التوحيد ثلاثة أنواع:
توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وهذه الأنواع الثلاثة ترجع إلى قسمين هما:
أولا: توحيد المعرفة والإثبات، وهو التوحيد العلمي الخبري: وهو معرفة الله وأسمائه وصفاته، وهذا يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
ثانيا: توحيد القصد والطلب وهو التوحيد الطلبي الإرادي: ويتضمن توحيد الألوهية.
وفيما يلي نبذة عن أصل هذا التقسيم ثم تعريف بكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة للتوحيد:
أصل هذا التقسيم:
هذا التقسيم للتوحيد ليس أمرا مستحدثا اخترعه بعض العلماء من عند أنفسهم، وإنما هو تقسيم يدل عليه القرآن الكريم نفسه، فمن يتدبر آياته يجد ذلك واضحا جليا من أول سورة من سوره وهي أم الكتاب، التي ما نزل في الكتب السماوية أعظم منها، فإنها وحدها تتضمن هذه الأنواع الثلاثة للتوحيد، وهي في الوقت نفسه تتضمن القرآن الكريم كله، فقد اشتملت على الأخبار عن الله تعالى وأسمائه وصفاته، والدعوة إلى إخلاص العبادة له سبحانه، وهذه هي أنواع التوحيد.
[ ٢٠٧ ]
والقرآن كله اشتمل على هذه الأنواع وبينها في أكثر من سورة، بل القرآن توحيد كله، فهو إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهذا هو التوحيد العلمي الخبري الذي يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وإما دعوة إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له والأمر بصرف العبادة له دون ما سواه، وهذا هو التوحيد الطلبي الإرادي الذي يتضمن توحيد الألوهية والعبودية، أو بيان حقوق التوحيد، وإكرام أهله وثوابهم، وأخبار الشرك وأهله وبيان جزائهم وعقابهم.
ومن العلماء من كتب في ذلك واستنبطه وبينه ونص على هذه الأنواع، ومنهم أبو جعفر الطحاوي المتوفي سنة ٣٢١هـ الذي بين عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني فقال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره"١.
وهذا الذي ذكره يشمل أنواع التوحيد الثلاثة فقوله: "لا شيء مثله": أي في أسمائه وصفاته.
وقوله: "ولا شيء يعجزه "أي في ربوبيته، وهذا توحيد المعرفة والإثبات.
وقوله:"ولا إله غيره"أي في ألوهيته، وهذا هو توحيد القصد والطلب.
_________________
(١) ١ أبو جعفر الطحاوي، العقيدة الطحاوية ١٧-١٩.
[ ٢٠٨ ]
ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى ابن مندة – ﵀ – المتوفى سنة ٣٩٥هـ في كتابه: "التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد"حيث قسم التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وتوحيد أسماء الله الحسنى، وتوحيد الصفات، فجعل أسماء الله الحسنى قسما، والصفات قسما آخر.
ثم شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي ﵀ المتوفى سنة ٧٤٦هـ يقول في شرح الطحاوية: "ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد١.
وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وقد بينا ذلك في غالب كتبهما أتم بيان وفصلا الكلام عنه، وكل ما يتعلق به، وصارت كتبهما مرجع كل مطلع وباحث في ذلك.
وممن قسم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة الشيخ ملا علي بن سلطان القاري الحنفي المتوفى سنة ١٠١٤هـ إذ يقول في شرحه الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة ﵀: "أقول: فابتداء الكلام ﷾ في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين، يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية".
ثم يقول بعد ذلك: "بل غالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل القرآن كله من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما، فإن القرآن
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٨٨.
[ ٢٠٩ ]
إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في العقبى فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله وثوابهم، وفي شأن ذم الشرك وعقوق أهله وجزائهم"١.
ثم من بعده ممن قسم التوحيد إلى هذه الأقسام كل العلماء الذين نهجوا منهج سلف هذه الأمة ومن أشهرهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مجدد القرن الثاني عشر الذي بين ذلك ودعا إليه وجاهد في سبيله ومن بعده أولاده، وأحفاده ﵏.
ومنهم العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢هـ رحمه الله تعالى٢، والعلامة محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٥هـ رحمه الله تعالى٣، وغيرهم كثير من علماء السلف قديما وحديثا.
_________________
(١) ١ ملا علي بن سلطان القاري الحنفي، شرح الفقه الأكبر ص ٩-١٠. ٢ انظر رسالة تطهير الاعتقاد لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ص ٢٧٠، مجموعة الرسالة الكمالية رقم ١٣. ٣ انظر الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص ٢٣٢ مجموعة الرسائل الكمالية رقم (٣) .
[ ٢١٠ ]
المبحث الأول: توحيد الربوبية
ومعناه: الاعتقاد بأن الله تعالى هو الرب المتفرد بالخلق والرزق، وأنه المالك المدبر الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو توحيد الله تعالى بأفعاله١.
وهذا النوع من أنواع التوحيد قد أقر به الكفار، وشهد لهم القرآن بذلك، ولكن ذلك لم ينفعهم شيئا فلم يخرجهم من الكفر ولم يدخلهم في الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣.
وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص ٣٣، ودعوة التوحيد للهراس ص ٣٢. ٢ الآية ٧٩ من سورة العنكبوت. ٣ الآية ٦١ من سورة الزخرف. ٤ الآية ٣١ من سورة يونس.
[ ٢١١ ]
وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ َسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١.
والآيات في هذا كثيرة كلها تدل على إقرار الكفار واعترافهم بربوبية الله تعالى، ولكن ذلك لم ينفعهم شيئا إذ لم يعترفوا بألوهيته ويخلصوا له العبادة سبحانه.
طريقة القرآن الكريم في إثبات الربوبية لله تعالى:
القرآن الكريم آخر الكتب السماوية وناسخها، فكان لابد لأن يأتي مشتملا على الحجج والبراهين الواضحة والأدلة القاطعة التي تدعوا إلى الإيمان بالله وربوبيته وألوهيته لخلقه، وتقطع في الوقت نفسه شبه المعاندين وتحريف المنحرفين وزيغ الزائفين في كل زمان ومكان كما قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ .
وكما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآيات من ٨٤-٨٩ من سورة المؤمنون. ٢ الآية ٨٨ من سورة الإسراء.
[ ٢١٢ ]
وقال سبحانه: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ١.
فلوا ظهر الإلحاد يوما في أي صورة وتحت أي شعار وجد في أدلة القرآن القاطعة وحججه الدامغة ما يكشف زيفه ويفضح باطله ويدحض حجته، ليأخذ بأيدي الناس إلى الحق المبين الذي يصلهم برب العالمين.
وأدلة القرآن الكريم في بيان ربوبية الله تعالى لخلقه كثيرة:
منها:
١- دليل الفطرة:
وهذا أمر داخل الإنسان نفسه مستقر في قلبه، فهو مفطور على الإقرار بأن له خالقا، وهذا هو الأصل الذي فطر عليه البشر، وما يحصل من ضلال أو انحراف أمر طارئ على هذه الفطرة السليمة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.
