فصل. باقي كلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية
فصل.
باقي كلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية
قال أبو البركات بعد أن فرغ من حكاية حجة أرسطو: فأما قول التابعين في هذه المسألة، والمشيدين لما قيل فيها، والمستفيدين بحججها وبراهينها، فأقصى ما وقفنا عليه منه، وأجمعه لما تبدد في غيره، وهو ما قال الشيخ الرئيس، وهذه عبارته.
نقل ابن ملكا لكلام ابن سينا في النجاة
قال: وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، وإلا فذاته إما متقومة بما تعقل فيكون متقومًا بالأشياء، وإما عارض لها أن تعقل، فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة، وذلك محال.
إذ لا يكون لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال ويكون له
[ ١٠ / ٣ ]
حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره، فيكون لغيره فيه تأثير والأصول السالفة تبطل هذا، ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها والكائنة الفاسدة بأنواعها أولا، ويتوسط ذلك بأشخاصها.
قال: ولا يجوز أن يكون عاقلًا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة، وتارة أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من
[ ١٠ / ٤ ]
الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات.
قال: ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة، وبما يتبعها مما لا يتشخص، فلم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة.
قال: ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة، وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، فكذلك إثبات كثير من التعلقات، بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وهذا من العجائب.
قلت: تقسيم ابن سينا صفاته إلى مقومة للذات وعرضية، بناءً
[ ١٠ / ٥ ]
على أصلهم الفاسد في المنطق: من أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما تكون مقومة للذات داخلة فيها، يقولون: هي أجزاء للذات سابقة لها سبقًا عقليًا، وإلى ما تكون خارجة عن الذات عارضة لها بعد تحققها، وإن كانت لازمة لها بوسط أو بغير وسط.
وهذا التقسيم قد بين فساده في غير هذا الموضع، وبين أن الصفات اللازمة للموصوف لا يجوز تقسيمها إلى هذين القسمين، ولا يجوز جعل الذات مركبة من أحد الصنفين دون الآخر، بل لا يجوز جعل الذات مركبة أصلًا منها، إلا أن يعنى بالتركيب اتصاف الذات بها وقيامها بالذات، أو لزوم الذات لها، ونحو ذلك مما تشترك فيه جميع الصفات اللازمة للموصوف.
فأما جعل بعضها داخلًا في حقيقة الموصوف الثابتة في الخارج، وبعضها خارج عن حقيقته الثابتة في الخارج -فكلام في غاية الفساد، وغايتهم أن يجعلوا ذلك تركبًا مما يتصوره المتصور من صفات الموصوف، وهذا أمر يزيد وينقص، ويدخل في المتصور ويخرج منه بحسب تصور المتصور، لا بحسب الحقيقة الثابتة في الخارج، وإن ادعوا أن الحقيقة من حيث هي هي مركبة من ذلك، وأن تلك الحقيقة لا تحقق لها إلا في الأذهان لا في
[ ١٠ / ٦ ]
الأعيان، كما يقوله من يقوله منهم، كان هذا من أدل الأشياء على فساد قولهم وضلالهم في تصورهم.
قال أبو البركات: فهذا ما قاله الشيخ الرئيس.
قال: فقوله: إنه إذا عقل الأشياء من الأشياء كان على أحد وجهين: أحدهما: أن تتقوم ذاته بما تعقل، أو يكون عارضًا لها أن تعقل، وأنه على كلا الوجهين لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته.
جوابه: أما في التقويم فالفرض فيه محال، لأن العاقل لا يتقوم بما يعقله، لأن يعقل هو يفعل، ويفعل: إنما يكون بعد أن توجد بعدية بالذات، فكيف يتقوم الوجود بما هو بعد الوجود بالذات؟.
وأما كونها عارضًا لها أن تعقل، وإلزامه منه أنه لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته، فكأنه من مدح الشعراء، أو من
[ ١٠ / ٧ ]
كلام محسني الألفاظ بالتخيلات من الخطب والمدائح، وإلا فما معنى: من جميع جهاته؟
فإن كونه مبدأ أولًا، بل كونه مبدأ مطلقًا يلزم فيه ما لزم في هذا، وهو أنه: إما أن يتقوم بكونه مبدأً أولًا، أو يكون ذلك عارضًا له، فلا يكون واجد الوجود من جميع جهاته، أي لا يكون واجب الوجود في كونه مبدأ أولًا لزيد وعمرو وغيرهما من الموجودات.
والذي ألزمنا البرهان أنه واجب الوجود بذاته، فأما هذا من جميع جهاته إن كان من جهات وجوده فذلك، وأما في إضافاته ومناسباته فلا، إذ بطل بما قيل.
قلت: وهذا الذي قاله أبو البركات ردًا على ابن سينا قد صرح به ابن سينا في موضع آخر يناقض ما قاله هنا، فإنه قال في كتابه المسمى بـ الشفاء في مسألة العلم: ولا تبالي أن تكون ذاته مأخوذة مع إضافة ما ممكنة الوجود، فإنها من حيث هي علة لوجود زيد، ليست بواجبة الوجود، بل من حيث ذاتها.
وهذا يوافق ما قاله أبو البركات.
[ ١٠ / ٨ ]
قال أبو البركات: فإما أن لا يكون مبدأ أولًا، وإما أن لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته، أعني من جهة إضافاته إلى ما وجوده بعد وجوده بالذات.
وأما قوله: لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال كذا، فكذلك لولا المخلوقات لم يكن مبدأً أولًا، لكن ليس ذلك بمحال، وقد رد على طريقي المساعدة والمخالفة.
وأما قوله: وتكون له حال لا تلزم عن ذاته، بل عن غيره، فقول باطل، وذلك أن العلم إضافة لزمت عن ذاته بالنسبة إلى مخلوقاته، ومخلوقاته لزمت عن ذاته، ولازم لازم الذات لازم الذات، فما لزمت عن غيره كما قيل.
ولو لزمت لما لزم المحال، وإلا فبأي حجة تلزم؟.
وهم فلم يوردوا على ذلك حجة، بل أوردوه كالبين بنفسه، وليس ببين، بل مردود وباطل على ما قيل.
وأما قوله: فيكون لغيره فيه تأثير، أما في وجوده ووجوب وجوده فلا، وأما في إضافته ونسبه، فأي أصول أبطلته ما بطل ولا يبطل، وإنما تمت المغالطة بلفظ التأثير حيث يتوهمه السامع متأثرًا مستحيلًا، وليس العلم استحالة على ما علمت.
[ ١٠ / ٩ ]
وأما قوله: ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود، فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، والكائنة الفاسدة بأنواعها أولًا وبتوسط ذلك لأشخاصها -فهو حق وغير مردود، فإنه يعقل ويدرك، على كل وجه من وجوه العقل، وجهة من جهات الإدراك، فهو سميع بصير، وبالجملة مدرك عالم حكيم، مقدر مدبر، يسع كل شيء علمًا: غيبًا وشهادة، قبل، ومع، وبعد.
وأما قوله: ولا يجوز أن يكون عاقلًا لهذه المتغيرات مع تغيرها، حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة، وتارة أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات -فقد أجبنا عنه في جواب كلام أرسطو طاليس ولم يبعد، فتحسن إعادته.
وأما قوله: ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة، وبما يتبعها مما لا يتشخص، فلم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة- ففيه الكلام.
وقد سلف في علم النفس، وما رد
[ ١٠ / ١٠ ]
عليه في قوله: إن الصور الجسمانية والأشكال الوضعية لا تدركها إلا قوة جسمانية.
وأعاد أبو البركات مناقضته في ذلك.
قلت: ما ذكره أبو البركات من أن العاقل لا يتقوم بما يعقله، وأن فرض ذلك محال، لأن كونه يعقل تابع لذاته، وهو بعده بعدية بالذات، فكيف يتقوم الوجود بما هو بعد الوجود بالذات؟ فهذا كلام صحيح، وهو مطرد في جميع الصفات اللازمة للموصوف: أن ذاته لا تتقوم بشيء منها، ولا تكون صفة الموصوف جزءًا مقومًا متقدمًا عليه بالذات، إذا كانت الصفة تابعة للموصوف، فهي إلى أن تكون بعده بالذات أولى من أن تكون قبله بالذات.
فإن قدر أن هنا ترتيبًا عقليًا تكون فيه الصفة الذاتية قبل الموصوف أو بعده، فإنها لا تكون إلا بعده.
وإن قيل: لا ترتيب هنا أصلًا، بل كلاهما ملازم للآخر مقترن به.
لم يتقدم أحدهما الآخر، وليس بينهما ترتيب عقلي، كما ليس بينهما ترتيب زماني، فليس أحدهما قبل الآخر، بل الموصوف وصفته اللازمة له موجودان معًا، لم يسبق أحدهما الآخر، سواء
[ ١٠ / ١١ ]
قدر أن الموصوف قديم أزلي واجب بنفسه، وصفته لازمة له، أو قدر أنه محدث مخلوق وصفته لازمة له.
وقد تكلمنا على هذا لما تكلمنا على ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الصفة الذاتية المقومة الداخلة في الماهية، والصفة اللازمة للماهية، والصفة التي يزعمون أنها لازمة لوجودها، وكلاهما خارج عن الماهية.
وذكرنا ما ذكروه من الفرق بين اللازم الداخل، واللازم الخارج، واعترافهم بانتفاء ما ذكروه من الفرق، واعتراض بعضهم على بعض في هذا المقام، وبيان أن ما ذكروه من الفرق لا يعود إلى فرق حقيقي موجود في الخارج، ولا معقول في الذهن، إلا إذا جعل الذاتي ما هو لازم للذات المفروضة في الذهن.
فأما إذا تصورنا شيئًا وعبرنا عنه، فمن الصفات ما هو داخل في معلومنا ومذكورنا بالذات، ومنه ما هو داخل بالعرض، وهو اللازم الخارج.
وهذا كما يقولونه في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على جميع المعنى الذي عناه المتكلم.
ودلالة التضمن دلالة اللفظ على ما هو داخل في ذلك المعنى، ودلالة الالتزام دلالة اللفظ على ما هو لازم لذلك المعنى خارج عن مفهوم اللفظ.
فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على جميع هذه الماهية التي عناها المتكلم بلفظه، وهو دلالة على تمام الماهية.
وذلك المدلول
[ ١٠ / ١٢ ]
عليه بالمطابقة هو مقول في جواب ما هو، إذا قيل ما هو بحسب الاسم.
وإذا سئل عما هو المراد بهذا اللفظ، ذكر مجموع ما دل عليه بالمطابقة، فالمدلول فهو خارج عن حقيقته، عرض لازم له، فهذا تقسيم معقول، ولكنه يعود إلى قصد المتكلم ومراده باللفظ.
وأما كون الموجود في الخارج تنقسم صفاته اللازمة له التي لا يكون موجودًا إلا بها: إلى ما هو داخل في حقيقته مقوم لها متقدم عليها بالذات، وإلى ما تكون خارجة عن حقيقته عرضى لها، فهذا باطل عند جماهير العقلاء من متكلمي أهل الإسلام وغيرهم.
وقد بينا فساد ذلك في مواضع، وكذلك بين فساده غير واحد من أهل الكلام والفلاسفة، وتكلمنا على ما ذكره ابن سينا في الإشارات وغيرها، وبينا تناقضه وتناقض غيره في الفرق بين الذاتيات والعرضيات اللازمة إذا جعلا لازمين للحقائق الموجودة في الخارج، وما ذكره في مسألة العلم مبني على ذلك الأصل الفاسد، حيث قال: لو كان واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، لكانت ذاته: إما متقومة بما تعقل، فيكون متقومًا بالأشياء، وإما عارضًا لها أن تعقل، فلا تكون واجبة الوجود من جميع الجهات.
كلام ابن سينا باطل من وجوه. الوجه الأول
كلام ابن سينا باطل من وجوه.
الوجه الأول
ثم نقول: هذا الكلام باطل من وجوه:
[ ١٠ / ١٣ ]
ما ذكرناه من نفي تقوم شيء بصفته.
الوجه الثاني
أن يقال: إذا قدر تقوم الموصوف بصفته، فهو متقوم بنفس علمه بالأشياء، أو بنفس الأشياء المعلومة.
والثاني باطل وهو إنما ذكر الثاني حيث قال: فذاته متقومة بما يعقل.
وهذا باطل، فإنا إذا قدرنا العالم متقومًا بعلمه، فليس المقوم له المعلوم، إنما المقوم له علمه بالمعلوم، والمعلوم قد يكون منفصلًا عنه، فلا يكون قائمًا به، فضلًا عن كونه لازمًا له: لا ذاتيًا ولا عرضيًا، فكيف يكون مقومًا له؟.
وإن قال قائل: يعني بالتقوم أنه لولا المعلوم لما كان العلم.
قيل له: هذا ليس مراده، ولو كان مراده لكان باطلًا، لأنه على هذا التقدير لا يكون العلم إلا مقومًا، فلا يقال: إما أن يكون مقومًا، وإما أن يكون عارضًا.
وهو قد جعل هذا أحد القسمين.
وأيضًا فإنه على هذا التقدير يكون هذا سؤال الاستكمال بالمعلوم الذي ذكره أرسطو، وقد عرف جوابه من عدة أوجه.
أحدها: أن ذلك الغير هو مفعوله، فلم يحتج إلى غيره بوجه من الوجوه.
الثاني: أنه لو قدر وجود موجود مستغن عنه، كان أن يعلمه أكمل من أن لا يعلمه، فإن العلم صفة كمال، والملك والبشر إذا علموا ما هو مستغن عنهم، كان أكمل لهم من أن لا يعلموه.
[ ١٠ / ١٤ ]
الثالث: أنه لو قدر موجود غيره واجب بنفسه، أو موجود عن ذلك الواجب بنفسه، وذات العالم هي التي اقتضت العلم به -لكان هذا كمالًا له على هذا التقدير، لم يكن هذا مما ينفيه وجوب وجوده.
الرابع: أن هذا وإن قدر أنه استكمال بالغير، فلا دليل لهم على نفيه، لا من جهة الوجوب، ولا من جهة استحقاق الكمال.
ولا من غير ذلك، بل الأدلة تقتضي ثبوته.
الوجه الثالث
عن شبهة ابن سينا أن يقال: قوله: ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء، وإلا فذاته إما متقومة بما تعقل، فيكون متقومًا بالأشياء، وإما عارضًا لها أن تقعل، فلا تكون واجبة الوجود من كل وجه.
يقال له: قولك: يعقل الأشياء من الأشياء أتريد به أن الأشياء تجعله عاقلًا، فتعلمه العلم بها؟ أم تريد أن علمه بالأشياء لا يكون إلا مع تحقق المعلوم؟ أم تعني به أن علمه بالأشياء يكون بعد وجود المعلوم؟.
أما الأول فلا يقوله مسلم، بل المسلمون متفقون على أن الله مستغن عما سواه في علمه بالأشياء في غير ذلك، بل هو المعلم لكل من علم سواه من علمه.
وقد قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
[ ١٠ / ١٥ ]
وقال: ﴿علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٤-٥] .
وقال: ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] .
وقال: ﴿الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى﴾ [الأعلى: ٢-٣] .
وقال: ﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان﴾ [الرحمن: ١-٤] .
وقال: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣] .
وقال: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ [الكهف: ٦٥] .
وقال: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وقال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ إلى قول الملائكة: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ [البقرة: ٣١-٣٢] .
وقال: ﴿تعلمونهن مما علمكم الله﴾ [المائدة: ٤] .
وإن أراد بعقله الأشياء من الأشياء: أنه لا يكون عالمًا إلا مع تحقق معلوم بعلم، فهذا حق.
لكن لا يمكن ثبوت إلا كذلك، وإلا فإذا قدر علم لا يطابق معلومه كان جهلًا لا علمًا وحينئذ الأمر إلى سؤال الاستكمال، وقد تقدم.
[ ١٠ / ١٦ ]
وإن أراد بذلك أنه يعلم الأشياء بعد وجودها، فلا ريب أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ثم إذا كان: فهل يتجدد له علم آخر؟ أم علمه به معدومًا هو علمه به موجودًا؟ هذا فيه نزاع بين النظار، وأي القولين كان صحيحًا حصل به الجواب.
وإذا قال قائل: القول الأول هو الذي يدل عليه صريح المعقول، والثاني باطل، والإشكال يلزم على الأول.
قيل له: وإذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول، فهو الذي يدل عليه صحيح المنقول، وعليه دل القرآن في أكثر من عشرة مواضع، وهو الذي جاءت به الآثار عن السلف.
وما أورد عليه من الإشكال، فهو باطل كما قد بين في موضعه.
الوجه الرابع
أن يقال: قوله: إما متقومة بما يعقل وإما عارض لها إن يعقل.
يقال له: بعد أن ذكرنا أن هذا التقسيم باطل، أي تقسيم الصفة اللازمة إلى مقوم وعارض باطل، وأن علمه لازم لذاته.
هب أن الأمر كذلك، فلم قلت: إن العلم لا يكون ذاتيًا على اصطلاحكم؟.
فإذا قال: يلزم من ذلك أن يكون مركبًا من الصفات الذاتية والمركب مفتقر إلى جزئه.
[ ١٠ / ١٧ ]
قيل: هذا أصل حجتكم على نفي الصفات، وقد بين فساده من غير وجه.
وهذه الحجة لا تختص العلم، بل ينفون بها جميع الصفات، وهي من أفسد الحجج، كما قد بين غير مرة، وإن كانت قد أشكلت على طوائف من النظار، وقادتهم إلى أقوال من أقوال أهل النار، وقد تبين فسادها من جهة أن هذا ليس بتركيب في الحقيقة، بل هو اتصاف ذات بصفات لازمة لها، وأن لفظ الجزء ليس المراد به اجتماع بعد افتراق، ولا إمكان افتراق ولا انفصال شيء من شيء، وإنما المراد به ثبوت معان متعددة، وهذا مورد النزاع، ولا دليل على نفيه، بل على ثبوته.
ولفظ الافتقار يراد به التلازم، وهو هنا حق لا محذور فيه.
ويراد به افتقار المعلول غلى علة فاعلة، وهو باطل.
وإذا أريد به افتقار الصفة إلى محلها، ويسمونه هم افتقار المعلول إلى علة قابلة، فهذا لا محذور فيه.
ولفظ الغيرين يراد به المتباينان، وهو هنا ممتنع.
ويراد به ما يمكن العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر، وهو حق.
وثبوت هذا الغير لا بد منه.
الوجه الخامس
أن يقال: هب أن هذه الصفة عرضية باصطلاحكم.
فيقال له: إذا كان العلم لازمًا لذاته، أو لوجود لذاته، إن قدر أن الوجود زائد على الذات، لم يكن ثبوت لوازمه مفتقرًا إلى غيره، فلم يكن هذا منافيًا لوجوب الموجود من جميع
[ ١٠ / ١٨ ]
جهاته، فإن المحذور إنما يحصل لو كان حصول العلم ليس من لوازم ذاته، بل حصل بسبب غيره، فيكون ثبوت الصفة مفتقرًا إلى ذلك الغير.
أما إذا كان علمه من لوازم ذاته، كان واجبًا بوجود ذاته.
وهم يقولون: هو واجب بذاته، مع كونه مستلزمًا للمفعولات المنفصلة، ولم يقدح كونها لازمة له في وجوب ذاته، فإن لا يقدح لزوم علمه له بطريق الأولى والأحرى.
الوجه السادس
أن يقال: لنظار المسلمين في علم الرب قولان: أحدهما: أن علمه واحد بالعين، يعلم به جميع المعلومات أزلًا وأبدًا.
وعلى هذا التقدير فهو واجب الوجود بصفاته أزلًا وأبدًا فليس علمه متوقفًا على وجود شيء من المعلومات، بل إذا وجدت تعلقت المعلومات به.
لكن قد يقول أكثر العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، إن هذا لا يمكن، بل علمه بهذا غير علمه بهذا.
فيقال: القول الثاني: إن علمه واحد بالنوع، وإنه يتعدد بتعدد المعلومات، وعلى هذا القول فهل يكون علمه بأن قد كان الشيء هو نفس علمه بأن سيكون؟ على قولين.
ومن النظار من قال: العلم إضافة محضة، وأن ذات الرب مقتضية لها بشرط المضاف.
وسنبين إن شاء الله ما هو الصواب في هذا الباب.
[ ١٠ / ١٩ ]
وعلى كل تقدير فذاته هي الموجبة لكونه عالمًا، لا أن شيئًا من الموجودات جعله عالمًا، وإن كان العلم بأن قد كان، مشروطًا بوجود المعلوم، كما أن رؤيته وسمعه مشروط بوجود المرئي والمسموع، فذاك لا يمنع وجوب وجوده بنفسه أزلًا وأبدًا، ولكن عروض هذا السمع والرؤية والعلم بأن قد كان، نظير عروض الإضافات له، وقد ثبت بصريح العقل واتفاق العقلاء وجوب تجدد الإضافات له.
وإذا قيل: الإضافة ليست وجودية، والعلم والسمع والبصر أمور وجودية.
كان الجواب على هذا القول إلغاء هذا الفرق، كما قد قرر في موضعه.
ومعلوم أن كون الرب بكل شيء عليمًا، هو أظهر في الأدلة الشرعية والعقلية من كونه لا تقوم به الأمور المتجددة، فلو قدر أن لهذا أدلة تعارض تلك، وكان ثبوت العلم مستلزمًا لثبوت الأمور المتجددة للزوم القول بثبوت العلم، فإن ثبوت العلم حق، ولازم الحق حق، فكيف إذا كان ما يمنع الأمور المتجددة إنما هو من أضعف الأدلة؟
أما المتفلسفة فلا يمكنهم أن يقولوا: قيام الحوادث به يستلزم حدوثه، فإن القديم عندهم تحله الحوادث.
وإنما ظن من ظن منهم أن قيام ذلك يمنع وجوب وجوده، وهو غلط ظاهر، فإنه لا
[ ١٠ / ٢٠ ]
يمنع وجوب وجوده المعلوم الذي قام عليه الدليل، وإنما يمنع ما يختلف في وجوب الوجود، حيث ظنوا أن واجب الوجود لا يفعل شيئًا باختياره، ولا يقوم به شيء باختياره وذلك خطأ محض.
الوجه السابع
ويظهر هذا بالوجه السابع وهو أن يقال: قول القائل: أنه واجب الوجود من جميع جهاته -إذا أريد به: أنه لا يقبل العدم بوجه من الوجوه، فهذا حق، فإنه لا يقبل العدم بوجه من الوجوه.
وإن أراد به أن كل ما ثبت له من الأحوال فهو واجب الوجود، بمعنى أنه نفسه مقتض لذلك، لا يحتاج في ثبوته له إلى غيره، فهذا أيضًا حق.
فإن كل ما ثبت للرب تعالى من الصفات والأفعال، فلا يحتاج فيه إلى غيره، بل هو الموجب لذلك، لكن ما كان لا يمكن وجوده إلا باختياره من الأفعال ولوازم الأفعال، فهذا يمتنع كونه بعينه أزليًا، بل يجب تأخره، سواء قيل: إنه عالم بذاته.
أو قيل: إنه منفصل عنه.
وهو الموجب له عند وجوده، لا موجب له في غيره.
وإن قيل: واجب الوجود من جميع جهاته، بمعنى أنه لا يجوز أن يتأخر عنه شيء مما يضاف إليه، بل كل ذلك يجب أن يكون أزليًا -فهذا باطل لا دليل عليه، بل الدليل يدل على نقيضه، فإنا نشاهد المحدثات دائمًا وهي حادثة عنه، سواء قيل: إنها حدثت بواسطة أو بلا واسطة، وحدوثها يستلزم حدوث ما به صارت محدثة، وإلا فإذا قدر حال الذات قبلها وبعدها سواء.
[ ١٠ / ٢١ ]
قيل: حدوث الحوادث ترجيح بلا مرجح، وإذا أمكن أن يحدث من غير تجدد أمر يقوم بالفاعل، بل نفس الخلق يكون نسبة وإضافة، أمكن أن لا يتجدد إلا تعلق العلم القديم بالمعلوم، ولا يتجدد إلا نسبة وإضافة بقدر ذلك.
الوجه الثامن
وهو أن يقال: لا ريب في تجدد المفعولات شيئًا بعد شيء، فليس كونه محدثًا للحادث المعين بالفعل أمرًا لازمًا لذاته، بل صار محدثًا له بعد أن لم يكن، وهذا خروج لهذه الفاعلية عن القوة إلى الفعل.
فإما أن يكون كونه فاعلًا إضافة محضة، ولم يقم بذاته فعل يكون به فاعلًا، كما يقوله من يقول: الخلق هو المخلوق.
وإما أن يقال: بل كونه فاعلًا أمر وجودي يقوم بنفسه، والخلق غير المخلوق، كما هو قول الجمهور من أهل السنة وغيرهم.
فإن قيل بالأول، فمعلوم أنه إذا قيل: إن كونه فاعلًا أمر إضافي، أمكن أن يقال: كونه عالمًا أمر إضافي.
ثم للناس على هذا التقدير في الفاعلية قولان: منهم من يقول المكونات حادثة بتكوين قديم، وإما عند وجود المكون فلا يحدث شيء.
ومنهم من يقول: ليست الفاعلية إلا إضافة محضة أزلًا وأبدًا.
فعلى هذا القول يمكن أن يقال في العلم كذلك.
[ ١٠ / ٢٢ ]
وعلى الآخر يمكن أن يقال: بل العلم قديم العين، ولكن تتجدد له الإضافات، كما يقوله ابن كلاب.
وهؤلاء جعلوا العلم ثابتًا في الأزل دون التكوين، فإذا ثبت أن كونه فاعلًا لا يقتضي تكوينًا قائمًا بذاته، مع تجدد التكوينات الإضافية.
فهؤلاء إذا أثبتوا علمًا قديمًا، وقالوا بتجدد تعلقاته، كانوا أبعد عن الامتناع.
وأما من جعل الفاعلية أمرًا قائمًا بالفاعل، وقال: إنه يتجدد عند تجدد المفعولات، فإنه إذا قال بتجدد عالمية بعد وجود المعلوم، مع قوله: إنه علم ما سيكون قبل أن يكون، كان اقتضاء ذاته لهذه العالمية كاقتضائها لتلك الفاعلية، وإذا كان واجب الوجود مع تلك الفاعلية فكذلك مع هذه العالمية.
الوجه التاسع
أنه إذا قدر واجب الوجود يقدر على الأفعال الحادثة شيئًا فشيئًا، وقدر آخر لا يمكنه إحداث شيء -قضى صريح العقل أن من أمكنه الإحداث شيئًا بعد شيء، هو أكمل ممن لا يمكنه إحداث شيء.
وإذا قال القائل: هذا كان فيه شيء بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا شيئًا فشيئًا، وذاك كله بالفعل ليس فيه شيء بالقوة.
قيل له: كل ما لهذا بالفعل هو للآخر، فإن ذاته وصفاته التي يمكن قدمها لازمة له.
وأما الحوادث التي لا يمكن وجودها إلا شيئًا فشيئًا، فهذا يمتنع أن تكون بالفعل قديمة أزلية، فلا تكون بالفعل
[ ١٠ / ٢٣ ]
في الأزل، بل لا يمكن أن تكون إلا بالقوة، ثم تخرج إلى الفعل بحسب الإمكان شيئًا فشيئًا.
وإذا لم يمتز من قدر عدم هذه له بوصف كمال بل المتصف بها أكمل.
كان نفى هذه عن واجب الوجود نفي صفة كمال لا إثبات كمال له.
وهؤلاء النفاة المعطلة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية يظنون أن ما نفوه عن الرب هو كمال له وهو تعظيم له، وذلك من جهلهم بل إثبات ما نفوه هو الكمال الذي يكون مثبته معظمًا للرب.
ولكن هم في ذلك نظير إخوانهم من معطلة النبوات، الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، وقالوا: الله أعظم من أن يرسل رسولًا من البشر.
قال تعالى: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ [يونس: ٢] .
أو لم يعلموا أن إرسال رسول من البشر يبلغهم رسالات ربهم ويهديهم إلى صراط مستقيم، أبلغ في قدرة الرب ورحمته بعباده، وإحسانه إليهم، وأعظم إثباته للكمال من كون ذلك عنه ممكن له ومن امتناعه عن فعله؟.
وكذلك كونه يخلق الأشياء شيء بعد شيء أبلغ من كونه لا يمكنه إحداث شيء، بل عند كثير من الناس -أو أكثرهم- كونه يخلق أكمل من كونه لا يخلق.
كما قال تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] .
[ ١٠ / ٢٤ ]
وحينئذ فإذا قيل: جنس الفعل لازم، وإنما الحادث أعيانه.
كان أن يقال: جنس العلم لازم بطريق الأولى والأحرى.
بل إذا قيل: جنس الخلق حادث.
أمكن أن يقال: نفس العلم لازم، سواء قيل بحدوث شيء معين عند وجود المعلومات، أم لا.
فذاك أبعد عن منافاة وجوب الوجود، من كونه فاعلًا لما لم يكن فاعلًا له.
الوجه العاشر
قوله: إذ يكون لولا أمور من خارج، لم يكن هو بحال.
يقال له: الضمير في هو: إن كان عائدًا إلى الله، كان معنى الكلام: لولا تلك الأمور الخارجة لم يكن هو تقدير ارتفاع اللازم يوجب ارتفاع الملزوم، لكن ارتفاع اللازم محال.
وهم يقولون لو ارتفع المعلول لارتفعت العلة، فليس في هذا محذور.
وإن كان الضمير عائدًا إلى العلم، أي: لولا المعلوم لم يكن العلم، فهذا أولى أن لا يكون ممتنعًا.
وإنما حصلت الشبهة أن قول القائل: لولا أمور من خارج لم يكن هو، يحتمل شيئين:
أحدهما أن تلك الأمور فاعلة له أو جزء من الفاعل، أو
[ ١٠ / ٢٥ ]
هو محتاج إليها بوجه من الوجوه، وهذا باطل.
والثاني: أن تكون تلك الأمور لازمة لإرادته اللازمة له، أو لغير ذلك من لوازم اللوازم.
وعلى هذا فهي المخلوقة المحتاجة إليه من كل وجه.
فإذا قيل: لولا تلك الأمور لم يكن.
كان معناه أنه إذا قدر ارتفاعها لزم ارتفاع ملزومها، وهذا فرض محال.
الوجه الحادي عشر
قوله: ويكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره، فيكون لغير فيه تأثير الأمور السالفة تبطل هذا.
فيقال: ذلك الحال إذا قدر تجدده بعد الحادث، فإنه لا يلزم عن نفسه، فإن العلم أو غيره مما يقوم بنفسه إنما هو لازم عن ذاته لا عن غيره.
لكن لزومه عن نفسه قد يقال: إنه يكون عند إحداثه لتلك المحدثات، على قول من يقول بذلك.
وأي محذور في هذا؟ فإن هذا لا ينافي وجوب وجوده بنفسه.
هذا لو كان ذلك الغير مخلوقًا لغيره، فكيف وهو مخلوق له؟ فكلاهما لازم عنه ما قام به وما انفصل عنه، وليس لغيره فيه تأثير، إذ كانت نفسه هي الموجبة للجميع.
ولا ريب أن العباد يدعون الله فيجيبهم، ويطيعونه فيرضى عنهم، ويعصونه فيغضب عليهم، ويفرح بتوبة التائب، كما دلت على ذلك النصوص.
[ ١٠ / ٢٦ ]
وهو سبحانه الخالق لكل ما سواه، فليس في الوجود ما يؤثر فيه سبحانه.
وهذا على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر، القائلين بأنه خالق كل شيء.
وأما على قول القدرية، الذين يقولون بحدوث حوادث بدون خلقه وإرادته، فإنهم، وإن كانوا ضالين، فهؤلاء الفلاسفة النفاة لعلمه أضل منهم.
وهم على قولين: منهم من يقول بتجدد أحوال له، ومنهم من ينفي ذلك.
فمن أثبت ذلك قال لهؤلاء -كما قال لهم أبو البركات - فما الدليل على أنه لا يحصل به حال من الأحوال بسبب هؤلاء؟ ولم قلتم: إن ذلك ينافي وجوب وجوده؟.
وهؤلاء يقولون: أفعال العباد توجب له داعيًا إلى الثواب والعقاب.
الوجه الثاني عشر
قوله: وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، فكذلك إثبات كثير من التعلقات.
فيقال له: إن أردت بالأفاعيل ما وجد، فليس في إثبات فعله للموجودات نقص له.
كيف، وهو فاعل لها بالاتفاق؟ سواء كان فاعلًا لبعضها بوسط أو بغير وسط.
وإذا كان فاعلًا لها على وجه التفصيل، فيجب أن يكون عالمًا بها على وجه التفصيل.
ومعلوم أنه إذا لم يلحقه بفعلها نقص، فأن لا يلحقه بعلمها نقص بطريق الأولى.
فإن علم العالم بما لا يفعله لا نقص فيه، وإن
[ ١٠ / ٢٧ ]
كان المعلوم خسيسًا، فكيف علمه بما فعله؟ وإذا كانت لا توجد إلا مفصلة معينة، فيجب أن يعلم كذلك، وإلا لم يعلم على ما هي عليه.
وإن عنى بقوله: إن كثيرًا من الأفاعيل لواجب الوجود نقص ما لم يفعله فقياس هذا أن يقول: علمه بما لم يفعله نقص، وليس الكلام فيه.
الوجه الثالث عشر
أن يقال: أهل الأرض من المسلمين وغيرهم لهم في تنزيه الرب عن بعض الأفعال قولان مشهوران.
فطائفة تقول: ليس في فعله لشيء من الممكنات نقص، والظلم لا حقيقة له إلا ما هو ممتنع، بل كل ممكن ففعله جائز عليه، وإن لم يفعله فلعدم مشيئته له، لا لكونه نقصًا.
وهذا قول الجهمية والأشعرية، وطوائف من الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة، وأهل الحديث والصوفية، وغيرهم.
وعلى هذا لا يسلم هؤلاء أن إثبات شيء من الأفعال لواجب الوجود نقص، وإذا منعوا هذا في الفعل، ففي العلم أولى وأحرى.
والقول الثاني: قول من يقول: بل هو منزه عن بعض الأفعال المقدورة.
وهذا قول أكثر الناس من المثبتين للقدر، كالكرامية، وغيرهم من المعتزلة، وغيرهم نفاة القدر.
وهو قول كثير من أهل المذاهب الأربعة، وأهل الحديث، والصوفية والعامة وغيرهم.
وعلى هذا القول فلا نسلم أن ما ينزه عن أن يفعله يجب أن يتنزه
[ ١٠ / ٢٨ ]
عن علمه به، فإن العلم يتعلق بالواجب والممكن، والممتنع والموجود والمعدوم، وأما الفعل فلا يتعلق إلا بما يراد، ولا يراد إلا ما هو ممكن في نفسه، وما تكون إرادته حكمةً على قول هؤلاء.
ومعلوم أن الواحد من الناس يحمد بأنه لا يفعل القبيح، ولا يحمد بأن لا يعلمه، ويعلم حسن فعله ويعلم قبحه، ولم يقل أحد قط: إن علمنا بقصص المكذبين للرسل وما فعلوه من السيئات نقص، كما أن تلك الأفعال نقص، بل المعرفة بالخير والشر من صفات الكمال.
وإن قيل: مراده أن العلم يلزم منه التغير أو التكثر.
فيقال له: معلوم أن هذا اللازم لفعله المتكثرات والمتغيرات ألزم، فإن فعله للمتكثرات والمتغيرات يلزم منه قيام معان في ذاته، فليس ذلك نقصًا، ولا يكون في علمه بها مع هذه اللوازم نقص.
وإن قيل: بل فعله للمتغيرات والمتكثرات لا يلزم منه قيام معان متكثرة متغيرة في ذاته.
فيقال: إن كان هذا حقًا، فعلمه بها أولى أن لا يلزم منه قيام معان متكثرة متغيرة، فإنه من المعلوم بصريح العقل أن اقتضاء الأفعال المتكثرة والمتغيرة للتعدد والتجدد في الذات الفاعلة، أولى من اقتضاء المعلومات المتكثرة والمتغيرة للتعدد والتجدد في الذات
[ ١٠ / ٢٩ ]
العالمة، فإن كل عاقل لفعل محكم عالم به، وليس كل علام به فاعلًا له.
وهؤلاء، وإن كانوا قد قالوا في فعله أقوالًا باطلة، لظنهم أنه لا يصدر عنه ابتداءً إلا واحد بشرط، فقد لزمهم أن يجعلوا كل شيء مفعول له بوسط أو بغير وسط، فكان الواجب أن يقولوا: إنه علام بكل شيء جرى، كما هو فاعل لكل شيء جرى، إذ الكليات لا توجد في الأعيان إلا جزئية معينة.
الوجه الرابع عشر
قوله: بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وهذا من العجائب.
فيقال: إن عنيت أنه لا يعزب عنه من حيث هو كلي، فهل في هذا ما يقتضي أنه يعلم شيئًا من الجزئيات؟ فإن العلم بالكلي من حيث هو كلي، لا يوجب علمًا بشيء من المعينات الموجودة، فمن علم أن كل إنسان حيوان، لم يوجب ذلك أن يعلم إنسانًا بعينه، ولا شيئًا من تعيناته، ولا عدد الأناسي، بل ولا يعلم حيوانًا بعينه.
وإن عنيت أنه لا يعزب عنه شيء من المعينات، فهذا مع قولك: إنما يعقلها على وجه كلي، باطل.
[ ١٠ / ٣٠ ]
وقد قال قبل هذا: إن الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة، وبما يتبعها مما لا يتشخص، فلم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة، لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة.
فقد ذكر أنها إذا عقلت بالماهية المجردة وما يتبعها، فلم تعقل عينها المعينة، وإن عقلت معينة فهي محسوسة لا معقولة، فالمعينات عنده لا تكون إلا محسوسة لا معقولة، وعنده لا توصف بالحس، فكيف يقول: إنه لا يعزب شيء شخصي مع قوله: إنه لا يعلم شيئًا عن المشخصات المتغيرة؟.
الوجه الخامس عشر
أنه قال: فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، والكائنة الفاسدة بأنواعها أولًا، ويتوسط ذلك في أشخاصها.
فقد أثبت هنا أنه يعلم الموجودات التامة بأعيانها، وذلك كالأفلاك والكواكب، مع ما يثبتونه من العقول والنفوس.
ثم قال: وإن عقلت الفاسدات بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة، لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة.
[ ١٠ / ٣١ ]
وقد قال: إنه يعقلها بأعيانها.
فسمى العلم بالأجسام المعينة تارة عقلًا، وتارة قال: هو حس أو تخيل، ليس بعقل.
وأثبت أنه يعلمها تارة، ونفى ذلك أخرى، لكونه حسًا لا عقلًا.
وليس الكلام هنا في إدراكها متغيرة أو غير متغيرة، بل في إدراك الأجسام المعينة هل يعلمها معينة أم لا؟ وهل ذلك عقل أو حس؟ فقد أثبت أنه يعقلها، وعلل غيرها بعلة تقتضي أنه لا يعقلها، وهذا تناقض بين.
ولا ريب أن كلامه هنا إنما ينفي كونه يعلمها متغيرة، لئلا يكون متغير الذات.
ثم يعلل ذلك بأنه لا يعلم الحسيات.
لكنه في موضع آخر قال: إن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما يدركها المدرك بآله متجزئة، وإن مدرك الجزئيات لا يكون عقلًا بل قوة جسمانية.
وهنا قد ذكر أن واجب الوجود الجسمانيات التامة بأعيانها، فيلزم أحد الأمرين.
إما أنه جسم يدركها بقوة جسمانية، وإما أنه لا يدركها كما قاله أرسطو.
وإما أن تكون الأجسام تدرك بقوة غير جمسانية، كما قاله أبو البركات، وقد ناقضه أبو البركات في هذا الفصل، وسنذكر إن شاء الله كلامهما.
فكلام ابن سينا في العلم متناقض، فإنه يثبت أنه يعلم الموجودات التامة بأعيانها، وهذا يناقض جميع ما ذكره في نفي
[ ١٠ / ٣٢ ]
العلم، أو حصول التغير.
ولم يذكر على نفي كونه عالمًا بالجزئيات إلا حصول التغير.
وأما التعدد فقد التزمه.
الوجه السادس عشر
فيقال: الوجه السادس عشر: أن يقال: ابن سينا يثبت علمه بأعيان الباقيات مع كثرتها، كما سنذكر لفظه إن شاء الله.
وما ذكره من الحجة على نفي علمه بالمتغيرات، مثل كونه إما متقوم وإما عارض لها أن تعقل فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة.
وقوله: تكون حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره، ونحو ذلك -يلزم من العلم بأعيان الباقيات وأنواع المتغيرات، كما يلزم في المتغيرات، وإنما يختص بالمتغيرات بحدوث شيء آخر، وذاك ليس عنده ما ينفيه بخصوصه، فإنه يجوز في القديم أن تحله الحوادث، وإنما منع حلول الحوادث به لكونه يمنع قيام الصفات، أو أن يقول بما ذكر عن أرسطو من أن ذلك يوجب تعبه وكلاله، وكل ذلك فضيحة من الفضائح، ما يظن بأضعف الناس عقلًا أن يقول بمثل ذلك.
ولولا أن هذا نقل أصحابهم عنهم في كتبهم المتواترة عنهم عندهم، لاستبعد الإنسان أن يقول معروف بالعقل مثل هذا الهذيان.
وهذه ألفاظ ابن سينا في الإشارات بعد أن قرر بطلان قول من يقول باتحاد العاقل والمعقول: فيظهر لك من هذا أن كل
[ ١٠ / ٣٣ ]
ما يعقل بأنه ذات موجودة، تتقرر فيها القضايا العقلية تقرير شيء في شيء آخر.
قال: تنبيه: الصورة العقلية قد يجوز، بوجه ما، أن تستفاد من الصور الخارجية.
مثلًا كما تستفيد صورة السماء من السماء.
وقد يجوز أن تسبق الصورة الأولى إلى القوة العاقلة، ثم يصير لها وجود من خارج مثلما تعقل شكلًا ثم تجعله موجودًا.
ويجب أن يكون بما يعقل واجب الوجود من الكل على الوجه الثاني.
ثم قال: تنبيه: كل واحد من الوجهين قد يجوز أن يحصل من سبب عقلي متصور لوجود الصورة في الأعيان أو غير موجودها بعد، في جوهر قابل للصور المعقولة.
ويجوز أن يكون للجوهر العقلي من ذاته لا من غيره.
ولولا ذلك لذهبت العقول المفارقة إلى غير النهاية.
وواجب الوجود يجب أن يكون له ذلك من ذاته.
[ ١٠ / ٣٤ ]
قلت: فقد بين أن علم الرب هو من نفسه لا من غيره، وأن علمه بالمعقولات ليس مستفادًا بها بل علمه بها سبب لوجودها، وحينئذ فلا يكون علمه مفتقرًا إلى معلومه، بل معلومه مفتقرًا إلى علمه، سواء كان المعلوم متغيرًا أو غير متغير.
ثم قال: إشارة: واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق، ويعقل ما بعده، من حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده، ويعقل سائر الأشياء من حيث حدثها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولًا وعرضًا.
ثم قال: إشارة: إدراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته، هو أفضل أنحاء كون الشيء مدركًا ومدركًا، ويتلوه إدراك الجواهر العقلية اللازمة للأول بإشراق الأول، ولما بعده منه من ذاته، وبعدهما الإدراكات النفسانية التي هي نقش ورسم، عن طابع عقلي متبدد المبادئ والمناسب.
ثم قال: وهم وتنبيه: ولعلك تقول: إن كانت المعقولات لا تتحد بالعاقل، ولا بعضها مع بعض، لما ذكرت.
ثم سلمت أن
[ ١٠ / ٣٥ ]
الواجب الوجود يعقل كل شيء، فليس واحدًا حقًا، بل هناك كثرة فنقول: إنه لما كان تعقل ذاته بذاته، لم يلزم قيوميته عقلًا بذاته لذاته أن يعقل الكثرة، جاءت الكثرة لازمة متأخرة، لا داخلة في الذات مقومة بها، وجاءت أيضًا على ترتيب وكثرة اللوازم من الذات مباينة، أو غير مباينة، لا تثلم الوحدة.
والأول تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية، وكثرة سلوب، وبسبب ذلك كثرة أسماء، لكن لا تأثير لذلك في وحدانية ذاته.
قلت: فقال: هذا الكلام صريح في ثبوت صفات الله قائمة به ليس إضافية ولا سلوب، كما قال: تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب.
وهذا مما اعترف به الشارحون لكلامه، المنتصرون له وغير المنتصرين.
كلام الرازي في "شرح الإشارات"
كلام الرازي في شرح الإشارات
قال الرازي في شرحه: أقول هذا سؤال جيد، وتقديره: أنك إذا قلت: الله يعلم جميع الماهيات، والعلم عبارة عن حصول صورة المعلوم عند العالم، فقد حصل في ذاته صور المعلومات بأسرها، ثم زعمت أن العالم لا يتحد بالعلم، فلزم أن تكون ذات
[ ١٠ / ٣٦ ]
الله محلًا لتلك الصورة الكثيرة، الغير المتناهية.
قال: وحاصل جوابه أنه التزم ذلك، وبين أنه لا يلزم منه محذور، لأن الدلالة إنما دلت على تنزيه ذات الله عن الكثرة.
فأما أنه لا يكون في لوازمه كثرة، فذلك مما لم يثبت بالدلالة أصلًا.
وقد بينا أن علمه بالأشياء من لوازم علمه بذاته، فتكون الكثرة الحاصلة بسبب علمه بالأشياء كثرة في لوازم ذاته، وكثرة اللوازم لا توجب الكثرة في الملزوم، فإن الوحدة التي هي أبعد الأشياء عن طبائع الكثرة، يلزمها لوازم غير متناهية، من كونها نصفًا للإثنين، وثلثًا للثلاثة.
وربعًا للأربعة، وهلم جرًا، إلى ما لا نهاية له.
ثم قال بعد ذلك: فالأول تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب، وبسبب ذلك كثرة أسماء، لكن لا تأثير لذلك في وحدانيته ذاته.
قال الرازي: وأقول: إن هذا الكلام يدل على رجوع الشيخ عن مذهب الفلاسفة في مسألتين من أمهات المسائل: أحدهما: أن المشهور من قولهم إن البسيط لا يكون قابلًا وفاعلًا.
وهنا اعترف
[ ١٠ / ٣٧ ]
بأن المؤثر في تلك الصور العقلية ذاته، والقابل لها أيضًا ذاته.
فالبسيط هناك فاعل وقابل.
وثانيتهما: أن المشهور من مذهبهم أنه ليس لله من الصفات إلا السلوب والإضافات.
وهاهنا اعترف أن لله كثرة لوازم إضافية وغير إضافية، وكثرة سلوب، فأثبت لله صفات ثبوتية غير إضافية، وكيف يمكنه أن لا يعرف بذلك؟ وعنده أن الله عالم بالماهيات، والعلم بالأشياء عنده عبارة عن حصول صورة في العالم، وتلك الصورة ليست مجرد إضافات، لأن مذهبه أن الصورة الحاصلة عند العقل مساوية لماهية المعقول، والمساوي للجواهر والكميات والكيفيات في تمام ماهيتها كيف يكون مجرد إضافات؟
فظهر أن الفلاسفة لا يمكنهم ادعاء تنزه الله عن الصفات الحقيقية.
كلام الآمدي
وكذلك الآمدي قال: واعلم أن من أثبت لواجب الوجود من الفلاسفة علمًا، وفسر العلم بانطباع صورة المعلوم في النفس، فقد أثبت لواجب الوجود صفة وجودية زائدة على ذاته، وناقض أصله في نفي الصفات الوجودية الزائدة لذات واجب الوجود
[ ١٠ / ٣٨ ]
ضرورة، لأن انطباع صورة المعلوم في النفس أمر وجودي زائد على الذات.
كلام الطوسي في "شرح الإشارات"
كلام الطوسي في شرح الإشارات
ثم إن الطوسي في شرحه قرر ما ذكره الرازي وزاد عليه، هذا مع كثرة مناقضته للرازي وحرصه على ذلك وعلى نصر ابن سينا، ومع هذا فلما شرح هذا الفصل قال: تقرير الوهم أن يقال: إنك ذكرت أن المعقولات لا تتحد بالعاقل، ولا بعضها ببعض، بل هي صور متباينة منفردة في جوهر العاقل، وذكرت أن الأول الواجب يعقل كل شيء، فإذن معقولاته صور متباينة متقررة في ذاته.
ويلزمك على ذلك أن لا تكون ذات الأول الواجب واحدًا حقًا.
بل تكون مشتملة على كثرة.
قال: وتقرير التنبيه أن يقال: إن الأول لما عقل ذاته بذاته، وكانت ذاته علة للكثرة، لزمه تعقل الكثرة بسبب تعقله لذاته بذاته، فتعقله للكثرة لازم معلوم له، فصور الكثرة، التي هي معقولاته، هي معلولاته ولوازمه، مترتبة ترتب المعلولات، فهي متأخرة عن حقيقة ذاته تأخر المعلول عن العلة.
وذاته ليست بمتقومة بها، ولا بغيرها، بل هي واحدة.
وتكثر اللوازم والمعلولات لا ينافي وحدة علمها
[ ١٠ / ٣٩ ]
الملزومة إياها، سواء كانت تلك اللوازم متقررة في ذات العلة أو مباينة لها، فإذن تقرر الكثرة المعلولة في ذات الواحد القائم بذاته، المتقدم عليها بالعلية والوجود، لا يقتضي تكثره.
والحاصل أن الواجب واحد، ووحدته لا تزول بكثرة الصور المعقولة المقررة فيه.
قال: فهذا تقرير التنبيه.
وباقي الفصل ظاهر.
قال: ولا شك في أن القول بتقرر لوازم الأول في ذاته قول بكون الشيء الواحد فاعلًا وقابلًا معًا، وقول بكون الأول موصوفًا بصفات غير إضافية ولا سلبية على ما ذكره الفاضل الشارح.
يعني الرازي.
وقول بكونه محلًا لمعلولاته الممكنة المتكثرة، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وقول بأن معلوله الأول غير مباين لذاته، وبأنه تعالى لا يوجد شيئًا مما يباينه بذاته، بل بتوسط الأمور الحالة
[ ١٠ / ٤٠ ]
فيه، إلى غير ذلك مما يخالف الظاهر من مذاهب الحكماء والقدماء، القائلين بنفي العلم عنه تعالى.
وأفلاطن القائل بقيام الصور المعقولة بذاتها، والمشاؤون القائلون باتحاد العاقل بالمعقول، إنما ارتكبوا تلك المحالات حذرًا من التزام هذه المعاني.
قال: ولولا أني اشترطت على نفسي في صدر هذه المقالات أني لا أتعرض لذكر ما أعتمده فيما أجده مخالفًا لما أعتقده لبينت وجه التقصي عن هذه المضايق وغيرها بيانًا شافيًا لكن الشرط أملك.
ومع ذلك فلا أجد في نفسي رخصة أن لا أشير في هذا الموضع إلى شيء من ذلك أصلًا، فأشرت إليه إشارة خفيفة، يلوح الحق منها لمن هو ميسر لذلك.
قال: فأقول: العاقل، كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي بها هو هو.
فلا يحتاج أيضًا في إدراك ما يصدر عن ذاته لذاته إلى صورة غير صورة ذلك الصادر التي بها هو هو.
واعتبر في نفسك: أنك تعقل شيئًا بصورة تتصورها أو تستحضرها، فهي صادرة عنك، لا بانفرادك مطلقًا، بل بمشاركة
[ ١٠ / ٤١ ]
ما من غيرك، ومع ذلك فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها، بل كما تعقل ذلك الشيء بها، كذلك تعقلها أيضًا بنفسها، من غير أن تتضاعف الصور فيك.
بل ربما تتضاعف اعتباراتك المتعلقة بذاتك وبتلك الصورة فقط على سبيل التركب.
وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك لك هذه الحال، فما ظنك بحال العاقل مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه؟.
قال: ولا تظنن أن كونك محلًا لتلك الصورة شرط في تعقلك إياها، فإنك تعقل ذاتك، مع كونك لست بمحل لها، بل إنما كان كونك محلًا لتلك الصورة، شرطًا في حصول تلك الصورة، الذي هو شرط تعقلك إياها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر، غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.
ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولًا لغيره، ليس دون حصول الشيء لقابله، فإذن المعلولات الذاتية
[ ١٠ / ٤٢ ]
للعاقل الفاعل لذاته، حاصلة من غير أن تحل فيه، فهو عاقل إياها، من غير أن تكون هي حالة فيه.
وإذ تقدم هذا فأقول: قد علمت أن الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود، إلا في اعتبار المعتبرين على ما مر.
وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول، فإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته، وعقله لذاته، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين أيضًا: أعني المعلول الأول وعقل الأول له، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينًا للأول، والثاني متقررًا فيه.
وكما حكمت بكون التغاير في العلتين اعتبارًا محضًا، فاحكم بكونه في المعلولين كذلك.
فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه، من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول تعالى عن ذلك.
ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها، بحصول صور فيها، وهي تعقل الأول الواجب، ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب، كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها.
[ ١٠ / ٤٣ ]
والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور، لا بصور غيرها، بل بأعيان تلك الجواهر والصور، وكذلك الوجود على ما هو عليه، فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة، من غير لزوم محال من المحالات المذكورة.
قال: فهذا أصل إن حققته وبسطته انكشفت لك كيفية إحاطته تعالى بجميع الأشياء الكلية والجزئية، إن شاء الله تعالى.
و﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ [المائدة: ٥٤] .
ولولا أن تلخيص هذا البحث على هذا الوجه الشافي يستدعي كلامًا بسيطًا، لا يليق أن نورد أمثاله على سبيل الحشو، لذكرت ما فيه كفاية، لكن الاقتصار هنا على هذا الإيماء أولى.
الرد على كلام الطوسي من وجوه
قلت: فليتدبر العاقل الذي هداه الله تعالى وفهمه ما جاءت به الرسل، وما قاله غيرهم، كلام هذا الذي هو رئيس طائفته في وقته، وما قرر به كلام سلفه الملحدين في علم الله تعالى، لما كان ابن سينا -وهو أفضل متأخريهم- قد قال في ذلك بعض الحق الذي يقتضيه العقل الصريح، مع موافقته للنقل الصحيح، فأراد هذا الطوسي أن يرد ما قاله ابن سينا من الحق انتصارًا لطائفته الملاحدة، فقال في الكلام الذي عظم قدره وتبجح به، ما يظهر
[ ١٠ / ٤٤ ]
لمن فهمه أنه من أفسد أقوال الآدميين، وأشبه الأشياء بأقوال المجانين.
ولا ريب أن هذه عقول كادها باريها، لما ألحدت في صفات الله تعالى، وأرادت نصر التعطيل، وقعت في هذا الجهل الطويل.
