*
اليهودية ديانة اليهود الذين يزعمون الانتساب إلى بني إسرائيل، وقد زعموا زورًا وبهتانًا أن ديانتهم هي ديانة موسى ﵇، والحق أن رسالة موسى ﵇ رسالة سماوية هي الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ يونس (٨٤)، وقال سحرة فرعون بعد إيمانهم: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين﴾ الأعراف (١٢٦) .
إلاَّ أنَّ اليهود بعد حرفوا تلك الديانة، وعبثوا فيها وفق أهوائهم وأغراضهم، مما جعلها بدل أن تهدي إلى الحق والرشاد وما فيه الفلاح والنجاح أصبحت تدعوا إلى الباطل من الاعتقاد وتنكب طريق الرشاد، بل أصبح من العسير التعرف على الحق الصريح من خلالها. ولذا سنعرض في الفصول القادمة لبيان ما يتعلق بهذه الديانة وأصحابها من ناحية تعريفها، وتاريخها ومصادرها وشعائرها وفرقها:-
[ ٤١ ]
الفصل الأول: التعريف باليهودية
المبحث الأول: تعريف كلمة يهود
المبحث الأول: تعريف كلمة يهود
اليهود لغة: اختلف في كلمة اليهود، هل هي عربية مشتقة أم غير عربية،
فقال البعض: إنها عربية مشتقة من " الهود" وهو التوبة والرجوع.
قال ﷿ في ذكره لدعاء موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ الأعراف آية (١٥٦) ١.
وقال البعض: إنها غير عربية، وإنما هي نسبة إلى يهوذا أحد أسباط بني إسرائيل.
أو إلى دولة يهوذا التي كانت في فلسطين بعد سليمان ﵇. وهذا أرجح فيما يظهر في هذه النسبة، لأن هذا الإسم وهو " اليهود"لم يذكره اليهود في كتابهم٢ إلاَّ في سفر عزرا الذي يتحدث عن فترة سبي شعب دولة يهوذا إلى بابل - كما سيأتي ذكره -.٣
ويظهر من هذا أن تلقيبهم باليهود كان من قبل ملوك الفرس الذين صار اليهود تحت حكمهم بإسقاطهم لدولة بابل - كما سيأتي - ٣
اليهود اصطلاحًا: هم الذين يزعمون أنهم أتباع موسى ﵇.
_________________
(١) ١ انظر القاموس المحيط ص ٤٢. ٢ المراد بكتابهم: ما يسميه النصارى بـ: العهد القديم. وهو التوراة والأسفار الملحقة بها. ٣ انظر ص٤٩.
[ ٤٥ ]
وقد وردت تسميتهم في القرآن الكريم ب قوم موسى، وبني إسرائيل نسبة إلى يعقوب ﵇، وكذلك أهل الكتاب، واليهود.
إلاَّ أن الملاحظ أن هذه التسمية الأخيرة - اليهود - لم يذكروا بها إلاّ في مواطن الذم، كقول الله ﷿: ﴿وَقَالَت اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغلُولَةٌ غُلَّتْ أيدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ﴾ المائدة آية (٦٤) .
وقوله ﷿: ﴿وَقَالَت اليَهُودُ وَالنَّصارَى نَحْنُ أَبْنَاؤ اللهِ وَأَحِبَّاؤُه﴾ المائدة آية (١٨) .
وقوله ﷿: ﴿وَقَالَت اليَهُودُ عُزَيرُ ابن الله﴾ التوبة آية (٣٠) .
وقوله ﷿: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيا﴾ آل عمران آية (٦٧) .
وهذا يدل على أنهم تلقَّبوا بهذا اللقب بعد أن فسد حالهم وانحرفوا عن دين الله. والله أعلم ١.
_________________
(١) ١ انظر الأديان في القرآن ص ١٣٥ - اليهودية أحمد شلبي ص ٨٦، الشخصية اليهودية ص٢٧، الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة ص ١٥.
[ ٤٦ ]
المبحث الثاني: مجمل تاريخ اليهود
من المعلوم أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈، ويعقوب هو الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، وكان يسكن في منطقة فلسطين، متنقلًا في مناطق عدة فيها، وكان توطنها هو وأبناؤه من بعد إبراهيم الخليل ﵇ يعيشون فيها حياة البداوة. قال؟﷿ فيما حكاه من كلام يوسف ﵇: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِن قَبْلُ قَدْ جَعلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحسَنَ بِي إِذ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِنَ البَدْوِ﴾ يوسف آية (١٠٠) .
قال ابن كثير: "من البدو" أي من البادية، قال ابن جريج وغيره: "وكانوا أهل بادية وماشية " ١.
ولهذا سنبدأ في بيان تاريخ اليهود من يعقوب ﵇ ودخوله أرض مصر.
أولًا: انتقال يعقوب ﵇ بأولاده من بادية فلسطين إلى مصر:
بعد أن مكَّن الله ليوسف ﵇ في أرض مصر وصار على خزائنها، أرسل إلى أبيه وأهله جميعًا أن يأتوا إليه، فأقبل يعقوب ﵇ بأولاده وأهله جميعًا إلى مصر واستوطنوها، ويذكر اليهود في كتابهم أن عدد أنفس بني إسرائيل حين دخلوا مصر سبعون نفسًا. وكانوا شعبًا مؤمنًا بين وثنيين، فاستقلوا بناحية من الأرض أعطاهم إياها فرعون مصر، فعاشوا عيشة طيبة زمن يوسف ﵇.
ثم بعد وفاة يوسف ﵇ بزمن الله أعلم
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٢/٤٤٨) .
[ ٤٧ ]
بطوله تغيَّر الحال على بني إسرائيل وانقلب عليهم الفراعنة طغيانًا وعتوًا واستضعافًا لبني إسرائيل، فاستعبدوهم وأذلوهم، وبلغ بهم الحال ما ذكر الله ﷿ في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَونَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَونَ وَهاَمانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ القصص آية (٤-٦) .
فكان الفراعنة يقتلون الذكور ويستحيون الإناث، واستمرت هذه المحنة وهذا البلاء عليهم زمنًا طويلًا، إلى أن بعث الله ﷿ موسى ﵇، فدعا فرعون إلى الإيمان بالله، وأن يترك دعوة الناس إلى عبادة نفسه، وأن يرفع العذاب عن بني إسرائيل، ويسمح لهم بالخروج من مصر.
فأبى فرعون ذلك بغطرسة وكبر، واستمر في تعذيب بني إسرائيل كما قال ﷿: ﴿وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَومَهُ، لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَآلهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ الأعراف آية (١٢٧) .
فأخذ الله تعالى فرعون وقومه بالجدب وهلاك الزروع، وأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ولكنهم استكبروا وجحدوا، فأوحى الله إلى موسى؟؟﵇ بعد ذلك بالخروج ببني إسرائيل.
ثانيًا: خروج بني إسرائيل من مصر:
خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل ليلًا بأمر الله ﷿ له بذلك، قال؟
[ ٤٨ ]
﷿: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَكُم مُتّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِين إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُون وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُون وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْناَهُم مِن جنَّاَتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقاَمٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَائِيل فأَتَبَعُوهُم مُّشرِقِينَ فَلمَّا تَرَاءَى الْجَمْعاَنِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاّ إِنّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِْ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْر فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَعَهُ، أَجْمَعِين ثُمَ أَغْرَقْنَا الآخَرِين﴾ الشعراء الآيات (٥٢-٦٦) .
فأنجى الله ﷿ موسى ومن معه، وأهلك فرعون وجنوده.
ويذكر اليهود في كتابهم أن مدَّة مكثهم في مصر كانت أربعمائة وثلاثين عامًا ١، وكان عدد الرجال عند الخروج دون النساء والأطفال نحو ستمائة ألف رجلٍ ٢، وهذا عدا بني لاوي أيضًا الذين لم يحسبوهم.
وهو عدد مبالغ فيه جدا، إذ معنى ذلك أن عددهم كان وقت خروجهم بنسائهم وأطفالهم قرابة مليوني نسمة، وهي دعوى مبالغ فيها جدا ولا يمكن تصديقها، إذ أن ذلك يعني أنهم تضاعفوا خلال فترة بقائهم في مصر قرابة ثلاثين ألف ضعف، إذ كان عددهم وقت الدخول سبعين نفسًا، والله ﷿ قد ذكر قول فرعون ﴿إنَّ هؤلاء لشرذمةٌ قليلون﴾ ومليونا شخص لا يمكن أن يعبَّر عنهم بهذا.
_________________
(١) ١ سفر الخروج (١٢/٤٠)، وأكثر علمائهم على أن المدة المذكورة خطأ، وأن الصواب هو ٢١٥ عامًا فقط هي كل مدة بقائهم في مصر. انظر: اليهودية والمسيحية ص٧٤، اليهودية. أحمد شلبي ص٢٦١. ٢ سفر الخروج (١٢/٣٧) .
[ ٤٩ ]
كما أن تحرك مليوني شخص في ليلة واحدة مستحيل، إذا علمنا أن في هذا العدد أطفالًا ونساءً وشيوخًا. والله أعلم.
ثالثًا: ما حدث من بني إسرائيل بعد الخروج:
حدث من بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر حوادث عدة.
فمن هذه الحوادث: طلبهم من موسى أن يجعل لهم صنمًا إلهًا، وفي هذا يقول الله ﷿: ﴿وَجَاوَزنَا ببني إسرائيل البحرَ فَأتواْ علَى قَومٍ يعكُفُونَ على أصنامٍ لَّهُم قالواْ يَا موسَى اجْعَلْ لنَا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلهة قَالَ إنّكُم قَومٌ تجهَلُونَ إنَّ هَؤلاَءِ مُتبّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعمَلُونَ قَالَ أغَيرَ اللهِ أَبغِيكُم إلهًا وَهُوَ فَضَّلكُم عَلَى العَالَمِينَ﴾ الأعراف (١٣٨-١٤٠) .
ولا شك أن هذا الطلب من بني إسرائل مدعاة للعجب والاستنكار، فقد رأوا من الآيات ما فيه مقنع وكفاية لو كانوا يعقلون.
ومنها: عبادتهم للعجل:
وذلك أن موسى ﵇ لما ذهب لموعده مع ربِّه، أضل السامري بني إسرائيل، وصنع لهم عجلًا مسبوكًا من الذهب الذي استعاره بنو إسرائيل من المصريين عند خروجهم من مصر، ودعاهم إلى عبادته، فعبدوه في غياب موسى ﵇، وقد حذّرهم هارون ﵇ ونهاهم عن ذلك.
قال الله ﷿: ﴿وَلقَد قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتَنْتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُواْ أَمرِي قَالُواْ لَن نَّبرَحَ عَليهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرجِعَ إِلينَا مُوسَى﴾ طه آية (٩٠-٩١) .
[ ٥٠ ]
ولما رجع موسى ﵇ إلى قومه غضبان أسفا، أنَّبهم وأحرق العجل وذراه في اليم، ثم حكم عليهم بأن يقتل عبدة العجل أنفسهم ليتوب الله عليهم. وروي في كيفية قتلهم أن يقوم أناس منهم بالسكاكين ومن عبد العجل جلوس، فتغشاهم ظلمة فيبتدئ الواقفون بطعن الجالسين حتى تنقشع الظلمة فتكون توبة لمن مات ولمن بقي منهم١.
ومنها: نكالهم عن قتال الجبابرة:
دعا موسى؟﵇ قومه إلى قتال الجبابرة وهم قوم من الحيثانيين والفزريين والكنعانيين، وكانوا يسكنون الأرض المقدسة ٢. فأبى بنوا إسرائيل القتال وجبنوا عنه، واقترحوا على موسى ﵇ ما ذكره الله عز وجلفي قوله: ﴿قَالُواْ يا موسى إِنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعِدُونَ﴾ المائدة (٢٤)، فهناك دعا موسى ﵇ ربّه ﷿ بقوله: ﴿قال ربّ إنِّي لا أملك إلاَّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ المائدة (٢٥) . فحكم الله عليهم بالتيه بقوله: ﴿قال فإنها محرَّمةٌ عليهم أربعين سنة
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير (١/ ٨٠) . ٢ أُختلف في تحديد الأرض المقدسة: فقيل هي أريحا، وقيل هي الطور وما حوله، وقيل الشام، وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقيل هي بيت المقدس. وقال ابن جرير: لن تعدو أن تكون في الأرض التي بين الفرات وعريش مصر. انظر:تفسير ابن جرير (٦/١٧٢) تفسير ابن كثير (٢/٣٦) .
[ ٥١ ]
يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ المائدة (٢٦) فظلوا تائهين المدة التي قضي الله عليهم.
ومات في هذه الفترة موسى ﵇، وكان هارون ﵇ مات قبله أيضًا.
ويقول اليهود في كتابهم التوراة: إنه قد مات في زمن التيه كل من كان بالغًا وقت نكولهم، ولم يدخل الأرض المقدسة منهم سوى يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما فيما قيل اللذان قال الله عنهم ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب﴾ المائدة (٢٣) .
رابعًا: دخول بني إسرائيل أرض فلسطين:
بعد انقضاء المدة المحكوم على بني إسرائيل فيها بالتيه، فتح بنو إسرائيل الأرض المقدسة بقيادة يشوع بن نون ﵇.١ ويذكر اليهود أنهم دخلوها من ناحية نهر الأردن.
_________________
(١) ١ هكذا يسميه اليهود وهو المعروف عندنا بـ (يوشع بن نون) ﵇ وهو نبي من الأنبياء ويدل على نبوته حديث أبي هريرة (أن النبي (قال "إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس" أخرجه الإمام أحمد (٢/٣٢٥)، وقال ابن كثير:هو على شرط البخاري - البداية والنهاية (١/٣٣٣) وصححه الحافظ في الفتح (٢٢١)، ويدل على أن هذا النبي هو يوشع ﵇ مارواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا أن النبي ﵊ قال " غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لايتبعني رجل ملك بضع إمرأة وهو يريد أن يبني بها ، ثم قال: فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم أحبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليهم " البخاري مع الفتح (٦/٢٢٠) وقد أكد أن المقصود بهذا الحديث هو يوشع بن نون كل من ابن كثير في البداية والحافظ ابن حجر في الفتح. انظر كلامهما في الموضعين السابقين.
[ ٥٢ ]
ويقسم المؤرخون تاريخهم في فلسطين إلى ثلاثة عهود:
أ - عهد القضاة:
والمراد به أن يوشع بن نون ﵇ لما فتح الأرض المقدسة، قسم الأرض المفتوحة على أسباط بني إسرائيل، فأعطى لكل سبط قسمًا من الأرض، وجعل على كل سبط رئيسًا من كبرائهم، وجعل على جميع الأسباط قاضيًا واحدًا يحتكمون إليه فيما شجر بينهم، وهو يمثل الرئيس لجميع الأسباط، واستمر هذا الحال ببني إسرائيل قرابة أربعمائة عام فيما يذكر اليهود، وكان بينهم وبين أعدائهم حروب دائمة يكون النصر فيها لبني إسرائيل مرَّة ولأعدائهم أُخرى.
ب - عهد الملوك:
وهو العهد الذي بدأ فيه الحكم ملكيًا، وقد قص الله علينا خبر أول ملوكهم في قوله ﷿: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله﴾ البقرة (٢٤٦) .
فجعل الله ﷿ عليهم طالوت ملكًا، فقبلوه على كره منهم ويسمونه في كتابهم شاؤول.
وملك عليهم بعده داود ﵇، ثم ابنه سليمان ﵇ وكان عهدهما أزهى العهود التى مرت على بني إسرائيل على الإطلاق، وذلك لما أوتيه هذان النبيان الكريمان من العدل والحكمة مع الطاعة والعبادة لله ﷿.
ج - عهد الانقسام:
هو العهد التالي لسليمان ﵇ حيث تنازع الأمر بعده رحبعام بن
[ ٥٣ ]
سليمان ﵇ ويربعام بن نباط، فاستقل رحبعام بسبط يهوذا وسبط بنيامين، وكوَّن دولة في جنوب فلسطين عاصمتها " بيت المقدس "، وسميت دولة يهوذا نسبة إلى سبط حكامها، وهو سبط يهوذا الذي من نسله داود وسليمان ﵉ وملوك تلك الدولة.
واستقل يربعام بن نباط بالعشرة أسباط الأخرى، وكوَّن دولة في شمال فلسطين، سميَّت دولة إسرائيل وجعل عاصمتها نابلس١، وأهل هذه الدولة يسمون لدى اليهود ب "السامريين "، نسبة إلى جبلٍ هناك يسمى " شامر " اشتراه أحد ملوكهم وهو "عمري" وسماه نسبة إلى صاحبه السامرة ٢، وسميت منطقتهم " السامرة ".
ويلاحظ أن السامريين -وهم شعب دولة إسرائيل - غيّروا قبلتهم من بيت المقدس إلى جبل يسمى "جرزيم " ٣ويعتبرهم اليهود من شعب يهوذا ملاحدة وكفارًا لتغييرهم القبلة.
ثم إنَّ الدولتين كان بينهما عداء وقتال، وكان يحدث في بعض الفترات من تاريخهما توافق وتعاون، وكانت دولة إسرائيل كثيرة القلاقل والفتن وتغيَّرت الأسرة الحاكمة فيها مرارًا عديدة. أما دولة يهوذا فاستقر الحكم في سبط يهوذا في ذرية سليمان بن داود ﵇، وكانت تقع على الدولتين حروب من جيرانهم الأراميين٤،
_________________
(١) ١ انظر هذا التقسيم في: اليهودية لأحمد شلبي ص ٧٥ -٨٧. ٢ انظر: سفر الملوك الأول (١٦/٢٣ -٢٥) . ٣ وهو يقع في منطقة نابلس. انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٢٥٨. ٤ الأراميون: إحدى الشعوب السامية التي سكنت في المنطقة الممتدة من جبال لبنان في الغرب إلى ما وراء الفرات شرقًا، ومن جبال طوروس في الشمال إلى دمشق وما وراءها جنوبًا. قاموس الكتاب المقدس ٤٢.
[ ٥٤ ]
والفلسطينيين١،والأدوميين٢ والموآبيين٣ كما أن الدولتين وقع من حكامهما وشعبيهما عبادة للأصنام في كثير من الأوقات وخاصة دولة إسرائيل واليهود السامريين ٤.
خامسًا: استيلاء الأجنبي عليهم:
استمرت دولة إسرائيل مستقلة لها سيادتها على أرضها قرابة ٢٤٤عامًا٥حيث سقطت بعدها في يد الآشوريين زمن ملكهم سرجون عام ٧٢٢ق. م تقريبًا فسبي شعبها، وأسكنهم في العراق، وأتى بأقوام من خارج تلك المنطقة وأسكنهم إياها، فاعتنقوا فيما بعد ديانة بني إسرائيل٦وبذلك تمَّ القضاء على تلك الدولة.
