ومن البدع ما يفعل في الجنائز من ترك الإسراع، والقرب منها، والإنصات فيها، وقراءة القرآن معها بالألحان، وعدم التفكر فيما هم صائرون إليه، بل يتكلمون باللغو، وحديث الدنيا، وقد قال النبي): " أسرعوا الجنازة؛ فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ".
وعن إبراهيم النخعي ﵀. أنه كان يقول: انشطوا بجنائزكم، ولا تدبوا دبيب اليهود النصارى.
وجاء عن النبي (أنه كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمت ورؤى عليه الكآبة وأكثر حديث النفس ".
وقال الفضيل: كانوا إذا اجتمعوا في جنازة يعرف ذلك فيهم ثلاثة أيام.
ورأى ابن مسعود ﵁ رجلًا يضحك في جنازة، فقال: أتضحك مع الجنازة لا أكلمك أبدًا.
وعن سعيد بن المسيب ﵁، قال في مرضه: إياي وحاديهم هذا الذي له يقول: استغفروا له يغفر الله لكم.
[ ١٨٣ ]
وكرهه الحسن، والنخعي، وابن جبير، وأحمد، وإسحق. وسمع ابن عمر قائلًا يقول ذلك، فقال: لا غفر الله لك.. وإنما كرهوه لما فيه من التشويش على المشيعين المتفكرين في المعاد.
وسئل سفيان بن عيينة عن السكوت في الجنازة: ماذا يجيء به؟ قال: تذكر به حال يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى: (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا) .
قال قتادة: بلغنا أن أبا الدرداء ﵁ نظر إلى رجل يضحك في جنازة، فقال له: أما كان فيك رأيت من هول الموت ما يشغلك عن الضحك؟! وكان مطرف يلقى الرجل من خاصة أهله في الجنازة فعسى أن يكون غائبًا فما يزيده على السلام، ثم يعرض عنه انشغالًا بما هو فيه.
وقال ثابت البناني: كنا نشهد الجنازة، فلا يرى إلا مقنعًا باكيًا.
فهذا خوف هؤلاء السادات من الموت. وأما اليوم، فغالب من تراه يشهد الجنازة يلهون، ويضحكون، وما يتكلمون إلا في ميراثه، وماذا خلفه لورثته.
[ ١٨٤ ]
فصل