خلق الله تعالى الخلق وفطرهم على معرفته سبحانه، وتوحيده لا شريك له، قال ﷿ مخاطبًا رسوله محمدًا ﷺ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ وقال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.
وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة – وفي رواية على الملة – فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة جمعاء٣، هل تحسون فيها من جدعاء" ٤ ٥.
_________________
(١) ١ الآية (٣٠) من سورة الروم. ٢ الآيتان (١٧٢، ١٧٣) من سورة الأعراف. ٣ الجمعاء: سليمة من العيوب، مجتمعة الأعضاء كاملتها فلا جدع بها ولا كي. النهاية لابن الأثير ١/ ٢٩٦. ٤ الجدعاء: مقطوعة الأطراف أو واحدها. النهاية لابن الأثير ١/ ٢٢٧. ٥ البخاري مع الفتح ٣/ ٢١٩.
[ ٥١ ]
وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم" ١.
وهذا دليل واضح أن الأصل في الناس أنهم مفطرون على الإسلام، وتوحيد الله ﵎، وأن الشرك والانحراف طارئ فيهم، ودخيل عليهم.
وحفاظًا على سلامة هذه الفطرة، وبقائها على توحيد الله ﷿ ومعرفته بعث الله تعالى أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم كتبه، هداية للناس إلى الصراط المستقيم، الموافق للفطرة التي فطرهم الله عليها، وحماية لهم من الضلال والانحراف عن سبيله القويم، قال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: الأنبياء أخوة من علات٣ وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد فليس بيننا نبي" ٤.
_________________
(١) ١ مسلم بشر ح النووي ١٧/ ١٩٧. ٢ الآية ٣٦ من سورة النمل. ٣ أولاد العلات: بفتح العين المهملة وتشديد اللام هم الأخوة لأب من أمهات شتى، والمعنى: أن أصل إيمانهم واحد وهو التوحيد، وشرائعهم مختلفة. ٤ مسلم بشرح النووي ١٥/ ١١٩.
[ ٥٢ ]
وفي هذا الفصل سأذكر – بإذن الله تعالى – نماذج من دعوة الرسل إلى توحيد الله ﷿ وأن الدعوة إلى توحيد الله كانت أول ما دعوا إليه أممهم وأن دعوتهم جميعًا متفقة على هذا الأمر، وسائرة على هذا الطريق.
[ ٥٣ ]
المبحث الأول: دعوة نوح ﵊
وهو أول الرسل وأحد أولي العزم منهم، بعثه الله تعالى حين انحرف الناس عن الدين الصحيح والتوحيد الحق، وظهر الشرك فيهم أول ما ظهر بعد أن كانوا على التوحيد الصحيح عشرة قرون بعد آدم ﵇ كما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"١.
ولما رأى الشيطان ذلك ما زال يوسوس ويزين ويلبس حتى استطاع أن يصل بهم في نهاية الأمر إلى تعظيم تلك الصور وعبادتها من دون الله، ثم انتقلت بعد ذلك إلى العرب ليقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من الشرك ولانحراف.
كما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهمدان، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما نسر فكانت لآل ذع الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت٢.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٤٢ والطبري في تفسيره ٢٩/ ٩٩ وقال: هذا إسناده موقوف صحيح، رجاله كلهم ثقات. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٦٧.
[ ٥٤ ]
فلما ظهر الشرك بعد أن لم يكن بعث الله نبيه ورسوله نوحًا ﵇ يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى وحده ويحذرهم من الشرك الذي وقعوا فيه، ويبين لهم خطورة ما هم عليه١، وقص الله تعالى علينا دعوة رسوله نوح ﵇ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم٢، ويمكن أن نلخص دعوته ﵇ إلى توحيد الله تعالى في المواقف التالية:
الأول: بداية بدء الدعوة
بدأ ﵇ دعوته بالتوحيد، والتحذير من الشرك وبيان خطورته ووخيم عاقبته، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٣.
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١/ ٩٤. ٢ منها سورة الأعراف، وهود، والأنبياء، والمؤمنون، والشعراء، والعنكبوت، والصافات، والقمر، وسورة كاملة هي سورة نوح. ٣ الآيات من (٢٥ – ٢٨) من سورة هود. ٤ الآية (٥٩) من سورة الأعراف.
[ ٥٥ ]
وآيات أخرى تبين أن الدعوة إلى توحيد الله ﷿ والنهي عن الشرك كانت أول ما بدأ به نوح ﵇ دعوته، وسار على ذلك الأنبياء والمرسلين من بعده١، ذلك أن التوحيد أول ما فرضه الله على عباده، وهو الذي من أجله بعث الأنبياء والرسل وأنزلت عليهم الكتب والرسالات، فكلما انحرف الناس عن هذا الطريق وزاغوا عنه، وظهر فيهم الشرك بالله تعالى بعث الله إليهم من يجدد لهم معالم هذه العقيدة، ويردهم إلى الصراط المستقيم وينقذهم من خطر الشرك والانحراف.
الثاني: براءة نوح من قومه ودعاؤه عليهم
ما رأى نوح ﵇ إصرار قومه على الكفر وتمسكهم به ودفاعهم عنه، ومكابرتهم للحق، رغم صبره على أذاهم، ومضيه في دعوته إلى دين الله تعالى ليلًا ونهارا ً، ذلك الزمن الطويل، وأن ذلك لم يزدهم إلا عتوًا واستكبارًا٢ توجه إلى ربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلاَّ فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ ٣، فأعلمه ربه ﷿ بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر كتاب دعوة التوحيد لخليل الهراس ص ١٢٨. ٢ انظر كتاب دعوة الرسل لمحمد أحمد العدوي ص ١٧. ٣ الآيات من (٥ – ٧) من سورة نوح. ٤ الآية (٣٦) من سورة هود.
[ ٥٦ ]
عند ذلك أعلن نوح براءته من قومه ودعا الله تعالى أن يهلكهم وأن يطهر الأرض من شركهم وضلالهم: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ ١. وكما قال عنه ربه تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ٢، وقد استجاب له ربه ﷾ كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ ٤.
وأهلك الله قومه الكافرين ومنهم ابنه الذي لم يفتأ يدعوه إلى الإيمان إلى أن أدركه الغرق، وكان يراجع ربه فيه حتى قال له ربه ﷿: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٥. عندها تبرأ نوح منه وسأل ربه المغفرة والرحمة، لأن علاقة النسب وكل علاقة دون علاقة الإيمان لا عبرة بها، إذا لم تكن علاقة الإيمان بالله تعالى.
_________________
(١) ١ الآيات من (٢٦ – ٢٨) من سورة نوح. ٢ الآية (١٠) من سورة القمر. ٣ الآية (٧٥) من سورة الصافات. ٤ الآية (٧٦) من سورة الأنبياء. ٥ الآية (٤٦) من سورة هود.
[ ٥٧ ]
وقد عوض الله نبيه نوحًا بأن جعل في ذريته إبراهيم ﵉ النبوة والكتاب، فما بعث نبي إلا وهو من ذريتهما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: "يخبر الله تعالى أنه منذ بعث نوحًا ﵇ لم يرسل بعده رسولًا ولا نبيًا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم ﵇ خليل الرحمن لم ينزل كتابًا ولا أرسل رسولًا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا هو من سلالته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ٢، حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما"٣.
وهكذا من ترك شيئًا لله تعالى عوضه الله خيرًا منه، والولاء لله تعالى مطلوب من كل مؤمن، والبراءة من كل كافر ومشرك مطلوب ولو كان أقرب الناس إليه، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) ١ الآية (٢٦) من سورة الحديد. ٢ الآية (٢٧) من سورة العنكبوت. ٣ الحافظ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣١٥.
[ ٥٨ ]
الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
الثالث: أهم الدروس والعبر من دعوة نوح ﵇
١- أن التوحيد كان أول ما دعا إليه نوح ﵇ قومه، وبدأ به دعوته، وكذلك الرسل من بعده.
٢- أن عقيدة التوحيد هي الأصل الذي كان عليه الناس من آدم ﵇ إلى أن ظهر الشرك في قوم نوح ﵇ بعد عشرة قرون، فقد كانوا قبل ذلك على التوحيد الصحيح الموافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها، والشرك حادث طارئ بعد أن لم يكن، وهذا معنى قوله ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
_________________
(١) ١ الآية (٢٣) من سورة التوبة. ٢ الآية (٢٢) من سورة المجادلة.
[ ٥٩ ]
جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أن معنى قوله ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي على الهدى والتوحيد، ثم اختلفوا بأن ظهر فيهم الشرك، فبعث الله تعالى رسله عليهم الصلاة والسلام وأولهم نوح ﵇، وبهذا القول قال ابن عباس رضي الله عنهماومجاهد وعكرمة وقتادة.
ومنهم من قال: إن معنى الآية: أنهم كانوا كفارًا، وروي هذا القول عن العوفي عن ابن عباس ﵄.
والقول الأول هو الصحيح لما يأتي:
أ- ما جاء في الحديث الصحيح سالف الذكر عن ابن عباس ﵄، أن الناس كانوا عشرة قرون على التوحيد بعد آدم ﵇.
ب– ما ثبت عن ابن مسعود وأبي بن كعب ﵄ أنهما كانا يقرءان هذه الآية: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ وهما ممن أمر النبي ﷺ أن يؤخذ القرآن عنهما٢.
_________________
(١) ١ الآية (٢١٣) من سورة البقرة. ٢ وهو: قوله ﷺ: "خذوا القرآن عن أربعة عن ابن أم عبد، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة " صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/ ١٧ – ١٨. وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٦٠ ]
جـ – ما جاء في الآية الأخرى في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية الكريمة: "ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم على دين واحد، وهو الإسلام، قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"، ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ "٢٣.
د – القول الأول أصح سندًا عن ابن عباس ﵄ من القول الثاني.
هـ – القول الثاني لا يناسب سياق الآية الكريمة، فقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مدح يشعر بالقوة والترابط والوحدة، وهذا لا يكون إلا بالإيمان والتوحيد، أما الكفر والشرك ففرقة وشتات كما قال
_________________
(١) ١ الآية (١٩) من سورة يونس. ٢ الآية (٤٢) من سورة الأنفال. ٣ ابن كثير تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤١١.
[ ٦١ ]
﷿: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ ٢.
وبهذا يتضح أن الأصل هو التوحيد الموافق للفطرة والشرك طارئ حادث، وأن الدعوة إلى التوحيد دعوة بالناس إلى الأصل الذي كانوا عليه، والفطرة التي فطرهم الله عليها، والشرك خروج عن ذلك وانحراف عنه، ولذلك اقتضت حكمة الله الحكيم الخبير أن يبعث أنبياءه ورسله وينزل الكتب للعودة بالبشرية إلى هذا المنهج القويم، وحمايتها من كل انحراف عنه وأول ذلك وأخطره الشرك بالله تعالى.