أما دولة يهوذا فاستمرت قرابة ٣٦٢ عامًا٧ ثم سقطت بأيدي فراعنة مصر
_________________
(١) ١ الفلسطينيون: شعوب قدمت من جزيرة كريت وقطنت فلسطين قبل مجيء بني إسرائيل إليها، وكانوا يسكنون في منطقة غزة والساحل الغربي من فلسطين. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٦٩٣. ٢ الأدوميون هم من نسل عيسو بن يعقوب ﵇ وكانوا يسكنون في المنطقة الممتدة من البحر الميت إلى خليج العقبة. قاموس الكتاب المقدس ص ٣٩. ٣ المؤابيون من الشعوب السامية التي كانت تقطن المنطقة التي يحدها من الغرب البحر الميت وتمتد إلى الشرق قليلًا قاموس الكتاب المقدس ص ٩٢٧. ٤ انظر: تاريخ هاتين الدولتين في سفر الملوك الأول - الأصحاح ١١ إلى سفر الملوك الثاني الأصحاح السابع عشر. ٥ حسب عدد سنوات حكم ملوكهما، انظر سفر الملوك الأول والثاني، وكذلك كتاب تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ١٧٨. ٦ سفر الملوك الثاني، الأصحاح ١٧. وهذا يدل على دخول شعوب أخرى في هذه الديانة فبالتالي ليس كل اليهود من بني إسرائيل. ٧ حسب عدد سنوات حكم ملوكهما، انظر سفر الملوك الأول والثاني، وكذلك كتاب تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ١٧٨.
[ ٥٥ ]
عام ٦٠٣ ق. م تقريبًا، وفرضوا عليها الجزية، وامتد حكم الفراعنة في ذلك الوقت إلى الفرات.
ثم جاء بعد ذلك حاكم بابل الكلداني بختنصر، واسترجع منطقة الشام وفلسطين، وطرد الفراعنة منها، ثم زحف مرة أخرى على دولة يهوذا التي تمردت عليه، فدمَّرها ودمَّر معبد أورشليم وساق شعبها مسبيًا إلى بابل، وهذا ما يسمَّى بالسبي البابلي، وكان في هذا نهاية تلك الدولة التي تسمى يهوذا١وذلك في حدود عام ٥٨٦ ق. م.
ثم سقطت دولة بابل في يد الفرس في عهد ملكهم "قورش " سنة ٥٣٨ ق. م. الذي سمح لليهود بالعودة إلى بيت المقدس، وبناء هيكلهم وعين عليهم حاكمًا منهم من قبله.
ومن الجدير بالذكر أن اليهود ذكروا في كتابهم أن "قورش" أرسل النداء في مملكته قائلًا "جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتًا في أورشليم التي في يهوذا " ٢ وهذا النص إذا صدق اليهود فيه يكون دليلًا على أن " قورش " كان مؤمنًا بالله.
واستمر حكم الفرس من ٥٣٨-٣٣٢ ق. م، ثم زحف على بلاد الشام وفلسطين الاسكندر المقدوني اليوناني٣ واستولى عليها، وأزال حكم الفرس
_________________
(١) ١ انظر سفر الملوك الثاني الأصحاح ٢٤. ٢ سفر عزر الأصحاح الأول (٢) . ٣ الاسكندر المقدوني اليوناني،الذي امتدّت دولته فشملت فارس والعراق والشام ومصر، واستولى على أكثر الأرض في زمنه. توفي فيما يقال ٣٢٤ ق. م. انظر المنجد في الأعلام ص ٤٣.
[ ٥٦ ]
بل استولى على بلادهم وبلاد مصر والعراق، فدخلت هذه المناطق تحت حكمهم من نهاية القرن الرابع قبل الميلاد إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد، حيث زحف بعد ذلك على البلاد القائد الروماني "بومبي" سنة ٦٤ ق. م، وأزال حكم اليونانيين عنها، فدخل اليهود تحت حكم الرومان وسيطرتهم١.
سادسًا: تشتتهم في الأرض:
في زمن سيطرة الرومان على منطقة فلسطين بُعث المسيح ﵇ وبعد رفعه وقع بلاء شديد على اليهود في فلسطين، حيث قاموا بثورات ضد الرومان، مما جعل القائد الروماني تيطس عام ٧٠م يجتهد في استئصالهم والفتك بهم وسبي أعداد كبيرة منهم وتهجيرها، ودمر بيت المقدس ومعبد اليهود، وكان هذا التدمير الثاني للهيكل٢، وقد زاد في تدمير الهيكل الحاكم الروماني أدريان سنة ١٣٥م، حيث أمر جنوده بتسوية الهيكل بالأرض، وبنى فيها معبدًا لكبير آلهة الرومان الذي يسمونه "جوبتير "وهدم كل شيءٍ في المدينة، ولم يترك فيها يهوديًا واحدًا، ثم منع اليهود من دخول المدينة، وجعل عقوبة ذلك الإعدام، ثم سمح لليهود بالمجيء إلى بيت المقدس يومًا واحدًا في السنة والوقوف على جدار بقي قائمًا من سور المعبد، وهو الجزء الغربي منه، وهو الذي يسمى " حائط المبكى٣ ".
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ٢٩٠-٢٩٧. ٢ انظر: تاريخ بني إسرائيل محمد عزه دروزه ص ٣٨١. ٣ أبحاث في الفكر اليهودي، لحسن ظاظا ص (٣٦ - ٣٨) وقال ول ديورانت: إن الحاكم الروماني حرم عليهم الدخول إلا في يوم تلك الذكرى المؤلمة نظير جُعلٍ معين، فيأتوا إليها ليندبوا ويبكوا أمام جدران الهيكل المهدم. قصة الحضارة ٣/ص٤
[ ٥٧ ]
وبهذا تشتت اليهود في أنحاء الأرض، وسلط الله عليهم الأمم يسومونهم سوء العذاب ببغيهم وفسادهم وسوء أخلاقهم. وفي هذا يقول الله ﷿ ﴿وإذ تأذَّن ربُّك ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربَّك لَسَرِيع العِقَابِ وَإنَّهُ لغفورٌ رَّحيم﴾ الأعراف الآية (١٦٧) .
وكان من الجزاء الذي حكم الله به عليهم مع هذا العذاب المستمر إلى يوم القيامة تقطيعهم في الأرض وتشتيتهم فيها جزاء كفرهم وفسادهم. قال ﷺ؟؟: ﴿وَقطّعناهم في الأرض أممًا مِّنهم الصَّالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيِّئات لعلَّهم يرجعونَ فَخَلَفَ مِن بعدهم خلْفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيُغفر لنا وإن يأتهم عرضٌ مثلُهُ يأخذوه ألم يُؤخَذ عليهم ميثاقُ الكتاب ألاَّ يقولوا على الله إلاّ الحقَّ ودرسوا ما فيه والدَّار الآخرةُ خيرٌ للَّذين يتَّقون أفلا تعقلون﴾ الأعراف (١٦٨-١٦٩) .
فهذه الآيات الكريمة تشرح واقع اليهود. فالآية الأولى تفيد بأن الله قضى عليهم بالعذاب المستمر بأيدي الناس إلى يوم القيامة.
والآية الثانية: تفيد بتمزيقهم في الأرض، وتمزيقهم أدعى إلى أن يقع بسببه البلاء الشديد عليهم جماعة جماعة، ولا يستطيع أن ينصر بعضهم بعضًا بسببه.
وقد خلف المسلمون الرومان النصاري في القرن الأول الهجري الذي يوافق القرن السابع الميلادي على الشام وفلسطين وجميع ما كان في يد الرومان في هذه المناطق.
[ ٥٨ ]
وكان اليهود في حالة تشتت وتفرُّق في جميع أنحاء الأرض، ولم يكن يسمح وقتها لليهود بالسكنى في بيت المقدس، كما سبق بيانه، بل كان من بنود المعاهدة بين نصارى بيت المقدس وعمر بن الخطاب - ﵁ - أن لا يسمح لليهود بالسكن في بيت المقدس١. فاستمرَّ اليهود في التشتت والتمزُّق في أنحاء الأرض إلى بداية القرن العشرين.
سابعًا: تجمعهم في فلسطين في العصر الحديث:
لقد ابتدأت الفكرة لدى العالم الغربي في تجميع اليهود في دولة من أيام حملة نابليون بونابرت الفرنسي٢ عام (١٧٩٩) م حيث دعا يهود آسيا وأفريقيا للإنضمام إلى حملته من أجل بناء مدينة القدس القديمة، وقد جنَّد منهم عددًا كبيرًا في جيشه، إلاَّ أنَّ هزيمة نابليون واندحاره حالا دون ذلك.
ثم ابتدأت الفكرة تظهر على السطح مرَّة أخرى، وبدأ العديد من زعماء الغرب وكبار اليهود يهتمون بها ويؤسسون كثيرًا من الجمعيات المنادية لهذا الأمر، وابتدأ التخطيط الفعلي من إصدار" تيودور هرتزل"٣ الزعيم الصهيوني عام (١٨٩٦) م، كتابه " الدولة اليهودية"، حيث عقد مؤتمر بال في سويسرا سنة (١٨٩٧) م.
وجاء في خطاب افتتاح هذا المؤتمر: " إننا نضع حجر الأساس في بناء البيت
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الطبري (٣/٦٠٩) طبعة دار المعارف، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ٢ نابليون بونابرت امبراطور فرنسا، كان غز الشرق ١٧٩٩م. توفي سنة ١٨١٥ بعد أن عزل ونفي انظر: المنجد ص ٧٠٣. ٣ تيودور هرتزل مجري يهودي أسس الحركة الصهيونية، توفي ١٩٠٤ م. المنجد ص ٧٢٧.
[ ٥٩ ]
الذي سوف يؤوي الأمة اليهودية "، ثم اقترح برنامجًا يدعو إلى تشجيع القيام بحركة واسعة إلى فلسطين، والحصول على اعتراف دولي بشرعيَّة التوطين.
وكان من قرارات ذلك المؤتمر:
إنشاء " المنظمة الصهيونية العالمية " لتحقيق أهداف المؤتمر، والتي تولّت أيضًا إنشاء جمعيات عديدة علنية وسرِّية لتخدم هذا الهدف ١
ودرس اليهود حال المستعمرين، فوجدوا أن بريطانيا أنسب الدول لهذا الأمر التي تتفق رغبتها في وضع داء في وسط الأمة الإسلامية موالٍ للغرب٢ مع رغبة اليهود في وطن قومي لهم، وكانت أكثر البلاد العربية تحت سيطرتها، فدبروا معها المؤامرة، وأخذوا بذلك وعدًا من "بلفور" رئيس وزراء بريطانيا، ثم وزير خارجيتها عام (١٩١٧) م، أعلن فيه أن بريطانيا تمنح اليهود حق إقامة وطن
_________________
(١) ١ انظر: التاريخ اليهودي العام ص ١٩٦. المسألة اليهودية ص ١٩٨. ٢ اجتمعت الدول الاستعمارية: بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا عام (١٩٠٧) م، للبحث في عوامل البقاء لدولهم واستعمارهم، ومما خرجوا به من قرارات، ما يعرف بتقرير كامبل باترمان، ونورد نصه لأهميته حيث جاء فيه: " إن الخطر ضد الاستعمار يكمن في البحر الأبيض المتوسط فعلى الشواطئ الشرقية والجنوبية لهذا البحر شعب واحد، تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللغة وكل مقوِّمات التجمع والترابط، هذا فضلًا عن ثرواته الطبيعية ونزعته للتحرر، فلو أخذت هذه المنطقة بالوسائل الحديثة، وإمكانيات الصناعة الأوربية، وانتشر التعليم بها فستحل الضربة القاضية بالاستعمار الغربي، فيجب إذن على الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على استمرار تجزؤ هذه المنطقة وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر، وهذا يستلزم فصل الجزء الأفريقي في هذه المنطقة عن الجزء الأسيوي، وتقترح اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب يحتل الجسر الذي يربط آسيا بأفريقيا حيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوَّة صديقة للإستعمار وعدوة لسكان المنطقة".نقلًا عن تاريخ المشرق العربي ص ٤٩٣. ويتضح من هذا التقاء المصالح الغربية والأطماع اليهودية، وأنهم جميعًا كادوا الأمة الإسلامية والله غالب على أمره.
[ ٦٠ ]
قومي لهم في فلسطين، وأنها ستسعى جاهدة في تحقيق ذلك. وكان اليهود قد بدأوا الهجرة إلى فلسطين في الوقت الذي كانت فيه فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، فاستطاع اليهود بسبب الهجرة من تكوين دولة داخل دولة، وكانت الحكومة البريطانية تحميهم من بطش المسلمين، وتتعامل معهم بكل التسامح، في الوقت الذي تتعامل فيه مع المسلمين بكل شدَّة وتنكيل.
ولما ضعفت بريطانيا عن تحقيق أماني اليهود أحالت الأمر إلى الأمم المتحدة والتي تتزعمها الولايات المتحدة، التي بدورها استلمت الدور البريطاني في المنطقة، فأرسلت الأمم المتحدة لجانها إلى فلسطين، ثم قررت هذه اللجان تقسيم فلسطين بتخطيط يهودي وضغط أمريكي، فأعلن قرار التقسيم لفلسطين بين المسلمين واليهود في ٢٩/١١/١٩٤٧م.
فقررت الحكومة البريطانية بعده الانسحاب من فلسطين، تاركة البلاد لأهلها، وذلك بعد أن تأكَّدت أن اليهود قادرون على تسلم زمام الأمر، فحال خروجها في مايو عام (١٩٤٨) م، أعلن اليهود دولتهم التي اعترفت بها أمريكا بعد إحدى عشرة دقيقة، وكانت روسيا قد سبقتها بالاعتراف، ثم استطاعت هذه الدولة اليهودية أن تقوم على قدميها، وأن تخوض ضد المسلمين عدَّة حروب، مني فيها المسلمون بهزائم، بسبب بعدهم عن دينهم، وتفرقهم إلى أمم وأحزاب، وخيانة بعضهم ١ *.
_________________
(١) ١ انظر: التاريخ اليهودي العام ص ٢٥٨ وما بعدها. (*) لقد هزم العرب أمام اليهود في عام (١٩٥٦، ١٩٦٧م) هزائم منكرة.والواقع أن هذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على فساد الأنظمة العربية التي فشلت في مواجهة مجموعة من حثالة البشر وأن هذه الأنظمة لا زالت في فشلها وهزيمتها واندحارها، وهذا دليل على عدم صلاحية العلمانية والقومية والديمقراطية التي تتوزَّع إليها أكثر الأنظمة العربية، لأنها من أهم الأسباب في فشل تلك الدول في رفع العار عن المسلمين، ورد حقهم إليهم، ودحر عدوهم فعليه فالأجدر بحكام المسلمين أن يعودوا إلى الله ﷿، وإلى دينهم لعل الله أن ينصرهم فيحوزا عز الدنيا وفوز الآخرة.
[ ٦١ ]
ولا زالت هذه الدولة قائمة في قلب الأمة الإسلامية داءً سيفجر كثيرًا من الفساد والشرور، ما لم يقتلع من جذوره، فاليهود منذ أزمان بعيدة وهم داء، أينما حلوا نشروا الفساد والشحناء والعدوان بين أهل البلاد التي يحلون فيها، وقد رأت الدول الغربية أنها ستكسب مكسبين عظيمين من إقامة هذا الكيان في جسد الأمة الإسلامية:-
أحدهما: أنها تسلم من شرور اليهود وسيطرتهم، وفسادهم وتحكمهم في البلاد وثرواتها.
ثانيهما: أنها تضع في قلب الأمة الإسلامية دولة حليفة لهم، وهي في نفس الوقت علة تستنزف قوى الأمة الإسلامية، وتضع بذور الفرقة والخلاف بين أفرادها، حتى لا تقوم لها قائمة.
وهذا الوضع لا زال قائمًا، والأيام مليئة، وكل يوم يظهر الهدف واضحًا، وتظهر الشخصية اليهودية الحقيقية أكثر وأوضح، وما لم يفق المسلمون لواقعهم المرير، وينظروا لمستقبلهم بالعين المستبصرة بنور الله، المهتدية بشرعه الواثقة من نصره، فإنه لن يتغير الحال، بل ستزداد الأزمات والمصائب على العالم الإسلامي، حتى يأذن الله بأمره وتعود الأمة إلى ربها ودينها فتكون جديرة بنصر الله واستعادة مقدساتها.
ونرى أن تجمعهم هذا مقدمة لتحقيق كلام الرسول ﷺ عنهم بأن المسلمين يقتلون اليهود ١. ولعل فلسطين ستكون مقبرتهم، والله غالب على أمره، ولن
_________________
(١) ١ روى مسلم في صحيحه (٤/٢٢٣٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله. إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ". والغرقد: نوعٌ من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس.
[ ٦٢ ]
يفلح قوم سجل الله عليهم غضبه ولعنهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة، بل لعلها مؤذنة بفنائهم والقضاء على بذرتهم الخبيثة، كما نرى أنهم ما توصلوا إلى ما توصلوا إليه إلاَّ بعد أن صار المسلمون في غاية التخلف والضعف والبعد عن الدين الذي به يتوصلون إلى خير الدنيا والآخرة.
مسألة: ادعاء اليهود أن لهم حقًا تاريخيًا ودينيًا في فلسطين:
قد تقدم بيان أن بني إسرائيل هم سلالة يعقوب ﵇، وأن أول دخول لهم إلى فلسطين كان مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى ﵇ في التيه وبعد نكولهم عن القتال أول الأمر.
وقد كان في فلسطين قبل استيلاء بني إسرائيل عليها ثلاث قبائل وهم:
الفينيقيون: وسكنوها حوالى سنة (٣٠٠٠) ق. م واستوطنوا المنطقة الشمالية منها على البحر الأبيض المتوسط.
الكنعانيون: نزلوا جنوب الفينيقيين، وشغلوا المنطقة الوسطى من فلسطين سنة (٢٥٠٠) ق. م.
وهذه كانت من القبائل العربية المهاجرة من شبه الجزيرة العربية، ثم جاءت جماعات من جزيرة كريت حوالي عام (١٢٠٠) ق. م، وكانت تسمى فلستين، ونزلت بين يافا وغزَّة على البحر الأبيض المتوسط. وسمَّى الكنعانيون هولاء القوم فلسطين، وغلبت التسمية على المنطقة كلها، فأًصبحت تدعى
[ ٦٣ ]
فلسطين ١.
وحسب ما أورده اليهود في كتابهم، وما كُتب في تاريخ المنطقة، فإن هذه الشعوب استمرَّت في المنطقة، وكان بينها وبين بني إسرائيل واليهود حروب عديدة، استمرت طوال فترة وجود اليهود في تلك المنطقة.
فمن الناحية التاريخية، يتبيَّن لنا أن اليهود ليسوا أول من سكن فلسطين، بل دخلوها أو بعضها واستولوا على أجزاء منها بعد أن كانت في يد هؤلاء القوم.
أما من الناحية الدينية، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كَتَبَ الله ُ لَكُمْ وَلاَ ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾؟المائدة الآية (٢١) .
فقوله تعالى ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾
قال ابن اسحاق: "التي وهب الله لكم ".
وقال السدي: " التي أمركم الله بها ".
وقال قتادة: "أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة"٢.؟
إذًا قوله تعالى: ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾ ليس هو تمليك على رأي بعض العلماء، وعلى الرأي الآخر هو تمليك لهم بشرط أن يدخلوها. وعلى رأي البعض: هي هبة لهم. فهذا يبيِّن معنى ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾، ومع هذا فليس فيه دليلٌ على أن لهم الحق في فلسطين، وذلك لأن الله ينعم على عباده المؤمنين في حال الإيمان بنعم كثيرة، وهي لهم في حال الإيمان، أما في حال الكفر فلا
_________________
(١) ١ انظر: اليهودية أحمد شلبي ص ٤١. ٢ ابن جرير (٦/١٧٣)، فتح القدير للشوكاني (٢/٢٩) .
[ ٦٤ ]
حق لهم بها. وبنوا إسرائيل حين أمرهم الله بالدخول نكلوا، فمنعهم منها، وحين استجابوا وأطاعوا منحها الله لهم.