فجعل نفس الحقائق، المعلومة الموجودة المباينة للعالم، هي نفس علم العالم بها، ولا ريب أن هذا أفسد من قول من جعل العلم نفس العالم، كما يقوله طائفة من النفاة، كابن رشد ونحوه وقول أبي الهذيل خير منه.
ولا ريب أن من جعل نفس المخلوقات نفس علم الخالق بها.
فقد أتى من السفسطة بما هو من أعظم الأشياء فرية على الخالق تعالى وعلى مخلوقاته، وما هو من أظهر الأقوال فسادًا عند كل من تدبره.
والحمد لله الذي جعل أقوال الملحدين يظهر فسادها لكل ذي عقل، كما علم إلحادهم كل ذي دين، هذا مع تعظيم أتباعهم لهم، ونسبتهم لهذا ونحوه إلى التحقيق في المعارف الحكمية، والعلوم الإلهية.
ثم إن هذه اللوازم الظاهرة لفساد بناها على مقدمة ستسلفها ممن سلمها له من أشباهه.
وأقرب الأشياء شبهًا بهذا القول، قول أهل الوحدة، الذين يقولون: وجود المخلوق عين وجود الخالق.
[ ١٠ / ٤٥ ]
فإن أولئك جعلوا الوجودين وجودًا واحدًا، وهذا جعل نفس علم الخالق ووجود المخلوق شيئًا واحدًا، فتلك وحدة في وجوده، وهذه وحدة في علمه، مع وجود المخلوقات.
ولا ريب أن قول النصارى بالاتحاد والحلول، أقرب إلى المعقول من قول هؤلاء، فإن أولئك يجعلون الكلمة.
التي هي عندهم جوهر قد تجدد له اتحاد بالمسيح، وهؤلاء جعلوا نفس علمه اللازم له، الذي لم يزل ولا يزال، هو نفس المخلوقات كلها.
ونحن نبين فساد مقدماته التي استسلفها، وفساد نتائجه التي استنتجها.
أما قوله: العاقل، كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي بها هو هو.
فلا يحتاج أيضًا في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته إلى صورة غير صورة تلك الصادر التي بها هو هو.
الوجه الأول
فيقال: كلا المقدمتين ممنوع، فلا نسلم أنه لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته، ولا نسلم أنه إذا كان كذلك لا يحتاج في إدراك ما يصدر عنه إلى صورة غير صورة الصادرة عنه.
والمقدمة الأولى له فيها سلف، وعليها بنى طائفة من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، كالسهروردي المقتول، كلامهم في مسألة
[ ١٠ / ٤٦ ]
العلم، وإن كان جماهير العقلاء من بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة.
حتى قال الرازي: وأعلم أنه لولا ولوع الناس بكل كلام هائل لا يخلصون حقيقته، لما احتيج إلى الكلام على قولهم: إن الشيء الأحدى الذات عقل وعاقل ومعقول، من غير تعدد صفاته.
وأما هذه الثانية فما علمت له فيها سلفًا.
فنقول في الأولى التي ذهب إليها بعض سلفه، لم قلت: إن العالم إذا علم نفسه، لم يكن علمه بنفسه إلا مجرد نفسه؟ وما الدليل على ذلك؟ وهل هذه إلا مجرد الدعوى؟
ثم إنها دعوى معلومة الفساد بالضرورة وبالأدلة، فإن الإنسان حاله قبل أن يعرف نفسه، خلاف حاله إذا عرفها: يعلم أنه حصل له علم لم يكن، مع أن نفسه لم تزل، ويعلم أنه إذا قال: علمت نفسي، كان في هذا زائد على قوله: كانت نفسي.
وإذا قال: علمي بنفسي موجود، علم أن هذا زائد على قوله: نفسي موجودة.
وقوله: علمت نفسي، كقوله: أحببت نفسي، وظلمت نفسي، ورأيت نفسي، فهل يكون حبه لها وظلمه لها ورؤيته لها هو ذاتها؟!.
الوجه الثاني
ومن الأقوال المشهورة عند الناس: من عرف نفسه عرف ربه، فلو كانت معرفته بنفسه هو نفسه، لكان كل أحد عارفًا بنفسه وبربه.
[ ١٠ / ٤٧ ]
ثم إن العاقل يتبين له كل وقت من أحوال نفسه، ما لم يكن متبينًا له قبل ذلك، فيزداد عقلًا ومعرفة وتبينًا لنفسه.
ويجد ذلك فيه وجودًا ضروريًا، كما يجد علومه الضرورية، فكيف يكون علمه بنفسه ليس فيه زيادة على مجرد نفسه، التي كانت قبل العلم بها؟.
وقول القائل: العاقل لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي بها هو.
يقال له: من المعلوم بالضرورة أن إدراك ذاته ليس هو عين ذاته، بل إذا قدر ذاته بدون إدراكها، وقدر ذاته مع إدراكها، كان إدراكها قدرًا زائدًا على ذاته بدون إدراكها، وهذا الإدراك غير الذات الخلية عن إدراك، فهذا معلوم بالحس والضرورة.
ثم إن كان القائل ممن يقول: الإدراك هو انطباع صورة المعقول في العاقل، أو يقول: الإدراك هو نفس تلك الصورة، أو هو إدراك تلك الصورة، أو يقول: ليس هناك صورة، بل الإدراك علم بالمدرك بلا صورة، أو يقول: هو نسبة بين المدرك والمدرك بلا صورة، فأي قول في هذه الأقوال قاله، فلا بد له أن يجعل الإدراك ليس هو المدرك، فليس العلم هو نفس المعلوم، كما أنه
[ ١٠ / ٤٨ ]
ليس هو العالم، بل يعقل بالضرورة الفرق بين العالم والمعلوم والعلم، كما يعقل الفرق بين المريد والمراد والإرادة، والمرئي والرائي والرؤية، والمسموع والسامع والسمع، والمحبوب والمحب والمحبة.
لكن إن كان الواحد هو العالم والمعلوم، والمحب والمحبوب، بحيث يقال: إنه يعرف نفسه، ويحب نفسه، فهنا، مع كونها العالم والمعلوم، والمحب والمحبوب، فليس علمها بنفسها وحبها نفسها هو ذات نفسها، بل يمكن تقديرها غير عالمه بنفسها ولا محبة لنفسها، ويمكن تقديرها مع علمها وحبها.
ويعلم أنه مع تقديرها الوجود، هناك أمر موجود زائد على تقدير العدم، هذا مع أن جهة كونه عالمًا غير جهة كونه معلومًا، وإن كانت الذات واحدة.
وأما نفس العلم فليس هو لا ذات العالم ولا ذات المعلوم.
وقول القائل: الشيء لا يضاف إلى نفسه، كلام مجمل.
فإن عنى به أنه لا يضاف في اللفظ، فهذا ليس بحثًا عقليًا، مع أنه ممنوع، فإنه قال: نفسه وذاته، وليس الكلام في هذه.
وإن أراد بذلك ما نحن فيه، وهو أن ذاته لا تتعلق بها الصفات الثبوتية الإضافية، كالعلم والحب والظلم، فلا يكون عالمًا بنفسه ولا محبًا لها، ولا ظالمًا لها- فهذا مكابرة.
ثم لو قدر أن إدراكه لذاته ليس فيه صورة عقلية غير صورة ذاته التي بها هو، فلم قلت: إنه يلزم مثل ذلك في إدراك كل
[ ١٠ / ٤٩ ]
شيء؟ والذين فرقوا قالوا: ذاته لا تضاف إلى ذاته، وهذا الفرق منتف فيما سواهما.
قالوا: ليس بينه وبين ذاته واسطة أقرب من ذاته إلى ذاته وهذا منتف فيما سوى ذاته.
وقالوا: العلم هو العالم وليس هو المعلوم، فعلمه بذاته هو نفس ذاته، بخلاف علمه بغيره.
وبالجملة فهم قد ذكروا فروقًا، إن كانت صحيحة بطل الجمع، وإن كانت باطلة منع الحكم في الأصل.
أما كون الحكم في الأصل يوجد مسلمًا، مع قياس العلم بما سواه على العلم بنفسه، في أن كل عالم بمعلوم هو نفس المعلوم، وليس هناك علم زائد على المعلوم- فهذا مردود بصريح العقل، ومجرد تصوره التام كاف في العلم بفساده.
الوجه الثالث
أن يقال: قوله: فلا يحتاج في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته، إلى صورة غير صورة ذلك الصادر، التي بها هو هو قضية معلومة الفساد بالضرورة، فإن الإنسان يجد من نفسه أنه إذا أراد أن تصدر عنه صورة خارجية، من قول أو فعل، فإنه يتصور في ذهنه ما يريد أن يظهره قبل أن يظهره، ويميز بين الصورة التي في ذهنه، وبين ما يظهره بقوله وفعله.
[ ١٠ / ٥٠ ]
والفلاسفة، مع سائر العقلاء، متفقون على هذا، ويقولون: أول الفعلة آخر العمل، وأول البغية آخر الدرك، ويقولون: العلة الغائية هي أول في التصور آخر في الوجود.
وجمهور العقلاء يقولون: السابق هو تصور العلة الغائية وإرادتها.
وأما ابن سينا ونحوه من الفلاسفة فيقولون: بل نفس العلة هي السابقة في الذهن.
ويقولون: العلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية.
وجمهور العقلاء لا يجعلونها علة فاعلية، بل يقولون: تصور الفاعل لها، وإرادته لها، به صار فاعلًا، فلولا تصور الغاية والإرادة لها لما كان فاعلًا، فتصورها وإرادتها شرط في كون الفاعل فاعلًا، وهي مقدمة في التصور والإرادة، وإن تأخرت في الوجود.
ففي الجملة العاقل الفاعل فعلًا باختياره، يتصور ما يريد أن يفعله في نفسه، ثم يوجده في الخارج، فتلك الصورة الموجودة في الخارج بفعله، ليست هي الصورة المعقولة في ذهنه، كمن أراد أن يصنع شكلًا مثلثًا أو مربعًا، أو يصنف خطبة، أو يبني دارًا، أو يغرس شجرًا أو يسافر إلى مدينة، فإنه يتصور ما يريده ابتداءً، فتكون له صورة عقلية في نفسه، قبل صورته التي توجد في الخارج، وهو معنى قولهم: أول البغية آخر الدرك، أي أول ما تبغيه فتريده وتطلبه، هو آخر ما تدركه وتناله.
[ ١٠ / ٥١ ]
وهذا العلم، هو العلم الفعلي المشروط في الفعل، وعلم الرب عندهم فعلي، فكيف يكون نفس علمه به، هو نفس المعلوم الذي أبدعه في الخارج؟ وهل يقول هذا من يتصور ما يقول؟.
الوجه الرابع
قوله: واعتبر من نفسك أنك تعقل شيئًا بصورة تتصورها أو تستحضرها، فهي صادرة عنك، لا بانفرادك مطلقًا، بل بمشاركة ما من غيرك، ومع ذلك فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها، بل، كما تعقل ذلك الشيء بها، كذلك تعقلها بنفسها، من غير أن تتضاعف الصور فيك.
إلى قوله: وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك هذه الحال، فما ظنك بحال العاقل، مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه؟.
فيقال له: هذا تلبيس لا يروج إلا على جاهل أو متجاهل، فإن هنا أمرين: أحدهما: الشيء الموجود في الخارج، وهذا هو الذي يقال: إن تعقله ارتسام صورته في العالم.
والثاني: نفس الصورة العلمية التي في العاقل المطابقة لهذا المعلوم، فهذه الصورة لم يقل أحد: إنها تفتقر إلى صورة أخرى، فإن هذه هي العلم.
وهم قالوا: إن العلم صورة مطابقة للمعلوم.
والعلم من حيث هو علم لا يجب أن تكون له صورة غير نفسه في العقل تطابقه،
[ ١٠ / ٥٢ ]
اللهم إلا إذا قيل: إن ذلك العلم صار معلومًا، فتكون له صورة من حيث هو معلوم، لا من حيث هو علم.
وقوله: إنك تعقل شيئًا بصورة تتصورها وتستحضرها، فهي صادرة عنك، وأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها، بل كما تعقل ذلك الشيء بها، كذلك تعقلها أيضًا بنفسها.
فيقال: قوله: صادرة عنك إنما تعرف فيما يفعله الإنسان.
أما حصول الصورة العلمية في نفسه، فهذا قد يكون ضروريًا حصل بغير فعل منه، وإن كان نظريًا فهو ضروري بعد وجود سببه.
ولهذا من يقول: المتولدات ليست مكتسبة، يجعل جمهورهم العلوم كلها ضرورية، كما قال أبو المعالي: والمختار عندنا أن العلوم كلها ضرورية.
وحينئذ فلا تكون تلك الصورة العقلية صادرة عنه، بل هي حاصلة في ذاته بغير اختياره.
وعلم الرب القديم اللازم لذاته، كعلمه بنفسه، لا يقال: إنه صادر عنه ولا مفعول له، بل هو كحياته.
ولكن ما يتجدد من سمع وبصر وعلم بالكائن كائنًا، فهذا من أثبته فإنه يمكن أن يجعله صادرًا عنه.
وأما علمه بالأشياء التي يريد أن يفعلها قبل فعلها، فهذا للناس فيه كلام بحسب تنازعهم في هذا الأصل.
وعلى كل قول، وبكل تقدير، ليست صورة المعلوم التي خلقها
[ ١٠ / ٥٣ ]
وأبدعها هي نفس علمه به، وإذا سمي العلم صورة عقلية، فليس هذا هو ذاك.
وإذا قيل: إن عقل العاقل للصورة الموجودة، لا يكون إلا بصورة عقلية، لم نقل: إن الصورة العقلية لها صورة أخرى.
ولكن للناس هنا نزاع.
وهو أن العلم بالعلم هل يحصل بالعلم أم لا بد من علم ثان؟ وكذلك العلم الثاني هل يفتقر إلى ثالث؟ فمن أثبت ذاك بطلت الحجة على قوله.
ومن نفي ذاك، قال: العلم يعلم به غيره، فلأن يعلم هو بنفسه بطريق الأولى، كالنور الذي يرى به غيره، ويرى هو بنفسه، فلا يلزم إذا احتاج ما ليس بعلم إلى صورة عقلية، أن يحتاج نفس العلم إلى صورة عقلية غير العلم، بل من علم شيئًا علمًا تامًا، علم أنه عالم.
ومن نصر القول الأول يقول: قد يعلم المعلوم ويذهل عن كونه عالمًا به.
فإن قيل: هذا لا يتصور في حق الله تعالى، فإنه يعلم المخلوقات، ويعلم أنه عالم بها، فإذا كان العلم بكونه عالمًا، ليس هو العلم بالمعلوم المنفصل، لزم وجود علوم لا تتناهى.
وهذا هو الذي احتج به الطوسي.
فيقال: علمه بنفسه يوجب كونه عالمًا بصفاتها، ومن صفاتها كونه عالمًا بهذا وهذا، فعلمه بنفسه يتضمن العلم بكونه عالمًا بالمعلومات، وهذا العلم ليس هو العلم بالمعلومات المخلوقات، لكن هو مستلزم له، فعلمه تعالى بنفسه مستلزم للعلم بجميع صفاته، يمتنع وجود أحدهما دون الآخر،
[ ١٠ / ٥٤ ]
فليس هناك علمان متباينان، بخلاف علمه ومخلوقه المعلوم، فإن هذا مباين لهذا.
والعلم محله نفسه المقدسة، والمخلوق ليس بمباين له، فكيف يكون هو إياه؟ وهو سبحانه يعلم الشيء قبل وجوده، فيكون العلم به موجودًا، والمعلوم لم يوجد بعد.
وهذا بخلاف علمه، وعلمه بعلمه.
فإنه يمتنع وجود أحدهما دون الآخر، فيمكن أن يقال: علمه بنفسه يتضمن العلم بعلمه، فلا يوجد بدونه، كما يوجد علمه بالمخلوقات قبل وجود المخلوق.
الوجه الخامس
قوله: بل ربما تتضاعف اعتباراتك المتعلقة بذاتك، وبتلك الصورة فقط، على سبيل التركب.
فيقال: تضاعف هذا الاعتبار هو الذي يريده من يقول بتضاعف الصور، فإن مقصودهم أن العلم بالعلم بالشيء ليس هو العلم بالشيء.
ثم كون العلم صورة المعلوم في العالم، أو إدراك الصورة، أو إدراكه بلا صورة، أو نسبة، أو غير ذلك- نزاع في حقيقة العلم.
والمقصود هنا أن علم العالم بالمعلوم ليس هو المعلوم، وهو يريد أن يقرر أن العلم بالمعلوم عين المعلوم، كما أن العلم بالعلم بالمعلوم هو نفس العلم المعلوم.
وجوابه إما بالمنع، وإما بالفرق.
[ ١٠ / ٥٥ ]
فإن كان العلم بالعلم زائدًا على العلم، منع الحكم في الأصل.
وإن لم يكن زائدًا، فالفرق حاصل.
وهو يريد التسوية بين العلم بالعلم وبين العلم بالمعلوم.
ونقول: إذا كان ذاك المعلوم هو نفس العلم، فكل معلوم نفس العلم.
وكلا المقدمتين ممنوعة، ولقد قرر أنه لم تنحل هذه الشبهة، فنحن نعلم علمًا ضروريًا أن هذا سفسطة، وأن من جعل نفس المعلوم الموجود المخلوق، هو نفس علم العالم به، فهو مكابر جاحد للخالق.
الوجه السادس
قوله: ولا تظنن أن كونك محلًا لتلك الصورة شرط في تعقلك إياها، فإنك تعقل ذاتك مع أنك لست بمحل لها، بل إنسا كان كونك محلًا لتلك الصورة شرطًا في حصول تلك الصورة لك، الذي هو شرط في تعقلك إياها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر، غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول.
فيقال: هنا صورتان: الصورة الموجودة في الخارج، والصورة المعقولة المطابقة لتلك المسماة بالعلم.
فإن أريد أن كونه محلًا للصورة العقلية.
ليس شرطًا في تعقل
[ ١٠ / ٥٦ ]
الصورة العقلية.
فهذا باطل.
فإن تعقلها لا يكون إلا بحصولها له، والصورة العقلية لا تحصل له إلا إذا قامت به، بل الصورة العقلية لا تكون إلا حالة في الإنسان، لا تكون حاصلة له بدون الحلول أبدًا.
وكذلك كل عالم لا بد أن يكون العلم قائمًا به، وحصول العلم للعالم بدون قيامه به ممتنع، فإن العلم لا يقوم بنفسه، ولو قدر قيامه بنفسه لم تختص به ذات دون ذات، فلا تكون الذات عالمة علمًا، إن لم يكن ذلك العلم قائمًا بها.
وهذا مما رد به على جهم حيث قال: إن الرب عالم بعلم لا يقوم به، لامتناع قيام الصفات به.
كما رد به على البصريين من المعتزلة قولهم: مريد بإرادة لا تقوم به.
وقول هذا الطوسي شر من قول جهم، فإن جهمًا، وإن قال: إنه عالم بعلم لا يقوم به- فالعلم عنده ليس هو المعلوم.
وهذا يجعله عالمًا بعلم منفصل عنه، ويجعل العلم هو المعلوم.
فإن حقيقة قول النفاة للصفات من الفلاسفة، من جنس قول النفاة لها من الجهمية، فيشتركان في التعطيل، ويفترقان في مسائل الحدوث والقدم.
ولهذا وصى ابن سينا بملازمة قول النفاة للصفات، فإن القول بالحدوث ممتنع على أصلهم، فالنفي حجة له عليهم، بخلاف مثبتة
[ ١٠ / ٥٧ ]
الصفات، فإن فساد قول الدهرية على قولهم ظاهر.
وإن أراد أن تعقل الموجود في الخارج ليس مشروطًا بحصول الصورة العقلية، فقد اعترف هو بثبوت الصورة العقلية، وادعى أنها صورة المفعول.
ثم نقول: مقصودنا لا يتوقف إلا على إثبات علم قائم بالعالم، سواء سمي صورة عقلية أو لم يسم، فعقل الوجود في الخارج لا يكون إلا إذا قام بالعاقل عقل له، وذلك العقل ليس هو العقل الموجود في الخارج المباين للعاقل.
وإذا سمي ذلك العقل صورة عقلية، وقيل: إن التعقل ليس مشروطًا بها، كان معناه أن وجود العلم ليس مشروطًا بوجود العلم.
ومعلوم أن الشيء لا يثبت بدون لازمه، فكيف يثبت الشيء مع انتفائه؟ وهل هذا إلا جمع بين النقيضين: وجوده وعدمه؟
وحينئذ فكون العالم محلًا للعلم شرط في حصول العلم، فإن حصول العلم للعالم بدون اتصافه به وقيامه به ممتنع.
فلا يكون العقل، الذي هو العلم، حاصلًا للعاقل، إلا إذا كان العاقل، الذي هو العالم، محلًا لذلك العقل الذي هو العلم، كما أن المحب لا يكون محبًا، إلا إذا كانت المحبة قائمة به، وكذلك في الإرادة والكلام وسائر الصفات.
وهذا أصل مطرد لأهل السنة: أن الصفة إذا قامت بمحل، عاد حكمها على ذلك المحل، ولم يتصف بتلك الصفة غير ذلك المحل.
[ ١٠ / ٥٨ ]
ولهذا قالوا: لو كان كلام الله مخلوقًا، لكان المتكلم به هو المحل الذي خلق فيه.
وطرد أئمتهم وجمهورهم هذا في الصفات الفعلية.
وآخرون، كالأشعري ونحوه، فرقوا بينهما فرقًا، كانوا به متناقضين عند جمهور الناس من المثبتة والنفاة.
وأما من يقول: عالم لا بعلم يقوم به، ومريد لا بإرادة تقوم به، ومتكلم لا بكلام يقوم به- فهذا كلام الجهمية النفاة، ومن وافقهم من المعتزلة.
وهذا الطوسي وأمثاله هم الجهمية النفاة المتفلسفة الملاحدة.
وهو في التعطيل شر من المعتزلة وغيرهم.
وكذلك ابن سينا وأمثاله هم من أتباع الملاحدة النفاة.
وكان هذا الطوسي من أعوان الملاحدة الذين بالألموت، ثم صار من أعوان المشركين الترك، لما استولوا على البلاد.
وكذلك ابن سينا، وقد ذكر سيرته، فيما ذكره عنه أصحابه، فذكر أن أباه كان بلخيًا وأنه تزوج بقرية من قرى بخارى، في أيام نوح بن منصور، بامرأة منها فولد بها، وأنهم انتقلوا إلى بخارى.
[ ١٠ / ٥٩ ]
قال: وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين ومقدمهم، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم.
وكذلك أخي.
وكانا ربما تذاكروا ذلك بينهم، وأنا أسمعهم، وأدرك ما يقولونه، وابتدأوا يدعونني إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند.
ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي، وكان يدعي الفلسفة، وأنزله أبي دارنا.
رجاء تعلمي منه.
ثم ذكر قراءته عليه المنطق وإقليدس والمجسطي.
ومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين -بني عبيد الباطنية- كالحاكم وأمثاله، الذين هم سادة أهل بيته، من أعظم الناس نفاقًا وإلحادًا في الإسلام، وأبعد الناس عن الرسول ﷺ نسبًا ودينًا، بل وأبعد الناس عن صريح المعقول وصحيح المنقول، فليس لهم سمع ولا عقل.
[ ١٠ / ٦٠ ]
وقولهم في الصفات صريح قول جهم، بل وشرًا منه، وزادوا عليه من التكذيب بالحق والبعث والشرائع ما لم يقله الجهم، تلقيًا عن سلفهم الدهرية، وأخذوا ما نطق به الرسول في الإيمان بالله واليوم الآخر والشرائع، فجعلوا لها بواطن يعلم علماء المسلمين بالاضطرار أنها مخالفة لدين الرسول ﷺ.
فأصحاب الإشارات، هم من جنس هؤلاء، لكن يتفاوتون في التكذيب والإلحاد.
وأما قوله: فإنك تعقل ذاتك ولست بمحل لها.
فيقال: ليس من شرط الموجود المعلوم أن يكون هو نفسه حالًا في العالم، بل أن يكون العلم به حالًا في العالم، ومن عرف نفسه فلابد أن يقوم في نفسه علم بنفسه، فيكون العلم بنفسه حالًا في نفسه، لا أن تكون نفسه حالة في نفسه، ولكن هو يريد أن يسوي بين العلم والمعلوم، فيجعل ما لا يشترط في المعلوم لا يشترط في العلم، ويجعل العلم نفس المعلوم، وهذا باطل كما تقدم.
الوجه السابع
قوله: بل إنما كان كونك محلًا لتلك الصورة، شرطًا في حصول تلك الصورة لك، الذي هو شرط في تعقلك إياها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.
هذا كلام متناقض، فإن كونه محلًا لتلك الصورة: إذا كان
[ ١٠ / ٦١ ]
شرطًا في حصول تلك الصورة، امتنع وجود المشروط بدون شرطه فلا تحصل الصورة له إلا بحلولها فيه، لأن الحلول شرط فيها، فدعواه بعد هذا أنه يمكن حصولها له بدون الحلول، جمع بين النقيضين.
وكان ينبغي أن يقول: إنما كان كونك محلًا للصورة سببًا في حصولها لك، والحصول يحصل بهذا السبب تارة وبغيره أخرى.
ومع هذا فلو قال ذلك كان باطلًا أيضًا، لكن هو يعلم أن هذا الحلول شرط في تعقل العبد، وإنما يدعي أنه ليس بشرط في علم الرب.
الوجه الثامن
أن يقال: حصول العلم للعالم بدون قيامه به ممتنع، فإذا كانت الصورة العقلية هي العلم، أو كان العلم مستلزمًا لها لا يوجد إلا بوجودها لكونها شرطًا فيه، امتنع حصول العلم، وحصول الصورة العقلية، التي هي العلم، أو شرطه أو لازمه، للعالم بدون حلولها فيه، كما يمتنع مثل ذلك في سائر صفات الحي، فيمتنع أن يحصل له علم أو قدرة، أو حب أو بغض، أو رضى أو سخط، أو فرح أو ألم أو لذة، أو غير ذلك من صفات الحي، بدون حلول ذلك في الحي، ولا يحصل ذلك له إلا بحلوله فيه، لا مع وجوده مباينًا له.
الوجه التاسع
أن يقال: مراده بالصورة الحاصلة بلا حلول: إن كان هو مجرد الصورة الموجودة، وهو لم يرد ذلك، كان
[ ١٠ / ٦٢ ]
حقيقته أن العلم يحصل بمجرد وجود المعلوم، فلا يكون هنا علم قائم بالعالم ولا صورة عقلية، وهذا مع ظهور فساده، فهو يسلم بطلانه، في العبد، ويقول: إن كونه محلًا لتلك الصورة، شرط في حصول تلك الصورة، الذي هو شرط في تعقله إياها، فيجعل الحلول شرطًا في الحصول، الذي هو شرط في التعقل، ويثبت الصورة العقلية القائمة بقلب الإنسان، فيمتنع أن يريد بالصورة الحاصلة بلا حلول، الصورة العقلية الحاصلة للإنسان.
وإن أراد بذلك الصورة الموجودة، فلا ريب أنها تحصل من غير حلول، بل الحلول فيها ممتنع.
لكن يقال: ليس في مجرد حصولها للإنسان، ما يوجب أن يكون الإنسان عاقلًا لها، إذا لم يكن في نفسه علم بها، بل الحصول الخالي عما يقوم بالعالم من العلم، ليس معه علم ضرورة، فإن ادعى حصول الصورة العقلية بلا حلول فيمتنع، وإن ادعى حصول الصورة الموجودة بلا حلول فهو ممكن، لكن وجود العلم بمجرد ذلك من غير شعور يقوم بالشاعر بها ممتنع.
وهذا أمر معلوم بالضرورة واتفاق العقلاء، لكن هؤلاء القوم يدعون أن علم الله بالأشياء بلا علم يقوم به، ويسمونه عاقلًا، ويفرقون بين عقل وعقل، مع جعل العقل جنسًا واحدًا، وهو تناقض بين، وقول بلا علم، بل مما يعلم بطلانه.
[ ١٠ / ٦٣ ]
الوجه العاشر
أن يقال: قوله: فإذا حصلت تلك الصورة بوجه آخر غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.
ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله، في كونه حصولًا لغيره، ليس دون حصول الشيء لقابله.
فيقال: حصول الشيء لغيره بدون حلول فيه لفظ مجمل.
قد يراد به حصوله في ملكه، وقد يراد به حصوله عنده وفي يده.
وقد يراد به حصوله لينتفع به بوجه معاونًا له ومشاركًا.
فإنه يقال لك: هذا المال، وهذه الدار، وهذا المملوك.
ويقال: حصل لك هذا لتستعيره أو تستأجره.
وقد يقال: حصلت لك هذه المرأة لتتزوجها، وهذا الرفيق أو الشريك لترافقه وتشاركه، وحصل لك هذا المعلم لتتعلم منه، وحصل لك هذا العدو في يديك وقبضتك، وأمثال ذلك.
ومعلوم أنه ليس في هذه الأنواع من الحصول، ما يوجب أن يكون هذا الحصول موجبًا للعلم بدون شعور يقوم بالعالم، بل إن لم يقم بالحي شعور قائم بنفسه بما حصل له، وإلا لم يكن شاعرًا بها.
والشعور أول درجات العلم والعقل، فمن لم يكن شاعرًا بالشيء كيف يكون عالمًا به وعاقلًا له؟.
[ ١٠ / ٦٤ ]
فقوله: إذا حصلت تلك الصورة بوجه غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.
كلام لا دليل عليه، وهو باطل.
ويكفيه المنع المجرد، وهو أن يقال: لا نسلم أن الحصول الخالي عن حلول، يكون تعقلًا من غير حلول، أو يوجب التعقل من غير حلول.
ونعني بالحلول ما بيناه من حلول نفس الشعور بالشاعر، سواء كان هناك صورة عقلية أو لم يكن، فكيف وقد رأينا الحصول من غير شعور لا يكون علمًا في عامة أنواع الحصول؟.
الوجه الحادي عشر
قوله: ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولًا لغيره، ليس دون حصول الشيء لقابله، فإذن المعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته، حاصلة من غير أن تحل فيه، فهو عاقل إياها من غير أن تكون هي حالة فيه.
يقال له: لا ريب أن كونها مفعولة مخلوقة فيه، مغاير لكونها قائمة به، لكن يجب أن نعرف أنه لم يقل عاقل: إن العلم بالمخلوقات يقتضي حلول المخلوقات بذات الخالق، كما أن خلقه لها نفس إبداع ذواتها، فلم يقل عاقل: إن الذي هو مخلوق مفعول، هو نفس الذي هو حال مقبول، حتى نفرق بينهما، بأن أحدهما
[ ١٠ / ٦٥ ]
حصول للفاعل، والآخر حصول للقابل، بل الحاصل للفاعل هو نفس الأشياء المخلوقة، كالسماوات والأرض وما بينهما.
وأما القبول القائم بالقابل، فهو العلم بها، الذي يسمونه صورة عقلية، لا نفسها الموجودة.
ولا يقول عاقل يتصور ما يقول: إن العلم حصول نفس الموجودات في العالم، فإن كل عاقل يعلم أنه إذا علم النار والشمس والقمر، لم تكن هذه الحقائق في نفسه، وإن قدر أن أحدًا قال ذلك، أو قال: إن الحاصل في نفسه مثل حقائقها الموجودة في الخارج في الحد والحقيقة، حتى يقول: إن من علم الشمس صار في نفسه شمسًا مساوية في الحد والحقيقة للشمس التي في السماء، ومن علم النار حصل في نفسه نار مساوية في الحقيقة للنار التي تحرق فهذا القول ظاهر الفساد.
وإنما الذي قد يقال: إنه تحصل صورة عقلية تطابق تلك الحقيقة، مطابقة ما في النفس لما في الخارج.
ولهذا يمثلون ذلك بمطابقة الوجه لما في المرآة.
فنقول: حصول الصورة العلمية في العالم، كحصول الصورة المرئية في المرآة، أو في الماء، ونحو ذلك.
ومعلوم أنه لم تحل في المرآة والماء نفس الشمس والوجه، ولا ما يساويهما في الحد والحقيقة، ولكن صورة تحكيهما، وليست هذه الصورة كالصورة التي تحصل في الشمع والطين من طبع الخاتم والرسم، فإن تلك عرض منقوش حل في جسم يشبه الآخر، بخلاف ما في المرآة فإنه
[ ١٠ / ٦٦ ]
عرض، والشمس والوجه جسم، وكذلك العلم الذي في القلب، والمعلوم القائم بنفسه، كالسماء والأرض جواهر، فليس هذا مثل هذا.
وبالجملة فنحن ليس غرضنا في هذا المقام إلا إثبات قيام العلم بالعالم، فإنه أمر موضع الكلام فيه، إذ كل أحد يميز بين شعوره بالشيء، وعدم شعوره به.
أما كون ذلك بانطباع صورة عقلية مطابقة أو مشابهة، أو غير ذلك- فليس هذا موضع الكلام فيه، إذ المقصود هنا أن ذلك العلم هو المسمى بالصورة العقلية، وهو حال في العالم.
وليس هذا هو الصورة الموجودة في الخارج، ولا فاعل هذا فاعل ذاك، ولا قابل هذا هو قابل ذاك، فإن العلم بقلبه -قلب العالم- فهو صفة قائمة بالعالم، وفاعله هو ما أحدثه فيه.
وعلم الله القديم اللازم لذاته قائم به، وليس له فاعل، وإن كان له موصوف به يسمى محلًا ويسمى قابلًا.
وأما الصورة الموجودة في الخارج، فالله سبحانه خالقها.
والإنسان قد يكون له فعل في بعض الصور، ومحلها -إن كانت عرضًا- الجسم الذي قامت به، كما أن محل الصياغة هو الذهب والفضة، ومحل النجارة هو الخشب، ومحل صورة الدرهم والدينار والخاتم هو الذهب والفضة، ومحل الخياطة الثوب، ومحل النساجة الغزل، وأمثال ذلك.
[ ١٠ / ٦٧ ]
فقول القائل: حصول الشيء لفاعله غير حصوله لقابله يقتضي أن الشيء الحاصل للفاعل، هو الشيء الحاصل للقابل، وإنما اختلف الحصولان.
وليس كذلك، فإن حصول الشيء لفاعله هو حصول نفسه المخلوقة الموجودة، كحصول العالمين لرب العالمين، فإن كل المخلوقات حاصلة له، حصول المفعول لفاعله، بل حصولًا لا يماثله فيه أحد، فإن أحدًا لا يخلق كخلقه.
وأما حصول المقبول لقابله.
فإنما المراد به هنا حصول العلم بهذه المخلوقات للعالم بها، فإن العلم يحصل له حصول المقبول لقابله، لا يراد به أنها نفسها حصلت له حصول المقبول لقابله، بحيث حلت فيه، وكان محلًا لها، فهذا هذا.
الوجه الثاني عشر
أن يقال: وإذا كان هذا الحصول غير هذا الحصول، فأي مقصود يحصل لك بذلك؟ وأي دليل في ذلك على أن المعلولات -التي هي المخلوقات- إذا كانت حاصلة للخالق الذي خلقها، من غير أن يقوم به شعور بها أصلًا، بل ذاته مع عدم العلم بها، كذاته مع وجود العلم بها، فيكون عالمًا بها من غير حلول شيء فيه؟.
وقوله: فهو عاقل إياها، من غير أن تكون حالةً فيه.
يقال له: لم يشترط أحد حلول ذواتها فيه، فإن كان هذا الشخص رد قول من أدخل فيه ما يماثلها في الحد والحقيقة، فنحن نساعده على ذلك، ولا حاجة إلى ما ذكره.
[ ١٠ / ٦٨ ]
ولم يقل أحد من المسلمين: إن الله لا يعلم المخلوقات، حتى تحل في ذاته، أو يحل في ذاته ما هو مماثل في الحقيقة لهذه المخلوقات.
فإن كان في سلفه الملاحدة من قال نحو هذا، فدونه وإياه.
وأما سلفنا المسلمون فلم يقل أحد منهم شيئًا من هذا.
وإن أراد بقوله: من غير أن تكون حالة فيه من غير أن يقوم به علم بها، بل يكون حال ذاته مع العلم بها، كحالها إذا قدر عدم العلم بها، فهذا باطل معلوم الفساد بالضرورة، وإذا أثبت علمًا بجميع المخلوقات، يتصف به الرب، غير المخلوقات المعلومة، حصل المقصود في هذا المقام، ويبقى المقام في تفصيل ذلك له مقام آخر.
الوجه الثالث عشر
قوله: وإذ تقدم هذا، فأقول: قد علمت أن الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته، وبين عقله لذاته في الوجود، لا في اعتبار المعتبرين على ما مر، وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله المعلول الأول.
فإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته، وعقله لذاته، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين أيضًا: أعني المعلول الأول وعقل الأول له، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينًا للأول، والثاني متقررًا فيه.
وكما حكمت بكون التغاير في العلتين اعتبارًا محضًا، فاحكم بكونه في المعلولين كذلك.
[ ١٠ / ٦٩ ]
فيقال: كلا المقدمتين ممنوعة باطلة: التلازمية والاستثنائية، المشبه والمشبه به، الأصل والفرع.
أما قوله: حكمت بكون ذاته وعقله لذاته شيئًا واحدًا في الوجود فهذا لم يحكم به أحد من مثبتة الصفات، الذين هم سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها، على تنوع أصنافهم، فلم يقل منهم أحد: إن علمه بنفسه هو عين نفسه، وإنما يحكي ما يشبه هذا عن المعطلة الجهمية من أهل الكلام والفلسفة، كابن رشد ونحوه، بل علمه بنفسه في كونه ليس هو نفسه، كعلمه بسائر المعلومات، فليس العلم نفس العالم عند أحد من أهل الإثبات للصفات.
ولكن هل يقال: إنه غيره؟ هذا فيه نزاع لفظي.
منهم من يقول: إن علمه غيره.
ومنهم من يقول: لا هو هو، ولا هو غيره.
ومنهم من يقول: لا نقول: لا هو هو، ولا هو غيره فأنفيهما جميعًا، بل أقول: ليس هو إياه منفردًا، وأقول: ليس هو غيره مفردًا.
ولا أجمع بينهما فأقول: لا هو هو، ولا هو غيره.
وأما السلف والأئمة، كـ أحمد بن حنبل وغيره، فلم يقولوا شيئًا من ذلك، بل امتنعوا من إطلاق القول بأنه غيره، كما لم يطلقوا أنه هو، ولم يقولوا: إنه لا هو هو، ولا غيره، فينفوهما جميعًا: لا مجتمعين ولا منفردين، بل منعوا من إطلاق لفظ الغير، لأن لفظ الغير مجمل، يراد به المباين، ويراد به ما ليس هو إياه.
[ ١٠ / ٧٠ ]
والجهمي إذا سأل أحدهم عن القرآن: أهو الله أو غيره؟ فإن قال: هو غيره.
قال: كل ما هو غير الله مخلوق.
ولهذا لما سألوا الإمام أحمد في المحنة عن القرآن: أهو الله أو غيره؟ وإذا كان غيره كان مخلوقًا- عارضهم بالعلم فسكتوا.
وقد تكلم على لفظ الغير في الرد على الجهمية.
والقول الذي قبله قول الأشعري وطائفة، والذي قبلهما قول القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى وطائفة، والأول قول الكرامية وطائفة.
ومما يدل على قول الأئمة أن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» .
وثبت عنه الحلف بعزة الله، والحلف بقوله: لعمر الله، فلو كان الحلف بصفاته حلفًا بغير الله لم يجز، فعلم أن الحالف بهما لم يحلف بغير الله، ولكن هو حالف بالله بطريق اللزوم، لأن الحلف بالصفة اللازمة، حلف بالموصوف ﷾.
[ ١٠ / ٧١ ]
وقول القائل: الصفات زائدة على الذات ليس كقوله: صفات الله زائدة على الله، لأن مسمى اسم الله يدخل في صفاته، فإذا قال: الله دخل فيه صفاته، فإذا قال: هي غيره أوهم مباينةً لله لم تدخل في اسمه.
وأما لفظ الذات فقد يراد بها الذات التي يقدر أنها مجردة عن الصفات، والصفات زائدة على لفظ الذات.
ولفظ الغيرين يراد بهما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، وعلى هذا فالصفة ليست مغايرة للموصوف.
ويراد بهما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر، وعلى هذا فالصفة غير الموصوف، والعلم غير العالم.
وهذا هو لغة هؤلاء فنخاطبهم بلغتهم.
فإذا قال: الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته، وبين عقله لذاته في الوجود.
قيل: هذا ممنوع، بل عقله لذاته ليس هو ذاته، بل هو مفهوم مغاير لمفهوم الذات، وإن كانا متلازمين.
واعتبار المعتبرين: إن كان مطابقًا للحقيقة، وإلا كان خطأً.
وكون الشيء لا يتميز عن الشيء من وجه، لا يقتضي أنه لا يتميز عنه من وجه آخر، فالطعم لا يتميز عن اللون باللمس، ولكن يتميز أحدهما عن الآخر بالرؤية والذوق، فلو قدرنا عدم القوة المميزة لم يمتنع الامتياز في نفس الأمر.
وكذلك إذا قدرنا صفة لازمة لموصوفها، لم نشعر بأحدهما
[ ١٠ / ٧٢ ]
منفكًا عن الآخر، لم يدل ذلك على أنهما شيء واحد في نفس الأمر.
وكذلك الصفات العامة والخاصة في الموصوف الواحد، مثل كون الإنسان حيوانًا وناطقًا، وكون الجسم جسمًا ونباتًا، وكون اللون سوادًا وبياضًا، وإن لم يتميز هذا من هذا ببعض أنواع الإدراك، فإنه يتميز بنوع آخر.
الوجه الرابع عشر
قوله: وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول، فإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته وعقله لذاته، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين شيئًا واحدًا.
فيقال: أما كون ذاته علة، فمعناه أنها مبدعة فاعلة لمفعولها.
وأما كون عقله لذاته علة لعقله، فليس معناه أن عقل ذاته أبدع عقل مفعوله، بل معناه أن عقله لذاته مستلزم لعقله لمفعوله، فإن كونه فاعلًا له من لوازم ذاته، والعلم التام بالملزوم يقتضي العلم بلوازمه، فكونه هنا علة بمعنى كونه ملزومًا، وهناك بمعنى كونه فاعلًا.
ولفظ العلة فيه اشتراك كثير بحسب اصطلاحات الناس، ينبغي لمن خاطب به أن يعرف مقصود المخاطب به.
فقد رأيت من
[ ١٠ / ٧٣ ]
غلط الناس بسبب اشتراك هذا اللفظ، لتعدد الاصطلاحات فيه، ما لا يمكن إحصاؤه ها هنا.
وإذا كان كذلك، لم يلزم من كون ذاته الفاعلة وعلمه بنفسه شيئًا واحدًا -إذا قدر أن الأمر كذلك- أن يكون مخلوقه المباين له، وعلمه بهذا المخلوق، شيئًا واحدًا، لأن المخلوق مباين له، وعلم الخالق صفة للخالق قائمة به، فلم يكن العلم قائمًا بالمخلوق، كما كان عقله لذاته قائما بذاته.
وهناك إنما جعل من جعل عقله عين ذاته، لكون العلم هو العالم عندهم، لا لكون العلم هو المعلوم عندهم.
لكن هناك كان ذات العلم والمعلوم واحدة، ولم يبق إلا العلم، وعندهم العلم ليس بزائد على الذات، فقالوا: ذاته وعقله لذاته شيء واحد.
وأما هنا: فالعالم مباين للمعلوم، والعلم صفة للعالم قائمة به، ليس صفة للمعلوم قائمة به، فلم يكن جعل المخلوق الذي يسمونه المعلول الأول، وعلم الخالق به، شيئًا واحدًا.
الوجه الخامس عشر
أن يقال بأن العلم بالمخلوق ليس هو المخلوق علم ضروري، لا يمكن دفعه بالشبهات، بل القدح فيه سفسطة.
فإن كان من لوازم هذا كون علمه بنفسه ليس هو نفسه، فلازم الحق حق، والتزام هذا هو من التزام كون المخلوق هو نفس علم الخالق، وإن لم يكن من لوازم هذا كون علمه بنفسه هو نفسه، فقد بطلت الحجة.
[ ١٠ / ٧٤ ]
وهذا بين جدًا إذا تصور الإنسان نتيجة مقدماته.
وهو قوله: فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه.
فهل يقول هذا من يتصور ما يقول؟ ويقول مع ذلك: إن الله أبدع شيئًا من الأشياء، فيقول: إن نفس مبدعه المفعول المصنوع المخلوق المباين له هو نفس علمه.
وطرد هذا أن تكون السموات والأرض هي نفس علمه بالسموات والأرض، والإنسان هو علم الله بالإنسان.
والإنسان مولود كان في بطن أمه، فيكون علم الله مولودًا كان في بطن أمه.
فهل قالت النصارى مثل هذا القول الباطل؟!.
الوجه السادس عشر
قوله: فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه، من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول، تعالى عن ذلك.
فيقال له: ليس كل أحد يقول: إنه يحتاج إلى صورة مستأنفة، بل من يقول: إنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، وأن علمه بها بعد الوجود هو ذلك الأول، لا يقول: إنه تكون هناك صورة مستأنفة.
فهؤلاء لا يلزمهم ما ذكرت.
فإن قلت: قول هؤلاء ضعيف، لأن العلم بأن الشيء سيكون، ليس هو العلم بأن قد كان.
[ ١٠ / ٧٥ ]
قلت لك: معلوم أن قولك: إن نفس علم الخالق هو نفس المخلوق، أشد امتناعًا في العقل من هذا، فعجل العلم بأن سيكون هو العلم بأن قد كان، إن كان باطلًا، فهو أقرب إلى العقل من جعل العلم نفس المخلوق.
وإذا كان أقرب إلى العقل، كان التزامه -إن كان تجدد العلم محذورًا- أولى من التزام ذاك، وإن لم يكن محذورًا، التزم ذاك.
الوجه السابع عشر
أن يقال: لم قلت إن استئناف علم يحل ذات الأول بعد وجود المخلوق محال؟.
وقولك: إنه يتعالى عن ذلك، فلا ريب أنه يتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ومنازعك يقول: إنك أنت الظالم المفتري على الله، الذي سلبته صفات الكمال، ووصفته بصفة الجهل، وقلت فيه المحال، وألحدت في أسمائه وآياته إلحاد طائفتك الضلال.
وأما أهل الإثبات فوصفوه بصفات الكمال، ووافقوا صريح المنقول عن الأنبياء والمرسلين، وما فطر الله عليه عباده أجمعين، وما دلت عليه صرائح عقول الآدميين، ووصفوا ربهم بأنه يسمع كلامهم، ويرى أعيانهم، ويسمع سرهم ونجواهم.
وأنت وصفت رب العالمين بنقيض ذلك، ولم تجعل له علمًا سوى المخلوقات.
والمخلوقات ليست علمًا باتفاق أهل الفطر السليمات، فتعالى الملك الحق عن قولك، وقول أمثالك المفترين الملحدين، أعداء الأنبياء، شياطين الإنس، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.
[ ١٠ / ٧٦ ]
وأنت فليس لك دليل أصلًا ينفي ذلك، فإن قيام ما يتعلق بمشيئته وقدرته بذاته، لا دليل لك على نفيه، إلا ما تنفي به الصفات، كما نفيت العلم.
ومعلوم أن هذا من أفسد أقوال الآدميين.
وغاية ما تقوله أنت وأصحابك: إن ذلك يستلزم التكثر والتغير، وهما لفظان مجملان، فذاك لا يستلزم تكثر الآلهة، بل الرب إله واحد، وإنما يستلزم تكثر علمه وكلماته، وهذا حق، وهو من أعظم كمالاته.
وأما التغير، فليس المراد به استحالته، وإنما المراد أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، ويحدث الحوادث بقدرته ومشيئته.
ومعلوم أن من كان قادرًا على أن يفعل بمشيئته وقدرته ما شاء كان، أكمل ممن لا يقدر على فعل يختاره يفعل به المخلوقات، ولا كلام يتكلم به بمشيئته، ولا يرضى على من أطاعه، ولا يغضب على من عصاه.
وهم يعلمون أن الفعل الاختياري القائم بالفاعل صفة كمال، بل الحركة عندهم صفة كمال، فبأي دليل ينفون ذلك، مع تجويزهم حوادث لا أول لها، بل إيجابهم لذلك؟.
الوجه الثامن عشر
قوله: ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها، بحصول صور فيها، وهي تعقل الأول
[ ١٠ / ٧٧ ]
الواجب، ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب، كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها.
فيقال: مضمون هذا الكلام أن الجواهر العقلية لما عقلت الأول، لزم أن تعقل كل شيء، لأن ما سواه معلول له، وأن تكون جميع صور الوجود حاصلة فيها.
وفي هذا الكلام من الباطل أنواع:
منها أن يقال: ومن أين لكم أن مخلوق الرب يعلمه علمًا تامًا، بحيث لا يخفى عليه من أحوال الرب شيء؟ بل يعلم الرب، كما يعلم نفسه، حتى يكون علمه بالرب متضمنًا للعلم بكل موجود؟ وما الدليل على هذا، والكتب الإلهية والدلائل العقلية تناقض ذلك؟.
قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال عن الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ [البقرة: ٣٢] .
[ ١٠ / ٧٨ ]
وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨] .
وقال: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٧]: أي خفي علمها على أهل السماوات والأرض.
وقال تعالى: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾ [طه: ١٥]، أي أخفيها من نفسي، فكيف أطلعكم عليها؟.
وقال: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] .
وقال عن الملائكة: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ [مريم: ٦٤] .
وقال: ﴿إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما﴾ [طه: ٩٨]، إلى قوله: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا * يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١٠٨-١١٠] .
[ ١٠ / ٧٩ ]
ومنها أن الأول الواجب لم يثبتوا له علمًا محققًا بجزئيات المخلوقات، بل ولا بكلياتها، فكيف يستفاد من العلم بنفسه العلم بتفاصيلها، وهو عندهم لا يعلم تفاصيلها؟ فإذا لم يستفد العلم بتفاصيلها إلا من العلم به لكونه مبدأً امتنع ذلك.
ومنها أن يقال: حصول جميع صور الموجودات الجزئية والكلية على ما هي عليه: إن كان صفة الكمال، فالرب أحق بها من مخلوقاته.
وإن كان صفة نقص، فلا موجب لوصف العقول بها.
فإن قلتم: أثبتناها للعقول لتعلم جميع الأشياء.
قيل: إن كان العلم بجميع الأشياء يمكن بدون حصول صورها في العالم، أمكن ذلك في العقل، كما أمكن في الأول.
وإن لم يمكن ذلك، وجب إثباتها للأول، وكان أحق بذلك من مفعوله.
فإن الأول إذا كان علمه بالمخلوق نفس المخلوق، كان علم العقل به يفيده العلم بالمخلوق، من غير قيام صورة المخلوق عنده، بل يكفيه ارتسام صورة المخلوق.
ومنها: أن يقال: إذا كان العقل المعلول إنما يستفيد علمه بالموجودات من علمه بالأول، وهي ليست متصورة في ذات الأول، فكيف يتصور في ذات العقل ما لم يتصور في ذات معلومة؟ وكيف يكون الفرع أكمل من أصله؟.
فإن قيل: علمه بالأول ومعلولاته يوجب الارتسام، فاستفاد ذلك من علمه بوجوده، لا من علمه بعلمه.
[ ١٠ / ٨٠ ]
قيل: إذا كان هذا صفة كمال، فالأول أحق به، وإن كان نقصًا وجب تنزيه العقل عنه.
الوجه التاسع عشر
قوله: والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور، لا بصور غيرها، بل بأعيان تلك الجواهر والصور، وكذلك الوجود على ما هو عليه، فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة، من غير لزوم محال من المحالات المذكورة.
فيقال له: ما هي الصورة التي يعقلها مع الجواهر؟ أهي صورة عقلية قائمة به؟ فهذا عندك باطل، وليس عندك إلا الموجودات.
أم صور أخرى منفصلة عنه مقارنة للموجودات، فيكون علمه بها خارجًا عن ذاته مقارنًا لها؟ وهذا أيضًا باطل كما تقدم.
أم تعني بالصور الماهيات التي تدعي أنت وسلفك أنها ماهيات غير مجعولة مقارنة للموجودات؟ فتلك لم تذكرها، وكيف نعلمها وهي عندك غير مجعولة له، حتى يكون جعله لها يوجب العلم بها كما ذكرت؟ ولم يرد شيئًا من ذلك، وإنما أراد بالصور: الصور العقلية القائمة بالجواهر، أي تعقل الجواهر، وتعقل عقلها للموجودات.
ومن جملة عقلها للموجودات عقلها له، فهو يعلم علمها له ولكل شيء، وهو نفسه ليس له علم عنده إلا وجود المخلوقات.
فهل هذا القول إلا من أعظم الأقوال فسادًا في العقل والدين؟.
[ ١٠ / ٨١ ]
ثم قوله: يعقل تلك الجواهر بأعيان تلك الجواهر من العجب، فإنه ليس عنده موجود إلا تلك الجواهر، فما العقل الذي يكون به؟ أهو عقل يتصف به؟ فعنده لا يتصف بعقل يقوم به، بل عقله نفس مخلوقاته.
فحقيقة قوله: إنه يعقل تلك الجواهر التي هي عقله، وهي معقوله، ليس له عقل يقوم به.
الوجه العشرون
أن يقال: حقيقة القول هذا الرجل، هو قول غلاة النفاة للعلم من سلفه، وهو أن الخالق تعالى لا يعلم شيئًا: لا نفسه ولا غيره، فإن العلم لا يكون إلا بقيام صفة به، وإذا كان قيام الصفات به ممتنعًا عندهم، امتنع كونه عالمًا بنفسه وبغيره فهذا حقيقة ما قاله.
وأما كون المخلوقات هي العلم، فكلام لا حقيقة له، وإن كان يظن من يجهل معناه أن فيه إثباتًا لعلم الله، فمن تصوره حق التصور علم أنه ليس فيه إثبات لعلم الله، وعلم بذلك أن ابن سينا وابن رشد وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول، من النفاة الملحدين الذين قالوا في علم الله مثل هذا الافتراء.
ومعلوم أنه إنما دعاهم إلى ذلك القول بنفي الصفات، والأحوال الاختيارية التي تقوم بذات الله، وظنهم أن ذلك مستلزم للكثرة التي يجب نفيها، ومستلزم لتغير الأحوال الذي يجب نفيه.
[ ١٠ / ٨٢ ]
ونفي هذين هو الذي أوقع نفاة العلم في نفيه، فإنهم رأوا إثبات العلم لا يمكن إلا مع إثبات الصفات اللازمة والأحوال العارضة، وظنوا وجوب نفي هذين.