فهذه شهادة أخذها الله على بني آدم وهم في عالم الذر أنه تعالى ربهم وخالقهم٣، فاستقرت معرفته فطرة في قلوب البشر، وإن دنسها
_________________
(١) ١ الآية ٣٣ من سورة الفرقان. ٢ الآيتان١٧٢، ١٧٣ من سورة الأعراف. ٣ انظر: كتاب الدين الخالص لصديق حسن خان ١/٣٩١.
[ ٢١٣ ]
أو حجبها الباطل يوما ما، فإنها تظهر وتتجلى ويزول عنها هذا الحجاب والغشاوة إما إجابة ً لداعي الإيمان، أو تحت ضغط شدة ومصيبة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٤.
فالفطرة هي الأصل في البشر، والانحراف والضلال طارئ عليها بشهادة القرآن كما سبق، والأحاديث عن رسول الله ﷺ، ومنها حديث
_________________
(١) ١ الآية ٢٢ من سورة يونس. ٢ الآيات ٦٣، ٦٤ من سورة الأنعام. ٣ الآية ٣٢ من سورة لقمان. ٤ الآية ٢٠١ من سورة الأعراف.
[ ٢١٤ ]
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه" ١ ولم يقل يسلمانه لأن الإسلام موافق للفطرة.
ومنها حديث عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم فكان مما جاء في خطبته: "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته (منحته) عبدا حلال، وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" ٢.
بل إن توحيد الله تعالى أمر فطري كذلك، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
ولهذا كان قول الرسل عليهم الصلاة والسلام لأممهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٤ وتجد أسلوب القرآن في آيات المعرفة الفطرية
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٣/٢١٩. ٢ صحيح مسلم مع شرح النووي ١٧/١٩٧. ٣ الآية ٣٠ من سورة الروم. ٤ الآية ١٠ من سورة إبراهيم.
[ ٢١٥ ]
أسلوب التذكير بهذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها والتي لأجلها أشهدهم على أنفسهم في الأزل، وشهدوا بذلك١.
٢- دليل الخلق والتدبير:
تناول القرآن الكريم قضية الخلق والتدبير تناولا فريدا، وعني بتوجيه العقول إلى النظر في آفاق الكون وآيات الله الكثيرة، وأهاب بالعقل أن يستيقظ من سباته ليتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وما أودع فيهما من الآيات، ويكرر القرآن ذلك في أساليب متنوعة ليرى هذا الإنسان ويسمع في آفاق الكون ما يقوده إلى الإيمان بخالقه ﷾ ويعلم أن هذا الكون لم يكن وليد الصدفة كما يزعم الملحدون الجاحدون، بل هو صنع الله الخالق المدبر، المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
فوا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آي
_________________
(١) ة تدل على أنه واحد٢ وقد جاء الحديث في القرآن الكريم عن قضية الخلق في أغلب سوره عن خلق الإنسان وخلق السماوات والأرض والجبال والأنعام وغير ذلك ١ انظر: كتاب التوحيد وإخلاص العمل لوجه الله ﷿ لابن تيمية، تحقيق د. محمد السيد الجليند ص٢٢-٣٨، والعقيدة في الله للدكتور عمر الأشقر ص٦٥-٦٦. ٢ انظر: كتاب التوحيد وإخلاص العمل لوجه الله ﷿ لابن تيمية، تحقيق د. محمد السيد الجليند ص ٥٤، وكتاب الإيمان في القرآن للدكتور / مصطفى عبد الواحد ص ١٦-١٨.
[ ٢١٦ ]
من الآيات وبين ما فيها من عجائب وحكم وإحكام ودقة نظام، وهي آيات كثيرة يضيق المقام عن حصرها والإحاطة بها.
ومن هذه الآيات قوله تعالى عن خلق الإنسان: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ١.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ٢.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٣.
ودعا سبحانه إلى التفكير في الخلق المتقن المتناسق فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآيات من ٥-٧ من سورة الطارق. ٢ الآية ٥ من سورة الحج. ٣ الآياتمن ١٢-١٤ من سورة المؤمنون. ٤ الآية ٢١ من سورة الذاريات.
[ ٢١٧ ]
وقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
وقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُون﴾ ٢.
ومنها قوله تعالى عن خلق السموات والأرض: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ٤.
وقوله سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية ٥٣ من سورة فصلت. ٢ الآية ٦ من سورة الزمر. ٣ الآيتان ١٦٣، ١٦٤من سورة آل عمران. ٤ الآية ٤١ من سورة فاطر. ٥ الآيات من ٢٧-٣٣ من سورة النازعات.
[ ٢١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْم يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وهذه قد جمعت مع خلق السموات والأرض آيات أخرى من آيات الله تعالى التي يراها البشر ويحسونها تتجلى فيها عظمة خالقها سبحانه، وآيات كثيرة تجمع عددا كبيرا من آيات الله تعالى ويعرضها القرآن للناس دلائل على الخالق سبحانه وعظمته وتدبيره وعنايته وأنه خالق كل شيء ومالكه وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ومن هذه الآيات قوله سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُون وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ
_________________
(١) ١ الآية ٥٧ من سورة غافر. ٢ الآيتان ١٦٣، ١٦٤ من سورة البقرة.
[ ٢١٩ ]
مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١.
ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
فبعد أن ذكر بعض آياته ونعمه بالتخصيص ذكرهم بأنه هو خالقها وخالقهم وخالق كل شيء وغيره ليس له شيء من ذلك، ثم ذكر عموم نعمته عليهم وعجزهم عن الإحاطة بها، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
_________________
(١) ١ الآيات ٣٧-٤٠ من سورة يس. ٢ الآيات من ١٠-١٨ من سورة النحل.
[ ٢٢٠ ]
مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ١.
والآيات في هذا كثيرة جدا ومعظم السور المكية مليئة من هذه الآيات لمن تدبرها، كلها تبين آياته سبحانه ومخلوقاته وعظيم نعمته بذلك، وتدعوهم إلى التفكر في ذلك والتدبر، وأن هذه المخلوقات والآيات العظيمة لها خالق مدير عظيم، وأن غيره لا يملك من ذلك شيئا فكلهم مربوبون مخلوقون، وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة سبحانه دون ما سواه، وقد أمر الله الناس بالنظر في هذا الملكوت الكبير وما فيه من الآيات العظيمة، أمرهم بذلك في آيات كثيرة من كتابه الكريم، وذم من لم ينظر في ذلك ويتفكر ليقوده ذلك إلى معرفة ربه الخالق المدبر ليعلم أنه المستحق للعبادة وحده.
ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيات ٢٠ – ٢٢ من سورة الحج. ٢ الآية ١٠١ من سورة يونس. ٣ الآية ٢٠ من سورة العنكبوت.
[ ٢٢١ ]
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ٢.
المنكرون لربوبية الله تعالى:
سبق الكلام على أن معرفة الله تعالى والإقرار به أمر فطري، وأن الله قد أخذ الميثاق علىعباه وهم في الأزل وهم في عالم الذر أنه ربهم فشهدوا بذلك على أنفسهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ١٨٥ من سورة الأعراف. ٢ الآيات ٦-١١من سورة ق. ٣ الآيتان ١٧٢، ١٧٣ من سورة الأعراف.
[ ٢٢٢ ]
وأقر الكفار بربوبية الله تعالى وشهد الله لهم بذلك، ولكن ذلك لم ينفعهم شيئا حيث أشركوا في ألوهيته واتخذوا شركاء وآلهة من دون الله زعموا أنها تشفع لهم عند الله.