٣- من الدروس والعبر في عودة نوح ﵇: أن أول شرك ظهر في الأرض كان سببه الغلو في الصالحين، وتجاوز الحد في تعظيمهم، ولا يزال كذلك إلى يومنا هذا سببًا في وقوع كثير من الناس في الشرك بالله تعالى، والمطية الأولى التي يركبها الشيطان لفتنة بني آدم في دينهم وإيقاعهم في الشرك، وأول وسائله إلى ذلك تزيين إقامة الأنصاب والتماثيل والصور حتى يتعلقوا بها ثم لا يزال بهم حتى يعبدوها، كما جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما
_________________
(١) ١ الآية (١٤) من سورة الحشر. ٢ الآية (١٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٦٢ ]
رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ: "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى" وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها" ١.
فانظر كيف كان الغلو في الصالحين طريقًا إلى الشرك بالله تعالى مع طول الفارق الزمني، ولا يزال الشيطان يدخل على كثير من ضعفاء الإيمان من هذا الباب حتى يصل في نهاية الأمر إلى الشرك، نعوذ بالله من ذلك.
٤- من الدروس والعبر في دعوة نوح ﵇: تشابه صور الشرك وأعمال أهله في كل زمان ومكان مهما كان التفاوت الزمني في ذلك، فالأصنام التي ظهرت في قوم نوح أظهرها الشيطان للعرب فكانت فيهم يوم أن أظهرها عمرو بن لحي الخزاعي أخزاه الله، وما عمله المشركون في عهد نوح ويعمله المشركون في كل زمن من التعلق بالصالحين والغلو فيهم، ثم عبادتهم من دون الله ﷿.
٥- من الدروس والعبر في هذه الدعوة: أن رابطة الإيمان والعقيدة هي الرابطة الأولى التي تغني عن كل رابطة ولا تغني عنها رابطة مهما كانت قوتها أو قربها، وأن موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين أمر مطلوب من
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/ ٥٢٣.
[ ٦٣ ]
كل مؤمن، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية١. وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة المجادلة. ٢ الآية (٧١) من سورة التوبة. ٣ الآية (٧٣) من سورة الأنفال.
[ ٦٤ ]
المبحث الثاني: دعوة هود ﵇
أرسل الله ﷿ نبيه ورسوله هودًا ﵊ إلى قومه عاد وكانوا يسكنون الأحقاف. قال ابن عباس ﵄: "واد بين عُمان وأرض مَهْرَه". وقال ابن إسحاق: "الأحقاف رمل فيما بين عُمان إلى حضرموت". وقال قتادة: "الأحقاف دمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن". ولا خلاف بين هذه الأقوال، فهي تدل على مكان واحد جنوب الجزيرة وقرب حضرمت١.
وقد ظهر فيهم الشرك بالله تعالى وكانوا أول من أظهره وعبد الأصنام بعد هلاك قوم نوح ﵇ بالطوفان، فأرسل الله تعالى إليهم رسوله هودًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة غيره٢.
ونلخص دعوته ﵇ في المواقف التالية:
١- بداية دعوته ﵇:
وقد بدأها بالدعوة إلى توحيد الله ﵎، كما بدأها قبله نوح ﵇، وكما هي بداية دعوة جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. قال الله ﷿:
_________________
(١) ١ انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ١/ ١١٥. ٢ انظر البداية والنهاية ١/ ١١٣.
[ ٦٥ ]
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ٢.
فبينت هاتان الآيتان أن بداية دعوته كانت الدعوة إلى توحيد الله ﷿ وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، وردهم إلى الصراط المستقيم الذي انحرفوا عنه.
٢- إعلامه قومه أنه لا طمع له في أجر منهم إنما أجره من الله تعالى وحده:
فقد بين لهم أنه لا يريد منهم أجرًا على هذه الدعوة، إنما يريد منهم الاستجابة لما جاء به من عند الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣.
وهذا منهج الأنبياء والرسل جميعًا، وإنك لو قرأت دعوة الرسل جميعهم لرأيتهم جميعهم يواجهون قومهم بهذا القول، ليعرفوا أن شأن الرسل تمحيض النصح لأقوامهم، وذلك لا يكون إلا خلت دعوتهم عن
_________________
(١) ١ الآية (٦٥) من سورة الأعراف. ٢ الآية (٥٠) من سورة هود. ٣ الآية (٥١) من سورة هود.
[ ٦٦ ]
المطامع، وتمحضت لإرضاء الله تعالى، والرغبة فيما عنده من ثواب، ولذلك عقب ذلك بقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إذ ترون نصيحة من لا يطلب أجرًا إلا من الله١.
وما من شك أن هذا أبلغ في الدعوة وأدعى للاستجابة وأشرف لجانب الدعوة وصاحبها، فكم من دعوة حطمتها الأطماع الشخصية، والأهداف الدنيئة.
٣- صبره ﵇ على أذى قومه
فقد ناصبوه العداء واتهموه بالسفه وضعف العقل، وكذبوا دعوته، وأصروا على ما هم عليه من الشرك والضلال، وهو صابر على أذاهم، مستمر في دعوتهم إلى الله تعالى مرشد لهم إلى ما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، محذر لهم عذاب الله الأليم إن هم أصروا على إعراضهم
وكفرهم وتكذيبهم لرسوله، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ
_________________
(١) ١ محمد أحمد العدوي دعوة الرسل ص ٢١.
[ ٦٧ ]
وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقد جاءت قصة دعوة هود قومه في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم٢.
٤- نهاية عاد:
كانت عاد أول من أحدث الشرك في الأرض بعد الطوفان، بعد أن أهلك الله الشرك وأهله بالطوفان، ومع ما قام به هود ﵇ من دعوتهم وتذكيرهم بنعم الله عليهم وتحذيرهم من عذابه، مع ذلك كله لم يزدادوا إلا عتوًا واستكبارًا وسخرية به وبدعوته واستهزاءًا، فأرسل الله تعالى عليهم عذابه ريحًا شديدة، وسحابًا ظنوه مطرًا ورحمة وهو العذاب الأليم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ
_________________
(١) ١ الآيات من (٦٥ – ٧٢) من سورة الأعراف. ٢ في سورة الأعراف، وفي هود، والشعراء، والعنكبوت، وفصلت، والأحقاف، وق، والذاريات، والقمر، والحاقة، والفجر.
[ ٦٨ ]
مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ٣.
فقد أهلكهم الله ﷿ لما كذبوا رسوله وأصروا على شركهم وضلالهم ونزل بهم عذابه وبأسه الذي لا يرد، جزاءًا وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد. وهكذا نهاية كل من أشرك بالله تعالى غيره ورد دعوة أنبيائه ورسله.
جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يبتسم، وقالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا
_________________
(١) ١ الآيات من (٢١ – ٢٦) من سورة الأحقاف. ٢ الآيات من (٦ – ٨) من سورة الحاقة. ٣ الآيات من (٥٨ – ٦٠) من سورة هود.
[ ٦٩ ]
الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا" ١.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٨/ ٥٧٨، ١٠/ ٥٠٤. ومسلم بشرح النووي ٦/ ١٩٧.
[ ٧٠ ]
المبحث الثالث: دعوة رسول الله صالح ﵊
بعثه الله تعالى إلى ثمود، وكانوا بعد عاد، وكانوا يعبدون الأصنام، وكانت مساكنهم في وادي الحجر شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام١، وهي مجاورة لمدينة العلا وتابعة لها.
وقد مر بها رسول الله ﷺ في سيره إلى غزوة تبوك عام ثمانية من الهجرة النبوية، ونهى أصحابه أن يشربوا منها أو يستقوا، وأمرهم أن يهريقوا الماء وأن يعلفوا العجين الذي عجنوه بمائها للدواب.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "لما نزل بالحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء" ٢. وعنه ﵁ أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها واعتجنوا به، "فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة" ٣. وعنه ﵁: أن النبي ﷺ لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا، إلا أن تكونوا باكين
_________________
(١) ١ انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/ ٢٢١. ٢ البخاري مع الفتح ٦/ ٣٧٨. ٣ البخاري مع الفتح ٦/ ٣٧٨.
[ ٧١ ]
أن يصيبكم ما أصابهم" ثم تقنع بردائه وهو على الرحل" ١.
وكانت ثمود كما سبق ذكره يعبدون الأصنام كما كان أسلافهم عاد، فأرسل الله إليهم نبيه ورسوله صالحًا ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما هم عليه من عبادة غيره، وكان يذكرهم بأسلافهم عاد وكيف كانت نهايتهم، وكيف أن الله تعالى أورثهم الأرض من بعدهم، وأغدق عليهم النعم الكثيرة، ولكنهم ردوا دعوته، وأعلنوا معارضته، وتحدوه بطلب آية من الله ﷿ تدل على صدقه، وقد جاءت قصة صالح ﵇ مع قومه في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل٢.
وفيما يلي أهم المواقف في دعوته ﵇:
١- بدء دعوته ﵇:
بدأ صالح ﵊ دعوته قومه بالدعوة إلى التوحيد ونبذ ما هم عليه من الشرك وعبادة غير الله ﷿ من الأصنام وغيرهم فكان يذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم ويحذرهم وينذرهم عاقبة الذين كذبوا الرسل من قبل وما حصل لقوم عاد، قال الله ﵎: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ٣٧٨. ٢ منها: سورة الأعراف، وهود، والحجر، والإسراء، والشعراء، والنمل، وفصلت، والقمر، والشمس.
[ ٧٢ ]
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ١. فقد بدأهم بالدعوة إلى التوحيد الذي انحرفوا عنه، كما دعا إليه من قبله من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
- موقف قومه من دعوته:
كانت ثمود من الأمم المفرطة في اللذات من مطعم ومشرب ومسكن، وبلغوا في ذلك الترف مبلغًا أوقعهم في السرف والعصيان والتمرد على كل دعوة حق لظنهم أن ما هم فيه دائم لا يزول، فعاثوا في الأرض فسادًا وسخروا من صالح ﵇ ودعوته ومن آمن معه، وناصبوهم العداء وأعرضوا عن الصراط المستقيم الذي جاء به. قال الله ﷿: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٢. كما قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ
_________________
(١) ١ الآية (٦١) من سورة هود. ٢ الآيتان من (٦٢ - ٦٣) من سورة هود.
[ ٧٣ ]
مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ١.