وإذا كان العلم مستلزمًا لهذين، فلازم الحق حق، لا سيما ومهما قدر من توهم تنزيه وتعظيم في نفي لوازم العلم -لأن ثبوت العلم مستلزم ما يظن نقصًا من تجسيم وحلول حوادث وغير ذلك- فنفي العلم فيه من النقص والعيب ما هو أحق بتنزيه عنه من لوازم العلم، ونفي ما يناقض العلم هو أولى بالنفي، من نفي لوازم العلم.
والأدلة العقلية الصريحة، مع النقلية الصحيحة، إنما تدل على إثبات العلم ولوازمه، لا يدل شيء منها على نقيض ذلك، بل كل ما يظن من لوازم العلم أنه منفي بدليل العقل، يوجب ثبوته لا نفيه، ولكن هم استسلفوا مقدمات باطلة ظنوها عقلية، واحتاجوا إلى القول بلوازمها، فألجأهم ذلك إلى الأقوال الباطلة المخالفة لصريح العقول وصحيح المنقول، مع أنها من أعظم الفرية على رب العالمين، وأعظم الجهل بما هو عليه سبحانه من نعوت الكمال.
دع ما في ذلك من تكذيب رسله، والإلحاد في أسمائه وآياته.
والمقدمات الفاسدة التي بنوا عليها أقوالهم هي نفيهم صفاته سبحانه، وظنهم أنه لا تقوم به المعاني، وإن كانت قديمة النوع أو العين، ولهذا كان من تكلم منهم مع التزام هذا الأصل، فكلامه ظاهر البطلان، مع ما فيه من التناقض.
[ ١٠ / ٨٣ ]
وقد تكلم في ذلك السهروردي المقتول صاحب التلويحات وحكمة الإشراق وغيرهما، مع تألهه على طريقتهم، ومع أنه في حكمة الإشراق سلك طريقًا لم يقلد فيها المشائين، بل بين فساد أقوالهم فيها في مواضع، وكان كلامه في مواضع متعددة خيرًا من كلامهم، وإن كانت سمة الإلحاد تتناولهم كلهم.
فالمقصود بيان الحق، وإذا كان بعضهم ينازع بعضًا ويرد عليه، وكان أحدهما أقرب إلى الحق في ذلك الموضع من الآخر، كان بيان رد بعضهم على بعض بما قاله من الباطل مما يؤيد الله به الحق.
فرد عليهم دعواهم أن العقول عشرة.
وهؤلاء المتأخرون يقولون: إنها الملائكة بلسان أهل الملل، ويسميها صاحب حكمة الإشراق الأنوار، ويقول: إن قدماء الفلاسفة وفلاسفة الفرس والهند يقولون: هي كثيرة أكثر مما أثبته المشاؤون، مع أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما أثبته المشاؤون من العقول لا حقيقة له في الخارج البتة، وإنما الحق ما أثبته الله ورسوله من الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء، ودلت عليها الدلائل العقلية.
والمقصود هنا مسألة العلم.
كلام السهرودي في حكمة الإشراق
قال السهروردي: فصل لما تبين أن الإبصار
[ ١٠ / ٨٤ ]
ليس من شرطه انطباع شبح أو خروج شيء، بل كفى عدم الحجاب بين الباصر والمبصر، فنور الأنوار ظاهر لذاته فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، لا يحجبه شيء عن شيء، فعلمه وبصره واحد، ونوره قدرته، إذ النور مباين لذاته.
قال: والمشاؤون وأتباعهم قالوا: علم واجب الوجود ليس بزائد عليه، بل هو عدم غيبته من ذاته المجردة عن المادة.
وقالوا: وجود الأشياء عن علمه بها.
قال: فيقال لهم: إن علم لزم من العلم شيء، فيقدم العلم على الأشياء وعلى عدم الغيبة، فإن عدم الغيبة عن الأشياء يكون بعد تحققها، فكما أن معلوله غير ذاته فالعلم بمعلوله غير العلم بذاته.
[ ١٠ / ٨٥ ]
قال: وأما ما يقال: إن علمه بلازمه منطو في علمه بذاته، فكلام لاطائل تحته، فإن علمه سلبي عنده، فكيف يندرج العلم بالأشياء في السلب؟ والتجرد عن المادة سلبي، وعدم الغيبة أيضًا سلبي، فإن عدم الغيبة لا يجوز أن يعني به الحضور، إذ الشيء لا يحضر عند ذاته، فإن الذي حضر غير من يكون عنده الحضور، فلا يقال إلا في شيئين -بل أعم، فكيف يندرج العلم بالغير في السلب؟ ثم الضاحكية غير الإنسانية، فالعلم بها غير العلم بالإنسانية، والضاحكية علمها عندنا ما انطوى في الإنسانية، فإنها ما دلت مطابقةً أو تضمنًا عليها، بل دلالةً خارجية، فإذًا الضاحكية التي احتجنا في العلم بها غلى صورة أخرى، ودون تلك الصورة إنما هي معلومة لنا بالقوة.
قال: وما ضربوه من المثال في الفرق بين العلم التفصيلي
[ ١٠ / ٨٦ ]
بمسائل، وبين العلم بالقوة بها، كمسائل ذكرت، فوجد الإنسان من نفسه ملكةً وقدرة على الجواب لهذه المسائل المذكورة فهذه القوة أقرب مما كانت قبل السؤال، فإن القوة مراتب، ولا يكون عالمًا بجواب كل واحدة على الخصوص ما لم يكن عنده صورة كل واحد، وواجب الوجود منزه عن هذه الأشياء.
ثم إذا كان ج غير باء فسلب باء كيف يكون علمًا بهما، وعنايةً بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام، وإن كان علمه بالأشياء هو العلم المتقدم؟.
قال: فإذًا الحق في العلم هو قاعدة الإشراق، وهو أن علمه بذاته هو كونه نورًا لذاته وظاهرًا لذاته، وعلمه بالأشياء كونها ظاهرةً له، إما أنفسها أو متعلقاتها التي هي مواضع الشعور
[ ١٠ / ٨٧ ]
المستمر للمدبرات العلوية.
وذلك إضافة، وعدم الحجاب سلبي.
قال: والذي يدل على أن هذا القدر كاف، هو أن الإبصار إنما كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر.
مع عدم الحجاب.
فإضافته إلى كل ظاهر له إبصار إدراك له، وتعدد الإضافات العقلية لا يوجب تكثرًا في ذاته.
قال: وأما العناية فلا حاصل لها.
الرد عليه
فيقال: قد بين هو بطلان قولهم، وما أختاره هو أيضًا باطل، فإن قوله: علمه بذاته كونه نورًا لذاته وظاهرًا لذاته، علمه بالأشياء كونها ظاهرة له، وذلك إضافة، وعدم الحجاب أمر سلبي.
يقال له: هذا الذي أبنته من الظهور والإضافة ورفع الحجاب هو عدم محض، أو يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فإن كان عدمًا محضًا لم يكن هناك علم أصلًا، فإنا نعلم بصريح العقل أن علم العالم بالمعلومات ليس عدمًا محضًا، بل نعلم أن قولنا: لا يعلم هو العدم، فنعلم أن نفي العلم عدم، وإثباته وجود.
[ ١٠ / ٨٨ ]
ومما يبين ذلك أن ثبوت العلم ونفيه يتناقضان، فإن كان ثبوته عدمًا، فنفيه ثبوت، فيلزم إذا قيل: لا يعلم أن نكون أثبتنا شيئًا.
ومعلوم أن هذا قلب للحقائق.
وأما قوله: والذي يدل على أن هذا القدر كاف، هو أن الإبصار إنما كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر، مع عدم الحجاب.
فيقال: إن ادعيت أن الإبصار الذي هو ظهور المبصر للبصر إضافة هي عدم محض، كان القول في هذه المقدمة كالقول في الدعوى.
فإن الإنسان يحس من نفسه عند الرؤية أمرًا وجوديًا مخالفًا لحالة عدم الرؤية، كما يجد من نفسه ذلك في العلم.
فدعوى كون الرؤية أمرًا عدميًا، مثل دعوى كون العلم أمرًا عدميًا، ومضمون الأمرين أن الحس والعقل أمر عدمي، وأن مشاهدة المحسوسات والعلم بالمعقولات أمر عدمي.
ومعلوم أن من لم يشهد شيئًا ولم يعلمه، فقد عدم الرؤية والعلم، فإن كان بعد الرؤية والعلم لم يحصل له إلا عدم، فلا فرق بين أن يرى ويعلم، وبين أن لا يرى ولا يعلم.
وهذا تسوية بين الأعمى والبصير، العالم والجاهل.
[ ١٠ / ٨٩ ]
وأصدق الكلام كلام الله الذي قال: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ [فاطر: ١٩] وقال: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] .
ومعلوم بصرائح المعقول أن البصير أكمل من الأعمى، والعالم أكمل من الجاهل.
ومعلم هؤلاء أرسطو زعم أنه سبحانه أن لا يعلم ولا يبصر أفضل في حقه من أن يعلم ويبصر.
وهؤلاء الذي خالفوا معلمهم واستقبحوا له هذا القول، وأثبتوا له أمرًا حال الرؤية والعلم يمتاز به عن حاله إذا لم ير ولم يعلم، فذاك فضل الجاهل الأعمى على العالم المبصر، وهؤلاء يلزمهم التسوية بينهما.
وأيضًا فيقال له: قولك: علمه بذاته كونه نورًا لذاته، وظاهرًا لذاته، وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له إن أردت بقولك: كونه نورًا لذاته، وظاهرًا لذاته أي كونه مرئيًا لذاته، ومعلومًا لذاته -كان حقيقة الكلام: علمه بذاته كونه معلومًا لذاته.
وهذا أمر معلوم، ليس فيه قدر زائد على ما دل عليه قولنا: هو عالم بذاته.
وإن أردت بذلك: أن علمه بذاته كونه في نفسه بحيث يظهر لذاته نورًا يتجلى لذاته -كان المعنى.
أن علمه بذاته معناه: أن
[ ١٠ / ٩٠ ]
ذاته متصفة بما يجب لأجله أن يظهر لذاته، فهي متصفة بما يوجب أن تكون معلومة له ظاهرة.
وكذلك إن أردت أنها متصفة بما يوجب أن تكون عالمة ظاهرًا لها غيرها.
وكذلك إن فسر بما يوجب كونها عالمة معلومة، فسواء فسر ذلك بنفس كونه عالمًا أو معلومًا أو مجموعهما، أو رائيًا أو مجموعهما، إنما يوجب أحد هذه الأمور الستة.
فهذا كله لا يمنع كون العلم صفة ثبوتية، ولا يقتضي أن العلم مجرد نسبة عدمية، بل إذا فسره بمجرد أمر عدمي، كان هذا بمنزلة القول الذي رده، وهو قولهم: إنه ليس بزائد عليه، بل هو عدم غيبته عن ذاته المجردة عن المادة، فإذا كان يجعل الظهور الذي أثتبه أمرًا عدميًا، فهو بمعنى عدم الغيبة الذي أثبتوه.
وأكثر ما يقال إنهم جعلوا العلم نفس عدم الغيبة، وأنا أجعله نسبة تستلزم عدم الغيبة، فهم فسروه بعدم الغيبة، وأنا أفسره بالنسبة.
فيقال له: هذه النسبة: إن لم تكن موجودة فهي من جنس عدم الغيبة.
ويقال للجميع: عدم الغيبة يكون معه علم بنفسه، أو مجرد عدم الغيبة عن نفسه هو العلم؟.
فإذا قالوا بالأول، أصابوا، وهو قول الرسل.
وإن قالوا: بل نفس عدم الغيبة هو نفص العلم، كان هذا معلوم البطلان، فإنه ما
[ ١٠ / ٩١ ]
من موجود من الموجودات إلا وليس هو غائبًا عن نفسه، مع كونه كثير منها ليس عالمًا بنفسه، فعلم أن حقيقة العلم أمر مغاير لحقيقة عدم الغيبة.
وإن قالوا: إنما قلنا: هو عدم غيبته عن ذاته المجردة قيل: الجواب من وجوه:
أحدها: أن حقيقةالعلم: إن كان هو عدم الغيبة لم يختلف ذلك بمعلوم ومعلوم.
فإن العلم يتعلق بكل معلوم، وكل شيء يمكن أن يكون معلومًا، وهو غير غائب عن ذاته، فيجب أن يكون كل شيء معلومًا لنفسه، ويكون علمه بنفسه أولى من علم غيره به، لكون عدم غيبته عن نفسه أولى من عدم غيبته عن غيره.
الثاني: أن الشيء كما لا يغيب عن نفسه قد لا يغيب عن غيره، فإن كان العلم عدم الغيبة، فكل ما كان حاضرًا لشيء يجب أن يكون عالمًا به.
الثالث: أن يقال: عدم غيبته عن ذاته المجردة، ما تعنون بقولكم: المجردة؟ إن أردتم ذاته المعقولة أو المعلومة، أو التي يمكن أن تعقل أو تعلم، ونحو ذلك من العبارات الدالة على كونه عالمًا أو معلومًا، أو يمكن كونه عالمًا أو معلومًا
كان معنى الكلام: أنه عدم الغيبة عن ذاته التي هي عالمة أو معلومة أو يمكن أن تكون كذلك.
ومعلوم أن هذا أيضًا عدم، فكل ما كانت ذاته عالمة ومعلومة،
[ ١٠ / ٩٢ ]
إذا لم تغب ذاته عن ذاته، كان عالمًا بها.
وأما إن أمكن أحدهما دون الآخر لم يجب ذلك، وإن أمكنا معًا، فعدم الغيبة يستلزم العلم، وعدم الغيبة مستلزم للعلم، لا أنه نفس العلم.
وإن قال: أعني بالمجردة أنها ليست جسمًا ولا مدبرة لجسم.
فيقال: أولًا: هذا بناء على ثبوت مجردات بهذا الوصف.
وجمهور العقلاء ينكرون هذا -حتى من يعظم هؤلاء الفلاسفة المشائين: أرسطو وأتباعه، لما تأملوا كلامهم في العقول والنفوس وجدوه باطلًا -إما أن يقولوا: ليس قائمًا بنفسه إلاالجسم، كما يقوله ابن حزم وغيره.
وإما أن يقولوا: الفرق بين النفس والعقل، ليس إلا فرقًا عارضًا، كنفس الإنسان، التي هي حال مقارنتها للبدن: نفس، وحال مفارقتها: عقل، كما يقوله أبو البركات وغيره.
وإما أن يقولوا: هذه العقول، التي يثبتها هؤلاء المتفلسفة، لا تزيد على العقل، الذي هو عرض قائم بعاقل.
وإثبات عقل، هو قائم بنفسه ليس جسمًا، هو باطل.
وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر.
والمقصود أن لفظ التجريد فيه إجمال.
وإذا فسروه فقد يفسرونه بما يعلم بطلانه، أو بما لا دليل على صحته.
الوجه الرابع: أن يقال: هب أنه ثبت التجريد بالمعنى الذي
[ ١٠ / ٩٣ ]
يدعونه، لكن شعور الشيء بنفسه ليس مشروطًا بكونه مجردًا، ولا مجرد كونه مجردًا موجب للعلم بنفسه، فإنه إن قدر أن المجرد ليس بحي، لم يكن شاعرًا، فضلًا عن أن يعلم أنه عالم.
وإذا قيل: كل مجرد حي.
قيل: فلا بد أن يقال هذا بالدليل، فإن هذا ليس معلومًا بنفسه.
وأيضًا فكل حي شاعر، سواء قيل: إنه مجرد، أو قيل: إنه ليس بمجرد.
فبدن الإنسان يشعر بأمور كثيرة، مع كونه جسمًا غير مجرد عن المادة على اصطلاحهم.
وأما ما اعترض به على قولهم: إن وجوده بالأشياء عن علمه بها، وأن هذا يوجب كون الأشياء معلومة له قبل وجودها، فتكون ثابتة في علمه، وهي أشياء في علمه، فيلزم كون علمه أمرًا ثبوتيًا، ويلزم التعدد في علمه -فاعتراض متوجه.
وكذلك إذا فسروا العلم بعدم الغيبة عنها، فعدم الغيبة لا يكون إلا بعد تحققها، فيلزم أن يكون عالمًا بها بعد تحققها، وأن ذلك مغاير لعلمه بها قبل وجودها، فإن ذلك العلم سبب وجودها بخلاف الثاني.
وكذلك قوله: كما أن معلوله غير ذاته، فالعلم به غير العلم بذاته.
وهذا لازم، لأنهم إنما نفوا كون العلم ثبوتيًا لما يستلزم من تكثر العلوم وتغيرها، إذ كان العلم بهذا غير العلم بهذا.
[ ١٠ / ٩٤ ]
وإذا قالوا: إنه يعلم معلوله، ويعلم نفسه، لزم أن يكون هذا العلم ليس هذا العلم.
وأما قولهم: إن علمه بالمعلول يندرج في علمه بالعلة، فقد رده بأمور:
أحدها: أن العلم عندهم سلبي، وكذلك التجرد عن المادة، وكذلك عدم الغيبة.
والسلب لا يتضمن العلم بالأشياء، وهذا الذي قاله صحيح، مع ما تقدم من أن ذلك السبب ليس هو علمًا، فلا هو علم، ولا متضمن لعلم.
وإذا قدر أن ذلك السلب علم، كان تقديرًا باطلًا.
وحينئذ فهل يقال: إنه يتضمن غيره من السلوب.
هذا مما قد ينازعونه فيه.
ولكن له أن يقول: إن السلب إنما يتضمن غيره غذا كان أعم منه.
وليس هنا سلب عام ليتضمن سلبًا خاصًا، بل السلب عندهم نفي معنى زائد على نفسه، أو نفي المادة عنه، أو نفي الغيبة عنه، وكل هذا سلب خاص لا يتضمن سلبًا عامًا.
الأمر الثاني: أنه قد بين لهم أن المندرج في غيره هو ما يدل عليه بالتضمن لا بالالتزام، فالدال على غيره بالالتزام لا بالتضمن لا يكون مشتملًا عليه، ولا يكون الثاني مندرجًا فيه.
ومثل ذلك اللوازم الخارجة عن الماهية على أصلهم، كالضاحكية.
فإن الإنسانية ما انطوت على الضاحكية ولا انطوى علم الضاحكية في علم الإنسانية، فإنها ما دلت عليها مطابقةً ولا تضمنًا، بل دلالة
[ ١٠ / ٩٥ ]
خارجية، فإن هذه اللوازم التي احتجنا في العلم بها غلى صورة أخرى، إنما هي معلومة لنا بالقوة لا بالفعل.
فإذا جعلوا علمه بمفعولاته كذلك، لزم أن يكون عالمًا بها بالقوة لا بالفعل.
وهم قد يضربون لقولهم مثالًا، وهو العلم بالأشياء جملة، مع العلم بها تفصيلًا، فإن العلم بالمفصل يندرج في العلم بالمجمل.
وإن كان العلم بالمجمل متضمن تلك التفاصيل، وشبهوا ذلك بمن سئل عن مسائل، فقد يستحضر العلم بجوابها مفصلًا، وقد يجد من نفسه علمًا بجوابها مجملًا، لم يستحضر العلم بجوابها مفصلًا، وقد يجل من نفسه علمًا بجوابها مجملًا، لم يستحضر تفصيله فيما بعد، فأجاب بأن هذا علم بالقوة، والقوة مراتب، فهو بعد السؤال حصل له من القوة على الجواب، أعظم مما كان حاصلًا قبله.
وأما العلم بجواب كل مسألة بخصوصها، فلا يحصل إن لم يكن عنده صورة العلم بجواب كل واحدة.
ثم ادعى الأصل الذي شاركهم فيه وهو قوله: وواجب الوجود منزه عن ذلك بناءً على أنه عندهم لا تقوم به المعاني والصفات المتعددة ومن هذا الأصل منشأ ضلالهم.
قال: وإذا كان أحد الشيئين غير الآخر، فكيف يكون سلب أحدهما علمًا بهما، وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام؟ وذلك أنهم يقولون: هو وجود مجرد عن المادة، والمجردات غير الماديات، فكيف يكون سلب المادة علمًا بالمجرد
[ ١٠ / ٩٦ ]
والمادة، وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام؟ كيف وهم يقولون: إنه وجود مشروط بسلب كلام ثبوتي، فهو وجود بسلب كل ما يعرف من الحقائق، وتلك الحقائق مغايرة له، فكيف يكون سلبها عنه علمًا به وبها؟ وعناية بكيفية ما يجب أن تكون الحقائق معه عليه؟.
فحقيقة قولهم: إنهم جعلوا العلم به، والعلم بكل واحد واحد من المخلوقات، وعنايته بالمخلوقات المتضمنة لإرادته وحكمته، التي باعتبارها انتظمت المخلوقات -جعلوا هذا كله أمرًا سلبيًا، وهو التجرد، أو عدم الغيبة، أو العقل الذي ليس بمعنىً زائد على ذاته، وهو عندهم وجود مقيد بسلب جميع الحقائق عنه، وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه في الخارج.
فإن الموجودين لا يكون المميز بينهما عدمًا محضًا، ولو قدر ثبوت هذا لكان كل موجود خيرًا منه، لأنه امتاز بوصف ثبوتي.
ومن قال من متأخريهم: له وجود خاص غير هذا الوجود، فلم يعرف حقيقة قولهم.
فإن الوجود الخاص إن امتاز بأمر وجودي، فليس هو قولهم.
وإن لم يميز إلا بالسلب، فيكون هذا هو الموجود، قد شارك الموجودات في مسمى الوجود، وامتاز عنه بالسلب، فتكون سائر الموجودات خيرًا منه، لو كان له وجود.
وبيان بطلان أقوالهم النافية للصفات يطول، وإنما القصد هنا إبطال بعضهم لقول بعض، فإن هذا يؤنس نفوسًا كثيرة، قد تتوهم أنه ليس الأمر كذلك.
[ ١٠ / ٩٧ ]
فصل. تابع كلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى
فصل.
تابع كلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى
قال ابن سينا في تمام مسألة العلم: ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة لمحسوس، وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة.
فيقال له: هذا إن كان حقًا، فهو منتقض على أصلك بعلمه بالأفلاك والكواكب، فإنها محسوسة، وعندك أنه يعلمها بأعيانها.
وقد قال في بيان أن كل صورة لمحسوس وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة، وأن مدرك الجزئيات لا يكون عقلًا بل قوة جسمانية: أما المدرك من الصور الجزئية، كما تدركه الحواس الظاهرة على هيئة غير تامة التجريد والتعرية
[ ١٠ / ٩٨ ]
عن المادة ولا نجرده أصلًا عن علائق المادة.
فالأمر فيه واضح سهل.
وذلك لأن هذه الصور إنما تدرك ما دامت المواد موجودة حاضرة، والجمس الحاضر الموجود إنما يكون موجودًا حاضرًا عند جسم.
وليس يكون حاضرًا عند ما ليس بجسم، فإنه لا نسبة له غلى قوة تفرده من جهة الحضور والغيبة،، فإن الشيء الذي ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه، بل الحضور لا يقع إلا مع وضع وقرب أو بعد للحاضر عند المحضور، وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسمًا، إلا أن يكون المحضور جسمًا او في المحضور، وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسمًا، إلا أن يكون المحضور جسمًا أو في جسم.
قال: وأما المدرك للصور الجزئية على تجريد تام من المادة، وعدم تجريد البتة من العلائق كالخيال، فهو لا يتخيل إلا أن ترتسم الصورة الخيالية فيه في جسم ارتسامًا مشتركًا بينه وبين الجسم.
قال: ولتفرض الصورة المرتسمة في الخيال: صورة
[ ١٠ / ٩٩ ]
زيد على شكله وتخطيطه، ووضع أعضائه بعضها عند بعض، فنقول: إن تلك الأجزاء والجهات من أعضائه يجب أن ترتسم في جسم، وتختلف جهات تلك الصورة في جهات ذلك الجسم وأجزاؤها في أجزائه.
قال: ولننقل صورة زيد غلى صورة مربع.
ثم فرض مربعين متساويين من كل جهة، وقرر أنه لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلا بمحله.
معارضة ابن ملكا لابن سينا
وقد اعترض عليه أبو البركات بما مضمونه أن الأجسام المرئية والمتخيلة كثيرة، ومحل ذلك في الجسم لا يكون أكثر من مجموع جسم الإنسان، وجسم الإنسان لا يسع مقادير هذه الأجسام.
قال أبو البركات: أول المعارضة أن نناقض فنقول وندعي نقيض المسألة المصدر بها، وهو أن مدرك الجزئيات فينا من المبصرات والمسموعات وسائر المحسوسات ليس بقوة
[ ١٠ / ١٠٠ ]
جسمانية
وإذا ثبت في هذه التي هي الأظهر، صار بطلانه في النقيض الأخفى والأضعف يقينًا.
قال: وذلك أن القوة الجسمانية فينا لا يكون محلها أكبر من جسم الإنسان الواحد بجملته.
وقد قالوا: إنه جزء صغير من أجزائه، حيث جعلوا محل القوة الخيالية جزءًا من جوهر الدماغ، الذي في البطن المقدم من الرأس، أو جزءًا من الروح الدماغي، وهو الذي يختص بهذا الجزء منه.
ونحن فندرك من المتخيلات ونتصور من الموجودات الجزئية أشياء كثيرة محفوظة في أذهاننا وملحوظة، بها يكون الواحد منها أضعافًا كثيرة لجسمنا بأسره، فكيف للجزء المذكورة من بعض أجزائه.
قال: وهو فقد طلب في احتجاحه الأخير جسمًا يتخيل به السواد والبياض، ليثبت كلًا منهما في جزء منه، غير الجزء الذي أثبت فيه الآخر، فكيف أعرض عن المقدار؟ ونحن إنما ندرك الألوان في الأجسام مع مقاديرها، حتى غذا رأيناها مرة أخرى
[ ١٠ / ١٠١ ]
على قدر مخالف عرفنا أنها زادت أو نقصت، فلو لم نكن أدركنا المقدار الأول لما حفظناه، ولو لم نحفظه لم نعرف الزيادة والنقصان.
هذا في شخص واحد في تمثله وتخيله، فكيف في أشخاص كثيرة جدًا نحفظها بأشكالها وصورها، ومقاديرها وأوضاعها، لا تسعها خزانة من خزائن تسع عدة من أشخاص الناس؟ بل ولا بلدة من أكبر البلدان؟ فإن من جملة ما نحفظه في ذلك صورة بلدة مع مقدارها الكبير، وأوضاع أجزائها، حتى لو صغرت أو كبرت عن ذلك، شعرنا بموضع الزيادة والنقصان مقيسًا إلى ما استثبتناه وحفظناه.
قال: ففي هذا كفاية لمن تأمله بذهن سليم ونظر ثابت.
قال: وأما ما قاله من أن المدرك بالحواس الظاهرة فالأمر فيه سهل واضح، لأن هذه الصورة إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة، والجسم الحاضر الموجود إنما يكون حاضرًا موجودًا عند جسم، وليس يكون حاضرًا عند ما ليس بجسم، فإنه لا نسبة للجسم إلى قوة مفردة من جهة الحضور والغيبة، فإن الشيء الذي ليس في مكان، لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
قال: وأعجب ما في هذا القول استسهاله، أذ قال: إن الأمر فيه واضح سهل، ولو كان هذا القول حقًا على ما قيل، لبطلت علائق النفوس الناطقة بالأبدان، فإنها ينسب إليها بفي، ومع، وعند، ومقارنة، ومفارقة، وغيبة، وحضور، كما ينسب المدرك غلى مدركه.
ثم لو كان هذا حقًا، لما أدركنا بعقولنا معنى شيء مما ندركه بحواسنا البتة، فإن رأيه هو أن البصر يرفع صورة المبصر غلى الخيال، وهو جسماني، فالعقل إن أدركها في الخيال فقد أدركها جسمانية أيضًا، وإن إدركها قوة جسمانية في الخيال، نقلها إلى قوة أخرى، فأدركها العقل فيها -كان القول كذلك أيضًا، ولو كانت الوسائط ما كانت، إذ كان أو لما يلقاها إما أن يلقاها في قوة جسمانية، فيكون حكمها حكم الأولى، وإما أن يلقاها في قوة مجردة، فحكمها حكم العقل.
فإن قيل: إن العقل لا يدركها في القوة الجسمانية، بل يرفعها إليه، وينتزعها منه، أو يجردها، فكل تلك العبارات
[ ١٠ / ١٠٣ ]
المقولة تقتضي لقاءً من الرافع للمرفوع إليه، وحضورًا من المرفوع عند الرافع، وكذلك من المنتزع عند المنتزع منه، والمجرد عند المجرد عنه.
فلولا نسبة لقاء وحضور، وما شئت سمه للنفس إلى البدن، لما كان آلة لها، وإلى المدركات لما أدركها، ولو لم يدركها لما عقلها كليةً ولا جزئية، وكيف والشيء المدرك واحد في معناه، والكلية تعرض له بعد كونه مدركًا باعتبار ونسبة وإضافة، بالمشابهة والمماثلة إلى كثيرين، وهو هو بعينه؟ وإذا اعتبر من حيث هو لم يكن كليًا ولا جزئيًا، وإنما يدرك من حيث هو موجود، لا من حيث هو كلي ولا جزئي، وتعرض له الكلية والجزئية في الذهن بعد إدراكه، فمدرك الكلي هو مدرك الجزئي لا محالة، لأن الكلي هو الجزئي في ذاته ومعناه، لا في نسبه وإضافاته التي صار بها كليًا وجزئيًا.
تعليق ابن تيمية
فيقال: ما ذكره أبو البركات يدل على تناقض ابن سينا، حيث زعم أنه ما ليس في مكان، لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه، وذكر أن الأمر في ذلك واضح سهل، فإن هذا مناقض لقوله: إن النفس ليست جسمًا، مع أن الجسم حاضر عندها، لكن هذا التناقض يدل على بطلان أحد قوليه: إما قوله: إن النفس ليس جسمًا، وإما قوله:
[ ١٠ / ١٠٤ ]
ما ليس في مكان لا يكون للمكان إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه.
ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه القضية هي الكاذبة، بل قد تكون الكاذبة قوله: إن النفس ليس إلا جسمًا.
ونظير هذا التناقض قوله: إن واجب الوجود يعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، فيعقل الموجودات التامة بأعيانها، والكائنة الفاسدة بأنواعها ويتوسط ذلك أشخاصها، فإنه إذا كان واجب الوجود يعقل الأفلاك بأعيانها وهي أجسام، وقد قال: إن الجسم لا يرتسم إلا في جسم لزم أن يكون جسمًا.
ومع قوله: ما ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنده.
ومع قوله: الجسم الحاضر الموجود، إنما يكون حاضرًا موجودًا عند جسم، وليس يكون حاضرًا عند ما ليس بجسم.
فهذه الأقوال إذا ضم بعضها إلى بعض، لزم أن يكون واجب الوجود على قوله جسمًا، وأن تكون النفس على أقواله أيضًا جسمًا.
وما ذكره أبو البركات إنما هو إلزام لابن سينا بطريق المناقضة، وليس فيه ما يدل على بطلان ما ذكره من الإدراك، وإنما احتج أبو البركات على بطلان ذلك بأن المدركات كبار، والمدرك إذا كان جسمًا أو قوة في جسم فهو صغير لا يسعها.
[ ١٠ / ١٠٥ ]
وهذه حجة ضعيفة، فإن القائلين بارتسام المدرك في المدرك لا يقولون: إن المرتسم فيه مساو في المقدار للموجود في الخارج، كما أنهم لا يقولون: إن المرتسم حقيقته مساوية لحقيقة الموجود في الخارج.
وإنما هذا من جنس اعتراض الرازي عليهم، بأنه لو كان من أدرك النار وجب أن يسخن، ومن أدرك الثلج وجب أن يبرد، ومن أدرك الرحى وجب أن يدور، ونحو ذلك مما لا يقوله عاقل.
ولهذا صاروا يتعجبون، بل يسخرون ممن يورد عليهم مثل هذا، وهم يشبهون تمثل المدركات في المدرك بتمثل المرئيات في المرآة.
ومعلوم أن ما في المرآة ليس مماثلًا في الحقيقة والمقدار للموجود في الخارج.
أما حقيقته، فلأن غايته أن يكون عرضًا في المرآة، والمرئي الخارج يكون جسمًا موجودًا، كالسماء والشمس والإنسان، وغير ذلك مما يرى في المرآة.
وكذلك الإدراك، فإنه عرض قائم بالمدرك.
والمدرك نفسه يكون عينًا قائمة بنفسها، سواء كان مرئيًا أو معلومًا بالقلب.
وأما قدره، فلأن مقدار المرئي يختلف باختلاف المرآة، فإذا
[ ١٠ / ١٠٦ ]
كانت كبيرة رئي كبيرًا، وإذا كانت صغيرة رئي صغيرًا، وهو على التقديرين يشبه الصورة الموجودة في الخارج.
فكذلك إذا قيل: إن المدرك يتمثل في المدرك، لم يلزم أن يكون قدره في المدرك مثل قدره في نفسه.
ولهذا يقال: للشيء وجود في الأعيان، وفي الأذهان، وفي اللسان، وفي البنان، ووجود عيني، وعلمي ولفظي، ورسمي.
ومعلوم أن مطابقة العلمي للعيني، هي مطابقة العلم للمعلوم، ليس كمطابقة الموجود في الخارج لمماثله الموجود في الخارج.
فإن هذا لا يقوله عاقل، بل العاقل يجد تفرقة ضرورية بين ما تمثله في نفسه، وبين الحقائق الموجودة في الخارج.
ومن أظهر ذلك الخيال، فإنه يتخيل ما رآه بعد مغيبه عنه، وفي حال تغميض عينيه ونومه، ويعلم قطعًا أنه خياله ومثاله، وأنه مشابه له، ويعلم قطعًا أن ذلك المثال في الباطن لا في الخارج، سواء قيل: إنه منطبع في النفس، أو في جزء من البدن، أو فيهما، وسواء قيل: إن النفس تدركه، أو قيل: إن المدرك له هو البدن.
فعلى كل تقدير يعلم الناس فرقًا ضروريًا بين حقيقة ذلك المثال، وبين حقيقة الموجود في الخارج، وأنه لا يماثله: لا في ذاته، ولا
[ ١٠ / ١٠٧ ]
صفاته، ولا مقداره، ولكن يشابهه ويحكيه نوع مشابهة وحكاية، والمشابهة من وجه لا تقتضي المماثلة في الذات والصفات والمقدار.
وهذا المثال الإدراكي لا يمتنع في اجتماع ما هما ضدان في الخارج، بل يجتمع فيه مثال السواد والبياض، ويجتمع فيه المثلان كالسوادين، ويجتمع فيه مثال وجود الشيء وعدمه، فيجتمع فيه تقدير الوجود والعدم، لا يمتنع فيه اجتماع مثالي النقيضين، كما امتنع اجتماع النقيضين في الخارج، ويتمثل فيه الموجود والمعدوم والممتنع، وما له وجود في الخارج، وما ليس وجود في الخارج.
فهو أوسع بهذا الاعتبار من الوجود الخارجي.
لكن تلك الأمور مثل خيالية، ليست حقائق موجوده في أنفسها.
وقد يشتبه على بعض الناس ما يتخيله فيه، فيظنه موجودًا في الخارج، وطائفة من فلاسفة الصوفية، كابن عربي، يسمي هذا أرض الحقيقة، ويذكر فيه من العوالم وأنواعها وأقدارها ما يطول وصفه.
وذلك أن الخيال لا حد له، بل تخيلات النفوس لما ليس له وجود في الخارج، أعظم من أن تحصر.
فهؤلاء الضالون قالوا: هذا أرض الحقيقة، وهو عالم الخيال.
وقد يشتبه على بعضهم فيظنه في الخارج، ويتخيل لهم فيه مدائن ورجال عوالم، كما يتخيل للنائم.
ويتخيل لأحدهم أنه صار إلهًا ونبيًا، أو أنه المهدي، أو خاتم الأولياء، غلى غير ذلك مما يطول
[ ١٠ / ١٠٨ ]
وصفه، ويعرض للممرورين وغيرهم من التخيلات الباطلة ما يطول وصفه.
ومن قال من المتفلسفة: إن النفس ليست جسمًا، وأنكر معاد البدن، فمنهم من يقول: إن من النفوس من يتعلق بجزء من الفلك، فيتخيل فيه ما يتنعم فيه تنعمًا خياليًا، وأن ذلك يقوم مقام اللذة الحسية، وقد يقال: إنه أعظم منها، كما ذكر ذلك ابن سينا.
فقول هؤلاء من جنس حقيقة أولئك الذي جعلوا عالم الخيال هو أرض الحقيقة.
ونحن لا ننكر وجود الخيالات، فإن هذا لا ينكره عاقل، لكن ننكر تعظيمها وتسويتها بالذات الحقيقية، أو أن ما وعد الله به عباده المؤمنين من هذا الجنس.
والمقصود هنا أن الصور الخيالية لا ينكرها أحد، ولا يقول أحد: إنها مماثلة في الحقيقة والصفات والمقدار للموجودات في الأعيان، سواء كانت تلك الخيالات هو خيال تلك الموجودات أو غيرها.
فقد تبين أن ما ذكره ابن سينا وغيره من الفلاسفة وقرروه بالأدلة العقلية، ليس منافيًا لعلم الله بالجزئيات، بل فيه ما هو دليل على ذلك.
ولكن غاية ما فيه تناقضهم، حيث يثبتون الشيء دون لوازمه، كما أثبت ابن سينا علمه بأعيان الموجودات التامة، وبأنواع المتغيرات دون التغير في العلم.
[ ١٠ / ١٠٩ ]
وأدلته الصحيحة توجب علمه بالمتغيرات، وأنه يعلم الكليات والجزئيات، كما سنذكر ألفاظه.
وكذلك أبو البركات أثبت علمه بالكليات والجزئيات والمتغيرات، لكنه قال في القدر وفي علمه بما لا يتناهى قولًا منكرًا، سنذكره إن شاء الله.
وكل من قال في مسألة العلم قولًا يخالف النصوص النبوية، من أهل الكلام والفلسفة، فلا بد أن يكون قوله مناقضًا لأصوله الصحيحة، مخالفًا لصريح المعقول.
ولهذا كثر اضطراب هؤلاء في مسألة العلم.
فصل. عود لكلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى
فصل.
عود لكلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى
قد تقدم ما ذكرناه من أقوال ابن سينا في تقرير أنه سبحانه عالم بمفعولاته، حيث قال: واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق، ويعقل ما بعده، من حيث هو علة لما بعده، ومنه وجوده، ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولًا وعرضًا.
فقد ذكر هنا أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته، وأما تقرير كونه عالمًا بنفسه، فسيجيء إن شاء الله تعالى.
[ ١٠ / ١١٠ ]
كلام الطوسي في شرح كلام ابن سينا
قال الطوسي في شرح هذا الفصل: لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي ذاتي، أشار إلى إحاطته بجميع الموجودات.
فذكر أنه يعقل ذاته بذاته، لكونه عاقلًا لذاته، معقولًا لذاته، على ما تحقق قبل ذلك، ويعقل ما بعده، يعني المعلول الأول، من حيث هو علة لما بعده.
والعلم التام بالعلة التامة يقتضي العلم بالمعلول، فإن العلم بالعلة التامة لا يتم من غير العلم بكونها مستلزمة لجميع ما يلزمها لذاتها.
وهذا العلم يتضمن العلم بلوازمها، التي منها معلولاتها الواجبة بوجوبها.
ويعقل سائر الأشياء التي بعد المعلول الأول، من حيث وقوعها في سلسلة المعلولية النازلة من عنده، إما طولًا: كسلسلة المعلومات المترتبة المنتهية إليه في ذلك الترتيب.
أو عرضًا: كسلسلة الحوادث التي لا تنتهي في ذلك الترتيب إليه، لكنها تنتهي إليه من جهة كون الجميع ممكنة محتاجة إليه، وهو احتياج عرضي، تتساوى جميع آحاد السلسلة فيه، بالنسبة إليه تعالى.
قلت: أما قوله: لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي إشارة إلى إحاطته بجميع الموجودات، فذكر أنه يعقل ذاته بذاته ويعقل ما بعده.
[ ١٠ / ١١١ ]
فيقال: علمه بذاته لا يمكن أن يكون فعليًا، وإنما يكون فعليًا علمه بخلقه.
فإن علمه له تأثير في فعل خلقه، وليس له تأثير في وجود نفسه، وهذا مما لا ينازع فيه عاقل فهمه، ولعله ما أراد إلا هذا.
فإن القدرية من أهل الكلام يقولون: العلم تابع للمعلوم، مطابق له، لا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة.
وكثير من المتفلسفة يقولون: علم الرب فعلي، وقد يجعلون نفس علمه إبداعه.
وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر، وبينا أن العلم نوعان: علم العالم بما يريد أن يفعله، فهذا علم فعلي، هو شرط في وجود المعلوم، إذ وجود المعلوم بدونه ممتنع.
ومذهب أهل السنة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، فعلمه فعلي لجميع المخلوقات بهذا الاعتبار، لا باعتبار أن مجرد العلم هو الإبداع، من غير قدرة وإرادة، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة، فإن هذا باطل، كما قد بين في موضعه.
والقدرية عندهم أن الله يخلق أفعال العباد، فعلمه بها علم بأمر أجنبي منه، فلهذا لا يجعلون علمه بالمخلوقات فعليًا، لكن علمه بمخلوقاته لا ينازعون فيه.
وأما علم العالم بما ليس علمه به شرطًا في وجوده، كعلمنا بالله وملائكته وأنبيائه وسمواته وأرضه، فهذا علم تابع للمعلوم، مطابق له، ليس فعليًا بوجه من الوجوه.
وعلم الرب بنفسه من هذا الباب.
لكن إذا سمي علميًا انفعاليًا فلا بأس، فإنه علم حادث.
وأما علم الرب تعالى فإنه من لوازم نفسه المقدسة
[ ١٠ / ١١٢ ]
لم يحدث، فليس انفعاليًا بهذا الاعتبار، لكنه مطابق للمعلوم موافق له، فعلمه تابع لنفسه، ومخلوقاته تابعة لعلمه.
والمقصود هنا أنه إذا كان عالمًا بنفسه لزم أن يكون عالمًا بخلقه، وهذه قضية صحيحة، ويمكن تقريرها بطرق:
أحدها: أنه لا يكون عالمًا بنفسه علمًا تامًا إلا إذا كان عالمًا بلوازمها، والخلق من لوازم مشيئته، التي هي من لوازم نفسه، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئته من لوازم نفسه.
والفلاسفة يعبرون عن أصلهم بقولهم: إنه علة تامة، والعلم بالعلة التامة يقتضي العلم بالمعلول.
ومن سلم منهم أنه يفعل باختياره وسماه مع ذلك علة فالنزاع معه لفظي، والمعنى صحيح، فإنه حينئذ مع قدرته على الشيء إذا شاءه وجب وجوده، فما شاء كان، فهو بمشيئته وقدرته موجب لوجود ما شاءه، والعلم بالموجب التام يوجب العلم بموجبه.
وأما من لم يسلم أنه يفعل باختياره، فهذا القول باطل من جهة نفيه لاختياره، لا من جهة أن كونه فاعلًا يوجب العلم بالمفعول، فإذا قدر أنه فاعل على هذا الوجه، كان علمه بنفسه يوجب علمه بمفعولاته، لأن العلم بالموجب التام يوجب العلم بالموجب.
ففي الجملة لا يكون عالمًا بنفسه إن لم يكن عالمًا بلوازمها، وقدرته وإرادته من لوازمها، ومراده من لوازم الإرادة.
فالمفعولات لازمة
[ ١٠ / ١١٣ ]
للإرادة اللازمة لذاته، ولازم اللازم لازم.
ومجرد النظر إلى كونه مستلزمًا لمفعوله يوجب العلم.
مع قطع النظر عن توسط الإرادة، لكن هي ثابتة في نفس الأمر، وإن لم يستحضر المستدل ثبوتها.
وهذا الدليل يستقيم على أصول أهل السنة الذين يقولون: إرادته من صفاته التي هي من لوازم ذاته.
وأما القدرية الذين ينكرون قيام إرادة به فينفونها، أو يقولون: أحدث إرادة لا في محل، فهؤلاء لا يسلكون هذه الطريق.
وهذا الدليل مأخوذ من معنى قوله: ﴿ألا يعلم من خلق﴾ [الملك: ١٤] .
ودلالة الآية تقرر بطريق ثان، وهو أن يقال: خلق الخالق مشروط بتصوره للمخلوق قبل أن يخلقه، فإن الخلق إنما يخلق بالإرادة، والإرادة مشروطة بالعلم، فإرادة ما لا يشعر به محال.
وإذا كان إنما يخلق بإرادته، وإنما يريد ما يصوره، لزم من ذلك أن يعلم كل ما خلقه.
وهذه الطريقة هي طريقة مشهورة لنظار المسلمين، والقرآن قد دل عليها، والعقل الصريح يدرك صحتها، وطرد هذه الدلالة على أصول أهل السنة أن من سوى الله لا يخلق شيئًا، لأنه لا يحيط علمًا بجزيئات أفعاله، فلا يكون خالقًا لها، وإن كان شاعرًا بها من بعض الوجوه، ومريدًا لها من بعض الوجوه، فهو فاعل لها من ذلك الوجه.
وهذه الطريقة هي الطريقة التي سلكها الأشعري في كون العبد ليس خالقًا لفعل نفسه.
[ ١٠ / ١١٤ ]
قال: لو كان خالقًا لها لكان محيطًا بتفاصيلها، واللازم منتف.
لكن الأشعري وطائفة فرضوا الكلام في العاقل الذي يفعل مع الغفلة.
وطائفة أخرى قالوا: لا يحتاج إلى فرض في العاقل، بل كل فاعل من الآدميين لا يحيط علمًا بتفاصيل أفعاله، لكنه يشعر بها من حيث الجملة.
ولهذا كان العبد لا يريد شيئًا إلا بعد شعوره به، فهو يتصور المراد تصورًا مجملًا، وإن لم يكن مفصلًا.
وهذا مما علم به الناس أن الفاعل المريد لا بد أن يتصور المراد.
وإن لم تكن إرادتهم مثل إرادة الرب، ولا علمهم كعلمه، كما أنهم يعلمون أن العبد فاعل لأفعاله وإن لم يكن خالقًا لها.
وهذا القول الوسط، وهو إثبات كون الرب خالقًا لكل شيء، ومع كون أفعال العباد مخلوقة له، ومع كونها أفعالًا للعباد أيضًا، وأن قدرة العباد لها تأثير فيه، كتأثير الأسباب في مسبباتها، وأن الله خالق كل شيء بما خلقه من الأسباب، وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه، وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله كان وإن لم يشأ العباد، وما لم يشأ لم يكن ولو شاء العباد.
وهذا الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها.
وليس المقصود هنا الكلام في مسائل القدر، وإنما المقصود الكلام في تحقيق علم الله.
الطريق الثالث الذي به نعلم أن علمه بنفسه يوجب علمه بمخلوقاته، أن يقال: كل ما كان من صفات الرب وأفعاله، فليس هو
[ ١٠ / ١١٥ ]
موقوفًا على شيء سواه، فلا شريك له بوجه من الوجوه، فهو نفسه موجب تام لجميع صفاته، وهو بصفاته موجب لجميع مفعولاته، فإذا كان عالمًا بنفسه، لم يكن أن يكون عالمًا بذاته دون صفاته، فإن ذلك ليس علمًا بنفسه، فإن الذات المجردة عن الصفات ليست ذاته، ولا وجود لها، وإذا علم صفاته لزم من ذلك علمه بأفعاله، وإلا لم يكن عالمًا بصفاته، لأنه إذا علم أنه خالق للعالم، لم يعلم كونه خالقه، إن لم يعلم العالم، وإلا فالعلم بكونه خالقًا للعالم، مع عدم العلم بالعالم، بمنزلة كونه خالقًا للعالم بدون وجود العالم، وهذا ممتنع فذاك ممتنع.
ولو قدر نفي الصفات فالعلم بكونه خالقًا للعالم يوجب العلم بالعالم.
وهم يعبرون عن ذلك بكونه علةً ومبدأً، ونحو ذلك من العبارات التي يشترك فيها هم والمسلمون.
وكونه مبدعًا وفاعلًا، فالعلم بنفسه يوجب العلم بكونه فاعلًا، وإلا لم يكن عالمًا بنفسه.
والعلم بكونه فاعلًا يوجب العلم بالمفعول، كما أن يحقق ذاته تحقق كونه فاعلًا، لأن وجود ذاته الفاعلة للعالم، بدون كونها فاعلة ممتنع، ووجود فعلها بدون العالم ممتنع.
وكون الفعل قديم العين أو النوع أو حادثهما مسألة أخرى، وكون العلم قديمًا أو حادثًا، واحدًا أو متعددًا، فالمقصود هنا إثبات أنه عالم بكل موجود، إذ كل موجود مفعوله، وهذا يتناول علمه بكل موجود، وكل موجود جزئي، فهو يقتضي علمه بكل جزئي.
[ ١٠ / ١١٦ ]
قال تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٣-١٤] .
وقد استدل طوائف من أهل السنة بهذه الآية على أنه خالق أقوال العباد وما في صدورهم.
وهذه الآية تدل على كونه عالمًا بالجزئيات من طرق:
أحدها: من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق.
والثاني: من جهة كونه في نفسه لطيفًا خبيرًا، وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء وحفيها.
ثم يقال: اللطيف الخبير علمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه، مستلزم لعلمه بلوازم ذاته، كما تقدم.
فقد تضمن الآية هذه الطرق الثلاثة.
اعتراض الرازي على ابن سينا
وقد اعترض الرازي على ما قرره ابن سينا، من كون علمه بذاته يستلزم علمه بمفعولاته.
فقال في شرحه: كنا قد بينا في الأبواب السالفة أنه علام بذاته وبسائر المعلومات، والآن نريد أن نبحث عن كيفية حصول تلك العالمية له فنقول:
قد بينا قبل هذا الفصل أن علمه بالأشياء لا بد وأن يكون
[ ١٠ / ١١٧ ]
حاصلًا له لذاته.
فنقول: إنه يجب أن يعلم ذاته بذاته، ثم إذا علم ذاته، فذاته علة لما بعده، يجب أن يعلم من ذاته كونه علة لما بعده، فإذا علم ذاته علم لا محالة معلوله.
ثم يلزم من علمه بمعلوله، علمه بسائر المعلولات النازلة من عنده طولًا وعرضًا.
وأما طولًا فكالعقول التي كل واحد منها علة للعقل الذي تحته، وأما عرضًا فكما إذا صدر شيئان أو أكثر عن علة واحدة، كما يقال: إنه يصدر عن كل عقل: عقل، ونفس، وفلك، معًا.
قال: ولقائل أن يقول: لم قلتم: إن علمه بذاته يقتضي علمه بمعلوله؟ بيناه: أنكم إما أن تقولوا: إن علمه بذاته من حيث إنها تلك الذات المخصوصة علة لعمله بمعلوله، أو تقولوا إن علمه بذاته، من حيث إنها علة لذلك المعلول، يقتضي وجوده بذلك المعلول، والأول ممنوع، فلم قلتم: إن علمه بذاته المخصوصة -التي من جملة لواحقها واعتباراتها كونها علة لذلك المعلول-
[ ١٠ / ١١٨ ]
يقتضي العلم بذلك المعلول؟.
وظاهر أن هذه المقدمة ليست بدهية، بل لا بد فيها من الدلالة، وأنتم ما ذكرتم الدلالة عليها.
وأما الثاني فباطل، لأن علمه بأن ذاته علة للشيء الفلاني، علم بإضافة مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء، والعلم بإضافة أمر إلى أمر مسبوق بالعلم بكل واحد من المضافين، فلو كان العلم بذلك المعلول مستفادًا من العلم بتلك الإضافة، لزم الدور، وأنه محال.
تعليق ابن تيمية
قلت: فيقال في الجواب عما ذكره الرازي.
قوله: إن قلتم: إن علمه بذاته من حيث إنها تلك الذات المخصوصة علة لعلمه بمعلومه، فهو ممنوع، وهذه المقدمة ليست بدهية فلا بد لها من الدليل.
فيقال: هي بعد التصور التام بديهية، وبدون التصور التام تفتقر إلى بيان.
وذلك لأن العلم بذاته المخصوصة، لا يكون علمًا بها إلا مع العلم بلوازمها التي تلزم الذات بنفسها، ولا تفتقر في لزومها إلى سبب منفصل، فإن هذه اللوازم هي عند نظار المسلمين كلها صفات ذاتية، فإنهم لا يفرقون في الصفات اللازمة للموصوف بين الذاتي المقوم والعرضي الخارج، بل الجميع عندهم ذاتي، بمعنى أنه لازم لذات الموصوف، لا تتحقق الذات إلا بتحققه.
[ ١٠ / ١١٩ ]
وأما كون بعض الصفات داخلة في الذات، وبعضها خارجًا، فإن أريد بذلك أن بعضها داخل فيما يتصور الذهن وينطق به اللسان، فهذا حق.
ولكن يعود الدخول والخروج إلى ما يدخل في علمه وكلامه، وما يخرج عن ذلك.
وإن أريد بذلك أن نفس الموجود في الخارج: بعض صفاته اللازمة داخل في حقيقته، وبعضها خارج عنه، فهذا باطل، كما قد بسط.
وأما على طريقة المنطقيين، فالصفات اللازمة: إما ذاتية يتعذر معرفة الموصوف بدونها، وإما لازمة لماهيته، أو لازمة لوجوده، وهذه اللوازم لا بد لها من لازم بغير وسط، لئلا يلزم التسلسل، كما قرر ذلك ابن سينا في الإشارات، واللازم بوسط هو اللازم بتوسط دليل، لا بتوسط علة مبنية له، فجميع اللوازم للذات بغير توسط شيء في الخارج.
هذا مراده.
وإن أريد بذلك أن من اللوازم شيئًا يلزم توسط في الخارج، فذلك الوسط لازم لآخر بنفسه، فلا بد على كل تقدير من لازم بنفسه، وللازم لازم، وهلم جرًا.
وحينئذ فإذا عرف نفسه، التي لها لوازم لا توجد إلا بها، فيلزم من معرفته بها معرفته بلوازمها، كما يلزم من وجودها وجود لوازمها، وإلا لم تكن المعرفة معرفة بها، فكما أن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع،
[ ١٠ / ١٢٠ ]
فالمعرفة به بدون معرفة لازمة ممتنعة، وإنما تقع الشبهة في هذا الموضع، لظن الظان أن التصور الناقص معرفة به، وليس كذلك، فإن الشعور مراتب، وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه، ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض.
ونحن لا نعرف شيئًا من الأشياء على الوجه التام، بل لو علمنا شيئًا على الوجه التام، لعلمنا لوازمه ولوازم لوازمه، فلا يكون علمنا بشيء من الأشياء مماثلًا لعلم الرب.