لهذا قال ابن كثير في الآية: "التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل، إنه وراثة من آمن منكم " ١.
فعليه فهي لهم في حال إيمانهم، أما في حال كفرهم فليس لهم فيها حق. يدل على هذا قول قول الله جل وعلا: ﴿فَأَوحَى إِلَيهِم ربُّهُم لنهلِكَنَّ الظَّالمين ولنُسَكِنَنكُمُ الأَرضَ مِن بعدهِم ذَلِكَ لمن خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ إبراهيم الآية (١٤) .وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ﴾ الأنبياء الآية (١٠٥) .
وبما أن اليهود كفروا بالله وبأنبيائه، وسجل الله عليهم غضبه ولعنته، فليس لهم حق في الأرض المقدسة، بل هي من حق عباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ﴾ .
مسألة: كذب اليهود المعاصرين في ادعائهم أنهم نسل بني إسرائيل:
اليهود المعاصرون يشيعون وينشرون أنهم نسل بني إسرائيل الأوائل الذين قطنوا فلسطين، وهم في زعمهم وارثوا أولئك الاسرائيليين الأوائل الذين كانوا في فلسطين. ويجتهد اليهود في نشر دعوى نقاء العنصر اليهودي من الإختلاط بالأمم الأخرى، فهم جنس حافظ - في زعمهم - على نقاء عنصره، ولليهود في ذلك هدف خطير وحيوي بالنسبة لهم، وهو أن هذه الدعوة
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٢/٣٦) .
[ ٦٥ ]
تجعلهم في نظر النصارى أبناءً ليعقوب ومن ذريَّته، فيكونون بذلك مقصودون بالوعود الواردة في العهد القديم لبني إسرائيل، فيستدرون بذلك عطف النصارى وإحسانهم ونصرتهم، خاصة إذا علمنا أن النصارى يقدسون التوراة ويعتقدون أن ما فيها وحي من الله ﷿ كما سيأتي بيانه.
لكن الواقع يكذب اليهود في دعواهم نقاء جنسهم، وذلك أن نظرة عامة في هيآتهم وسحنتهم تدل على تباين أصولهم، ففيهم ذو السحنة الأوروبية، وذو السحنة العربية، وفيهم ذو السحنة الأفريقية.
ومع هذا التباين لا يمكن إدعاء أن أصلهم واحد، إذ لا بد من أن يكونوا قد اختلطوا بأمم أخرى أورثتهم هذا التباين في السمات.
ثم إن اليهود ذكروا في كتابهم أن كثيرًا منهم تزوَّجوا بنساء أجنبيات، وأن نساءهم أخذهن رجال أجانب١ حتى إنهم ينسبون إلى سليمان ﵇ ذلك ٢.
كما أنه ثبت تاريخيًا أن أمة كبيرة وهي شعب دولة الخزر تهوَّد في القرن الثامن الميلادي، وكان ذلك الشعب من قبل وثنيًا، وهو شعب تركي آري كان يقطن منطقة آسيا الوسطى، ودولتهم التي تسمى باسمهم دولة الخزر كانت تقع في المنطقة بين البحر الأسود وبحر قزوين، وتشغل منطقة شمال أذربيجان وأرمينية وأوكرانية وجميع منطقة جنوب آسيا إلى حدود موسكو عاصمة روسيا، وكان بحر قزوين يسمى بحر الخزر.
وقد جاء في الموسوعة اليهودية عن الخزر ما يلي:
_________________
(١) ١ انظر: سفر القضاء (٣/٥)، وانظر سفر نحميا (١٣/٢٣) . ٢ انظر: سفر الملوك الأول (١١/ ١-٣) .
[ ٦٦ ]
".. الخزر شعب تركي الأصل، تمتزج حياته وتاريخه بالبداية الأولى لتاريخ يهود روسيا.. أكرهته القبائل البدوية في السهول من جهة أخرى على توطيد أسس مملكة الخزر في معظم أجزاء روسيا الجنوبية، قبل قيام الفرانجيين سنة (٨٥٥) م بتأسيس الملكية الروسية، في هذا الوقت (٨٥٥) م كانت مملكة الخزر في أوج قوتها تخوض غمار حروب دائمة، وعند نهاية القرن الثامن تحوَّل ملك الخزر ونبلاؤه وعدد كبير من شعبه الوثنيين إلى الديانة اليهودية.. كان عدد السكان اليهود ضخمًا في جميع أنحاء مقاطعة الخزر خلال الفترة الواقعة بين القرن السابع والقرن العاشر الميلادي.. بدا عند حوالى القرن التاسع أن جميع الخزر أصبحوا يهودًا وأنهم اعتنقوا اليهودية قبل وقت قصير فقط" ١.
ثم إن هذه الدولة سقطت بعد ذلك في يد الروس، الذين احتلوها وقضوا عليها تمامًا، واستولوا على جميع أراضيها، وقد تلاشت هذه الدولة من خارطة أوربا في القرن الثالث عشر الميلادي، وتوزع شعبها على دول أوربا الشرقية والغربية، وكانت أكبر تجمعاتهم في أوربا الشرقية هنغاريا وبولندا ورومانيا والمجر وروسيا ٢.
فهذا يدل دلالة واضحة أن اليهود الذين يسمون الإشكنازيم وهم يهود أوربا لا يمتون بصلة إلى يعقوب ﵇ وذريته. ونحن المسلمين نعتقد أن إنتسابهم إلى يعقوب ﵇ أو غيره لايغير من موقفنا منهم ماداموا يهودًاومحاربين لنا ومعتدين على إخواننا، إذ أن الأنساب لاوزن لها مع الكفر، ولا حاجة إليها مع الإسلام.
_________________
(١) ١ نقلًا عن كتاب " يهود اليوم ليسوا يهودًا "ص ١٩ لمؤلفه بنيامين فريدمان. ٢ انظر: كتاب " يهود اليوم ليسوا يهودا" ص ١٩ لمؤلفه بنيامين فريدمان.
[ ٦٧ ]
*
الفصل الثاني: مصادر اليهود
اليهود لهم مصادر يستمدون منها عقيدتهم ومنهجهم وهذه المصادر هي التوراة والكتب الملحقة بها، والتلمود ويضاف إليهما البروتوكولات لدى الصهاينة في العصر الحديث وإن كانت هذه الأخيرة ليست مصدرًا مقدسًا إلا أنها جديرة بالإشارة والذكر لأنها نتاج التحريف الموجود في التوراة والأكاذيب والضلالات الموجودة في التلمود، وسنذكر كل واحد منهما بشيءٍ من التفصيل في المباحث التالية:
[ ٧١ ]
المبحث الأول: التوراة والكتب الملحقة بها
المطلب الأول: تعريف التوراة
التوراة: كلمة عبرانية تعني الشريعة أو الناموس.
ويراد بها في اصطلاح اليهود: خمسة أسفار يعتقدون أن موسى ﵇ كتبها بيده ويسمونها "بنتاتوك" نسبة إلى "بنتا" وهي كلمة يونانية تعني خمسه أي الأسفار الخمسه وهذه الأسفار هي:
١- سفر التكوين: ويتحدث عن خلق السموات، والارض، وآدم، والأنبياء بعده إلى موت يوسف ﵇
٢- سفر الخروج: ويتحدث عن قصة بني إسرائيل من بعد موت
يوسفعليه السلامإلى خروجهم من مصر، وماحدث لهم بعد الخروج مع موسى ﵇
٣- سفر اللاويين: وهو نسبة إلى سبط بني لاوى بن يعقوب الذي من نسله موسى وهارون ﵉، وأولاد هارون هم الذين فيهم الكهانة أي القيام بالأمور الدينية وهم المكلفون بالمحافظة على الشريعة وتعليمها الناس، ويتضمن هذا السفر أمورًا تتعلق بهم وبعض الشعائر الدينية الأخرى.
٤- سفر العدد: وهو معني بعدِّ بني إسرائيل، ويتضمن توجيهات، وحوادث حدثت من بني إسرائيل بعد الخروج.
٥- سفر التثنية: ويعني تكرير الشريعة، وإعادة الاوامر والنواهى عليهم مره
[ ٧٤ ]
أخرى، وينتهي هذا السفر بذكر موت موسى ﵇ وقبره١.
وقد يطلق النصارى اسم التوراة على جميع أسفار العهد القديم٢.
أما في اصطلاح المسلمين فهي: الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه السلام٣ نورًا وهدى لبني إسرائيل.
أما الكتب الملحقة بالتوراة فهي: أربعة وثلاثون سفرًا، حسب النسخة البروتستانتية فيكون مجموعها مع التوراة تسعة وثلاثين سفرًا، وهي التي تسمى العهد القديم لدى النصارى ويمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام:
أولًا: الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇
ثانيًا: الأسفار التاريخية وهي ثلاثة عشر سفرا:
١- يشوع ٢-القضاة ٣-راعوث ٤-صموئيل الأول ٥ -صموئيل الثاني ٦- الملوك الأول ٧-الملوك الثاني٨-أخبار الأيام الأول ٩- أخبار الأيام الثاني ١٠- عزرا ١١- نحميا ١٢- إستير ١٣- يونان (يونس ﵇) .
وهذه الأسفار تحكي قصة بني إسرائيل من بعد موسى ﵇ إلى ما بعد العودة من السبي البابلي إلى فلسطين، وإقامتهم للهيكل مرة أخرى بعد تدميره،
_________________
(١) ١ قال ول ديورانت: يعتقد اليهود أن العهد القديم كله كلام الله- بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة حتى نشيد الأنشاد، وهو عبارة عن ترنيمه تصور مجازًا اقتران يهوه بإسرائيل وأن التوراة كانت قبل أن يخلق الله العالم في صدر الله وعقله- وكان إنزالها على موسى حادث من حوادث الزمان. انظر قصة الحضارة ١٤/١٦. ٢ انظر قاموس الكتاب المقدس ص٤٦٧ المعجم الوسيط ١/٩٠ الفكر اليهودي ص١٤ التوراة بين الوثنية والتوحيد ص١٠. ٣ المعجم الوسيط (١/٩٠) .
[ ٧٥ ]
ماعدا سفري أخبار الأيام الأول والثاني فإنها تعيد قصة بني إسرائيل وتبتدئ بذكر مواليد آدم على سبيل الاختصار إلى السنة الأولى لمِلَك الفرس قورش.
وكذلك سفر يونان "يونس ﵇) يحكي قصته مع أهل نينوى١ الذين أرسل إليهم.
ثالثًا: أسفار الأنبياء وهي خمسة عشر سفرًا:
١- أشعيا ٢- إرميا ٣- حزقيال ٤- دانيال ٥- هوشع ٦- يوثيل ٧- عاموس. ٨- عوبديا ٩- ميخا ١٠- ناحوم ١١- حبقوق. ١٢- صفنيا ١٣- حجى ١٤- زكريا ١٥- ملاخى٢.
وهذه الأسفار يغلب عليها طابع الرؤى، والتنبؤات بما سيكون من حال بني إسرائيل، وحال الناس معهم، وفيها تهديدات لبني إسرائيل، ووعود بالعودة والنصر. والذين نسبت إليهم هذه الأسفار هم ممن كانوا زمن السبي إلى بابل وبعده.
رابعًا: أسفار الحكمة والشعر (الأسفار الأدبية) .
وهي خمسة أسفار:
١- أيوب ٢- الأمثال ٣- الجامعة ٤- نشيد الإنشاد ٥- مراثي إرميا.
خامسًا: سفر الإبتهالات والأدعية سفر واحد، وهو سفر المزامير المنسوب إلى داود ﵇ ٣.
هذه أسفار النسخة العبرانية المعتمدة لدى اليهود والبروتستانت من النصارى.
_________________
(١) ١ نينوى المدينة التي بعث فيها يونس ﵇، وتقع قبالة الموصل على دجلة، وكانت عاصمة الآشوريين. انظر معجم البلدان (٥/٣٣٩)، قاموس الكتاب المقدس ص٩٩٠. ٢ ذكرتها حسب ورودها وترتيبها في النسخة لبروتستانتيه. ٣ يلاحظ أن أهل الكتاب يحزبون كتابهم إلى أسفار وإصحاحات وفقرات، فكل سفر يحوي عددًا من الإصحاحات فهو يشبه من هذا الوجه الأجزاء في تحزيب القرآن الكريم، وكل إصحاح يحوي لديهم العديد من الفقرات فهو يشبه في ذلك السور في تجزئة القرآن الكريم، أما الفقرات فتختلف في الطول والقصر، وهي تشبه من هذا الوجه الآيات في القرآن الكريم والترتيب المذكور هو بالنظر إليها من ناحية موضوعاتها، وإلا فاليهود يرتبونها هكذا أولًا: أسفار موسى الخمسة. ثانيًا: الأنبياء المتقدمون وهي أسفار يشوع، والقضاة، وصموئيل الأول، والثاني، والملوك الأول والثاني، ثم الأنبياء المتأخرون وهم، إشعياء، وأرميا، وحزقيال، والأنبياء الأثنا عشر الصغار وهم هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونس، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجاي، زكريا، ملاخي. ثالثًا: الكتب ويغلب عليها الطابع الأدبي وهو المزامير، الأمثال، أيوب، نشيد الأناشيد، والجامعة، وراعوث، والمراثي، واستير، ودانيال، عزرا، نحميا، الأخبار الأول والثاني. انظر قاموس الكتاب المقدس ص٤٦٧الفكر الديني اليهودي ص٣٣-٤٧.
[ ٧٦ ]
أما النصارى الكاثوليك، والأرثوذكس فيعتمدون النسخة اليونانية، وهي تزيد على العبرانية بسبعة أسفار هي: سفر طوبيا، ويهوديت، والحكمة، ويشوع بن سيراخ، وباروخ، والمكابيين الأول والمكابيين الثاني.
وسنبين في دراسة مختصرة حال أهم كتب العهد القديم وهي التوراة لما لها من الأهمية العظمى لدى كل من اليهود والنصارى ونكتفي بدراستها خشية الإطالة.
[ ٧٧ ]
المطلب الثاني: تاريخ التوراة
إن كل كتاب يستمد قيمته من قيمة صاحبه، ولابد أن يثبت صحة نسبته إلى صاحبه، وإلا فإنه يفقد قيمته، والكتب المنزلة المقدسة تستمد قدسيتها من نسبتها إلى من جاءت من عنده وهو الله ﷿، ولابد لثبوت قدسيتها أن تثبت صحة نسبتها وسندها إلى الله ﷿، وما لم يثبت ذلك فإنها لا تكون مقدسة، وغير واجبة القبول، إذ تكون عرضة للتحريف، والتبديل، والخطأ.
فلهذا لابد لنا أن نتعرف على حال التوراة المنسوبة إلى موسى ﵇ وهي أهم جزء في العهد القديم الذي بين يدي اليهود والنصارى من ناحية إسنادها فنقول:
إن من نظر في التوراة والأسفار الملحقة بها يجد ذكرًا محدودًا لأسفار موسى التي يسمونها الشريعة، أو سفر الرب، أو التوراة.
ومن خلال هذه المعلومات نجد أن اليهود ذكروا:
١- أن موسى ﵇ دوَّن جميع الأحكام، وكتبها، وهي أحكام أعطيها شفهيًا وفي هذا قالوا في سفر الخروج ٢٤/٣ "فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام، فأجاب جميع الشعب بصوت واحد وقالوا كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل فكتب موسى
[ ٧٨ ]
جميع أقوال الرب "
ثم قالوا "وأخذ١ كتاب العهد، وقرأ في مسامع الشعب فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له".
٢- أن موسى أُعطى شريعة مكتوبة بيد الله تعالى. وفي هذا قالوا في سفر الخروج ٢٤/١٢ "وقال الرب لموسى إصعد إلى الجبل، وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة٢، والشريعة، والوصية التي كتبتها لتعليمهم".
ثم ذكروا بعد هذا أن موسى ﵇ مكث أربعين يومًا في الجبل وذكروا شرائع كثيرة أعطيها وتكلم الله بها معه، ثم في نهاية ذلك ذكروا إعطاءه الألواح. وفي هذا قالوا في سفر الخروج ٣١/١٨ "ثم أَعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله".
وفي أثناء غياب موسى ﵇ عبد بنوا إسرائيل العجل، فلما عاد
_________________
(١) ١ أي موسى ﵇. ٢ عند اليهود أن لوحي الحجارة متضمنة للوصايا العشر فقط، وهي الواردة في سفر الخروج (٢٠/٢-١٧) "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن لا تنطق باسم الرب إلهك باطلًا اذكر يوم السبت لتقدسه أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض لا تقتل، لاتزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك، لا تشته إمرأة قريبك ولا عبده ولا شيئًا مما لقريبك".
[ ٧٩ ]
موسى ﵇ ورأى قومه يرقصون حول العجل ألقى الألواح، فتكسرت١، ثم إن الله ﷾ فيما يذكر اليهود كتب له لوحين آخرين بدلًا عنها٢.
٣- ذكر اليهود أن موسى ﵇ قبيل وفاته كتب التوراة، وأعطاها لحاملي التابوت، وفي هذا قالوا في سفر التثنية ٣١/٩ "وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة من بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب٣، ولجميع شيوخ
_________________
(١) ١ ورد عن ابن عباس (قال: قال رسول الله ("ليس الخبر كالمعاينة إن الله ﷿ أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت" أخرجه أحمد (١/٢٧١) والحاكم (٢/٣٢١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ سفر الخروج (٣٤/١) وقد ذكر القرطبي في تفسيره (٧/٢٩٣) على قول الله ﷿ ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ الأعراف آية (١٥٤) عدة أقوال في هذا منها: أن موسى صام أربعين يومًا بعد أن تكسرت الألواح فردت إليه في لوحين، وقيل: إنها لما كسرت رفع ستة أسباعها وهو التفصيل وبقى السبع فقط وهو الهدى والرحمة وهو متضمن للأحكام والحدود، وقيل: إن المراد أن الألواح متضمنة للهدى والرحمة يعني أنه جمعها وفيها ما ذكر، وذكر ابن كثير في تفسيره (٢/٢٢٨) أن الألواح كانت مشتملة على التوراة، كما ذكر قولًا أخر وهو أن الألواح أعطيها موسى ﵇ قبل التوراة، وقد جزم القرطبي في تفسيره (٧/٢٩٣) والشوكاني في فتح القدير (٢/٢٤٤) بأن الألواح هي التوراة، وهو الأرجح لأن الله ﷿ قد وصف ما كتب في الألواح بقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الأعراف (١٤٥) وهذا الوصف لا ينطبق على ما أورده اليهود في كتابهم من أن الألواح كانت متضمنة للوصايا العشر فقط، والله أعلم. ٣ التابوت من مقدسات بني إسرائيل وهو صندوق من الخشب يزعمون أن الله أمر موسى ﵇ بصنعه على هيئة خاصة وكان بنوا إسرائيل يحملونه أمامهم في التيه ولما بنى سليمان ﵇ بيت المقدس جعله فيما يسمونه (قدس الأقداس) وهي حجرة صغيرة يستقبلونها في الصلاة. وقد ذهبت جميع هذه المقدسات بعد تدمير الهيكل زمن غزو بختنصر. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٢٠٩.
[ ٨٠ ]
إسرائيل، وأمرهم موسى قائلًا: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة البراء١ في عيد المظال٢ حينما يجئ جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تقرأ هذه التوراة، أمام كل إسرائيل في مسامعهم".
ثم ذكر اليهود في خاتمة هذا السفر السبب الذي لأجله دوَّن موسى ﵇ التوراة فقالوا في سفر التثنية ٣١/٢٤ "فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلًا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدًا عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هوذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحرى بعد موتى".