ومع تلطفه في دعوته طمعًا في هدايتهم، وتذكيره لهم بنعمة الله تعالى عليهم، ومكانته المعروفة لديهم واشتهاره بينهم بالصدق والأمانة وحسن الخلق فيهم مع ذلك كله اتهموه بالسحر، والسفه، وسخروا منه ومن دعوته، وأنهم كان لهم فيه رجاء وطمع قبل أن يظهر عليهم بهذه الدعوة الجديدة، وهذا منطق أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعًا من قبل صالح ﵇ ومن بعده ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٢، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٣.
واستمر ﵇ في دعوته يلح عليهم ويخوفهم عذاب الله ولم يتبعه منهم إلا القليل المستضعفون فلما رأوا ذلك منه طلبوا منه آية، فأسل الله تعالى الناقة آية وابتلاءًا لهم وحذرهم وأخذ عليهم المواثيق، أن لا يمسوها بسوء٤، وأنذرهم أن عذابهم مرتبط بذلك وحذرهم أشد التحذير، ولكنهم خالفوه وعصوا أمره وعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم.
_________________
(١) ١ الآيات من (١٤١ – ١٥٢) من سورة الشعراء. ٢ الآية (٦٢) من سورة هود. ٣ الآيتان (١٥٣ – ١٥٤) من سورة الشعراء. ٤ انظر كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير ٢/ ٢٢٩.
[ ٧٤ ]
١- نهاية قوم صالح:
طلب قوم صالح أن يأتيهم بآية تحديًا له وتعللا في رد دعوته، فأرسل الله تعالى لهم الناقة فتنة لهم، وبين لهم أن لها شرب يوم ولهم شرب يوم وحذرهم من المساس بها بأي نوع من أنواع السوء، وأنهم إن فعلوا ذلك فإن العذاب واقع بهم. ولكنهم خالفوا ذلك وارتكبوا ما نهاهم الله عنه وعقروا الناقة فجاءهم العذاب صيحة من السماء ورجفة من الأرض فاضت بها أرواحهم وزهقت لها نفوسهم وهلكوا جميعًا إلا صالحًا ومن آمن معه، وهكذا انتهوا إلى هذه النهاية الأليمة جزاء تكذيبهم وردهم لدعوته إلى الله تعالى، وهي نهاية كل مشرك مكذب، ولعذاب الآخرة أكبر١. قال الله جل شأنه: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ٢.
هكذا نزل بهم ما حذرهم منه رسولهم صالح ﵇، فكانت نهايتهم الأليمة وعاقبتهم الوخيمة عبرة وعظة لكل معتبر متعظ، فتلك
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢٢٩. ٢ الآيات من (٦١ – ٦٨) من سورة هود.
[ ٧٥ ]
ديارهم خاوية على عروشها باقية إلى زماننا هذا. فليحذر أهل الشرك والضلال أن يحل بهم ما حل بأولئك فإن الله يمهل ولا يهمل، فإذا أخذ الظالم لم يفلته. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١.
آيات وعبر من دعوة صالح ﵇:
- البدء في دعوته بالتوحيد كما هي دعوة الرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام.
- أن نعم الله ﷿ على عباده إذا لم تصرف في طاعته سبحانه وطاعة رسله فإنها تنقلب نقمة وعذابًا على أهلها.
- أن الله تعالى ناصر رسله وأتباعهم وإن كانوا قلة مستضعفين، وأن الكثرة لا قيمة لها ولا عبرة بها إذا لم تكن على الحق.
- أن طلب المعجزات والآيات إذا لم يتبعه الإيمان الصادق فإن العقوبة على ذلك تنزل عاجلة.
- أن آثار المعاصي والآثام قد تمتد إلى أزمنة بعيدة ليتعظ بها من بعدهم.
- أن آثار المعاصي والآثام قد تصل إلى الأراضي والمياه وغيرها، ولذلك نهى رسول الله ﷺ أصحابه عن دخول أرضهم إلا وهم باكون، ونهاهم عن الشرب من مائها، والأكل مما عجن بذلك الماء.
_________________
(١) ١ الآية (١٠٢) من سورة هود.
[ ٧٦ ]
المبحث الرابع: دعوة إبراهيم الخليل ﵊
هو أبو الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم بن آزر ﵊، جعل الله تعالى في ذريته النبوة والكتاب، فما نزل كتاب من السماء بعده ﵇ إلا كان في ذريته وشيعته، وهذه مرتبة عظيمة ومقام رفيع اختص الله بها خليله إبراهيم عليه السلام١.
قال ﷿: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٣.
وقد بعث الله تعالى خليله إبراهيم ﵇ في فترة من الرسل عم فيها الشرك بأنواعه الأرض وسادت الوثنية واستحكم الجهل والضلال، فاختار الله رسوله إبراهيم واصطفاه لهذه المهمة العظيمة، فقام بها خير قيام، وأدى الأمانة خير أداء، وهو أحد أولي العزم من الرسل، دعا الله ﷿ أن يبعث رسولًا في هذه الأمة فاستجاب الله تعالى دعوته وبعث
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية لابن كثير ١/ ١٥٦. ٢ الآية (٢٧) من سورة العنكبوت. ٣ الآية (٢٦) من سورة الحديد.
[ ٧٧ ]
خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا ﵊، وكان من إكرام الله تعالى لخليله ﵇ أن أمر رسوله محمدًا ﷺ وأمته باتباع ملة إبراهيم ﵇، وقص الله تعالى دعوة إبراهيم عليه في سور كثيرة من كتابه١.
والحديث عن إبراهيم ﵇ ودعوته طويل، والمواقف والعبر فيها كثير، أكتفي بذكر أهمها:
١- في دعوة أبيه٢:
كان أبوه أول المكذبين بدعوته، والمعرضين عنها، والمعارضين لها، وقد بذل إبراهيم ﵇ جهده في دعوة أبيه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتخليصه من عبادة غير الله تعالى، واتسمت دعوته لأبيه بالأدب الجم والتواضع العظيم، مع بلاغة في الحجة، وقوة في البرهان، وقص الله
تعالى ذلك في كتابه الكريم فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ
_________________
(١) ١ منها: سورة الأنعام، وإبراهيم، ومريم، والأنبياء، والشعراء، والصفات، والممتنحة. ٢ اسمه: آزر بن ناحور، وقيل: اسمه تارح، والصواب آزر لما ورد من التصريح به في آية الأنعام، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَر﴾ . وما جاء في البخاري مع الفتح ٦/ ٣٨٧ من حديث رسول الله ﷺ: "يلقى إبراهيم أباه آزر وعلى وجه آزر قترة وغبرة". وقيل: له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١/ ١٣٢ – ١٣٤.
[ ٧٨ ]
شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ١
يعرض القرآن الكريم هذا الحوار بين إبراهيم ﵇ وأبيه أبلغ العرض وأحسنه، وقد تجلت فيه حكمة إبراهيم الخليل ﵇ وأدبه مع أبيه، وحرصه على هدايته إلى الصراط المستقيم، وما قابله به أبوه من التكذيب والتهديد والوعيد الذي لم يزد إبراهيم عليه إلا أدبًا إلى أدبه وحرصًا وصبرًا على دعوة أبيه ووعده بأن يستغفر الله تعالى له، وقد وفى بوعده ﵇، حتى نهاه الله تعالى عن ذلك فانتهى.
ولم يقتصر حرصه على هداية أبيه في الدنيا بل سيكون ذلك حتى في يوم القيامة، فقد أخرج البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، وعدتني أن لا تخزني يوم
_________________
(١) ١ الآيات من (٤١ – ٤٨) من سورة مريم.
[ ٧٩ ]
يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار"١.
وهذا الحرص من الخليل ﵇ على هداية أبيه يشبه حرص رسول الله ﷺ على هداية عمه أبي طالب، وحرصه الشديد على ذلك حتى وهو في سكرات الموت، وهو يقول:"يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"٢،ولكن جلساء السوء ما زالوا به يذكرونه ما كان عليه من دين آبائه وأجداده حتى مات وهو على كفره، ووعد رسول الله ﷺ بالاستغفار له حتى نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٣.
ونزل في أبي طالب خاصة: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/ ٣٨٧. ٢ البخاري مع الفتح ٨/ ٥٠٦، ومسلم بشرح النووي ١/٥٤ من حديث المسيب بن حزن ﵁. ٣ الآيتان من (١١٣ – ١١٤) من سورة التوبة. ٤ الآية (٥٦) من سورة القصص.
[ ٨٠ ]
وحين رأى إبراهيم ﵇ إصرار أبيه على الكفر، وإعراضه وعداءه للحق، وعدم استجابته لدعوته، عند ذلك أعلن البراءة منه، كما بينت ذلك الآية التي سبق ذكرها، وكما جاء في قوله تعالى: في براءته ﵇ مما كان أبوه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١.
وهذه البراءة التي أعلنها الخليل ﵇ من الشرك وأهله، وأولهم أقرب الناس إليه أبوه، هذه البراءة من أول لوازم تحقيق التوحيد وإخلاصه لله ﷿، وهي مرتبة عالية يصل إليها من رزقه الله تعالى إيمانًا صادقًا وعملًا صالحًا خالصًا لله وحده، وكلمة التوحيد لا إله إلا الله معناها الولاء والبراء، وهي العروة الوثقى، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. وقد أولى القرآن الكريم والسنة النبوية عقيدة الولاء والبراء اهتمامًا كبيرًا، قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
_________________
(١) ١ الآية (٢٦) من سورة الزخرف. ٢ الآية (٢٥٦) من سورة البقرة.
[ ٨١ ]
وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.
ومن السنة ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٤.
وما جاء في الصحيحين أيضًا عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة المجادلة. ٢ الآية (٢٣) من سورة التوبة. ٣ الآية (٢٤) من سورة التوبة. ٤ البخاري مع الفتح ١/ ٥٨، ومسلم بشرح النووي ١/ ٦٧.
[ ٨٢ ]
الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" ١.
فهذان الحديثان وغيرهما يدلان على أن المسلم يجب أن تكون ولايته ومحبته لله تعالى، ولرسوله ﷺ، لا يجوز له أن يشرك فيهما أحدًا مهما كانت قرابته أو مكانته، كما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: "لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال: "والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي، فقال: "الآن يا عمر"٢.
والآيات والأحاديث وأقوال السلف في هذا الباب كثير، في الأمر بالولاء والبراء لله تعالى والنهي عما يخالفه، وبيان لمن يكون الولاء٣.