ومع هذا فقد وجد في البشر من أنكر ربوبية الله وجحدها، ونسبها إلى نفسه أو اعتقدها في غيره، وقائد هؤلاء جميعا فرعون موسى الذي ادعى الربوبية لنفسه وأرغم قومه على الاعتراف بها وأعلن ذلك فيهم كما قال الله حكاية عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١.
وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ٢.
وقال موجها الخطاب إلى رسول الله موسى ﵊ حين دعاه إلى عبادة الله وحده: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٣.
وبلغ به الفساد والمكابرة إلى أن قال كما حكى الله عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من سورة القصص. ٢ الآية ٢٤ من سورة النازعات. ٣ الآية ٢٩ من سورة الشعراء. ٤ الآية ٣٦، ٣٧ من سورة غافر.
[ ٢٢٣ ]
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١
ومثله ذلك الذي حاج إبراهيم ﵇ في ربه وناظره إبراهيم ﵇ فأفحمه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وكذلك الرسل احتجت بالمعجزات على أشد الخلق عنادا، وكان هذا الذي أفحم به إبراهيم ﵇ خصمه الكافر الذي زعم أنه يحيي ويميت، فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ٣ وهو الذي احتج به موسى ﵊ على فرعون، وسماه موسى شيئا بينا كما جاء في سورة الشعراء حيث قال
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من سورة القصص. ٢ الآية ٢٥٨ من سورة البقرة. ٣ الآية ٢٥٨ من سورة البقرة.
[ ٢٢٤ ]
فرعونك: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فقال موسى ﵊: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ ١ الآية.
ومن هؤلاء المنكرين الجاحدين لربوبية الله تعالى: الدهريون: الذين يزعمون أن العالم يسير بنفسه، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٢.
فكذبهم الله تعالى في زعمهم هذا، وبين أنهم لا علم لهم بذلك، وأن مصدرهم في ذلك الظن، وغاية حجة هؤلاء حين يدعون إلى الحق، ويسمعون آيات الله غاية حجتهم طلب إخراج آبائهم وإعادتهم، ورد الله عليهم في الآية التي بعد الآية السابقة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وهؤلاء الملحدون منهم، فوصفهم – سبحانه- بعدم العلم مرة أخرى.
_________________
(١) ١ أبو عبد الله بن الوزير، ترجيح أساليب القرآن على الأساليب اليونان ص ٩٢. ٢ الآية ٢٤ من سورة الجاثية. ٣ الآية ٢٦-٢٧ من سورة الجاثية
[ ٢٢٥ ]
والعجب من هؤلاء كيف يغالطون أنفسهم، ويكابرون ويجحدون فطرهم التي تقر بوجود الله تعالى، وأنه خالقهم وربهم، فينكرون ذلك وينسبونه إلى غيره كفرا وإلحادا.
فصورة هؤلاء الملاحدة أن جميع الموجودات وجدت بغير موجد، وجدت مصادفة من طبيعة عمياء لا علم ولا قصد ولا شيء من الشعور الإرادي، فلو صورت المحالات والممتنعات بأوضح من هذا التصوير، وأشد مكابرة للعقول لم يهتد المصور إلى تعبير شيء ممتنع أبلغ من هذا المنطق الجنوني، وهذا جزاء من جاءه الحق فرده، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ١،٢.
ومنهم: الثنوية٣: من المجوس الذين يجعلون للعالم خالقين، خالقا للخير وهو النور، وخالقا للشر وهو الظلمة٤.
وكذلك: النصارى: القائلون بالتثليث، فيجعلون الآلهة ثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس.
_________________
(١) ١ الآية ١١٠ من سورة الأنعام. ٢ عبد الرحمن بن ناصر السعدي – الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين ص ٦٣-٦٤. ٣ الثنويه: هم أصحاب الاثنين الأزليين يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان. انظر الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/٨٠. ٤ انظر الفتاوى لابن تيمية ٣/٩٧.
[ ٢٢٦ ]
ولما وجد في الناس من ينازع في توحيد الربوبية، ويجعل لغير الله ﷿ شيئا من الشركة معه في الخلق والتدبير، لم يهمل القرآن الكريم الاحتجاج له، بل قرره أبدع تقرير في سورة المؤمنين ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
يقول شارح الطحاوية عن هذه الآية: "فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية"١.
ولكن هؤلاء المنكرين الجاحدين لربوبية الله جميعا وإن أنكروا ذلك وجحدوه فإن الحقيقة التي ينبغي أن تعرف أنهم في أنفسهم يقرون بأن الله خالقهم وإن أنكروا ذلك في الظاهر، فهم كما قال الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢.
وأول هؤلاء فرعون، الذي كشف له موسى عن حقيقته التي يخفيها ويتنكر لها، فقال له موسى كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ محمد خليل الهراس، دعوة التوحيد ص ٣٣-٣٥. ٢ الآية ١٤ من سورة النمل. ٣ الآية ١٠٢ من سورة الإسراء.
[ ٢٢٧ ]
وكذلك موسى يجيبه في مناظرته له وتجاهله لخالقه وربه تجاهل العارف، قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١ ولما وجهه موسى بهذه الحجج والحقائق الدامغة التي لا يستطيع فرعون المغالطة فيها كانت إجابته لا تعدوا الاستهتار والمكابرة ولما ظهر عجزه أطلق سلاح الجبابرة المعروف، وهو التهديد فقال: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٢ فكان فرعون يعلم ويتيقن أن الله ربه وخالقه ولكن كبره وعناده وغروره وتزيين الملأ من حوله الذي كان يوجه القول إليهم حين يسأله موسى، كل ذلك أبى عليه إلا أن يتمادى في طغيانه وضلاله وإضلاله قومه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٣.
ولقد أفصح فرعون عن هذه الحقيقة التي كان يجحدها، أفصح عنها في غير وقتها، حين عاين الموت، وأيقن بالهلاك كما قال الله عنه: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
_________________
(١) ١ الآيات ٢٣-٢٨ من سورة الشعراء. ٢ الآية ٢٩ من سورة الشعراء. ٣ الآية ٥٤ من سورة الزخرف.
[ ٢٢٨ ]
آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
ومثل فرعون كل الملاحدة والدهريين، فهم في قرارة أنفسهم يعترفون بأن الله ربهم وخالقهم، ولكنهم يغالطون ويكابرون هذه الحقيقة، فمعرفة الله تعالى مستقرة في الفطر، ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن للعالم صانعين متماثلين في الصفات والأفعال، والثنوية من المجوس، والنصارى القائلون بالتثليث مع ما في قولهم من الكفر لم يقولوا بالتساوي بين الآلهة، فالمجوس لا يسوون بين النور والظلمة، فالنور هو الأصل عندهم وهو الذي سيغلب في النهاية، والنصارى لا يقولون بتساوي الأقانيم الثلاثة، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الابن والأب وروح القدس إله واحد٢.
