وأم االقسم الثاني مما يظنه الناس طاعة وقربة، وهو بخلاف ذلك، أو تركه أفضل من فعله، وهو ما قد أمر به الشارع في صورة من الصور من زمان مخصوص، أو مكان معين؛ كالصوم بالنهار، والطواف بالكعبة، أو أمر به شخص دون شخص، كالذي اختص به النبي (في المباحات والتخفيفات، فبقيس الجاهل نفسه عليه، فيفعله وهو منهي عن فعله، أو يقيس الصور بعضها على بعض بسبب الحرص على الإكثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات، فيحملهم الحرص على فعلها في أوقات وأماكن نهاهم الشرع في اتخاذ تلك الطاعات فيها. ومنها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه. ويورطهم الجهل وتزيين الشياطين بأن يقولوا هذه طاعات وقرب، قد ثبت في غير هذه الأوقات فعلها، نحن نفعلها أبدًا، فإن الله لا يعاقبنا على فعل الطاعة إذا ما فعلناها.
الصلاة في الأوقات المكروهة
وذلك مثل الصلاة في الأوقات المكروهة، وهي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند استوائها حتى تزول، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
صوم الأيام المكروهة
وكصومهم في الأيام المنهي عنها كالعيدين، وأيام التشريق، وكوصالهم في الصيام الذي هو من خصائص النبي (. وقد اشتد نكيره على من فعل ذلك.
الرد على من فعل هذا
فهؤلاء وأمثالهم متقربون إلى الله بما لم يشرعه الله، بل نهى عنه. وإذا قيل لهؤلاء: (لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)
[ ١٢٨ ]
وما أحسن ما قال ولي الله أبو سليمان الداراني ﵀: ليس لمن ألهم شيئًا من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر، فإذا سمعه من الأثر عمل به، وحمد الله تعالى حين وافق ما في قلبه.
وقال أيضًا: ربما وقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا، ولا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة.
وقال أبو حامد الغزالي ﵀: من توجب عليه رد وديعة في ذمته، فقام فتحرم بالصلاة التي هي أقرب القربات إلى الله تعالى، عصى ربه.
فلا يكفي كون جنس فعله من جنس الطاعات ما لم يراع فيه الوقت، والشرط، والترتيب.
واغتر بعض الجاهلين بقوله تعالى: (واسجد واقترب)، وظنّ أن هذا يقتضي العموم في جميع الأوقات، واعتضد بقوله: (أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى) وغفل عن أن السجود المقرب إلى الله تعالى هو السجود المأذون فيه، وهو المشروع. والإنكار في الآية وقع على من نهي عن الصلاة المأذون فيها، وهي المشروعة، فتلك التي لا ينبغي لأحد أن ينهى عنها. أما إذا صلى صلاة قد علمنا نهي الشارع عنها، فإنه يجب على كل أحد علم به نهيه عنها، بدليل الحديث الثابت في الصحيحين من رواية ابن عمر ﵄: أن النبي (نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.
[ ١٢٩ ]
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: " ثلاث ساعات كان رسول الله (ينهى أن نصلي أو نقبر فيهم موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب " أخرجه مسلم.
[ ١٣٠ ]
وعن ابن عمر: أنه رأى رجلًا يصلي بعد الجمعة في مقامه ركعتين، فدفعه.
وفي رواية: أنه أبصر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم الصلاة فدفعه، وقال: تصلي الصبح أربعًا؟!! أخرجه البيهقي في السنن.
وقد جاء هذا اللفظ في الصحيح مرفوعًا من حديث عبد الله بن مالك بن عيينة.
وروى البيهقي عن عمر ﵁: أن النبي (نهى عن التنفل بعد الفجر سوى ركعتي الفجر.
قال يسار مولى ابن عمر: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد الفجر وأسلم من ركعتين، فقال: إن رسول الله (خرج علينا ونح نصلي كما تصلي فقال: " ليبلغ الشاهد منكم الغائب، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين " يعني سنة الفجر لا غير.
وعن ابن عمر أيضًا: أن رسول الله (نهى عن الوصال، فقالوا إنك تفعله! فقال: " إني لست كأحدكم إني يطعمني ربي ويسقيني " وعن أبي هريرة نحوه. متفق عليه.