٤-ذكر اليهود في سفر يشوع أن يشوع " يوشع " كتب التوراة مرة أخرى على أحجار المذبح٣ حسب وصية موسى عليه السلام٤
_________________
(١) ١ المراد بها السنة السابعة من تاريخ دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة وهي سنة راحة عندهم فلا يزرعون فيها الأرض، والمحاصيل التي تكون من الأشجار تعطى للفقراء والعبيد والأجراء وغيرهم ويسمونها سنة السبت. انظر سفر اللاويين (٢٥/٢) قاموس الكتاب المقدس ص ٤٩٠. ٢ عيد المظال نسبة إلى المظال وهي الخيام، لأنهم كانوا ينصبون الخيام في كل مكان، ويقام في الشهر السابع من كل سنة، ويذبحون فيه القرابين ويستمر ثمانية أيام. قاموس الكتاب المقدس ص٥٨٦. ٣ المراد بالمذبح هو: مكان تقديم القرابين حيث تذبح قربة لله، وفي العادة يكون في كل مكان مرتفع. انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٣٨٥. ٤ ورد في سفر التثنية (٢٧/٢) " فيوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي يعطيك الرب الهك تقيم لنفسك حجارة كبيرة وتشيدها بالشيد وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس".
[ ٨١ ]
وفي هذا قالوا " حينئذ بنى يشوع مذبحًا للرب إله إسرائيل في جبل عيبال١ وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب في سفر التوراة"٢.
٥- انقطع بعد هذا ذكر التوراة وخبرها، فلا يذكر اليهود في كتابهم التوراة التي كتبها موسى، ولا ما كتبه يشوع على حجارة المذبح، وإنما ذكروا التابوت الذي وضع موسى ﵇ فيه التوراة، وأن هذا التابوت إستولى عليه الأعداء في زمن النبي صموئيل في قولهم، ثم أعيد إليهم بعد سبعة أشهر، فجعلوه في قرية يسمونها يعاريم٣. وبقى هناك فيما ذكروا عشرين عامًا إلى أن جاء داود ﵇ فأصعده من هناك إلى أورشليم، وجعله في خيمة٤، ثم نقله سليمان ﵇ إلى الهيكل الذي بناه، وجعله في قدس الأقداس فيما يقولون، وكانوا يستقبلونه في الصلاة.
وقد ذكروا أن سليمان ﵇ حين فتح التابوت لم يكن فيه سوى لوحي الحجر اللذين وضعهما موسى عليه السلام٥.
_________________
(١) ١ جبل عيبال قبالة جبل جرزيم ولا يفصل بينهما إلا واد ضيق وهما على الجانب الشمالي لمدينة نابلس. قاموس الكتاب المقدس ص ٦٤٨. ٢ سفر يشوع (٨/٣٠) . ٣ انظر: خبر استيلاء أعداء اليهود على التابوت بما فيه، وأنه مكث عندهم سبعة أشهر ثم عاد إليهم سفر صموئيل الأول (٤/٣وما بعدها) . ٤ انظر: ذلك في سفر صموئيل الثاني ٦/١- وما بعدها. ٥ انظر: سفر الملوك الأول (٨/١- وما بعدها.
[ ٨٢ ]
فأين ذهبت نسخة التوراة التي نسخها موسى ﵇ ووضعها في التابوت؟ هذا مالا يجد اليهود ولا النصارى جوابًا له.
٦- بعد سليمان ﵇ انقسمت دولة بني إسرائيل إلى قسمين:
دولة إسرائيل في الشمال: وهي تحت حكم يربعام بن نباط، وعاصمتها نابلس.
ودولة يهوذا في الجنوب، وهي تحت حكم رحبعام بن سليمان، وعاصمتها أورشليم١.
وذكر اليهود حادثة في زمن رحبعام لها دلالتها المهمة: وهي أن رحبعام ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل، وذلك يعني إنحرافهم عن الدين فهاجمهم فرعون مصر في ذلك الزمن واستباح ديارهم، وفي هذا قالوا في سفر الملوك الأول (١٤/٢٢) "وعمل يهوذا الشر في عيني الرب، وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباؤهم بخطاياهم التي أخطأوا بها، وبنوا لأنفسهم مرتفعات، وأنصابًا، وسواري على كل تل مرتفع، وتحت كل شجرة خضراء٢ وكان أيضًا مأبونون في الأرض فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل٣. وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ جميع خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان".
_________________
(١) ١ انظر سفر الملوك الأول (١٢/١-٢٧) . ٢ ذلك يعني أنهم وقعوا في الشرك وعبادة الأصنام. ٣ هذا يعني أنهم وقعوا في الانحرافات الأخلاقية والفجور الذي فعله من كان قبلهم.
[ ٨٣ ]
وفي سفر أخبار الأيام الثاني (١٢/١) وصفوا شيشق، وما معه من قوة بما يلي "وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر على أورشليم، لأنهم خانوا الرب. بألف ومائتي مركبه، وستين ألف فارس، ولم يكن عدد للشعب الذين جاؤا معه من مصر، لوبيين وسكيين وكوشيين، وأخذ المدن الحصينة التي ليهوذا، وأتى إلى أورشليم ".
فهذا النص فيه دلالة واضحة على أن عاصمة اليهود الدينية استباحها فرعون مصر، واستولى على ما فيها. وهذا يدل على أن اليهود فقدوا التوراة في هذه الحادثة حيث لم يشر كتابهم المقدس إليها بعد هذا إلا في زمن الملك يوشيا، أي بعد ما يقارب ثلاثة قرون وزيادة، كما سيأتي بيانه في الفقرة التالية، كما أن التابوت ينتهي خبره بعد هذه الحادثة إلى زمن الملك يوشيا أيضًا، حيث طلب من اللآويين أن يجعلوا التابوت في البيت الذي بناه النبي سليمان عليه السلام١. ثم ينقطع بعد هذا خبره إلى يومنا هذا. ولعله كان مما دمره بختنصر في غزوه لبيت المقدس.
٧- يزعم اليهود أن الملك يوشيا الذي تولى الملك في يهوذا بعد سليمان ﵇ بما يقارب ٣٤٠ عامًا، وقبيل غزو بختنصر لدولة يهوذا وتدميرها مرة أخرى وجد سفر الشريعة
وهذا نص كلامهم: "وفي السنة الثامنة عشرة للملك يوشيا، أرسل الملك شافان بن أصليا بن مشلام الكاتب إلى بيت الرب قائلًا:
إصعد إلى حلقيا الكاهن فيحسب الفضة المدخلة إلى بيت الرب التي
_________________
(١) ١ انظر: سفر الأخبار الثاني (٣٥/٣) قاموس الكتاب المقدس ص ٢١٠.
[ ٨٤ ]
جمعها حارسوا الباب من الشعب فيدفعوها ليد عاملي الشغل الموكلين ببيت الرب فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه، وجاء شافان الكاتب إلى الملك ورد على الملك جوابًا وأخبر شافان الملك قائلًا: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفرًا، وقرأه شافان أمام الملك، فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه، وأمر الملك حلقيا الكاهن، وأخيقام بن شافان قائلًا: اذهبوا اسألوا الرب لأجلي، ولأجل الشعب ولأجل كل يهوذا من جهة كلام هذا السفر الذي وجد، لأنه عظيم هو غضب الرب الذي اشتغل علينا من أجل أن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر ليعملوا حسب كل ما هو مكتوب علينا ١ ٢
وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم وصعد الملك إلى بيت الرب، وجمع رجال يهوذا، وكل سكان أورشليم معه والكهنة والأنبياء وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب "٢.
فهذا الخبر الذي ذكره اليهود فيه دلالة واضحة على أنهم كانوا قد فقدوا التوراة، وأنهم أيضًا ضيعوا أحكامها، ونسوا الشيء الكثير منها، وما وجدوه في الواقع ليس فيه أي دليل على أنه التوراة،
إذ من المستبعد جدًا أن يكون اليهود قد فقدوا التوراة كل هذه المدة الطويلة
_________________
(١) ١ سفر الملوك الثاني (٢٢/٨-١٣) . ٢ سفر الملوك الثاني (٢٣/١٠٢) .
[ ٨٥ ]
أكثر من ثلاثة قرون وهي موجودة في الهيكل مع أنه معبد عام وقد تعاقب على رئاسته خلال تلك المدة الكثيرة من الكهنة وهم يبحثون عنها كل تلك المدة ولا يجدونها مع ما لها من القداسة في نفوسهم ثم يجدها الكاهن حلقيا؟.
هذا في الواقع مستبعد جدًا، وليس بعيدًا أن يكون الكاهن حلقيا كتبها من محفظاته ومعلوماته وزعم أنها سفر الشريعة ليرضي بذلك الملك يوشيا، الذي كان له تدين ورغبة في إستقامة الشعب. والله اعلم.
٨- بعد الملك يوشيا بخمس وعشرين سنة تقريبًا وذلك سنة ٥٨٦ ق. م هجم بختنصر الكلداني على دولة يهوذا ودمرها، ودمر الهيكل، وسبى بني إسرائيل، وفي هذا قالوا في كتابهم بعد ذكر مبررات التدمير من فساد بني إسرائيل وكفرهم:
"فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى، أو عذراء، ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده، وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعا إلى بابل، وأحرقوا بيت الله، وهدموا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيدًا إلى أن ملكت مملكة فارس"١.
فيجمع الكتاب هنا على أن التوراة فقدت من بني إسرائيل مرة أخرى بسبب هذا التدمير الشامل.
_________________
(١) ١ أخبار الأيام الثاني (٣٦/١٧-٢٠) .
[ ٨٦ ]
٩- يزعم اليهود أن عزرا الكاتب قد هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء١.
وعزرا هذا كان زمن السبي البابلي، ولما عاد بنو إسرائيل إلى أورشليم في زمن ملك الفرس جمعهم لقراءة ما كتب من شريعة موسى، وفي هذا قالوا "إجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب: أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل، فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء، وكل فاهم ما يسمع في اليوم الأول من الشهر السابع، وقرأ منها أمام الساحة التي أمام باب الماء من الصباح إلى نصف النهار أمام الرجال والنساء والفاهمين وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة"٢.
فيظهر من هذا واضحًا أن عزرا قد كتب لهم التوراة، ولم يذكر اليهود من أين وصلت التوراة إليه وبينه وبين موسى ﵇ أكثر من ثمانية قرون؟ وقد فقدت التوراة قبل زمن عزرا قطعًا كما مر ذكره.
فعلى هذا يتبين أن التوراة التي كان عزرا يقرأها على الناس إما أن تكون مفتراة مكذوبة دوَّنها عزرا من محفظاته وما وصل إليه من مدونات ومعلومات وليست توراة موسى، وبالتأكيد لا يوثق بحفظه ولا ما وصل إليه من أوراق وكتب، إذ أن ذلك يحتاج إلى إثبات السند المتصل منه إلى موسى ﵇، وهذا أبعد عليهم من السماء.
_________________
(١) ١ سفر عزرا (٧/١٠) . ٢ سفر نحميا (٨/١-٣) .
[ ٨٧ ]
وإما أن تكون معلومات متوارثة في الأحكام الواجب على بني إسرائيل التزامها، دونها عزرا على أنها الفرائض التي أوجبها الله على بني إسرائيل، وزعم هو أو زعم كتاب الكلام السابق أنها سفر شريعة موسى، وبين الأمرين كما بين السماء والأرض، إذ أن توراة موسى منزلة من عند الله، وما جمعه عزرا ودونه لا يعدو أن يكون فهومًا واستنباطات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل، وهذا الاحتمال الأخير في رأيي أرجح من سابقه، وذلك لأن اليهود ذكروا في كتابهم عن عزرا قولهم: "لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء"١. فهذا يدل على أنه أخذ يجد في الجمع والتتبع والعمل والتعليم.
وهناك نص آخر يدل على أن بني إسرائيل قد أهملوا العمل بكثير من التعاليم من أيام يوشع بن نون وفي هذا قالوا عن أحد أعيادهم التي عملوها بدعوة من عزرا "وعمل كل الجماعة الراجعين من السبي مظال وسكنوا في المظال٢، لأنه لم يعمل بنو إسرائيل هكذا من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم وكان فرح عظيم جدا"٣.
فهذا ينص صراحة على الإهمال للتعاليم، وعدم أدائها من زمن بعيد فلا يمكن لرجل مهما أوتي من العلم جمع كل التعاليم الواجبة مع البعد الزمني
_________________
(١) ١ سفر عزرا (٧/١٠) . ٢ المراد بالمظال الخيام، وقد سبق ذكر النص الذي يأمرهم بذلك عند الكلام على كتابة موسى للتوراة ودفعها لحاملي تابوت الرب انظر ما سبق ص ٦٤. ٣ سفر نحميا (٨/١٧) .
[ ٨٨ ]
وكثرة التقلبات والانحرافات التي وقع فيها بنو إسرائيل، ومع ذلك فجمعه لا يعدو أن يكون عملًا بشريًا لا يصح بأي حال نسبته إلى الله ﷿.
١٠- ذكر المؤرخون أن الحاكم اليوناني (بطليموس الثاني) الذي كان في الفترة من (٢٨٢-٢٤٧-ق. م) طلب من اليعازار رئيس الكهان أن يرسل إليه اثنين وسبعين عالمًا من علماء التوراة لترجمة أسفار موسى الخمسة١ إلى اليونانية فنفذ الطلب، وكان اليعازار على رأس أولئك، وتمت المهمة خلال إثنين وسبعين يومًا فكانت الترجمة المعروفة بـ (السبعينية) في اللغة اليونانية للأسفار الخمسة. وعن اليونانية ترجم العهد القديم إلى اللاتينية.
فهذه الترجمة للأسفار تمت بعد فترة طويلة جدًا من وفاة موسى ﵇ إذ تقارب العشرة قرون٢، وكذلك بعد فترة طويلة من نسخة عزرا التي سبق ذكرها، إذ بين هذه الترجمة وتلك النسخة قرابة قرنين من الزمان، مما يجعل الكتاب الذي ترجم عنه إلى اليونانية لا سند له فيكون المترجَم بالتالي لا قيمة له.
كما أن هذه المعلومة لم يذكرها إلا رجل يوناني يسمى " أرستاى" في رسالة له لهذا ردها كثيرٌ من متأخري اليهود والنصارى وإن كان المتقدمون قد قبلوها. كما ذكر ذلك الدبس في تاريخ سورية.
فهي معلومة لم يتوفر لها الإثباتات اللازمة، إضافة إلى غرابتها حيث زعم قائلها أن اليعازار أرسل اثنين وسبعين رجلًا من علماء اليهود ستة من كل سبط من أسباطهم الاثني عشر، وأنهم جعلوا في أماكن منفرد بعضهم عن بعض
_________________
(١) ١ مختصر الدول لابن العبري ص٥٩. الأسفار المقدسة ص٢٩٥. ٢ يؤرخ بعضهم زمن موسى ﵇ بأنه في حدود نهاية القرن الخامس عشر قبل الميلاد وبعضهم يجعله في القرن الثالث عشر قبل الميلاد انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٩٣٣.
[ ٨٩ ]
فكانت ترجماتهم متطابقة تمامًا.
فهذا الخبر لا يمكن قبوله وتصديقه وذلك لأن مما هو متفق عليه عند اليهود أن عشرة أسباط من بني إسرائيل وهم الذين كانوا شعب دولة إسرائيل شمال دولة يهوذا قد سبوا من أيام الاشوريين في سنة ٧٢٢ ق. م وانقرضوا حيث يوصفون بالأسباط العشرة الضائعة وحسب الخبر المذكور هنا فإن اليعازار قد أحضر ستين عالمًا منهم وهذا مستبعد جدًا.
١١- أن اليهود فقدوا المقدرة على فهم اللغة العبرية المدونة القديمة بعد إختلاطهم بالأمم، وذلك أن اللغة العبرية في أصلها بدون نقط ولا حركات وهذا يسبب أخطاءً كثيرة في القراءة، فاهتدوا إلى وسيلة لإزالة هذا اللبس بإدخال النقط والحركات، والفواصل، واستمر هذا العمل من القرن السابع الميلادي إلى القرن العاشر الميلادي، فأخرجوا نسخة من التوراة باللغة العبرية على هذا النمط تسمى النسخة الماسورية، إنتهوا منها في القرن العاشر الميلادي، وعن هذه النسخة أي العبرية المعدلة نسخت جميع النسخ العبرية والمترجمة عنها١.
والسؤال المطروح هنا: أين النسخ الأصلية التي نقلت عنها النسخة الماسورية؟
الجواب عن ذلك: أنه لا يوجد بأيدي اليهود أو النصارى شيء من النسخ الأصلية سوى مخطوطات وادي قمران عند البحر الميت، والتي عثر عليها في الفترة من عام ١٩٤٧-١٩٥٦م وهي مجموعات متكاملة للعهد القديم
_________________
(١) ١ انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٧٦٣، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم. د. محمد البار ص١٧٢.
[ ٩٠ ]
كتبت قبل الميلاد بثلاثة قرون، وأقربها عهدًا ما كتب قبل الميلاد بقرن واحد، إلا أن هذه المخطوطات التي استولى على الجزء الأكبر منها كل من أمريكا، وبريطانيا، واليهود في فلسطين لم تكشف ولم تعلن حتى الآن، مما يجعل في الأذهان استفهامات عديدة حولها، وأنها تتضمن أمورا خطيرة، جعلت اليهود والنصارى يتفقون على عدم كشفها على غير عادتهم في الآثار التاريخية١.
ومن خلال هذا العرض التاريخي الموثق للتوراة يتبين ما يلي:
١- أن التوراة التي أعطيها موسى ﵇ مكتوبة، والتي دونها، وكذلك التي دونها يوشع بن نون بعد موسى ﵇ فقدت، إما قبل عهد سليمان ﵇، أو بعده مباشرة.
٢- أن اليهود زعموا أنهم عثروا على التوراة زمن الملك يوشيا، وهو إدعاء يحتاج إلى العديد من الإثباتات لإعتقاد صحته.
٣- أن اليهود فقدوا ما ادعوا أنهم وجدوه زمن الملك يوشيا، وذلك بسبب تدمير بيت المقدس وما أعقب ذلك من سبي اليهود وتهجيرهم.
٤- أن عزرا أعاد لهم التوراة وكتبها فيما زعم اليهود، وإذا قبلنا كلام اليهود هذا فإن ذلك لا يعدوا أن يكون عملًا بشريًا، وإذا كان عزرا نسبه إلى الله ﷿ فهو كاذب في ذلك، لأن التوراة لم يدع أحد لا من اليهود، ولا من النصارى، ولا من المسلمين أنها أنزلت مرتين مرة على موسى، ومرة على عزرا.
_________________
(١) ١ انظر: التوراة بين الوثنية والتوحيد ص ٨٣-٨٧. المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم ص٢٦٤.
[ ٩١ ]
وقد يكون الذي ادعى أن تلك هي التوراة ألهمها عزرا هم الكتبة فيما بعد، فهم في هذا كاذبون، لأن عزرا لم يقل ذلك فيما نقلوا عنه.
وأدلة بطلان ذلك ظاهرة من ناحية بعد الزمان، وانقطاع السند، وفساد بني إسرائيل.
٥- أن نسخة عزرا وما دوَّنه عزرا لا يعلم على التحقيق مصيرها، وإنما بعد ذلك بما يقارب قرنين من الزمان كتبت النسخة السبعينية ولم يذكر من أي نسخة ترجمت، وادعاء أنها من حفظ الكهنة بعيد جدًا إذ أن اليهود لا يحفظون كتابهم عن ظهر قلب، وليس فيهم من يدعي ذلك.