والقرآن قد بين أتم بيان وأقطع حجة أن الله تعالى هو وحده الخالق المالك المدبر رب كل شيء ومليكه كما سبق ذكره في الآية السابقة وهي
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ٩٠، ٩١ من سورة يونس. ٢ انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص ٨٠، ومدارج السالكين لابن قيم الجوزية ١/٦٢، ودعوة التوحيد لخليل الهراس ص ٣٣. ٣ الآيتان ٩١، ٩٢ من سورة المؤمنون. ٤ الآيتان ٢١، ٢٢ من سورة الأنبياء.
[ ٢٢٩ ]
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٤. وبهذه الطريقة البينة الواضحة المستقيمة، بين القرآن ربوبية الله تعالى للناس، ودعاهم إلى ربهم وخالقهم ليعبدوه وحده لا شريك له بأوضح أسلوب وأسهل طريق.
أما ما سلكه كثير من المتكلمين من مسالك عقلية لإثبات الربوبية، كالاستدلال على وجود الله تعالى عن طريق الجواهر والأعراض، إلى آخر ما يقولون في ذلك من أمور يصعب فهما حتى على المتخصص فضلا عن الجمهور، مع ما عليها من اعتراضات وما فيها من اختلاف.
وكذا ما سلكه الفلاسفة في هذا الباب من تقسيم الموجود إلى ممكن الوجود، وواجب الوجود، وما لهم من كلام حول ذلك ليس هذا مكان استقصائه ويجعلونه دليلا على وجود الله تعالى، ويسمونه علم ما بعد الطبيعة، وإمامهم في ذلك أرسطو، الذي يلقبونه المعلم الأول، وتبعهم في بعض ذلك بعض الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وغيره، وخلطوا في ذلك بين ما سلكه المتكلمون وما سلكه الفلاسفة١.
وكلا المسلكين انحراف عن الصراط المستقيم، ينتهي بأهله إلى الشك والشطح والانحراف.
_________________
(١) ١ انظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٨/١٣٥، والفتاوى١/٤٩.
[ ٢٣٠ ]
والطريقة الشرعية تتضمن الخبر بالحق والتعريف بالطرق الموصلة إليه النافعة للخلق.
وأما الكلام على كل ما يخطر ببال كل أحد من الناس من الشبهات السوفسطائية فهذا لا يمكن أن يبينه خطاب على وجه التفصيل، والعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها، وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ويمرضها فترى الحق باطلا، كالبدن إذا فسد أو مرض فإنه يجد الحلو مرا، ويرى الواحد اثنين، فهذا يعالج بما يزيل مرضه.
والقرآن فيه شفاء لما في الصدور من الأمراض، والنبي ﷺ علم أن وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس، وإنه معلوم الفساد بالضرورة، فأمر عند وروده بالاستعاذة بالله منه، والانتهاء عنه كما في الصحيحين – واللفظ لمسلم – عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله".
وفي لفظ آخر: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول الله، ثم ذكر بمثله، وزاد ورسله"
وفي لفظ آخر يقول: "من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فيستعذ بالله ولينته" هذا لفظ البخاري١ أو نحوه٢. ثم ذكر أحاديث أخرى في هذا المعنى.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/٣٣٦، ومسلم بشرح النووي ٢/١٥٣، ١٥٤. ٢ ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٠٦-٣٠٧.
[ ٢٣١ ]
١- أن ربوبية الله تعلى أمر فطري مستقر في النفوس، والإلحاد والكفر طارئ عليها.
٢- طريق القرآن الكريم في إثبات ربوبية الله تعالى هي الطريقة الأصوب والأقرب للإفهام، والموافقة لأصل الفطرة، وطريقة المتكلمين والفلاسفة ومن نحا نحوهم طريقة تثير الشك أكثر مما تدعو إلى الإيمان.
٣- وجود من يجحد الربوبية لله ويدعيها لنفسه أو ينسبها لغيره، وجاء القرآن بالرد القاطع على هؤلاء وأمثالهم.
٤- جحود المنكرين للربوبية مخالف لما في نفوسهم، إذ هم في قرارة نفوسهم يعترفون بأن الله خالقهم.
٥- الحق أنه لم يوجد في البشر من يقول بوجود خالقين متماثلين متكافئين في الصفات والأفعال.
٦- المشركون كانوا يقرون بالربوبية لله تعالى والقرآن شهد لهم بذلك، وإقرارهم هذا لم ينفعهم، لعدم إقرارهم بألوهية الله ﷿.
٧- بيان القرآن الكريم للربوبية دعوة إلى توحيد الألوهية.
٨- خطأ من جعل توحيد الربوبية هو المطلب الأول في التوحيد.
ومما تقدم يتضح أن هذه الشواهد التي سلف ذكرها قد جاءت لترسيخ هذا النوع من أنواع التوحيد، وحفظهم من مزالق الإلحاد، والاستدلال به على توحيد الألوهية، التي جاءت الرسل بالدعوة إليه، ولهذا فإن حماية توحيد الربوبية وبيانه للناس مطلوب للدعوة إلى توحيد الألوهية وحمايته.
[ ٢٣٣ ]
المبحث الثاني: توحيد الألوهية.
ومعناه: إفراد الله تعالى بجميعأنواع العبادة وإخلاصها له وحده لا شريك له ظاهرا وباطنا، وهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد.
ويسمى توحيد العبادة، لأن الألوهية والعبودية بمعنى واحد، إذا معنى الإله: المعبود، قال ابن عباس ﵄: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين"١.
مكانته وأهميته:
هذا التوحيد أعظم أنواع التوحيد وأهمها، والمتضمن لها جميعا، ولا يصير العبد مؤمنا إلا بتحقيقه، وهو الذي لأجله خلق الله عباده، وأنزل كتبه، وبعث أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ خليل الهراس، دعوة التوحيد ص ٣٧. ٢ الآية ٥٦ من سورة الذاريات. ٣ الآية ٣٦ من سورة النحل. ٤ الآية ٥ من سورة البينة.
[ ٢٣٤ ]
وهو أول واجب على العبد، والذي من أجله قامت الخصومة بين الرسل وأممهم، إذ هو أول ما دعا إليه أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام فهو مفتاح الجنة ومفتاح دعوة كل نبي إلى قومه، إذ يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
"وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية، والإجلال والتعظيم وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١ فهذا أول أمر القرآن٢.
وهو أول واجب على المكلف، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله – وفي رواية – إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات إلى آخر الحديث" ٣.
_________________
(١) ١ الآية ٢٢ من سورة البقرة. ٢ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص ٣١. ٣ تقدم تخريجه ص ١٩٨.
[ ٢٣٥ ]
وكما قال ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله إلى آخر الحديث" ١.
والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، كلها تبين أن هذا التوحيد هو لب الإسلام وحقيقته وأساسه، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله" ٢ الحديث.
أدلة توحيد الألوهية:
الأدلة على هذا النوع من أنواع التوحيد كثيرة جدا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من هذا التوحيد.
ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ١٩٧. ٢ البخاري مع الفتح ١/٤٩، ومسلم بشرح النووي ١/١٧٦. ٣ الآية ٣٦ من سورة النحل. ٤ الآية ٢٥ من سورة الأنبياء.
[ ٢٣٦ ]
وقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ منْ أَمْرِهِ عَلَى منْ يَشَاءُ منْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١.
وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣.
وقولهِ: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٥.
وقوله: ﴿وَما أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦ وسورة الكافرون بكاملها.