[ ١٣١ ]
وعن كعب بن مالك: أن رسول الله (بعثه وأوس بن الحارث في أيام التشريق، فناديا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب. رواه مسلم، ورواه الإمام أحمد بنحوه عن سعد بن أبي وقاص.
وروى الدارقطني عن أنس أن النبي (نهى عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق. ونهى (أيضًا عن استقبال رمضان باليوم أو اليومين، وعن إفراد الجمعة بالصيام وليلتها بالقيام، وعن إفراده يوم السبت بالصوم، وكذا صيام أعياد الكفار على سبيل التعظيم ما لم يوافق عادة له.
[ ١٣٢ ]
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله): " لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون صومًا يصومه أحدكم " رواه مسلم.
وعن عبد الله بن بشير عن أخته واسمها الصماء: أن رسول الله (قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه ". رواه أبو داود والترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله): " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه ". متفق عليه.
أفيجوز لمسلم أن يسمع هذه الأحاديث، ثم يقول إن النبي (نهى الناس عن الصلاة والصوم من حيث هو صلاة أو صوم؟ وقائل هذا جاهل محرف لكتاب الله وسنة رسوله (، فيدل كلامه على أنه مارق في الدين، قد سلبه الله لذة فهم مراده من وحيه، وإن كان هذا من أوضح المواضع، فكيف بما يدق معانيه؟ فكل من رد على الناهي عن ذلك، فإنه يتضمن الرد على رسول الله (، فإنه هو الذي نهى عنه، وأمرنا بإنكار المنكر، والله حسيب من افترى.
[ ١٣٣ ]
صلاة الرغائب
ومن هذا القسم أمور اشتهرت في معظم بلاد الإسلام، وعظم وقعها عند العوام، ووضعت فيها أحاديث كذب على رسول الله (، واعتقد بسبب تلك الأحاديث فيها ما لم يعتقد فيما افترضه الله تعالى واقترن بها مفاسد كثيرة، وأدى التمادي في ذلك إلى أمور منكرة، فتطاير شررها فظهر شرها، فمنها " صلاة الرغائب " في " أول ليلة جمعة من رجب ". واعلم رحمك الله أن تعظيم هذا اليوم، وهذه الليلة، إنما أحدث في الإسلام " بعد المائة الرابعة " وروى في حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونه: فضيلة صيام ذلك، وقيام تلك الليلة وسموها صلاة الرغائب. والذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن قيام هذه الليلة بهذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنع الأطعمة وإظهار الزينة وغير ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام. وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى " صلاة أم داود "، فإن ذلك أيضًا لا أصل له.
من هو واضع تلك الصلاة؟
وقال الإمام الحافظ أبو الخطاب: أما صلاة الرغائب فالمتهم بوضعها علي ابن عبد الله بن جهضم، وضعها بحديث عن رجال مجهولين لم يوجدوا في جميع الكتب، وأصلها ما حكاه الطرطوشي في كتابه، قال: أخبرني
[ ١٣٤ ]
أبو محمد المقدسي قال: لم يكن عندنا في بيت المقدس قط " صلاة الرغائب " هذه الليلة تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا في بيت المقدس رجل من " نابلس " يعرف بابن أبي الحمرا، وكان حسن التلاوة، فقام يصلي في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فصلى خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا وهم جماعة كثيرة، ثم جاء في العام الثاني، فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد الأقصى هذه الصلاة، وانتشرت في بيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت من ذلك الزمان كأنها سنة إلى يومنا هذا، فقيل لذلك الرجل الذي أحدثها بعدما تركها: إنا رأيناك تصليها في جماعة؟ قال: نعم وأستغفر الله منها.
قال: وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمائة. وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها من قبل ذلك.
فتوى ابن الصلاح في صلاة الرغائب
وقد استفتي فيها الشيخ تقي الدين بن الصلاح ﵀، فقال: أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب. فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع وما حدث إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليست ليلتها تفضل على أشباهها من ليالي الجمع.
ليلة النصف من شعبان
وأما ليلة النصف من شعبان، فلها فضل، وإحياؤها بالعبادة مستحب،
[ ١٣٥ ]
ولكن على الانفراد ومن غير جماعة. واتخاذ الناس لها ولليلة الرغائب موسمًا وشعارًا بدعة مكروهة، وما يزيدونه فيها على الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه فغير موافق للشريعة.