٢- دعوته قومه:
دعا إبراهيم ﵇ قومه إلى توحيد الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له، واجتهد في ذلك أعظم اجتهاد، وسلك كل طريق ظنه موصلًا إلى هدايتهم، وقبولهم للحق الذي جاء به، وبعدهم عن الباطل، وأتاه الله ﷿ الحجة البالغة على قومه، ومن أساليبه وطرقه في دعوة قومه:
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/ ٦٠، ومسلم بشرح النووي ١/ ٦٦. ٢ البخاري مع الفتح ١١/ ٥٢٣. ٣ انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٦٩ – ٧٢، وكتاب فتح المجيد ص ٢٨٩ – ٣٠٠، والفتاوى لابن تيمية ١/ ١٤٦ – ١٤٧
[ ٨٣ ]
أ) دعوتهم بطرق الاستدراج:
فحين جَن عليه الليل رأى كوكبًا من الكواكب، فقال لقومه على سبيل الاستدراج والتهكم ﴿هَذَا رَبِّي﴾، فلما غاب عنه قال: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فكيف يصلح هذا الكوكب أن يكون ربًا وإلهًا وهو يحضر أحيانًا ويغيب أحيانًا؟. وكذلك قال لما رأى القمر، والشمس، قال الله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١. فقد استدرجهم ﵇ حتى كشف لهم بطلان
_________________
(١) ١ الآيات من (٧٥ – ٨٣) من سورة الأنعام.
[ ٨٤ ]
ما هم عليه من عبادة الكواكب من دون الله تعالى١.
وهذه مهارة ودهاء وحكمة منه ﵇، إذ جعلهم بأنفسهم يقيمون الحجة على أنفسهم، ووضع أيديهم على مواطن الضعف منهم، وظهر لهم في موقف الباحث لئلا ينفروا منه، حتى أبطل حججهم، وأظهر باطلهم، وبعد ذلك أعلن لهم عقيدته الحقة، وبراءته منهم ومن شركهم، وولاءه وتوحيده لله تعالى وحده لا شريك له، وثقته به سبحانه، وعدم خوفه مما يشركون، وأن الخوف لهم وفيهم لشركهم بالله تعالى وعبادتهم غيره، وهذه القوة في الحجة والبلاغة في البرهان نعمة وفضل تفضل الله به خليله إبراهيم عليه السلام٢.
وفي هذه الآيات وعد بالأمن والهداية من الله تعالى لنبيه إبراهيم ﵇ ولكل موحد، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، وقد بين الرسول ﷺ المقصود بالظلم في الآية، حين شق ذلك على أصحابه ﵃ وقالوا لرسول الله ﷺ: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: "ليس بالذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:
_________________
(١) ١ انظر تفسير البغوي ٤/ ٣٠. ٢ انظر بداية والنهاية لابن كثير ١/ ١٣٤ – ١٣٥، والتفسير لابن كثير ٢/ ١٥٠ – ١٥٣، وكتاب دعوة الرسل لمحمد أحمد العدوي ص ٤٤.
[ ٨٥ ]
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك"١.
وقصة إبراهيم ﵇ مع عباد الكوكب، زعم بعض المؤرخين أنها وقعت حين خرج من السرب وكان صغيرًا، وممن ذكر ذلك ابن إسحاق.
وذلك غير صحيح مصدره أخبار إسرائيلية، والصحيح أن ذلك كان في دعوته ومناظرته لأهل حران عباد الكواكب.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كانوا يعبدونها، وهذا يرد على من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرًا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولاسيما إذا خالفت الحق، وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها، وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها"٢.
ومن أساليبه ﵇ في دعوته قومه:
ب) بيان عجز آلهتهم وضعفها:
بين ﵇ ضعف آلهتهم وعجزها، وأنها جمادات لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا ضرًا، وعزز ذلك بالدليل المادي على ذلك إذ كسرها وعلق الفأس في رقبة كبيرها، فلم تستطع دفع الضرر عن نفسها، قال الله
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/ ٤٦٥. ٢ ابن كثير – البداية والنهاية ١/ ١٣٥.
[ ٨٦ ]
سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا
_________________
(١) ١ الآيات (٨٣ – ٩٨) من سورة الصافات.
[ ٨٧ ]
يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ١.
وفي هذا الموقف أقام إبراهيم ﵇ الحجة بالغة على قومه، وقدم لهم الدليل الحسي المادي على بطلان عبادتهم لهذه الأصنام، وكيف أنها عجزت عن دفع الضر عن نفسها، فكيف يطمعون أن تدفع عنهم ضرًا، أو تجلب لهم نفعًا، ويصرفون لها العبادة من دون الله ﵎ الذي يملك النفع والضر وحده لا شريك له، فهو المستحق للعبادة دون سواه.
ولكنهم مع ذلك كله أبوا إلا المكابرة والإصرار على الباطل رغم وضوح الحجة وظهور البرهان، وانكشاف بطلان عبادتهم، واستحكم الجهل في نفوسهم، وسيطر التعصب للباطل على عقولهم، وقررا الانتقام من إبراهيم ﵇ بإحراقه ولكن الله تعالى نجاه من كيدهم
_________________
(١) ١ الآيات م (٥١ – ٧٠) من سورة الأنبياء.
[ ٨٨ ]
ومكرهم، وأكرمه، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وخذل أعداءه وأهلكهم بما ظلموا.
٣- موقفه ﵇ مع مدعي الربوبية:
ذكر المفسرون أن مدعي الربوبية هذا هو النمرود بن كنعان، ملك بابل، ونقل ذلك مجاهد وغيره١، وقد دارت بينه وبين إبراهيم ﵇ مناظرة انتهت بهزيمة عدو الله، الذي ظن أنه بقتله رجلًا وعفوه عن آخر قد تحتم قتلهما، ظن ذلك الجاهل أنه يحيي ويميت، ولكن إبراهيم ﵇ وقد آتاه الله ﷿ قوة الحجة، أفحمه من أول وهلة، إذ طلب منه ما دام أنه يدعي الربوبية أن يأتي بالشمس من المغرب بدلًا من المشرق، فالرب لابد أن يكون قادرًا على التصرف كيف شاء، ولكن ذلك الكافر المكابر عجز وبهت، كما قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وهكذا شأن الطغاة يظنون أنهم بتلبيسهم على بعض عوام الناس وجهلتهم قادرون على تحقيق مقاصدهم الشيطانية، وأطماعهم الفاسدة، كما فعل فرعون مع قومه، وكما هو شأن الطغاة في كل زمان ومكان،
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية ١/ ١٣٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/ ٢٨٣، ٢٨٤. ٢ الآية (٢٥٨) من سورة البقرة.
[ ٨٩ ]
ولكنه ما إن تشرق شمس الحق ونوره، يتبدد ظلام باطلهم، وينهزم كبرياؤهم، وتدحض حجتهم ويفضح الله أمرهم١.
بعض الدروس والعبر من دعوة خليل الله إبراهيم ﵇:
الدروس والعبر من دعوة إبراهيم ﵇ كثيرة أكتفي بذكر بعضها:
- الصبر العظيم:
وقد كان هذا أعظم زاد تزود به إبراهيم ﵇، وأقوى سلاح تسلح به، حتى كان من أولي العزم من الرسل، فمع عناد قومه وإيذائهم له وردهم لدعوته ومحاربتهم لها، وفي مقدمتهم أبوه، وكانت العداوة منهم جميعًا لإبراهيم ﵇ على كافة مستوياتهم، ولم يؤمن به أحد منهم، فصبر وصابر وجاهد، وأخبر الله تعالى عنه أنه أمة، قال ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
- قوة الحجة:
وهي نعمة عظيمة تفضل الله ﷿ بها عليه، فكان كثير ما يناظر قومه فيظهره الله عليهم، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ
_________________
(١) ١ انظر معالم التنزيل للبغوي ١/ ٢٤٢. ٢ الآية (١٢٠) من سورة النحل.
[ ٩٠ ]
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وهذه النعمة يؤتيها الله ويمتن بها على أنبيائه وأتباعهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
- تنوع أساليب الدعوة وطرقها في دعوته:
وهذا ظاهر في دعوته ﵇، فتارة بالاستدراج، كما فعل مع عباد الكواكب، وتارة بإقامة الأدلة الحسية على بطلان عبادتهم لغير الله، كما فعل بأصنامهم حين كسرها وعلق الفأس في رقبة كبيرهم، وأحيانًا بالمناظرة كما فعل بالذي ادعى الربوبية، ومرة بإظهار الشفقة والخوف عليهم من العذاب كما فعل مع أبيه.
وهذا التنويع مطلوب في الدعوة إلى الله تعالى حتى تصل إلى قلوب الناس، والدعاة محتاجون إلى هذه الأساليب لاختلاف أفهام الناس ومداركهم.
- الولاء والبراء في دعوته ﵇:
فقد كان إبراهيم في دعوته لهم وتنوعه أساليب هذه الدعوة، يظهر لهم في كل موقف أن ولاءه لله وحده لا شريك له وخوفه منه وحده، وبراءته منهم ومما هم عليه من الشرك والضلال، حتى جعل الله ذلك أسوة للمؤمنين من هذه الأمة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ
_________________
(١) ١ الآية (٨٣) من سورة الأنعام.
[ ٩١ ]
إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١. وسبق الكلام عن ذلك عند الحديث عن دعوته أباه.
وجاءت الآيات في أكثر من سورة تبرئ إبراهيم من الشرك، وتشهد له بالتوحيد، وهذا أول ما يجب أن يتحلى به كل داعية أن يعلن ولاءه لله تعالى، وبراءته من كل ما سواه، وهو كذلك أول ما يجب أن يتحلى به كل مسلم كما قال الله تعالى لرسوله محمدصلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية (٤) من سورة الممتحنة. ٢ الآيتين (١٦٢، ١٦٣) من سورة الأنعام.
[ ٩٢ ]
المبحث الخامس: دعوة موسى ﵊
وهو نبي الله ورسوله موسى ﵊ ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب ﵇، قال الحافظ في الفتح: لا اختلاف في نسبه١.
وهو أحد أولي العزم من الرسل، كليم الله ورسوله إلى بني إسرائيل، بعثه الله وقد طغى فرعون واستكبر في الأرض بغير الحق، وبلغ شره البلاد والعباد ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢.
والطائفة المذكورة في الآية هم بنوا إسرائيل، وقد بلغ فرعون من الفساد والإلحاد والطغيان مبلغًا فاق به كل كفر وإلحاد، فقد ادعى الربوبية والألوهية على قومه، وأنه لا إله غيره، كما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر فتح الباري للحافظ ابن حجر ٦/ ٤٢٢. ٢ الآية (٤) من سورة القصص. ٣ الآية (٣٨) من سورة القصص.