ولهذا لما تكلم الناس في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، فاعتبر بعضهم اللزوم مطلقًا، واعتبر بعضهم اللزوم الذهني، قالوا: لأن اللزوم الخارجي لا نهاية له، لأن للازم لازمًا، وللازم لازمًا فلفظ البيت إذا جل على الحيطان والأرض والسقف بالمطابقة، وعلى بعض ذلك بالتضمن، فهو مستلزم للأساس، ولأساس الأساس وللصانع، ولأب الصانع، ولأب أبيه، ولصانع الآلات، وأمور أخر، فيجب اعتبار اللزوم الذهني.
فيقال لهم: اللزوم الذهني ليس له ضابط، فإنه قد يخطر لهذا من اللوازم، ما لا يخطر لهذا.
فإن قلتم: كل ما خطر للمستمع لزومه، فقد دل اللفظ عليه باللزوم، وإلا فلا.
قيل لهم: فحينئذ يخطر له لزوم هذا، ثم لزوم هذا ويلزم ما ذكرتم من التسلسل، فلا فرق.
[ ١٠ / ١٢١ ]
وحينئذ فالتحقيق أن كلا اللزومين معتبر، فاللزوم الخارجي ثابت في نفس الأمر.
وأما معرفة المستمع به فموقوف على شعوره باللزوم، فمهما شعر به من اللوازم، استدل عليه باللزوم.
وليس لذلك حد، بل كل ملزوم فهو دليل على لازمه لمن شعر بالتلازم.
وهذا هو الدليل، فالدليل أبدًا مستلزم للمدلول من غير عكس، وليس المراد بدلالة الالتزام أن المتكلم قصد أن يدل المستمع بها، فإن هذا لا ضابط له، بل المراد أن المستمع يستدل هو بثبوت معنى اللفظ على ثبوت لوازمه، وهي دلالة عقلية، تابعة للدلالة الإرادية، وجعلت من دلالة اللفظ لأنه دل على التلازم، بتوسط دلالته على الملزوم.
وفي الجملة، فكل دليل في الوجود هو ملزوم للمدلول عليه، ولا يكون الدليل إلا ملزومًا، ولا يكون ملزوم إلا دليلًا، فكون الشيء دليلًا وملزومًا أمران متلازمان، وسواء سمي ذلك برهانا أو حجة أو أمارة أو غير ذلك.
وأما كونه علة، فأخص من كونه دليلًا، فكل علة فهي دليل على المعلول، وليس كل دليل علة.
ولهذا كان قياس الدلالة أعم من قياس العلة، وإن كان قياس العلة أشرف، لأنه يفيد السبب العلمي والعيني، وقياس الدلالة إنما يفيد السبب العلمي.
ولهذا يعظمون برهان اللمية على برهان الإنية، ويقولون: برهان لم أشرف من برهان إن.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
فمن كان علمه أكمل العلوم، وقد علم علة كل موجود، كيف لا يكون عالمًا بأكمل دليل يدل على كل موجود؟.
ولو قدر أن الواحد منا يعلم الرب على ما هو عليه، لكان عليمًا بكل شيء، لكن قوانا تعجز عن ذلك.
وأما هو سبحانه فهو يعلم نفسه، وهي ملزمة لكل موجود، وخالقة لكل شيء، وموجبة بمشيئتها وقدرتها لكل شيء، وبلغتهم: هي علة لكل شيء.
وهو سبحانه الدليل والبرهان على كل شيء من هذه الجهة، ومن جهة أنه يدل عباده بإعلامه وهدايته وكلامه، فإذا كان هو سبحانه عالمًا بنفسه، المستلزمة لك شيء، التي هي دليل على كل شيء، وموجبة لكل شيء، وباصطلاحهم: علة لكل شيء -وجب أن يكون عالمًا بكل شيء، وإلا لم يكن عالمًا بنفسه، بل كان عالمًا ببعض أحوال نفسه، والتقدير أنه عالم بنفسه.
ثم يقال: الموجب لعلمه بنفسه، يوجب علمه بجميع أحوال نفسه، كما سيأتي تقريره.
ويمتنع أن يخص علمه ببعض أحوال نفسه، إذ لا موجب للتخصيص، بل الموجب للتعميم قائم.
وإذا كان عالمًا بجميع أحوال نفسه، وجب ضرورة أن يعلم لوازمها.
واعلم أن المقصود هنا: أن علمه بنفسه يستلزم علمه بخلقه، ويمتنع وجوده بدونه، كما يستلزم العلم بالدليل على الوجه التام العلم بالمدلول عليه، ويمتنع وجوده دونه.
وأما كون العلم بنفسه أوجب ذلك، وكان علة في وجوده -فهذا،
[ ١٠ / ١٢٣ ]
وإن كان المتفلسف قد يقوله، فلا حاجة بنا إليه، بل لا يجوز أن يقال ذلك، كما لا يجوز أن يقال: علمه بالدليل سبب لعلمه بالمدلول على، فإن علمه سبحانه ليس باستدلالي، بحيث يستفيد العلم بهذا من العلم بهذا، سواء كان الدليل علة، أو لم يكن.
بل هذا مما يطعن به في كلام بعض هؤلاء المتفلسفة، الذين جعلوا علمه من هذا الباب، فإن علمه سبحانه من لوازم نفسه، ونفسه المقدسة مستوجبة للعلم بكل شيء.
كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]، فإنه في نفسه لطيف خبير، يمتنع أن يخفى عليه شيء.
لكن المقصود هنا أن علمه بنفسه مستلزم لعلمه بخلقه، فيمتنع أن يكون عالمًا بنفسه علمًا تامًا بدون علمه بخلقه.
وحينئذ فنحن نستدل بعلمه بنفسه على أنه عالم بخلقه، كما نستدل بكل ملزوم على لازمه، وإن كان هو سبحانه لا يحتاج إلى شيء من الاستدلالات.
ولهذا كان من القضايا الصادقة قول القائل: العلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، أي العلم بالسبب التام، وهو العلة التامة، فإذا علمنا أن الخشبة وقع فيها نار لا تطفأ، علمنا أنها تحترق.
وهو سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو بمشيئته وقدرته موجب لكل موجود.
فعلمه بنفسه يستلزم علمه بمخلوقاته، أعظم من استلزام
[ ١٠ / ١٢٤ ]
علم كل عالم بكل علة لكل معلول، فإنه ما من علة تفرض لمعلول، وموجب مقدر لموجب، إلا وهو سبحانه في فعله وإيجابه، أكمل من ذلك في إيجابه واقتضائه.
وما من عالم يفرض علمه بعلة، إلا وعلم الرب بنفسه أكمل من علم كل عالم بتلك العلة، فإن علم كل حي بنفسه، أكمل من علمه بغيره، فكيف بعلم رب العالمين بنفسه؟!.
وحينئذ فالعلم بهذا الدليل يستلزم العلم بمدلوله، أعظم من استلزام كل علم بكل دليل لكل مدلول، وعلمه بنفسه بكون هذا الموجب، أو العلة أو المبدأ أو السبب، يوجب العلم بموجبه ومعلوله، أكمل من علم كل عالم بكل موجب وعلة.
وكلما تدبر العاقل هذه المعاني ولوازمها، تبين له أن كون علمه بنفسه يستلزم علمه بمخلوقه عند التصور التام هي من أعظم البديهيات، وعند النظر والاستدلال هي من أعظم القضايا التي تقوم عليها الأدلة النظرية.
ومما يبين ذلك أنه إذا كان عالمًا بنفسه، فإن قيل: هو يفعل المخلوقات ولا يشعر بأنه يفعل، فهذا يمتنع أن يكون شاعرًا بنفسه، فإنه ما من عالم بنفسه يقدر أنه يفعل شيئًا، إلا ولا بد أن يعلم أنه يفعله، بل لا بد أن يتصور مفعوله مع غفلته عن نفسه، فكيف مع علمه بنفسه؟.
فهو يجب أن يعلم مفعوله من جهة علمه بنفسه، ومن جهة أنه يفعله بإرادته، كما تقدم التنبيه على الطريقين، بل العالم بنفسه لو حصل لنفسه حال من غيره لعلم به، وإلا لم يكن عالمًا بها، فكيف إذا كانت فاعلة؟!.
[ ١٠ / ١٢٥ ]
وأما قول الرازي على التقدير الثاني: إن قلتم: إن علمه بذاته، من حيث إنها علة لذلك المعلول، يقتضي علمه بذلك المعلول، لأن علمه بأن ذاته علة للشيء الفلاني، علم بإضافة مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء، والعلم بالإضافة مسبوق بالعلم بالمضافين، فلو كان المعلول مستفادًا من العلم بتلك الإضافة، لزم الدور.
فيقال له: العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين، ولا يجب أن يكون العلم بالمضافين متقدمًا عليه تقدمًا زمانيًا، بل لا يكون عالمًا بالإضافة، إلا مع تصور المضاف والمضاف إليه.
ثم إذا كان المضاف هو العلة للمضاف إليه، أمكن أن يكون العلم بها، من جهة إنها علة لذلك المعلول، مستلزمًا للعلم بذلك المعلول.
والعلم بأنها علة للمعلول يتضمن ثلاثة أشياء: العلم بها، وهي المضاف الذي هو علة، والعلم بالمعلول، وهو المضاف الذي هو معلول.
والعلم بالعلية، وهي الإضافة.
والثلاثة متلازمة، لا يجب أن يتقدم بعضها على بعض بالزمان، ولا نقول: إن العلم ببعضها يستفاد من العلم ببعض، كما ذكره.
فإن الرب لا يحتاج أن يستدل بشيء من معلوماته على بعض، وإنما يحتاج إلى ذلك من لا يكون عالمًا بالمدلول، حتى يدله عليه الدلي.
وأما هو فعلمه من لوازم نفسه المقدسة.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
ولكن المقصود أن علمه بنفسه وبمخلوقاته متلازمان، يمتنع ثبوت العلم بنفسه دون العلم بخلقه، كما يمتنع ثبوت العلم بخلقه بدون العلم بنفسه.
والرازي لعله رد ما قد يضاف إلى ابن سينا وحزبه، من أن علمه بنفسه هو الذي أوجب علمه بخلقه، وكان ذلك العلم علة لهذا العلم، كعلمنا نحن بالدليل الذي يوجب حكمنا بالمدلول عليه.
وما ذكره يدل على فساد قول هؤلاء، فإنه إذا قيل: إن علمه بكونه علة للمعلول، هو الموجب لعلمه بالمعلول، لزم الدور، كما ذكر، فإنه لا يعلم كونه علة للمعلول، حتى يعلم المعلول، كما ذكره من أن العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين، فلا تعلم أن هذا علة لذاك، حتى تعلم هذا وذاك، فلو كان علمك بذاك، مستفادًا من علمك بهذه الإضافة، لزم الدور.
ونحن قد بينا فساد هذا، وقلنا: المراد إن علمه بهذا يستلزم علمه بهذا، أي يمتنع تحقق هذا العلم بدون هذا العلم، وإن لم يكن أحدهما هو العلة للآخر.
كما يمتنع تحقق إرادته دون علمه، وعلمه دون قدرته، وسائر صفاته المتلازمة، ويمتنع تحقق ذاته دون صفاته، وصفاته دون ذاته، فكل منها يستلزم الآخر، فيستدل بثبوت واحد منها على ثبوت سائرها، إذا عرف بلازمها، وإن لم يجعل هذا هو العلة في وجود هذا.
ونحن مقصودنا بيان ما دل على أن الله بكل شيء عليم، وبيان ما ذكره ابن سينا، وغيره من الفلاسفة والمتكلمين، مما يدل على ذلك،
[ ١٠ / ١٢٧ ]
وإن كان قد يكون فيما يقوله الواحد من هؤلاء باطل، وقد يكون قصر في بيان الحق، وقد يجتمع الأمران.
فنحن نستدل بعلمه بذاته، على أنه لا بد أن يعلم مخلوقاته، لما بينهما من التلازم، الدال على أن ثبوت أحدهما يستلزم ثبوت الآخر، لا نحتاج أن نجعل علمه بهذا هو الموجب لهذا.
فإن قيل: فبتقدير أن لا يكون موجبًا، فليس معكم ما يدل على أن علمه بذاته يستلزم علمه بمخلوقاته، كما أنا إذا قدرنا أن علم أحدنا بالملزوم ليس موجبًا لعلمه باللازم، لم يكن معنا ما يدل على أنه عالم باللازم.
قيل: بل كون أحد العلمين مستلزمًا للآخر ثابت، وإن لم يكن أحدهما موجبًا للآخر، فإن الملزوم أعم من أن يكون علة أو غير علة.
وإذا قدر أنه ليس علة، لم يمتنع أن يكون ملزومًا.
وإذا كان في بعض الناس ملزومًا وعلة، لم يجب أن يكون في كل عالم ملزومًا وعلة، إلا إذا لم يكن للعالم طريق إلى العلم باللازم، سوى عمله بعلته.
وهذا باطل في حق الله، ولا يمكن دعواه، فلا يمكن أحدًا أن يدعي أن الله لا يمكن أن يعلم شيئًا من الموجودات إلا لعلمه بعلته، إذ لا دليل على هذا النفي.
وإذا قدر أن ذاته مستلزمة لنفسها أن تعلم كل شيء لا يخفى عليها شيء، أوجب ذلك أن لعلم كل شيء.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
وإن قدر أنه غير مفعول له، كما يعلم المعدومات والممتنعات التي ليست مفعولة، وكما يعلم المقدرات.
كقوله: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
وإن كان وجود إله غيره ممتنعًا، فعلمه سبحانه بما يعلمه، ليس من شرطه كونه مفعولًا له، بل كونه مفعولًا له، دليل على أنه يعلمه والدليل لا ينعكس.
وكذلك علمه بنفسه مستلزم لعلمه بمخلوقاته، وإن لم يكن علمه بنفسه علة لعلمه بمخلوقاته.
فينبغي تدبر هذه المعاني الشريفة، فإنه يبين كثرة الطرق البرهانية الدالة على علمه سبحانه، بخلاف من يقول: لا يمكننا إثبات علمه إلا بطريق الإرادة ونحو ذلك.
وهكذا كلما كان الناس أحوج إلى معرفة الشيء، فإن الله يوسع عليهم دلائل معرفته، كدلائل معرفة نفسه، ودلائل نبوة رسوله، ودلائل ثبوت قدرته وعلمه، وغير ذلك، فإنها دلائل كثيرة قطعية، وإن كان من الناس من قد يضيق عليه ما وسعه الله على من هداه، كما أن من الناس من يعرض له شك وسفسطة في بعض الحسيات والعقليات، التي لا يشك فيها جماهير الناس.
والمقصود هنا أنا نحن أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا فنفتقر في حصول العلم لنا إلى أسباب غير أنفسنا.
ومن الأشياء ما نعلمها
[ ١٠ / ١٢٩ ]
بمشاعرنا بلا دليل، ومنها ما نفتقر في العلم به إلى دليل، فلا نكون عالمين به حتى نعلم الدليل، الذي يستلزم في علمنا به علمنا بالمدلول عليه.
والرب تعالى علمه من لوازم نفسه المقدسة، وكذلك قدرته، لم يستفد شيئًا من صفاته المقدسة من غيره، ولم يحتج إلى سواه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن كل ما سواه.
وإذا قدر أن علمه بالملزوم شرط في علمه باللازم، كما أن وجود الملزوم شرط في وجود اللازم، وإبداعه للملزوم شرط في إبداعه للازم، كما أن خلقه للأب من حيث هو أب شرط من خلق الابن، فالابن لا يكون ابنًا إن لم يكن له أب، فلا بد في خلق الابن من خلق الأب قبله.
فهو سبحانه خالق الملزوم واللازم، وعالم بالملزوم واللازم، وكل ما سواه هو مما خلقه بمشيئته وقدرته، فليس مفتقرًا في شيء من الأمور إلى شيء سواه.
وقول القائل: علمه بهذا شرط في علمه بهذا معناه أنه لا يوجد علمه بهذا، إلا مع وجود علمه بهذا، ليس المراد به: أنه يكون العلم بأحدهما متقدمًا موجودًا، مع عدم العلم الآخر، فإن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط، بل لا بد من وجوده معه بخلاف العلة.
فإذا قيل: ليس علمه بهذا علة لهذا، وإنه لم يستفد علمه بهذا من علمه بهذا، ولا استدل على هذا بهذا، لم يكن في هذا نفي كون أحد
[ ١٠ / ١٣٠ ]
العلمين شرطًا في الآخر، أي ملزومًا له، بل ولا نفي كون كل منهما شرطًا في الآخر وملازمًا له، كما أن العلم والقدرة أو الإرادة، كل منهما لا يوجد إلا مع الآخر، وهو ملازم له، فوجوده شرط في وجوده بهذا الاعتبار، وإن لم يكن أحدهما علة لوجود الآخر.
وكذلك علمه بنفسه المقدسة، هو مستلزم لعلمه بمخلوقاته، وشرط في علمه بها، فلا يكون عالمًا بمخلوقاته، إلا وهو عالم بنفسه، وإن لم يكن علمه بنفسه هو العلة لعلمه بمخلوقاته، ولم يكن هو محتاجًا أن يستدل بعلمه بنفسه على علمه بمخلوقاته، بل نفس ذاته المقدسة اقتضت العلم بهذا وبهذا.
وإن كان أحد الأمرين شرطًا في الآخر، فكونه شرطًا في الآخر، غير كونه علة، فإن الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط، والعلة يجب تقدمها على المعلول.
والشرط لا يوجب المشروط، والعلة توجب المعلول.
فما علمه من مخلوقاته، فعلمه به مشروط بعلمه بنفسه، ويلزم من علمه بنفسه علمه به، ويلزم من علمه به علمه لنفسه، وإن لم يكن أحد العلمين يجب أن يقدم على الآخر، ولا يكون هو العلة في وجود الآخر، ولا يحتاج أن يستدل بأحد المعلومين على الآخر.
فلهذا كان علمه بأنه خالق يستلزم العلم بالمخلوقات من وجهين:
[ ١٠ / ١٣١ ]
من جهة أن علمه بأنه خالق لا يكون إلا مع علمه بالمخلوقات، لأن العلم بالإضافة يتضمن العلم بالمتضايفين.
ومن جهة أنه عالم بنفسه علمًا تامًا.
وكونه خالقًا من صفات نفسه، فلا يكون عالمًا بنفسه علمًا تامًا، إلا مع علمه بأنه خالق، ولا يكون عالمًا بأنه خالق، إلا مع علمه بالمخلوقات.
ومما ينبغي أن يعرف أن كلًا من المتلازمين يلزم من وجوده وجود الآخر، فكل منهما يصلح في حقنا أن نستدل به على الآخر، فنستدل على هذا بذاك تارة، ونستدل بذاك على هذا تارة.
إما أن نستدل على المجهول منهما بالمعلوم، أو نستدل بالمعلوم على المعلوم، لبيان أنه دليل عليه أيضًا، ولتقوية العلم، ولحصوله في النفس تارة بهذا الدليل، وتارة بهذا، إذا عزب عنها علمه بالآخر، فإن النفس قد تعلم الشيء ثم يعزب عنها، فإذا كثرت الأدلة، كان كل منها يقتضي العلم به، إذا قدر عزوب غيره من الأدلة.
ولهذا جاز تعدد الأدلة الكثيرة على المدلول الواحد، وكل ما يصلح أن يستدل به على غيره، فإن علم الرب به يستلزم علمه بالمدلول عليه، لامتناع العلم التام بالملزوم.
بدون العلم باللازم، وإن كان هو سبحانه لا يحتاج أن يستدل بالعلم بأحدهما على العلم بالآخر، فهذا هذا.
ومرادنا بيان ما يذكره الناس من الدلالة على الحق، فإن قصروا في بيان الدليل تممناه، وإن قالوا بخلاف موجبه من وجه آخر أبطلناه.
[ ١٠ / ١٣٢ ]
وهذه حال ابن سينا وأمثاله في تقرير علم الله تعالى، فإن كلامه في العلم فيه تقصير عظيم من وجهين: من جهة تقصيره في بيان ما ذكره من الحق، ومن جهة ما ذكره من الباطل، فإنه ذكر حقًا، وذكر ما يستدل به عليه، لكنه لم يعرف البيان حقه، من جهة أنه لم يعط الدليل حقه في التزام ما يلزمه، ومن جهة أن بعض المقدمات قد تقصر في بيانها، وإلا فالمادة التي سلكها في الدلالة مادة جيدة مستقيمة، إذا أعطيت حقها كانت مما تبين أن الله بكل شيء عليم من الجزئيات والكليات.
ولهذا كان الذين قدحوا في دلالة ابن سينا، كالغزالي والشهرستاني والرازي، إنما يقدحون بكونه لم يقرر مقدماته، أو بكونه لم يقل بموجبها، ولم يلتزم لوازمها، بل تناقض، فيوردون عليه سؤال الممانعة والمعارضة: المنع لكونه لم يقرره، والمعارضة لكونه ناقض موجبها.
وهذان السؤالان إذا توجها، فإنما يدلان على قصور ابن سينا، لا على قصور مادة الدليل الذي استدل به، بل هو من أحسن المواد، وهو مما يعلم به أن الله بكل شيء عليم: بالكليات والجزئيات.
ونحن نذكر من كلامهم ما يبين ما ذكرناه.
كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة وتعليق ابن تيمية عليه
قال الغزالي: مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره، ويعلم الأجناس والأنواع بنوع كلي.
[ ١٠ / ١٣٣ ]
فنقول: أما المسلمون -يعني المتكلمين الذي هم يذبون عنده عن المسلمين- لما انحصر عندهم الموجود في حادث وقديم، ولم يكن عندهم قديم إلا الله وصفاته، وكان ما عداه حادثًا من جهته بإرادته، حصلت عندهم مقدمة ضرورية في علمه، فإن المراد بالضرورة لا بد أن يكون معلومًا للمريد، فبنوا عليه أن الكل معلوم له، لأن الكل مراد له وحادث بإرادته، ولا كائن إلا وهو حادث بإرادته، ولم يبق إلا ذاته.
ومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده، فهو حي بالضرورة، وكل حي يعرف غيره، فهو بأن يعرف ذاته أولى، فصار الكل عندهم معلومًا لله، وعرفوه بهذا الطريق، بعد أن بان لهم أنه مريد لإحداث العالم.
فأما أنتم إذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته، فمن أين عرفتم أنه يعرف غير ذاته، فلا بد من الدليل عليه.
قال: وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك، في أدراج كلامه، يرجع إلى فنين.
[ ١٠ / ١٣٤ ]
قلت: ما ذكره الغزالي من الاستدلال بالإحداث على العلم، طريق صحيح يوصل إلى تقرير أنه بكل شيء عليم.
لكن الطرق إلى ذلك كثيرة متعددة، لم تنحصر في هذه الطريق، لا سيما إذا أريد تقرير حدوث العالم بحدوث الأجسام، وامتناع حوادث لا أول لها، كما سلكه.
فإن هذه الطريق مبتدعة في الإسلام باتفاق علماء الإسلام، وهي باطلة عند أئمة الإسلام وجمهور العقلاء، والعلم بكون الرب مريدًا لا يقف على هذه الطريق، بل ولا على العلم بحدوث الأجسام، بل يكفي في ذلك مجرد العلم بأنه فاعل، حتى أن كثيرًا من الفلاسفة القائلين بقدم العالم، يقول: إنه مريد، وإنه عالم بالجزئيات، كما ذهب إلى ذلك من ذهب إليه من الفلاسفة، وهو الذي نصره أبو البركات، فهؤلاء يثبتون العلم بطريق الإرادة.
وأما المسلمون، الذين يقولون: إن كل ما سوى الله مخلوق، فأئمتهم وجمهورهم لا يثبتون ذلك بامتناع حوادث لا أول لها، كما سلكه الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم، بل هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة.
وأيضًا فالرب إذا عرف أنه علام بمخلوقاته، لأنه خلقهم بإرادته، علم أنه إذا كان عالمًا بكل ما سواه، فعلمه بنفسه أولى، فإن هذه المقدمة لا تحتاج إلى توسيط كونه حيًا، وإن كان ذلك طريقًا صحيحًا، وإن كانت الحياة شرطًا في كونه عالمًا، لكن ليس كل ما كان شرطًا في الوجود، كان العلم به شرطًا في الاستدلال، فإنه من علم أن الله يعلم كل ما سواه، ثم نظر: هل يعلم نفسه أم لا؟ علم أن علمه بنفسه أولى من
[ ١٠ / ١٣٥ ]
علمه بكل ما سواه، قبل أن يستشعر أنه حي، وأن كل حي يعرف غيره، فهو بأن يعرف نفسه أولى.
بل إذا كانت هذه القضية بينة، وهو أن كل حي عرف غيره، فهو بأن يعرف ذاته أولى، قضية بينة بنفسها، فهي بينة وإن لم يذكر فيها كونه حيًا، إذ علم الإنسان بهذه الأولوية غير مشروط بهذا، وإن كانت الحياة شرطًا في كل علم.
كما أنا إذا علمنا أنه مريد، علمنا أنه عالم بما أراده، وإن لم يخطر بقلوبنا أنه حي، وإن كانت الحياة شرطًا في العلم والإرادة، فالعلم باستلزام علمه بغيره لعلمه بنفسه، لا يقف على العلم بهذه المقدمة، وإن كانت هذه المقدمة تفيد هذا المطلوب أيضًا.
وأيضًا فعلم المسلمين بأن الله بكل شيء عليم، له طرق غير الاستدلال بالإرادة، كما هو مذكور في موضعه.
والمقصود كلامه على ما ذكره ابن سينا.
قال: وحاصل ما ذكره يرجع إلى فنين: الأول: أنه عقل محض، وكل ما هو عقل محض فجميع المعقولات مكشوفة له.
إلى أن قال: وإن عنيت بأنه عقل: أنه يعقل نفسه، فربما
[ ١٠ / ١٣٦ ]
يسلم لك إخوانك من الفلاسفة ذلك، ولكن يرجع حاصله إلى أن ما يعقل نفسه يعقل غيره.
فيقال: ولم ادعيت هذا، وليس ذلك بضروري، وقد انفرد به ابن سينا عن سائر الفلاسفة، فكيف تدعيه ضروريًا؟ وإن كان نظريًا فما البرهان عليه؟.
إلى أن قال: الفن الثاني: قوله: إنا وإن لم نقل: إن الأول مريد للإحداث، ولا إن الكل حادث حدوثًا زمانيًا، فإنا نقول: إنه فعله وقد وجد منه، إلا أنه لم يزل بصفة الفاعلية، فلم يزل فاعلًا، فلا نفارق غيرنا إلا في هذا المقدار، وأما في أصل الفعل فلا.
وإذا وجب كون الفاعل عالمًا -بالاتفاق- بفعله، فالكل عندنا من فعله.
قال أبو حامد: والجواب من وجهين:
أحدهما: أن الفعل قسمان: إرادي: كفعل الحيوان والإنسان.
وطبيعي: كفعل الشمس في الإضاءة، والنار في التسخين، والماء في التبريد.
وإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي، كما في الصناعات
[ ١٠ / ١٣٧ ]
البشرية.
فأما في الفعل الطبيعي فلا.
وعندكم أن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار، لا بطريق الإرادة والاختيار، بل لزم الكل ذاته، كما يلزم النور الشمس.
وكما لا قدرة للشمس على كف النور، ولا النار على كف التسخين، فلا قدرة للأول على الكف عن أفعاله، تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا.
قال: وهذا النمط، وإن تجوز بتسميته فعلًا، فلا يقتضي علمًا للفاعل أصلًا.
فإن قيل: بين الأمرين فرق، وهو أن صدور الكل عن ذاته بسبب علمه بالكل، فتمثل النظام الكلي هو سبب فيضان الكل، ولا مبدأ له سوى العلم بالكل، والعلم بالكل عين ذاته، فلو لم يكن له علم بالكل لما وجد منه الكل، بخلاف النور من الشمس.
قلنا: وفي هذا خالفك إخوانك، فإنهم قالوا: ذاته ذات يلزم منها وجود الكل على ترتيبه بالطبع والاضطرار، لا من حيث هو عالم
[ ١٠ / ١٣٨ ]
بها، فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة؟.
وكما لم يشترط علم الشمس بالنور للزوم النور، بل يتبعها النور ضرورة، فليقدر ذلك في الأول، ولا مانع منه.
الوجه الثاني: هو أنه إن سلم أن صدور الشيء من الفاعل، يقتضي العلم أيضًا بالصادر، فعندهم فعل الله واحد، وهو المعلول الأول، الذي هو عقل بيسط، فينبغي أن لا يكون عالمًا إلا به، والمعلول الأول يكون أيضًا عالمًا بما صدر منه فقط، فإن الكل لم يوجد من الله دفعة.
بل بالوسط والتولد واللزوم، فالذي يصدر مما يصدر منه لم ينبغ أن يكون معلومًا له، ولم يصدر منه إلا شيء واحد، بل هذا لا يلزم في الفعل الإرادي، فكيف في الطبيعي؟ فإن حركة الحجر من فوق جبل قد تكون بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة، ولا يوجب العلم بما يتولد منه بوساطته، من مصادمته وكسر غيره، فهذا أيضًا لا جواب له عنه.
[ ١٠ / ١٣٩ ]
قال: فإن قيل: فلو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه، لكان ذلك في غاية الشناعة، فإن غيره يعرف نفسه ويعرفه ويعرف غيره، فكيف يكون في الشرف فوقه؟ وكيف يكون المعلول أشرف من العلة؟.
قلنا: فهذه الشناعة لازمة من مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدوث العالم، فيجب ارتكابها كما ارتكبت سائر الفلاسفة له، ولا بد من ترك الفلسفة والإعتراف بأن العالم حادث بالإرادة.
ثم يقال: بم تنكرون
إلى آخره.
قلت: ما ذكره أبو حامد من منازعة إخوانه الفلاسفة، في أن العلم بنفسه يستلزم العلم بمفعولاته، تقدم بيانه له.
وكون ابن سينا خالفهم في هذا، هو من محاسنه وفضائله، التي علم فيها ببعض الحق، والحجة معه عليهم، كما أن أبا البركات كان أكثر إحسانًا منه في هذا الباب.
فكل من أعطى الأدلة حقها، وعرف من الحق ما لم يعرفه غيره، كان ذلك مما يفضل به ويمدح، وهو لم يقل: إن عقله لنفسه مستلزم لغيره، بل قال: يستلزم عقله لمفعولاته، كما تقدم.
[ ١٠ / ١٤٠ ]
والأصول العقلية التي يوافقونه على صحتها، توجب موافقتهم له في هذا الموضع، كما تقدم.
هذا لو كان الفلاسفة ينفون الإرادة، وليس كذلك.
بل بينهم من يصرح بثبوتها، وهو القول الذي نصره أبو البركات منهم.
كلام ابن رشد في تهافت التهافت وتعليق ابن تيمية عليه
ومنهم من يحكي إثبات الإرادة عنهم مطلقًا، كما اختاره ابن رشد عنهم، فإنه قال في تهافت التهافت: استفتح أبو حامد هذا الفصل بأن حكى عن الفلاسفة شيئًا شنيعًا، وهو أن الباري ليس له إرادة، لا في الحادث، ولا في الكل، لكون فعله صادرًا عن ذاته ضرورة، كصدور الضوء من الشمس.
ثم يحكي عنهم أنهم قالوا: من كونه فاعلًا يلزم أن يكون عالمًا.
قال: والفلاسفة ليس ينفون الإرادة عن الباري تعالى، ولا يثبتون له الإرادة البشرية، لأن البشرية إنما هي لوجود نقص في المريد، وانفعال عن المراد.
فإذا وجد المراد له تم النقص، وارتفع ذلك الانفعال المسمى إرادة.
وإنما يثبتون له من معنى الإرادة أن
[ ١٠ / ١٤١ ]
الأفعال الصادرة عنه هي صادرة عن علم، وكل ما صدر عن علم وحكمة، فهو صادر بإرادة الفاعل، لا ضروريًا طبيعيًا، إذ ليس عن طبيعة العلم صدور الفعل عنه، كما حكى هو عن الفلاسفة، لأنا إذا قلنا: يعلم الضدين، لزم أن يصدر عن الضدان معًا، وذلك محال.
فصدور أحد الضدين عنه، يدل على صفة زائدة على العلم، وهي الإرادة.
وهكذا ينبغي أن يفهم ثبوت الإرادة في الأول عند الفلاسفة، فهو عندهم: عالم مريد عن علمه ضرورة.
وقال ابن رشد أيضًا: وأما قول أبي حامد: إن الفعل قسمان: إما طبيعي وإما إرادي -فباطل.
بل فعله عند الفلاسفة: لا طبيعي بوجه من الوجوه، ولا إرادي بإطلاق.
بل إرادي منزه عن النقص الموجود في إرادة الإنسان.
وكذلك اسم الإرادة مقول عليهما باشتراك الاسم.
كما أن اسم العلم كذلك على العلمين: القديم والحادث، فإن الإرادة في الحيوان والإنسان انفعال لاحق له عن المراد، فهي معلولة عنه.
[ ١٠ / ١٤٢ ]
هذا هو المفهوم من إرادة الإنسان، والباري سبحانه منزه عن أن يكون فيه صفة معلولة، فلا يفهم من معنى الإرادة إلا صدور الفعل مقترنًا بالعلم، وأن العلم، كما قلناه، يتعلق بالضدين، ففي العلم الأول، بوجه ما، علم بالضدين، ففعله أحد الضدين دليل على أن هنا صفة أخرى، وهي التي تسمى إرادة.
قلت: ابن رشد يتعصب للفلاسفة، فحكايته عنهم أنهم يقولون: إنه مريد، كحكايته عنهم إنهم يقولون: إنه عالم بالمخلوقات.
ولا ريب أن كلاهما قول طائفة منهم.
وأما نقل ذلك عن جملتهم، أو المشائين جملة، فغلط ظاهر.
ولكن الذي انتصر لثبوت هذا وهذا انتصارًا ظاهرًا أبو البركات ونحوه، وابن رشد وهو إثبات ذلك دونه، وابن سينا دونهما.
ولا ريب أن كلام أرسطو في الإلهيات كلام قليل، وفيه خطأ كثير، بخلاف كلامه في الطبيعيات فإنه كثير، وصوابه فيه كثير.
وهؤلاء المتأخرون وسعوا القول في الإلهيات، وكان صوابهم فيها أكثر من صواب أوليهم لما اتصل إليهم من كلام أهل الملل وأتباع الرسل، وعقول هؤلاء وأنظارهم في الإلهيات، فإن بين كلام هؤلاء في الإلهيات وكلام أرسطو وأمثاله تفاوتًا كثيرًا.
[ ١٠ / ١٤٣ ]
والمقصود أن ما ذكره أبو حامد من أنه إنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي فكلام صحيح، وهذا يدل على أن الفعل إذا كان إراديًا، لزم كون الفاعل عالمًا بفعله، فنستدل بكونه مريدًا على كونه عالمًا، وهو استدلال صحيح، ويقتضي أنه إذا قدر نفي اللازم، وهو العلم، انتفت الإرادة، وهو أيضًا صحيح.
وكذلك ما ذكره من أن العلم لا يلزم إلا في الفعل الإرادي، لا في الفعل الطبيعي الذي ليس بإرادي، فإذا قدر فعل ليس بإرادي، لم يلزم كون الفاعل عالمًا، هو كلام صحيح.
وعلى هذا فإذا قدر أن الفاعل عالم، لزم أن يكون الفعل إراديًا، لأن الفعل الإرادي مستلزم للعلم، وغير الإرادي مستلزم لنفيه، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم.
فالإرادة ملزومة للعلم، والعلم لازم لها، ونفي الإرادة ملزوم لنفي العلم، ونفي العلم ملزوم لنفي الإرادة.
فإذا قدر ثبوت العلم، لزم انتفاء نقيضه، وهو نفي العلم، ولازم نقيضه، وهو انتفاء الإرادة، وإذا انتفى هذا الانتفاء، ثبت نقيضه، وهو الإرادة.
وإيضاحه أن العلم لازم للإرادة، كما ذكروا أن كل مريد فهو عالم، فما ليس بعالم ليس بمريد، وهذا الذي يسمونه عكس النقيض، فإن العلم لازم للإرادة، فإذا انتفى هذا اللازم، وهو العلم، انتفى الملزوم، وهو الإرادة.
[ ١٠ / ١٤٤ ]
وذكروا أن الفعل الذي ليس بإرادي مستلزم لنفي العلم، فإذا انتفت الإرادة في الفعل، لزم نفي العلم، فإذا انتفى هذا اللازم، وهو نفي العلم، انتفى ملزومه وهو انتفاء الإرادة، فحصلت الإرادة، فصار يلزم من ثبوت العلم في الفعل ثبوت الإرادة، ومن نفيه نفيها، ومن ثبوتها ثبوته، ومن انتفائها انتفاؤه.
وهذا بين، إذ كان كل فعل بالإرادة فمعه العلم.
ولك فعل ليس بإرادة فلا علم معه، فينعكس كل منهما عكس النقيض.
فيقال: كل ما ليس معه علم فليس معه إرادة، وكل ما معه علم فمعه إرادة، فهذا يفيد أنه يلزم في الفعل من ثبوت كل واحد من العلم والإرادة ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، وهذا حق، وهو يدل على فساد قول من أثبت العلم ونفى الإرادة، وهم بعض الفلاسفة وبعض المعتزلة.
ولكن ليس في هذا ما يدل على فساد الطريق التي سلكها ابن سينا في إثبات العلم، فإنه إذا استدل على كونه عالمًا بمخلوقاته: بأن الفاعل يجب أن يكون عالمًا بفعله، وبأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها- كان دليلًا صحيحًا، كما تقدم تقريره، وإن لم يذكر في الدليل كونه فاعلًا بالإرادة، فإن هذا شرط في كونه فاعلًا، كما أن كونه حيًا شرط في كونه فاعلًا، وكما أن كونه عالمًا شرط في كونه مريدًا.
والدليل قد يدل على ثبوت المشروط قبل أن يعلم شرطه، ثم بعد ذلك قد يعلم بشرطه وقد لا يعلم، كما يدل الدليل على كونه فاعلًا بالاختيار، وشرط الفاعل بالاختيار أن يكون عالمًا.
ثم إذا علم أنه فاعل
[ ١٠ / ١٤٥ ]
بالإرادة علم بعد ذلك أنه عالم، وقد يعلم العالم أنه مريد ولا يخطر بقلبه أنه عالم، فليس كما من علم من البشر شيئًا علم لوازمه، لقصور علم البشر، بخلاف علم الخالق الذي علمه تام، فلا يعلم الملزوم إلا ويعلم لازمه كما تقدم.
وإذا كان كذلك، فالصواب في هذا الباب أن يقرر ما ذكره ابن سينا، من الطريق الدال على كونه عالمًا بالمخلوقات، فإنها طريق صحيحة لا تتوقف على ما ذكروه.
ولكن يقال له: هذه الطريق تستلزم كونه مريدًا، فإثباتك لفاعل عالم بمفعولاته بدون الإرادة تناقض.
وموجب الدليل شيء، وفساد الدليل شيء آخر.
فمطالبته بموجب دليله الصحيح هو الصواب، دون القدح في دليله الصحيح.
وأما ما ذكره عن إخوانه المنازعين له في العلم، حيث قالوا: ذاته ذات يلزم منها وجود الكل بالطبع والاضطرار، لا من حيث إنه عالم بها.
وقوله: فما المحيل لهذا المذهب، مهما وافقهم على نفي الإرادة؟.
فيقال له: المحيل لهذا المذهب ما تقدم من أن علمه بنفسه يوجب علمه بمخلوقاته.
والكلام في هذا المقام بعد تقرير أنه عالم نفسه.
فمن قال: إنه عالم بنفسه دون مخلوقاته، كان قوله باطلًا.
وأما تقرير كونه عالمًا بنفسه، فهذا مذكور في موضعه.
[ ١٠ / ١٤٦ ]
وبهذا يظهر الجواب عن الفاعل بالطبع، كالنار والماء، فإن ذاك إنما قيل: ليس بعالم بفعله، لكونه ليس عالمًا بنفسه.
ولم يقل عاقل: إن ذلك الفاعل عالم بنفسه دون فعله، كما لم يقل عاقل: إنه عالم بفعله دون نفسه، إذ كان العلم بكل منهما يستلزم العلم بالآخر.
وأما تمثيل ذلك بنور الشمس، فعنه جوابان.
أحدهما: أن الشمس علة تامة فاعلة للنور.
بل هي شرط في فيضانه، وفيضانه مشروط بوجود جسم ينعكس عليه شعاعها، والأول سبحانه هو وحدة مبدع لكل ما سواه.
الثاني: أن الشمس إن قيل: إنها عالمة بنفسها، وقيل مع ذلك: إنها مبدعة للشعاع، لم نسلم أنها لا تعلم الشعاع، لكن الشأن في تينك المقدمتين.
وأما قوله: مهما وافقهم لازم له.
فيقال: بل الصواب أن يقال: إثباتك العلم مع نفي الإرادة تناقض يلزمه منه خطؤك: إما في إثبات العلم وإما في نفي الإرادة.
وحينئذ فيقال: هؤلاء نفوا العلم والإرادة، وأنت أثبت العلم دون الإرادة، وهما متلازمان، فيلزم خطؤك: إما في إثبات العلم، وإما في نفي الإرادة.
وحينئذ فيقول: أدلتي المذكورة على ثبوت العلم صحيحة توجب
[ ١٠ / ١٤٧ ]
ثبوت العلم، وإذا كان ذلك مستلزمًا للإرادة، كان خطئي في نفي الإرادة، فهذا هو الصواب، دون أن يقال: كما وافقتهم على الخطأ في نفي الإرادة، فوافقهم على الخطأ في نفي العلم.
وأما قوله في الوجه الثاني: إن فعل الله واحد، وهو المعلول الأول فينبغي أن لا يكون عالمًا إلا به.
فيقال: إذا ثبت أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته، وجميع الممكنات مفعولة، لزم أن يعلمها كلها.
وأما قولهم: إنه أول ما أبدع العقل الأول، فكلامهم في هذا خطأ في بيان فعله، لا خطأ في إثبات وجوب كونه عالمًا بمفعولاته، ولا ريب أن قولهم في صدور الأفعال منه خطأ، لكن لا يلزم من الخطأ في ذلك الخطأ فيما به قررت كونه عالمًا بمفعولاته.
ثم يقال: ولا يلزم أيضًا على أصلهم أنه لا يعلم إلا العقل الأول، بل يلزم علمه بكل شيء.
وذلك لأنهم تارة يقولون: صدر عنه عقل، وبتوسطه عقل ونفس وفلك، وتارة يجعلون الثاني صادرًا عن الأول، وتارة يجعلون الأول شرطًا، وتارة يجعلونه مبدعًا للثاني.
ومنهم من يقول بلزوم جملة الفلك له.
وعلى كل تقدير فلا ريب أن علمه بالملزوم علمًا تامًا يستلزم علمه باللازم.
وكذلك العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، كما تقدم.
[ ١٠ / ١٤٨ ]
فأقصى ما يقدر أن الأول كان علة للثاني، فإذا كان عالمًا بالأول علمًا تامًا، لزم أن يعلم لوازمه، التي منها علمه بفعله للثاني، كما تقدم.
فعلى كل تقدير لا يكون قول من سلبه العلم خيرًا من قول من أثبته.
وبهذا أجابه ابن رشد، فقال: الجواب عن هذا أن الفاعل الذي هو في غاية العلم يعلم ما صدر عما صدر منه، وما صدر من ذلك الصادر، إلى آخر ما صدر.
فإن كان الأول في غاية العلم، فيجب أن يكون عالمًا بكل ما صدر عنه، بوساطة أو بغير وساطة.
وليس يلزم منه أن يكون علمه من جنس علمنا، لأن علمنا ناقص ومتأخر عن المعلوم.
ومن فر من شناعة القول بأنه لا يعلم إلا نفسك، فهو معذور في هذا الفرار.
وقوله: إن هذه الشناعة لازمة في مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدث العالم، فيجب ارتكابهما كما ارتكب سائر
[ ١٠ / ١٤٩ ]
الفلاسفة.
ولا بد من ترك الفلسفة، والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة.
فيقال: إذا كان هذا لازمًا لمن نفي الإرادة والحدوث، فيجب إثبات الإرادة والحدوث.
فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، لا يجب إذا ترك بعض الحق أن يترك سائره، بل يجب الاعتراف به كله، وإلا فالاعتراف ببعضه خير من جحده كله.
وقد تقدم تحقيق الأمر في تلازم العلم والإرادة.
قال أبو حامد: ثم يقال: بم تنكر على من قال من الفلاسفة: إن ذلك يعني العلم ليس بزيادة شرف، فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد كمالًا، فإنه في ذاته قاصر، فشرف بالمعقولات إما ليطلع على مصالحه في العواقب في الدنيا والآخرة، وإما لتكمل ذاته المظلمة الناقضة، وكذلك سائر المخلوقات.
وأما ذات الله فمستغنيه عن التكميل، بل لو قدر له علم يكمل به،
[ ١٠ / ١٥٠ ]
لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة.
وهذا كما قلت في السمع والبصر، وفي العلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان، فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه، وأن المتغيرات الداخلة في الزمان، المنقسمة إلى ما كان ويكون لا يعرفها الأول، لأن ذلك يوجب تغيرًا في ذاته وتأثيرًا.
ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان، بل هو كمال، وإنما النقصان من الحواس والحاجة إليها، ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما يتعرض للتغير به.
وكذلك العلم بالحوادث الجزئية: زعمتم أنه نقصان، فإذا كنا نعرف الحوادث كلها، وندرك المحسوسات كلها، والأول لا يعرف شيئًا من الجزئيات، ولا يدرك شيئًا من المحسوسات، ولا يكون ذلك نقصانًا، فالعلم بالكليات العقلية أيضًا يجوز أن يثبت لغيره، ولا يثبت له، ولا يكون فيه نقصان، وهذا لا مخرج عنه.
[ ١٠ / ١٥١ ]
فيقال: هذا الكلام متوجه على سبيل الإلزام والمعارضة، يظهر به تناقض من أثبت له علمًا بمعلوم دون آخر، كابن سينا وأمثاله، فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما فر منه فيما نفاه، فإن كان ذلك حقًا، فيلزم أن لا يعلم شيئًا ولا نفسه، وإن لم يكن حقًا، فيلزم أن يعلم كل شيء.
ولا ريب أن هذا هو الصواب، فهو يقول لهم: إن العلم: إن كان صفة كمال وشرف، فمعلوم أن علمه بكل شيء أكمل من علمه ببعض الأشياء، وإن لم يكن صفة كمال، فلا يثبت شيء منه.
واستشهد على ذلك بأنكم نفيتم عنه السمع والبصر والعلم بالمتغيرات، فإن كان نفي ذلك نقصًا، فقد وصفتموه بالنقص، وإن لم يكن نقصًا، لم يكن نفي غيره نقصًا.
وابن سينا يفرق بين علمه بالثابتات، وبين علمه بالمتغيرات، لئلا يلزم تغيره بتغير العلم.
وقد بين أبو حامد بعد هذا أنه لا محذور في علمه بالمتغيرات، بل يلزمه إثبات العلم بذلك، فإثبات العلم مطلقًا هو الواجب دون نفيه، وكل ما لزم من إثبات العلم، فلا محذور فيه أصلًا، بل غايته ترجع إلى مسألة نفي الصفات والأفعال والاختيارات، فليس لهم في نفي العلم إلا ما ينشأ عن هذين السلبين.
وقد بين فساد قول النفاة للصفات والأمور القائمة بذاته الاختياريات.
وإذا كان علمه سبحانه بكل شيء مستلزمًا لثبوت هذين الأصلين، كان ذلك مما يدل على صحتهما، كما دل على ذلك
[ ١٠ / ١٥٢ ]
سائر الأدلة الشرعية والعقلية، فإن ثبوت العلم بكل شيء، مما هو معلوم بالاضطرار من دين المرسلين، ومما هو ثابت بقواطع البراهين.
فإذا كان مستلزمًا لإبطال هذين الأصلين، اللذين هما من البدع التي أحدثها الجهمية، كان هذا من الأدلة الدالة على اتفاق الحق وتناسبه، وتصديق ما جاء به الرسول، وموافقته لصريح العقل، وأنه لا اختلاف فيما جاء من عند الله، بخلاف الأقوال المخالفة لذلك، فإنها كلها متناقضة.
وتدبر حجج النفاة، فإنها كلها من أسقط الحجج، كالقول الذي يقوله بعض الفلاسفة: إن العلم ليس بزيادة شرف، فلا يكون من يعلم أشرف ممن لا يعلم، ويقول: إنه إذا كان عالمًا فقد جعل ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره.
أما الأول فمن القضايا البديهية المستقرة في الفطر: أن الذي يعلم أكمل من الذي لا يعلم، كما أن الذي يقدر أكمل من الذي لا يقدر.
ولهذا يذكر سبحانه هذه القضية بخطاب استفهام الإنكار الذي يبين أنها مستقرة في الفطر، وأن النافي لها قال قولًا منكرًا في الفطرة.
كقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩]، فإنه يدل على أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، ويدل على أن التسوية منكرة في الفطر، تنكر على من سوى بينهما.
كقوله تعالى: ﴿قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ [الأنعام: ١٤٣] .
[ ١٠ / ١٥٣ ]
وقوله: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] .
وقوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] .
وقوله: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
وكذلك قوله: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾ [النحل: ٧٥-٧٦] .
وقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] .
وقوله: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾ [يونس: ٣٥] .
وكما أنه سبحانه في القرآن يبين أن العالم القادر الذي يخلق ويأمر بالعدل أكمل من غيره، وأن هذا التفضيل مستقر في الفطر، والتسوية من منكرات العقول التي تنكرها القلوب بفطرتها، وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها، فكذلك يبين أن العادم لصفات الكمال ناقص،
[ ١٠ / ١٥٤ ]
لا يمكن أن يكون ربًا ولا معبودًا، ويبين أن العلم بذلك فطري مستقر في القلوب.
كقوله تعالى عن الخليل: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ [مريم: ٤٢] .
وقوله تعالى: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ [الأعراف: ١٤٨] .
وقوله: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ [طه: ٨٩] .
وقوله: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢٠-٢١] .
وقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] .
وقوله عن الخليل: ﴿أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٥-٩٦] .
وقوله أيضًا: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: ٧٢-٧٣] .
وقوله: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ [الأنبياء: ٦٦-٦٧] .
وأمثال ذلك كثير.
[ ١٠ / ١٥٥ ]
والمقصود هنا أن كون العلم صفة كمال، وكون العالم أكمل من الذي لا يعلم، كون عدم العلم نقصًا- هو من أبين القضايا البديهية المستقرة في فطر بني آدم.
وأما قول القائل: إن العلم إنما احتاج إليه غير الله ليستفيد كمالًا: إما ليطلع على مصالحه، وإما لتكميل ذاته المظلمة.
فيقال له: هذا بعينه دليل على أن الذوات لا تكمل إلا بالعلم، من جهة أنها لا تقدر أن تفعل ما تصلح إلا به، ومن جهة أنها بدونه مظلمة.
والرب فاعل لكل شيء، وفاعل لكل فاعل، فهو أحق بأن يكون عالمًا من كل فاعل، وذاته أكمل الذوات، فهي أحق بأن يكون لها غاية الكمال، وأن تكون برية من كل نص.
وقول القائل: ذات الله مستغنية عن التكميل.
كلمة حق، فإنه مستغنية عن أن يكملها أحد سواها، لكن ما هي ذات الله المستغنية عن التكميل: أهي ذات مسلوبة العلم وغيره من صفات الكمال، فلا تعلم ولا تسمع ولا تبصر؟ أم هي الذات المتصفة بهذه الصفات؟.
أما الأول، فلا حقيقة لتلك الذات ولا وجود لها، فضلًا عن أن يقال: ذات الله، فإن ذاتًا لا تتصف بشيء من الصفات، إنما تعقل في الأذهان لا في الأعيان، وذاتًا لا تتصف بصفات الكمال
[ ١٠ / ١٥٦ ]
ليست خالق المخلوقات ولا وجود لها، ولو قدر وجودها فهي من أنقص الذوات، بل كل حيوان أكمل منها، فإنا نعلم بصريح المعقول أن الحي أكمل مما ليس بحي، والعالم أكمل مما ليس بعالم، والقادر أكمل مما ليس بقادر.
وقول القائل: لو قدر له ما يكمل به لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة قول باطل من وجوه.
أحدها: أن ذاته المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، أو نقول: لا نعلم ثبوتها، أو نعلم أن الذات المجردة عن الكمال معدومة.
ولفظ ذات لفظ مولد، وهو تأنيث ذو، ومعنى ذات: أي ذات علم، وذات قدرة، وذات حياة.
فتقدير ذات بلا صفات، تقدير المضاف المستلزم للإضافة بدون الإضافة.
ولهذا أنكر طائفة من أهل العربية كابن برهان والجوليقي النطق بهذا اللفظ، وقالوا: هذا مؤنث، والرب لا يجري عليه إسم مؤنث، ولكن الذين أطلقوه عنوا به نفسا ذات علم، أو حقيقة ذات علم.
وفي الجملة فتقدير الذات ذاتًا مجردة عن الصفات، هو الذي أوقعه في هذه الخيالات الفاسدة.
[ ١٠ / ١٥٧ ]
وقوله: الذات من حيث ذاته: إن أراد به أن الذات من حيث هي لا صفة لها، فهذه لا وجود لها، فصلًا عن أن تكون كاملة.
وإن أراد من حيث حقيقتها الموجودة، فهي من تلك الجهة لا تكون إلا متصفة بصفات الكمال.
قوله: وهذا كما قلت في السمع والبصر والعلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان، فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه إلى قوله: وهذا لا مخرج منه.
فيقال: لا ريب أنه لا مخرج لابن سينا من هذا الإلزام، فإنه إذا لم يكن عنده عدم العلم بالجزئيات نقصًا، كذلك عدم العلم بالكليات.
وإن قال: عدم علمه بها كمال، أمكن منازعوه أن يقولوا: نفي علمه بالثابتات كمال.
وإذا قال: أنا نفيت عنه، لأن إثباته يفضي إلى التغير.
قالوا له: ونحن نفينا ذاك لأنه يفضي إلى التكثر.
فإذا قال: ذاك التكثر ليس بممتنع.
قيل له: وهذا التغير ليس بممتنع.
وذاك أنه جعل التكثر في الإضافات، فإن كان هذا حقًا، أمكن أن يقال بالتغير في نفس الإضافات.
[ ١٠ / ١٥٨ ]
وذلك أنه إن قال: إن نفس العلم إضافة، فالتكثر والتجدد في العلم إضافة.
وإن قال: بل هو صفة مضافة، والتكثر في المعلوم لا في العلم، بل يعلم بعلم واحد جميع المعلومات، كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما.
قيل له: والتغير في المعلوم لا في العلم، لأن العلم واحد لا يتعدد، فضلًا عن أن يتغير.