٦- أن النسخة العبرية والتي تنتمي إلى النص الماسوري لا تختلف عن الكتاب المترجم من ناحية أنها أخذت طريقة في الكتابة مغايرة للغة الأصلية التي كتب بها العهد القديم، مما يجعل ثبوت صحتها منوطًا بوجود النصوص الأصلية التي تتفق مع اللغة القديمة، حتى يمكن المقابلة عليها، وإلا تعتبر لا أصل لها يشهد لصحتها، فتكون بذلك مثلها مثل النسخة اليونانية.
٧- أن النص اليوناني والنص العبري للتوراة والعهد القديم لم يؤخذا من مصدر واحد بل من مصدرين مختلفين يدل على هذا اختلافهما في عدد الأسفار، حيث أن اليونانية ستة وأربعون سفرًا، وأما العبرية الماسورية فهي تسعة وثلاثون سفرًا، كما أن بينهما اختلافات كثيرة وعديدة مما يدل على أنهما من مصدرين مختلفين.
ومن خلال هذا يتبين بما لا يدع مجالًا للشك أن العهد القديم كتاب ليس له أي سند تاريخي يثبت تسلسل نقله، وأنه تعرض لفترات عديدة من الضياع،
[ ٩٢ ]
وأن أصله العبري لا وجود له بأيدي اليهود مما يجعل المجال واسعًا للتحريف والتبديل، وهو ما سنبينه إن شاء الله من واقع ما بأيدي اليهود والنصارى من النصوص.
[ ٩٣ ]
المطلب الثالث: تحريف التوراة
مما سبق ذكره وبيانه عن التوراة يتضح أن الكتاب الذي بين يدي اليهود والنصارى لا سند له يمكن أن يعتمد عليه في صحة المعلومات الواردة فيه فلهذا لا يمكن لليهود ولا للنصارى أن ينفوا إمكانية التحريف، والعبث فيه خاصة وأن الذين استؤمنوا عليه وهم اليهود قد انحرفوا انحرافات خطيرة في الدين، وكفر كثير منهم، وأعرضوا عن دين الله، وتركوه رغبة عنه، وحبًا للدنيا، وإيثارًا لها وهذا ظاهر واضح لكل من طالع سجل تاريخهم وهو العهد القديم.
فمع هذا الإنحراف والفساد كيف يمكن أن تسلم التوراة من العبث والتحريف، هذا ما لا يقبله العقل السليم وواقع الإنسان. وسنذكر هنا ما يؤكد وقوع التحريف.
أولًا: أدلة التحريف من القرآن الكريم والتوراة
قد شهد الله ﷿ بتحريف اليهود لكتابهم وأبان عن هذا في القرآن الكريم في مواضع عديدة فمن ذلك قوله ﷿: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة آية (٧٥) .
فهذا فيه دلالة على أنهم غيروا وبدلوا عن إصرار وعلم.
وقوله ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
[ ٩٤ ]
عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ البقرة آية (٧٩) .
وقوله ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران الآية (٧٨) .
فهذا فيه دلالة على أنهم أدخلوا في كلام الله ما ليس منه، وافتروا على الله الكذب بأن نسبوا إليه سبحانه ما لم يقله وهم يعلمون ذلك فجورًا منهم، وجرأة على الله تعالى وتقدس.
وقوله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ الأنعام آية (٩١) .
فهذا فيه دلالة على أنهم قد أَخفَوا وكتموا ما عندهم من علم وما أنزل الله عليهم من كتاب حسب أهوائهم.
وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة الآية (١٣) .
وفي هذه الآية دلالة واضحة على التحريف وعلى أنهم نسوا حظًا أي نصيبًا وجزءًا مما أنزل عليهم.
وهذا جزاء من الله ﷿ لهم بسبب كفرهم وفسادهم وسابق تحريفهم ونقضهم للميثاق.
كما ورد في كتابهم ما يتفق مع ما ذكره الله ﷿ عنهم فمن ذلك ما ورد
[ ٩٥ ]
في سفر إرميا (٨/٨) مما ينسب إلى الله ﷿ القول "كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا، حقًا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب، خَزِىَ الحكماء إِرتاعو وأُخِذُوا هاقد رفضوا كلمة الرب".
فهذا النص من نبي من أنبيائهم الكبار على ما ذكروا وكان في عصر متأخر، قد عاصر إنحرافاتهم وذلك قبيل الغزو البابلي وسبى اليهود، وهو نص على تركهم لدين الله وتحريفهم لشريعته، وأن الكتبة الموكلون بالكتب المنزلة قد حولوها إلى الكذب والزور.
ثانيًا: الأمثلة على وقوع التحريف في التوراة
الأمثلة على وقوع التحريف في التوراة كثيرة جدًا نذكر بعضًا منها:
أولًا: الاختلاف في عدد الأسفار
مما هو معلوم أن بين يدي اليهود والنصارى ثلاث نسخ مشهورة من التوراة والعهد القديم. ومن هذه النسخ تتفرع سائر الترجمات تقريبًا وهي:
١- النسخة العبرية
وهي المقبولة والمعتبرة لدى اليهود وجمهور علماء البروتستانت النصارى وهي مأخوذة من الماسورية وما ترجم عنها.
٢- النسخة اليونانية
وهي المعتبرة لدى النصارى الكاثوليك والأرثوذكس وهي التي تسمى السبعينية وما ترجم عنها.
٣- النسخة السامرية
وهي المعتبرة والمقبولة لدى اليهود السامريين.
وإذا عقدنا مقارنة بين النسخ الثلاث من ناحية عدد الأسفار نجد أن النسخة العبرية تسعة وثلاثون سفرًا فقط.
[ ٩٦ ]
أما النسخة اليونانية فهي ستة وأربعون سفرًا حيث تزيد سبعة أسفار عن النسخة العبرية ويعتبرها النصارى الكاثوليك والأرثوذكس مقدسة.
أما النسخة السامريه فلا تضم إلا أسفار موسى الخمسة فقط١ وقد يضمون إليها سفر يوشع فقط٢ وما عداه فلا يعترفون به ولا يعدونه مقدسًا.
فهذا الاختلاف الهائل بين النسخ لكتاب واحد، والكل يزعم أنه موحى به من قبل الله ﷿، ويدعي أن كتابه هو الكتاب الحق وما عداه باطل مع عدم القدرة على تقديم الدليل القاطع على صحة ما يدعيه، فذلك دليل على التحريف من قبل المتقدمين، وأن المتأخرين استلموا ما وصل إليهم بدون نظر في ثبوته أو عدم ثبوته، أو أن المتأخرين وصلتهم كتب عديدة ومتنوعة فأدخلوا ما رأوا أنه مناسب وذو دلالات مهمة، وحذفوا ما رأوا عدم تناسبه مع ما يعتقدون أو يرون، بدون أن يكون لهم دليل صحيح على إضافة ما أضافوا من الأسفار أو حذف ما حذفوا منها.
ثانيًا: الاختلاف والتباين بين النسخ في المعلومات المدونة:
إذا قارنا بين النسخ الثلاث فيما اتفقت في ذكره من أخبار وقصص نجد بينها تباينًا شديدًا واختلافًا كبيرًا ومن الأمثلة على ذلك:
١- أن اليهود ذكروا تاريخ مواليد بني آدم إلى نوح ﵇ ونصوا على عمر كل واحد منهم، وكذلك عمره حين ولد له أول مولود، وبعقد مقارنة بين أعمار من ذكروا حين ولد لهم أول مولود تتبين إختلافات واضحة بين
_________________
(١) ١ هذا حسب النسخة العربية التي ترجمها الكاهن السامري أبو الحسن اسحاق الصوري ونشرها د. أحمد حجازي السقا. ٢ ذكر هذا الدكتور/ سيد فراج راشد في كتابه "السامريون واليهود" ص١١١.
[ ٩٧ ]
النسخ الثلاث فمن ذلك:
الاسم العبرانية السامرية اليونانية
آدم ١٣٠ ١٣٠ ٢٣٠
شيث ١٠٥
١٠٥
٢٠٥
آنوش ٩٠ ٩٠ ١٩٠
قينان ٧٠
٧٠
١٧٠
يارد ١٦٢ ٦٢ ٢٦٢
متوشالح ١٨٧ ٦٧ ١٨٧
الزمان من خلق آدم إلى الطوفان. ١٦٥٦ ١٣٠٧ ٢٢٦٢
فهذه أمثلة تدل على تحريفهم وتبديلهم لكلام الله -إن ثبت أن ما سبق هو من كلام الله المنزل- حيث لا يمكن الجمع بين هذه الروايات المتناقضة.
ثالثًا: الاختلاف بالمقارنة مع ما ذكروه في مواضع أخرى من كتابهم:
١- ذكروا في سفر التكوين أن سفينة نوح استقرت بعد الطوفان على جبال أراراط١ بعد سبعة أشهر وسبعة عشر يومًا ثم ذكروا أن رؤوس الجبال بعد الطوفان لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر.
وهذا نص كلامهم في سفر التكوين (٨/٤) "واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط وكانت المياه تنقص نقصًا متواليًا إلى الشهر العاشر وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال".
ففي هذا تناقض ظاهر فكيف رست السفينة على الجبال بعد سبعة أشهر مع
_________________
(١) ١ يقصدون بها جبال أرمينيه في آسيا الوسطى. أنظر قاموس الكتاب المقدس ص٤٢.
[ ٩٨ ]
أن رؤوس الجبال لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر؟!
٢- ذكروا أن الله أمر نوحًا أن يحمل في الفلك من كل جنس إثنين، فقالوا في سفر التكوين (٦/١٩) "ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك، تكون ذكرًا وأنثى من الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها".
وبعده مباشرة ذكروا أن الله أمره أن يأخذ من كل جنس سبعة سبعة ذكرًا وأنثى ماعدا البهائم غير الطاهرة فيأخذ اثنين. ففي سفر التكوين (٧/٢) قالوا "من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرًا وأنثى، ومن البهائم التي ليست بطاهرة إثنين ذكرًا وأنثى، ومن طيور السماء أيضًا سبعة سبعة ذكرًا وأنثى، لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض".
٣- ذكروا في سفر الخروج (٢٤/٩) أن موسى وهارون وشيوخ إسرائيل رأو الله فقالوا: "ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل. ورأو إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف إسرائيل. فرأو الله وأكلوا وشربوا".
هكذا زعموا في هذا الموضع وفي سفر التثنية (٤٤/١٢) زعموا أن الله تعالى قال لموسى ﵇ ممتنًا عليه وعلى بني إسرائيل "فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم
[ ٩٩ ]
سامعون صوت كلام ولكن لم ترو صورة بل صوتًا فاحتفظوا جدًا لأنفسكم. فإنكم لم ترو صورة ما ".
فهذا فيه أنهم لم يرو الله ﷿ وهذا الحق فهم لم يروا الله ﷿ إلا أن فيه بيان تناقض كلامهم.
٤- قالوا في سفر الخروج (٣٣/١١) في كلام الله لموسى "ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه".
ففي هذا يزعمون أن الكلام يتم مقابلة مما يوحي بأن موسى ﵇ يرى وجه الله تعالى حين يكلمه.
وفي نص آخر بعد هذا يقولون إن الله قال لموسى لما طلب أن يراه سفر الخروج (٣٣/٢٠) "لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش".
فهنا ذكروا أن الله تعالى نفى أن يستطيع موسى أو أي إنسان رؤية وجهه ﷿. وفي هذا تناقض واضح مع ما قبله ودليل على التحريف.
والحق أن موسى ﵇ لم ير الله ﷿، كما ذكر ذلك ربنا جل وعلا في القرآن الكريم حيث قال ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ الأعراف آية (١٤٣) .
٥- أنهم ذكروا أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇ كما في سفر التكوين (٢٢/٢) "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال"
فلاشك أن هذا خطأٌ، لأن إسحاق ﵇ لم يكن وحيد إبراهيم عليه
[ ١٠٠ ]
السلام بل الذي كان وحيده هو بكره إسماعيل ﵇ حيث نص اليهود في كتابهم على أن إسماعيل ﵇ ولد قبل إسحاق ﵇ حيث ختّن وعمره ثلاث عشرة سنة ولم يكن إسحاق ولد بعد وفي هذا قالوا في سفر التكوين (١٧/٢٥) ."وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه "
ثم ذكروا بعد ذلك بشارة الملائكة بإسحاق حين ضافوا إبراهيم ﵇ وهم في طريقهم إلى قوم لوط١ والذي يبدو أن اليهود حسدوا أبا العرب إسماعيل ﵇ على هذه المنقبة العظيمة فغيروا وحرفوا لأجل ذلك.
رابعًا: الزيادة والإضافات:
توجد في التوراة العديد من الجمل التي لا يمكن أن يصح نسبتها إلى موسى ﵇ ومن ذلك:
١- أن الكتاب من أوله إلى آخره مليء بقولهم "وقال الرب لموسى" "وقال موسى للرب" "وحدَّث موسى الشعب" ونحو ذلك من العبارات التي تدل على الحكاية والرواية مما يقطع بأنها ليست من كلام موسى ﵇ ولا من كلام الله ﷿.
_________________
(١) ١ يلاحظ أن الله ﷿ بعد أن ذكر قصة الذبح قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الصافات الآية (١١٢)، وقال في بشارة الملائكة ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ هود آية (٦٩-٧١) . فيستخلص من النص الوارد في القرآن الكريم والنص الذي ذكره اليهود تأكيد أن الذبيح إسماعيل ﵇، وليس إسحاق ﵇.
[ ١٠١ ]
٢- جاء في سفر التكوين (٣٦/٣١) "وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم قبلما مَلَك ملكٌ لبني اسرائيل" فهذه العبارة لا يمكن أيضا أن تكون من كلام موسى ﵇ إذ أن ملوك بني إسرائيل بعد موسى ﵇ بزمن طويل.
٣- جاء في سفر التثنية في آخره (٣٤/٥) حكاية وفاة موسى ودفنه فقالوا: "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض مؤاب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم".
فهذا النص لاشك أنه أُدخل في الكتاب وليس منه، إذ ليس من المعقول أن يكتب موسى ﵇ موته ودفنه، وأن إنسانًا لا يعرف قبره إلى يوم كتابة ذلك الكلام.
وببعض ما ذكرنا يستدل اللبيب والعاقل على أن اليهود لم يحافظوا على كلام الله وكتبه بل ضيعوها وحرفوها وغيروا فيها وبدلوا وأضافوا وحذفوا حسب أهوائهم وشهواتهم وأغراضهم.
[ ١٠٢ ]
المطلب الرابع: صفات الله ﷿ في التوراة المحرفة:
الله ﷿ له صفات الكمال المطلق التي لا تشوبها شائبة نقص، ولا شك أن موسى ﵇ قد علَّم بني إسرائيل ذلك. كما أن التوراة المنزلة قد تضمنت ذلك، إلا أن بني إسرائيل قد كفروا وضلوا وانحرفوا عن دين الله ﷿ فتكونت لديهم عقيدة منحرفة جعلتهم يقولون في الله قولًا عظيمًا، ومن ذلك ما ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم من قوله ﷿ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ المائدة آية (٦٤) .
وقال ﷿ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ آل عمران آية (١٨١) .
فهذا الكفر والوقاحة من اليهود أثر من آثار تحريفهم لكتابهم حيث تضمن كتابهم المسمى " التوراة " وكذلك الكتب الملحقة به كثيرًا من الصفات التي لا يصح ولا يليق وصف الله ﷿ بها، وهي من أدل الأدلة على التحريف فمن ذلك:
١- وصفهم الله ﷿ بالتعب
يزعم اليهود في كتابهم أن الله ﷿ تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع، فقد ورد في سفر التكوين (٢/٢) ما نصه "وفرغ الله في
[ ١٠٣ ]
اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل".
وفي سفر الخروج (٣١/١٧) قالوا "لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفي اليوم السابع إستراح وتنفس"
وقد رد الله ﷿ عليهم وبين بطلان قولهم هذا في قوله ﷿ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ق (٣٨)
٢- وصفهم الله ﷿ بالجهل
وصف اليهود الله ﷿ بالجهل في عدة مواطن من كتابهم منها قولهم في قصة آدم وحواء بعد أن أكلا من الشجرة كما في سفر التكوين (٣/٨) "وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟
فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت، فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني فأكلت"
فيتضح من كلامهم هذا أن الله ﷿ لم يعلم بآدم حين أكل من الشجرة، ولم يره حين أكل. بل لم يعلم بمكانه بعد أن اختبأ في الجنة.
فهل يصح أن يقول أحد أن الله العليم بكل شيء، والذي لا يغيب عن
[ ١٠٤ ]
سمعه وبصره شيء مهما خفي ودق، يخفى عليه أمر آدم على هذه الحال التي ذكر اليهود فلاشك أن ذلك من تحريفهم.
ولو نظرنا في كلام الله ﷿ في القرآن الكريم عن هذه الحادثة لوجدنا الفرق الشاسع بين التعبيرين ودلالتهما.
ففي القرآن يقول الله ﷿ ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ؟ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ؟ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ؟ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ؟ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف الآيات ١٩-٢٣.
ففي هذا النص الكريم ما يتناسب مع كمال علم الله وكمال سمعه وبصره وأنه محيط بكل شيء، فحالما أكل آدم وزوجته من الشجرة ناداهما ربهما قائلًا ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
فلم يسأل آدم أين هو؟ ولا من أعلمه أنه عريان؟ وهل أكل من الشجرة؟ كما يزعم اليهود.
كما أن جواب آدم في القرآن الكريم هو الجواب اللائق بالنبي الكريم، حيث إعتذر مباشرة بأنه معتد في هذا الأكل وسأل الله المغفرة والرحمة، وهذا هو
[ ١٠٥ ]
اللائق بآدم العبد الصالح والنبي الكريم، لا ما ذكره اليهود من أنه ألقى باللائمة على زوجته، وحملها وحدها المسئولية.
ومن وصفهم الله ﷿ بالجهل أيضًا زعمهم أن الله ﷿ يجب أن توضع له علامة ليستدل بها عليهم حيث قالوا إن الله أمرهم قبل خروجهم من مصر أن يلطخوا أبوابهم العتبة العليا والقائمتين بالدم ويعللون ذلك بقولهم: " فان الرب يجتاز ليضرب المصريين فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب" سفر الخروج (١٢/٢٣) .
وهذا باطل فإن الله جل وعلا عالم الغيب والشهادة يقول سبحانه عن نفسه: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ سبأ آية (٣) .
٣-وصفهم الله ﷿ بالندم:
يزعم اليهود أن الله ﷿ ندم على فعله، فمن ذلك قولهم في سفر الخروج (٣٢/١٤): "فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه".
وقد كذبهم الله في ذلك فقال جل وعلا: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء آية (٢٣) .
وقال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ الفرقان آية (٧٧) .
وهل يندم إلا الغر الجاهل بالعواقب. والله ﷿ منزه عن ذلك.
[ ١٠٦ ]
وقد ورد في كتابهم أيضا ما يبين بطلان هذا الوصف وأن الله جل وعلا لا يوصف به.
جاء في سفر العدد (٢٣/١٩) "ليس الله إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم".
٤ - وصفهم الله ﷿ وتعالى وتقدس بالبكاء وذرف الدموع
وفي هذا يقولون في كتابهم أن الله قال لهم "وإن لم تسمعوا - أي كلامه وتطيعوه- فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة من أجل الكبرياء وتبكي عيني بكاءً وتذرف الدموع لأنه قد سبي قطيع الرب" سفر إرميا (١٣/١٧) .