_________________
(١) ١ الآية ١،٢ من سورة النحل. ٢ الآية ١٨ من سورة آل عمران. ٣ الآية ٤٥ من سورة الزخرف. ٤ الآية ٣ من سورة الزمر. ٥ الآية ٥ من سورة البينة. ٦ الآية ٣١ من سورة التوبة.
[ ٢٣٧ ]
والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث سبق ذكر بعضها، وغيرها كثير في الدلالة على هذا النوع العظيم من التوحيد والأمر به، وبيان تحقيقه والتحذير من مخالفته.
منهج القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية:
سبق الكلام على أن القرآن كله توحيد، وتوحيد الألوهية أعظم التوحيد، بل هو التوحيد كله، إذ هو متضمن له.
ولهذا جاء القرآن الكريم مبينا لهذا التوحيد، وآمرا به وداعيا إليه بأساليب متنوعة ومناسبة لمعالجة ما كان عليه الناس وقت نزول القرآن، وما يأتي بعد ذلك، من صورة ترجع في كثير من الأحيان إلى تلك الصورة الأولى التي كان عليها المجتمع الجاهلي وقت نزول القرآن من فساد في العقيدة وضلال عن الصراط المستقيم، وانحراف عن العبودية الحقة لله تعالى التي هي أشرف مقام.
"ولما كان توحيد الألوهية هو مناط الإيمان بالله ورسله كان لابد أن يعنى القرآن بتقريره والبرهنة عليه بالأدلة العقلية والبراهين الصحيحة، لأن الشرك الذي وقع فيه جميع الأمم، كان في هذا النوع، فإن عامة مشركي الأمم كانوا مقرين بالصانع، ويعترفون بتوحيد الربوبية، ولكنهم مع إقرارهم بربوبيته قد أشركوا بعبادته غيره، وكان ما عابه مشركو العرب على محمد "أن جعل الآلهة إلها واحدا"وقالوا له: "إن هذا لشيء عجاب".
[ ٢٣٨ ]
ولا شك في وجب الإيمان بتوحيد الربوبية إلا أنه ليس كل الواجب، وليس هو مناط الإيمان والكفر، ولا مناط التوحيد والشرك، وليس بمجرد الإقرار به يكون الفرد موحدا "١
وإليك أهم الأساليب التي جاء بها القرآن الكريم في الدعوة إلى هذا النوع من التوحيد:
منها: بيان آيات ربوبيته سبحانه التي يراها الناس، ويقرون بها، وإنه سبحانه هو خالقها، ثم يختمها بالدعوة إلى أفراده سبحانه بالعبادة، فكما أنه المتفرد بهذا الخلق، فيجب أن يكون وحده سبحانه المتفرد بالعبادة لا شريك له، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَفَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، كتاب التوحيد وإخلاص العمل لله ﷿، تحقيق د. محمد السيد الجليندي ص ٥٨، ٥٩ ٢ الآيتان ٢١، ٢٢ من سورة البقرة. ٣ الآيتان ٣١،٣٢من سورة يونس.
[ ٢٣٩ ]
وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ َ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُون قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ َ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ مَا اتَّخَذَ اللهُ
_________________
(١) ١ الآيات من ٥٩-٦٤ من سورة النمل.
[ ٢٤٠ ]
مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
والآيات في هذا كثيرة جدا، وأنت ترى أن الله تعالى يبين للناس آيات ربوبيته ودلائل خلقه التي يعترفون بها ويعلمون أن الله سبحانه هو خالقها وحده ولكنهم مع ذلك يشركون في ألوهيته سبحانه غيره، فالآيات تحتج عليهم بما أقروا به من توحيد الرببوبية، فإن ذلك في الوقت نفسه دليل على توحيد الألوهية، إذ هما متلازمان، ولا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية وحده، بل هم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ فإن الله تعالى كما أنه الواحد في ربوبيته لا شريك له، فكذلك الواحد في ألوهيته لا شريك له، وهذا حق الله تعالى على عباده كما جاء في حديث معاذ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا"، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" ٢.
_________________
(١) ١الآيات من ٨٤-٩٢ من سورة المؤمنون. ٢ البخاري مع الفتح ٦/٥٨، ومسلم بشرح النووي ١/٢٣٠.
[ ٢٤١ ]
"وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألهم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم، وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: لا إله إلا الله رأس الأمر"١.
_________________
(١) ١ ابن تيمية – الفتاوى ١/٢٣.
[ ٢٤٢ ]
* ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى الألوهية:
بيان عجز الآلهة التي يدعونها من دون الله تعالى، وإنها لا تملك لنفسها كما لا تملك لغيرها نفعا ولا ضرا من دون الله، وجاء ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى:
منها: قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ ١.
وقوله في سورة النحل في موضعين: الأول قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآيات من ١٩١-١٩٥ من سورة الأعرف. ٢ الآيتان٢٠، ٢١ من سورة النمل.
[ ٢٤٣ ]
والآخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٣.
والآيات في هذا كثيرة تبين عجز هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله تعالى وأنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعا ولا ضرا، بل إن الذين اتخذوها هم أنفسهم أكمل وأقدر من آلهتهم التي يعبدونها، ومنهم من يعرف عجزها وضعفها، ولكنه مع ذلك قد ارتضى ذلك لنفسه، ليعيش في حضيض الشرك وحمأة الكفر بدلا من كرم التوحيد وعزة الإيمان٤، كما
_________________
(١) ١ الآية ٧٣ من سورة النحل. ٢ الآية ٧٣ من سورة الحج. ٣ الآية ١٣، ١٤ من سورة فاطر. ٤ انظر معارج القبول لحافظ حكمي ١/٣٥٩-٣٦٠، وكتاب دعوة التوحيد لخليل الهراس ص ٤٠-٤١
[ ٢٤٤ ]
ورد أن رسول الله ﷺ سأل حصينا والد عمران قبل إسلامه "كم تعبد اليوم من إله؟ قال سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال ﷺ: فمن تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: ألا تسلم فأعلمك كلمات، فأسلم فقال النبي ﷺ: "قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي" ١.
ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية:
بيان حال عباد هذه الآلهة، والتنديد بهم، والتشنيع عليهم، ووصفهم بالضلال والغي والعمى، والبعد عن الهدى والرشاد، فآلهتهم عاجزة قاصرة وقد اتخذوها من دون الله، فهم قاصروا الأفهام ضالوا العقول، وإلا لما عبدوا آلهة هم أكمل منها وأقوى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن خريمة في كتاب التوحيد ص ١٢٠، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٥٣٤، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم (٦) ص ٧٨. ٢ الآيتان ٥، ٦ من سورة الأحقاف. ٣ الآية ٤١ من سورة العنكبوت.
[ ٢٤٥ ]
وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ١.
والآيات في هذا كثيرة تبين قصور أفهام من يشرك بالله ويتخذ من دونه آلهة عاجزة وقاصرة ليعبدها مندون الله أو يجعلها واسطة وشافعة تقربه من الله كما كان المشركون يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
* ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية:
بيان ما يقع يوم القيامة بين هؤلاء المشركين وآلهتهم من براءة بعضهم من بعض، وتخليهم عن عابديهم وتنكرهم لأتباعهم، في حال هم أحوج ما يكون إلى من يشفع لهم ويدافع عنهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ
_________________
(١) ١ الآية ٣ من سورة الفرقان. ٢ من الآية ٣ من سورة الزمر.