وإن قال: هذا باطل، فإن العلم بأن سيكون الشيء، ليس هو العلم بأن قال قد كان.
قيل له: وكذلك العلم بالسماء، ليس هو العلم بالأرض.
وأنت تقول أبلغ من ذلك، تقول: ليس العلم إلا العالم، بل تقول: العلم والعالم شيء واحد.
ومعلوم أن هذا القول أبعد عن المعقول، من قول من قال: العلم بالمعلومات شيء واحد.
فإن هذا يقول: إن العلم ليس هو العالم ولا هو المعلوم، بل هو صفة للعالم.
ولا ريب أن ابن سينا يتناقض في هذه المواضع.
فتارة يجعل العلم زائدًا على الذات العالمة، وتارة لا يقول بذلك.
أبت
كلام ابن سينا في الإشارات ورد ابن تيمية عليه
فإنه قال: لما رد على من قال باتحاد العاقل بالمعقول: فيظهر
[ ١٠ / ١٥٩ ]
لك من هذا أن كل ما يعقل، فإنه ذات موجود، تتقرر فيها الجلايا العقلية، تقرير شيء في شيء آخر
فصرح بأنه يتقرر في ذات العاقل الجلايا العقلية تقرير شيء في شيء آخر، وهذا خلاف قول: العاقل والمعقول والعقل شيء واحد.
والمقصود قبول ما يقوله من الحق، وهو ما أثبته من كون الرب عالمًا بالأعيان الثابتة، وبيان صحة حجته على ذلك.
وأما ما نفاه من علمه بالجزئيات، فحجته على نفيه ضعيفة.
وقد بين أبو حامد وأبو البركات وغيرهما، أنه يلزمهم القول بعلمه بالجزئيات، وبينوا فساد ما نفوا به ذلك.
قال ابن سينا: إشارة: الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات، من حيث تجب بأسبابها، منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه يتخصص به، كالكسوف الجزئي، فإنه قد يعقل وقوعه بسبب توافق أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها، ويعقلها كما يعقل الجزئيات، وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني لها، الذي يحكم أنه
[ ١٠ / ١٦٠ ]
وقع الآن، وهو قبله، أو يقع بعده، بل مثل أن نعقل أن كسوفًا جزئيًا يعرض عند حصول القمر، وهو جزئي ما، وقت كذا، وهو جزئي ما في مقابلة كذا.
ثم ربما وقع ذلك الكسوف، ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع، أو لم يقع.
وإن كان معقولًا له على النحو الأول، لأن هذا إدراك آخر جزئي، يحدث مع حدوث المدرك، ويزول مع زواله.
وذلك الأول يكون ثابتًا الدهر كله، وإن كان علمًا بجزئي، وهو أن العاقل يعقل أن بين كون القمر في موضع كذا، وبين كونه في موضع كذا، يكون كسوف معين في وقت من زمان أول الحالين محدود.
عقله ذلك أمر ثابت قبل الكسوف ومعه وبعده.
هذا لفظه.
قلت: وهذا الذي ذكره إنما يتأتى في الأمور الدائمة عنده، كالشمس والقمر والكواكب والأفلاك، فإنه يعلمها بأعيانه، فإنها دائمة.
وأما الأمور المتجددة، مثل حركاتها، ومثل الكسوف والخسوف، والإهلال والإبدار، ومثل أشخاص الناس والحيوان، فهذه لا يتصور أن يعقلها إلا على وجه كلي، مثل أن يعلم أنه في كل شهر يحصل إهلال وإبدار، وفي كل سنة يحصل صيف وشتاء.
فأما العلم بإهلال معين
[ ١٠ / ١٦١ ]
وإبدار معين وكسوف معين، فهذا جزئي حادث كائن بعد أن لم يكن زائل بعد ما كان، فإن علمه بعينه لزم ما حذروه من التغير في علمه، فإنه إذا علمه قبل وجوده، علمه معدومًا سيوجد، ثم إذا وجد علمه موجودًا.
ثم إذا زال علمه معدومًا قد كان، وهذا الذي فروا منه.
ولو علم الجزئيات بأعيانها بعلم ثابت، لزم وجود ما لا نهاية له من المعقولات دائمًا في ذاته.
وأما قوله: مثل أن يعقل أن كسوفًا جزئيًا يعرض عند حصول القمر، وهو جزئي وقت كذا، وهو جزئي في مقابلة كذا، ثم ربما وقع ذاك الكسوف ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع، وإن كان معقولًا له على النحو الأول، لأن هذا إدراك آخر جزئي، يحدث مع حدوث المدرك، ويزول مع زواله، وذلك الأول يكون ثابتًا الدهر كله، وإن كان عالمًا بجزئي.
فيقال: هذا الكسوف المعلوم أهو كسوف واحد بالعين أم بالنوع؟ فالأول أن يعلم أن الشمس تكسف في برج الحمل في السنة الفلانية سنة الطوفان.
والثاني أن يعقل أنها كلها إن حصلت في برج كذا على وجه كذا كسفت.
فإن قيل: إنه كسوف معين، فهذا إذا كان عقله ثابتًا أبدًا، يكون
[ ١٠ / ١٦٢ ]
قد عقل قبل وجوده.
وحينئذ يكون معدومًا لا موجودًا، والعلم بأنه موجود جهل، والعلم بأن سيوجد هو الذي فروا منه.
وإن قالوا: نعلم أنه إذا حصل الشيء المعين الجزئي حصل الكسوف، وإن لم نعلم متى يحصل ذاك.
قيل: فمثل هذا لا يكون إلا إذا كان المعلوم كليًا، وهو أن نعلم أنه إذا حصل ذلك الأمر المعين على الوجه المعين حصل الكسوف، وهذا العلم كلي لا جزئي.
ففي الجملة الجزئي لا يكون جزئيًا إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وهذا إذا لم يكن أمرًا ثابتًا، بل أمرًا حادثًا، فلا يعلم على وجهه إن لم يعلم وقته المعين.
وحينئذ فيكون العلم به قبل وقته، وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه كذا حصل الكسوف، فهذا كلي.
وإن علم أنه لا بد أن يحصل، فإنه كلي من حيث الزمان، فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه، فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
وقولهم مع هذا: إنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض، مغالطة بل لم يعلم شيئًا من الأمور المعينة الحادثة البتة، بل هو عازب عنه، لا يدري أكان أم لم يكن، فإن نفس تصور الكلي من
[ ١٠ / ١٦٣ ]
حيث هو كلي، لا يفيد تصور المعينات، والوجود ليس فيه إلا المعينات، فلا يكون تصور شيئًا من المعينات الحادثة.
l أمر أمر
كلام الطوسي في شرح الإشارات ورد ابن تيمية عليه
وقد بين ذلك شارحو كلامه فقال الطوسي: يريد التفرقة بين إدراك الجزئيات على وجه كلي لا يمكن أن يتغير، وبين إدراكها على وجه جزئي يتغير بتغيرها، ليبين أن الأول تعالى، بل كل عاقل، فهو إنما يدرك الجزئيات من حيث هو عاقل على الوجه الأول دون الثاني.
وإدراكها على الوجه الثاني لا يحصل إلا بالإحسان أو التخيل، أو ما يجري مجراهما من الآلات الجسمانية.
قال: وقبل تقرير ذلك نقول: كلية الإدراك وجزئيته تتعلقان بكلية التصورات الواقعة فيه وجزئيتها.
فلا تدخل التصديقات في ذلك يعني بذلك أن التصديق إنما يكون كليًا أو جزئيًا باعتبار ما فيه من التصور: هل هو جزئي أو كلي؟.
قال: فإن قولنا: هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت، جزئي.
وقولنا: الإنسان يقول القول في وقت، كلي.
ولم يتغير فيهما إلا حال الإنسان، والقول، والوقت، والجزئية بالكلية.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
ولقائل أن يقول: بل نفس النسبة لا تكون جزئية وكلية، فإنه إذا قيل: هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت كان الجميع جزئيًا.
وإذا قيل: يقول أقوالًا حسنة، أو يقول هذا القول دائمًا، كان الثاني كليًا، فإن تصوره لا يمنع من وقوع الشركة فيه.
فإن قلت: المحمول، الذي هو خير المبتدأ عن أحدهما، قول معين، وفي الآخر قول مطلق، فالجزئية والكلية إنما وقعا في التصورين.
قيل إن أريد ذلك لم يكن لنا تصديق غير التصورات، فلا حاجة إلى نفي الكلية عنه.
ولكن المعروف أن هذا القول هو الخبر المحمول على المبتدأ المخبر به عنه، وهو قول معين جزئي، ونسبته إليه هو التصديق المغاير للتصورين، فإن التصديق يراد به الجملة كلها، فيكون التصور بعضه بعينه، ويراد به النسبة الحكمية، فيكون التصور شرطًا فيه.
وإذا أريد به هذا فنسبة القول المعين إلى المعين تصديق، فإن عنيت النسبة من جميع الوجوه، بحيث يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها، فهي جزئية، وإن لم يمنع ذلك فهي كلية.
مثل كونه يقوله دائمًا، أو الإخبار عنه بأنه يقوله في وقت ما، فإن هذا لا يمنع كونه يقوله في هذا الوقت وفي غيره، بل لا يمنع أن يقوله بالعربية وبالعجمية، فهو كلي بالنسبة إلى العربية والعجمية.
وبالجملة فما لم يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فهو كلي، سواء كان احتمال الشركة لدخوله أشخاصًا أو أزمنة أو أمكنة أو لغات أو غير
[ ١٠ / ١٦٥ ]
ذلك من الأمور، وهذا مما يبين أنه من لم يقل أن الرب يعلم الجزئيات، فإنه يلزمه أن لا يعلم شيئًا من الموجودات، فإنه ما من موجود إلا وهو متميز عن غيره بحيث يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
ولهذا لم يمنع ابن سينا كونه يعلم الجزيئات الثابتة الدائمة على أصله، كالسموات والنجوم، وإنما منع علمه بالمتغيرات، فرارًا من قيام الحوادث به، مع أن أساطين من أساطين الفلاسفة، ومن وافقهم من المتأخرين، يقولون: إنه تقوم به الحوادث، ولا حجة له على نفي ذلك أصلًا، إلا ما ينفي به قيام الصفات، وإثباته للعلم يستلزم إثبات الصفات كما تقدم بيانه، فعلم أن إثباته للعلم بالكليات دون الجزئيات في غاية التناقض.
قال الطوسي: وكل جزئي يتعلق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه، وما تصير تلك الطبيعة جزئية لا يدركها العقل، ولا يتناولها البرهان والحد، بسبب انضياف معنى الإشارة الحسية إليها، وما يجري مجراها من المخصصات، التي لا سبيل إلى إدراكها إلا بالحس وما يجري مجراه، فإن أخذت تلك الطبيعة مجردة عن تلك المخصصات، صارت كلية يدركها العقل، ويتناولها البرهان والحد،
[ ١٠ / ١٦٦ ]
وكان الحكم المتعلق بها -حين كونها جزئية- باقيًا بحاله، اللهم إلا أن يكون الحكم متعلقًا بالأمور المخصصة من حيث هي مخصصة.
قال: وإذا ثبت هذا فنقول: كل من أدرك علل الكائنات، من حيث إنها طبائع.
يعني طبائع كلية وأدراك أحوالها الجزئية وأحكامها، كتلاقيها وتباينها، وتماسها وتباعدها، وتركبها وتحللها، من حيث هي متعلقة بتلك الطبائع، وأدرك الأمور التي تحدث: معها وبعدها وقبلها، من حيث يكون الجميع واقعًا في أوقات يتحدد بعضها ببعض، على وجه لا يفوقه شيء أصلًا، فقد حصل عنده صورة العالم منطبقة على جميع كلياته وجزئياته الثابتة، والمتجددة المنصرفة، الخاصة بوقت دون وقت، كما عليه الوجود، غير مغادر إياها بشيء، وتكون تلك الصورة بعينها منطبقة على عوالم أخر، لو حصلت في الوجود، مثل هذا العالم بعينه، فتكون صورة كلية منطبقة على الجزئيات الحادثة في أزمنتها، غير متغيرة بتغيرها.
هكذا يكون إدراك الجزئيات على الوجه الكلي.
فيقال: فعلى هذا التقدير لا يكون الرب عالمًا بشيء من هذه الأمور
[ ١٠ / ١٦٧ ]
الموجودة، ولا فاعلًا لها، إذا كان علمه بها هو إبداعه لها، فإن العلم بالجزئيات، على هذا الوجه الكلي، لا يتضمن العلم بشيء من المعينات، ولا يكفي هذا العلم في وجودها، فضلًا عن أن يكون هو إيجادها.
فإنا إذا علمنا أن بني آدم لا بد أن تحصل لهم شهوة الأكل فيأكلون، وإذا أكلوا فلا بد أن تحصل لهم فضلة فيتغوطون، ولا بد أن تحصل لهم شهوة النكاح فيجامعون، ولا بد أن يحصل إنزال وحبل، فتحبل النساء ويلدن، ولا بد أن يموتوا -كان هذا علمًا كليًا يتضمن أنه لا بد من وجود أكل وتخل، ونكاح وإنزال، وحبل وولادة وموت، بحيث لو قيل: إن في الآدميين من لا يموت، أو من لا يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك- كان ذلك العلم الكلي مناقضًا لهذا القول.
ولو قيل: إنه لم يبق من ينكح ويحبل، ويلد ويموت، كان ذلك العلم الكلي دافعًا لهذا القول، كما إذا علمنا أن نبيًا لا يخبر إلا بالصدق، وعلمنا أنه أخبر بأخبار لا نعرف أعيانها -علمنا أنها كلها صادقة، ولم يكن في مجرد هذا العلم الكلي علم شيء منها.
وإذا علمنا أن كل دليل شرعي دل على الإيجاب أو التحريم، وجب إثبات موجبه من الإيجاب أو التحريم، كان هذا علمًا كليًا، ولم يكن فيه علم بشيء من أعيان الأدلة الشرعية، ولا بالأحكام المعينة الشرعية.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
وإذا علمنا أن الإهلال لا يكون إلا في أول الشهر، والإبدار لا يكون إلا في وسطه، وأن كسوف الشمس لا يكون إلا عند الإجتماع قبل الإهلال، وخسوف القمر لا يكون إلا في الليالي البيض في الإبدار -لم يكن في مجرد هذا العلم ما يوجب أن يعلم: هل الهلال طالع في هذا الوقت أم لا؟ وهل هو مبدر أم لا؟ وهل هو خسوف أم كسوف أم لا؟
وكذلك إذا علمنا أن الشمس تدور ما بين رأس السرطان والجدي، لا يصعد هذا غاية صعودها، وهذا غاية هبوطها، وفي صعودها يكون الصيف، وفي هبوطها يكون الشتاء، ونحن لا نعلم هل هذا الوقت صيف أو شتاء، وهل هي صاعدة أو هابطة -لم يكن في هذا العلم الكلي ما يفيد معرفة ما وجد في الخارج من أحوالها، لكن فيه أنها لا تخرج عن هذا القانون الكلي، وهكذا سائر العلوم الكلية.
لكن العلم بجميع حوادث الوجود على الوجه الكلي، أعم من العلم ببعض حوادثه.
ومع ذلك فليس في ذلك علم بشيء من الموجودات الحادثة.
وأيضًا فمجرد هذا العلم الكلي لا يكفي في وجود المعينات، فالمعين لا يوجد إلا بتصور معين وإرادة معينة، وإلا فمن أراد أن يكرم الأبرار، ويعاقب الفجار، ويقبل شهادة العدول، ويرد شهادة أهل الزور، وهو لا يعرف أعيان هؤلاء وهؤلاء -لم يمكنه فعل شيء من ذلك الأمر الكلي الذي عزم.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
ومن أراد أن يأكل طعامًا، ويلبس ثوبًا، وليس له قصد من طعام بعينه، وثوب بعينه، إن لم يحصل له طعام معين، وثوب معين، بحيث تكون له إرادة معينة وتصور معين -امتنع أن يأكل ويلبس، لكن قد يكون قصده للمعين، هو لكونه هو الميسور المقدرور عليه، ولو حصل غيره لقام مقامه، ليس له إرادة في أحدهما دون الآخر، إلا لكونه هو الذي تيسر وقدر عليه، فهنا يكون سبب تعين الإرادة هي القدرة.
وكذلك من قصده أن يعطي الزكاة للأنواع الكلية التي ذكرها الله في كتابه، وليس له غرض في شخص بعينه، فهو يعطي من علم أنه منهم، ومن أمكنه أعطاه.
ومن أراد شخصًا معينًا، فلا يتعين حتى يحصل له تصور معين وإرادة معينة، لكن التعين يكون لأجل علمه المعين وقدرته المعينة، لا لكون إرادته الأولى دعته إلى أداء الزكاة وصرفها في الأنواع المذكورة في القرآن -فكانت إرادته لمعين.
وكذلك من قصده أن يتطهر كما أمره الله، فهو يقصد الطهارة بماء، أي ماء كان، وهذه إرادة كلية، ثم لا يمكنه أن يتطهر إلا بماء معين، يتصور تصورًا معينًا، ويريد التطهر به إرادة معينة.
وكذلك من قصده أن يعتق رقبة وجبت عليه في كفارة، وكذلك من غرضه أن يزوج وليته من كفو، ومن قصده أن يشتري طعامًا من
[ ١٠ / ١٧٠ ]
شخص، وكذلك من غرضه أن يستفتي من يفتيه بحكم الله، ومن غرضه أن يحاكم خصمه إلى من يحكم بينهما بالحق، وأمثال ذلك.
فهؤلاء قصدهم ابتدأ أمرًا مطلقًا كليًا، ليس غرضهم شخصًا بعينه، لكن لا يحصل مقصودهم إلا إذا قصدوا شيئًا معينًا، وإلا فما دامت ليس معهم إلا الإرادة المطلقة، لا يفعلون شيئًا، إذ المطلق لا وجود له في الأعيان، فلا يمكن وجود كلي في الخارج مع كونه كليًا قط، فمن لم يعلم إلا الكليات، لم يمكنه أن يفعل شيئًا قط، ولا يكون عالمًا بشيء من الموجودات، فإن الموجودات في الخارج ليس فيها كلي.
فعلى قول هؤلاء لم يعلم الله شيئًا من الموجودات، بل ولا فعل شيئًا من الموجودات.
وهذا أمر قطعي لا حيلة فيه، كلما تدبره العاقل تبين له فساد هذا القول.
وما استثناه ابن سينا من كونه يعلم الموجودات الثابتة بأعيانها، لا يصح استثناؤها، فإن تلك أيضًا حادثة على القول الحق، ويلحقها التغير كما يلحق غيرها، فيجب أذا لم يعلم إلا الكليات أن لا يعلمها، وعلى قول أولهم إنها أزلية أبدية، فهي مستلزمة للتغيرات، أما الأجسام فإنها لا تزال متحركة، وأما المعقول فلا حقيقة لها، وبتقدير ثبوتها فإنها علل الأجسام المتغيرة عندهم.
وقد تقدم أصله: أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، فالعلم بالعلل إنما يوجب العلم بمعلولها، والعلة أوجبت معلولات جزئية متغيرة،
[ ١٠ / ١٧١ ]
فيجب أن يعلم عليتها على هذا الوجه.
وحينئذ فيلزم أن يعلم المتغيرات متغيرة، لا يكون علمها على وجه كلي كما ذكروه.
ومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية، مثل إيجاب الزكوات، وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أمر أحد بما أمره الله به، ونهيه عما نهاه الله عنه، إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية، وإلا فمجرد العلم بها، لا يمكن معه فعل مأمور ولا ترك محظور، إلا بعلم معين، بأن هذا المأمور داخل فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخل فيما نهى الله عنه.
وهذا الذي يسمى تحقيق المناط.
إذا تبين هذا، فقول القائل: كل من أدرك علل الكائنات، من حيث إنها طبائع إلى آخره.
يقال له: أتريد أنه أدركها كلية، مثل أن يدرك أن في العالم حارًا وباردًا، وأنهما يلتقيان على وجه كذا؟ أو تريد أنها إدراك الطبائع الموجودة المعينة؟.
فإن أردت الأول، لم يكن في العلم بذلك علم بشيء من الموجودات.
وإن أردت الثاني، فإنه يلزم من العلم بها، العلم بلوازمها، كما تقدم من أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها، فيلزم من ذلك أن يعلم جميع معلولاتها ولوازمها.
وليس في المعينات إلا ما هو معلولها
[ ١٠ / ١٧٢ ]
ولوازمها، فيلزم العلم بكل شيء جزئي على سبيل التعيين، ويلزم العلم بطوله وعرضه وعمقه وقدره، سواء كان من الكل المتصل أو المنفصل.
ولهذا كان قول المرسلين: إن الله أحصى كل شيء عددًا، فهو يعلم أوزان الجبال، ودورات الزمان، وأمواج البحار، وقطرات المطر، وأنفاس بني آدم: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] .
يبين هذا أنه قد تقدم أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها، وهي الموجب، والرب سبحانه هو موجب بمشيئته وقدرته لكل ما يشاؤه.
وهم يسمونه علة، وهو إنما يوجد شيئًا معينًا، لا يوجد شيئًا كليًا، إذ الخارج ليس فيه شيء كلي، فيجب أن يكون عالمًا بكل شيء جزئي، كما انه خالق لكل شيء جزئي.
وإن كان له علم عام كلي بالأمور الكلية، فلا منافاة بين هذا وهذا، بل مخلوقه له بالكلي والجزئيات، فالخالق أولى بذلك.
وقوله: إن إدراكها على هذا الوجه إنما يحصل بالإحساس أو التخيل.
فيقال لهم: لا ريب أن الله سميع بصير، يسمع ويرى، ﷾.
وقد روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾ [البقرة: ١٤٣]، ونحو ذلك.
قال: إلا
[ ١٠ / ١٧٣ ]
لنرى.
ففسر العلم المقرون بالوجود بالرؤية، فإن المعدوم لا يرى، بخلاف الموجود، وإن كانت الرؤية تتضمن علمًا آخر.
وقال الطوسي في شرح كلام ابن سينا: قوله: الأشياء الجزئية قد تعقل، كما تعقل الكليات، إشارة إلى إدراكها من حيث هي طبائع مجردة عن المخصصات المذكورة، وقيدها بقوله: من حيث تجب بأسبابها ليكون الإدراك لتلك الأشياء، مع كونه كليًا يقينيًا، غير ظني.
ثم قال: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه: أي منسوبة إلى مبدأ، طبيعته النوعية موجودة في شخصه ذلك، لا أنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره.
والمراد أن تلك الأشياء إنما تجب بأسبابها، من حيث هي طبائع أيضًا.
ثم قال: تتخصص به أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي، من حيث هو
[ ١٠ / ١٧٤ ]
جزئي، لا يكون معلولًا لطبيعة غير جزئية، ولا الطبيعة علة له من حيث هو كذلك.
قال: وقوله: إن العاقل لأن بين كون القمر في موضع كذا إلى آخره، معناه: أن من يعقل أن بين كون القمر في أول الحمل مثلًا، وبين كونه في أول الثور يكون كسوف معين في وقت محدود من زمانه كونه في أول الحمل، كالوقت الذي سار فيه القمر من أول الحمل عشر درجات، فإنما يكون تعقل ذلك العاقل لهذه الأمور أمرًا ثابتًا قبل وقت الكسوف ومعه وبعده.
فيقال له: هذا الذي تصور هذا الكسوف تصور أنه يكون في عام معين، أو تصوره مطلقًا، كتصوره أنه إذا كان في عشر درجات من الحمل، مع أمور أخرى، يكون كسوف.
فإن كان الأول، فذاك كسوف جزئي معين.
وتصوره يكون قبله ومعه وبعده.
وإن كان الثاني، فهذا يكون محققًا تارة، ومقدرًا أخرى.
أما المقدور، فأن يعلم أنه كلما حصل القمر في موضع كذا، والشمس في موضع كذا، حال القمر بين نور الشمس وبين الناس فانكسفت.
ولكن هذا ليس فيه علم بوقوعه لا مطلقًا ولا معينًا.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
والثاني أن يعلم أنه لا بد أن تقع هذه المحاذاة بين الأرض والقمر والشمس، وإنما تقع إذا كان كذا.
فهذا علم كلي، لا يعلم به شيء من الكسوف الموجود.
ثم يقال: والعلم بهذا ممتنع، إن لم يعلم الكسوفات الجزئية.
وذلك أن أسباب الكسوفات حركات أجسام معينة في أوقات محدودة.
والعلم بمجموع ذلك يوجب العلم بكل كسوف جزئي، والعلم به قبل وقوعه ومع وقوعه وبعد وقوعه، فلا يتصور مع العلم بأسباب الحوادث، أن يعلم علم كلي، إلا وتعلم الجزيئات الواقعة، وإلا فلا يكون العلم بجميع الأسباب حاصلًا.
ولهذا لما كنا لا نعلم عامة الأسباب لم نعلم ما يكون، وإذا علمنا أسباب شيء، علمنا وقوعه قبل وقوعه ومعه وبعده، كمن علم أنه سيبعث محمد ﷺ، وأنه يبعث إذا كانت أمور، فإذا علم أنها لم تكن، علم أنه لم يبعث، وإن علم أنها كانت، علم أنه بعث.
وكثير مما يتكلم فيه الناس من مقدمة المعرفة، يكونون قد علموا جزء السبب، ولم يعلموا تمام السبب، ولا علموا مانعه، فيصيبون أحيانًا، ويكون خطأهم أكثر من صوابهم، لأن ما فاتهم من العلم بتمام السبب والموانع أكثر مما علموه.
وقد تقدم قول ابن سينا: قد تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه من يخصه يتخصص به.
وقد قال في شرحه: أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك
[ ١٠ / ١٧٦ ]
المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي من حيث هو جزئي لا يكون معلولًا لطبيعة غير جزئية.
فيقال: هذا الكلام بين في أنها لا تعقل على هذا الوجه إلا جزئية لا كلية، لأنها إذا عقلت من حيث يجب بسببها المعين الجزئي، لزم أن تعقل جزئية.
وأما إذا عقلت من حيث تجب بسبب كلي عقلت كلية، لكن رب العالمين هو واحد معين، ليس أمرًا مطلقًا كليًا، فهو يعلم نفسه علمًا معينًا، يمنع من وقوع الشركة فيه، لا يعلمها علمًا كليًا، لا يمنع من وقوع الشركة فيه.
وحينئذ فيعلم كل ما صدر عنه على هذا الوجه، وقوله: انحصر نوعه في شخصه دليل على ذلك.
وقول الطوسي: قوله: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى مبدأ طبيعته النوعية موجودة في شخصه، ذلك لأنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره، إنما تستقيم في طبائع المخلوقات.
وأما الخالق تعالى فلا يجوز أن تكون صفته ثابتة لغيره.
والكلام إنما هو في أن علمه بنفسه يوجب العلم بالمخلوقات، وبه تجب الممكنات، وليس في الأسباب ما يوجب شيئًا من الممكنات، إلا وهو ﷾، وكل ما سواه فإنما يوجب بشركة من غيره، وهو سبحانه لا شريك له.
ثم كيف يتخصص بالمبدأ إن لم يكن مختصًا، كما تقدم؟.
ففي الجملة كل حجة يذكرونها هم أو غيرهم -على علمه بشيء من الأشياء، يدل على علمه بالجزئيات.
[ ١٠ / ١٧٧ ]
وقول القائل: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، كلام متناقض، يستلزم أنه لم يخلق شيئًا ولا يعلم شيئًا من الموجودات.
وقوله مع ذلك إنه: لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، تلبيس منه، كقولهم: العالم محدث، يريدون به أنه معلول مع قدمه، وإلا فكل ذرة من ذرات المحدثات عازبة عنه عندهم.
وكونها تجب وصف كلي باق أزلًا وأبدًا، لا يوجب العلم بها كما ذكروه.
ومضمون كلامه أنه يعلم ولا يعلم، فهو كلام متناقض.
ثم الأدلة الدالة على علمه تستلزم علمه بالجزئيات، وليس لابن سينا ما يبطل ذلك، إلا كون ذلك يفضي إلى تغير العلم، لكونه يعلم أن سيكون الشيء، ثم يعلم أنه قد كان، وهذا إن أبطله من جهة أنه نقص في العلم فهو باطل، فإن هذا هو علم للشيء على ما هو عليه، فإنه علمه معدومًا لما كان موجودًا، وعلم أنه سيوجد، ثم لما وجد علمه موجودًا، ثم إذا عدم بعد ذلك علم أن قد كان ثم عدم.
فهذا هو العلم المطابق للمعلوم، وما سوى ذلك فهو جهل لا علم وإن أنكره من جهة أنه يحدث تحول العلم بتحول المعلوم، وأن ذلك تغير -فقد عرف قول المانعين من هذا الأصل، وأنه في غاية الضعف والفساد، مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، لا سيما ومن منع ذلك، من الجهمية ومن اتبعهم، إنما منعوه لاعتقادهم أن ذلك ينافي القدم.
وابن سينا وإخوانه يجوزون قيام الحوادث بالقديم، فلا حجة لابن سينا وأتباعه في منعه، إلا حجتهم في نفي الصفات.
وإثبات العلم
[ ١٠ / ١٧٨ ]
بالمعلومات المفصلة الثابتة بأعيانها، مستلزم لثبوت الصفات كما تقدم بيانه وإقرار أصحابه بذلك، وحينئذ فلا حجة لهم في نفي ذلك أصلًا.
والله تعالى قد أخبر في كتابه بعلمه بما سيكون، كالأمور التي أخبر بها قبل كونها، فعلم أنه يعلم الأشياء قبل وجودها، وأخبر أنه إذا وجدت علمها أيضًا.
كقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وفي القرآن من هذا بضعة عشر موضعًا.
وقد روي عن ابن عباس وغيره: إلا لنرى.
وقال طائفة من المفسرين: إلا لنعلمه موجودًا.
رد الغزالي على الفلاسفة في تهافت الفلاسفة وتعليق ابن تيمية
ونحن نذكر كلام أبي حامد عليهم قال: مسألة في إبطال قولهم: إن الله -تعالى عن قولهم- لا يعلم الجزيئات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون.
قال: وقد اتفقوا على ذلك.
قلت: يعني اتفاق من عرف قوله منهم، وهم الذين ذكرهم ابن سينا، وإلا فأبوا البركات قد حكى عنهم قولين، واختار هو أنه يعلم الجزئيات.
قال أبو حامد: فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه،
[ ١٠ / ١٧٩ ]
فلا يخفى هذا من مذهبه.
ومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره، وهو الذي اختاره ابن سينا، فقد زعم أنه يعلم الأشياء علمًا كليًا، لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي.
فلا بد أولًا من فهم مذهبهم، ثم الاشتغال بالاعتراض، ونبين هذا بمثال، وهو أن الشمس مثلًا تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ثم تنجلي، فتحصل له ثلاثة أحوال: أعني للكسوف حال هو فيها معدوم منتظر الوجود، أي سيكون.
وحال هو فيها موجود، أي هو كائن.
وحال ثالثة هو فيها معدوم، ولكنه كان من قبل.
ولنا بإزاء هذه الأحوال ثلاثة علوم مختلفة، فإنا نعلم أولًا: أن الكسوف معدوم وسيكون، وثانيًا: أنه كائن، وثالثًا: أنه كان، وليس كائنًا الآن.
وهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة، وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة، فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كما
[ ١٠ / ١٨٠ ]
كان قبل، كان جهلًا لا علمًا.
ولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جاهلًا، فبعض هذه لا يقوم مقام بعض.
فزعموا أن الله تعالى لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يؤدي إلى التغير، وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة، فإن العلم يتبع المعلوم، فإذا تغير المعلوم تغير العلم، وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة، والتغير على الله محال.
ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف، وجميع صفاته وعوارضه، ولكن علمًا يتصف به في الأزل والأبد، لا يختلف.
مثل أن يعلم مثلًا أن الشمس موجودة، وأن القمر موجود، وأنهما حصلا منه بوساطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولًا مجردة، ويعلم أنها تتحرك حركات دورية ويعلم أن بين فلكيهما تقاطعًا على نقطتين: هما الرأس والذنب، وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فتنكسف الشمس، إذ يحول جرم القمر بينها وبين أعين الناظرين، وتستتر الشمس عن الأعين، وأنه إذا جاوز العقدة مثلًا
[ ١٠ / ١٨١ ]
بمقدار كذا، وهو سنة مثلًا، فإنه تنكسف مثلًا، وأن ذلك الانكساف يكون في جميعها أو ثلثها أو نصفها، وإنه يمكث ساعة أو ساعتين، وهكذا إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه، فلا يعزب عن علمه شيء.
ولكن علمه بهذا قبل الكسوف، وحال الكسوف، وبعد الانجلاء، على وتيرة واحدة، لا يختلف ولا يوجب تغيرًا في ذاته، وكذا علمه بجميع الحوادث، فإنها إنما تحدث بأسباب، وتلك الأسباب لها أسباب أخرى، إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية، وسبب الحركة الدورية نفس السماوات.
وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين، والكل معلوم له، أي ينكشف له انكشافًا واحدًا متناسبًا، لا يؤثر فيه الزمان.
ومع هذا فحال الكسوف لا يقال: إنه يعلم أن الكسوف موجود الآن، ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن، وكل ما يجب في
[ ١٠ / ١٨٢ ]
معرفته الإضافة إلى الزمان، فلا يتصور أن يعلمه، لأنه يوجب التغير.
وهذا فيما ينقسم بالزمان.
وكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان، كأشخاص الناس والحيوانات، فإنهم يقولون: لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد، وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي، ويعلم عوارضه وخواصه، وأنه ينبغي أن يكون بدنه مركبًا من أعضاء: بعضها للبطش، وبعضها للمشي، وبعضها للإدراك، وبعضها زوج، وبعضها فرد، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه، وهلم جرًا، إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه، حتى لا يعزب عن علمه شيء، ويعلمه كليًا.
فأما شخص زيد، فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل، فإن عماد التمييز الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية، والمكان الكلي.
فأما قولنا: هذا وهذا، فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس، بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة، وذلك يستحيل في حقه.
[ ١٠ / ١٨٣ ]
قال الغزالي: وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية، إذ مضمونها أن زيدًا مثلًا، لو أطاع الله أو عصاه، لم يكن الله عالمًا بما يتجدد من أحواله، لأنه لا يعرف زيدًا بعينه، فإنه شخص، وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن، وإذا لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله، بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه، وإنما يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقًا كليًا، لا مخصوصًا بالأشخاص، بل يلزم أن يقال: تحدى محمد ﷺ بالنبوة.
وهو لم يعرف في تلك الحال أنه تحدى بها، وكذلك الحال مع كل نبي معين، وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى بالنبوة، وأن صفة أولئك كذا وكذا.
فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه، فإن ذلك يعرف بالحس، والأحوال الصادرة منه لا يعرفها، لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين، ويوجب إدراكها على اختلافها تغيرًا.
قال: فهذا ما أردنا أن نذكر من نقل مذهبهم أولًا، ومن
[ ١٠ / ١٨٤ ]
تفهمه ثانيًا، ثم نبين ما فيه من القبائح اللازمة عليه ثالثًا.
قلت: قبائح مذهبهم أعظم وأكثر مما ذكره أبو حامد من وجوه كثيرة.
ومضمون حجتهم أن علم الرب بأحوال عباده يستلزم تنوع علمه بهم لتنوع المعلوم، وأن ذلك تغير يمتنع على الله، ولم يقيموا على امتناع مثل هذا المعنى حجة صحيحة: لا شرعية ولا عقلية.
ولفظ التغير فيه إجمال، كما ذكرناه في غير هذا الموضع.
والتغير الممتنع ما يكون فيه استحالة تتضمن نقصًا.
وأما ما ذكره من كون العلم يطابق المعلوم، فيتنوع بتنوع حاله فهو صفة كمال، وإلا كان العلم جهلًا.
وأما إذا سموا هذا تغيرًا وادعوا أن ما دخل في هذا الاسم وجب نفيه، فهو كتسميتهم إثبات الصفات تركيبًا، ودعواهم أن ما يدخل في ذلك يجب نفيه.
والحجج العقلية إنما تعتبر فيها المعاني لا الألفاظ.
والحجج السمعية يعتبر فيها كلام المعصوم.
وليس في كلام الله ورسوله، ولا الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ما ينفي هذا المعنى الذي سموه تركيبًا وتغيرًا، بل النصوص المتواترة التي جاءت بها الأنبياء عن الله، كلها تدل على إثبات ما نفوه من هذه المعاني، ولو لم يكن إلا إثبات علمه بكل شيء علمًا مفصلًا.
[ ١٠ / ١٨٥ ]
وهذا القرآن فيه من إخبار الله بالأمور المفصلة عن الشخص المعين، وكلامه المعين، وفعله المعين، وثوابه وعقابه المعين، مثل قصة آدم، ونوح، وهود، وصالح، وموسى، وغيرهم.
ما يبين أنهم من أعظم الناس تكذيبًا لرسل الله تعالى.
وكذلك أخباره عن أحوال محمد ﷺ، وما جرى ببدر، وأحد، والأحزاب، والخندق، والحديبية، وغير ذلك من الأمور الجزئية أقوالًا وأفعالًا.
وأخباره أنه يعلم السر وأخفى، وأنه عليم بذات الصدور، وأنه يعلم ما تنقص الأرض من الموتى وعنده كتاب حفيظ، وأنه يعلم ما في السموات والأرض، وأن ذلك في كتاب.
وأنه ما: ﴿تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وأنه يعلم ما: ﴿تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار*عالم الغيب والشهادة﴾ [الرعد: ٨-٩] .
وأنه: ﴿عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام﴾ [لقمان: ٣٤] .
وأنه: ﴿قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ [الأنعام: ٢] .
وأنه: ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ [النحل: ٢٣] .
وأنه: ﴿أعلم بما يقولون﴾ [طه: ١٠٤] .
إلى أمثال ذلك مما يطول ذكره في كتاب الله تعالى.
[ ١٠ / ١٨٦ ]
ثم من أعظم الضلال والجهل أن ينفي النافي علم رب العالمين.
بمخلوقه، لكون ذلك يستلزم ما يسمونه تغيرًا وحلول حوادث.
ثم نفي هذا المعنى لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، وإنما يوافقهم عليه الجهمية.
ومن تلقاه عن الجهمية من الكلابية ونحوهم، فلا يقر بنفي ذلك إلا من هو من أهل الكلام المبتدع المذموم المحدث في الإسلام، ومن تلقاه عنهم جهلًا بحقيقته ولوازمه.
وإذا كان علم الرب مستلزمًا لهذا، كان هذا من أعظم البراهين على ثبوته، وخطأ من نفاه شرعًا وعقلًا، فإنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول إثبات العلم بكل شيء من الأعيان.
فإذا تبين بصريح العقل أن ذلك يستلزم قيام هذه المعاني بالرب، لزم القول بذلك، كيف والقرآن قد دل على أنه يعلم الشيء بعد كونه، مع علمه بأن سيكون، في بعض عشرة آية، وقد ثبت بالدلائل اليقينية أنه يعلم كل ما فعله، وأنه بكل شيء عليم.
وهو مقتضى حجتهم.
وأما زعمهم مع هذا أنه يعلم الكسوف، وجميع صفاته وعوارضه.
فيقال لهم: إن كان لا يعلم إلا كسوفًا كليًا، لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فهو لم يعلم شيئًا من الكسوفات الموجودة.
وإن علم الكسوف الموجود، فكل منها جزئي فلا يتصور أن يعلم الكسوف، إلا مع علمه بالكسوفات الجزئية.
كلام ابن سينا باطل من وجوه. الوجه الأول
كلام ابن سينا باطل من وجوه.
الوجه الأول
وهذا الذي قاله باطل من وجوه: من جهة دعواه أنه مع علمه بالعلة التامة لوجود كل موجود، لا يعلم شيئًا من المعلولات الحادثة،
[ ١٠ / ١٨٧ ]
وإنما يعلم أمرًا كليًا لم يحدث، ولا علة لوجوده، فإن الكليات لا يوجد شيء منها إلا معينًا، فالعلة الموجبة له لا توجب إلا معينًا جزئيًا، فمن لم يعلمه معينًا جزئيًا، لم يعلم معلول العلة التامة.
الوجه الثاني
من جهة دعواه أنه إذا علم الكسوف على الوجه الكلي، علم جميع صفاته وعوارضه، وعلى هذا فيعلم وجود الإنسان علمًا كليًا، مع علمه بجميع صفاته وعوارضه، وهذا باطل.
فإن الصفات والعوارض التي يتصف بها الإنسان وتعرض له، لا يشترك فيها الإنسان، بل ما من إنسان إلا وله صفات وعوارض لا يشركه فيها غيره، كالسحنة والنغمة، فلا يشرك اثنان في سحنة ولا نغمة.
وهذا من دلائل ربوبيته، وأنه بكل شيء عليم، فيمتنع أن يعلم جميع ما يتصف به الإنسان ويعرض له علمًا كليًا، وكثير من ذلك، بل أكثره، علم يختص بالواحد من الناس، جزئي لا يشركه فيه غيره، وإن كان الناس يشتركون في أن لهذا رأسًا، ولهذا رأسًا، ولهذا قلبًا وكبدًا، ولهذا قلبًا وكبدًا، ولهذا وجهًا، ولهذا وجهًا، فما من شيئين من ذلك يستويان من كل وجه، بل لكل من ذلك صفة تخصه.
فكيف يتصور أن يعلم تلك الخصائص من لا يعلم إلا الكليات المشتركة التي لا اختصاص فيها؟.
الوجه الثالث
أن هذه الجهات الحادثة من لوازم العلل التي يعلمها علمًا تامًا.
فكيف يتصور مع علمه بالعلة التامة علمًا تامًا، أن لا يعلم لوازمها؟! وكل حادث بعينه هو من لوازمها، فأحد الأمرين لازم:
[ ١٠ / ١٨٨ ]
إما أن العلم بالعلة التامة لا يستلزم العلم بالمعلول، وإلا فلا يكون عالمًا علمًا تامًا بالعلة التامة.
وكلا المقدمتين يسلمون صحتها، فكيف يجوز أن يسلم هاتين المقدمتين، اللتين يقوم عليهما البرهان اليقيني، من ينازع في نتيجتهما اللازمة عنهما بالضرورة؟! وهل هذا إلا جهل بموجب البرهان القياسي في ذلك الذي هم دائمًا يقررونه مادة وصورة؟!.
الوجه الرابع
أنهم يقولون: إن جميع الحوادث مستندة إلى حركة النفس الفلكية.
ويقولون: إن النفس الفلكية تعلم جزيئات حركات الفلك.
بل ادعى ابن سينا ومن اتبعه أنها تعلم جميع الحوادث لعلمها بأسبابها، لأن سببها هو الحركة الفلكية، والنفس الفلكية تعلم ذلك، فتعلم المعلولات المسببة عنها.
وزعموا أن هذه النفس هي اللوح المحفوظ، التي أخبرت به الأنبياء، وأن المكاشفات التي تحصل في النوم واليقظة للأنبياء وغيرهم، هي لاتصال نفوسهم بهذه النفس الفلكية.
وأبو حامد ذكر هذا المعنى موافقة لهم في طائفة من كتبه، واتبعه على ذلك طائفة من المتصوفة، وصاروا يدعون الأخذ من اللوح المحفوظ.
ومنهم من يعرف مرادهم باللوح المحفوظ، ومنهم من لا يعرف ذلك، كما وقع ذلك في كلام غير واحد من متأخري الصوفية أتباع أبي حامد والمتفلسفة.
هذا مع أن حركة الفلك ليست هي العلة التامة في حدوث الحوادث، بل يفيض من العقل الفعال ما يفيض من الصور، عند استعداد القوابل بحسب الحركة الفلكية.
فهل ما يقوله هؤلاء في علم الرب وعلم النفس الفلكية التي ادعوا أنها اللوح المحفوظ إلا من أعظم الأقوال
[ ١٠ / ١٨٩ ]
تناقضًا؟! حيث جعلوا ما هو بزعمهم جزءًا لسبب للحوادث.
فادعوا أن العلم به يوجب العلم بجميع الحوادث الجزئية، ثم العلة التامة عندهم لكل شيء من حادث وغيره، قالوا: إن العلم التام به لا يوجب العلم بكل حادث، وهم في النفس الفلكية محتاجون بعد إثباتها إلى كون حركة الفلك سببًا لحدوث شيء.
وهذا إذا سلم أو قامت عليه حجة لا يمكن أن يدعى أنه علة تامة باتفاقهم، مع اتفاق أهل الملل.
فكيف يجعلون العلم بما ليس بعلة تامة للحوادث موجبًا للعلم بجزئياتها؟ ويقولون: العلم التام بما هو علة لها لا يوجب العلم بها؟.
ثم إذا كانت حركة الفلك صادرة عن الرب بوسط أو بغير وسط، وهو يعلم نفسه ويعلم مفعولاته ولوازمها ولوزام لوازمها، وذلك كله من مفعولاته بوسط أو بغير وسط، فإما أن يعلمها مفصلة معينة، أو لا يعلمها مفصلة.
فإن علمها مفصلة، علم لوازمها، فعلم جميع الحوادث مفصلة معينة.
وإن لم يعلمها مفصلة، فلا ريب أن علمه بحركات الفلك أولى من علم النفس الفلكية بكل ما يحدث في الأرض.
فإن هذه أكثر اختلافًا من حركات الفلك.
فالعلم بتلك أقرب إلى العلم الكلي، وهو سبحانه أكمل في خلقه لها، ولو بواسطة من إحداث النفس الفلكية لحوادث الأرض.
ثم علم النفس الفلكية بالحركات: إما كمال وإما نقص، فإن كان نقصًا فينبغي تنزيه العالم العلوي منه، وإن كان كمالًا فخالقها أحق بذلك منها.
ثم تلك الحركات وتصورات النفس وإرادتها جميعها مفعولة
[ ١٠ / ١٩٠ ]
للرب ومعلولة له على اصطلاحهم، وهو الخالق لها.
والعلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول، فيجب علمه بها، وإذا علمها وهي سبب الحوادث-وجب علمه بالحوادث.
ودعواهم مع عدم علمه بالجزئيات أنه يعلم كل صفة في داخل الآدمي وباطنه، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه، حتى لا يعزب عن علمه شيء، ويعلمه كليًا-دعوى اثنان في أمر موجود في الخارج، بل ولا يتماثل شيئان من كل وجه، وإن كانا يتشابهان من بعض الوجوه.
فالعلم بما يتشابه فيه الناس علم ببعض صفاتهم الكلية، ليس ذلك علمًا بجميع صفات كل واحد منهم، ولا صفة كل واحد وعوارضه تماثل الآخر من كل وجه، حتى يكون العلم بالقدر المشترك علمًا كليًا يتناولهما، بل لكل واحد خصائص لا يشاركه فيها غيره.
والعلم بالقدر المشترك لا يتناول شيئًا من تلك الخصائص.
والإنسان الموجود إنما كان هو الإنسان الموجود بخصائصه، لا بالقدر المشترك بينه وبين غيره.
بل ذلك القدر المشترك إنما يكون في العلم، لا يكون في الوجود.
فمن لم يعلم إلا الكلي -وهو القدر المشترك- لم يعلم شيئًا من الموجودات البتة.
وإنما ننتفع نحن بالعلم الكلي في الأمور
[ ١٠ / ١٩١ ]
الموجودة، إذا أدرجنا الموجودات في الأمر الكلي، كما في علم الشرع والطب وغير ذلك.
فعلم الطبيب بأن السقمونيا تستخرج الصفراء، وأن الدم يستخرج بالفصد والحجامة، لا يوجب علمًا بما ينتفع به الناس، إن لم يعلم أن هذا به صفراء، وهذا قد زاد به الدم.
فإذا علم المعينات مع الكليات انتفع بعلمه، وأمكن أن يكون له تأثير في الوجود، ويصير علمًا فعليًا، أي هو شرط في الفعل.
فأما العلم الكلي بدون العلم بالجزيئات التي يفعلها الفاعل، فلا يكون علمًا فعليًا، ولا يؤثر في وجود شيء ولا في فعله.
وبهذا يتبين أن قولهم: إن علم الرب تعالى فعلي، مع إخراج الجزئيات الموجودة عنه تناقض يعرفه من تصور القولين.
وعامة أقوال القوم متناقضة، لكن ضلالهم في مسألة العلم عظيم جدًا، وهو من أقبح الكفر وأعظمه منافاة لصريح المعقول، وما فطر الله عليه عباده.
وقوله: إن شخص زيد إنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل، فإن عماد التمييز الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي.
فأما قولنا: هذا وهذا، فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس، بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة.
[ ١٠ / ١٩٢ ]
فيقال لهم: من الذي فرق في حق الخالق تعالى بين الحس والعقل حتى وصفه بالعقل دون الحس؟ فإن كنتم تحتجون بالمعقولات التي تعرفونها، فهي تبطل هذا الفرق.
وإن كنتم تعتصمون بالشرع، فهو لم يطلق عليه اسم العقل ولا الحس، لكن قال: لفظ العلم والسمع والبصر، وبين أنه بكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، والسمع والبصر هو مما يريدونه بلفظ الحس.
فإن قلتم: أن علمه بالجزئيات المشخصة لا يمكن إلا مع رؤيته لها.
فلا محذور في إثبات رؤيته لكل مخلوق.
وإذا قلتم: هذه المحسوسات في جهة، والإحساس بها يقتضي كونها بجهة من الحاس على قرب أو بعد.
فهذا يناسب قولكم: إن ماليس في مكان ليس له نسبة إلى المكان.
وحينئذ فيقال: أنتم تعلمون أن النفس لها تعلق للشعور والتدبير بالبدن الجزئي.
فإن ذلك يستلزم أن يكون الذي يحس البدن جسمًا، فالنفس جسم، وتدبير رب العالمين لمخلوقاته أعظم من تدبير النفس للبدن.
فإن النفس ليست مستقلة بتدبيره، بل لها شركاء في قوى طبيعة وأسباب خارجية.
وأما رب العالمين فلا شريك له في تدبير مخلوقاته، فيكون علمه بهم ورؤيته لهم أعظم من علم النفس ببدنها وإدراكها له، سواء سمي هذا وهذا حسًا أو لم يسم.
وما شاركتم فيه الجهمية من النفي لا ينفعكم، وإنما تنفعكم الأدلة
[ ١٠ / ١٩٣ ]
الصحيحة أو الشرعية.
وقد قدمنا غير مرة أنه ليس لكم دليل ينفي ما سميتموه تركيبًا عن واجب الوجود، ولا ما ينفي الصفات، حتى أن الغزالي، مع نفيه لكون الرب جسمًا، بين أنه لا دليل لكم على ذلك.
وأنتم تقولون: لا دليل لنفاة المتكلمين على نفي ذلك، كما قد حكي ذلك عن الفريقين في موضعه، وبين ما ذكر في حجج الفريقين من الفساد العقلي والابتداع الشرعي.
وأيضًا فإذا كان لا يعلم إلا الأمور الكلية الأزلية الأبدية التي لا تقبل التغير، فيجب أن لا يعلم أحدًا من الأنبياء والرسل، ولا شيئًا مما أمروا به الناس، فإنه ليس شيء من ذلك أزليًا أبديًا، بل يجب أن لا يعرف وجود بني آدم ولا غيرهم من الحيوانات، إلا إذا ثبت أن وجود لك لازم لوجود الأفلاك.
ومعلوم أنهم ليس لهم دليل على قدم نوع من المركبات، لا الإنسان ولا غيره من الحيوانات، وإن اعتقدوا قدم الأفلاك فإن حدوث الحوادث السفلية هو عن حركات الأفلاك.
والحركات متنوعة، وتحدث فيها أشكال غريبة، فيجوز أن يكون حدوث ما حدث من الأنواع بسبب بعض الأشكال التي حدثت، ولهذا يجوز عندهم تحول المعمور من الربع الشمالي إلى الجنوبي، وغير ذلك من التغيرات العظيمة، ويجب أن لا يكون له علم بالطوفانات العامة، كطوفان نوح وغيره، لأنه من هذا الباب، بل يجب أن لا يكون عالمًا بشيء من أحوال الأفلاك وغيرها، ما لم يثبت أن ذلك بعينه قديم أزلي.
وهم لا دليل لهم على قدم شيء من العالم، وإنما حججهم تدل
[ ١٠ / ١٩٤ ]
على قدم نوع فعله، لا على قدم شيء بعينه من المفعولات، وقد قامت الأدلة على أن كل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وإن قيل: إنه لم يزل متكلمًا فاعلًا.
وعلى هذا التقدير فلا يكون عالمًا بشيء من مخلوقاته، إذ كلها حادثة، وهم لا يعلمون شيئًا من المحدثات، ويجب أن لا يكون عالمًا بما يتكلم به وما يفعله، مع قيام الدليل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، بل ولازم هذا القول أنه لم يفعل شيئًا، فإنه لا يفعل إلا بمشيئته، ولا يشاء إلا مع علمه بما يشاؤه، فإذا قدر أنه لم يعلم الفعل المعين والمفعول المعين، لزم أنه لم يفعل شيئًا، ولزم أن كل من فعل بقدرته ومشيئته كان أكمل منه، لأنه فعل بعلم وقدرة ومشيئة، وهذا في صريح العقل أكمل ممن لا يفعل شيئًا، أو ممن يفعل بلا قدرة ولا مشيئة ولا علم.
وأيضًا فإنما يجوز أن يعلم المفعولات على وجه كلي أزلي أبدي لا يتغير، أن لو كانت المخلوقات مخلوقة على هذا الوجه، ولو كان كذلك لزم أن لا يكون في العالم شيء من الحوادث، لأن حدوث الحادث بعد أن لم يكن إنما يكون عن حدوث تمام علته، وحدوث تمام العلة لا بد له من سبب حادث، وهو تمام علته التامة، حتى ينتهي الأمر إليه تعالى، فلا بد أن يحدث ما يكون تمام العلة التامة لحدوث الحوادث، فإن قدر أنه لم يعلم إلا الأمر القديم الأزلي الأبدي، امتنع أن يحدث شيئًا
[ ١٠ / ١٩٥ ]
لوجهين: أحدهما: أن الحادث لا يحدث عن قديم أزلي أبدي بدون حادث.
وهذا أصلهم الذي يقولون به.
ثم نقول: إن جاز حدوث الحادث عن القديم، جاز أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا، ولزم حينئذ علمه بالمحدثات.
وإن لم يجز ذلك امتنع أن يحدث عن العلة القديمة التامة شيء من الحوادث، فلا يحدث في العالم شيء.
وإذا بطل كون العالم مخلوقًا عن علة أزلية لم يحدث عنها، لزم أن الحوادث حدثت عند كمال الموجب لحدوثها، وذلك بحدوث تمام الموجب لحدوثه، وذلك يرجع إلى أمور قائمة به متعلقة بمشيئته وقدرته، وحينئذ فيجب علمه بها، لأنه من لوازم نفسه، ولامتناع وجودها بدون العلم بها.