وأيضًا قالوا بعد ذلك مثله في سفر إرميا (١٤/١٧) إن الله قال لهم "لتذرف عيناي دموعًا ليلًا ونهارًا ولا تكفا لأن العذراء بنت شعبي سحقت سحقًا عظيمًا بضربة موجعة جدًا".
فهذا كله لاشك أنه من افتراءات اليهود على الله ﷿ ووقاحتهم في كلامهم عن الله سبحانه. وهو دليل واضح على التحريف والتلاعب بكلام الله وكتب الأنبياء وفق أهوائهم لا يراعون في ذلك لله وقارًا ولا لكلامه تعظيمًا وإكبارًا سوى ما يتفق مع أمزجتهم وأهوائهم فعليهم من الله ما يستحقون.
[ ١٠٧ ]
المطلب الخامس: وصف اليهود للأنبياء ﵈ في التوراة المحرفة
المطلب الخامس: وصف اليهود للأنبياء ﵇ في التوراة المحرفة.
من يقرأ التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن أنبياء الله والموكلين بهداية الناس وتعليمهم الهدى والخير لا يتمتعون بصفات الصالحين والأتقياء، بل يجد أن العهد القديم ينسب إليهم كثيرًا من المخازي والقبائح التي يتنزه عنها كثير من الناس العاديين. فكيف يليق أن ينسب شيء من ذلك إلى الأنبياء الذين قد اصطفاهم الله وخصهم بهذه المهمة العظيمة وهي تبليغ دينه والذين هم قدوة للصالحين وأئمة في البر والتقى.
ومما لاشك فيه أن الأنبياء ﵈ أكمل الناس دينًا وورعًا وتقوى، وأن الله اصطفاهم ورعاهم وكملهم وحفظهم وعصمهم من القبائح والرذائل، هذه حقيقتهم بلا مراء ولا تردد، وما أضافه اليهود إليهم مما لا يليق نسبته إليهم هو محض إفتراء وكذب، ودليل واضح على تحريفهم لكتبهم لأغراض في نفوسهم، غير مراعين حرمة لمقام النبوة، ولا لما جبل الله عليه أولئك الأنبياء ﵈ من الكمال البشري في خلْقهم وخُلقهِم.
وإليك الأمثلة الدالة على تحريف اليهود لكتابهم بطعنهم في أنبياء الله ﷿ ووصفهم بالصفات التي لا يجوز بحال نسبتها إليهم فمن ذلك قولهم في:
١- نوح ﵇
زعم اليهود في كتابهم أن نوحًا ﵇، شرب الخمر وتعرى داخل خبائه
[ ١٠٨ ]
وفي هذا قالوا في سفر التكوين (٩/٢٠) "وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا وشرب من الخمر وتعرى داخل خبائه".
هكذا وصفوا نبي الله نوحًا ﵇ وهو أول أنبياء الله إلى المشركين والذي دعا قومه إلى دين الله ألف سنة إلا خمسين عامًا كما ذكر الله ﷿ حيث قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ العنكبوت آية (١٤) .
وامتن الله على بني إسرائيل أنهم ذرية ذلك العبد الصالح نوح ﵇ فقال جل وعلا ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ الإسراء آية (٣) .
فامتن الله على بني إسرائيل بنسبتهم إلى ذلك العبد الصالح، واليهود يصفونه بتلك النقيصة، وما ذلك منهم إلاّ خدمة لأهوائهم وأغراضهم التي تتضح من بقية كلامهم في القصة نفسها حيث يقولون بعد الكلام السابق في سفر التكوين (٩/٢٢) "فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به إبنه الصغير. فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته".
فيتضح من هذا النص أن مقصد اليهود منه لعن الكنعانيين الذين كانوا أعداءً لبني إسرائيل، كما أن فيه خطأً ظاهرًا من ناحية أن حام هو الذي أبصر عورة
[ ١٠٩ ]
أبيه حسب النص السابق، فلماذا يلعن ابنه كنعان، مع أن لحام أبناءً آخرين غير كنعان فإن اليهود قالوا في سفر التكوين (١٠/٦) "وبنو حام كوش ومصر ايم ونوط وكنعان".
فلماذا خُص كنعان من بين إخوته؟ ما ذلك إلا لهدف خاص في نفوسهم وهو لعن الكنعانيين أعدائهم ولو كان بالافتراء على الله ﷿ وعلى نبيه نوح ﵇
٢ـ لوط ﵇
ومن الأنبياء الذين افترى عليهم اليهود لوط ﵇ فقد افتروا عليه فرية عظمى ورموه بشنيعة كبرى يترفع عنها أعظم الناس فسادًا.
حيث زعم اليهود أن لوطًا ﵇ قد زنى بابنتيه الكبرى والصغرى بعد أن أنجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث وأن البنتين أنجبتا من ذلك الزنى١.
وهذا محض إفتراء وبهتان لنبي كريم ولبناته وأهل بيته الصالحين، وقد ذكر الله ﷿ لنا صلاح لوط ﵇ وأهل بيته وطهارتهم على لسان أعدائه فقال جل وعلا ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ النمل آية (٥٦) .
ولو بحثنا عن سبب افتراء اليهود لهذه الفرية في كتابهم لوجدنا أنهم إنما قصدوا الطعن في أعدائهم المؤابيين والعمونيين من خلال هذه الفرية، لأنهم زعموا أن البنت الكبرى حملت من ذلك الزنى فأنجبت مؤاب وهو أبو المؤابيين
_________________
(١) ١ انظر سفر التكوين (١٩/٣٠-٣٨) .
[ ١١٠ ]
، وأن الصغرى حملت أيضًا من ذلك الزنى وأنجبت بني عمي وهو أبو بني عمون، فلهذا السبب والهوى كذب اليهود على نبي الله ووصموه بهذه الفعلة الشنيعة، وفي ذلك أوضح دليل على التحريف.
٣- يعقوب ﵇
زعموا أن يعقوب ﵇ احتال لأخذ النبوة والبركة من أبيه إسحاق ﵇ لنفسه، فذكروا أن إسحاق ﵇ لما كبر وكف بصره دعا إبنه عيسو وهو الأكبر، وحسب التقليد لديهم فإن البركة تكون للأكبر، وطلب منه أن يصطاد له جديًا ويطبخه حتى يباركه، فذهب عيسو للصيد كما أمره أبوه، إلا أن أمهما كانت تحب يعقوب وهو الأصغر أكثر من أخيه عيسو وأرادت أن تكون البركة له فدعته وأمرته أن يحضر جديًا فيطبخه وأن يلبس ملابس أخيه ويضع فوق يديه جلد جدي حتى يبدو جسمه بشعر مثل جسم أخيه عيسو، فيظن إسحاق ﵇ أنه هو فيباركه، ففعل يعقوب ﵇ ذلك ثم دخل على أبيه ففي ذلك قالوا:
" فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي، فقال: ها أنذا، من أنت؟ فقال: يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك قد فعلت كما كلمتني، قم إجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك، فقال إسحاق لابنه: ما هذا الذي أسرعت لتجد يا بني؟ فقال: إن الرب إلهك قد يسر لي، فقال إسحاق ليعقوب: تقدم لأجسك ياابني أأنت هو إبني عيسو أم لا؟ فتقدم يعقوب إلى إسحاق أبيه فجسه وقال: الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو، ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدى عيسو أخيه، فباركه
[ ١١١ ]
وقال: هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال: أنا هو، فقال: قدم لي لآكل من صيد ابني حتى تباركك نفسي، فقدم له فأكل وأحضر له خمرًا فشرب، فقال له إسحاق أبوه تقدم وقبلني يا ابني، فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه وقال: انظر رائحة ابني كرائحة حقل، قد باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل، كن سيدًا لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين" سفر التكوين (٢٧/١٨_٢٩) . وفاز يعقوب بالبركة بهذه الحيلة، وبعد أن جاء أخوه عيسو لم يكن أمامه إلا الصراخ والعويل لفوات البركة.
وبهذا الكلام يصمون أباهم يعقوب ﵇ بالكذب مرارًا، وانتحال شخصية أخيه كيدًا، وأخذ ما ليس له فيه حق احتيالًا، كما يصمون أباهم إسحاق ﵇ بالجهل الشديد إلى حد التغفيل والغباء حيث لم يستطع أن يميز بين ولديه، وهو أمر مستبعد جدًا أن يقع لأقل الناس إدراكًا وأشدهم تغفيلًا فضلًا عن نبي الله إسحاق ﵇
وهذا كله مما لا يليق وصف الأنبياء ﵇ به، كما أن النبوة ليست بيد إسحاق ولا بيد غيره من الأنبياء، بل هي محض تفضل من الله ﷿.
قال تعالى ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الزخرف آية (٣٢) .
وقال تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام آية (١٢٤) .
[ ١١٢ ]
ويتجلى في هذه القصة طرفًا من مكر اليهود وكيدهم، فإذا نظرنا إلى قصة إسماعيل وإسحاق ﵉ نجد أنهم أغفلوا مسألة البكوريه في استحقاق البركة والتي يقصدون بها النبوة، وجعلوا البركة لإسحاق دون إسماعيل ﵇ لأن إسماعيل عندهم ابن جاريه١، ولما صار الأمر متعلقًا بعيسو ويعقوب، وعيسو هو الأكبر حسب كلامهم اخترعوا هذه القصة، حتى يبينوا أن يعقوب قد أخذ البركة دون أخيه عيسو.
وأيضًا تلك البركة التي يزعمون أنها للأكبر لا نراها بَعْدُ في نبي آخر من أنبيائهم، حتى أن يعقوب ﵇، لما بارك أبناءه عند موته جعل البركة العظمى ليوسف ﵇ ٢ وهو أصغر أبناء يعقوب ما عدا شقيقه بنيامين فقد كان أصغر منه، وهكذا أيضًا بارك يعقوب أفرايم ومنسي ابنى يوسف ﵇، فقد كان منسي هو البكر، فجعل يعقوب ﵇ البركة الأهم لأفرايم وهو الصغير حيث وضع عليه يده اليمنى٣
فهذه قصة مخترعة مفتراة على نبي الله إسحاق ويعقوب ﵉، لاشك في ذلك.
٥- هارون ﵇
زعموا أن هارون ﵇ هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته فقالوا في سفر الخروج (٣٢/١) " ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب
_________________
(١) ١ سفر التكوين (٢٥/٥) . ٢ سفر التكوين (٤٩/٢٢-٢٧) . ٣ سفر التكوين (٤٨/١٣) .
[ ١١٣ ]
على هارون وقالوا له قم إصنع لنا آلهة تسير أمامنا فقال لهم هارون: إنزعوا أقراط الذهب التي في أذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا. فقالوا هذه آلهتك ياإسرائيل".
فهل يعقل أن نبيًا أرسله الله لدعوة قومه إلى عبادة الله وحده يصنع لقومه عجلًا ويدعوهم إلى عبادته؟!.حاشا أنبياء الله من ذلك.
وقد بين الله ﷿ في القرآن أن الذي صنع لهم العجل هو السامري فقال ﷿ ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ طه آية (٨٥) .
أما هارون ﵇ فقد قام بواجبه من ناحية نهيهم عن عبادة العجل.
قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ طه آية (٩٠) .
٦- داود ﵇
زعموا أنه زنى بامرأة أحد جنوده، وحبلت من ذلك الزنى، ثم إنه تسبب في مقتل زوجها حيث أمر أن يجعل في مقدمة الجيش حتى يعرضه للقتل، ثم بعد مقتل زوجها تزوجها ومات ذلك المولود الأول، ثم حبلت مرة أخرى فانجبت النبي سليمان ﵇ ١.
٧- سليمان ﵇
زعموا أن سليمان ﵇ تزوج بنساء مشركات يعبدن الأصنام، ثم هو
_________________
(١) ١ انظر سفر صموئيل الثاني (١١/١-٢٦) .
[ ١١٤ ]
عبد الأصنام معهن وبني للأصنام أيضًا معابد لعبادتها١.
ذلك كله محض افتراء وكذب، وهو من إفتراءات اليهود على أنبياء الله تعالى وكذبهم عليهم، وأن هذا من أظهر أدلة تحريف الكتب الإلهية والعبث فيها وفق أهوائهم، ورغباتهم.
ولسائل أن يسأل لماذا طعن اليهود في أنبيائهم وقد كان لأنبيائهم الدور الأكبر والفضل العظيم عليهم بعد فضل الله فيما نالوا من خير الدنيا وعزها في سابق حياتهم؟
إن هذا لسؤال محير!! إلا أنا إذا تصورنا أن هذه الكتب قد طالتها يد التحريف، ولا نعرف على التحقيق من الذي تولى تحريفها، ولا الزمان الذي حرفت فيه، إلا أننا نقطع حسب ما أوردوا في كتبهم أن بني إسرائيل انحرفوا عن دينهم إنحرافات خطيرة وكثيرة، بل تركوا دينهم وعبدوا الأصنام والأوثان خاصة فيما قبل السبي، ولا نشك أن جزءًا كبيرًا من التحريف كان في تلك الفترات وهي التي لا يتورع أصحابها عن الإفتراء على الله ﷿ وعلى أنبيائه ﵈ فتمت في ذلك الزمان التحريفات الكثيرة أو كتابة كتب كاملة ونسبتها إلى نبي من الأنبياء، ثم إن المتأخرين منهم لم يكن لديهم الجرأة على تمحيص تلك النصوص أو أنهم أيضًا اختلت موازينهم بسبب ذلك التحريف.
ولكن السؤال لازال قائما: ً لماذا حرف أولئك اليهود كلام الله وطعنوا في أنبيائهم وأصحاب الفضل عليهم بهذه المطاعن؟.
_________________
(١) ١ انظر سفر الملوك الأول (١١/١-٩) .
[ ١١٥ ]
الذي يبدوا لي أن أولئك المحرفين أرادوا أن يبرروا ما هم فيه من فساد وانحراف وفسق، فألصقوا أنواعًا من التهم بأنبيائهم حتى لو احتج عليهم محتج بأمر من الأمور المتعلقة بانحرافهم احتجوا له بأن النبي الفلاني فعل كذا وفعل كذا، كذبًا وزورًا.
وأيضًا ليخدموا غرضًا في نفوسهم كما سبق أن قلنا عن طعنهم في نبي الله نوح ولوط ﵉.
وهذا كله يكفي في التعبير عنه قول الله ﷿ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ البقرة آية (٧٩) .
[ ١١٦ ]
المطلب السادس: اليوم الآخر لدى اليهود
كانت عقيدة بني إسرائيل وذلك حين كانت تستمد تشريعها من السماء هي الإيمان باليوم الآخر وأنه دار الجزاء وقد أثبت الله ذلك عنهم في عدة آيات من القرآن الكريم قال ﷿ في خطابه لموسى ﵇ ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ طه آية (١٥) .
وقال ﷿ على لسان موسى ﵇ ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ الأعراف آية (١٥٦) .
وقال ﷿ عن صالحي جنود طالوت: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة آية (٢٤٩) .
إلا أنّ اليهود انحرفوا عن هذا الاعتقاد بانحرافهم عن دين الله ﷿، وقد سجل الله عليهم هذه الانحرافات، وعابهم عليها، وكذبهم فيها. فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة آية (٨٠)،
وزعموا أن الجنة لهم وحدهم، وكذبهم الله بذلك قال ﷿: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة آية (١١١) .
هذا ما حكاه الله ﷿ عن صالحيهم وفاسقيهم من ناحية الإيمان بالبعث
[ ١١٧ ]
والجنة والنار.
أما كتابهم التوراة: فقد خلا تمامًا من ذكر الجنة والنار والبعث والنشور، وكذلك سائر الكتب الملحقة فيه إلا نزرًا يسيرًا.
فمن ذلك صورة غير واضحة وردت في سفر دانيال (١٢/٢) وهو قولهم: " وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقضون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للإزدراء الأبدي ".
ويذكر الدكتور علي وافي: أنه لا يوجد في فرقهم الشهيرة من يؤمن باليوم الآخر، ففرقة الصادوقيين تنكر قيام الأموات وتعتقد أن عقاب العصاة وإثابة المتقين إنما يحصلان في حياتهم.
وفرقة الفريسيين تعتقد أن الصالحين من الأموات سينشرون في هذه الأرض ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي آخر الزمان، فهم ينكرون على هذا البعث يوم القيامة.
ومن نظر أدنى نظرة في كتاب اليهود التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن الوعود الواردة فيه مقابل الأعمال الصالحة والإيمان بالله تدور حول المتعة الدنيوية من انتصار على الأعداء وكثرة الأولاد، ونماء الزرع، إلى غير ذلك، كذلك الوعيد الوارد على المعاصي والكفر كله يدور حول انتصار الأعداء عليهم وسبي ذراريهم وموت زرعهم وماشيتهم إلى غير ذلك من العقوبات الدنيوية، مما يدل على عدم إيمانهم باليوم الآخر حسب التوراة والكتب الملحقة بها ١.
_________________
(١) ١ انظر: بنو إسرائيل في القرآن الكريم- ص ١٤١-١٤٣، اليهودية د. علي وافي ص٤٩-٥٠، اليهودية أحمد شلبي ص ١٩٥.
[ ١١٨ ]
وهذا يختلف عما لديهم في التلمود، حيث صرحوا بالنعيم والجحيم، فقد ورد فيه: أن الجنة مأوى الأرواح الزكية ١ لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين. وأن الجحيم أوسع من النعيم ستين مرَّة ٢.
كما ورد في نص الأصول الثلاثة عشر التي وضعها موسى بن ميمون وجعلها أركان الإيمان اليهودي، قولهم في الركن الثالث عشر:
" أنا أؤمن إيمانًا كاملًا بقيامة الموتى، في الوقت الذي تنبعث فيه بذلك إرادة الخالق، تبارك اسمه وتعالى ذكره الآن وإلى الأبد الآبدين"٣.
وهذا ليس فيه تصريح باليوم الآخر لاحتمال أن يقصد بذلك بعثًا دنيويًا على نحو عقيدة الفريسيين السابقة، ولكن ذلك يدل على تغير في العقيدة لديهم عما كان عليه كثير من أسلافهم المتقدمين، ولعله من تأثرهم بعقيدة المسلمين لاحتكاكهم بهم لأن موسى بن ميمون كان طبيبًا للأيوبيين في مصر.
_________________
(١) ١ المراد بها أرواح اليهود فقط. ٢ انظر: الكنز المرصود في قواعد التلمود ص ٦٨. ٣ الفكر الديني اليهودي ص ١٣٥.
[ ١١٩ ]
المبحث الثاني: التلمود
أولًا: تعريفه:
التلمود هو: تعليم ديانة وأداب اليهود وهو يتكون من جزئين:
متن: ويسمى المشناه: بمعنى المعرفة أو الشريعة المكررة.
شرح: ويسمى جمارا: ومعناه الإكمال.
ثانيًا: تدوين التلمود:
التلمود هو القانون أو الشريعة الشفهية التي كان يتناقلها الحاخامات الفريسيون من اليهود سرًا جيلًا بعد جيل.
ثم إنهم لخوفهم عليها من الضياع دونوها، وكان تدوينها في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، وأطلق عليها اسم "المشناه".
ثم شرحت فيما بعد هذه المشناه وسمي الشرح " جمارا "وأُلِّفَتْ هذه الشروح في فترة طويلة امتدت من القرن الثاني بعد الميلاد إلى أواخر السادس بعد الميلاد.