[ ٢٤٦ ]
الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ٢.
* ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية:
ما جاء في قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم أممهم إلى توحيد الله تعالى وإفراده وحده بالعبادة، وكان ذلك مفتاح دعوة كل نبي ورسول منهم، وما جرى بينهم وبين أقوامهم لأجله من خصومة وما دارت بسببه من معارك عظيمة بالبيان والسنان، وما كان من ذلة وهلاك لأعداء الله وأعداء رسله، ونصر ومنعة وغلبة للرسل وأتباعهم، وتلك سنة الله في خلقه، وهو الذي يقول بعد ما قص دعوة عدد من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيات من ١٦٥، ١٦٧ من سورة البقرة. ٢ الآيتان ٢٨، ٢٩ من سورة يونس. ٣ الآية ٨٣ من سورة هود.
[ ٢٤٧ ]
والآيات عن قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم كثيرة جدا نكتفي بمثال واحد لذلك وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآيات ٩-٤ من سورة إبراهيم.
[ ٢٤٨ ]
والحديث عن قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم في دعوتهم يوضح أن توحيد الله وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، هو المهمة الأولى للرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال لله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١.
ومما تقدم يتبين أهمية توحيد الألوهية المتضمن لأنواع التوحيد جميعا والمطلوب من الناس كافة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فيكون الدين كله لله لا يخاف إلا الله ولا يدعو إلا الله، ويكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، فيحبون لله، ويبغضون لله، ويعبدون الله، ويتوكلون عليه، والعبادة تجمع غاية الحب وغاية الذل، فيحبون الله بأكمل محبة ويذلون أكمل ذل، ولا يعدلون به ولا يجعلون له أندادا ولا يتخذون من دونه أولياء ولا شفعاء كما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو فطب رحى
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة النحل.
[ ٢٤٩ ]
القرآن الذي يدور عليه القرآن، وهو يتضمن التوحيد في العلم والقول، والتوحيد في الإرادة والعمل "١.
فتوحيد الربوبية وحده لا يكفي، وإلا لما بعث الرسل لأن أممهم كانت مقرة به وإنما انحرافهم في جانب توحيد الألوهية، وإذًا فلا بد مع توحيد الربوبية من توحيد الألوهية المتضمن له، وتحقيق ذلك بصرف جميع العبادات لله تعالى وحده لا شريك له وإخلاصها له سبحانه دون من سواه، وذلك يشمل جميع العبادات القولية والقلبية والعملية والمالية.
فالعبادات القولية:
هي ما يتعلق باللسان من الدعاء والذكر والاستعاذة والاستعانة والاستغاثة والحلف وغير ذلك، فلا يصرف شيئا منه لغير الله سبحانه، وإن شابت ذلك شائبة من الشرك فقد أشرك مع الله على قدر ما اقترف من ذلك.
والعبادات القلبية:
وهي التي تتعلق بالقلب، وهي أهم العبادات كلها فهي أساسها وأصلها، ومن هذه العبادات الحب، والخوف، والإخلاص، والصبر، والرغبة، والرهبة وغيرها من العبادات المتعلقة بالقلب، وأدلة ذلك كثيرة ومعروفة من الكتاب والسنة، تأمر بإخلاصها لله وتنهى عن صرفها لأحد غيره.
_________________
(١) ١ ابن تيمية – منهاج السنة النبوية ٢/٦٢.
[ ٢٥٠ ]
والعبادات البدنية:
وهي المتعلقة بالجوارح كالصلاة والصيام والحج وغير ذلك، فكلها يجب إخلاصها لله تعالى وحده لا شريك له.
والعبادات المالية:
وهي ما يتعلق بأموال العباد، وما يجب عليهم فيها عبادة لله تعالى وحده لا شريك له كالزكاة والنذر والصدقات المالية والذبح وغير ذلك مما يتعلق بالأموال١.
والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٢ فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده٣.
ومما تقدم من الكلام عن هذين النوعين من التوحيد وما جاء فيهما من الأدلة والشواهد يتبين لنا أن الله ﷾ قد جعل ذلك صيانة لهذا التوحيد وترسيخا له في النفوس، وحفظا له نقيا صافيا بعيدا عن
_________________
(١) ١ انظر: كتاب مدارج السالكين لابن القيم ١/١٠٠ وكتاب دعوة التوحيد لمحمد خليل هراس ص ٤٧-٦٩. ٢ الآية ٥ من سورة البينة. ٣ ابن تيمية – اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم ٢/٨٣٠ – تحقيق د. ناصر ابن عبد الكريم العقل.
[ ٢٥١ ]
مزالق الشرك والإلحاد، يربط الناس بخالقهم وإلههم وحده لا شريك له فيخلصوا له العبادة وحده، وقد بين ذلك رسوله محمد ﷺ ودعا إليه وحمى جانبه، وحذر من كل ما يدنسه أو يشوبه، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، ونهى عن كل وسيلة تؤدي إليه وإن لم تكن شركا، كل ذلك حماية لجناب التوحيد الذي هو أول واجب على العبد، وأول ما دعا إليه الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وإمامهم وخاتمهم محمد ﷺ.
[ ٢٥٢ ]
المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات
ومعناه: الإيمان بما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله ﷺ في سنته من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه تعالى موصوف بها على الحقيقة كما يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فهو توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته.
الأسس التي يقوم عليها توحيد الأسماء والصفات:
من هذا التعريف لهذا النوع من التوحيد يتبين لنا أنه يقوم على ثلاثة أسس:
الأول: أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فلا نثبت لله تعالى ولا ننفي عنه إلا بدليل من الكتاب أو من السنة، إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من هذا الطريق.
الثاني: الإيمان بأن الله تعالى لا يشبه أحدا من خلقه في أسمائه ولا صفاته كما لا يشبهه أحد من خلقه، وإن سمى أو وصف أحدا من المخلوقين بتلك الأسماء والصفات، فذلك اشتراك في اللفظ لا يوجب مماثلة المخلوقين له فيما دلت عليه هذه الأسماء والصفات، فأسماء الله تعالى وصفاته على ما يليق به ﷾ وما يسمى به من المخلوقين أو يوصف من ذلك فعلى ما يليق بالمخلوق نفسه، فكل على ما يليق به.
[ ٢٥٣ ]
وإذا علم هذا فلا حاجة إلى ما سلكه أهل الكلام من تعسف في تأويل النصوص وصرفها عن معانيها بحجة تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين١.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام٣.
قال نعيم بن حماد٤ شيخ الإمام البخاري رحمهما الله تعالى: "من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه أو وصفه رسوله كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل"٥.
الثالث: أن صفات الله كلها صفات كمال، فله سبحانه الكمال المطلق، وهو المنزه عن كل نقص، وكل صفة كمال تثبت للمخلوق
_________________
(١) ١ انظر: فتاوى ابن تيمية. ٢ الآية ١١ من سورة الشورى. ٣ ابن تيمية – نفس المصدر ٣/٧٦. ٤ هو نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي، أبو عبد الله المروزي، نزيل مصر فقيه عارف بالفرائض مات سنة ٢٢٨هـ. انظر تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر ٢/٣٠٥. ٥ ابن أبي العز شرح الطحاوية ص ١١٧، ١١٨.