[ ٩٣ ]
وقال جل شأنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ ١.وقال مهددًا لرسول الله موسى ﵇: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٢. فدعاه
موسى ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وشد الله أزر موسى بأخيه هارون ﵇ وأناط بهما دعوة بني إسرائيل وتخليصهم من عبودية فرعون وجبروته واستذلاله لهم، رغم ما بذله فرعون لصد هذه الدعوة والقضاء عليها منذ أن أخبره الكهان والمنجمون عن أمر موسى، ولكن الله تعالى غالب على أمره، وناصر رسله وأتباعهم، نصر موسى وهارون وأهلك فرعون وجنوده، وأورث بني إسرائيل الأرض من بعدهم: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ٣.
وقد ذكر الله تعالى قصة موسى ودعوته في مواضع كثيرة من كتابه الكريم٤.
_________________
(١) ١ الآية (٢٤) من سورة النازعات. ٢ الآية (٢٩) من سورة الشعراء. ٣ الآيتان (٥ – ٦) من سورة القصص. ٤ في سورة المائدة، والأعراف، ويونس، وإبراهيم، وطه، والمؤمنون، والشعراء، والنحل، والقصص، وغافر، والزخرف، والدخان.
[ ٩٤ ]
والحديث عن موسى ﵇ ودعوته طويل والمواقف فيه كثيرة، أكتفي بذكر أهمها:
١- تكليم الله تعالى له وبدء الرسالة:
بعد أن قضى موسى الأجل الذي اتفق عليه مع صاحب مدين، وكان ﵇ قد قضى أتم الأجلين وأكملهما، كما ورد عن سعيد بن جبير ﵀ قال: "سألني يهودي من أهل الحيرة، أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس فقال: "قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل"١.
بعد ذلك سار موسى ﵇ بأهله في ليلة مظلمة مطيرة باردة، وتاهوا عن الطريق المألوف، وفي تلك الحال رأى نارًا عن بعد، في جانب جبل الطور، فأمر أهله بالمكوث وذهب يلتمس خبر النار، فلما وصل كان وعد الله في ذلك المكان، وسمع النداء الإلهي من الشجرة، وأراه ربه ﷿ من الآيات والمعجزات ماشاء سبحانه، وحصلت له أمور عظيمة في تلك البقعة، وهي: كلام الله ﷿ له، وجعله رسولًا، وإظهار المعجزات على يديه٢. قال الله عز ووجل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ١/ ٢٢٩. ٢ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٣٨٧، ٣٨٨، ومعالم التنزيل للبغوي ٣/ ١٤٤، والبداية والنهاية لابن كثير ١/ ٢٣٠ – ٢٣١.
[ ٩٥ ]
أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٢.
وقال جل شأنه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَارًا فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ
_________________
(١) ١ الآيات من (٧ – ١٤) من سورة النمل. ٢ الآيات من (٢٩ – ٣٢) من سورة القصص.
[ ٩٦ ]
يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ٢.
فقد بينت الآيات السابقة ما حصل لموسى ﵇ بعد خروجه بأهله من مدين إلى مصر، وما رأى من آيات ربه تعالى إعدادًا له تهيئة لحمل الرسالة، وما سيلاقيه في سبيلها.
وفي فهم هذه الآيات زلت أقدام أقوام وانحرفت أفهامهم عن الطريق المستقيم في فهم كتاب الله تعالى، فزعموا أن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة، وسمع ذلك موسى من الشجرة، لا أن الله سبحانه هو المتكلم فعلًا٣.
_________________
(١) ١ الآيات من (٩ – ١٦) من سورة طه. ٢ الآيات من (١٥ – ١٩) من سورة النازعات. ٣ أول من أنكر تكليم الله تعالى لموسى هو الجعد بن درهم، الذي تتلمذ عليه الجهم ابن صفوان مؤسس الجهمية، وقد قتله – أي الجعد – خالد بن عبد الله القسري، فالجهمية ينكرون صفة الكلام حقيقة، ومنهم من يقر باللفظ ولكن يقول بأن الله خلق الكلام في غيره كقول المعتزلة الذين يقولون: إن الله تعالى كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة، وحقيقة الكلام عندهم أنه خلق الكلام في غيره كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى. والأشاعرة يقولون: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، والحروف والأصوات عبارة عنه. انظر: الفتاوى لابن تيمية ١٢/ ٥٠٢ – ٥٣١، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٥/ ١٥٩-١٦١ تحقيق د. محمد رشاد سالم، وشرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٣، ١٨٤.
[ ٩٧ ]
وهذا من الضلال المبين في فهم كتاب الله تعالى، ومن تقديم العقول العاجزة القاصرة عليه، إذ لم يفهموا معنى النداء، وأنه الكلام من بُعْد، كما لم يفهموا معنى قوله تعالى: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ فأنت حين تقول: سمعت كلام فلان من البيت، ليس معنى ذلك أن البيت هو المتكلم.
وكذلك ضلوا عن فهم ما بعد ذلك، فلو كان الأمر كما زعموا أن الكلام مخلوق في الشجرة، فمن الذي يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ هل تقول ذلك الشجرة؟ وهل تقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟.
وعلى فهمهم ففرعون لم يكن مخطئًا حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وهذا من فساد العقول وانحراف الأفهام، نعوذ بالله من ذلك.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى، فهذه مناقضة لنص القرآن، فهو أعظم من القول بأن القرآن
[ ٩٨ ]
مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله، والذي يقول: القرآن مخلوق هو في المعنى موافق له، فلذلك كفره السلف"١.
الموقف الثاني: بدء دعوة موسى ﵇
ما تقدم ذكره مما حصل لموسى ﵇ من آيات ربه سبحانه وكلامه له، كان تهيأة للمهمة العظيمة التي اختاره الله تعالى لها، وإشعارًا بالرسالة التي اصطفاه الله لحملها، وعدة له في دعوته فرعون وملأه.
قد أدرك ﵇ ثقل هذه المسئولية، وجسامة العبء، وشكى ذلك لربه سبحانه مع ما سلف منه من قتل القبطي، إضافة إلى ما يشعر به من عدم فصاحة اللسان ومشيرًا إلى فصافحة أخيه هارون، فأوحى إليه ربه بأنه معه وناصره في دعوته ومؤيده في مسيرته. ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا
_________________
(١) ١ ابن تيمية: الفتاوى ١٢/ ٥٠٨.
[ ٩٩ ]
بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
هذه الآيات البينات تحكي قصة دعوة موسى، منذ بدايتها ووعد الله له بالتأييد، ثم ما واجهه من فرعون من الطغيان والتكبر، فقد أعلن ادعاه للربوبية معارضًا به دعوة موسى ﵇ ومستنكرًا لها، ومتهمًا أنها سحر مختلق من عند موسى، ثم كيف كانت نهايته وعاقبة تكذيبه لهذه الدعوة. وتكبره على رسول الله موسى ﵇ واستخفافه بأمور الله، وله يوم القيامة عذاب وخزي فوق ذلك٢.
وكان موسى ﵇ قد بدأه بتذكيره بعظمة الخالق سبحانه، مستدلًا ومذكرًا لهم ببعض هذه الآيات التي يشاهدونها، وأن الذي أوجدها هو الإله الحق المستحق للعبادة وحده.
_________________
(١) ١ الآيات من (٣٢ – ٤٠) من سورة القصص. ٢ انظر دعوة الرسل للعدوي ص ٢٧٤.
[ ١٠٠ ]
الموقف الثالث: مناظرة موسى لفرعون
وقد قص الله تعالى في القرآن في أكثر من موضع مناظرة موسى ﵇ لفرعون، وكيف كان فرعون يلجأ فيها إلى المكابرة والتهديد بالقوة والبطش، وهذه حيلة العاجز عن المناظرة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قَالَ كَلاَ فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ قَالَ
[ ١٠١ ]
لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ ١.
لقد كانت هزيمة فرعون في هذه المناظرة من أول الوهلة، ولكنه كان يسترها بتجاهله لموسى ﵇، والامتنان عليه بما قام به من الإنفاق عليه يوم كان رضيعًا وطفلًا، وتذكير موسى بقتله الرجل القبطي، ثم بتجاهله ربوبية الله ﷿، وإعلانه أنه هو الرب، وتهديد إن اتخذ إلهًا غيره، وتأييد بطانة السوء له في كل ما يقول.
كل ذلك كان من فرعون تغطية لهزيمته التي أحس بها أمام موسى ﵇، وهو في قرارة نفسه يعلم أن الله تعالى هو الإله الحق، وهو رب العالمين سبحانه، كما بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. وكما ذكره موسى ﵇ بذلك بقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلأ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيات من (١٠ – ٤٠) من سورة الشعراء. ٢ الآية (١٤) من سورة النمل. ٣ الآية (١٠٢) من سورة الإسراء.
[ ١٠٢ ]
ثم كان من عجزه أن التجأ إلى بطانة السوء من حوله يستشيرهم في أمر موسى بعد أن أعلن لهم أنه ساحر، فأشاروا عليه بجمع السحرة، وكانت نتيجتها حجة أخرى على فرعون، وهزيمة لم يكن يتوقعها١.
وهذه حالة كثير من الطغاة الذين يقفون أنفسهم على عداوة دعوة الله تعالى، وإيذاء حملتها، يلصقون بهم التهم، ويبررون لأنفسهم كل أنواع الانتقام منهم والاتهام لهم، وبطانة السوء تزين ذلك لهم، وتعينهم على الإثم والعدوان.
الموقف الرابع: إسلام السحرة
اتهم فرعون موسى ﵇ بالسحر، واستشار ملأه في ذلك فأشاروا عليه بجمع السحرة من أنحاء البلاد، وكان السحرة منتشرًا فيها، ثم التقوا بموسى ﵇ في جمع مشهود، وفرعون يعدهم ويمنيهم، وموسى ﵇ يعظمهم وينصحهم: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ٢. ولكنهم لم يستجيبوا، فقد ركبهم ما ركب فرعون من الطغيان.
وتقابل الفريقان، وألقى السحرة ما عندهم من باطل، وألقى موسى عصاه بأمر ربه تعالى له، فإذا هي كما قال ﷿: ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾،
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٣٣. ٢ الآية (٦١) من سورة طه.
[ ١٠٣ ]
وحين رأى السحرة ذلك علموا يقينًا أن ذلك ليس من صنع البشر ولا من صنع موسى، وإنما هو من الله وحده، عندها أعلنوا إسلامهم لله تعالى وتوحيدهم له وحده لا شريك له، وإيمانهم به، وإذا هم ينتقلون هذه النقلة الكبيرة العظيمة من عبودية فرعون لا إلى عبودية موسى، ولكن إلى عبادة رب موسى سبحانه الذي رأوا آياته تجري على يد موسى ﵇، وأعلنوا ذلك على فرعون ومن معه بعد أن خروا ساجدين لله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ١. وجن جنون فرعون، إذ جاءته الهزيمة من حيث أراد النصر، وقبل أن يتهدد ويتوعد يعلن السحرة تحديهم لذلك وثباتهم أمامه.