وأيضًا فلأن الحوادث إنما هي صادرة عنه، سواء صدرت بوسط أو بغير وسط، فإن لم يكن عالمًا بها على الوجه الذي حدثت عليه، لم يكن عالمًا بعلتها التامة المستلزمة لحدوثها، لأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، فإذا قدر عدم العلم بالمعلول، لزم عدم العلم بالعلة التامة، وإذا امتنع العلم بالعلة التامة، لزم أن ينتفي العلم بعلة العلة، حتى يلزم عدم علمه التام بنفسه.
وإذا قدر عالمًا بنفسه، لزم علمه بكل حادث على الوجه الذي حدث عليه، ولزم علمه بكل جزئي، لأنه هو الفاعل له على هذا الوجه، وإن كان بطريق اللزوم، فإن علمه بالملزوم كفعله للملزوم، والعلم التام بالملزوم يوجب العلم بلوازمه، كما تقدم بيانه.
[ ١٠ / ١٩٦ ]
كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن صفة الإرادة ورد ابن تيمية عليه
قال ابن رشد: وأما صفة الإرادة فظاهر اتصافه بها، إذ كان من شرط صدور الشيء عن الفاعل العالم أن يكون مريدًا له، وكذلك من شرطه أن يكون قادرًا.
فأما أن يقال: إنه مريد للأمور المحدثة بإرادة قديمة فبدعة، وشيء لا يعقله العلماء، ولا يقنع الجمهور، الذين بلغوا رتبة الجدل، بل ينبغي أن يقال: إنه مريد لكون الشيء في وقت كونه، وغير مريد لكونه في غير وقت كونه، كما قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠]، فإنه ليس عند الجمهور شيء يضطرهم إلى أن يقولوا: إنه مريد للمحدثات بإرادة قديمة، إلا ما توهمه المتكلمون من أن الذي تقوم به الحوادث حادث.
وقد تبين من قولنا: إن الحوادث التي توجب الحدوث للمحل
[ ١٠ / ١٩٧ ]
الذي تقوم به، هي الحوادث التي تغير جوهر الشيء، وأما تحقيق إرادة الإله فمن علم الخواص الخاص بهم، فهؤلاء أرادوا أن يفهموا الناس من الإرادة معنى غير المفهوم من معنى الإرادة المعروفة المفهومة، التي صرح بها الشرع، وهو معنى لا يفهمه الجمهور، ولا تكيفه العقول، وجعلوا ذلك أصلًا من أصول الشريعة، وكفروا من لم يقل به.
وإنما طور العلماء في هذا المقام أن يقوم البرهان عندهم أن هناك إرادة غير مكيفة لا يقال عنها: إنها إرادة قديمة يلزم عنها حادث، ولا إرادة حادثة، مثل التي في الشاهد، بل هي إرادة العقول الإنسانية مقصرة عن تكييفها، كما هي مقصرة عن تكييف سائر الصفات التي وصف بها نفسه، لأنها متى كيفت أشبهت الصفات المكيفة المحدثة، فوجب أن يصدق بجميعها بالدلائل البرهانية بلا كيف.
قلت: أما كونها إرادة ليست مثل إرادة الخلق، فهذا لا بد منه فيها وفي سائر الصفات.
هذا لا يختص بالإرادة، كما أن الرب نفسه ليس كمثله شيء، فصفاته كذاته.
لكن مجرد نفي هذا لا ينازعه فيه أحد، ومضمون كلامه الوقف عن الكلام في قدمها وحدوثها، لا بيان حل الشبهة، كما فعل في مسألة العلم.
[ ١٠ / ١٩٨ ]
والفلاسفة الدهرية حائرون في هذا الموضع.
ومن يتكلم فيها تناقض كلامه، لفساد الأصل الذي يبنون عليه، وهو صدور الحوادث عن علة موجبة لمعلولها بوسط أو بغير وسط، فإن هذا ممتنع، بل هو جمع بين النقيضين، لأن العلة التامة لا يتخلف عنها شيء من موجبها، ولا موجب موجبها، والحوادث متأخرة، فلا يكون من موجبها ولا موجب موجبها، فجعلها من موجبها أو موجب موجبها تناقض.
فإذا كانوا حائرين في أصل صدور الحوادث عنه، فكيف في إرادته لها وعلمه بها؟.
وما ذكره من أن نفاة المتكلمين لا دليل عندهم إلا ما ذكر من أن الذي تقوم به الحوادث حادث، وما ذكره من إبطال دليلهم على ذلك، هو له ألزم.
فإن الفلاسفة يقيموا على ذلك دليلًا بحال، إلا ما ينفي الصفات مطلقًا.
وقولهم في ذلك باطل متناقض إلى الغاية، كما قد بين في موضعه.
وكلامه يتضمن إثبات الصفات.
فإذا كان من أصلهم أن القديم قد يقوم به الحادث، مع أنه تقوم الصفات بالواجب القديم، كان ما ألزمه لنفاة المتكلمين له ألزم.
قال: فإن قيل: فصفة الكلام من أين تثبت له؟
قلنا: تثبت له من قيام الصفة العلم به، وصفة القدرة على الاختراع.
فإن الكلام ليس شيئًا أكثر من أن يفعل المتكلم فعلًا يدل
[ ١٠ / ١٩٩ ]
عند المخاطب على العلم الذي في نفسه، ويصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم الذي في نفسه.
وذلك فعل من جملة أفعال الفاعل.
قلت: الكلام ليس هو من نفس التكليم، فليس كل متكلم مخاطبًا لغيره، والنظر أولًا في إثبات كونه متكلمًا، ثم في إثبات كونه مكلمًا لغيره، وما ذكره إنما هو في إثبات كونه مكلمًا لغيره.
ثم إنه لم يذكر إلا مجرد الإعلام والإفهام والدلالة بأي طريق كان.
وما يسمى إعلامًا وإفهامًا.
ويسمى تكليمًا مع الإطلاق أو التقييد درجات.
كما قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١]، فالتكلم من وراء حجاب كما كلم موسى، وبإرسال ملك كما أرسل جبريل بالقرآن، أعظم من مجرد الإيحاء.
كما قال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] .
وقال: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ [المائدة: ١١١] .
ولا ريب أن الدلالة على مراتب: أحدها: أن يدل الدليل بغير شعور منه ولا قصد، فهذا الذي يسمى لسان الحال، وكل ما يسمى دليلًا فيسمى بهذا الإعتبار شاهدًا ومعرفًا وقائلًا، كما قال:
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
امتلأ الحوض وقال قطني
قطني رويدًا قد ملأت بطني
وقالت: انساع بطنه.
وقال الحائط للوتد: لم تشقني؟.
ولا يجوز أن يجعل تكليم الله من هذا الباب عند المسلمين، وقد يجعل تكليمه من هذا الباب من يقول: إنه لا يعلم الجزئيات.
والدرجة الثانية: أن يكون الدال عالمًا بالمدلول عليه، لكنه لم يقصد إفهام مخاطب، ولكن حاله دل المستدل على ما علمه، كالأصوات التي تدل بالطبع، مثل البكاء والضحك ونحوهما، فإنها تدل على ما يعلمه المرء من نفسه، مثل الحزن والفرح وكذلك صفرة الوجل وحمرة الخجل تدل على ما يعلمه المرء من فزعه وحيائه، وإن لم يقصد الإعلام بذلك.
ومن هذا الباب قول الشاعر:
تحدثني العينان ما القلب كاتم ولا خير في الشحناء والنظر الشزر
وقول الآخر:
والعين تعلم من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠]، فهو يعلم من السيماء
[ ١٠ / ٢٠١ ]
ومن لحن القول ما لم يقصدوا الإعلام به.
وتكليم الله عند المسلمين لا يجوز أن يكون من هذا الباب، اللهم إلا عند القدرية، الذين يقولون: إن ما يحدث من علم العبد قد يحدث بدون إرادة الله.
والدرجة الثالثة: الدلالة التي يقصدها الدال: فمنها: الإعلام بغير خطاب مسموع، كمن يعلم لغيره علامات تدله على ما يريد، وكإشارة الأخرس، ونحو ذلك.
فالله تعالى قد يعلم عباده بأنواع كثيرة من الدلائل والإعلام.
وهذا هو الذي أثبته المذكور.
ولكن لازم هذا أن يكون كل من علم علمًا فقد كلمه الله، فإنه قد نصب دليلًا أيعرفه بذلك، والله عالم به، وهو مريد لما وقع.
ولهذا قال: وقد يكون من تكليم الله ما يلقيه إلى العلماء بواسطة البراهين لكن من الناس من يستشعر أن الله هداه إلى ذلك وعلمه إياه، بما نصبه من الأدلة.
ومن الناس من قد يعرض عن ذلك، ولا ينظر إلا إلى ما دله، وقد يقع بنفس الإنسان من ذلك مالا يعرف عليه دليلًا معينًا.
ومعلوم أن جعل كلام الله ليس إلا من هذا النوع خطأ، بل هذا النوع ليس هو الإيحاء المذكور في القرآن، فإن ذاك إيحاء بما يؤمر به.
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
كما قال تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ [المائدة: ١١١] .
وقال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] .
بل إيحاء النحل ليس مقتصرًا على هذا، فإن ذاك أيضًا إيحاء بما يريد أن يفعل، وهذا ليس فيه إلا مجرد الإعلام.
والتكليم للغير قد يكون مجرد إخبار له وإعلام، وقد يكون طلبًا منه لفعل أو لترك: إما لمصلحته، وإما لمجرد إرادة الأمر.
وهذا النوع من التكلم مستلزم للأول، والأول لا يستلزم هذا، فليس كل من أعلم بشيء أمر بشيء، وكل من أمر بشيء فقد أعلم بالمأمور به، وهو لم يذكر إلا مجرد الإعلام، فاقتصر على أدنى نوعي التعليم في آخر درجات التكليم.
وهذا الذي ذكره غاية ما يثبته القائلون بقدم العالم من المتفلسفة والصابئة ونحوهم.
والذين يقولون: إن الله يتكلم بكلام مخلوق يخلقه في غيره، خير من هؤلاء.
وهذا الدرجة أرفع من درجة مجرد الإعلام مع قصده العلم، لأن هذا إعلام بكلام منظوم مسموع، وهذا أبلغ من إعلام بمجرد ما يقع في النفس، فإذا كان من لم يثبت لله كلامًا إلا كلامًا مخلوقًا في غيره، مع أنه حروف منظومة، من أضل الناس عند سلف الأمة وأئمتها، فكيف من لم يثبت إلا مجرد الإعلام؟!.
وأهل السنة لا ينازعون في أن مثل هذا الإعلام واقع من جهة الله
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
تعالى، ولكن يقولون: ليس كلامه وتكليمه هو هذا فقط، بل هذا يحصل لعموم الخلق.
وأما تكليمه من وراء حجاب، أو بإرسال رسول، فهذا مخصوص بالأنبياء.
وهؤلاء المتفلسفة يجعلون النبوة من جنس ما يحصل لعلماء الفلاسفة الكاملين عندهم.
ومن هذا صار كثير من متصوفة الفلاسفة يطمعون في النبوة، أو فيما هو أعلى منها عندهم، كما حدثونا عن السهروردي المقتول أنه كان يقول: لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر.
وكذلك ابن سبعين كان يقول: لقد زرب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي.
وابن عربي صاحب الفتوحات المكية كان يتكلم في خاتم الأولياء، ويقول: إنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وإن الأنبياء جميعهم يستفيدون العلم بالله من جهة هذا المسمى بخاتم الأولياء، والعلم بالله عندهم هو القول بوحدة الوجود، كما قد عرف من قول هؤلاء ويقول:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
ويقول: إن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الرسول.
وهذا على أصل هؤلاء الفلاسفة الملاحدة، الذين يجعلون الملائكة ما يتمثل في نفس النبي من الصور الخيالية النورانية، وكلام الله ما يحصل في نفسه من ذلك.
فالنبي عندهم يأخذ عن هذه الأمثلة الخيالية في نفسه الدالة على العلم العقلي، والولي يأخذ العلم العقلي المجرد.
ولهذا يجعلون تكليم الله لأحدهم أفضل من تكليمه لموسى بن عمران، لأن موسى كلم عندهم بحجاب الحرف والصوف، أي بخطاب كان في نفسه، ليس خارجًا عن نفسه.
ويقول بعضهم كلم من سماء عقله، وأحدهم يكلم بدون هذا الحجاب، وهو إلهامه المعاني المجردة في نفسه.
وصاحب خلع النعلين وأمثاله يسلكون هذا المسلك.
وهؤلاء أخذوا من مشكاة الأنوار التي بناها واضعها على قانون الفلاسفة، وجعل تكليم الله لموسى من جنس ما يلهمه النفوس من العلوم.
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
ولما كان ابن رشد هذا يعتقد في الباطن ما يعتقده من مقالات المتفلسفة، كانت غايته فيما أثبته من كلام الله، هو من جنس الإعلام العام، الذي يشترك فيه نوع الإنسان.
ولهذا كانت اليهود والنصارى أعظم إيمانًا بالله وأنبيائه ودينه وبالآخرة من الفلاسفة، لكن في اليهود والنصارى من يسلك مسلك هؤلاء المتفلسفة، فيجتمع فيه الضلالان.
واليهود والنصارى آمنوا ببعض ما أنزل الله وكفروا ببعض.
كما قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥١] .
لكن أولئك آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض، وهؤلاء المتفلسفة قد يقرون بجميع الأنبياء والكتب، لكن هم في إيمانهم بجنس الأنبياء والكتب، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، فخيارهم يؤمنون بدرجة من درجات إعلام الله وإيحائه إلى عباده، كما ذكر ابن سينا وابن رشد وأمثالهما، ولا يؤمنون بما فوق ذلك.
وكذلك فيما أخبرت به الرسل من الغيب: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
وكذلك فيما أمروا به، فهم يؤمنون ببعض نوع الرسالة ويكفرون ببعض.
ولهذا قد يكون اليهود والنصارى خيرًا منهم، وقد يكون خيارهم أقرب إلى الإسلام من اليهود والنصارى من بعض الوجوه، ويكونون
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
من هذا الوجه خيرًا من اليهود والنصارى.
ومعلوم أن المنافقين الداخلين في الإسلام فيهم من هو شر من اليهود والنصارى، وفيهم من يكون نفاقه أخف من كفر اليهود والنصارى.
تابع كلام ابن رشد عن صفة الكلام ورد ابن تيمية عليه
قال ابن رشد: وإذا كان المخلوق الذي ليس بفاعل حقيقي -أعني الإنسان- يقدر على هذا الفعل من جهة ما هو عالم قادر، فإنه بالحري أن يكون ذلك واجبًا في الفاعل الحقيقي.
قال: ولهذا الفعل شرط آخر في الشاهد، وهو أن يكون بواسطة، وهو اللفظ.
وإذا كان هذا هكذا، وجب أن يكون الفعل من الله تعالى، في نفس من اصطفى من عباده، بواسطة ما، إلا أنه ليس يجب أن يكون لفظًا، ولا بد مخلوقًا له، بل قد يكون بواسطة ملك، وقدي كون وحيًا، أي يغير لفظ يخلقه، بل يفعل فعلًا في السامع ينكشف له به ذلك المعنى.
وقد يكون بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه.
وإلى هذه الأطوار الثلاثة الإشارة بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] .
فالوحي هو وقوع ذلك المعنى في نفس الموحى إليه بغير واسطة لفظ يخلقه، بل بانكشاف ذلك المعنى له بفعل يفعله في نفس المخاطب.
كما قال تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ٩-١٠] .
وقوله: ﴿من وراء حجاب﴾ هو الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه بكلامه، وهذا هو كلام حقيقي، وهو الذي خص الله به موسى، ولذلك قال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤] .
وأما قوله: ﴿أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه﴾ [الشورى: ٥١]، فهذا هو القسم الثالث، وهو الذي يكون بواسطة الملك.
قال: وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء، والذين هم ورثة الأنبياء، بواسطة البراهين.
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
قلت: هذا كله على أصله إخوانه الفلاسفة كما تقدم.
وهؤلاء في الحقيقة لم يثبتوا لله كلامًا ولا تكليمًا هو أمر ونهي، وإنما أثبتوا مجرد العلم والإعلام.
وقوله: ولهذا الفعل شرط في الشاهد -وهو اللفظ- فيجب أن يكون من الله بواسطة، وهو الملك، أو جعل العبد عالمًا بذلك، أو لفظ يخلقه في سمع المستمع فهذا شر من قول المعتزلة، الذين يقولون: كلام الله مخلوق.
كلام ابن رشد السابق خطأ من عدة وجوه
وهو متضمن لعدة وجوه من الخطأ: منها: أن الملك إذا كان واسطة رسول إلى من أرسل إليه، كما أن البشر أيضًا رسول، ومثل هذه الواسطة قد تكون من العبد أيضًا، فإنه قد يرسل رسولًا، كما يكتب كتابًا، والرسول مبلغ لكلام المرسل، فلا بد من إثبات كلام يبلغه الرسول.
والرسول قد يبلغ لفظ المرسل، وقد يبلغ معناه بعبارة أخرى، وقد يفهم مراده بطريق آخر فيبلغه عنه، فهذا كله يقع في البشر، كما يقع تكليم بعضهم لبعض باللفظ، فلا يجعل هذا من الله نوعًا من الأنواع القائمة مقام اللفظ من البشر، فإن البشر تجمع بين النوعين: بين اللفظ وبين هذا، فكان الواجب أن يجعل هذا من الله قائمًا مقام الإرسال من البشر، لا مقام اللفظ.
وأيضًا فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها لا تقوم مقام اللفظ من البشر.
أما إحداث الفهم في العبد، فهذا مفعول من مفعولات الله
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
كسائر مفعولاته، فجعل العبد يعلم بمنزلة جعله يسمع ويبصر، ويقدر ويعمل.
ومعلوم أن هذا لا يقدر عليه غير الله، وهو مع هذا متناول لجميع الحيوان.
قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى* الذي خلق فسوى* والذي قدر فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] .
وقال موسى: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] .
فهل يكون كل من جعله الله يعلم ما لم يكن يعلم يكون قد كلمه الله؟
وأيضًا فهذا ليس نظير خطاب الإنسان بلفظه، ولا هذا واسطة في هذا التكليم، بل هذا هو نفس الواسطة.
وهو يثبت أمرين: أحدهما: فعل من الله هو التكليم.
والثاني واسطة أخرى غير الفعل.
وذلك لا يصلح لأمرين: أحدهما: أن الفعل غير المفعول، كما أقر بذلك غير مرة.
وهنا لا يثبت لله فعلًا غير ما حدث في نفس الملهم.
الثاني: أنه ليس هناك واسطة غير هذا الحادث، فنفس كون العبد يعلم هو التكليم عنده، وهو مفعول الحق.
وإذا قدر قبل هذا العلم خلق استعداد في العبد، وإثبات شروط، وإزالة موانع، فتلك هي شروط العلم، كالنظر والاستدلال فيما يحصل بذلك.
وأما قوله: بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه.
فيقال له: هذا اللفظ: إن كان موجودًا في شيء خارج عن المستمع، فهو قول المعتزلة، الذين يقولون: إن الله كلم موسى بكلام مخلوق في غيره.
[ ١٠ / ٢١٠ ]
وهو لم يرد هذا، بل قوله وقول أصحابه شر من هذا.
وإن أراد ما هو مدلول لفظه وقول أصحابه، وهو أنه خلق لفظًا في نفس موسى سمعه موسى من غير أن يكون له وجود في الخارج، فهذا من جنس ما يسمعه النائم في نفس من الأصوات، وما يقع لأرباب الرياضيات من الأصوات التي يسمعونها في أنفسهم.
ولا ريب أن إحداث المعاني العقلية المجردة في نفس الإنسان أكمل من إحداث هذه في نفسه، فيكون تكليمه لموسى أنقص من إيحائه إلى سائر النبيين، والله قد فضل موسى بالتكليم، وعلم ذلك بالضرورة من دين المسلمين واليهود والنصارى.
قال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا* ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٣-١٦٤] .
وقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وقال: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ إلى قوله: ﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف: ١٤٣-١٤٤] .
وقال: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ [مريم: ٥٢] .
[ ١٠ / ٢١١ ]
وقال: ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ [القصص: ٣٠] .
وقال: ﴿هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾ [النازعات: ١٥-١٦] .
وما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها: إما يقظة وإما منامًا، يحصل لآحاد الناس في كثير من الأوقات، وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر من أن يحصى، فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس، فآحاد الناس شركاؤه في هذا، فكيف بالأنبياء، فكيف بالمرسلين؟!.
ومعلوم أن الله خص موسى بالتكليم تخصيصًا لم يشركه فيه: لا نوح، ولا إبراهيم، ولا عيسى، ولا نحوهم من النبيين.
وقوله: إن ذلك الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه بكلامه، وهذا هو كلام حقيقي، وهو الذي خص به موسى كلام باطل، فإن هذا ليس بالتكليم الحقيقي الذي خص به موسى، بل ليس هو التكليم الحقيقي عند أحد من الأمم.
ولا يعقل أحد في التكليم هذا، وإنما هذا من جنس المنامات، وغايته أن يكون من جنس الإيحاء.
والإنسان قد يرى في منامه أن الله خاطبه بكلام كثير يسمعه، فإن كان هذا كلام حقيقي لله، فما أكثر
[ ١٠ / ٢١٢ ]
الكلام الحقيقي لله، وما أكثر تكليمه بكلام حقيقي لآحاد الناس! كما كلم موسى بن عمران النجي المقرب المخصوص بالتكليم.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١]، يقتضي أن التكليم من وراء حجاب نوع غير الوحي، وأن المكلم بذلك محجوب أن يرى الله، لأن التكليم المسموع قد يكون مع رؤية المستمع للمتكلم، وقد يكون مع كونه محجوبًا عنه، بخلاف الوحي، فإنه يقع في قلبه، فلا يحتاج أن يجعل نوعين.
ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان»، فلو كان الكلام المسموع هو شيئًا قائمًا بالمستمع، لا وجود له في الخارج، لكان من جنس الوحي الذي لا يحسن أن يقال معه: من وراء حجاب، فإن صاحب هذا لم يسمع شيئًا منفصلًا عنه، يمكن مشاهدة المتكلم به تارة، وحجب المستمع عنه أخرى.
والكلام على هذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا التنبيه على ما تعرف به الأقوال الموافقة للقرآن والمخالفة له، فإن هذا الباب خاض فيه طوائف من الناس.
وأكثر الناس يسمعون كلام هذا وهذا، ولا يعرفون حقائق الأقوال ومراتبها في القرب من الحق والبعد منه.
[ ١٠ / ٢١٣ ]
تابع كلام ابن رشد عن صفة الكلام ورد ابن تيمية عليه
قال ابن رشد: وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بواسطة البراهين، وبهذه الجهة صح عند العلماء أن القرآن كلام الله.
أعني أن القرآن تضمن براهين عجزت العقول البشرية عنها، فوجب أن يكون فاعلها هو الله.
وفاعل البرهان عند الناظر فيه مقطوع عنده أن فاعل ذلك متكلم.
قلت: هذا بناه على ما تقدم من أن التكليم ليس إلا مجرد الإعلام، فما علمه العالم بالدليل هو من هذا النمط وهذا مما يبين ضلاله، فإنه من المعلوم بالإضرار أن تكليم الله لأنبيائه بالوحي الذي يخصهم أمر لا يحصل للعلماء، ما ذكره في القرآن مضمونه أن القرآن فيه من البراهين ما تعجز عنه العقول، فوجب أن يكون مفعولًا لله على زعمه.
وهو، والمعتزلة، يقولون: إنه مفعول أحدثه في شيء منفصل عن الرسول وعن جبريل، وهؤلاء عندهم لا يكون إحداثه إلا في نفس الرسول أو جبريل، عند من يسلم أن جبريل ملك منفصل عن النبي قائم بنفسه، وهذا لا يقوله إلا من قرب إلى الإسلام منهم، وأئمتهم لا يقولون ذلك، ولا يعرفون جبريل إلا ما في نفس النبي من الخيال أو
[ ١٠ / ٢١٤ ]
العقل الفعال.
فقول المعتزلة خير من قول هؤلاء بكثير.
ويقال له: القرآن إذا تضمن براهين عجزت العقول عنها، فمن أين وجب أن يكون مفعولًا لله؟ وما المانع من أن يكون كلامًا يتكلم الله به؟ هذا لا مانع منه إلا ما يقوله نفاة الصفات، وأنتم قولكم في إثباتها ونفيها متناقض، تثبتونها تارة وتنفونها أخرى، ولا دليل لكم على النفي إلا ما قد عرف فساده، والأدلة اليقينية توجب إثباتها، أو ما يقوله من ينفي أفعاله، وما يقوم به من الأمور التي يختارها ويقدر عليها، كالتكليم مثلًا، وأنتم قد بينتم فساد هذه الحجة التي استدل بها نفاة ذلك.
قال: فقد تبين لك أن القرآن -الذي هو كلام الله- قديم، وأن اللفظ الدال عليه مخلوق له ﷾ لا للبشر.
فيقال له: ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن القرآن -الذي هو كلام الله- قديم، فإن غاية ما ذكرته أن يكون القديم هو العلم، والقرآن ليس هو مجرد العلم: لا حروفه ولا معانيه.
أما حروفه، فظاهر.
وأما معانيه، فإن معاني الكلام نوعان: إنشاء وإخبار.
فأما الإنشاء ففيه الأمر والنهي، المتضمن للطلب أو للإرادة، التي بمعنى المحبة.
ونحو ذلك.
وأما الخبر فهل معناه من جنس العلم، أو حقيقة أخرى غير العلم؟ ففيه قولان معروفان.
فإذا لم يكن في كلامك ما يمكن أن يكون قديمًا غير العلم، لم يكن
[ ١٠ / ٢١٥ ]
معنى القرآن عندك قديمًا، ولكن بعض معناه.
ثم الكلام في تعدد هذه المعاني واتحادها، وتعدد العلم والإرادة واتحاد ذلك لم يتكلم هو فيه، وقد ذكر في غير هذا الموضع.
وكذلك يقال له: ليس فيما ذكرته أن اللفظ الدال عليه مخلوق له سبحانه لا لبشر، فإنك لم تذكر إلا مجرد دعوى: أنه يسمع ألفاظًا في نفسه، ولم تقم دليلًا على ذلك.
ولو قدر أن مثال ذلك يسمى كلام الله، كان قول القائل: إن القرآن من هذا الباب -دعوى تفتقر إلى دليل، وهو لم يذكر دليلًا على ذلك، ولا دليل له إلا ما قد اعترف هو بضعفه، كدليل ابن سينا على نفي الصفات، ودليل المعتزلة والأشعرية على أن ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، أو دليل المعتزلة على نفي الصفات، وهو أضعف من ذلك.
فهذا مجموع ما ذكره، هو وأمثاله في كتبهم، وهي ترجع إلى دليل الحوادث والتعدد والاختصاص، ليس لهم رابع.
ثم يقال له: بتقدير تسليم ما قدمته، قولك في القرآن باطل، وذلك لأنه لا يمكنك أن تقول فيه ما قلته في تكليم موسى، فإن موسى كلمه الله تكليمًا، فزعمت أنت وأمثالك من الملاحدة أن معنى ذلك خلق كلام مسموع في مسامع موسى، كما زعم المعتزلة - الذين هم خير منكم - أن ذلك كلام مسموع خلقه في جسم من الأجسام فسمعه
[ ١٠ / ٢١٦ ]
موسى، وأما القرآن فنزل به جبريل إلى محمد ﷺ، لم يكلم الله به محمدًا بلا واسطة.
وإذا كان جبريل نزل به من الله، وأنتم تقولون ليس هنا جبريل منفصل عن النبي، وإنما جبريل ما يتخيل في نفسه من الصور النورانية التي تخاطبه، وحينئذ فيكون من خلق في نفسه هذه الأصوات ابتداءً قد كلمه الله تكليمًا، ومن خلقت فيه بواسطة هذه الصورة نزل جبريل بها، فيكون ما يحصل لآحاد الناس من الأصوات التي يسمعها في نفسه أعظم من القرآن، وهي بأن تكون كلام الله أحق من القرآن، وتكون التوراة أعظم من القرآن.
وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن جبريل ملك حي متكلم، كان ينزل على النبي ﷺ بالوحي، ليس هو مجرد ما يتخيل في نفسه.
قال تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾ إلى قوله: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ [التكوير: ١٩-٢٣]، فأخبر أنه رسول كريم، ذو قوة عند ذي العرش، وأنه مطاع هناك أمين.
ومن المعلوم أن ما في نفوس البشر من الصور لا يوصف بهذا وقال تعالى: ﴿علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى *
[ ١٠ / ٢١٧ ]
ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ٥-١٨]، فأخبر أن معلمه معلم شديد القوى، وأنه ذو مرة.
والناس قد تنازعوا في المرئي مرتين، فقال ابن مسعود وعائشة وغيرهما: هو جبريل، رآه على صورته التي خلق عليها مرتين، كما ثبت ذلك في الصحيح عنه ﷺ.
وقال ابن عباس وغيره: رأى ربه بفؤاده مرتين.
ومن المعلوم أنه إذا كان المرئي جبريل، وأنه الذي رآه عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأموى، وأنه استوى وهو بالأفق الأعلى -امتنع أن يكون جبريل ما في نفسه.
وإن كان المرئي هو الله، فهو أعظم.
ومن هؤلاء من يقول: جبريل هو العقل الفعال، ويقول: ليس بضنين: أي ببخيل، لأنه فياض.
وهذا جهل، لأن قراءة الأكثرين: بظنين، أي بمتهم.
وهو المناسب، أي ما هو بمتهم على ما غاب عنا، بل هو أمين في إخباره بالغيب.
وإذا قيل: ضنين، بمعنى بخيل، كان ذلك وصفًا له بأنه لا ينجل بعلم الغيب، بل يبين الحق.
ولهذا قال: على الغيب بظنين.
[ ١٠ / ٢١٨ ]
وما يزعمونه من العقل الفعال هو عندهم تفيض منه جميع الأمور المشاهدة، فليس هنا غيب وشهادة.
ثم من المعلوم بالاضرار من دين المسلمين أن جبريل لم يبدع الأرض والجبال، والهواء والسحاب، والحيوان والمعدن والنبات.
وهم يزعمون أن هذا العقل الفعال أبدع كل ما تحت فلك القمر.
وقد بسط الكلام على هذا، وبين أن الملائكة التي وصفها الله في كتابه لا يصح أن تكون هي ما يذكرونه من العقول والنفوس بوجوه كثيرة.
قال: وبهذا باين لفظ القرآن الألفاظ التي ينطق بها في غير القرآن، أعني أن هذه الألفاظ هي فعل لنا بإذن الله.
وألفاظ القرآن هي خلق الله، ومن لم يفهم هذا على هذا الوجه لم يفهم هذه الصورة، ولا فهم كيف يقال في القرآن: إنه كلام الله.
فيقال له: كلا ما يحدثه الله تعالى في نفوس الآدميين من الحروف والأصوات التي يتخيلونها في المنام واليقظة، هي على قولكم بمنزلة القرآن في أنها خلق الله.
ومن المعلوم أن الألفاظ التي يؤلفها الفضلاء خير من أكثر الألفاظ التي يتخيلها أكثر الناس في المنام واليقظة، فأي فضيلة للقرآن بهذا الإعتبار؟!.
قال: ومن نظر إلى اللفظ دون المعنى، قال: إن القرآن
[ ١٠ / ٢١٩ ]
مخلوق.
ومن نظر إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ، قال: إنه غير مخلوق.
والحق هو الجمع بينهما.
قال: والأشعرية قد نفوا أن يكون المتكلم فعل الكلام، لأنهم تخيلوا أنهم إذا سلم، هذا الأصل، وجب أن يعترفوا أن الله فاعل لكلامه، ولما اعتقدوا أن المتكلم هو الذي يقوم الكلام بذاته، ظنوا أنه يلزمهم عن هذين الأصلين أن يكون الله فاعلًا للكلام في ذاته، فتكون ذاته محلًا للحوادث، فقالوا: المتكلم ليس فاعلًا للكلام، وإنما هي صفة قديمة لذاته كالعلم وغير ذلك، وهذا يصدق على كلام النفس، ويكذب على الكلام الذي يدل على ما في النفس، وهو اللفظ.
والمعتزلة لما ظنوا أن الكلام هو ما فعله المتكلم، قالوا: إن الكلام هو اللفظ فقط.
ولهذا قال هؤلاء: إن اللفظ مخلوق.
واللفظ عند هؤلاء من حيث هو فعل، فليس من شرطه أن يقوم بفاعله، والأشعرية تتمسك بأن من شرطه أن يقوم بالمتكلم، وهذا صحيح في الشاهد في الكلامين معًا: أعني كلام النفس، واللفظ الدال عليه.
وأما في الخالق فكلام النفس هو الذي قام به، فأما الدال عليه فلم يقم به سبحانه.
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
والأشعرية لما شرطت بإطلاق أن يكون الكلام قائمًا بالمتكلم، أنكرت أن يكون المتكلم فاعلًا للكلام على الإطلاق، والمعتزلة لما شرطت أن يكون المتكلم فاعلًا للكلام بإطلاق أنكروا كلام النفس.
وفي قول كل واحدة من الطائفتين جزء من الحق وجزء من الباطل، على ما لاح لك من قولنا.
فيقال له: ليس فيما ذكرته قول الأشعرية ولا قول المعتزلة ولا جمعًا بينهما وبل هو قول المتفلسفة والصابئة، الذين هم شر من اليهود والنصارى.
وذلك أن المعتزلة، وإن قالت: إن الكلام مفعول للرب، فإنها لا تجعلها محدثًا في نفس المتكلم، بل يقولون: إنه مفعول في جسم منفصل عن المستمع، وهو آية من آيات الله التي يخلقها، ومن قال بقولك كفرته المعتزلة.
وأما الأشعرية فهم، وإن قالوا: إنه معنى قائم بنفس المتكلم، فلا يجعلونه مجرد العلم، بل الكلام عندهم صفة ليست هي العلم ولا الإرادة، والكلام يكون خبرًا ويكون أمرًا.
والناس وإن خالفوهم في هذا المعنى، وقالوا لا يعقل إلا العلم
[ ١٠ / ٢٢١ ]
والإرادة، وضايقوهم في جعل المعنى الواحد يكون أمرًا وخبرًا، حتى احتاج بعضهم إلى أن جعل الكلام كله بمعنى الخبر، والخبر مع المخبر كالعلم مع المعلوم، وقد يضطرون إلى أن يفسروا معنى الخبر بالعلم لعدم الفرق -فهذه لوازم المذهب الذي قد يستدل بها، إن كانت لازمة، على فساده، وليس كل من قال قولًا يلتزم بوازمه.
والناس لهم في الكلام ثلاثة أقوال: هل هو اسم اللفظ والمعنى جميعًا؟ كما هو قول الأكثرين، أم للفظ فقد بشرط دلالته على المعنى؟ كقول المعتزلة وكثير من غيرهم، أو للمعنى المدلول عليه باللفظ، كقول الكلابية؟ ومن متأخريهم من جعله مشتركًا بينهما اشتراكًا لفظيًا.
وأما المتكلم ففيه أيضًا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من فعل الكلام، ولو في غيره، كما يقوله المعتزلة.
والثاني: من قام به الكلام، وإن لم يفعله، ولم يكن مقدورًا مرادًا له، كما يقوله الكلابيه.
والثالث: من جمع الوصفين، فقام به الكلام وكان قادرًا عليه.
ولا ريب أن جمهور الأمم يقولون: لا يكون متكلمًا إلا من قام به الكلام، كما لا يكون متحركًا إلا من قامت به الحركة، ولا عالمًا إلا من قام به العلم، ونحو ذلك.
لكن الكلابية اعتقدوا أنه لا تقوم به الحوادث، فامتنع لهذا عندهم أن يكون الكلام مقدورًا له مرادًا.
قالوا: لأن المقدور المراد حادث لا يكون صفة لازمة له.
وأنت قد بينت فساد هذا الأصل، فكان يلزمك على أصلك أن تجوز قيام ذلك به، فإنه لا دليل لك على نفيه، إلا ما تنفى به سائر
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
الصفات.
وأنت تعترف بأن حدوث الحوادث بدون ذلك مما يتعرى ويتعذر بعقله.
وكذلك ما ذكرته عن المعتزلة من أن اللفظ عندهم فعل، وليس من شرطه أن يقوم بفاعله، وأنت مقر بالفرق بين الفعل والمفعول، وأنه لا يعقل مفعول بدون فعل.
وهذا مما أوردته على أبي حامد في تهافت التهافت، وقلت: إن حدوث العالم بدون إحداث يكون هو فعل والحادث هو المفعول محال.
وقد أبطلت أصل المعتزلة في أن ما تقوم به الحوادث فهو حادث، فكان يلزمك أن تثبت فعلًا قائمًا بالفاعل: إما قديمًا، وإما حادثًا، ويكون الكلام قائمًا بالمتكلم، وهو فعل له.
فكيف وأنت وأصحابك لم تثبتوا كلامًا لله إلا ما كان في نفوس البشر؟ فالمعتزلة خير منكم.
وإذا قلت: نحن نثبت المعنى أنه قديم بخلاف المعتزلة.
قيل لك: المعتزلة أيضًا تقر بأن الله عليم بكل شيء، أعظم مما تقرون أنتم به.
والمعتزلة لا تنكر هذا المعنى، وهم، وإن كانوا متناقضين في إثبات الصفات ونفيها، فلا ريب أن قولهم أقرب إلى إثبات الصفات من قول أصحابك.
فما جعلته أنت قديمًا يمكنهم جعله قديمًا.
وأعظم ما شنع الناس به في الصفات على المعتزلة قول رئيسهم أبي الهذيل، قوله: إن الله عالم بعلم هو ذاته.
وليست ذاته علمًا.
وأنت تقول: إن العلم هو العالم، بل تقولون: إن العلم والعالم
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
والمعلوم، والعشق والعاشق والمعشوق، والعقل والعاقل والمعقول -شيء واحد.
فقولكم أشد نفيًا وتناقضًا من قولهم، وهم إلى إطلاق القول بأن معنى القرآن قديم ولفظه مخلوق أقرب منكم، فما في قولهم من باطل إلا وفي قولكم أفسد منه، ولا في قولكم حق إلا وفي قولهم أكمل منه.
كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن صفتي السمع والبصر ورد ابن تيمية
قال ابن رشد: وأما صفة السمع والبصر فإنما أثبتهما الشرع لله ﵎ من قبل أن السمع والبصر يختصان بمعان مدركة في الموجودات، ليس يدركها العقل.
ولما كان الصانع من شرطه أن يكون مدركًا لكل ما في المصنوع، وجب أن يكون له هذان الإدراكان، فواجب أن يكون عالمًا بمدركان البصر، وعالمًا بمدركات السمع، إذ هي مصنوعات له، وهذه كلها منبهة على وجودها للخالق سبحانه في الشرع، من جهة تنبيهه على وجوب العلم به.
وبالجملة، فما يدل عليه اسم الإله واسم المعبود يقتضي أن يكون مدركًا لجميع الإدراكات، لأنه من العبث أن يعبد الإنسان ما لا يدرك أنه عابد له.
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
كما قال تعالى: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ [مريم: ٤٢] .
وقال: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ [الأنبياء: ٦٦] .
فهذا القدر، مما يوصف الله به ويسمى به، هو القدر الذي قصد الشرع أن يعلمه الجمهور، لا غير ذلك.
قلت: السمع والبصر ليسا مجرد علم بالمسموع والمرئي، وإن استلزما ذلك، على ما هو المعروف من قول أئمة السنة.
والقصد الذي عرفه الشرع أكثر من هذه الصفات.
ولكن لما أراد صاحب هذا الكلام أن يبين الطرق الشرعية لإثبات ما أثبته المتكلمون من الصفات، تبعهم في هذا.
رد ابن رشد على أقوال الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الصفات ورد ابن تيمية
قال: ومن البدع التي حدثت في هذا الباب سؤال في الصفات: هل هي الذات أو زائدة على الذات؟ ثم هل هي صفة نفسية أو صفة معنوية؟.
ويعني بالنفسية التي توصف بها الذات لنفسها، لا لقيام معنى
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
فيها زائد على الذات، مثل قولنا: واحد قديم.
والمعنوية التي توصف بها الذات لقيام معنى فيها، فإن الأشعرية يقولون: إن هذه الصفات هي صفات معنوية، وإنها زائدة على الذات، فيقولون: إنه عالم بعلم زائد على ذاته، وحي بحياة زائدة على ذاته، كالحال في الشاهد.
ويلزمهم على هذا أن يكون الخالق جسمًا، لأنه يكون هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول، وهذه هي حال الجسم.
وذلك أن الذات لا بد أن يقولوا: إنها قائمة بذاتها، والصفات قائمة بها، أو يقولوا: إن كل واحد منها قائم بنفسه، أو يقولوا: إن الذات تقوم بالصفات، فإن قالوا: إن كل واحد منهما قائم بنفسه، فالآلهة كثيرة.
وهذا قول النصارى الذين زعموا أن الأقاليم ثلاثة: أقنوم الوجود والحياة والعلم.
وقد قال تعالى في هؤلاء: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٢]، وإن قالوا: أحدهما قائم بنفسه، والآخر قائم
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
به، فقد أوجبوا أن يكون جوهرًا وعرضًا، لأن الجوهر هو القائم بذاته، والعرض هو القائم بغيره، والمؤلف من جوهر وعرض جسم ضرورة.
وكذلك قول المعتزلة في هذا الجواب.
أن الذات والصفات شيء واحد هو أمر بعيد من المعارف الأول، بل يظن أنه مضاد لها، وذلك أنه يظن أن من المعارف الأول أن العلم يجب أن يكون غير العالم، وأنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم، إلا لو جاز أن يكون أحد المتضايفين، مثل أن يكون الأب والابن معًا واحدًا بعينه، فهذا تعليم بعيد عن أفهام الجمهور، والتصريح به بدعة، وهو أن يضلل الجمهور أحرى منه أن يرشدهم.
وليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول سبحانه، إذ ليس عندهم برهان، ولا عند المتكلمين على الجسمية أو نفي الجسمية عنه برهان، فإن نفي الجسمية عنه انبنى على وجوب الحدوث للجسم بما هو جسم.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
وقال: وقد بينا في صدر هذا الكتاب أنه ليس عندهم برهان على ذلك، وأن الذين عندهم برهان على ذلك هم العلماء.
ومن هذا الموضع زل النصارى، وذلك أنهم اعتقدوا كثرة الأوصاف، واعتقدوا أنها جواهر لا قائمة بغيرها، بل قائمة بنفسها كالذات، واعتقدوا أن الصفات التي بهذه الحال هما صفتان: العلم، والحياة.
قالوا: فالإله واحد من جهة، ثلاثة من جهة، يريدون أنه ثلاثة من جهة أنه موجود وحي وعالم، وواحد من جهة أن مجموعها شيء واحد.
فهنا ثلاثة مذاهب: مذهب من رأى أنه نفس الذات ولا كثرة هنالك.
مذهب من رأى الكثرة، وهؤلاء قسمان: منهم من جعل الكثرة كثرةً قائمةً بذاتها.
ومنهم من جعلها كثرةً قائمةً بغيرها.
وهذا كله بعيد عن مقصد الشرع.
وإذا كان هذا هكذا، فالذي ينبغي أن يعلم الجمهور من أمر هذه الصفات هو ما صرح به الشرع فقط، وهو الاعتراف بوجودها دون
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
تفصيل الأمر فيها، فإنه ليس يمكن عند الجمهور أن يحصل في هذا يقين أصلًا.
وأعني هنا بالجمهور كل من لم يعن بالصنائع البرهانية.
وسواء كان قد حصلت له صناعة الكلام أو لم تحصل له، فإنه ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على هذا القدر من المعرفة، إذ أعلى مراتب صناعة الكلام أن يكون حكمة جدلية لا برهانية، وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا.
فقد تبين من هذا القول القدر الذي صرح به للجمهور من المعرفة في هذا، والطرق التي سلكت بهم في ذلك، وأن الطرق التي سلكوا بالناس في هذه الأشياء، وزعموا أنها من أصل الشرع، ليست من أصل الشرع، بل هي مسكوت عنها في الشرع.
قلت: مقصود بهذا الكلام يبين أن طرق إخوانه الفلاسفة في نفي الصفات هي البرهانية، دون طرق غيرهم.
وليس الأمر كما زعمه، بل ما سلكه إخونه في نفي الصفات أضعف بكثير مما سلكه المعتزلة، مع أن
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
كليهما فاسد، كما قد بين في موضعه.
وقول القائل: إن الشرع لم يصرح بإثبات الصفات من أبين الخطأ، فإن الله تعالى قال: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿أنزله بعلمه﴾ [النساء: ١٦٦] .
وقال: ﴿فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ [هود: ١٤] .
وقال: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فاطر: ١١]، [فصلت: ٤٧] في موضعين.
وقال: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] .
وقال: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ [فصلت: ١٥] .
وقال: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] .
وفي الحديث الصحيح: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» .
وقال تعالى عن الملائكة: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾ [غافر: ٧] .
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
وقال: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦] .
وقال: ﴿وسع كل شيء علما﴾ [طه: ٩٨]، وقال: ﴿ولتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩]، وأمثال ذلك في الكتاب والسنة كثير.
ومن المعلوم بالضرورة أن العلم ليس هو نفس العالم، والمضاف هنا ليس هو المضاف إليه، وأن أسماء الله الحسنى، مثل: العليم، والحي، والقدير، والرحيم، ونحو ذلك- هي، وإن كانت أسماء لله تدل على نفسه المقدسة، فليس ما دل عليه الحي من الحيوة، هو ما دل عليه عليم من العلم، وما دل عليه قدير من القدرة، وما دل عليه رحيم من الرحة.
فمن قال: إن هذه الأسماء الحسنى لا تدل على هذه المعاني، فهو مكابر للغة التي نزل بها القرآن، فإن الأسماء التي تسميها النحاة: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المعدولة عنها كفعيل وغيره -هي أسماء مشتقة تتضمن المصادر، بخلاف: رجل، وفرس.
ومن جعل العالم لا يدل على علم، والقادر لا يدل على القدرة، فهو بمنزلة من قال: المصلي لا يدل على الصلاة، والقائم لا يدل على القيام، والصائم لا يدل على الصيام، وأمثال ذلك.
وأما سؤال السائل: إن هذه الصفات: هل هي الذات أو غيرها؟ وهل هي الذات أو زائدة عليها؟.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
فالجواب المرضي عند الأئمة: أن لا يطلق القول بأنها هي الذات ولا بأنها غيرها، ولا بأنها الذات ولا بأنها زائدة عليها، ولا ينفي الأمران، فيقال: لا هي الذات ولا غيرها، حتى يكون قسمًا ثالثًا، ليست هي الذات ولا هي غيرها.
فإن هذا يقوله طائفة من متكلمة الصفاتية، من أصحاب أحمد وغيره، كما يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري.
والصوب المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة: أنه لا يطلق لا هذا ولا هذا، لأن لفظ الغير فيه إجمال واشتراك.
فقد يراد بالغيرين ما جاز مفارقة أحدهما أحأالآخر، أو مباينته له، فلا تكون الصفة اللازمة للموصوف غيرًا له.
وقد يراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر، فيكون غيرًا له.
وكذلك لفظ: الزيادة على الذات، فإن الذات يراد بها الذات المجردة عن الصفات، فالصفات زائدة على هذا الذات.
لكن هذه الذات عند أهل الإثبات لا حقيقة لها في الخارج، وإنما تقدر في الذهن تقديرًا، وإنما يعتقد ثبوتها في الخارج نفاة الصفات.
فالمثبتون إذا قالوا: الصفات زائدة على الذات، لم يقولوا: إن في الخارج ذاتًا مجردة تزاد عليها الصفات، بل أثبتوا الصفات زائدة على ما أثبته النفاة، فزادوا عليها في الإثبات.
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
وقد يراد بالذات نفس الله سبحانه، وصفاته داخلة في مسمى أسمائه، ليست زائدة على مسمى أسمائه الحسنى.
ولا يمكن وجود ذات غيره مجردة عن الصفات، حتى يقال: إن صفاته زائدة عليها، فضلًا عن وجوده سبحانه مجردًا عن صفات الكمال كلها.
وصفاته اللازمة له كلها نفسية، بمعنى أنها داخلة في مسمى أسمائه، لا يفتقر إلى أمور مباينة له، وهي لازمة لنفسه لا يوجد بدونها، ولا يمكن وجوده منفكًا عنها.
وإذا قيل: هو عالم بعلم، قادر بقدرة، فليس هناك حقيقة قائمة بنفسها يمكن وجودها بدون العلم والقدرة، بل لا يمكن أن تكون إلا عالمةً قادرة، وإن كنا نحن قد نعلم وجودها قبل أن نعلم أنها عالمة.
وما ذكره من التمثيل بالواحد والقديم فيه نزاع، فإن الصفاتية متنازعون في القديم والباقي: هل هو قديم باق ببقاء، كما يقوله ابن كلاب؟ أو قديم بنفسه باق ببقاء، كما يقوله الأشعري، ومن وافقه كأبي علي بن أبي موسى؟ أو قديم بنفسه باق بنفسه، كما يقوله القاضي أبو بكر ومن وافقه، كالقاضي أبي يعلى؟.
وأما أن الأشعرية يقولون في العلم ونحوه: إن هذه الصفات هي صفات معنوية، وإنها زائدة على الذات.
فيقال: مقصودهم في الأصل إثبات هذه الصفات، وإبطال قول: من قال عالم بلا علم، وقادر بلا قدرة.
أو قال: إن ذاته علم وقدرة.
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
والأشعرية هم في إثبات هذه الصفات، مع سائر أهل السنة، والجماعة، لم ينازعهم في إثبات الصفات إلا من هو -عند السلف والأئمة- من أعظم الناس ضلالًا، كالجهمية والمعتزلة.
وإذا قالوا: هو عالم بالعلم، وقادر بالقدرة، لم يريدوا بذلك أن هنا ذاتًا منفصلة عنه، صار بها عالمًا قادرًا، كما يظنه بعض الغالطين عليهم، فإن هذا لم يقله أحد من عقلاء بني آدم فيما نعلم، ولكن بعضهم، وهم مثبتة الحال، كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما، يقولون: إن له صفة هي العلم أوجبت كونه عالمًا، وكونه عالمًا حال معللة بالعلم.
وأما جمهورهم، وهم نفاة الحال، فيقولون: علمه هو كونه عالمًا، وقدرته هو كونه قادرًا، ليس هناك أمران، ولا علة ولا معلول.
وهذا قول الأكثرين: الأشعري وغيره.
والمنازع لهم من المعتزلة والفلاسفة يقر بما يوجب موافقتهم، فإنهم يقرون بأن كونه عالمًا ليس هو كونه قادرًا.
وهذا معنى العلم والقدرة عند أولئك، كما قد بسط في موضعه.
فالنفاة للصفات، من المعتزلة وغيرهم، يقولون: إنه عالم وإنه قادر.
ومنهم من يثبت العالمية والقادرية، ويسمي ذلك حالًا.
وهذا يستلزم عند التحقيق قول مثبتة الصفات.
وكذلك الفلاسفة قولهم يستلزم قول مثبتة الصفات، وإن نفوها تناقضوا.
وأما إطلاق المطلق لفظ الزيادة على الذات، فقد تقدم أن هذا الإطلاق كإطلاق المطلق: أن الصفات لا هي الذات ولا هي غيرها.
وهذا يطلقه هؤلاء وغيرهم.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
وأئمة السلف، وابن كلاب، وأمثاله من أئمة الأشعرية، لا يطلقون لا هذا ولا هذا.
وكانوا إذا قالا للسلف: القرآن هو الله أو غير الله؟ لم يطلق الأئمة لا هذا ولا هذا، لما في إطلاق كل منهما من إبهام معنى فاسد، وليس ذلك إثباتًا لقسم ثالث، ليس هو الموصوف ولا غيره، بل يفصل اللفظ المجمل، كما فعل السلف نظير ذلك في لفظ الحيز وأمثاله.
وأما قولهم: يلزم الأشعرية على هذا أن يكون الخالق جسمًا، لأنه يكون هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول.
فيقال له: وهكذا يلزم من قال: إنها عالم قادر.
ومن قال: إنه يعلم ويقدر.
فمن أثبت لله الأسماء الحسنى وأحكامها، لزمه ما يلزم من أثبت الصفات.
فالاسم المشتق يدل على المصدر وعلى الفعل، وخبر المخبر بذلك وحكمه يقتضي ثبوت ذلك في نفس الأمر.
ويقال له: كل ما تلزم به الأشعرية وأمثالهم في إثبات الصفات، يلزمونك إياها في كل ما نفيته.
فإذا قلت: الموصوف بالصفة لا يكون إلا جسمًا.
قالوا: والمسمى بالحي العالم القادر لا يكون إلا جسمًا، والمخبر عنه بأنه يعلم ويقدر لا يكون إلا جسمًا، والموصوف يقول القائل: هو عالم قادر لا يكون إلا جسمًا.
فإن أمكنك أن تثبت هذا لغير جسم، أمكنهم ذلك.
وإن لم يمكنهم لم يمكنك.
فهذا السؤال لازم لجميع الناس كما يلزم الأشعرية وغيرهم.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
وأيضًا فهذا إلزام جدلي لا علمي.
وذلك أن نفاة الجسم من أهل الكلام، كالمعتزلة والأشعرية، يقولون: إنما نفيناه للدليل الدال على حدوث الجسم، وأنت قد بينت أنه دليل باطل، ونحن أثبتنا الصفات مع ذلك.
فإذا قلت: الجمع بينهما خطأ، فإن إثبات الصفات يستلزم التجسيم.
قالوا لك: ليس خطؤنا في إثبات الصفات بأولى من خطأنا في نفي التجسيم.
بل أنت تقول: إنا مخطئون في نفي التجسيم.
ولم تقم دليلًا على خطأنا في نفي الصفات.
فإن كنا مخطئين في نفي التجسيم عينًا، لزم إثبات الصفات بلا محذور.
وإن قدر الخطأ في أحدهما بغير تعيين، لم يتعين الخطأ في نفي الصفات إلا بدليل.
وأيضًا فأنت تقول: إن الشرع لم يصرح بنفي التجسيم، وإن التصريح به بدعة.
والشرع قد صرح بإثبات الصفات، فكيف تعيبنا بإثبات ما أثبته الشرع، لكونه مستلزمًا لإثبات ما لم ينفه الشرع؟.
ومن المعلوم أن الشرع إذا أثبت شيئًا له لوازم، لم يكن إثبات ذلك بدعة.
وتلك اللوازم، إن كانت ثابتة في نفس الأمر، فلازم الحق حق.