[ ٢٥٤ ]
وأمكن أن يتصف به الله ﷾ فهو أحق بها وأولى، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالله أولى وأحق بالتنزه عنه، ومما ينبغي معرفته في الإيمان بأسماء الله وصفاته أن يقطع الطمع في كيفيتها وألا يسأل عن ذلك، إذ لا يسأل عن صفات الله تعالى بكيف وأن يعلم مع ذلك ويعتقد أن هذه الصفات معلومة المعنى، فلم يخاطب الله تعالى عباده ويتعبدهم بأمور لا يعلمون معناها، ولهذا قال الإمام مالك ﵀ وغيره من السلف لمن سأل عن كيفية استواء الله تعالى على عرشه: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
وقال ربيعة شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان"١.
أدلة هذا النوع من التوحيد:
الأدلة عليه من الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة كثيرة، فقد لا تخلو سورة من سور القرآن الكريم من ذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته ومن ذلك سورة الإخلاص فهي بكاملها عن أسماء الله وصفاته، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر فتاوى ابن تيمية ٣/٥٨. ٢ سورة الإخلاص.
[ ٢٥٥ ]
وقد وردت أحاديث في فضل هذه السورة العظيمة منها ما أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك، وكان الرجل يتقالها، فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن" ١.
ومن أدلة هذا النوع من التوحيد: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٢.
وقد اشتملت على عدد من أسماء الله تعالى وصفاته، وهي أعظم آية في القرآن كما أخبر عن ذلك رسول الله ﷺ، فقد أخرج الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ "قال: الله ورسوله أعلم، قال: قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال فضرب في صدري: "والله ليهنك العلم أبا المنذر" ٣.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٩/٥٨، ٥٩. ٢ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٩٣.
[ ٢٥٦ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
والآيات في هذا كثيرة جدا.
ومن السنة قوله ﷺ: "اللهم رب السماوات السبع والأرض رب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، أقض عني الدين واغنني من الفقر" ٢.
ومنها قوله ﷺ: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى تلك الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" ٣.
والأحاديث في ذلك أيضا كثيرة جدا.
_________________
(١) ١ الآيات من ٢٢-٢٤ من سورة الحشر. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/٣٦. ٣ صحيح البخاري مع الفتح ٣/٢٩.
[ ٢٥٧ ]
مناهج المتكلمين في أسماء الله وتعالى وصفاته:
تقدم فيما سبق الكلام عن مذهب السلف في أسماء الله تعالى وصفاته، وأنه المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه، فهو الموافق لما جاء عن الله ﷿، وعن رسوله ﷺ، وتشهد له الفطر السليمة والعقول المستقيمة، ناهيك عما في القرآن والسنة من أدلة دامغة.
إلا أن أقواما ساءت أفهامهم وزلت أقدامهم، وعميت بصائرهم عن معرفة هذا الحق وسلوك سبيله وسلكوا في هذا الباب مناهج مختلفة مرجعهم فيها عقولهم القاصرة وأفهامهم العاجزة، فخبطوا في ذلك خبط عشواء حتى انتهى الأمر بأكثرهم إلى الحيرة والشك، ومن اشهر مناهجهم:
منهج أهل التشبيه:
وهم الذين جعلوا صفات الله تعالى من جنس صفات المخلوقين، وقاسوها عليها، فلم يفهموا منها إلا مثل للمخلوقين، وأنه لا حقيقة لها سوى ذلك، وأن هذا هو ما يعقل منها، والله لا يخاطب الناس بما لا يعقلون١.
ولا شك أن هذا فساد في الفهم وانحراف في الاعتقاد، وعمى في البصائر، إذ يحصرون ذلك فيما يشبه المخلوق، ولو رزقوا صحة في الفهم وسلامة في الاعتقاد لعلموا يقينا أن صفات الله سبحانه ثابتة له على ما
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الصواعق المنزلة لابن قيم الجوزية ١/٢٥١.
[ ٢٥٨ ]
يليق بجلاله وعظمته لا بشبه صفات المخلوق، إذ صفاتهم على ما يليق بهم، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
أهل التأويل:
ومنهم الجهمية والمعتزلة، ومنهجهم: "أن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص من مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم واتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة، ومن دخل في شيء من ذلك"١.
فحقيقة مذهبهم أنهم يقررون أن الصفات لا تدل على حقائق معانيها، فيؤولون ذلك إلى معان أخرى، كتأويلهم اليد بالنعمة، والاستواء بالاستيلاء وغير ذلك، وبناءً عليه فإن صفات الله لا تدل على ما وصف به نفسه حقيقة بل مجازا، فحكموا عقولهم في ذلك واضطربوا فيه اضطرابا كبيرا،"وهم أشد الناس اضطرابا، إذ لم يثبت لهم قدم في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، ولا ضابط مطرد منعكس تجب مراعاته، وتمتنع مخالفته"٢.
_________________
(١) ١ ابن تيمية – الفتوى الحموية الكبرى ص ٣٧-٣٨. ٢ انظر: كتاب الصواعق المنزلة لابن قيم الجوزية ١/٢٤٥.
[ ٢٥٩ ]
ولا ريب أن هذا تحكيم للعقل في نصوص الكتاب والسنة، بل تقديم له عليهما، وفتح لباب الضلال والانحراف، فكل طائفة لا تقبل عقول أهلها أمرا تؤوله ليوافق العقل، وهذا باب واسع لا ينحصر، يفقد معه الفهم الصحيح لمعاني كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وتنعدم الثقة بدلالتهما، وإرشادهما للعباد، إذ اصبح الميزان هو العقل، والعقول تختلف وتتفاوت١.
أهل التفويض:
ومنهجهم: أن نصوص الصفات من آيات وأحاديث لا تعقل معانيها، ولا يعلمها إلا الله، وأن الرسول ﷺ لا يعلم معانيها ولا جبريل ولا السلف السابقون، ثم تناقضوا في ذلك:
فمنهم من قال: تجري على ظواهرها وتأويلها بما يخالفه باطل، ولا يعلم تأويلها إلا الله.
ومنهم من يقول: المعنى المراد بها خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعلم هذا المعنى أحد من الأنبياء ولا غيرهم.
وهذا تناقض عجيب، إذ يقولون تجري على ظاهرها، ثم يقولون الظاهر غير مراد، ويقولون مع هذا لها تأويل لا يعلمه إلا الله، وهذا يخالف معنى التفويض الذي حقيقته ألا يحكم المفوض بنفي ولا إثبات.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص ٢١٦
[ ٢٦٠ ]
ومنشأ غلطهم وتناقضهم أنهم جعلوا نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فضلوا بذلك عن الفهم الصحيح الذي فهمه سلف الأمة وأتباعهم بإحسان، إذ لم يرد عنهم أنهم جعلوا نصوص الصفات من
المتشابه، وفهموا وبينوا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وعقلوا المعنى الصحيح للتأويل من تفسير الشيء أو حقيقته التي يؤول إليها.