وتعاقب على الشرح حاخامات بابل، وحاخامات فلسطين، ثم سمي المتن وهو المشناه مع الشرح وهي جمار " التلمود" وما كان عليه تعليقات وشرح حاخامات بابل سمي تلمود بابل،
[ ١٢٠ ]
وما كان عليه شروح حاخامات فلسطين سمي تلمود فلسطين ١.
ثالثًا: تقديس اليهود له:
التلمود يقدسه ويعظمه الفريسيون من اليهود، وباقي الفرق تنكره وكما تقدم في تدوينه فإن الحاخامات الفريسين هم الذين دونوه وتناقلوه، والفريسيون هم أكثر فرق اليهود في الماضي والحاضر، وهم يرون أن التلمود له قدسية وأنه من عند الله بل يرون أنه أقدس من التوراة.
فيقولون فيه: "إن من درس التوراة فعل فضيلة لا يستحق المكافأة عليها ومن درس المشناه فعل فضيلة يستحق المكافأة عليها ومن درس الجمارة فعل أعظم فضيلة " ٢.
فالتلمود على هذا هو كتاب مقدس عندهم، وله أثر كبير في نفسية اليهود المفسدة الفاسدة.
رابعًا: مبادؤه وخطرها على غير اليهود:
التلمود له مبادئ فاسدة وخطره، نذكر بعضًا منها لتتضح نظرة اليهود إلى أنفسهم وإلى غيرهم، فمن مبادئه:
١ - كلامهم عن الله ﷿:
وصف اليهود الله ﷿ بصفات النقص تعالى الله عن قولهم.
فمن ذلك زعمهم أن الله ﷿ شغله هو تعلم التلمود مع الملائكة
_________________
(١) ١ انظر: الكنز المرصود في قواعد التلمود ص ٤٧ -٤٩، وكنوز التلمود ص ١٦-١٩، وقاموس الكتاب المقدس ص ٢٢٢. ٢ الكنز المرصود ص ٥٠.
[ ١٢١ ]
واللعب مع الحوت وأنه جل وعلا يبكي لأجل ما حل باليهود من التعاسة١ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام (١٣٩) .
٢ - كلامهم عن أنفسهم:
يزعم اليهود أن أرواحهم جزء من الله٢،وأنهم عند الله أرفع من الملائكة، وأن من يضرب يهوديًا فكأنما ضرب العزة الإلهية٣، وأنهم مسلطون على أموال باقي الأمم ونفوسهم، لأنها في الواقع أموال اليهود، فإذا استرد الإنسان ماله فلا لوم عليه٤وأن الناس إنما خلقوا لأجلهم ولخدمتهم٥، ولليهودي إذا عجز عن مقاومة الشهوات أن يسلم نفسه إليها ٦، وأن الجنة لا يدخلها إلاَّ اليهود٧.
٣ - موقفهم من غيرهم:
أن أرواح غير اليهود أرواح شيطانية، وشبيهة بأرواح الحيوانات٨، وأنهم مثل
_________________
(١) ١ الكنز المرصود ص ٥٥ -٥٧. ٢ المرجع السابق ص ٦٦. ٣ المرجع السابق ص ٧٣. ٤ المرجع السابق ص ٧٨. ٥ المرجع السابق ص ٨٠. ٦ المرجع السابق ص ٩٦. ٧ المرجع السابق ص ٦٨. ٨ المرجع السابق ص ٦٦.
[ ١٢٢ ]
الكلاب والحمير، وإنما خلقوا على هيئة الإنسان حتى يكونوا لائقين بخدمة اليهود ١.
لا يجوز لليهودي أن يشفق على غير اليهودي ولا أن يرحمه ولا يعينه بل إذا وجده واقعًا في حفرة سدها عليه ٢، ويحرم على اليهودي أن يرد لغير اليهود ما فقد منهم ٣،ويحرم على اليهودي أن يقرض غير اليهودي إلاَّ بالربا، وزعموا أن الله أمرهم بذلك ٤، والزنا بغير اليهودي ذكورًا أو إناثًا جائز ولا عقاب عليه، وعلى اليهودي أن يسعى إلى قتل الصالحين من غير اليهود ٥.
إن الجحيم مأوى جميع الناس غير اليهود، وأنه أوسع من الجنة بستين مرة٦.افتراؤهم على المسيح ﵇ وأمه مريم وقولهم عليها بهتانًا عظيمًا ٧.
هذه بعض مبادئ التلمود، وهي تصور لناظره والمطلع عليه خطورة هذه التعاليم وأن لها أثرًا واضحًا في اليهود السابقين واللاحقين، حيث جعلتهم بحق أعداء الإنسانية وأعداء الفضيلة والخير والتسامح، وأعداء الأديان، والمتقربين إلى الله ﷿ بالفساد والفجور والإفساد في الأرض والقتل،
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ٧٤ -٧٥، وانظر: فضح التلمود ص ١٣١. ٢ المرجع السابق ص ٧٦، ٩١، وفضح التلمود ص ١٣٧. ٣ المرجع السابق ص ٨٣، وفضح التلمود ص ١٣٢. ٤ المرجع السابق ص ٩٦، وفضح التلمود ص ١٣٣. ٥ المرجع السابق ص ٩٠، وفضح التلمود ص ١٤٦. ٦ المرجع السابق ص ٦٩.
(٢) المرجع السابق ص ٥٧.
[ ١٢٣ ]
سواءٌ في ذلك بإزهاق الروح، أو بإزهاق الخلق والدين في نفوس أصحابه، فهم المتربصون بالبشرية والناظرون إليها بعين الحقد، والحسد، والتكبر والتجبر، يستغلون كل مناسبة لصالحهم، ويحاولون أن يزيدوا من وقع المصيبة على المنكوبين والموتورين.
وإذا لم ينتبه المسلمون ويعوا هذه الحقائق ويتعرفوا على هذه النفسيات المنحرفة، فيعتصموا بالله ويعاملوا أعداءه بما يستحقون فسيفيقون على سيطرة اليهود عليهم وتحكمهم بهم وحرفهم عن ما تبقى لهم من دينهم، ويفعلون بهم ما فعلوا بالعالم الأوربي والأمريكي وغيرهم من الدول التي سيطروا على حكوماتها، ثم سيطروا بالتالي على شعوبها، فنشروا كل رذيلة وخلق منحط، وأزالوا كل هيمنة للدين على النفوس بنشر الإلحاد ومحاربة الفضيلة، فحققوا بذلك مآربهم المادية التي في الواقع مطلبهم الأول والأخير، واليهود لا زالوا لم يستطيعوا أن يظهروا سيطرتهم الفعلية باسمهم وبالشخصية الحقيقة لهم إذ يحكمون من وراء ستار، فهل يكشفوا عن أنفسهم أم يكتفوا بما حققوا من مكاسب مادية وإشباع لرغبتهم في الفساد والإفساد؟
ولا بد أن يعلم أن راية الباطل لا ترتفع ولا تظهر إلا في رقدة الحق وغفلة أهله، ومتى أفاق أهل الحق فلن يكون للباطل صولة ولا جولة.
والله نسأل أن يلهم المسلمين الرجوع إلى دينه، وأن يعتز أهل الإسلام بإسلامهم فيعرفوا حقيقته وقيمته، فينشطوا في الدعوة إليه ليخرجوا بذلك الناس من الظلمات إلى النور. والله غالب على أمره ولو كره المشركون.
[ ١٢٤ ]
المبحث الثالث: بروتوكولات حكماء صهيون
البروتوكولات لا تعتبر من المصادر الدينية لدى اليهود، وإنما هي نتاج التحريف الموجود في التوراة، والأكاذيب والضلالات الموجودة في التلمود، وهي تعتبر مخطط تطبيقي لأهداف صهاينة اليهود.
أولًا: تعريفها:
البروتوكولات: جمع واحده بروتوكول، وهو كلمة إنجليزية معناه: محضر مؤتمر، مسودة أصلية - ملحق معاهدة - الخ.
والمراد بـ " بروتوكولات حكماء صهيون": وثائق محاضرة ألقاها زعيم صهيوني على مجموعة من الصهاينة ليستأنسوا بها، ويسيروا عليها في إخضاعهم للعالم والسيطرة عليه.
ثانيًا: ظروف تدوينها:
الذي يظهر أن هذه الوثائق (البروتوكولات) عرضت على زعماء الصهاينة في المؤتمر الذي عقد في مدينة بال في سويسرا سنة (١٨٩٧م) وكان قد حضر هذا المؤتمر نحو ثلاثمائة من أعتى الصهاينة يمثلون خمسين جمعية يهودية، ولا يعرف لها كاتب معين.
ثالثًا: الغرض منها:
هو اطلاع الصهاينة على الخطة التي يستعبدون بها العالم، ثم كيف يحكمونه إذا وقع تحت سيطرتهم.
[ ١٢٥ ]
رابعًا: إكتشاف هذه الوثائق وانتشارها:
اكتشفت هذه الوثائق (البروتوكولات) في سنة (١٩٠١م) وذلك أن امرأة فرنسية اطلعت على هذه الوثائق أثناء اجتماعها بزعيم من أكابر رؤساء الصهاينة في وكر من أوكار الماسونية السرية في باريس، فاستطاعت هذه المرأة أن تختلس بعض هذه الوثائق ثم تفر بها- وهي الموجودة الآن بين أيدينا.
ووصلت هذه الوثائق إلى " أليكس نيقولا فيتش " - كبير أعيان روسيا الشرقية في عهد القيصرية - وكانت روسيا في ذلك الوقت تشهد حملات شديدة على اليهود بسبب فسادهم ومؤامراتهم.
فلما رآها هذا الرجل أدرك خطورتها على بلاده وعلى العالم أجمع، فدفعها إلى صديق له أديب روسي اسمه " سرجي نيلوس " فدرسها وتبين خطورتها فترجمها إلى اللغة الروسية، وقدم لها بمقدمة تنبأ فيها بسقوط روسيا القيصرية بيد الشيوعية الفوضوية، وحكمها حكمًا إستبداديًا، واتخاذها مقرًا لنشر القلاقل والمؤامرات في العالم.
وكذلك سقوط الخلافة الإسلامية، وتأسيس دولة إسرائيل في فلسطين وسقوط الملكيات في أوربا، وإثارة حروب عالمية يهلك فيها الطرفان ولا يستفيد منها سوى اليهود.
وكذلك نشر الأزمات الاقتصادية، وبنيان الاقتصاد على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود. وغير ذلك.
فطبع الكتاب لأول مرة في سنة (١٩٠٢م) باللغة الروسية نسخًا قليلة، فلما رآها اليهود جن جنونهم، وحملوا ضد الكتاب حملات مسعورة
[ ١٢٦ ]
يتنصلون من الكتاب، لكن الواقع كان يؤكد أن نسبة الكتاب إليهم صحيحة، وحملت عليهم روسيا القيصرية بسببه حملة شديدة حتى قتل منهم في إحدى المذابح عشرة آلاف.
وطبع الكتاب مرة أخرى في سنة (١٩٠٥م) ونفدت هذه الطبعة بسرعة غريبة ووسائل خفية، لأن اليهود جمعوا النسخ من الأسواق وأحرقوها.
وطبع أيضًا سنة (١٩١١م) فنفدت نسخه على النحو السابق.
وطبع سنة (١٩١٧م) فصادره الشيوعيون لأنهم كانوا قد استلموا زمام الحكم في روسيا وأسقطوا الدولة القيصرية.
وكانت نسخة من الطبعة الروسية سنة (١٩٠٥م) وصلت إلى المتحف البريطاني في لندن وختم عليها بخاتمه سنة (١٩٠٦م) .
وبقيت النسخة مهملة حتى قيام الانقلاب الشيوعي في روسيا سنة (١٩١٧م) فطلبت جريدة" المورننغ بوست" من مراسلها "فكتور مادسون" أن يوافيها بأخبار الانقلاب، فقام بالإطلاع على عدة كتب روسية، وكان من بينها كتاب "البروتوكولات" الذي بالمتحف. فحين رآه قدر خطره ورأى نبوءة ناشره بوقوع القيصرية بيد الشيوعيين، فعكف على ترجمته إلى الإنجليزية ثم نشره باللغة الإنجليزية، وطبع خمس مرات كان آخرها سنة (١٩٢١م) ثم لم يجرؤ ناشر في بريطانيا وأمريكا على نشره.
ومع محاولات اليهود احتواء الكتاب إلا أنه طبع بلغات كثيرة منها الألمانية، والفرنسية، والإيطالية، والبولونية.
ومن طبعة (١٩٢١م) الإنجليزية ترجم الكتاب لأول مرة إلى العربية
[ ١٢٧ ]
وطبع سنة (١٩٥١م) على يد مترجمه الأستاذ "محمد خليفة التونسي" وقد قدم له بمقدمة شرح بها تاريخ الكتاب وذكر شيئًا من حال اليهود وحالهم المعاصر وتغلغلهم في كثير من الدول ١.
خامسًا: بعض عناصر المؤامرة الصهيونية:
(١) أن اليهود منذ قرون وهم يحوكون خطة للإستيلاء على العالم وكان ينقح هذه الخطة كبراؤهم طورًا طورًا حسب الأحوال.
(٢) يسعى اليهود لهدم الحكومات في كل الأقطار والاستعاضة عنها بحكومة ملكية استبدادية يهودية، ويهيئون كل الوسائل لهدم الحكومات لا سيما الملكية، ومن هذه الوسائل:
-إغراء الملوك باضطهاد الشعوب وإغراء الشعوب بالتمرد على الملوك مستعينين على ذلك بنشر دعوى الحرية والمساواة ونحوها، مع تفسيرها تفسيرًا خاصًا يؤذي الجانبين، مع محاولة إبقاء كل من قوة الحكومة وقوة الشعب متعاديتين، وإفساد الحكام وزعماء الشعوب، ومحاربة كل ذكاء يظهر بين الأمميين (غير اليهود) مع الاستعانة على تحقيق ذلك كله بالنساء والمال والمناصب والمكايد، وما إلى ذلك من وسائل الفتنة.
٣-إلقاء بذور الخلاف والشغب في كل الدول عن طريق الجمعيات السريَّة، السياسية، والدينية، والفنيَّة، والرياضية، والمحافل الماسونية، والأندية على اختلاف نشاطها.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب بروتوكولات حكماء صهيون ص ٣١ -٤٠. وكذلك بروتوكولات حكماء صهيون. عجاج نويهض ص٢٤،٣١.
[ ١٢٨ ]
٤-إن حكومات العالم الحالية فاسدة فيجب زيادة فسادها إلى أن يحين الوقت لقيام المملكة اليهودية على العالم التي سيكون مقرها في أورشليم، ثم تنتقل إلى روما وتستقر فيها إلى الأبد.
٥-يجب أن توضع تحت أيدي اليهود كل وسائل الطبع، والنشر والصحافة، والمدارس، والجامعات، والمسارح، وشركات السينما، ودورها والعلوم، والقوانين، والمضاربات، وغيرها حتى يتمكنوا من نشر أفكارهم ومبادئهم.
٦-إن الذهب الذي يحتكره اليهود هو أقوى الأسلحة لإثارة الرأي العام، وإفساد الشباب، والقضاء على الضمائر والأديان، والقوميات، ونظام الأسرة، وإغراء الناس بالشهوات البهيمية الضارة، وإشاعة الرذيلة والانحلال، حتى تستنزف قوى الأمميين استنزافًا فلا تجد مفرًا من القذف بأنفسها تحت أقدام اليهود.
٧-وضع أسس الاقتصاد العالمي على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود، لا على أساس قوة العمل والإنتاج والثروات الأخرى، مع إحداث الأزمات الاقتصادية العالمية على الدوام، كي لا يستريح العالم أبدًا فيضطر إلى الاستعانة باليهود لكشف كروبه، ويرضى صاغرًا مغتبطًا بالسلطة اليهودية العالمية.
٨-الاستعانة بأمريكا والصين واليابان على تأديب أوربا وإخضاعها١.
_________________
(١) ١ انظر: بروتوكولات حكماء صهيون ص ٣١ -٣٢.
[ ١٢٩ ]
الفصل الثالث: بعض عبادات وشعائر اليهود
من أهم عبادات اليهود:
١- الصلاة:
جاء في سفر دانيال أن دانيال كان يصلي ويركع ويشكر الله تعالى ثلاث مرات كل يوم (دانيال ٦:١٠)، وأحيانًا مرتين كل يوم (مزمور ٥٥:١٧) .وهي واجبة عندهم.
وكانت الصلاة مركبة غالبًا من النثر ثم من النظم، وتتلى بالغناء في الابتداء، وبالتدريج صار البعض يستعمل الآلات الموسيقية، كما يتضح من سفر المزامير، وكان يخصص مغنون لهذا القصد (عزرا٢١:٦٥) .
وتبدأ الصلاة بغسل اليدين فقط، ثم يوضع شال صغير على الكتفين وفي الصلوات الجماعية يوضع شال كبير حول العنق، ثم يقرأ القاريء مرتديا ثوبًا أسود وقبعة على رأسه، لأنه يجب تغطية الرأس عندهم في الصلاة، ويعبرون بذلك عن الاحترام لنصوص التوراة.
ويتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس.
وكانوا في السابق يركعون ويسجدون في صلاتهم، وبعضهم لازال يصلي كذلك، إلا أن غالبهم اليوم يصلون جلوسًا على الكراسي كما يفعل النصارى.
وهم يحرصون على وضع اليدين على الصدر مع حني الرأس قليلًا كوقوف الخادم أمام سيده لزيادة الاحترام ١.
_________________
(١) ١ الفكر الديني اليهودي ١٤٣-١٤٤.موسوعة اليهود واليهودية ٤/٢٢٦
[ ١٣٣ ]
وثمة اختلافات في طقوس الصلوات بين فرق اليهود كالسفارديم والإشكنازيم، ولكنها قليلة جدًا، وتنحصر في الأغاني والملحقات، أما أساس الصلاة والبركات فلا اختلاف فيها ١.
والصلوات الواجبة على اليهودي ثلاث مرات في كل يوم:
- صلاة الفجر ويسمونها صلاة السحر (شحاريت) .
- صلاة نصف النهار أو القيلولة (منحة) .
- صلاة المساء ويسمونها صلاة الغروب (عربيت) .
والصلاة عندهم على نوعين فردية وجماعية: أما الفردية فهي صلوات ارتجالية من الأفراد تتلى حسب الاحتياجات، ولا علاقة لها بالطقوس والمواعيد والمواسم. أما الجماعية فهي تؤدى باجتماع جملة أشخاص علنًا في أمكنة مخصوصة ومواعيد معلومة حسب طقوس مقررة من رؤساء الدين والكهنة.
وقد تقرأ في تلك الصلاة نصوص من التوراة في لفائف محفوظة في أماكن مخصصة لذلك، بعدها تطوى تلك اللفائف. وقد تنتهي الصلاة بهذا، وقد يتلوها خطبة قصيرة ونشيد تقليدي ودعوات، ويختم كل ذلك بالتبريك، وبهذا تنتهي الصلاة ويخلو المعبد. وقد يسبق انفضاض المعبد قداس أو تبريك بتوزيع كأس من الخمر ورغيفين مبركين لكل مصل٢.
٢-الصيام:
الصيام عند اليهود يبتدىء من قبل غروب الشمس إلى بعد غروب الشمس
_________________
(١) ١ الفكر الديني اليهودي ١٥١. ٢ المرجع السابق١٤٧-١٥٠،١٥٥-١٦٢،وانظر اليهود واليهودية عبد الجليل شلبي ١٥٥.