قال ابن عباس وعبيد بن عمير: "كانوا أول النهار سحرة، وآخره شهداء بررة"٢.
قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوَىً قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى
_________________
(١) ١ الآيات من (٤٦ – ٤٨) من سورة الشعراء. ٢ ابن كثير: البداية والنهاية ١/ ٢٤٢.
[ ١٠٤ ]
قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ١.
لقد كان هذا أول انتصار لدعوة التوحيد التي جاء بها موسى ﵇، وأول هزيمة لشرك فرعون وكفره أمام ملائه، وعلى مرأى
_________________
(١) ١ الآيات من (٥٦ – ٧٦) من سورة طه.
[ ١٠٥ ]
ومسمع كثير من الناس الذين جمعهم لشهود هذه المناظرة التي كان جازمًا أنها لصالحه، وكان يتمنى لو أن ما فعله السحرة تم بإذنه، أو بعيدًا عن أعين الناس، كما يفهم ذلك من قوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ .
ثم اتهم السحرة بالاتفاق مع موسى ﵇ على ما حدث، وهو أمر مرفوض، إذ لم يكن موسى على معرفة ولا صلة بهم، إنما هذه التهم من فرعون حين أسقط في يده بإسلام السحرة، فمرة يعتب عليهم أنهم آمنوا قبل إذنه، ومرة يتهمهم بتآمرهم مع موسى ﵇، ثم يرجع إلى تهديده ووعيده، كل ذلك ليخفف على نفسه وقع الهزيمة المرة، ووقع المصيبة العظيمة، كما هو شأن الطغاة، إذا تكشف باطلهم وانفضح طغيانهم١.
وكان إيمان السحرة مدعاة لافتضاح فرعون، لأنهم كانوا علماء لهم مكانتهم، فكان لإيمانهم ضجة كبرى، أحدثت في حاشية فرعون هزة عنيفة، وزلزالًا كبيرًا ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ ٢، ٣.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ١/ ٢٣٩ – ٢٤٠، وكتاب دعوة الرسل لمحمد أحمد العدوي ص ١٨٦. ٢ الآيات من (٥٣ – ٥٦) من سورة الشعراء. ٣ محمد بن أحمد العدوي – دعوة الرسل ص ٢٥٧ – ٢٥٨.
[ ١٠٦ ]
ولكن العبرة ليست بالكثرة أو القلة، بل باتباع الحق، فأتباع الحق هم الأكثرون ولو كانوا قليلي العدد، وهم الجماعة ولو كان واحدًا١.
الموقف الخامس: موقف ملأ فرعون من دعوة موسى ﵇
ملأ فرعون هم بطانته وأعوانه وكبراء قومه الذين يعيشون حوله، يزينون له الباطل ويحببونه إليه، ويظهرون له الحق في صورة الباطل ويكرهونه إليه، ويتفانون في سبيل ذلك، خشية أن يكشف الحق باطلهم وكذبهم، لأنهم يعيشون على حساب غيرهم، ويعلمون أنهم لا بقاء لهم إلا مع بقاء الباطل، وهم في كل زمان ومكان، ومع كل رسول ونبي وداع ومصلح هم حجر عثرة في سبيل دعوة التوحيد سلاحهم الكذب والنفاق والوشاية بأهل الحق، والتحريض عليهم وتلفيق التهم حولهم٢.
وملأ فرعون من أشد هؤلاء فتنة، وأعظمهم شرًا، وباختصار اذكر بعض مواقفهم من دعوة التوحيد التي جاء بها موسى ﵇:
١- الاستهزاء والسخرية بموسى ودعوته:
وكان ذلك منذ بداية الدعوة حين قابلوا هذه الدعوة بالاستهزاء والازدراء بموسى، وكانوا ينفخون ذلك في فرعون، الذي كان يعتز بهم ويفاخر ويشاورهم في أمر موسى ودعوته. قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١/ ٢٤٢، ودعوة الرسل للعدوي ص ٢٧٨. ٢ انظر المرجعين السابقين.
[ ١٠٧ ]
بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ ١.
فلقد كان لهؤلاء الملأ الدور الأول في وصول فرعون إلى ما وصل إليه من الطغيان والضلال، ولذلك ترى أنه لا يذكر فرعون إلا معه ذكر الملأ غالبًا، لكثرة ملاحقتهم وملازمتهم له.
٢- هم السبب في جمع السحرة حين شاورهم فرعون ظنًا منهم أن في ذلك القضاء على موسى ودعوته، لكن الله غالب على أمره، فقد جاءهم عكس ما أرادوا وخططوا، إذ آمن السحرة على مشهد من الناس الذين اجتمعوا لذلك، وهذا ما لم يكن لفرعون وملائه في حسبان.
٣- لم يكفهم ما كان من جمع السحرة وهزيمتهم في ذلك حين أعلن السحرة إسلامهم، بل بالغوا في عداوة موسى ﵇ ودعوته
_________________
(١) ١ الآيات من (٤٦ – ٥٦) من سورة الزخرف.
[ ١٠٨ ]
خوفًا على أنفسهم وطمعًا في مآربهم الدنيئة، فاستعدوا فرعون واستفزوه بأسلوب يعلمون تأثيره عليه، وهو زوال ملكه وسلطانه. قال الله جل شأنه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ١.
لكن موسى تسلح بسلاح لا يغلب وأوصى قومه بذلك: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
الموقف السادس: مؤمن آل فرعون
كان من نصر الله ﷿ لموسى ﵇ أن بعث له ناصرًا من داخل أسرة فرعون، آمن به ولكنه كان يكتم إيمانه عن فرعون وملائه، وقد كان له موقف عظيم تجلى فيه النصح الخالص والحرص على موسى، والحكمة البالغة في وعظ فرعون وملائه، وبدأهم بقوله على وجه المشاورة لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٣. ثم تدرج في وعظهم يجمع لهم بين الترغيب والترهيب، ويخوفهم بزوال
_________________
(١) ١ الآية (١٢٧) من سورة الأعراف. ٢ الآية (١٢٨) من سورة الأعراف. ٣ الآية (٢٨) من سورة غافر.
[ ١٠٩ ]
ملكهم الذي هو أغلى ما يحرصون عليه، ويبين لهم أنه يدعوهم إلى النجاة والسعادة، بينما هم يدعونه إلى الشرك والكفر والهلاك، ويذكرهم بمن سبقهم من الأمم وكيف كان مصيرها١. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ٢ إلى آخر الآيات.
الموقف السابع: نهاية فرعون وقومه
اشتد أذى فرعون وقومه لموسى ومن معه، وكان موسى يقابل ذلك بالصبر، ويوصي أتباعه بذلك، وبالتوكل على الله وحده، وأمرهم بوحي من الله تعالى أن يجعلوا بيوتهم قبلة، لتكون معروفة بينهم، وليتمكنوا من الصلاة فيها إذا اشتد عليهم الأذى.
ثم أمره ربه تعالى بأن يسير ببني إسرائيل، فاشتد غيظ فرعون فتبعهم بقومه، فأدركهم قرب ساحل البحر، وكاد أتباع موسى ﵇ أن ييأسوا حين رأوا البحر أمامهم والجبال تحيط بهم وفرعون وقومه يطلبونهم، وقالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ولكن موسى ذكرهم بالتوكل على
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ١/ ٢٤٣ – ٢٤٧. ٢ الآية (٢٨) سورة غافر، والآيات إلى آية (٤٦) في شأن مؤمن آل فرعون.
[ ١١٠ ]
الله تعالى وأنه معه سبحانه، وبوحي من الله تعالى ضرب موسى بعصاه البحر، فانفلق وجعل الله تعالى لهم طريقًا يبسًا في البحر فسلكوه حتى دخلوا جميعًا، فانطبق عليهم بعد أن خرج موسى ومن معه، ولما رأى فرعون ذلك أدرك تمام الإدراك أنها لهلاك المبين نزل به وبمن معه، فأعلن ما كان يجحده من توحيد الله ﷿ والاعتراف له بالربوبية والألوهية، وأعلن توبته بعد فوات الأوان، ولم تقبل، وأخرج الله جسده ليكون عبرة وعظة، ووردت قصة هلاكه وقومه في أكثر من موضع من القرآن الكريم:
﴿وجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ
_________________
(١) ١ الآيات من (٩٠ – ٩٢) من سورة يونس.
[ ١١١ ]
فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وبهذه النهاية والأليمة تنتهي حياة أكبر طاغوت نشأ على الأرض، وهي نهاية كل طغاة أعداء الرسل ودعوتهم إلى توحيد الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له، ثم يوم القيامة يكون حال فرعون كما أخبر الله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ ٢.
فنهاية أليمة في الدنيا وخزي عظيم يوم القيامة، نعوذ بالله من ذلك.
الموقف الثامن: بنوا إسرائيل بعد خروجهم من البحر:
بعد خروج بني إسرائيل من البحر ونجاتهم من فرعون وجنوده، وهلاك فرعون ومن معه بالغرق، وقد رأى بنو إسرائيل من آيات الله ﵎ ما يكفي لترسيخ الإيمان وعقيدة التوحيد في قلوبهم، وما بذله موسى ﵇ من أجل ذلك، مع هذا كله ما أن تجاوزوا البحر، ورأوا قومًا لهم أصنام يعبدونها، يزعمون أنها تنفع وتضر حتى طلبوا من
_________________
(١) ١ الآيات من (٥٢ – ٦٨) من سورة الشعراء. ٢ الآيتان (٩٨ – ٩٩) من سورة هود.
[ ١١٢ ]
موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهًا كما لأولئك آلهة، ولكن موسى رد عليهم بوصفهم بالجهل، وأي جهل أعظم من جهل من يتخذ آلهة من دون الله يزعم فيها النفع والضر من دون الله تعالى، وهكذا لا ييأس الشيطان من فتنة العبد عن دينه، فقد يجد الشيطان بعض النفوس الضعيفة، يحقق من خلالها أهدافه وآماله التي عاهد الله تعالى على تحقيقها، ولكن وجود الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يفوت على الشيطان مراده، ويحمي الناس من خطر الشرك وأهله١.
قال الله سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وشبيه بهذا الموقف ذلك الموقف من أصحاب نبينا محمد ﷺ وهم في طريقهم إلى حنين وكانوا حدثاء عهد بكفر، فرأوا سدرة للمشركين يعلقون بها أسلحتهم يسمونها ذات أنواط، فطلبوا من رسول الله ﷺ أن يجعل لهم مثلها، فذكَّرهم وشبه قولهم بقول بني إسرائيل لموسى.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١/ ٢٥٩. ٢ الآيات (١٣٨ – ١٤٠) من سورة الأعراف.