ومنهج أهل التفويض هذا له نتائجه الخطيرة التي من أخطرها:
أ - أن الله أمر الناس بألفاظ مجردة لا يعلمونها ولا يعقلون معانيها، وهو في الوقت نفسه يأمرهم بالتدبر والتفكر في أمور لا يعلمها حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فضلا عن غيرهم.
ب - أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم جاهلون بربهم لا يعلمون ما وصف به نفسه، وكانوا يكلمون الناس ويبلغونهم ما لا يعلمون معناه.
ت - أن هذا يؤدي إلى إنكار صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة وتعطيلها ورد ما رضيه الله تعالى لنفسه ورضيه له رسوله عليه الصلاة والسلام١.
_________________
(١) ١ انظر: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول بهامش منهاج السنة لابن تيمية ١/١١٦و١١٨
[ ٢٦١ ]
المبحث الرابع: منهج الرسول ﷺ في دعوته إلى التوحيد
سبق الكلام عن الحالة التي وصلات إليها جزيرة العرب قبيل مبعث رسول الله ﷺ وما بلغته من انحطاط عقدي وخلقي واجتماعي، حتى مقت الله تعالى أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم تدارك من شاء منهم برحمته إذ بعث نبيه ورسوله محمدا ﷺ رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، فهدى به من شاء هدايته فأخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبلغ رسول الله ﵊ دعوة ربه كما أمره ربه وجاهد في سبيله حق الجهاد حتى أتاه اليقين وانتشرت هذه الدعوة في العالمين، وربى عليها أصحابه ﵃ في مكة ثلاث عشر سنة ثم في المدينة فكانوا خير من حمل لواء هذه الدعوة دعوة التوحيد وبلغوها إلى الناس وجاهدوا في سبيلها وحموا حماها يقودهم رسول الله ﷺ، ومن بعده خلفاؤه الراشدون الذين أوصى ﵊ باتباع هديهم، واقتفاء أثرهم، وكذلك سائر الصحابة جاهدوا في سبيل هذه الدعوة ونشرها والدفاع عنها وحمايتها من كل شك وشرك كما علمهم رسول الله ﷺ ورباهم.
وفيما يلي سأتحدث عن المنهج الذي نهجه رسول ﷺ في دعوته إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وترسيخ هذا النوع من التوحيد في نفوس الأمة، وتحصينها من الوقوع فيما يناقضه أو يخالفه، إذ هو أول واجب
[ ٢٦٢ ]
على العبد، وأساس إيمانه وإسلامه، كما هو محور دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام.
والحديث عن ذلك فيما يلي:
أولا: بيان أن دعوته ﷺ إنما كانت تدور حول تحقيق التوحيد
تقدم الكلام عن دعوة الأنبياء والرسل وأنها كانت كلها إلى التوحيد، كما جاء بيان ذلك في القرآن الكريم، فكلما انحرف الناس عن عقيدة التوحيد واندرست معالمه، بعث الله رسولا يجدد هذه الدعوة، ويعيد الناس إلى الصراط المستقيم، ويجدد لهم ما اندرس من هذه العقيدة، التي هي أول واجب عليهم، وأساس كل عمل يعملونه طاعة لربهم، فمن أجل ذلك خلق الله الخلق، وبعث الرسل وأنزل الكتب، وبسببه قامت الخصومة بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبين أعدائهم في كل زمان ومكان، وفي سبيله جاهد الرسل وأتباعهم، وكذلك كان رسول الله محمد ﷺ فهو خاتم الأنبياء والرسل ورسالته خاتمة الرسالات، وبعثته لجميع العالمين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١.
وقال ﵊: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٢٨ من سورة سبأ. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١/٤٣٥.
[ ٢٦٣ ]
فكانت دعوته ﵊ أعظم دعوة إلى التوحيد، فالقرآن كله يدعو إلى التوحيد ويأمر به ويبين الأدلة ويضرب الأمثلة لتقريره والنهي عما يخالفه من الشرك وغيره، ويحكي أخبار أهل التوحيد من الرسل وأتباعهم وكيف كانت العاقبة لهم، وأخبار أعدائهم، وكيف كانت الدائرة عليهم، وما وعد الله أهل توحيده من ثواب ونعيم وما توعد به أعداءهم من عقاب وعذاب.
وكان رسول الله ﷺ يتلو ذلك على الناس ويبينه لهم قولا وعملا في مكة ثلاث عشرة سنة، وعشر سنوات في المدينة كلها كانت في سبيل دعوة التوحيد، باللسان والسنان، والحجة والبيان، يرسل الرسل ويأمرهم بأن يكون التوحيد أول ما يدعون إليه الناس كما بعث معاذا ﵁ إلى اليمن وقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"١.
وكان يكتب الرسائل إلى الملوك يدعوهم وأقوامهم إلى توحيد الله ويحذرهم من الشرك به سبحانه ويحملهم إثم من تبعهم على ما هم عليه.
وحين أذن الله له في الجهاد أعلن في الناس قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ٢ وفي الوقت نفسه يبين لأصحابه مكانة هذا التوحيد وفضله، وينهاهم عن كل
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ١٩٨. ٢ تقدم تخريجه ص ١٩٧.
[ ٢٦٤ ]
ما يدنسه أو يكون ذريعة إلى ما يخالفه، صيانة لهذا التوحيد وحماية له من كل ما يعارضه.
ثانيا: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك
وهذا أساس دعوةته ﵊ ومن قبله جميع المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ ١.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وكما سبق ذكره أن دعوة الرسول ﷺ كانت كلها إلى التوحيد، وتفصيل ذلك سيأتي، وفي هذا المبحث سأذكر أمثلة مما ثبت عنه ﵊ في دعوته لهذا التوحيد ونهيه وتحذيره من الشرك.
منها: قوله ﷺ: "أمرت أن أقتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله " الحديث٣.
وقوله ﵊ كما سبق ذكره في بعثه لمعاذ ﵁: "إنك تأتي قوما أهل كتاب "الحديث٤.
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة النحل. ٢ الآية ٢٥ من سورة الأنبياء. ٣ سبق تخريجه ١٩٧. ٤ سبق تخريجه ١٩٨.
[ ٢٦٥ ]
وقوله ﵊ فيما رواه معاذ ﵁ قال: "كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به"، فقلت يا رسول الله: أفلا أبشر الناس، قال: "لا تبشرهم فيتكلوا".
وما رواه عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله حرم الله عليه النار" ١.
وما رواه جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" ٢.
وما رواه ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" ٣.
وما رواه أبو هريرة ﵁ وقد كانوا مع رسول الله ﷺ في عزوة تبوك ثم ذكر من حديثه فقال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله لا يلفى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٥٧، ٥٨. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٩٤. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٨/١٧٦. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٥٥، ٥٧.
[ ٢٦٦ ]
وما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "أني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، أني أنهاكم عن ذلك" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢.
والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جدا، منها ما يأمر بالتوحيد، ومنها ما يحذر من الشرك وينهى عنه، ومنها ما يحذر من الوسائل والذرائع المفضية إلى الشرك حتى ولو لم تكن شركا، كل ذلك لتقرير هذا التوحيد وترسيخه في القلوب وصيانته من كل ما يخالفه.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٣٧٧، ٣٧٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٧٨.
[ ٢٦٧ ]