الصلاة الألفية
والصلاة الألفية التي تصلى ليلة النصف من شعبان لا أصل لها ولأشباهها. فالعجب من حرص الناس على الأمر المبتدع في هاتين الليلتين، وتقصيرهم في الأمور المؤكدة الثابتة عن رسول الله (، والله المستعان.
واعلم أن هذه الصلاة المبتدعة تناقض قواعد الشريعة من وجوه.
أحدهما أن النبي (نهى عن قيام ليلة الجمعة على التخصيص، وهذا النهي بطريق النظر يشمل النهي عن صلاة الرغائب، فكان فعلها داخلًا تحت النهي.
[ ١٣٦ ]
الثاني: مخالفة سنة السكون في الصلاة بسبب عد التسبيحات، وعدّ سورة القدر، والإخلاص، في كل ركعة، ولا يتأتى ذلك إلا بتحريك الأصابع في الغالب. وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي (قال: " اسكنوا في الصلاة ".
الثالث: مخالفة سنة خشوع القلب وحضوره في الصلاة، وتعريفه الله تعالى، وملاحظة جلاله، والوقوف على معاني القرآن، وهو المطلوب الأعظم في الصلاة. وإذا لاحظ المصلي عد قراءة السورة والتسبيحات بقلبه كان مستلفتًا عن الله تعالى معرضًا عنه.
الرابع: مخالفة سنة النوافل من جهة أن فعلها في البيوت أولى من فعلها في المساجد، ومن جهة أن فعلها بالانفراد أولى من فعلها في الجماعة إلا ما استثناه الشرع.
الخامس: أن كمال هذه الصلاة عند واضعها المبتدع أن يفعلها مع صيام ذلك اليوم ولا يفطر حتى يصليها، وعند ذلك يلزم أمران أحدهما تعجيل الفطر، والثاني تفريغ القلب من الشواغل القلقه بسبب جوع الصائم وعطشه؛ ولهذا قال رسول الله): " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء " وهذه الصلاة يدخل فيها بعد الفراغ من صلاة المغرب، ولا يفرغ منها إلا عند دخول وقت العشاء الآخرة، فتوصل بصلاة العشاء، والقلق باق، ويتأخر الفطر إلى ما بعد ذلك.
السادس: أن سجدتي هذه الصلاة المفعولتين بعد الفراغ منها مكروهتان؛ فإنهما سجدتان ولا سبب لهما، والشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله
[ ١٣٧ ]
تعالى بالسجود إلا في الصلاة أو بسبب خاص: من سهو أو قراءة سجدة، وفي سجدة الشكر خلاف، استحبها الشافعي وأحمد رحمهما الله، وكره ذلك النخعي ومالك وأبو حنيفة ﵏. قال الفقيه أبو محمد: لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب، وشرائط، وأوقات، وأركان، لا تصح بدونها. ويكره إفراد رجب بالصوم. قال الشافعي ﵀.
وأكره أن يتخذ الرجل صوم شهر بكماله كما يكمل رمضان. وكذلك يوم من بين الأيام.
حكم صوم رجب
وذكر أبو الخطاب في كتاب أداء ما وجب في بيان وضع الواضعين في رجب.
عن المؤثر بن أحمد الساجي الحافظ، قال: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم " رجبًا " وينهى عنه، ويقول: ما صحّ في فضل رجب ولا صيامه شيء عن رسول الله (. قال: وقد روى
[ ١٣٨ ]
كراهية صومه عن جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر ﵄. وكان عمر ﵁ يضرب بالدرة صوامه فإن قيل: هو استعمال خير؟ قيل له: استعمال الخير يجب أن يكون مشروعًا من رسول الله (، فإذا علمنا أنه كذب على رسول الله (خرج عن المشروعية، وإنما كانت تعظمه مضر في الجاهلية، كما قال عمر ﵁، وضربه أيدي الذين يصومونه. وكان ابن عباس ﵄ حبر القرآن يكره أيضًا صيامه. وروى أبي بكر الطرطوشي بإسناده عن عمر ﵁ أنه كان يضرب أيدي الرجبيين الذين كانوا يصومون رجبًا كله.
وكان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية.