وإن لم تكن لازمة، فلا محذور.
فإن قيل: أنا أقيم دليلًا عقليًا على نفي الجسم غير دليلكم.
كان لهم عن ذلك أجوبة: أحدها: أن يقولوا: فأنت قد أثبت أنه عالم قادر، فإن أمكنك مع ذلك أن تقول: إنه ليس بجسم، أمكنا أن
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
نقول: عالم بعلم، قادر بقدرة، وليس بجسم.
وإن لم يمكنك هذا استوينا نحن وأنت.
ففي الجملة ورود هذا السؤال علينا ورود واحد.
الثاني: أن يقولوا: دليلنا على نفي الجسم أقوى من دليلك، كما بين ذلك الغزالي وغيره، وبينوا أن الفلاسفة عاجزون على إقامة الدليل على أنه ليس بجسم.
الثالث: أن يقولوا: أدلة إثبات الصفات أقوى من أدلة نفي الجسم، فإن أمكن الجمع بينهما، وإلا لم يجز نفي ما هو معلوم ثابت، خوفًا من لزوم ما ليس دليل انتفائه كدليل ثبوت ذلك، فكيف إذا كانت أدلة النفي باطلة، وأدلة الإثبات للصفات ولوازمها حق لا محيد عنه؟.
وأما التقسيم الذي ذكرته، فلا ريب أن أهل الإثبات لا يقولون: إن الصفات قائمة بنفسها، بل هي قائمة بالموصوف.
وأما ما ذكره عن النصارى، فليس هذا موضع بسطه، فإن قول النصارى مضطرب متناقض، فإنهم لا يثبتون ثلاثة جواهر قائمة بأنفسها، ولا يجعلون الأقانيم كالصفة من كل وجه، فإنهم يقولون: المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة، فإن جعلوا الكلمة هي الذات الموصوفة، لزم أن يكون المسيح هو الأب، وهم ينكرون ذلك.
وإن جعلوه صفة الذات لزمهم أن لا يكون المسيح إلهًا خالقًا رازقًا، لأن الصفة ليست إلهًا خالقًا رازقًا.
وأيضًا فالصفة لا تفارق الموصوف.
وهم يقولون: المسيح إله حق، من إله حق، من جوهر أبيه.
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
وأما استدلاله بقوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٢]، فهذا يسلكه طائفة من الناس، ويقولون قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ [المائدة: ١٧]، إشارة إلى أحد أقوالهم الثلاثة، وهو قول اليعاقبة القائلين بأن اللاهوت والناسوت صارا جوهرًا واحدًا، كالماء واللبن.
وقوله: ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، إشارة إلى قول الملكية.
وقوله: ﴿ثالث ثلاثة﴾ إشارة إلى قول النسطورية الذين يقولون بالحلول، وهو قولهم بالأقانيم الثلاثة.
وليس الأمر كما قال هؤلاء، بل ما ذكره الله تعالى هو قول النصارى جملة.
فإنهم يقولون: إنه الله باعتبار، وإنه ابن الله باعتبار آخر.
وقوله: ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ بدليل: المراد به قوله: ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]، فعبدوا معه المسيح وأمه، فصار ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار.
وأما قوله عن الأشعرية: إذا قالوا الموصوف قائم بنفسه، والصفة قائمة به، فقد أوجبوا جوهرًا وعرضًا -فهذا من جنس إلزامه لهم أن يكون جسمًا.
فيقولون له: هذا يلزمك إذا قلت: هو حي عالم قادر، فإن الحي العالم القادر قائم بذاته، فإن كان كل قائم بذاته جوهرًا، فهو جوهر، وإلا بطل إلزامك.
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
وإيضًا فلو لو يوصف بذلك، لكان في نفس الأمر إما قائمًا بنفسه، وإما قائمًا بغيره، إذ فرض موجود ليس قائمًا بنفسه ولا بغيره ممتنع.
فإن كان كل قائم بنفسه ولا بغيره ممتنع فإن كان كل قائم بنفسه هو جوهر، لزمك أن يكون جوهرًا.
ثم يقال: من المعلوم أن للناس في مسمى الجوهر والعرض اصطلاحات.
منهم من يسمى كل قائم بنفسه جوهرًا، كما يقول ذلك طوائف من المسلمين والنصارى والفلاسفة.
وهؤلاء يسمونه جوهرًا.
ومنهم من لا يطلق الجوهر إلا على المتحيز، ويقول: إنه ليس بمتحيز، فلا يكون جوهرًا، كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي المسلمين واليهود والفلاسفة.
ومن الفلاسفة من يقول بإثبات جواهر غير متحيزة، لكن يقول: الجوهر هو ما إذا وجد وجد لا في موضوع، وهذا لا يصلح إلا لما يجوز وجوده، لا لما يجب وجوده.
وبالجملة فالنزاع في هذا الباب لفظي، ليس هو معنى عقليًا.
والشريعة لم تتعرض لهذا الاسم وأمثاله، لا بنفي ولا بإثبات، فليس له في الشريعة ذكر، حتى يحتاج أن ينظر في معناه.
والنظر العقلي إنما يكون في المعاني لا في مجرد الاصطلاحات، فلم يبق فيه بحث علمي: لا شرعي ولا عقلي.
وهذا لم يذكر دليلًا عقليًا على نفي الجوهر، فصار قد ألزمهم لوازم، ولم يذكر دليلًا على بطلانها.
فيجيبونه بالجواب المركب، وهو أن هذا إما أن يكون لازمًا لإثبات
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
الصفات، أو ليس بلازم.
فإن لم يكن لازمًا، بطلت المقدمة الأولى.
وإن كان لازمًا، منعت المقدمة الثانية، فإن لازم الحق حق..
وليس التزام مسمى هذا الاسم أبعد في الشرع والعقل من نفي الصفات، بل نفي الصفات أبعد في الشرع والنقل من إثبات مسمى هذا الاسم، فلا يجوز التزام نفي الصفات، الذي فيه مناقضة الأدلة الشرعية والعقلية، حذرًا من التزام مسمى هذا الاسم، الذي لا يقوم على نفيه من الدليل شيء من أدلة إثبات الصفات، مع أنه لم يذكر على ذلك دليلًا أصلًا، وهو قد بين فساد أدلة النفاة لذلك من أهل الكلام.
وأما قول القائل: الذات والصفات شيء واحد فإن أراد به أن الصفات ليست مباينة للموصوف، فصحيح.
وإن أراد أن نفس الذات هي نفس الصفات، فهذه مكابرة.
وهذا القائل.
وإخوانه، يقولون بذلك، وقد صرح هو بأن العلم نفس العالم، وهذا غاية المناقضة لصريح المعقول.
وقوله: إنه بعيد من المعارف الأول، أنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم فهذا قاله بناءً على ما يراه أن هذا حق في نفس الأمر.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
والصواب أن هذا ممتنع في صريح العقل، معلوم علمًا يقينيًا أن العلم ليس هو نفس العالم، ومن قال هذا فقد أتى بغاية السفسطة، وجحد العلم الضروري.
وأما قوله: ليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول -وهو أن تكون الذات والصفات شيئًا واحدًا- ولا عند المتكلمين برهان على نفي الجسمية، وإنما برهان ذلك عند العلماء الذين هم الفلاسفة عنده.
فيقال: لا ريب عند كل من له عقل أن ما يذكره الفلاسفة في نفي ذلك أفسد في العقل الصريح مما يذكره المتكلمون.
وأنت قد أفسدت طريقة ابن سينا، ولم تعتمد في ذلك إلا على إثبات النفس، وهو أنها ليست بجسم، فيلزم أن يكون الباري كذلك.
ومن المعلوم أن الأدلة النافية لهذا عن النفس: إن كانت صحيحة، فهي على نفي ذلك عن الرب أولى، وإن لم تكن صحيحة بطل قولك.
ومن المعلوم أن أدلة نفي الجسم عن النفس أضعف بكثير من نفي ذلك عن واجب الوجود.
فكيف يكون الأضعف حجة على الأقوى؟!.
وقد تكلم على فساد.
ما ذكروه في النفس في غير هذا الموضع.
وأما ما ذكره من أنه لا يمكن أن يكون بهذا النفي يقين إلا عند من عني بالصناعة البرهانية -يعني طريقته الفلسفية- وقوله: إن صناعة الكلام جدلية لا برهانية.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
فهذا كما يقال في المثل السائر: رمتني بدائها وانسلت، ولا يستريب عاقل نظر في كلام الفلاسفة في الإلهيات، ونظر في كلام أي صنف قدر من أصناف اليهود والنصارى فضلًا عن أصناف المتكلمين من المسلمين، أن ما يقوله هؤلاء في الإلهيات أكمل وأصح في العقل مما يقوله المتفلسفة، وأن ما يقولونه في الإلهيات قليل جدًا، وهو مع قلته فأدلة المتكلمين خير من أدلتهم بكثير.
وهذه طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وصفاته، لا تفيده إلا ما لا نزاع فيه، وهو وجود واجب الوجود.
وأما كونه مغايرًا للأفلاك، فإنما بناه على نفي الصفات، وهو مع فساده فدليلهم على نفيه أضعف من دليل المعتزلة.
فهم مع مشاركتهم للمعتزلة في النفي، لا يستدلون إلا بما هو أضعف من دليلهم.
وأما هذا الرجل فإنه تارة يأخذ طريقة متلقاة من الشرع، وتارة طريقة متلقاة عن المتكلمين، وتارة يقول ما يظن أنه قول الفلاسفة، لم يحك عن الفلاسفة في الإلهيات طريقة إقناعية، فضلًا عن طريقة برهانية.
وإذا قدر أنه عنى بالبرهان القياس العقلي المنطقي، فمن المعلوم أن صورة القياس لا تفيد العلم بمواده.
والبرهان إنما يكون برهانه بمواده اليقينية، وإلا فصورته أمر سهل بقدر عليه عامة الناس.
وأهل الكلام لا ينازعون في الصورة الصحيحة.
وهب أن الإنسان عنده ميزان، فإذا لم يكن معه ما يزن به، كان من معه مال لم يزنه،
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
أعني من هذا.
هذا بتقدير أن يكون ما ذكروه في المنطق صحيحًا، فكيف وفيه من الفساد والتناقض ما هو مذكور في موضعه؟.
كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن التنزيه ورد ابن تيمية عليه
قال: الفصل الرابع: في معرفة التنزيه.
قال: وإذ قد تقرر من هذه المناهج التي سلكها الشرع في تعليم الناس: أولًا: وجود الباري سبحانه، والطرق التي سلكها في نفي الشريك عنه ثانيًا، والتي سلكها ثالثًا في معرفة صفاته، والقدر الذي صرح به من ذلك في جنس جنس من هذه الأجناس، وهو القدر الذي إذا زيد فيه أو نقص أو حرف أو أول، لم تحصل به السعادة المشتركة للجميع، فقد بقي علينا أن نعرف أية الطرق التي سلكها بالناس في تنزيه الخالق سبحانه عن النقائص، ومقدار ما صرح به من ذلك، والسبب الذي من قبله اقتصر بهم على ذلك المقدار.
ثم نذكر بعد ذلك الطرق التي سلك بالناس في معرفة
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
أفعاله، والقدر الذي سلك بهم من ذلك، فإذا تم لنا ذلك فقد استوفينا غرضنا الذي قصدناه.
قال: فنقول: أما معرفة هذا الجنس الذي هو التنزيه والتقديس، فقد صرح به أيضًا في غير ما آية من الكتاب العزيز، فأبينها في ذلك وأتمها قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧] .
والآية الأولى هي نتيجة هذه والثانية برهان، أعني أن قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧]، هو برهان قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وذلك أنه من المغروز في فطر الجميع أن الخالق يجب أن يكون: إما على غير صفة الذي لا يخلق شيئًا، أو على صفة غير شبيهة بصفة الذي لا يخلق شيئًا، وإلا كان من يخلق ليس
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
بخالق فإذا أضيف إلى هذا الأصل أن المخلوق ليس بخالق يلزم من ذلك أن تكون صفات المخلوق: إما منتفية عن الخالق، أو موجودة فيه على غير الجهة التي هي عليها في المخلوق.
قلت: صفات النقص يجب تنزيهه عنها مطلقًا، وصفات الكمال تثبت له على وجه لا يماثله فيها مخلوق.
قال: وإنما قلنا على غير الجهة، لأن من الصفات التي في الخالق صفات استدللنا على وجودها بالصفات التي هي لأشرف المخلوقات هنا، وهو الإنسان، مثل إثبات العلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام وغير ذلك.
قال: وهذا معنى قوله ﵇: إن الله خلق آدم على صورته.
قال: وإذا تقرر أن الشرع قد صرح بنفس المماثلة بين الخالق والمخلوق، وصرح بالبرهان الموجب لذلك، وكان نفي المماثلة يفهم منه
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
شيئان: أحدهما: أن يعدم الخالق كثيرًا من صفات المخلوق، والثاني: أن توجد فيه صفات المخلوق على وجه أتم وأفضل بما لا يتناهى في العقل، فلينظر ما صرح به الشرع من هذين الصنفين، وما سكت عنه، وما السبب الحكمي في سكوته.
قلت: ونفي المماثلة قد يتضمن إثبات صفات الكمال للخالق، لا يثبت للمخلوق منها شيء، فكما أن في صفات المخلوق ما لا يثبت للخالق، فكذلك في صفات الخالق ما لا يثبت للمخلوق.
لكن هذا الضرب لا يمكن الناس معرفته في الدنيا، فلهذا لم يذكر.
قال: فنقول: أما ما صرح به الشرع من نفي صفات المخلوق عنه، فما كان ظاهرًا من أمره أنه من صفات النقائص، فمنها الموت، كما قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨] .
ومنها النوم وما دونه مما يقتضي الغفلة والسهو عن الإدراكات والحفظ للموجودات، وذلك مصرح به في قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
ومنها النسيان والخطأ، كما قال تعالى: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢] .
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
والوقوف على انتقاء هذه النقائض هو قريب من العلم الضروري.
وذلك أن ما كان قريبًا من هذه من العلم الضروري، فهو الذي صرح الشرع بنفيه عنه ﷾، وأما ما كان بعيدًا من المعارف الأولى الضرورية، فإنما نبه عليه بأن عرف أنه من علم الأقل من الناس، كما قال في غير ما آية من الكتاب العزيز: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠]: مثل قوله: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧] .
ومثل قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠] .
قال: فإن قيل: فما الدليل على انتفاء هذه النقائض عنه، أعني: الدليل الشرعي؟ قلنا: الدليل عليه ما يظهر من أن
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
الموجودات محفوظة لا يتخللها اختلال ولا فساد، ولو كان الخالق يدركه خطأ أو غفلة، أو سهو أو نسيان لاختلت الموجودات.
وقد نبه سبحانه على هذا المعنى في غير ما آية من كتابه.
فقال تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾ [فاطر: ٤١]، قال تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
قال: فإن قيل: فما تقولون في صفة الجسمية: هل هي من الصفات التي صرح الشرع بنفيها عن الخالق تعالى؟ أم هي من المسكوت عنها؟ أو أنه لم يصرح بنفيها ولا إثباتها، ولكن صرح بأمور تلزم -يعني الجسمية في بادي الرأي منها- فنقول: إنه من البين من أمر هذه الصفة أنها من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها، وذلك أن الشرع
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
قد صرح بالوجه واليدين في غير آية من كتابه، وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي له من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق، كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات، التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق، إلا أنها في الخالق أتم وجودًا.
ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق أنه جسم لا يشبه الأجسام، وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم.
وهؤلاء أيضًا قد ضلوا إذ صرحوا بما ليس حقًا في نفسه، وما يوهم أيضًا التشابه بين الخالق والمخلوق.
وإنما صرح الشرع بأشياء توهمها لا يصر، فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجودًا ليس بجسم، ولا أيضًا إذا سمع تلك الأشياء خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية.
وهذه هي حال جمهور الناس، لأن الذين يتطرق لهم من ذلك إثبات الجسمية هم قليل من الناس، وهؤلاء ففرضهم الوقوف على الدلائل التي توجب نفي الجسمية.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
قلت: ولقائل أن يقول: أما قوله: صار كثير من أهل الإسلام يقولون: إنه جسم لا يشبه الأجسام فهذا صحيح.
وأما قوله: وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن اتبعهم.
فيقال له: ليس في الحنابلة من أطلق لفظ الجسم، لكن نفاة الصفاة يسمون كل من أثبتها مجسمًا بطريق اللزوم، إذا كانوا يقولون: إن الصفة لا تقوم إلا بجسم، وذلك لأنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة، فإن الجسم في اللغة هو البدن، وهؤلاء يسمون كل ما يشار إليه جسمًا، فلزم -على قولهم- أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة، وما فطر الله عليه عباده، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها تجسيمًا.
وهذا لا يختص طائفة: لا الحنابلة ولا غيرهم، بل يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة على أتباع السلف كلهم، حتى يقولوا في كتبهم: ومنهم طائفة يقال لهم المالكية ينتسبون إلى مالك بن أنس، ومنهم طائفة يقال لهم الشافعية ينتسبون إلى الشافعي.
لكن لما جرت محنة الجهمية نفاة الصفات وسموا من أثبتها مجسمًا في عهد الإمام أحمد، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وحقيقة ذلك أن الله لم يتكلم بشيء، وقالوا: إنه لا يرى، ونحو ذلك -قام أحمد بن حنبل من إظهار السنة والصفات، وإثبات ما جاء في الكتاب والسنة من هذا الباب بما لم يحتج إليه غيره من الأئمة، وظهر ذلك في جميع أهل السنة
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
والحديث من جميع الطوائف، وصاروا متفقين على تعظيم أحمد وجعله إمامًا للسنة، فصار يظهر في أصحابه من الإثبات ما لا يظهر في غيرهم، بسبب كثرة نصوصهم في هذا الباب.
والنفاة يسمون المثبتة مجسمة ومشبهة.
وصاحب هذا الكتاب يجعل مثبتة الصفات -من الأشعرية ونحوهم- مشبهة، وأنه يلزمهم التركيب، والتركيب أصل للتجسيم.
كلام ابن رشد في تهافت التهافت في نفي الصفات ورد ابن تيمية عليه
مثل قوله في كتابه الذي سماه تهافت التهافت فإنه قال: وأيضًا فالذي يلزم الأشعرية للتجسيم من المحال أكثر من الذي يلزم مقدماتهم، التي منها صاروا إلى التجسيم، وذلك أنه إن كان مبدأ الموجودات ذاتًا ذات حياة وعلم وقدرة وإرادة، وكانت هذه الصفات زائدة على الذات، وتلك الذات غير جسمانية، فليس بين النفس وهذا الموجود فرق، إلا أن النفس هي في جسم، وهذا الموجود هو نفس ليس في جسم، وما كان بهذه الصفة فهو ضرورة مركب من ذات وصفات، وكل مركب فهو محتاج ضرورة إلى مركب، إذ ليس يمكن أن يوجد شيء مركب في ذاته، كما أنه ليس يمكن أن يوجد متكون من ذاته، لأن التكوين -الذي هو فعل المكون- ليس هو شيئًا غير تركيب المتكون، والمكون ليس شيئًا غير المركب.
[ ١٠ / ٢٥١ ]
وبالجملة فكما أن لكل مفعول فاعلًا، كذلك لكل مركب مركبًا فاعلًا، لأن التركيب شرط في وجود المركب ولا يمكن أن يكون الشيء هو علة في شرط وجوده، لأنه كان يلزم أن يكون الشيء علة نفسه.
ولذلك كانت المعتزلة في وضعهم هذه الصفات في المبدأ الأول -راجعة إلى الذات، لا زائدة عليها، على نحو ما يوجد عليه كثير من الصفات الذاتية لكثير من الموجودات، مثل كون الشيء موجودًا وواحدًا وأليًا وغير ذلك- أقرب إلى الحق من الأشعرية.
قال: ومذهب الفلاسفة في المبدأ الأول هو قريب من مذهب المعتزلة.
فيقال له: قولك: ليس بين النفس وبين هذا الموجود فرق، إلا من جهة أنها في جسم خطأ محض.
وذلك أن اتفاق الشيئين في بعض الصفات لا يوجب تماثلهما في الحقيقة، إذ لو كان كذلك لكانت المختلفات متماثلات، فإن السواد مخالف للبياض، وهو يشاركه في كون كل منهما لونًا وعرضًا وقائمًا بغيره.
وأيضًا فمحققو الفلاسفة توافق على أن الأجسام ليست متماثلة، مع اشتراكها في التحيز، وقبول الأعراض، وغير ذلك من الأحكام.
والحيوان الصغير الحي، مثل البعوض والبق والذباب، ليس مثلًا للإنسان ولا للملك ولا للجني، وإن كان كل منهما حيًا قادرًا شاعرًا متحركًا بالإرادة.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
والفلك عندهم حي ناطق، وليس مثل بدن الإنسان، الذي هو حي ناطق.
وقوله: هذا على الضرورة مركب من ذات وصفات.
إن أراد به أن ذات موصوفة بصفات لازمة لها، فهذا حق، وهم لا يسمون هذا تركيبًا، فإذا سماه تركيبًا لم تكن هذه التسمية حجة له على ما نفاه، لأن الذي نفاه بالدليل هو ما كان مركبًا، وهو الذي جعله غيره مركبًا، أو ما كان متركبًا بنفسه، أي كانت أجزاؤه متفرقة فتركبت، بحيث يصير مركبًا بعد أن لم يكن.
ومعلوم أن ما تركب بعد افتراقه، لم يكن تركبه بنفسه، كما ذكره في المتكون، فإن ما تكون بعد أن لم يكن متكونًا، لم يكن تكونه بنفسه.
وكما قال: كما أن لكل مفعول فعلًا، فإن لكل مركب مركبًا فهذا إنما يعقل فيما ركبه غيره، أو ما كان مفرقًا فركب، كما أن المفعول لا يعقل أن له فاعلًا، إلا إذا فعله غيره، أو كان حادثًا، فلا بد للحادث من محدث.
أما ما كان واجبًا بنفسه قديمًا أزليًا مستلزمًا لصفات لازمة له، فهذا لم يركبه أحد، ولا كان مفترقًا فتركب.
فمن أين يجب أن يحتاج هذا إلى مركب؟ وكيف يصح تمثيل هذا بالمتكون والمفعول اللذين كل منهما محتاج إلى غيره، بل هو حادث يفتقر إلى محدث؟.
وليس المعنى الذي سماه مركبًا إلا موصوفًا بصفة لازمة له، فلو قال: كل متصف فلا بد له من واصف، أي ممن يجعل الصفة قائمة
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
بمحلها، ما كان مبطلًا، فإن المتصف بالصفة إذا كان قديمًا أزليًا واجبًا بنفسه، كيف يجب هذا فيه؟
ثم هؤلاء الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك قديمة أزلية.
وهذا الرجل لا يسميها مركبة، ويبطل قول من يقول: هي مركبة من الهيولى والصورة، وقول من يقول: هي ممكنة، ومع هذا فهي جسم قائم به صفات وحركات.
فإذا كانت هذه لم تحتج عنده إلى ما يحتاج إليه المتكون، فكيف يحتاج إلى ذلك ما هو واجب بنفسه؟.
وقوله: لأن التركيب شرط في وجود المركب معناه أن لزوم الصفة للموصوف، أو أن التلازم الذي بين الأمور المتعددة في الواجب، شرط في وجودها، وهذا صحيح.
لكن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط، بل تجوز مقارنته له، وإذا كان الواجب الوجود واجبًا بنفسه المتضمنة لصفاته، وكل من صفاته لا يوجد إلا مع الأخرى، ولا توجد الذات إلا بالصفات، ولا الصفات إلا بالذات كان هذا هو حقيقة الاشتراط، ولم يلزم من ذلك أن يكون المتصف بهذه الصفات هو علة فاعلة لما هو من لوازم وجوده، ولما لا يوجد إلا معه، وهو الشرط في وجوده.
وإن عنى بالعلة أعم من ذلك، حتى جعل الشرط علة، كان حقيقة قوله: لا يكون الشيء شرطًا في شرط وجوده.
وهذا ليس بصحيح، بل يجوز أن يكون كل من الشيئين شرطًا في وجود الآخر،
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
وإن لم يكن علة فاعلة للآخر.
وهذا هو الدور المعي الاقتراني، وهو جائز، بخلاف الدور المعي القبلي، فإنه ممتنع.
وهذا موجود في عامة الأمور، فالأمور المتلازمة كل منها شرط في الآخر، فكل من الشرطين شرط في وجوده.
وغاية ذلك أن يكون الشيء شرطًا في وجود نفسه، أي لا توجد نفسه إلا إذا وجدت نفسه.
وهذا كلام صحيح، بخلاف ما إذا كانت نفسه فاعلة لنفسه.
فإن هذا ممتنع، فكل واحد من الأبوة والبنوة شرط في وجود الآخر.
وكل واحد من العلو والسفل شرط في وجود الآخر.
وكل واحد من التحيز والمتحيز شرط في الآخر.
وكل واحد من الماء والنار وطبيعته الخاصة به شرط في الآخر، ونظائر هذا كثيرة.
فكون إحدى الصفتين مشروطة بالأخرى، والذات مشروطة بصفاتها اللازمة، والصفات مشروطة بالذات، بحيث يمتنع تحقق شيء من ذلك إلا مع تحقق الآخر، وبحيث يلزم من ثبوت كل من ذلك ثبوت الآخر، هو معنى كون كل من ذلك شرطًا في الآخر، وهو شرط في شرط نفسه ووجوده.
وهؤلاء من أصول ضلالهم ما في لفظ العلة من الإجمال، فإن لفظ العلة كثيرًا ما يريدون به ما لا يكون الشيء إلا به، فتدخل في ذلك العلة الفاعلة، والقابلة، والمادة، والصورة.
وكثيرًا ما يريدون بذلك الفاعل فقط.
وهو المفهوم من لفظ
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
العلة.
وبحوثهم في مسألة واجب الوجود عامتها مبنية على هذا التلبيس، فإن الممكن الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده، لا بد له من واجب يكون موجودًا بنفسه، لا بموجد أوجده.
فهذا هو معنى واجب الوجود الذي دلت عليه الممكنات، وهم يريدون أن يجعلوه وجودًا مطلقًا ليس له نعت ولا صفة ولا حقيقة غير الوجود المطلق، لأن الوجود الواجب يكون معلولًا لتلك الحقيقة، فلا يكون واجبًا.
ولفظ المعلول مجمل، فإنهم يوهمون أنه يكون مفعولًا لها، وهي علة فاعلة له.
ومعلوم أن هذا ممتنع في الوجود الواجب، لكن الحقيقة الواجبة إذا قدر أن لها وجودًا يقوم بها، لم يلزم في ذلك الوجود إلا أن يكون له محل، وهو الحقيقة التي يقوم بها الوجود، وذلك الذي يسمونه العلة القابلة.
ومعلوم أن الدليل إنما أثبت موجودًا ليس له موجد، لم يثبت دليلهم موجودًا لا يكون وجوده قائمًا بحقيقة، إن كان من الوجود ما هو قائم بحقيقة.
وهذا على قول من يقول: وجود كل شيء زائد على حقيقته، كما يقول ذلك طائفة من متكلمي المعتزلة وغيرهم، وإلا فالصواب عند أهل السنة والجماعة أن وجود كل شيء -وهو الوجود الذي في الخارج- هو عين حقيقته الموجودة في الخارج، فكل موجود فله حقيقة مختصة به في الخارج عن الذهن، والوجود الذي يشار إليه في الخارج هو تلك الحقيقة نفسها، لا وجود آخر قائم بها.
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
فإذا قال أهل السنة: إن وجود الخالق عين حقيقته، أرادوا به إبطال قول أبي هاشم ومن وافقه من المعتزلة، ولم يريدوا بذلك قول ابن سينا وإخوانه من الفلاسفة: إن الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق، أو مطلق لا بشرط، فإن هذا القول أعظم فسادًا من قول أبي هاشم بكثير.
بل هذا القول يعلم من تصوره بصريح العقل أن ما ذكروه يكون في الأذهان لا في الأعيان.
والمطلق بشرط الإطلاق قد سلموا في منطقهم أنه لا يكون إلا في الأذهان، والمطلق لا بشرط يسلمون أنه لا يوجد في الخارج مجردًا عن الأعيان.
وقد تقدم ما ذكره هو من أنه ألزم الأشعرية أن يكونوا مجسمة، والحنابلة فيهم ما في بقية الطوائف، منهم من هو على طريقة الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة، لا يطلقون هذا اللفظ على الله لا نفيًا ولا إثباتًا، بل يقولون: إن إثباته بدعة، كما أن نفيه بدعة.
ومما أنكر أحمد وغيره على الجهمية نفي هذا اللفظ، وامتنع من الموافقة على نفيه، كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته.
كذلك جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة القرآن، في محنته المشهورة، لما ألزمه بأن القول بأن
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
القرآن غير مخلوق مستلزم أن يكون الله جسمًا، فأجابه أحمد بأنه لا يدري ما يريد القائل بهذا القول فلا يوافقه عليه، بل يعلم أنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
وذلك أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه، كالهشامية والكرامية ونحوهم ممن أثبته، وكالجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن نفاه، قد يدخل كل منهم في ذلك ما يخالف النصوص، فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه الله عنه من صفات النقص ومن مماثلته بالمخلوقات.
والنفاة يدخلون في ذلك ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال.
ومن الحنابلة من يصرح بنفيه، كـ أبي الحسن التميمي وأهل بيته، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، وغيرهم ممن سلك مسلك ابن كلاب والأشعري في ذلك.
ومنهم من يسلك مسلك المعتزلة كانتـ ابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وغيرهم.
والذين لا يثبتونه أو ينفونه يصرح كثير منهم بتكفير المجسمة، فمنهم من يقول: من قال: هو جسم فقد كفر، ومن قال: ليس بجسم فقد ابتدع.
ومنهم من يصوب من قال: ليس بجسم، ويكفر من يقول بالتجسيم.
وقد حكى الأشعري في المقالات النفي عن أهل السنة والحديث، كما حكي عنهم أشياء بموجب ما اعتقده هو من مذهبهم.
والسلف والأئمة وأهل الحديث والسنة المحضة من جميع الطوائف لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله.
والألفاظ
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
المجملة المبتدعة لا يثبتونها ولا ينفونها إلا بتبيان معانيها، فما كان من معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان مخالفًا لذلك نفوه، فلا يطلقون: هو جسم ولا جوهر، ولا يقولون: ليس بجسم ولا جوهر، كما لا يطلقون إثبات لفظ الحيز ولا ينفونه.
وأما قول هذا القائل: فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجودًا ليس بجسم، ولا أيضًا خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية، وهذه هي حال جمهور الناس.
فهذا كلام متناقض، فإنه إذا كان أكثر الناس لا يقدرون أن يتصوروا موجودًا ليس بجسم، فإنهم قطعًا تتطرق أذهانهم - عند سماع هذه الأمور- إلى إثبات الجسمية.
فقوله بعد ذلك: إن الذين يتطرق إلى أذهانهم من ذلك إثبات الجسمية قليل من الناس يناقض ما تقدم.
عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية
قال: وقد كان الواجب عندي في هذه الصفة قبل أن تصرح الفرق الضالة بإثباتها يجرى فيها على منهاج الشرع، ولا يصرح فيها بنفي ولا إثبات، ويجاب من سأل عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
وينهى عن هذا السؤال.
وذلك لثلاثة معان: أحدها: أن إدراك هذا المعنى -أعني أنه ليس بجسم الذي هو الحق، ليس قريبًا من المعروف بنفسه برتبة واحدة، ولا رتبتين، ولا ثلاث.
وأنت تتبين ذلك من الطرق التي سلكها المتكلمون في ذلك، فإنهم قالوا: إن الدليل على أنه ليس بجسم: أنه قد تبين أن كل جسم محدث، وإذا سئلوا عن الطريق التي يوقف منها على أن كل جسم محدث، سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرنا من حدوث الأعراض، وأنا ما لا يعرى عن الحوادث حادث، وقد تبين لك من قولنا أن هذه الطريقة ليس برهانية، ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها، فإن ما يضعه هؤلاء القوم من أنه سبحانه ذات وصفات زائدة على الذات، يوجبون بذلك أنه جسم، أكثر مما ينفون عنه الجسمية بدليل انتفاء الحدوث عنه، فهذا
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
هو السبب الأول في أن لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم بين.
قال: فلذلك أضرب الإمام المهدي عن هذا الدليل، إذ كان لا يرضى الخواص ولا يقنع الجمهور، وسلك طريقًا عجيبًا مشتركًا للصنفين جميعًا.
وهذا من خواصه في العلم، لا يعلم أحد ممن سلكه قبل ذلك، وهو طريق إثبات المثلية بين الأجسام، التي هي المساواة في جميع الخواص، فخاصة في تماثل قوتها في التناهي، أعني كل جسم قوته متناهية، وفي تماثلها في التركيب، وذلك أن من هاتين الجهتين افتقرت الأجسام إلى الفاعل.
أما افتقارها من جهة التركيب، فلأن كل مركب جائز، وكل جائز مفتقر إلى الفاعل.
وأما افتقارها إلى الفاعل من جهة تناهي قوتها، فلأن كل متناهي القوة، إن لم يقدر الفاعل الموت له تناهت قوته وفسد، ولم يمكن فيه أن يبقى طرفة عين.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، فأنى بهذا الترياق الأعظم لهذا الداء العضال!.
قلت: ولقائل أن يقول: إن كان هذا المعلوم حقًا، فيمتنع أنه لم يعلمه أحد قبل ابن التومرت ممن هو أعلم بالله وأفضل منه.
وإذا كانت تلك الطريق باطلة، وهذا هو الطريق ولم يسلكه غيره، فلا يعلمه أحد قبله.
وهكذا كل من سلك طريقًا في النفي زعم أنه لم يسلكه غيره، فإنه يوجب أن ذلك لم يعلم قبله، فلا يكون من تقدم من خيار هذه الأمة
[ ١٠ / ٢٦١ ]
معتقدين لهذا النفي، ولو كان حقًا لاعتقدوه، فما ذكره من المدح يعود بنقيض مقصوده.
وأيضًا فيقال: القول بتماثل الأجسام والاستدلال بذلك طريق معروفة سلكها المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
والأشعري في كتاب الإبانة يقتضي كلامه أنه خالفهم فيها، فليست طريقًا غريبة.
وأيضًا فإنه لم يذكر دليلًا على تماثلها أصلًا.
وأما ما ذكره من التركيب وتناهي القوة، فإن صح كان دليلًا بنفسه.
فإنه سبحانه غني عن كل ما سواه، فلا يجوز أن يفتقر إلى فاعل بالضرورة باتفاق العقلاء.
وأيضًا فإنه لم يذكر دليلًا على تركيب الجسم وتناهي قوته.
والمنازع ينفي كلًا من الأمرين، كما قد ذكر في موضعه.
وأعجب من ذلك تفسير قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، بهذا المعنى، فإن فساد هذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان.
قال: وأما السبب الثاني، فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم.
فإذا قيل لهم: إن ها هنا موجودًا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل، فصار عندهم من قبيل المعدوم، ولا سيما إذا قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا أسفل.
ولهذا اعتقدت الطائفة التي
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
أثبتت الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنه ملشية واعتقدت التي نفتها في المثبتة أنها مكثرة.
قال: وأما السبب الثالث فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية، عرضت من الشرع شكوك كثيرة مما يقال في المعاد وغير ذلك.
فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة، وذلك أن الذين صرحوا بنفيها -أعني الجسمية- فرقتان: المعتزلة والأشعرية.
فأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى نفي الرؤية.
وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين، فعسر ذلك عليهم، ولجأوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية.
ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة في بادي الرأي عن الخالق سبحانه أنه ليس بجسم، فترجع الشريعة متشابهة.
وذلك أن بعث الأنبياء انبنى على
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
أن الوحي نازل عليهم من السماء، وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه، أعني أن الكتاب العزيز نزل من السماء.
كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣]، وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء.
وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها، كما قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤] .
وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة، على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة.
ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة، وإذا صرح بنفي هذا عسر تصور ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع إلى أهل الحشر، وأنه الذي يلي حسابهم كما قال ﵎: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] .
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور، وإن كان التأويل أقرب إليه منه إلى أمر الحشر، مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع.
فيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر، فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها.
وأما إذا أولت، فإنه يعود الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة، فتموت الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها.
وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، فيعود الشرع كله من المتشابه، مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء كلها تجدها غير برهانية، بل الظواهر الشرعية أقنع منها، أعني أن التصديق بها أكثر.
وأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان الله تعالى بنوا عليه نفي الجسمية، وكذلك تتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة، على ما سنقوله بعد.
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
قال: وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور، أنه لمكان انتفاء هذه الصفة عن النفس، أعني الجسمية، لم يصرح الشرع للجمهور بما هي النفس، فقال في الكتاب العزيز: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم، ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك الخليل في محاجة الكافر حين قال له: ﴿ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] الآية، لأنه كان يكتفي بأن يقول له: أنت جسم، والله تعالى ليس بجسم، لأن كل جسم محدث، كما يقول الأشعرية.
وكذلك كان يكتفي بذلك موسى ﵇ عند محاجة فرعون في دعوى الإلهية.
وكذلك كان يكتفي المصطفى ﷺ في أمر الدجال في إرشاد المؤمنين إلى كذب ما يدعيه من الربوبية من
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
أنه جسم والله تعالى ليس بجسم.
بل قال ﵇: إن ربكم ليس بأعور، واكتفى بالدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة.
التي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه.
وكذلك كان يكتفي بنفي الجسمية في عجل بني إسرائيل.
فهذه كلها -كما تراه- بدع حادثة في الإسلام، هي السبب فيما عرض فيه من الفرق التي أنبأ المصطفى ﷺ أنه ستفترق أمته إليها.
فإن قال قائل: فإذا لم يصرح الشرع للجمهور بأنه جسم ولا بأنه غير جسم، فما عسى أن يجابوا في جواب ما هو؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان، وليس يقدر أن ينفك عنه.
ولذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به: لا ماهية له، لأن ما لا ماهية له لا ذات له.
قلنا: الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع، فيقال لهم:
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
إنه نور، فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه، على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته، فقال تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره﴾ الآية [النور: ٣٥]، وبهذا الوصف وصفه النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه فإذا جاء أنه قيل له ﵇: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه.
وفي حديث الإسراء أنه لما قرب ﷺ من سدرة المنتهى غشي السدرة من النور ما حجب بصره من النظر إليها أو إليه.
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
وفي كتاب مسلم: إن لله حجابًا من نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.
قال: وفي بعض روايات الحديث: سبعين حجابًا من نور.
فينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه، وكذلك الإفهام، مع أنه ليس بجسم، والموجود عند الجمهور إنما هو المحسوس، والمعدوم عندهم هو غير المحسوس.
والنور لما كان هو أشرف المحسوسات، وجب أن يمثل لهم به أشرف الموجودات.
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
فيقال: هذا الرجل يرى رأي ابن سينا ونحوه من المتفلسفة والباطنية، الذين يقولون: إن الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر خلاف ما هو الأمر عليه في نفسه، لينتفع الجمهور بذلك، إذ كانت الحقيقة لو أظهرت لهم لما فهم منها إلا التعطيل، فخيلوا ومثلوا لهم ما يناسب الحقيقة نوع مناسبة، على وجه ينتفعون به.
وأبو حامد في مواضع يرى هذا الرأي، ونهيه عن التأويل في إلجام العوام والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل، وهؤلاء يرون إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها، مع اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق، ولم يورثوا علمًا ينبغي للعلماء معرفته، وإنما المورث عندهم للعلم الحقيقي هم الجهمية والدهرية، ونحوهم من حزب التعطيل والجحود.
وما ذكره هذا في النور أخذه من مشكاة أبي حامد وقد دخل معهم في هذا طوائف ممن راج عليهم هذا الإلحاد في أسماء الله وآياته، من أعيان الفقهاء والعباد.
وكل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول حصل في نوع من الإلحاد بحسب ذلك، وهؤلاء كثيرون في المتأخرين، قليلون في السلف.
ومن تدبر كلام كثير من مفسري القرآن، وشارحي الحديث، ومصنفي العقائد النافية والكلام، وجد فيه من هذا ما يتبين له به حقيقة الأمر.
وقوله في النور: إنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
الأفهام، مع أنه ليس بجسم تناقض من وجهين: أحدهما: أن المحسوس الذي يحسه الناس ليس إلا جسمًا أو عرضًا في جسم.
والثاني: أن النور الذي يعرفونه ليس إلا جسمًا أو عرضًا في جسم، وذلك كنور المصابيح ونحوها.
فإنه إما أن يراد به نفس النور الخارج من ذبالة المصباح فذلك نار، والنار جسم.
وإما أن يراد به ما يصير على ما يلاقيه من الأرض والجدران والهواء من الضوء، فذلك عرض قائم بغيره.
وكذلك الشمس والقمر، إن أريد بالنور نفس ذات واحد منهما، كقوله: ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس: ٥]، فالقمر جسم.
وإن أريد بالنور ما على الأرض والهواء من ضوء ذلك، فذلك عرض، فلا يعرف الناس نورًا إلا هذا وهذا.
وأيضًا فإذا كان السؤال بما هو طبيعي للإنسان لا يقدر أن ينفك عنه، ولا يقنع الإقناع في جواب هذا السؤال بعد الاعتراف بوجود المسؤول عنه، بأن يقال: لا ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له، فلا يقع الإقناع بجواب ليس مطابقًا للحقيقة.
وبتقدير أن لا يكون هو في نفسه نورًا، يكون الجواب غير مطابق للحقيقة.
وحينئذ فالجواب المطابق للحق، مع الإعراض عن ذكر الحقيقة، أحسن من هذا، كما تقوله طائفة من الناس في جواب موسى لفرعون لما سأله بقوله: ﴿وما رب العالمين * قال رب السماوات
[ ١٠ / ٢٧١ ]
والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ [الشعراء ٢٣-٢٤] .
قالوا: لما سأله عن الماهية، والمسؤول عنه لا ماهية له، عدل إلى ما يصلح الجواب به.
فقول هؤلاء، مع أنه خطأ، أقرب من أن يجاب عن الماهية بما ليس مطابقًا للحق.
وإنما كان قول هؤلاء خطأ، لأن فرعون لم يسأل موسى سؤال مستفهم طالب للعلم بماهية المسؤول عنه، حتى يجاب جواب المستفهم السائل، كما ذكره الناس في جواب السؤال بما هو.
ولكن هذا استفهام إنكار ونفي وجحود للمسؤول عنه، فإن فرعون كان مظهرًا لجحد الصانع.
ولهذا قال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧]، تكلم بما هو جحد ونفي وإنكار لمسمى رب العالمين.
فقال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] .
كما لو ادعى على أحد مدع أن هذا ولدك أو شريكك في المال، أو أعطاك هذا المال، ونحو ذلك.
فقال: من هو ولدي؟ ومن هو شريكي؟ ومن هو الذي أعطاني؟ فإنه يقول ذلك على سبيل الإنكار والجحد، لا على سبيل الاستعلام والاستفهام.
فإذا كان منكرًا للحق أجيب بما يقيم الحجة عليه، فيقال له: هذا الذي ولدته امرأتك فلانة، أو الذي اشتريت أنت وهو المال الفلاني، أو هو
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
الذي أقررت له بذلك، وأشهدت به عليك فلانًا وفلانًا، ونحو ذلك.
ولهذا أجابه موسى بما فيه تقرير لما أنكره وتثبيت له، فقال: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ [الشعراء: ٢٤]، وقال ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ [الشعراء: ٢٦]، وذلك لأن العلم بثبوت هذا الرب أمر مستقر في الفطر، مغروز في القلوب.
يبين هذا أن السؤال عن ماهية الشيء الثابتة في الخارج يكون بعد الاعتراف بوجوده.
أما ما يكون مجحودًا منتفيًا في نفس الأمر، فلا ماهية له في الخارج حتى يسأل عنها، ولكن قد يسأل المسؤول عن تصوير ما يقوله، وإن لم تكن له حقيقته في الخارج.
أما إذا ادعى شيئًا في الخارج، والمدعي ينكر وجوده، فإنه لا يطلب منه أن يعرفه ماهية ما لا حقيقة له، بل يسأله على طريق إنكار ذلك، لا على طريق الاستعلام عن ذلك.
وإذا كان المسؤول عنه مما لا وجود له طولب بتمييزه وتعريفه، حتى يبين له أنه لا وجود له، وأنك تدعي ثبوت ما ليس بثابت، كما يقال لمن يدعي أن هنا جبلًا من ياقوت أو بحرًا من زئبق، أين هو؟ وكيف هو؟ وكما يقال لمن يدعي وجود المنتظر المعصوم الداخل إلى سرداب سامرًا: بماذا يعرف؟ وكم كان عمره حين دخل؟ وماذا الذي يمنعه من الظهور؟ ونحو ذلك من المسائل التي يبين بها عدم المسؤول عنه، أو عدم ما أثبته المسؤول له.
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
وهذا في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها﴾ [الأعراف: ١٩٥] .
وقوله تعالى: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨] .
وقوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى﴾ [النجم: ١٩-٢١]
ومنه قولهم: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ [الفرقان: ٤١] .
وقول الكفار: ﴿أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون﴾ [الصافات: ١٦-١٧] .
وإذا كان المسؤول عنه موجودًا، كان الجواب بما يدل على وجوده.
فلهذا أجاب موسى للمنكرين بما يدل على إثبات الصانع سبحانه، فإن افتقار السماوات والأرض وما بينهما، والمشرق والمغرب، والموجودين وآثارهم، إلى الصانع، واستقرار ذلك في فطرهم -أمر لا يمكن إنكاره إلا عنادًا.
كما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل: ١٤] .
وذكر موسى ﵇ السماوات والأرض، والليل والنهار، والأولين والآخرين، فذكر الأعلى والأسفل، والمتيامن والمتياسر، والمتقدم والمتأخر.
وهذه هي الجهات الست للإنسان، وذكر التقدم
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
والتأخر بالزمان، بعد أن ذكر التقدم والتأخر بالمكان، فإن المكان دخل في السماوات والأرض، والمشرق والمغرب.
وذكر موسى خلق الإنسان، بعد أن ذكر الخلق العام.
كما في قوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ١-٢] .
وكما في قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: ٥٣] .
فإذا كان المسؤول عنه بما هو، لا بد أن تكون له ذات هي ماهيته، كان الجواب عنها بما يمكن من التعريف، فإن أمكن أن يعرف بعينه قيل: هذا هو، أو هو فلان ابن فلان، ونحو ذلك مما يميزه عند السائل، ويوجب معرفته بعينه بالإحساس، لكن معرفة عينه لم تحصل هنا بمجرد كلام المتكلم، بل بالإحساس به، وإن لم يمكن معرفته بعينه عرف بنظيره، ولا يكون له نظير من كل وجه، فإنه لو كان نظير من كل وجه، لم يكن المجهول إلا عينه.
وإذا كان المطلوب معرفة عينه لم يحصل الجواب بالنظير، وإنما يعرف بالنظير نوعه، فلا يجاب بالنظير، إلا إذا كان السؤال عن معرفة نوعه.
وحينئذ فتحصل المعرفة به بحسب مماثلة ذلك النظير له، لأجل القدر المشترك الذي بين المتماثلين.
كمن سئل عن الخمر، فقال: شراب مسكر فلا بد أن يكون السائل يعرف الشرب ويعرف السكر، ولكن لم يعرف نوع سكر الخمر، بل عرف مثلًا سكر الغضب والعشق والحزن، وعرف زوال العقل
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
بالجنون والبنج، فلو سأل عن السكر، قيل له: لذة مع زوال الحزن.
فقولنا: لذة، يخرج سكر الغضب والحزن، فإنه ألم، بخلاف سكر العشق.
ولكن ليس هذا مثل هذا، فلا يمكن تعريفه ذلك إلا بالقدر المشترك بين هذه اللذة وسائر اللذات، وبالقدر المشترك بين زوال العقل بهذا السبب وغيره من الأسباب.
ثم إذا انضم إلى ذلك أنه شراب يميز المسؤول عنه عن غيره.
ولهذا كان حقيقة الأمر أن الحدود المقولة في جواب ما هو إنما يحصل التمييز بين المحدود وغيره.
وأما نفس تصور حقيقته، فذاك لا يحصل بالقول والكلام، لا على وجه التحديد ولا غيره، بل بإدراك النفس المحدودة.
فالسائل إذ سأل عن الرب ما هو، أمكن أن يجاب بأجوبة تميزه عما سواه سبحانه، بحيث لا يشركه غيره في الجواب، ويمكن أن يذكر من الأمور المشتركة بحسب إدراك السائل ما يحصل به من المعرفة ما يشاء الله.
وأما معرفة كنه الذات، فذاك لا يمكن بمجرد الكلام، ليس لأنه لا كنه لها، لكن لأن تعريف كنه الأمور لا يمكن بمجرد العبارات.
فإذا قيل: هو نور، لم يمنع هذا أن تكون حقيقته نورًا.
كما إذا قيل: هو حي، أو عالم أو قادر، أو موجود.
لكن ليس هو مثل شيء من الأنوار المخلوقة، كما أنه ليس مثل شيء من الأحياء العالمين المخلوقين، ولا شيء من الموجودات المخلوقة.
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
ولكن لولا القدر المشترك لما كان في الكلام فائدة.
ثم القدر المميز يحصل بالإضافة، فيعلم أنه نور ليس كالأنوار، موجود ليس كالموجودين، حي لا كالأحياء.
وهذا الجواب هو جواب أهل التحقيق من المثبتين الذين ينفون علم العباد بماهيته وكيفيته، ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال.
ويقولون: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
ويقولون: حجب الخلق عن معرفة ماهيته، ونحو ذلك.
وأما من نفى ثبوت هذه الأمور في نفس الأمر، فقال: لا ماهية له فتجري في مقال، ولا كيفية له فتخطر ببال.
كما يقول ذلك من يقول من المعتزلة، ومن اتبعهم من الأشعرية، وغيرهم من أصحاب الفقهاء الأربعة- فهؤلاء هم الذين خرجوا عن الجواب الطبيعي، وأرادوا تغيير الفطرة الإنسانية، كما غيروا النصوص الشرعية.
وإنما الكمال بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة.
والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير الفطرة وتحويلها.
ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يجاب عن سؤال السائل بما هو، بما يجاب إذا سئل عن الأنواع، فإن الله لا مثل له سبحانه.
وإذا كان المخلوق الذي انحصر نوعه في شخصه، كالشمس مثلًا لا يمكن ذلك فيها، فالخالق سبحانه أولى بذلك.
وإذا كان تعريف عين الشيء لا يمكن إلا بمعرفته أو معرفة نظيره،
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
والله لا نظير له، امتنع أن يعرف إلا بما تعرف به الأعيان من المعارف الخاصة بالمعروف باطنًا وظاهرًا، كما يهدي إليه به عباده المؤمنين من الإيمان به في الدنيا، وكما يتجلى لهم في الدار الآخرة.
وهذه المعرفة تطابق ما سمعوه، مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فيتطابق الإيمان والقرآن، ويتوافق البرهان والعيان.
والله سبحانه فطر عباده على الإقرار به فطرة تختص به، ليست كلية مشتركة بينه وبين غيره، كما جعل في الإبصار قوة ترى بها الشمس بخصوصها، لا تعرف الشمس معرفة مشتركة.
كما يقال في حدها: كوكب يطلع نهارًا.
بل معرفة الناس للشمس أعظم من معرفتهم لغيرها من أعيان الكواكب ولنوع الكواكب، لو كانت الشمس من نوع الكواكب، فكيف إذا لم تكن من نوعها؟.
ولهذا كانت الدلائل على الخالق آيات له.
والآية تختص بما في آية عليه، ليست قياسًا كليًا يدل على معنى مشترك عام، بل تدل على معين موجود متميز عن غيره.
والأدلة القياسية الكلية التي يخصها باسم البرهان أهل المنطق ونحوهم، لا تدل إلا على أمر كلي.
كقولنا: الإنسان محدث، وكل محدث فله محدث: ينتظم قضيتين كليتين.
فقول القائل: الإنسان محدث، يعم كل إنسان، وعلمه بحدوث الإنسان المعين كعلمه بحدوث الإنسان الآخر، ليس علمه بهذه القضية الكلية أكمل من علمه بالواحد المعين، إلا أنه قد يجهل الإنسان حكم المعين، فيستدل عليه بنظيره.
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
وكذلك قول القائل: كل محدث فله محدث، فما من محدث يعلم حدوثه إلا وهو يعلم أنه له محدثًا، كما أنه يعلم أن المحدث الآخر محدثًا، ثم إذا علم أن للمحدث محدثًا، فهذا علم مطلق كلي، ليس فيه معرفة بمعين، وليس هذا معرفة بالله تعالى.
وأما الآية فهي مختصة به، لا يشركه فيها غيره، فالإنسان، وغيره من الآيات تدل على عينه نفسه، لا تدل على نوع مطلق، إذ الدليل مستلزم للمدلول، وهذه الأدلة مستلزمة لعينه لافتقارها إليه، ليست مستلزمة لأمر مطلق كلي، إذا المطلق الكلي لا وجود له في الخارج.
لكن المستدل قد لا يعلم ابتداء استلزامها لنفسه، بل يعرف المشترك أولًا، ثم المختص ثانيًا، كمن يرى شخصًا من بعيد، فيعلم أنه جسم، ثم يراه متحركًا إليه، فيعلم أنه حيوان، ثم يراه منتصبًا، فيعلم أنه إنسان، ثم يراه فيعلم أنه زيد مثلًا، فكان علمه بعينه بحسب أدلته.
والرب تعالى متميز عن غيره بجميع خصائصه.
والناس تكلموا في أخص وصفه.
فقال من قال من المعتزلة: هو القدم.
وقال الأشعري وغيره: هو القدرة على الاختراع.
وقال من قال من الفلاسفة: هو وجوب الوجود.
والتحقيق أن كل وصف من هذه الأوصاف فهو من خواصه.
ومن خواصه أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم.
وكل اسم لا يسمى به غيره: كالله، والقديم الأزلي، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، ونحو ذلك -فمعناه من خصائصه.
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
والاسم الذي يسمى به غيره، وهو عند الإطلاق ينصرف إليه: كالملك، والعزيز، والحليم- يختص بكماله وإطلاقه، فلا يشركه في ذلك غيره.
والاسم الذي يسمى به غيره ولا ينصرف إطلاقه إليه: كالموجود، والمتكلم، والمريد - يختص أيضًا بكماله، وإن لم يختص بإطلاقه.
عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية
ومن المعلوم أن الأسماء التي يختص بها بكل حال، أو عند الإطلاق، أو تنصرف إليه بالنية يجب أن يعلم المتكلم بها اختصاصه بها، وإلا لم يخصه بها، وتخصيصه بها مستلزم لمعرفة ما يختص به ويمتاز به غيره، فلا بد أن يكون في القلوب من المعرفة ما تختص به، ويمتاز به عن غيره.