[ ١١٣ ]
كما روى أبو واقد الليثي١ ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أتواط، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ لتركبن سنن من قبلكم" ٢. وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله عند الحديث عن دعوة نبينا محمد ﷺ.
الموقف التاسع: سؤال موسى رؤية ربه تعالى
لما كلم الله تعالى رسوله موسى ﵇ تطلعت نفسه أن يرى ربه سبحانه، فسأل الله تعالى ذلك، ولما كان موسى لا يطيق تحمل ذلك، أمره ربه ﵎ أن ينظر إلى الجبل، فسوف يتجلى الله تعالى للجبل، فإن بقي الجبل وثبت فلعل موسى ﵇ يثبت لذلك، وإن لم يثبت مع كبره وقوته، فموسى من باب أولى، فما أن تجلى الله ﷿ للجبل حتى اندك على أوله، فلما رأى موسى ذلك لم يطق تحمله فخر مغشيًا عليه،
_________________
(١) ١ اسمه الحارث بن عوف بن أسيد بن جابر الليثي صحابي جليل شهد بدرًا والفتح وحنين وغيرها من المشاهد والغزوات، توفي ﵁ سنة ٦٨ هـ وقيل: ٨٥ هـ. انظر: الإصابة لابن حجر ٤/ ٢١٢. ٢ مسند الإمام أحمد ٥/ ٢١٨، والترمذي في السنن ٤/ ٤٧٥، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٣٥.
[ ١١٤ ]
فلما أفاق أعلن توبته لربه تعالى معترفًا بضعفه وعجزه١. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقد فهم بعض المتكلمين من هذه الآية نفي رؤية المؤمنين لربهم في الدنيا والآخرة، وأن معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يدل على ذلك، ومن هؤلاء الجهمية والمعتزلة٣.
وهذا تحريف لكلام الله ﷿، وتأويل له بالباطل، والحق أن رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ثابتة بالآيات الظاهرة والأحاديث المتواترة، قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤. وقال سبحانه مخبرًا عن حال الكفار يوم القيامة: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٥. وقال
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٥. ٢ الآية (١٤٣) من سورة الأعراف. ٣ انظر: كتاب رسائل العدل والتوحيد ١/ ١٠٥، ١٠٦، وكتاب شرح أصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ٢٣٢ وما بعدها. ٤ الآيتان (٢٢، ٢٣) من سورة القيامة. ٥ الآية (١٥) من سورة المطففين.
[ ١١٥ ]
جل شأنه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١. والحسنى هي الجنة، والزيادة هي رؤيتهم ربهم ﷿، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ فيما رواه صهيب ﵁ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتجنبنا النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة"٢. ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ .
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال:"هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "إنكم ترون ربكم كذلك" ٣.
وعن جرير ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ٤.
_________________
(١) ١ الآية (٢) من سورة يونس. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ١٧. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/ ٤١٩، ومسلم بشرح النووي ٣/ ٢٥. ٤ البخاري مع الفتح ١٣/ ٤١٩.
[ ١١٦ ]
فهذه الأحاديث تدل دلالة لا تقبل الشك على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهذا من عظيم نعمة الله ﷿ على عباده المؤمنين يوم القيامة.
أما ما استدل به من نفى الرؤية من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فغير صحيح، فالله تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، ثم لو كانت الرؤية غير ممكنة لما سألها موسى ﵇، وهو العالم بربه سبحانه، ولذلك لم ينكر عليه ربه سبحانه سؤاله، ولو كان باطلًا لأنكر عليه كما أنكر على نوح ﵇ سؤاله في ابنه، وإنما بيَّن لموسى ﵇ عدم قدرته على تحمل رؤيته تعالى في الدنيا، وعلق الرؤية بالجبل الذي لم يتحمل ذلك مع قوته، فكيف بموسى وهو البشر الضعيف أمام ربه تعالى، وإذا كانت الرؤية تجوز للجماد فهي للإنسان المؤمن أولى.
و"لن" لا تدل على تأبيد النفي في الدنيا والآخرة، فإن الله ﷿ قال عن الكفار ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ ١، ثم قال عنهم في الآخرة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٢.
قال ابن مالك:
ومن رأى النفي بلن مؤبدًا فقوله أردد وسواه فاعضدا٣
_________________
(١) ١ الآية (٩٥) من سورة البقرة. ٢ الآية (٧٧) من سورة الزخرف. ٣ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٩ – ١٩٤، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/ ٢٤٠ وما بعدها.
[ ١١٧ ]
الموقف العاشر: بنو إسرائيل وعبادة العجل
لما ذهب موسى ﵇ لميقات ربه سبحانه، استغل السامري غيبة موسى ﵇ وجهل بني إسرائيل، وإِلْفَهم الوثنية أيام فرعون، فصنع لهم من حلي القبط الذي استعاره منهم هيكلًا على صورة العجل١، إذا مرت الريح من داخله أحدثت صوتًا يشبه خوار العجل، وقال لهم: إن هذا هو إله موسى نسيه هنا وذهب يبحث عنه في الطور، وبين لهم هارون أن ذلك كذب مفترى من السامري ليضلهم عن طريق التوحيد الذي جاء به موسى ﵇، ولكنهم أصروا على قبول ما جاء به السامري واستمرارهم على ذلك حتى يرجع موسى، وأخبر الله رسوله موسى بما فعل قومه من بعده، فرجع إليهم غاضبًا آسفًا لما وقعوا فيه من الشرك بالله تعالى، الذي كان ينهاهم عنه ويحذرهم منه، وعوقب السامري بأن لا يمسه أحد ولا يمس أحدًا في الدنيا.
قال الله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ
_________________
(١) ١ انظر: فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢٤٧.
[ ١١٨ ]
أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وقال جل شأنه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
_________________
(١) ١ الآيات من (١٤٨ – ١٥٣) من سورة الأعراف.
[ ١١٩ ]
قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ ١.
وعجب أمر بني إسرائيل الذين ما كادوا يفلتون من قبضة فرعون وبطشه واستعباده لهم أنقذهم الله من الشرك والكفر إلى التوحيد والإيمان على يد رسوله ﵇، فإذا هم يريدون استبدال التوحيد بالشرك ويطلبون موسى ﵇ إلهًا حين رأوا قومًا يعبدون الأصنام، ويغيب عنهم موسى بعض الوقت فيتخذون العجل إلهًا، ولما ذهب بهم إلى ميقات ربه ليعتذروا عما حصل منهم، قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وذلك إِلْفهم الوثنية، وما تأصل في نفوسهم من المكر والخداع، وهو باق فيهم، فهم الذين حرفوا الكتب، وقتلوا الأنبياء والرسل، وهم أهل المكر والخداع قديمًا وحديثًا.
_________________
(١) ١ الآيات من (٨٣ – ٩٧) من سورة طه.
[ ١٢٠ ]
المبحث السادس: دعوة عيسى ﵊
وهو عيسى بن مريم ابنت عمران، عبد الله ونبيه ورسوله، أحد أولي العزم من الرسل، آخر الرسل قبل نبينا محمد ﷺ، وآخر الرسل من بني إسرائيل، وأمه مريم ابنت عمران، عليها وعلى ابنها السلام، كان أبوها عالمًا كبيرًا، وصاحب صلاة بني إسرائيل، وقدكانت مريم من العابدات١، وقصتها وقصة عيسى ﵇ وولادته ودعوته قد قصها القرآن الكريم في أكثر من موضع٢.
وقد بعثه الله ﷿ إلى بني إسرائيل بعد أن انحرفوا عن منهج الله تعالى الذي جاء به موسى ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر بما جاء به موسى ﵇ من قبله من الهدى والبينات.
وقد اخترت من دعوته ﵇ عددًا من المواقف:
١- بدء دعوته ﵇
ظهرت علامات نبوته ومظاهر فضله ﵇ منذ ولادته، وجرت على يديه منذ صغره معجزات وانتشر خبره في الناس، واختاره الله تعالى
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٥٢. ٢ منها: سورة آل عمران، وسورة المائدة، وسورة مريم، والزخرف، والحديد، والصف.
[ ١٢١ ]
لرسالته، والله أعلم حيث يجعل رسالته١، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة التي اصطفاه الله لحملها، وجاء إلى بني إسرائيل وقد غيروا الشريعة التي جاء بها موسى ﵇، وحرفوا التوراة، فمنهم المكذبون المنكرون للبعث والحساب، ومنهم المنغمسون في لهوهم وملذاتهم المعرضون عن طاعة الله تعالى، فكانوا في أمس الحاجة إلى رسول من الله تعالى يعيدهم إلى جادة الصواب وينقذهم من الضلال والشرك، ويردهم إلى ما تركهم عليه موسى ﵇.
وقد بين عيسى ﵇ لبني إسرائيل دعوته التي جاء بها أول الأمر كما أخبر الله عنه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢.
بين لهم عيسى ﵇ الذي جاء به، وأهم ذلك توحيد الله ﷿ إفراده بالعبادة فهو الصراط المستقيم الذي يسير عليه الأنبياء والرسل جميعًا ويدعون الناس إليه، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء
_________________
(١) ١ انظر: نفس المصدر ٢/ ٧٢. ٢ الآيتان (٥٠ – ٥١) من سورة آل عمران.
[ ١٢٢ ]
أبناء علاة١، ليس بيني وبينه نبي" ٢.
وقال ﷿: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.
واستمر عيسى ﵇ في دعوته لبني إسرائيل، يبين لهم الحق ويدعوهم إليه، ويحذرهم العواقب الوخيمة لما هم عليه من الباطل والضلال إن لم يرجعوا عنه وكانت معارضتهم له على أشدها، وعداؤهم له ولأتباعه كذلك، والله ﷿ يؤيده بأنواع التأييد من حفظه له ولأتباعه، وإظهار المعجزات التي بهرتهم ووقفوا حائرين عاجزين أمامها، ورأوا أنها لا تصدر من مخلوق من عند نفسه.
قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ
_________________
(١) ١ أولاد العلات: الأخوة من الآباء أمهاتهم شتى. انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر ٦/ ٤٨٩. ٢ البخاري مع الفتح ٦/ ٤٧٨. ٣ الآيتان (٤٦ – ٤٧) من سورة المائدة.
[ ١٢٣ ]
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقال جل شأنه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢.