بيان بدع ليلة النصف من شعبان
ومن ذلك صلاة الألفية ليلة النصف من شعبان، وهي صلاة طويلة مستقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر ضعيف. وللعوامّ بها افتتان كبير والتزام سيما بكثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد، ويجري فيه من الفسوق والعصيان، واختلاط الرجال والنساء، ومن الفتن المختلفة والمنكرات، ما شهرته تغني عن وصفه وأصلها ما حكاه الطرطوشي فيما تقدم.
[ ١٣٩ ]
وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال: ما أدركت أحدًا من أصحابنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلًا على ما سواها، وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادًا النهري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: لو سمعته وبيدي عصًا لضربته بها. وكان زياد قاصًا. قال الحافظ أبو الخطاب: قال أهل التعديل والجرح: ليس في فضل النصف من شعبان حديث صحيح.
فتحفظوا عباد الله من مفتر يروي لكم حديثًا يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا عن رسول الله (، فإذا صح أنه كذب وخرج عن المشروعية وكان مستعمله من حزب الشيطان لاستعماله حديثًا كذبًا على رسول الله (لم ينزل الله
[ ١٤٠ ]
به من سلطان.
الوقيد ليلة النصف من شعبان
ثم قال ﵀: مما أحدثه المبتدعون وخرجوا به عما رسمه المشرعون رجوعًا فيه على سنن المجوس، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا: الوقيد ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيه شيء عن رسول الله (، ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد فيها ذو صدق من الرواة، وما أحدثه إلا متلاعب بالشريعة المحمدية وراغب في دين المجوسية، لأن النار معبودهم، وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة فدخلوا في دين الإسلام يموهون به على الطعام وهو يعلم الإيقاد في ليلة النصف من شعبان كأنه سنة من السنن، ومقصودهم عبادة النيران وإقامة دينهم، وهو أخس الأديان إذا صلى المسلمون فركعوا وسجدوا، وكان ذلك إلى النار التي أوقدوا ومضت على ذلك السنون والأعصار وتبعت بغداد فيه سائر الأمصار. وهذا مما يجتمع في تلك الليلة من الرجال والنساء واختلاطهم فالواجب على السلطان منعهم، وعلى العالم ردعهم، وإنما شرف شعبان: أن رسول الله (كان يصومه إلا قليلًا.
وما روي فيه من الأحاديث المرفوعة والآثار يقتضي أنها ليلة مفضلة، وليس فيها بيان صلاة مخصوصة، وإظهار ذلك على مثل ما ثبت من شعائر الإسلام، قال الشيخ الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ﵀
[ ١٤١ ]
في الحديث المختص بها الذي فيه صلاة الألفية هذا الحديث لا شك أنه موضوع، والحديث محال قطعًا، قال: وقد رأينا كثيرًا ممن يصلي هذه الصلاة يتفق له قصر الليل، فينامون عقبها عن صلاة الصبح، ويصبحون كُسالى والحديث الوارد في فضلها ضعيف كما تقدم، وما يترتب في هذه الليلة بسبب الوقيد لأجل هذه الصلاة من الفسوق والمعاصي وكثرة اللغط والخطف والسرقة وتنجيس مواضع العبادات وامتهان بيوت الله كل ذلك سببه الاجتماع للتفرج على كثرة الوقيد سببه تلك الصلاة المبتدعة المكروهة، وكل بدعة ضلالة، وكل اجتماع يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة هو المبتدع، ففرق بين ما يفعل من غير ميعاد وبين ما يتخذ سنة وعادة؛ فإن ذلك يضاهي المشروع وقد كره ابن مسعود وغيره من الصحابة اعتياد الاجتماع في مكان مخصوص، وهو المنصوص عن أحمد أنه، قيل له: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله تعالى ويرفعون أيديهم؟ فقال: ما أكره للإخوان إذا لم يجتمعوا على عهد إلا أن يكثروا. وأصل هذا أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سننًا ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية المتعبد، فإذا أُحدث اجتماع زائد كان مضاهاة لما شرعه الله تعالى وسنة رسوله، وفيه من المفاسد ما تقدم التنبيه عليه، بخلاف ما يفعله الرجل وحده أو الجماعة المخصوصة أحيانًا، أو نحو ذلك يفرق بين الكبير الظاهر، والقليل الخفي، والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل ما كان مشروع الجنس، لكن البدعة فيما اتخاذه عادة لازمة حتى يصير كأنه واجب.
[ ١٤٢ ]