الصفات إنما يدل على ما يختص بالمخلوق، ومن ثم أوجبوا تأويل الظاهر أو تفويضه، لأنه إنما يدل على التمثيل الباطل بنصوص التنزيه!.
وهذا الاعتقاد مبني على أصل جهم بن صفوان في الأسماء التي تقال على الرب وعلى العبد، فقد زعم أنها مجاز في الخالق حقيقة في المخلوق، وهو من أفسد الأقوال، لأنه يعني صحة نفي أسماء الله وصفاته، ويستلزم أن تكون في العبد أكمل وأتم منها في
_________________
(١) درء التعارض ٦/ ٣٤٨، وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/ ٥٢٢، ٥٢٣، ٥٢٦، ٥٩٨، ٥٩٩، ٦٠٨، بدائع الفوائد لابن القيم ١/ ١٦٥، ١٦٦، ١٧٠، شرح الطحاوية ص٦٠، ٦١.
(٢) الخطط للمقريزي ٢/ ٣٦١، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/ ٣٥٤، ٣٥٥، الرسالة التدمرية لابن تيمية ص١٢٦، ١٢٧.
[ ١٣٨ ]
الرب، إذ إطلاقها على الرب مجرد تمثيل لما هو حقيقة في العبد! وهذا من أعظم الباطل!.
والصواب أن الألفاظ التي تطلق على الرب والعبد حقيقة فيهما، واختلاف الحقيقتين لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، لأنها من الألفاظ المتواطئة أو المشككة، وهي موضوعة للقدر المشترك، والخصائص لا تدخل في مسماها عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة، فإذا أضيفت لأحدهما دخلت الخصائص، وكان ظاهر ما أضيف للرب إنما يدل على ما يليق، ويختص به، وظاهر ما أضيف للمخلوق إنما يدل على ما يليق ويختص به، خلافا لما توهمته المعطلة من أن ظاهرها إنما يدل بإطلاق على ما يفهم من صفات المخلوقين ويختص بهم، وقد ترتب على هذا الوهم ثلاثة محاذير:
أ - الجناية على نصوص الصفات، وسوء الظن بكلام الله ورسوله، حتى زعم كثير منهم أن ظاهر القرآن والحديث كله تشبيه وتمثيل، ومن ثم نشأت عندهم الحاجة للتأويل حتى أصبح أصلا من أصول مذاهبهم!.
ب - تعطيل نصوص الإثبات عما دلت عليه من الصفات اللائقة بجلال الله توهما أنها معارضة بنصوص التنزيه عن المثل والكفء والند والسمي!.
ج - تعطيل الخالق عما يستحقه من صفات الكمال، ووصفه بدلا عنها بالصفات السلبية المحضة تفصيلا حتى آل أمرهم إلى الوقوع في أعظم مما فروا منه، وذلك بتشبيهه بالمنقوصات والمعدومات. يقول الإمام البخاري: "قال بعض أهل
[ ١٣٩ ]
العلم: إن الجهمية هم المشبهة، لأنهم شبهوا ربهم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخلق" (١).
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) خلق أفعال العباد ص١٣٤ [ضمن عقائد السلف]، وانظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية ص٦٩ - ٩٠، الصواعق المرسلة لابن القيم ٤/ ١٥١١ - ١٥١٥.
[ ١٤٠ ]