ومن المعجزات التي آتاها الله تعالى رسوله عيسى ﵇، ما طلبه أتباعه الحواريون من إنزال المائدة، وقد نصحهم عيسى بأن يعدلوا عن سؤالهم، ولكنهم أصروا على ذلك فسأل الله تعالى ذلك فاستجاب الله تعالى له٣، قال الله ﷿: ﴿إذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ
_________________
(١) ١ الآيتان (٤٨ – ٤٩) من سورة آل عمران. ٢ الآية (١١٠) من سورة المائدة. ٣ قيل: إن المائدة نزلت فعلًا. وقيل: إنها لم تنزل فقد عدل الحواريون عن طلبهم، حين عرض عليهم العذاب إن كفروا. وقيل: هي مثل ضربه الله. وكل هذه الأقوال مروية عن السلف. انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ١١٦ – ١١٨.
[ ١٢٤ ]
يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١.
ومع هذه المعجزات العظيمات والآيات البينات فقد أصر قومه على ما هم فيه من الشرك والضلال، فأعلن ﵇ في قومه: من أنصاري إلى الله فاستجاب له الحواريون وهم أنصاره، كما ثبت أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير ﵁ فقال النبي ﷺ "لكل نبي حواري، وحواري الزبير" ٢.
قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ
_________________
(١) ١ الآيات من (١١٢ – ١١٥) من سورة المائدة. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٨٠، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٥/ ١٨٨. ٣ الآيتان (٥٢ – ٥٣) من سورة آل عمران.
[ ١٢٥ ]
مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ١.
وكما فعل عيسى ﵇ فعل نبينا محمد ﷺ حين أصر كفار مكة على ما هم عليه، فقد كان يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويطلب منهم من يقبل دعوته ويؤيده حتى يبلغ رسالة ربه حيث أبتْ قريش ذلك، فأيده الله تعالى بالأنصار ﵃ جميعًا٢.
٢- عقيدة أهل الكتاب في عيسى ﵇:
بين الله ﷿ أن عيسى بن مريم ﵇ عبد من عباده اصطفاه لرسالته، وأنه كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وقص ذلك وبينه لنبينا محمد ﷺ في القرآن الكريم فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
ومما أمر الله تعالى عبده ورسوله عيسى ﵇ أن يقول لقومه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤. وهي دعوة الأنبياء
_________________
(١) ١ الآية (١٤) من سورة الصف. ٢ انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٢. ٣ الآيتان (٣٤ – ٣٥) من سورة مريم. ٤ الآية (٣٦) من سورة مريم.
[ ١٢٦ ]
والرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام، ولكنهم كانوا كما قال الله ﷿: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
ولقد ضل في عيسى بن مريم ﵇ طائفتان:
الأولى: اليهود عليهم لعنة الله تعالى عليهم الذين قالوا عنه: إنه ابن زنية، أخزاهم الله تعالى، فهو رسول الله تعالى الطاهر ابن الطاهرة مريم ﵍ التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٢. وقال عنهم: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ٣.
والطائفة الثانية: التي قابلت اليهود في الكفر هم النصارى لعنهم الله تعالى، قالوا عنه: إنه الله تعالى، ومنهم من قال: ابن الله، ومنهم من قال: ثالث ثلاثة: الأب والابن والروح القدس، وقد توعد الله تعالى الطائفتين بقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية (٣٧) من سورة مريم. ٢ الآيتان (٤٢ – ٤٣) من سورة آل عمران. ٣ الآية (١٥٦) من سورة النساء. ٤ الآية (٣٧) من سورة مريم.
[ ١٢٧ ]
وهدى الله ﷿ أهل الحق والإيمان إلى القول الحق في ذلك فقالوا: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وقد أكذب الله تعالى النصارى وأخبر عن كفرهم بما قالوه في عيسى عليه السلام١، قال ﷿: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
ثم بين سبحانه القول الحق في ذلك فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القرطبي ٦/ ٢٤٩ –٢٥٢، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٦٧، ٦٨، ودعوة الرسل للعدوي ص ٣٤٤. ٢ الآية (١٧) من سورة المائدة. ٣ الآيات (٧٢ – ٧٤) من سورة المائدة.
[ ١٢٨ ]
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَ
_________________
(١) انَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ١. ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣. وقد بيَّن رسولنا محمد ﷺ لأمته المنهج الحق والصراط المستقيم الذي ضلت عنه اليهود والنصارى في شأن عيسى ﵇، فعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله ١ الآية (١٧١) من سورة النساء. ٢ الآيات من (٧٥ – ٧٧) من سورة المائدة. ٣ الآية (٣٠) من سورة التوبة.
[ ١٢٩ ]
وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"١.
ونهى ﷺ عن مشابهة النصارى، وحذر من الوقوع مما وقعوا من الغلو في عيسى ﵇، فقال: ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"٢.
وسيأتي الكلام عن ذلك عند الحديث عن الإطراء والغلو إن شاء الله تعالى.
رفع عيسى ﵇ إلى السماء، وبطلان عقيدة الصلب
بقي عيسى ﵇ دائبًا في دعوته، مجاهدًا في سبيلها، يلاقي من بني إسرائيل الإعراض والصدود والأذى، مع ما أتاه الله من الحجج والآيات والمعجزات.
بدأ الناس يقبلون على دعوته، وأتباعه وأنصاره المؤمنون بدعوته يزيدون يومًا بعد يوم، وتحرك في نفوس اليهود مكرهم المعهود، وأخذوا يتآمرون على عيسى ﵇ لاستئصال دعوته والقضاء عليها، وعزموا على قتله، كما هو طبعهم وشأنهم مع أنبياء الله تعالى ورسله
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/ ٤١٤. ٢ البخاري مع الفتح ١/ ٤٧٨.
[ ١٣٠ ]
عليهم الصلاة والسلام، ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ١. ودخلوا عليه وهو ﵇ جالس مع بعض أصحابه ليقتلوه، فألقى الله تعالى شبهه على بعض أصحابه ورفعه إليه وأخذ اليهود ذلك الشاب وقتلوه وصلبوه ظانين أنه عيسى، وضلوا في ذلك ضلالًا بعيدًا٢.
قال الله ﷿: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ٣.
وللمفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أقوال، أرجحها، أن المراد بالوفاة هنا النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ٤. وكما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية (٨٧) من سورة البقرة. ٢ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٨٢٥. ٣ الآية (٥٥) من سورة آل عمران. ٤ الآية (٦٠) من سورة الأنعام. ٥ الآية (٤٢) من سورة الزمر.
[ ١٣١ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا قام من النوم يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ١.
وهذا يرجح القول بأن المراد بالتوفي النوم على قول من قال: إن الله أماته ساعات ثم أحياه، أو قول من قال: إن الله تعالى أماته ثلاثة أيام ثم أحياه، وغير ذلك من الأقوال٢.
وقد أكذب الله تعالى اليهود في زعمهم قتل عيسى ﵇ فقال سبحانه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٣.
فقد فضح الله تعالى كيد اليهود ومكرهم وكذبهم أنهم قتلوا عيسى، أما النصارى فمع كونهم لم يشاهدوا ذلك، فإن عامتهم قد سلموا بذلك، وضلوا فيه ضلالًا مبينًا، وصار الصليب شعار عبادتهم ورمز تعارفهم وتفاخرهم.
نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان:
سبق الكلام عن رفع عيسى ﵇ إلى السماء، وسينزل عليه
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٧/ ١٦، ومسلم بشرح النووي ١٧/ ٣٥. ٢ انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٦٦، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي ١/ ٢٤٥. ٣ الآيتان (١٥٧ – ١٥٨) من سورة النساء.
[ ١٣٢ ]
السلام في آخر الزمان، ويقيم العدل في الأرض، ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفرض الجزية، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ومنها:
ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" ١. ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلأَ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ٢.
وعن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال: "إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية٣، وأراني الله عند الكعبة في المنال رجلًا آدم٤ كأحسن ما يرى من أُدم الرجال، يضرب لمته٥ بين
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/ ٤٩٠، ومسلم بشرح النووي ٢/١٨٩. ٢ الآية (١٥٩) من سورة النساء. ٣ الحبة التي قد خرجت عن حد نبتة أخواتها فظهرت من بينها وارتفعت. وقيل: أراد الحبة الطافية على وجه الماء شبه عينه بها. النهاية لابن الأثير ٣/ ١٣٠. ٤ الأدمة البياض مع سواد المقلتين. المصدر السابق ١/ ٣٢. ٥ اللمة: من شعر الرأس دون جمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زاد فهي الجمة. انظر: المصدر السابق ٤/ ٢٧٣.
[ ١٣٣ ]
منكبيه، ورَجْل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيح بن مريم، ورأيت رجلًا وراءه قططًا١ أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن٢، وضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال" ٣.
وفي رواية البخاري: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، وإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهَوِّد٤ بين رجلين، ينظف رأسه ماءًا، أو يهرق ماءًا، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح ابن مريم، فذهبت التفت فإذا رجل أحمر حسيم جعد الرأس، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن" ٥.
وعن النواس بن سمعان ﵁ في حديث طويل عن الدجال وما يكون من أمره، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في
_________________
(١) ١ القطط: الشعر القصير المستجد. ٢ ابن قطن بن عبد العزى رجل من بني المصطلق من خزاعة هلك في الجاهلية على الصحيح. انظر: فتح الباري ١٣/ ٩٨ – ١٠٠. ٣ مسلم بشرح النووي ٢/ ٢٣٥، ٢٣٦. ٤ المشي الرويد المتأني. النهاية لابن الأثير ٤/ ٢٧٣. ٥ البخاري مع الفتح ١٣/ ٩٠.
[ ١٣٤ ]
مهروذين١، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان٢ كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه حيث انتهى طرفه، فيطلبه حيث يدركه بباب لد٣ فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قومًا قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم عن درجاتهم في الجنة" ٤. الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا نزل فيكم عيسى بن مريم وإمامكم منكم" ٥.
وهذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ تدل صراحة على أن رسول الله عيسى ﵇ سوف ينزل في آخر الزمان، ويقع منه ما أخبر عنه رسول الله ﷺ، وترد على الذين أنكروا ذلك، وقدموا عقولهم وتأويلاتهم الباطلة على سنة رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
_________________
(١) ١ تُروى بالدال المهملة والذال المعجمة، والمهملة أكثر: وهما ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران، وقيل: هما شقتان والشقة نصف الملاءة. لسان العرب مادة: (هرد) . ٢ الجمان: بضم الجيم وتخفيف الميم حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه. انظر: المصدر السابق مادة: (جمن) . ٣ بلدة قريبة من قدس. ٤ مسلم بشرح النووي ١٨/ ٦٧ – ٦٨. ٥ البخاري مع الفتح ٦/ ٤٩١.
[ ١٣٥ ]