وهذه المعرفة لا تكون بقياس كلي مدلوله معنى كلي، إذ الكلي لا تخصيص فيه، بل قد يحصل عن قياسين، مثل أن يعلم أن كل محدث له محدث، وأن المحدث للمحدثات ليس هو شيئًا من هذا العالم، ولا يكون اثنين، فيعلم أنه واحد خارج عن العالم، ومع هذا فإشارة القلوب إلى عينه خارجة عن موجب قياس الكلي.
وهكذا سائر المعلومات لا يمكن أن تعلم بمجرد القياس الكلي غير معينة في الخارج، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.
ولهذا إذا ذكر الله توجهت القلوب إليه سبحانه، لما في الفطرة من معرفته أبلغ مما توجه إلى معين غيره إذا ذكر.
فإذا قيل: الشمس -أو
[ ١٠ / ٢٨٠ ]
الهلال- توجهت القلوب إلى ما عرفته من ذلك.
وتوجهها إلى ما عرفته من الخالق أكمل.
وهذا أمر مغروز فيها، وقد فطرت عليه.
وآياته دوال وشواهد، وهي كما قال تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ [ق: ٧]، فهي تبصر الجاهل، وتذكر الغافل.
قال ابن رشد: وههنا سبب آخر وجب أن يسمى به نورًا.
وذلك أن حال وجوده من عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل هي حال الإبصار عند النظر إلى الشمس، بل حال عيون الخفافيش، فكان هذا الصنف لائقًا عند الصنفين من الناس.
قلت: ولقائل أن يقول: هذا الكلام يناسب حال أهل الحيرة والضلال، الذين حارت عقولهم فيه فلم تعرفه، كما يحار البصر في الشمس فلا يراها، فقد مثله بالنور عند الجمهور، لكونه هو الذي يرى، وعند العلماء لكونه لا يرى، فاقتضى هذا أن الجمهور لهم به معرفة، وأن العلماء لا يعرفونه.
وهذا حقيقة كلام هؤلاء، فإنهم يجعلون ما أظهره الله من أسمائه وصفاته لتعريف الجمهور، إذ لا يمكن إلا ذلك.
وهو عندهم في
[ ١٠ / ٢٨١ ]
الباطن ليس كذلك، بل موصوف بالسلوب التي لا يحصل منها إلا الجهل والحيرة والضلالة.
ومنتهاهم أن يثبتوا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الذهن لا في الخارج.
وهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة، ومن سلك سبيلهم من المتصوفة: أهل الوحدة والحلول والاتحاد، ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد.
وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يثبتوا وجودًا للرب مباينًا للمخلوقات، متميزًا عنها، بل اعتقدوا أن هذا منتف، لكونه يقتضي ما هو منتف عندهم من التحيز والجهة.
قال: وأيضًا فإن الله ﵎، لما كان سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها، وكان النور مع الألوان هذه صفته، أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل وسبب رؤيتنا لها، فبالحق ما سمى الله نفسه نورًا.
وإذا قيل: إنه نور، لم يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد.
قلت: هذا الرجل سلك مسلك صاحب مشكاة الأنوار، فإن ذلك الكتاب موضوع على قواعد هؤلاء المتفلسفة.
وابن رشد هذا يمدح
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
كلامه في مشكاة الأنوار وما كان مثله مما وافق فيه الفلاسفة.
والمسلمون يقدحون في كلامه الذي وافق فيه الفلاسفة، ويمدحون من كلامه ما وافق فيه المسلمين وناقض به الفلاسفة، فما يمدحه به أهل العلم والإيمان، يذمه به هذا وأمثاله، وينشد:
يومًا يمان إذا ما جئت ذا يمن وإن لقيت معديًا فعدنان
وما يمدحه به أهل العلم والإيمان، يذمه به هؤلاء، وقد ذكر في مشكاة الأنوار ما يناسب ما ذكره هذا في النور.
ومن هنا دخل الملحدون من الاتحادية، الذين قالوا بوحدة الوجود، وقالوا: إن الخلق مجال ومظاهر، لأن وجود الحق ظهر فيها وتجلى، فجعلوا نفس وجوده هو نفس ظهوره وتجليه.
ومن المعلوم أن الشيء يكون موجودًا في نفسه ثم يظهر ويتجلى تارة، ويحتجب أخرى، سواء كان تجليه لوجود سبب الرؤية في الرائي، كالأعمى إذا صار بصيرًا، أو لزوال المانع في الظاهر، كالحجب المانعة.
أو لهما جميعًا.
وهؤلاء جعلوا وجود الحق في المخلوقات، هو نفس ظهوره وتجليه فيها.
وسموها مجالي ومظاهر، وذلك أن حقيقة قولهم: إنه ليس موجودًا في الخارج، ولكنهم يظنون أنهم يعتقدونه موجودًا في الخارج،
[ ١٠ / ٢٨٣ ]
فإذا شاهدوا الوجود الساري في الكائنات، ظهر لهم هذا الوجود وهم يظنونه الله، فسموها مظاهر ومجالي، لأنها أظهرت لهم ما ظنوا أنه الله.
ولو أنهم جعلوها آيات أظهرت لهم وبينت ما دلت عليه من وجوه، وعلمه وقدرته ورحمته وحكمته، مع علمهم بأن وجوده مباين لوجودها -لكانوا مهتدين.
وما ذكره هذا الرجل موافقًا فيه لصاحب المشكاة أن النور سبب وجود الألوان، وسبب إدراكنا لها، كما أن الله سبب وجود الموجودات، وسبب معرفتنا بها -ليس بمستقيم، فإن الألوان موجودة في نفسها، سواء أدركناها أو لم ندركها، وهي في نفسها مستغنية عن النور، ولكن النور شرط في إدراكنا لها، لا في وجودها.
وليس المخلوق مع الخالق كذلك، بل الخالق هو المبدع لأعيان الموجودات، وليس هو معها كالشرط مع المشروط، ونحو ذلك مما يقتضيه كلام هذا الرجل في تهافت التهافت وكلام أمثاله من هؤلاء المتفلسفة الاتحادية وغيرهم، الذين يجعلونه مع الموجودات كالمادة مع الصورة، وكالصورة مع المادة، كالكلي مع الجزئي، كالجنس مع النوع، أو النوع مع الشخص، ونحو ذلك من التمثلات التي يقتضي أنه مفتقر إليها، وهي مفتقرة إليه، وكل منهما مع الآخر، كالشرط مع المشروط، كما قد صرح بذلك صاحب الفصوص وغيره.
بل هو سبحانه الغني بنفسه عن كل ما سواه من كل وجه، وكل ما
[ ١٠ / ٢٨٤ ]
سواه مفتقر إليه من كل وجه، وليس شيء أفقر إلى شيء من المخلوق إلى الخالق، ولا شيء أغنى عن شيء من الخالق عن المخلوق، ولا يشبه فقر الخلق إليه وغناه عنهم شيء من أنواع الفقر والغنى.
وإذا قلنا: كالمفعول مع الفاعل، والمصنوع مع الصانع، والمبدع مع المبدع، أو كالمعلول مع العلة، والموجب مع الموجب، ونحو ذلك -فكل ذلك تقريب فيه قصور وتقصير منا، إذ ليس في الموجودات ما هو مع غيره كالمخلوق مع الخالق، ولا في الوجود مفعول له فاعل واحد له يستغني به، ولا معلول له علة واحدة تستغني به في الوجود.
بل كل ما في الوجود مما يظن أنه مفعول أو معلول لشيء من المخلوقات، فإن غايته إذا كان فاعلًا وعلةً، أن يكون محتاجًا إليه من وجه دون وجه.
وهو محتاج إلى غيره من وجه آخر، وهو فاعل وعلة له من وجه دون وجه.
وأما أن يكون في الموجودات ما هو مفتقر إلى فاعل أو علة، كافتقار المخلوقات إلى الخالق فلا.
وهذا من أسباب ضلال هؤلاء، فإنهم ضلوا في قياسهم الخالق، الذي ليس كمثله شيء، على المخلوقات، فيجعلون حال المخلوقات معه، كحال مفعولات العباد معهم، لا سيما وفيهم من يكون قوله شرًا من ذلك.
ومن هذا الباب قول من جعل المعدوم شيئًا ثابتًا في الخارج،
[ ١٠ / ٢٨٥ ]
مستغنيًا عن الخالق، ومن جعل الماهيات غير الأعيان الموجودة، فإذا ضم إلى أحد هذين القولين أن يجعل الوجود واحدًا، والوجود الواجب هو الممكن -لزم أن يكون كل من وجود الأعيان وثبوتها مفتقرًا إلى الآخر، وأن يكون الوجود الواجب مفتقرًا إلى الذوات المستغنية عنه، كما يقوله صاحب الفصوص.
أو أن يكون وجود الأعيان، الذي هو الوجود الواجب عند هؤلاء، مفتقرًا إلى الماهيات المستغنية عنه، كما يقوله آخرون منهم.
ويقول ابن سبعين وأمثاله: هو في كل شيء بصورة ذلك الشيء، فهو في الماء ماء، وفي النار نور، وفي الحلو حلو، وفي المر مر.
وقد وقع نوع من الحلول والاتحاد في كلام غير واحد من شيوخ الصوفية.
ولهذا كان الأئمة منهم، ك الجنيد وأمثاله، يتكلمون بالمباينة، كقول الجنيد: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم.
وفي كلام الشاذلي، والحرالي، بل وابن برجان، بل وأبي طالب وغيرهم من
[ ١٠ / ٢٨٦ ]
ذلك ما يعرفه من فهم حقيقة الحق، وفهم مقاصد الخلق.
ولهذا كان الناس يصفون السالمية بالحلول، فإن أبا طالب من أصحاب أبي الحسن ابن سالم، صاحب سهل بن عبد الله التستري.
والناس في هذه المسألة على أربعة أقوال:
منهم من يقول بالحلول والاتحاد فقط، كقول صاحب الفصوص وأمثاله.
ومنهم من يثبت العلو ونوعًا من الحلول، وهو الذي يضاف إلى السالمية، أو بعضهم.
وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال: إنه يدل على ذلك.
ومنهم من لا يثبت لا مباينة ولا حلولًا ولا اتحادًا، كقول المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
والقول الرابع إثبات مباينة الخلق للمخلوق بلا حلول.
وهذا قول سلف الأمة وأئمتها.
وكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه، فإن الحال في غيره إن لم يكن محتاجًا إليه بوجه من الوجوه امتنع الحلول، سواء قيل: إن الحال قائم بنفسه أو بغيره.
فإن قال الحلولي: أنا أثبت حلولًا لا كحلول الأجسام ولا الأعراض، وحينئذ فلا يلزم افتقاره فيه إلى غيره.
[ ١٠ / ٢٨٧ ]
قيل: هذا لا حقيقة له، وهو كقول من قال: أثبت قيامه بغيره من غير احتياج إلى ذلك المحل الذي من شأنه أن يقوم ما قام فيه، لأن قيامه بالغير ليس كقيام الأجسام والأعراض، وأثبته في غيره لا مماسًا له ولا مباينًا له.
لكن هذا الجواب يصح من أهل السنة الذين ينكرون وجود موجود لا مباين للعالم ولا داخل فيه.
وأما من أثبت هذا، فإنه لا يمكنه إبطال قول الحلولية، فإنهم يقولون: كما أثبت موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه فأثبته حالًا في الموجودات من غير أن يكون مفتقرًا إليها.
فإذا قال: هذا لا يعقل.
قيل: وذاك لا يعقل، بلا تصديق العقل بوجود موجود في العالم غير مفتقر إليه، أقرب من تصديقه بوجود موجود لا داخل العالم ولا مباين له.
ولهذا كان انقياد القلوب إلى قول الحلولية أقرب من انقيادهم إلى قول نفاة الأمرين.
وجمهور الجهمية وعبادهم وصوفيتهم إنما يتكلمون بالحلول.
وإلا فالنفي العام لا تقبله غالب العقول، وإنما يقوله من يقوله من متكلمتهم.
وهؤلاء يخضعون لأرباب الأحوال والعبادات والمعارف من الجهمية الحلولية، ولا يمكنهم الإنكار عليهم بحجة ظاهرة، ويد مبسوطة، بل إما أن يكونوا مقصرين معهم في الحجة، وإما أن يكونوا مقهورين معهم بالحال والعبادة والمعرفة، لأن أولئك في قلوبهم تأله ووجد
[ ١٠ / ٢٨٨ ]
وذوق، وهؤلاء بطالون قساة القلوب، لأن القلب لا يتوجه بالقصد والعبادة إلى العدم والنفي، وإنما يتوجه إلى أمر موجود.
ولهذا كانت الجهمية النفاة داخلين في نوع من الشرك، إذ كل معطل مشرك، وليس كل مشرك معطلًا.
والجهمية قولهم مستلزم للتعطيل، ففيهم شرك.
وقد يكون الشرك فيمن ليس منهم، إذ إخلاص الدين لله مستلزم لإثباته، وليس إثباته مستلزمًا للإخلاص، فمن أثبت شيئًا من الحقائق مستغنيًا عن الله كاستغناء الألوان في أنفسها عن النور، أمكنه أن يقول: هو بالنسبة إلى تلك الأمور كالنور بالنسبة إلى اللون، إذ قد تظهر به تلك الأمور، كما ظهر اللون لنا بالنور.
قال ابن رشد: فقد تبين لك من هذا القول الاعتقاد الأول الذي في هذه الشريعة، في هذه الصفة، يعني الجسمية، وما حدث في ذلك من البدعة.
قال: وإنما سكت الشرع عن هذه الصفة لأنه لا يعترف بموجود في الغائب أنه ليس بجسم إلا من أدرك برهانًا: أن في الشاهد موجودًا بهذه الصفة، وهي النفس.
ولما كان الوقوف على معرفة هذا
[ ١٠ / ٢٨٩ ]
المعنى من النفس مما لا يمكن الجمهور، لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم.
فلما حجبوا عن معرفة النفس، علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى من الباري تعالى.
قلت: ولقائل أن يقول: هو قد بين فساد طرق نفاة الجسم من المتكلمين، وكذلك بين فساد طريقة ابن سينا وغيره من الفلاسفة، وذكر أنه لا يمكن الاعتراف بوجود موجود في الغائب ليس بجسم، إلا من علم بالبرهان أن النفس ليست بجسم.
وحينئذ فيقال له: هذا أضعف من كلام المتكلمين ومن كلام الفلاسفة من وجهين: أحدهما: أن الأدلة الدالة على كون النفس ليست الجسم الإصطلاحي، وهو ما يمكن الإشارة إليه، وكونها لا توصف بحركة ولا سكون، ولا تقرب من شيء ولا تبعد عنه، ولا تصعد ولا تعرج ولا تهبط، ونحو ذلك مما يقوله فيها هؤلاء الفلاسفة -أضعف من أدلة نفي ذلك عن الباري، فإذا كانت تلك فاسدة فهذه أولى.
والثاني: أن يقال: هب أنه يثبت أن النفس لا يمكن الإشارة إليها، أو أن المخلوقات ما لا يمكن الإشارة إليها، فمن أين يجب أن يكون الخالق كذلك؟ غاية ما يثبت به: أن العقل لا يحيل ذلك، لكن عدم استحالته في العقل لا يقتضي ثبوته في نفس الأمر، بل ولا إمكانه في نفس الأمر.
[ ١٠ / ٢٩٠ ]
فإذا لم يكن ثم دليل عقلي ينفي الجسمية عن الباري، كما قد بينته، لم يكن في نفي ذلك عن النفس دليل على أن الباري كذلك، اللهم إلا أن يثبت أن هذا الجنس أشرف من غيره.
فيقال: الباري أحق بصفة الكمال من النفس، لكن كون الشيء لا يشار إليه أمر سلبي، والسلب المحض ليس صفة مدح ولا كمال، إلا أن يتضمن أمرًا وجوديًا.
وليس في كون الشيء لا يشار إليه ما يستلزم أمرًا وجوديًا، كما أنه ليس في كونه لا يرى ما يستلزم أمرًا وجوديًا، كما أن نفي الرؤية عن بعض المخلوقات لا يستلزم نفيها عن الباري تعالى.
وأيضًا فيقال: من المعلوم أن اتصاف الموصوف بكونه حيًا عليمًا قديرًا، أكمل من اتصافه بكونه لا يشار إليه.
ثم أنتم تفرون من إثبات صفات الكمال للرب في نفس الأمر، لما في ذلك من التشبيه، فإذا شبهتموه بالمخلوق فيما دون صفات الكمال من الصفات السلبية، كان هذا أقرب إلى التشبيه الباطل ووصفه بالنقائص، ولكن هذه سنة معلومة للجهمية: يسلبون عن ربهم صفات الكمال فرارًا من التشبيه بالكامل من الموجودات، ويصفون بالسلوب المتضمنة صفات النقص التي يشبهونه فيها بالجمادات والمعدومات والممتنعات، فإن العدم علم لا يشار إليه، كما أنه لا يرى، وكل ما يوصف به العدم المحض لم يكن كمالًا، بل هو إلى النقص أقرب.
وأما ما ذكره من سكوت الشريعة عن النفس.
[ ١٠ / ٢٩١ ]
فيقال له: الكتاب -والسنة- مملوء بإثبات صفات النفس الدالة على أنه يشار إليها، وأنها بحكم اصطلاحهم -جسم، فإنه أخبر بقبضها ورجوعها وصعودها، ودخولها في عباده، ودخولها جنته، ودخولها البدن وخروجها منه، وعروجها إلى السماء، وأنها في حواصل طير خضر، وأمثال ذلك من الصفات التي تقولون أنتم: إنها لا تكون إلا لجسم.
وأما لفظ الجسم فهو في اللغة بمعنى البدن، أو بمعنى غلظه وكثافته.
كما قال: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة: ٢٤٧] .
وقال: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ [المنافقون: ٤] .
ويقال: لهذا الثوب جسم أي غلظ وكثافة.
وهذه المعاني منتفية عن الروح، فلم يصلح أن يعبر عنها في لغة العرب بلفظ الجسم، بل الناس يقولون: الجسم والروح، فيجعلون مسمى الأجسام غير مسمى الأرواح.
وإذا كان من الأعيان القائمة بنفسها الموصوفة بالصعود والعروج، والدخول والخروج، ونحو ذلك مما لا يسمى في اللغة جسمًا، لم يجب أن يسمى كل ما قام بنفسه جسمًا في لغتهم.
وأما في اصطلاحكم، فالجسم عندكم هو ما أمكن الإشارة إليه.
وما وصف بصعود أو هبوط فهو عندكم جسم، وما قامت به الصفات فهو عندكم جسم.
فعلى اصطلاحكم يجب أن تكون الروح جسمًا، وليس في عدم إخبار الشارع بذلك حجة لكم.
[ ١٠ / ٢٩٢ ]
والناس قد تنازعوا في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥]: هل المراد به روح ابن آدم، أو ملك من الملائكة، أو غير ذلك؟ على قولين مشهورين.
وبتقدير أن يكون المراد روح الإنسان، فالنص لم يخبر بكيفيتها، لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله، وليست الروح من جنس ما نشهده من الأعيان، فلا يمكن تعريفنا بكيفيتها، وإن كانت لها كيفية في نفسها.
ثم يقال لهذا الذي أحال على ما قالوه في النفس: من المعلوم أن أعظم برهان لهم في أن النفس ليست جسمًا: قولهم: إن العلم يحل فيها، فلو كانت جسمًا لا تقسم الحال فيها بانقسامها، فإن الجسم منقسم، والعلم لا ينقسم ولا بعض له.
وقد يفرضون ذلك في العلم بما لا ينقسم، كالعلم بالكليات والمجردات وواجب الوجود.
والعلم بالمعلوم الواحد لا ينقسم، إذ العلم يتبع المعلوم، فإذا لم يكن المعلوم منقسمًا، لم يكن العلم منقسمًا، فلم يكن محل العلم منقسمًا، فلا يكون جسمًا.
هذا أعظم ما عندهم من البراهين.
وقد اضطرب الناس في جوابه، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
لكن نقول هنا: جوابه من وجوه:
أحدها: أن يقال: قيام العلم بالنفس كقيام الحياة والقدرة والإرادة، والحب والبغض، وسائر الأعراض المشروطة بالحياة.
وهم يسلمون أن هذه الصفات تقوم بالجسم، فما كان جوابًا عن قيام هذه الصفات بالنفس، كان جوابًا عن قيام العلم.
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
الثاني: ما عارضهم به صاحب التهافت وغيره.
وقالوا: هذا باطل عليكم بالقوة الوهمية التي تدرك في المحسوس ما ليس بمحسوس، كإدراك القوة التي في الشاة عداوة الذئب، فإنها في حكم شيء واحد لا يتصور تقسيمه، إذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه، وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم، فإن نفس البهائم منطبعة في الأجسام لا تبقى بعد الموت، وقد اتفقوا عليه، فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمس، وبالحس المشترك، وبالقوة الحافظة للصور، فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس من شرطها أن تكون في مادة.
وأورد على نفسه سؤالًا، فقال: هذه مناقضة في العقليات، إذ العقليات لا تنتقض، فإنه مهما لم يقدروا على الشك في المقدمتين، وهو أن العلم الواحد لا ينقسم، وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم -لم يمكنهم الشك في النتيجة.
وأجاب بأن المقصود بيان تهافتهم وتناقضهم وقد حصل، إذ انتقض أحد الأمرين: إما ما ذكروه في النفس الناطقة، أو ما ذكروه في القوة الوهمية.
الجواب الثالث: أن يقال: ما تعنون بقولكم: العلم لا ينقسم، ومحله إذا كان جسمًا ينقسم؟ إن عنيتم بالانقسام إمكان تغريقه، فلم قلتم: إن كل جسم يمكن تغريقه؟ وبتقدير أن يكون ممكنًا في نفسه، فلم قلتم: إنه إذا قسم لا تبقى النفس نفسًا ولا روحًا، وإن بقيت أجزاؤها متفرقة؟.
وكذلك يقال في العلم والقدرة والحياة وسائر الأعراض القائمة
[ ١٠ / ٢٩٤ ]
بالنفس: هي لا تبقى بعد تفرق النفس، فقيامها بالنفس مشروط ببقاء النفس.
فإذا قدر أنه فرقت لم تكن باقية، فلا تقوم بها الأعراض، وهذا كقيام الأعراض بالبدن، فإن قيام الحياة والحس والحركة ببعض البدن، قد يكون مشروطًا بقيامه بالبعض الآخر، فإذا قطعت بعض الأوصال فارقت الحياة والقدرة والحس لمحل آخر.
فما المانع من أن يكون قيام العلم وغيره من الأعراض مشروطًا بأن لا تفرق ولا تفسد إن كانت قابلة للتفريق؟.
الجواب الرابع: قولكم: العلم الواحد بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم: ما تعنون بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم؟ إن عنيتم به العقول المجردة، فتلك إثباتها فرع على إثبات النفس.
وكذلك واجب الوجود قد قلتم: إنه لا يمكن نفي ذلك عنه، إلا بعد نفي ذلك عن الجسم، فلو نفي ذلك عن النفس بناء على نفيه عنه، لزم الدور.
وهب أن منكم من لا يقول ذلك، فالمنازع لا يسلم ثبوت شيء من الموجودات على الوجه الذي تدعونه من أنه لا يشار إليه ولا إلى محله.
وأما الكليات فتلك ليس لها في الخارج معلوم ثابت لا ينقسم، وإنما هذا على زعم من يضن أن الكليات موجودة كلية في الخارج، وهو معلوم الفساد بالضرورة، وهو من أصول ضلالهم في المنطق والإلهيات.
وإنما هي في الذهن.
والكلي هو العام، واللفظ العام والمعنى العام يقوم بالجسم، كما يقوم اللفظ العام باللسان، وكما يقوم الشك المطلق والجسم المطلق واللون
[ ١٠ / ٢٩٥ ]
المطلق في الخيال.
وهذه كليات، وأفرادها موجودة في الخارج وهي تقوم بالجسم عندهم.
الجواب الخامس: أن يقال: سريان العرض في محله بحسب محله.
ومن المحال أن يقبل التفريق وتتفرق أعراضه مع بقائها، كما أن السواد والبياض القائم بالجسم يتفرق بتفرق محله، كالنور إذا قطع.
ومن المحال ما إذا فرق زالت أعراضه.
كالأشكال القائمة بالمشكل، فإذا فرق زال ذلك الشكل، فالاستدارة والتثليث والتربيع القائم بالجسم لا يبقى إذا فرق فأخرج عن ذلك الشكل إلى غيره.
وقد تكون الحياة والحس والحركة الإرادية، والعلم والقدرة، وغير ذلك مشروطًا بالشكل الخاص، أو غير ذلك من الأعراض.
ومن المحال ما لا يعقل تفريقه.
ومن قال: إن النفس جسم لا يلتزم إمكان تفريقها، وأنها مركبة من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة، إلا إذا كان من القائلين بذلك.
وقد عرف أن جمهور الناس لا يقولون لا بهذا ولا بهذا، بل كثير من الطوائف النظار - أو أكثرهم - كالهشامية، والنجارية، والضرارية، والكلابية، وطائفة من الكرامية.
وإنما ادعى أنها مركبة من الجواهر المفردة من ادعاء من المعتزلة والأشعرية، ومن وافقهم من الكرامية وغيرهم.
وأما القول بتركبة من المادة والصورة، فقول بعض الفلاسفة.
فهؤلاء إذا قالوا: إن النفس ليست جسمًا، فقد أصابوا من وجه
[ ١٠ / ٢٩٦ ]
وأخطأوا من وجه.
أصابوا من حيث نفوا عنها هذا التركب والتبعيض والانقسام، وأخطأوا من حيث ادعوا ثبوت ذلك في كل ما يشار إليه، وكل ما يمكن الإحساس به ورؤيته.
فإنهم لما زعموا أن كل ما يمكن الإشارة الحسية إليه فهو جسم، وكل جسم فهو مركب بهذا الاعتبار- لزمهم أن تكون النفس بحيث لا يشار إليها إشارة حسية.
ومن المعلوم أن بدنها جسم معين محسوس، وأنها هي التي ترى المعينات وتشمها وتذوقها وتسمعها بتوسط البدن، فإذا كانت يشار إلى المعينات المحسوسة إشارة حسية تميز بها بين محسوس ومحسوس، وتتعلق ببدن معين مخصوص- لم تكن نسبتها إلى جميع الأبدان والأجسام واحدة.
وإذا قيل: هي تتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف.
قيل: المدبر المصرف لغيره: إن كان تدبيره بعينه، فلا بد من إحساسه.
وإما إن كان يدبره تدبيرًا مطلقًا كليًا، مثلما يأمر الإنسان أتباعه أو أجناده بأمر عام، من غير قصد شخص معين منهم- فهذا لا يفتقر إلى الإحساس بآحادهم.
أما إذا أمر واحدًا بعينه، فلا بد من امتيازه عن غيره.
وتمييز الأعيان بعضها عن بعض إنما هو بالحس الباطن أو الظاهر، ليس بمجرد العقل الكلي.
فإذا كانت تشير إلى المعينات من الأجسام المحسوسة، أشارت إليها الأجسام المعينة، فإن الإشارة الحسية مشتركة، فما أشير إليه إشارة حسية، أمكن أن يشير إشارة حسية، وما لا فلا.
[ ١٠ / ٢٩٧ ]
يبين هذا أن البدن والنفس يؤثر كل منها في الآخر، والنفس إذا أحبت ورضيت وفرحت وحزنت، أثر ذلك في البدن، والبدن إذا سخن أو برد، أو جاع أو شبع، أثر ذلك في النفس، فالتأثير مشترك.
وإذا كان البدن جسمًا معينًا يؤثر فيها دون غيرها من الأنفس، فلا بد أن يشير إليها ويعينها دون غيرها من الأنفس، وإشارة البدن لا تكون إلا إشارة حسية.
والكلام على هذا مبسوط في موضعه.
قال ابن رشد: وأما ما حصله الإمام المهدي يعني محمد بن التومرت الذي ادعى أنه المهدي المبشر به، وأقام الملك المعروف بملك الموحدين، وكان كثير من مصنفي العلم في مملكة أتباعه يراعون ذكره وأقواله، حتى يذكروا اسمه بعد اسم النبي ﷺ، لأنه دعا الناس إلى أقواله بالسيف، واستحل دماء من خالفه فيما ذكره من التوحيد وإمامته وغير ذلك، وكأصول التوحيد الذي هو توحيد الجهمية نفاة الصفات، وكان يقول بالوجود المطلق، وعلى منواله نسج ابن سبعين وأمثاله في التوحيد.
عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية
قال ابن رشد: وأما ما حصله الإمام المهدي من
[ ١٠ / ٢٩٨ ]
التصريح بنفي الجسمية، فهو الواجب بحسب زمانه، وذلك أن الناس لما اجترأوا على الشرع، وسألوا عما لم يسأل عنه الصحابة، وهل هو جسم أم ليس بجسم؟ إذ هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع، واشتهر هذا السؤال وفشا في الناس، وكان السبب فيه سؤال من دعي إلى الدخول في الإسلام من سائر الأمم الذين اعتادوا النظر، لم يكن بد لأهل الإسلام من الجواب في ذلك فأجاب بعضهم في ذلك بجواب خطأ، وهو أنه جسم، وأجاب بعضهم بأنه ليس بجسم، وهو الجواب الصواب، وكثر الاختلاف بينهم ووقع الشك والحيرة، وكفر بعضهم بعضا.
قال: ولما كانت خاصة الإمام المهدي رفع الاختلاف بين الناس، أتى مقررًا لنفي الجسمية عنه سبحانه، كفر المثبت
[ ١٠ / ٢٩٩ ]
للجسمية، وهو شيء جرى من فعله في الشرع في وقته -وبحسب الناس الذين وجد فيهم- مجرى التتميم والتبيين، والله يختص بفضله من يشاء.
قلت: ولقائل أن يقول: في هذا الكلام من المداهنة والمصانعة لأتباع ابن التومرت ما لا يخفى.
والمقصود العلمي أن يقال: هذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه قد أسلم على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأمم، ودعي إلى الإسلام من أصناف الأمم، من لا يوجد بعدهم مثلهم في الحذق والنظر، فإن الصحابة دعوا أكمل الأمم: العرب، والعبرانيين، والروم، والفرس، ومن دخل في هؤلاء من القبط والنبط، وفتحوا أوسط الأرض، وكل من دعي -أو أسلم- بعد هؤلاء، كالترك، والديلم، والبرير، والحبشة، وغيرهم، فإنهم دون هؤلاء في الفضل.
ومن المعلوم أن فلسفة اليونان والهند ونحوهم كانت موجودة إذ ذاك كوجودها اليوم وأكثر، إذ كانت اليونان موجودين قبل مبعث المسيح، وكان أرسطوا وملكه الإسكندر بن فليبس قبل المسيح بنحو
[ ١٠ / ٣٠٠ ]
ثلاثمائة سنة، وآخر ملوكهم بطليموس، الذي دخل النصارى عليهم.
ثم من نظر في أخبار الأمم الذين لم يكن لهم كتاب كالروم واليونان ونحوهم، علم أن النصارى أكمل منهم في الإلهيات، وأفضل وأعلم منهم وأعقل، وإنما كان يكون حذق تلك الأمم في غير العلوم الإلهية، كالطب والحساب والهيئة ونحو ذلك.
وأعظم اشتغالهم بالهيئة إنما كان لأجل الشرك والسحر ودعوة الكواكب والأوثان من دون الله، فإنهم يقولون: إنهم يستخرجون قوى الأفلاك ويمزجون بين القوة الفعالة السماوية والقوى المنفعلة الأرضية.
ولهذا يوجد في بلادهم من الطلاسم ونحوها ما هو معروف بأرض مصر والشام والجزيرة وغيرها.
فدعوى المدعي أن الناس احتاجوا، فيمن يدعونه إلى الإسلام، إلى تغيير الأصول الشرعية، التي لم يحتج الصحابة إلى تغييرها -دعوى باطلة.
الوجه الثاني: أن يقال: القرآن فيه بيان الوجوب عن هذا السؤال، وسائر ما يسأل عنه، لكن يريد الذي يجيب بما في القرآن والسنة أن يعرف معاني القرآن والسنة، ويعرف معاني كلام السائل، فإن الناس لهم عبارات يعبرون بها عن معانيهم غير العبارات التي في الكتاب والسنة، كما لأمة لسان غير لسان العرب.
فالمجيب بما جاء به الرسول يحتاج إلى أن يعرف معنى العبارتين: العبارة التي خاطب بها الرسول، والعبارة التي وقع بها السؤال.
[ ١٠ / ٣٠١ ]
ثم هذه العبارات قد تكون غريبة غير معناها، وقد لا يكون معناها مغيرًا، وقد لا تكون غريبة.
فلفظ الهيولى ونحوها من كلام الفلاسفة ليس غريبًا في لغتهم، معناه مثل معنى المحل والموضع ونحو ذلك.
ولفظ العقل والمادة ونحوهما في كلامهم غير معناه عن معناه في لغة العرب، فإنهم يعنون بالعقل جوهرًا قائمًا بنفسه.
والعقل في لغة العرب عرض هو علم أو عمل بالعلم، وغريزة تقتضي ذلك.
والمادة من جنس الهيولى عندهم.
وكذلك لفظ الجسم والجوهر والعرض والتحيز والانقسام والتركيب: معانيها في اصطلاح النظار غير معانيها في لغة العرب.
لكن هذه الألفاظ لم تستعمل في القرآن في الأمور الإلهية.
وكذلك غير طائفة من أهل الكلام والفلسفة لفظ التوحيد والإيمان والسنة والشريعة ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الأمور الإلهية.
والمقصود هنا أن السائل إذا سأل عن الأمور الدينية بألفاظ ليست مأثورة عن الرسول في ذلك، مثل سؤاله بلفظ: الجهة، والحيز، والجسم، والجوهر، والمركب، والمنقسم، ونحو ذلك- نظرنا إلى معنى لفظه، فأثبتنا المعنى الذي أثبته الله ونفينا المعنى الذي نفاه الله.
ثم إن كان التعبير عن ذلك بعبارته سائغًا في الشرع، وإلا عبر بعبارة تسوغ في الشرع.
وإذا كانت عبارته تحتمل حقًا وباطلًا، منع من إطلاقها نفيًا وإثباتًا.
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
ولفظ الجسم والجوهر ونحوهما من هذا الباب.
فإذا قال السائل: هل الله جسم أم ليس بجسم؟ لم نقل: إن جواب هذا السؤال ليس في الكتاب والسنة، مع قول القائل: إن هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع.
والله تعالى يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] .
وقال: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: ١١٥] .
وقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ٨٩] .
وقال: ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [يوسف: ١١١] .
وقال: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٦] .
وقال: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ٣] .
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقال: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .
وقال: ﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ [إبراهيم: ١] .
وقال: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت: ٥١] .
وقال: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
ومثل هذا في القرآن كثير، مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كاف لمن اتبعه، لا يحتاج معه إلى غيره، يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل.
وقد «كان النبي ﷺ يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» .
وكان يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»، وفي لفظ: «وكل محدثة بدعة» .
وكان يقول: «تركتكم على البيضاء: ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» .
وكان يقول: «ما أمركم الله بشيء إلا أمرتكم به، ولا نهاكم الله عن شيء إلا نهيتكم عنه» .
وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ، وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.
ومثل هذا كثير.
فكيف يكون هذا- مع هذا البيان والهدى - ليس فيما جاء به جواب عن هذه المسألة، ولا بيان الحق فيها من الباطل، والهدى من الضلال؟! بل كيف يمكن أن يسكت عن بيان الأمر، ولو لم يسأله الناس؟!.
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
واعتقاد الحق واجب فيها: إما على العامة والخاصة، وإما على الخاصة دون الأمة، لا سيما مع كثرة النصوص المشعرة بأحد قسمي السؤال.
وإنما يقول: إن جواب هذا السؤال وأمثاله ليس في الكتاب والسنة، الذين يعرضون عن طلب الهدى من الكتاب والسنة، ثم يتكلم كل منهم برأيه ما يخالف الكتاب والسنة، ثم يتأول آيات الكتاب على مقتضى رأيه، فيجعل أحدهم ما وضعه برأيه هو أصول الدين الذي يجب اتباعه، ويتأول القرآن والسنة على وفق ذلك، فيتفرقون ويختلفون.
كما قال فيهم الإمام أحمد: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب.
ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا، كما اتفق أهل السنة والحديث.
فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم.
ولهذا لم يقل أحد منهم: إن الله جسم، ولا قال: إن الله ليس بجسم، بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية، من المعتزلة وغيرهم، وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات، مع إنكارهم على من شبه صفاته بصفات خلقه، مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على المشبهة، لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه.
كما قيل: المعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا.
ومن يعبد إلهًا موجودًا موصوفًا بما يعتقده هو من صفات الكمال، وإن كان مخطئًا في ذلك، خير ممن لا يعبد شيئًا، أو يعبد من لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات.
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
ونفاة الصفات، وإن كانوا لا يعتقدون أن ذلك متضمن لنفي الذات، لكنه لازم لهم لا محالة، لكنهم متناقضون.
ولهذا لا يوجد فيهم إلا من فيه نوع من الشرك، ولا بد من ذلك لنقص توحيدهم الذي به يتخلصون من الشرك.
والمقصود أن يقال: جواب هذا السؤال في الشريعة.
وذلك أن يقال: إن الله قد بين ما هو ثابت له من الصفات وما هو منزه عنه، وأثبت لنفسه صفات الكمال، ونفى عنه صفات النقص.
فيقال لمن سأل بلفظ الجسم: ما تعني بقولك؟ أتعني بذلك أنه من جنس شيء من المخلوقات؟ فإن عنيت ذلك فالله تعالى قد بين في كتابه أنه لا مثل له، ولا كفو له، ولا ند له، وقال: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧] .
فالقرآن يدل على أن الله لا يماثله شيء: لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله: فإن كنت تريد بلفظ الجسم ما يتضمن مماثلة الله لشيء من المخلوقات، فالله منزه عن ذلك، وجوابك في القرآن والسنة.
وإذا كان الله ليس من جنس الماء والهواء، ولا الروح المنفوخة فينا، ولا من جنس الملائكة، ولا الأفلاك، فلأن لا يكون من جنس بدن الإنسان ولحمه وعصبه وعظامه، ويده ورجله ووجهه، وغير ذلك من أعضائه وأبعاضه، أولى وأحرى.
فهذا الضرب ونحوه، مما قد يسمى تشبيهًا وتجسيمًا، كله
[ ١٠ / ٣٠٧ ]
منتف في كتاب الله، وليس في كتاب الله آية واحد تدل، لا نصًا ولا ظاهرًا، على إثبات شيء من ذلك لله، فإن الله إنما أثبت له صفات مضافةً إليه.
كقوله: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] و: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة﴾ [الذاريات: ٥٨] .
و: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]، كما قال: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] .
ومعلوم أن نفس الله، التي هي ذاته المقدسة الموصوفة بصفات الكمال، ليست مثل نفس أحد من المخلوقين.
وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أهل الحديث وغيرهم، وفيهم طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، إلى أن النفس صفة من الصفات.
والصواب أنها ليست صفة، بل نفس الله هي ذاته سبحانه، والموصوفة بصفاته سبحانه، وذلك لأنه بإضافته إليه قطع المشاركة.
فكذلك لما أضاف إليه علمه وقوته، ووجهه ويديه، وغير ذلك، قطع بإضافته إليه المشاركة.
فامتنع أن شيئًا من ذلك من جنس صفات المخلوقين، كما امتنع أن تكون ذاته من جنس ذوات المخلوقين.
[ ١٠ / ٣٠٨ ]
ولهذا اتفق السلف والأئمة على الإنكار على المشبهة، الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي.
وإن عنيت بلفظ الجسم الموصوف بالصفات، القائم بنفسه، المباين لغيره، الذي يمكن أن يشار إليه، وترفع إليه الأيدي -فلا ريب أن القرآن قد أخبر أن الله له العلم والقوة والرحمة، والوجه واليدان، وغير ذلك، وأخبر أنه إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، وأنه: ﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ [الفرقان: ٥٩]، وأنه: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤] .
فالقرآن مملوء من بيان علوه على خلقه، والصعود إليه، والنزول منه، ومن عنده، وإثبات علمه ورحمته، وغير ذلك من صفاته.
وإذا سميت ما هو كذلك جسمًا، وسئلت: هل هم جسم؟ كان الجواب أن المعنى الذي سئلت عنه وأردته بهذا اللفظ قد بينه الله وأثبته في كتابه.
وأما إطلاق لفظ الجسم على الله، فهو كإطلاق الفلاسفة لفظ
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
العقل ونحو ذلك.
وهذه العبارات في لغة العرب تتضمن معاني ناقصة ينزه الله عنها.
فالعقل هو المصدر الذي هو عرض، والله سبحانه منزه عن ما هو فوق ذلك، بل نفس تسميته عاقلًا ليس معروفًا في شرع المسلمين.
فقد تبين أن ما يعني بلفظ الجسم من تمثيل الله بخلقه ووصفه بالنقائص، فقد بين الله في كتابه أنه منزه عنه، وما يعني به من إثبات أنه قائم بنفسه، مباين لخلقه، عال عليهم، يرفعون إليه أيديهم عند الدعاء، ويعرج إليه بنبيه ليلة الإسراء -موصوف بصفات الكمال، منزه عما يستلزم العدم والإبطال- فقد بين الله في كتابه إثباته لنفسه، فلا يقال: إنه ليس في القرآن جواب هذا السؤال.
فإذا قال القائل بعد هذا: الجسم هو المؤلف أو المركب، فلا يكون جسمًا، ونحو ذلك.
قيل له: لا ريب أن الله سبحانه غني عن كل ما سواه، لا يجوز أن يقال: إنه مفتقر إلى غيره في شيء فضلًا عن أن يقال: ركبه مركب، أو ألفه مؤلف.
والله قد أخبر في القرآن بمعناه.
وكذلك لا يجوز أن نظن أنه كان مفرقًا فاجتمع، أو أنه يتفرق، أو نحو ذلك مما ينافي صمديته وكماله في وقت من الأوقات.
وإذا قال قائل: الجسم هو القائم بنفسه، أو المشار إليه، فيكون جسمًا.
قيل له: لا ريب أن الله قائم بنفسه، وأنه ترفع الأيدي إليه،
[ ١٠ / ٣١٠ ]
ويشار إليه.
كما أشار النبي ﷺ عشية عرفة بإصبعه إليه وجعل يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد.
وقال: إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا.
وقال: إشارة الرجل بإصبعه في الصلاة مقمعة للشيطان.
وهو إشارة إلى التوحيد.
ويقال لذلك:
أنت تقول: الجسم هو المركب، وهذا يقول: هو القائم بنفسه، وأنتما متفقان على أن الله تعالى لا يتفرق ولا يركبه أحد، وعلى أنه قائم بنفسه، فإن تنازعتما في كونه فوق العرش، وأن القرآن نزل منه، والملائكة تعرج إليه -فالصواب مع المثبت، وإن تنازعتما في كون استوائه على العرش مثل استواء المخلوق، أو في كونه مفتقرًا إلى العرش، ونحو ذلك مما يتضمن وصفه بالنقص أو تمثيله بالخلق- فالصواب مع النافي.
وكذلك إن تنازعتم في إثبات علمه ورحتمه وقوته، فالصواب مع المثبت.
وإن تنازعتم في أنه: هل صفاته ذوات قائمة بنفسها، كما قد يحكى عن النصارى، فالصواب مع النافي.
فإن قال القائل: الأجسام المتماثلة، فإذا قلنا: هو جسم، لزم أن
[ ١٠ / ٣١١ ]
يكون مثلًا لغيره، بخلاف ما إذا قيل: حي وحي، وعليم وعليم، وقدير وقدير، فإذا هذا اتفاق في الصفات لا يقتضي التماثل في الذوات، فمن قال: هو جسم لا كالأجسام -كان مشبهًا، بخلاف من قال: حي لا كالأحياء.
وهذا السؤال يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري، ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
فيقال: إذا كان المخاطب لك ينفي أن يكون مماثلًا لغيره، وينفي التشبيه كما ننفيه، وأنت وهو قد تنازعتم في مسمى اسم من الأسماء: هل هو مماثل لغيره أو لا؟ كان ذلك نزاعًا لفظيًا ونزاعًا عقليًا، ليس ذلك نزاعًا في أمر ديني، ولو تركوا الكلام في هذا، لم يضر ذلك الدين شيئًا، ويمكن كلًا منهما أن يعبر مقصوده الديني بما لا نزاع فيه، فيبقى هذا التمثيل بألفاظ ومعان لا نزاع فيها، ويثبت هذا قيام الرب بنفسه، ومباينته لخلقه، وعلوه على عرشه، بألفاظ ومعان لا نزاع فيها، من غير احتياج واحد منهما إلى التكلم بلفظ الجسم نفيًا ولا إثباتًا.
فإن قلتم: نزاعنا في شيء آخر، وهو أن يسمى جسمًا: هل هو مركب من الجواهر المفردة؟ أو من المادة والصورة؟ أم هو واحد لا تركيب فيه؟ فمن قال بالأول لم يجز أن يسميه جسمًا.
ومن قال بالثاني سماه جسمًا.
قيل: هذا نزاع لا يتعلق بالدين، فإن اللفظ إنما يكون البحث عن
[ ١٠ / ٣١٢ ]
معناه من الدين الواجب إذا جاء في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع.
فإن معرفة مراد الله ومراد رسوله ومراد أهل الإجماع واجب، لأن قول الله ورسوله وقول أهل الإجماع قول معصوم عن الخطأ يجب اتباعه.
فاللفظ الوارد في ذلك إن لم يعرف معناه لم يعرف ما أرادوا، ولهذا كان الواجب أن كل لفظ جاء في كلام المعصوم وجب علينا التصديق به، وإن لم يعرف معناه.
وما جاء في كلام غير المعصوم لم يجب علينا إثباته ولا نفيه حتى يعرف معناه.
فإن كان مما أثبته المعصوم أثبتناه، وإن كان مما نفاه نفيناه.
ولفظ الجسم في حق الله، وفي الأدلة الدالة عليه، لم يرد في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا كلام أحد من السلف والأئمة.
فما منهم أحد قال: إن الله جسم، أو جوهر، أو ليس بجسم ولا جوهر.
ولا قال: إنه لا يعرف إلا بطريقة الأجسام والأعراض، بل ولا استدل أحد منهم على معرفة الله بشيء من هذه الطرق: لا طريقة التركيب ولا طريقة الأعراض والحوادث، ولا طريقة الاختصاص.
وإذا كان كذلك، فالمتنازعون في مسمى الجسم، متنازعون في أمر ليس من الدين: لا من أحكامه، ولا دلائله.
وهكذا نزاعهم في مسمى العرض، وأمثال ذلك.
بخلاف نزاعهم في إثبات المعنى المراد بلفظ الجسم ونفيه.
فإن هذا يتعلق بالدين، فما كان من الدين فقد بينه الله في كتابه وسنة رسوله، بخلاف ما لم يكن كذلك.
فإن قيل: فلا بد من فصل النزاع بين كل اثنين في الدين.
[ ١٠ / ٣١٣ ]
قيل: فصل النزاع قد يكون بوجهين: أحدهما: نهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا، إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه.
كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف، ومقدار السفينة، والبعض من البقرة الذي أمر الله بالضرب به، إن قدر أنه كان معينًا، مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين، وفي أمثال ذلك من الأمور التي لا فائدة فيها، وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل -فمثل هذا ينهي كل منهم عن منازعة الآخر فيه، بل ينهي عن أن يقول ما لا يعلم.
والثاني أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب.
وحينئذ فإذا فصل النزاع بين المتنازعين في الجسم، قيل: النزاع على وجهين: لفظي، ومعنوي.
فإن كنتم تتنازعون في مسمى الجسم في اللغة، فليس مسماه ما قلته أنت من أن كل قائم بنفسه أو مشار إليه يسمى جسمًا، ولا ما قلته أنت من أن الجسم في اللغة هو المركب من أجزاء، فإن الهواء أو نحوه عنده مركب، والعرب لا تسميه جسمًا، وهو مشار إليه قائم بنفسه، والعرب لا تسميه جسمًا.
فقول كل واحد منكما غير موافق للغة العرب.
وغايته أن يكون اصطلاحًا منكم على معنى، كسائر الألفاظ الاصطلاحية، فيكون نزاعهم كتنازع الفقهاء في لفظ الفرض هل هو مرادف للواجب
[ ١٠ / ٣١٤ ]
أو أوكد منه؟ ولفظ السنة هل يدخل فيه الواجب أو لا يدخل؟ ومثل هذه المنازعات اللفظية الكثيرة.
وهذه بمنزلة اللغات والعادات في العبادات، قد تحمد أو تذم بحسب الشرع تارة وبحسب اللغة أخرى، وقد لا تحمد ولا تذم.
وإن كان نزاعكم في معنى عقلي، وهو أن العين التي اتفقتم على تسميتها جسمًا بحسب اصطلاحكم، وهي ما يشار إليه بقول أحدكما: إنها مركبة من أجزاء مفردة، أو المادة والصورة، والآخر ينكر ذلك -فهذا يمكن فصل النزاع بينكم، إذا كان النزاع معنويًا، بالأدلة العقلية تارة، وبغيرها أخرى.
ولكن مثل هذه المسائل لا يحتاج إليها الدين، كما لا يحتاج إلى مسائل الهيئة والتشريح، وإن كان العلم بها مما ينتفع به في الدين، كما ينتفع بالحساب والطب، وكما ينتفع بمسائل النحو واللغة، ونحو ذلك.
ومن هذا الباب ما ذكره من تماثل الأجسام، وتناهي قواها، وأنها مركبة مفتقرة إلى مركب -فإن هذه المسائل مما تنازع فيها العقلاء، مع اتفاق المسلمين على أن الله ليس له مثل ولا تنتهي قوته، وأنه غير مفتقر إلى غيره.
فالمعنى الذي يرده النافي بلفظ الجسم يوافقه المثبت عليه.
وإذا تنازعوا بعد هذا لم يكن نزاعهم إلا لفظيًا، وليس لإطلاق لفظ واحد منهما أصل في الشرع: لا هذا ولا هذا.
فالشرع لم يسكت عن المعنى الذي يجب نفيه، الذي ينفيه النافي بلفظ الجسم، بل نفاه الشرع
[ ١٠ / ٣١٥ ]
فلا يقال: إن الشرع سكت عما يحتاج إلى معرفته من معنى الجسم نفيًا وإثباتًا.
ثم إذا كان المعنى الذي يريده النافي يمكنه نفيه بالشرع وبالعقل، بدون إطلاقه لفظ متنازع في أحكام معناه، كان نفي ذلك المعنى بما ينفيه من الأدلة الشرعية والعقلية، التي لا يمكن النزاع فيها، هو المشروع، دون بقية معان متنازع فيها هي طويلة متعبة بلا نزاع، وقد تكون مع ذلك باطلة.
ومن المعلوم أن من ترك سلك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة، وسلك طريقًا بعيدة لغير مصلحة راجحة، كان تاركًا لما يؤمر به، فاعلًا لما لا فائدة فيه، أو ما ينهى عنه، إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود.
فأما مع الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة، فإنه لا يجوز سلوكها.
وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم، أحسن أحوالها أن تكون عوجًا طويلة، قد تهلك، وقد توصل، إذ لو كانت مستقيمة موصلة، لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة؟!.
ولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء، فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم، ويعارضونه في منتهى سلوكهم.
وقال قال تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا
[ ١٠ / ٣١٦ ]
يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤] .
فقد بين ان حذاق الفلاسفة أيضًا يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارع لا يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة، ولا شيء من طرقهم الفلسفية.
وإنما غايتهم أن يقولوا: إن الطرق الفلسفية تفيد علمًا لبعض الناس، ليس مما يجب ولا يستحب لجمهور الناس، وأن ذلك العلم الخاص يخالف بعض الظاهر المعروف عند الجمهور.
ونحن نقبل من كلامهم ما أقاموا عليه الحجة الصحيحة، سواء كانت شرعية أو عقلية.
فأما إذا قالوا ما نعلم بطلانه رددناه.
وقد نبهنا على أن قولهم فيما يدعون الاختصاص به من علم الباطن، أضعف بكثير من قول من بينوا فساد قوله من المعتزلة والأشعرية.
وقد تبين لك أن الطوائف التي في كلامها ما يعارضون به كلام الشارع من العقليات، سواء عارضوا به في الظاهر والباطن، كل منهم يقول جمهور العقلاء: إن عقلياته تلك باطلة ويبينون فساد عقلياته بالعقليات الصحيحة الصريحة التي لا يمكن ردها.
وهذا مما ينصر الله به رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا، فإن الله تعالى إذا أقام لكل طائفة تعارض الرسول من جنسها من يبين فساد قولها المعارض له، ويكشف جهلها وتناقضها -كان بمنزلة أن يقيم لكل طائفة تزيد محاربته من جنسها من يحاربها بالسلاح.
ثم المؤمن المجاهد يمكنه جهاد هؤلاء، كما يمكنه جهاد هؤلاء، ويمكنه أن يستعين بما فعلته
[ ١٠ / ٣١٧ ]
كل طائفة بالأخرى، فإذا أغارت طائفة على أخرى وهزمتها، أتاها من الناحية الأخرى ففتح بلادها، وإن كان هو لم يستعن بأولئك ابتداء، لكن الله يسر بما فيه الهدى والنصر لعباده المؤمنين، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.
وهذا آخر الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
فرغ من نسخه العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير، يوسف بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي، يوم السبت، أذان العصر
ثامن عشر المحرم، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، ببستان الأعز.
رحم الله كاتبه، ولمن قرا فيه، ودعا له بالمغفرة، ولجميع المسلمين، وصلى الله على النبي محمد وآله.
بلغ مقابلة بحسب الإمكان على نسخه قوبلت على أصل المصنف ﵁، وهي المنقول منها، وتكلمت مقابلة جميع الكتاب بحمد الله وعونه، بعد أذان العصر، يوم السبت ثامن عشر المحرم، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها، في خير وعافية، بمنه وكرمه.
وكان ذلك بالمكان الذي فرغ من نسخه فيه.
[ ١٠ / ٣١٨ ]
أنهي جميع هذا الكتاب نظرًا من أوله إلى آخره
في مجالس عديدة، وأزمان مديدة، مطالعة تحقيق، وبحث وتدقيق، كان آخرها في أواخر شعبان المبارك، من شهور سنة خمسين وسبعمائة.
قال وكتبه عبد العزيز بن يحيى بن عبد المنعم بن محمد بن روح المضوي المدني، نفعه الله بالعلم، وزينه بالتقى والحلم.
[ ١٠ / ٣١٩ ]