[ ١٣٤ ]
من اليوم اللاحق، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب والجماع، وبعض الأيام يكون صيامهم فيه من شروق الشمس إلى غروبها، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب فقط.
ولليهود أيام عديدة متفرقة يصومونها لمناسبات عدة، منها:
-صوم يوم الغفران: وهو أهم صوم عندهم، وهو الصوم الوحيد الذي يعزونه إلى الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇.
-صوم تموز: وهو صيام يوم واحد وهو في الثامن عشر من شهر تموز اليهودي، ويعتبرونه حدادًا على حوادث مختلفة، أهمها: تحطيم ألواح التوراة، إبطال القربان اليومي صباحًا ومساء، إحراق التوراة في أورشليم على يد القائد "إتسويندوموس"، وكذلك يجعلون هذا الصوم ذكرى بداية مهاجمة تيطس الروماني لأورشليم بقصد إبادة اليهود سنة ٧٠م.
-صيام التاسع من آب: وهو ذكرى سقوط أورشليم على يد تيطس وتخريب الهيكل الثاني زمن ادريانوس ١.
أهم مواسم اليهود وأعيادهم:
١-يوم السبت: وهو "شباث" في العبرانية، بمعنى راحة لأنه يوم يزعمون أن الله استراح فيه – تعالى الله عن قولهم – وأمر عباده بالاستراحة فيه وباركه. ومدته من غروب شمس يوم الجمعة إلى غروب شمس يوم السبت، وجعلوا أهم شعائره الكف عن أي عمل، بذلك جاء الأمر صريحًا في الوصايا العشر المنسوبة إلى موسى " واليوم السابع سبت للرب إلهك لا تصنع فيه
_________________
(١) ١ انظر الفكر اليهودي ص١٩٠.
[ ١٣٥ ]
عملًا لك " ١. وتعدي السبت والعمل فيه يعتبر من أعظم الخطايا عندهم٢.
٢- عيد الفصح: ويسمى عيد الربيع وعيد الفطير، ومدته سبعة أيام تبدأ من الخامس عشر من شهر نيسان، ويقيمه اليهود إحياءً لذكرى نجاة بني إسرائيل من فرعون وخلاصهم من العبودية في مصر. وطقوسه توجب على اليهود أن يأكلوا فيه الخبز من عجين الفطير، ويتلون الأدعية ويقيمون الصلوات ويحرقون القرابين، ويجتمعون على مائدة تقص فيها حكاية الفصح، وهي قصة ما حدث لبني إسرائيل مع موسى إبان خروجهم من مصر ٣.
٣- يوم التكفير والغفران: وهو اليوم العاشر من شهر تشرين، وهو من أهم أعيادهم، وأقدس أيام السنة عندهم، وهو عندهم ذكرى نزول موسى ﵇ من جبل سيناء ومعه الشريعة، وأعلن لهم فيه أن الله قد غفر لهم خطيئتهم في عبادتهم للعجل، ويبدأ قبل غروب الشمس من اليوم التاسع من تشرين، ويستمر إلى ما بعد غروب اليوم التالي. ويشرع لهم فيه الصيام ويطلبون فيه المغفرة عن الذنوب التي فعلها اليهود، في صلاة جماعية يؤديها الكهنة ٤.
وعندهم أعياد أخرى مرتبطة بمناسبات ببعض الأحداث التي حدثت لهم
_________________
(١) ١ خروج ٢٠. ٢ انظر الفكر الديني اليهودي ص١٦٦،١٦٧، اليهودية لأحمد شلبي، ص١٥٥موسوعة اليهود واليهودية ٥/٢١٤. ٣ الفكر الديني اليهودي ص٣٠٣. ٤ الفكر الديني اليهودي ص١٦٨،١٦٩،اليهود تاريخ وعقيدة ص٢٢٣،٢٢٤ موسوعة اليهود واليهودية ٥/٢٦٤.
[ ١٣٦ ]
كعيد المظال، وعيد الفوريم ونحوها ١.
ومن تشريعاتهم:
١- الزواج:
يعتبر بقاء اليهودي في العزوبة أمرًا منافيًا للدين، ويحرم الزواج بين اليهود وغيرهم، والزواج بغير اليهودي أو اليهودية يعتبر فجورًا وزنًا مستمرين.
ويجوز لليهودي الزواج ببنت أخيه أو ابنة أخته، ولكن العكس محرم، فلا يتزوج الرجل من عمته أو خالته. وحرم كثير من فقهائهم زواج بنت الأخت.
وتعدد الزوجات جائز عند اليهود، وليس في الدين حد أقصى لتعدد الزوجات، وإن صدرت فتوى متأخرة ابتداء من القرن الحادي عشر في الغرب بتحريم التعدد، وبعض اليهود لازالوا يمارسون هذا الحق٢.
ومن شرائعهم في الزواج أن أرملة اليهودي الذي مات ولم ينجب منها يجب تزويجها لأخيه الأعزب على وجه الإجبار، فإذا أنجب منها فإن المولود يحمل اسم أخيه الميت وينسب إليه، وإذا امتنع الأخ من تزوج أرملة أخيه فإنه يشهر به ويخلع من المجتمع اليهودي، وتسمى المرأة التي تؤول إلى أخي زوجها الميت (يبامه) ٣.
٢- الطلاق:
الطلاق في التوراة كان حقًا موضوعًا بيد الرجل، مستخدمين عبارة (طرد
_________________
(١) ١ اليهود تاريخ وعقيدة، كامل سعفان ص٢٢٤. ٢ الفكر الديني اليهودي ص١٩٣-١٩٤،موسوعة اليهود واليهودية ٥/٢٥٢ ٣ انظر سفر التثنية ٢٥:٥-١٠،
[ ١٣٧ ]
الزوجة من البيت)، لكن فيما بعد أفتى الحاخام جرشوم بن يهودا المتوفى سنة ١٠٤٠م بتحريم طرد المرأة من بيت الزوجية إلا إذا أفتى القاضي بطلاقها، أو اتفقت مع زوجها بالتراضي على الطلاق. ولا يعتبر الطلاق نافذًا حتى تصدر فيه وثيقة من الحاخام، وبهذه الوثيقة تستطيع المطلقة الزواج، أما إذا لم تحصل عليها فلا يحق لها الزواج، ويعتبر زواجها بغير الوثيقة غير صحيح، وأولادها من ذلك الزواج غير شرعيين١.
٣- المأكل والمشرب:
من شرائعهم في المطعومات أنه لا يجوز لهم من الحيوانات ذوات الأربع إلا كل ماله ظلف مشقوق وليس له أنياب ويأكل العشب ويجتر، فالخيل والبغال والحمير والجمال كلها محرمة وكذلك الخنزير والسباع والأرانب.
ويحرم من الطيور كل ماله منقار معقوف أو مخلب، أو كان من أوابد الطير التي تأكل الجيف والرمم.
ويحل أكل الدجاج والأوز والبط والطيور البرية آكلة العشب والحب، أما الأحياء المائية فيحل منها السمك الذي له زعانف وعليه قشور، وما عدا ذلك فكل صيد البحر حرام. ولا يجوز لهم الجمع بين اللحم واللبن والحليب في طعام واحد ٢.
هذه أهم العبادات والشعائر اليهودية.
_________________
(١) ١ الفكر الديني اليهودي ص١٩٧-١٩٨،موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (٥/٢٥٢) . ٢ انظر الفكر الديني اليهودي ص١٩٧-١٩٨.
[ ١٣٨ ]
الفصل الرابع: فرق اليهود
اليهود تفرقوا إلى فرق عديدة كما قال النبي ﷺ:" تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أوثنتين وسبعين فرقة"١
وهذا التفرق قديم وحديث. ومن أهم فرقهم القديمة:
١- السامريون:
السامريون في الأصل هم شعب دولة إسرائيل التي تكونت في الشمال من دولة يهوذا، وذلك بعد سليمان ﵇
وقد استمر وجود السامريين إلى عصرنا الحاضر، إلا أنهم يشكلون مجموعة صغيرة تسكن في فلسطين بجوار مدينة نابلس. ويتميزون عن بقية اليهود بأنهم:
- لا يؤمنون بنبوة أحد من أنبياء بني إسرائيل سوى هارون وموسى ويوشع بن نون ﵈.
- لا يقدسون من كتب اليهود سوى الأسفار الخمسة التي تسمى التوراة، ويضيفون إليها سفر يوشع بن نون فقط، وما عدا ذلك فلا يؤمنون به، ونسخة التوراة التي لديهم تختلف عن النسخة العبرية في ستة آلاف موضع، كما أنهم لا يؤمنون بسائر الكتب الأخرى في العهد القديم ولا بالتلمود ولا غيره من كتب اليهود.
_________________
(١) ١أخرجه. ت كتاب الإيمان ب ما جاء في افتراق الأمة ٥/٢٥ من حديث أبي هريرة ﵁ وقال حسن صحيح
[ ١٤١ ]
- المكان المقدس لديهم هو جبل " جرزيم " الذي يقع في منطقة نابلس، ويستقبلونه وينكرون صهيون وبيت المقدس، وبقية اليهود يكفرونهم لذلك ١.
٢- الفريسيون:
الفريسيون واحدها فريسي، وهي كلمة آرامية تعني ذا الرأي والعلم بالأمور، والبعض يرى أنها عبرية أصلها " فروشيم "، ومعناها " المنعزلون أو المفروزون " ٢.
ويبدو أن الفريسيين امتداد لفرقة " الربانيين "، وهي الفرقة المهتمة بأمور الشريعة. يقول السموأل بن يحي عن الربانيين:" هم أكثر عددًا وهم شيعة الحخاميم الفقهاء المفترين على الله (، الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسألة بالصوت، وهذه الطائفة، أي الربانيون أشد اليهود عداوة لغيرهم "٣.
ومما يميز الفريسيين أمور عدة:
-الإيمان بسائر كتب العهد القديم مع التلمود، ويعتبرون التلمود هو الوحي الشفوي المنزل على موسى ٤. والذي يظهر من كلام المؤرخين عن هذه الفرقة أنها لا زالت موجودة ويمثلون أغلبية اليهود ٥، وهم الذين يطلق عليهم لدى المسلمين الربانيين أو التلموديين ٦.
_________________
(١) ١ انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٤٤٩، الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية ص١١٥، الفكر الديني اليهودي ص٢٠٥. ٢ انظر: الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية ص١٥٧، من اليهودية إلى الصهيونية ص٩٠. ٣ إفحام اليهود ص١٧٤. ٤ قاموس الكتاب المقدس ص٦٧٤. ٥ فرقة القرائين اليهود ص١٢٠. ٦ اليهودية واليهود ص٩١.
[ ١٤٢ ]
٢-الصدوقيون:
هذه الفرقة الثانية التي تعتبر من أهم فرق اليهود القديمة، وهم ينتسبون إلى كاهن لهم كان في حدود سنة ٣٠٠ق. م، يسمى " صادوق ".
ويتميز الصدوقيون بعدة أمور، منها:
- أنهم لا يؤمنون بالتلمود وسائر الروايات الشفوية، وإنما يقرون بالتوراة فقط، وهي الأسفار الخمسة، والبعض يعزو إليهم الإقرار بالعهد القديم كله.١وعزي إليهم القول: بأن عزير ابن الله. تعالى الله عن قولهم.٢
- ينكرون البعث والجزاء الأخروي، ويزعمون أن النفس تموت بموت الجسد.
- ينكرون القضاء والقدر، ويزعمون أن الإنسان له إرادة حرة، ولا يتدخل الله في شيء من أفعال الإنسان في الخير أو الشر.
- ينكرون الملائكة ٣.
هذه الثلاث فرق هي أهم الفرق القديمة، ولا يعني ذلك انقراضها، وإنما قد يكون تغير مسماها أو قل أتباعها وتضاءلوا.
٣-القراءون:
القراءون نسبة إلى المصدر العبري " قرائيم " ومعناه الذين يقرأون المقرأ، أي التوراة.
_________________
(١) ١ بحوث في مقارنة الأديان ص١٢٨، تحريف التوراة ص٢٦، الأسفار المقدسة قبل الإسلام ص٦٤، موسوعة اليهود (٥/٣٢٤) . ٢ الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية ص١٣٥. ٣ قاموس الكتاب المقدس ص٥٣٩، الفكر الديني اليهودي ص٢١٤.
[ ١٤٣ ]
وينتسبون إلى رجل يسمى " عنان بن داود " من أهل بغداد زمن أبي جعفر المنصور، وتوفي في نهاية القرن الثامن الميلادي، وأطلق عليهم اسم العنانيون نسبة إلى عنان هذا.
ومن أهم ما يتميزون به:
- لا يعترفون إلا بالعهد القديم، وينكرون التلمود والروايات الأخرى الشفوية، وهم في هذا موافقون للصدوقيين.
- يقولون بالبعث يوم الدين.
- يعزى إلى شيخهم عنان الإقرار ببعثة عيسى ﵇، وكذلك نبينا محمد ﷺ، ولكنه يزعم أنه نبي للعرب وليس لليهود.
وقد انتشرت أفكار عنان بن داود بين اليهود انتشارًا قويًا، وخاصة في البلدان العربية والشرق. وكان بينهم وبين التلموديين عداء شديد، وتكفر كل واحدة منهما الأخرى، ولا زال منهم أناس يعدون ببضعة آلاف يسكنون قرب تل أبيب في فلسطين، ويتميزون عن بقية اليهود في أعيادهم ومحاكمهم وأماكن ذبحهم للحيوانات وقانون الحكومة اليهودية التلمودية الآن يمنع الزواج بين القرائين وغيرهم من اليهود١.
وهم يعتبرون من أعداء الصهيونية التلمودية، لأن كلًا منهم يكفر الآخر، ويرى ارتداده عن الدين.
ويذكر د/ حسن ظاظا: أنه بعد أن تمكنت الصهيونية التلمودية من الإستيلاء على فلسطين اصطادت بضعة آلاف من القرائين وأدخلتهم إلى فلسطين، وهم
_________________
(١) ١ انظر فرقة القرائين اليهود ص٦،١٥،٢٨،٧٢.
[ ١٤٤ ]
يعيشون هناك كرهائن، وكوسيلة للمساومات مع من بقي من القرائين خارج فلسطين إذ أرغمتهم الصهيونية على التزام الصمت والكف عن مهاجمتها حرصًا على حياة أبناء الطائفة في فلسطين وأمنهم ١.
٤-الحسيديم:
فرقة من فرق اليهود متأخرة النشأة، فتعزى إلى رجل يسمى " إسرائيل بن اليعازر " الملقب بـ " بعل شم طوب " في أوكرانيا، المتوفى سنة ١٧٦٠م.
و" حسيديم " مشتقة من الكلمة العبرية " حسيد " والتي تعني المنقى والناذر نفسه للدين.
والذي يظهر أن الحسيديم فرقة صوفية منشقة عن الفريسيين التلموديين، فهم يعظمون التلمود ويقبلون أقواله، إلا أن لهم تفسيراتهم الباطنية الخاصة بذلك، وهم يعتمدون في مخالفاتهم لبقية اليهود على التأويل الباطني والتوجه الصوفي، ولهذه الفرقة أتباع كثيرون.
ومن أهم ما يميزهم أمور، منها:
- اعتقادهم بوحدة الوجود، وأن لا وجود حقيقي إلا وجود الله تعالى، وأن المخلوقات ما هي إلا مظاهر لذلك الوجود وتعبير عنه.
- يقولون بالجبر، وأن الخير والشر من الله، وأن الإنسان إذا ارتكب منكرًا فعليه أن يكون مرتاح البال، لأن ذلك من الله، وكل ما هو من الله فهو خير.
- يقولون بالتناسخ، وأن الغرض منه تطهير النفس، وإعطاءها الفرصة
_________________
(١) ١ الفكر الديني اليهودي ص٢٥٤-٢٥٥.
[ ١٤٥ ]
للصلاح، فإذا لم تصلح تتناسخ في جسد آخر لأكثر من مرة حتى تصل إلى الصلاح.
- يقولون بالثواب والعقاب، وأن الإنسان لا بد أن يتطهر قبل دخوله الجنة، وذلك بأن تهزه الملائكة بعد الموت حتى تذهب سيآته الحسية والجسدية، وتتقاذفه الملائكة بين أيديها حتى يتطهر من سيآته النفسية المتعلقة بالأفكار والكلام. وعندهم أن اليهودي لا يقضي في جهنم أكثر من اثنى عشر شهرا.
- يستعملون الغناء والموسيقى في صلواتهم.
- من أكثر طوائف اليهود حماسًا لمجيء المسيح المخلص الذي يعتقدون أنه سيكون من نسل داود، وبمجيئه تنتهي كل مشاكل اليهود، ولهم في ذلك حكايات كثيرة يطول ذكرها من ناحية تصورهم لقرب مجيئه، حتى أن منهم من كان يقول لأهله إذا أراد النوم:" إذا جاء المسيح المخلص وأنا نائم فأيقظوني دون تردد ".
ومنهم من جعل غرفة خاصة في بيته وضع فيها كل غال ونفيس عنده، ولم يكن يسمح لأحد بالدخول إليها يسميها "غرفة المسيح"، وبعضهم يتفوه بكلمات كفرية قبيحة في حق الله تعالى معاتبًا له على تأخر المسيح، مثل قول أحد رؤسائهم المسمى موسى بن زفي المتوفى ١٨٤١م: " لو كنت أعلم أن شعر رأسي سيكون أبيضًا ولا ترى عيناي المسيح المخلص لما بقيت حيًا، يا رب أنت الذي أبقيتني وحفظتني بهذا الأمل وهذا الاعتقاد، إنك ضحكت علي، فهل هذا شيء جيد؟ وهل هو شيء جيد أن تضحك على رجل كبير مثلي؟ أجبني ".
[ ١٤٦ ]
-يتركون ضفائر على جانبي الرأس، كما لا يحلقون ولا يقصون شيئًا من لحاهم ولا من سائر شعر الوجه سوى الشوارب.
- أكثر الحسيديم يذمون الصهيونية ويطعنون فيها وإن كانوا مؤيدين لها في إنشاء دولة اليهود في فلسطين، وقد هاجر كثير منهم إلى فلسطين واستقروا بها، وكونوا لهم تجمعات كبيرة، بل يقول الكتاب إن أكثر من نصف المدارس في دولة اليهود تعود للحسيديم ما عدا فرقة
" الستمار " منهم، فإنها تحرم السفر إلى دولة اليهود في فلسطين، ويطعنون في الصهاينة ويعتبرونهم كفارًا مارقين، وهم يرون أن خلاصهم لا يكون إلا بأمر معجز عن طريق المسيح المخلص، وأن وجود دولة اليهود يعوق خلاصهم ويؤخر مجيء المسيح المخلص، وأكثر هذه المجموعة يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية ١.
٥-الإصلاحيون:
الإصلاحيون هم فرقة من الفرق المعاصرة التي تحاول التملص من تشديدات اليهود وتسلط الحاخامات وإذلالهم لبني جنسهم، وكان من أوائل من دعا إلى التحرر من قيود التلمود وتشديدات الحاخامين موسى مندلسون المتوفى سنة ١٧٧٦م في برلين، فقد دعا إلى اندماج اليهود مع الشعوب التي تشاركهم في الأوطان، والمحافظة على جميع القوانين لتلك البلدان، مع المحافظة على دين الآباء والأجداد، ثم انتقلت تلك الدعوة إلى أمريكا وفيها قويت وانتشرت بين اليهود، وصار لها أتباع يجاوزون المليونين.
_________________
(١) ١ انظر في ذلك كله كتاب اليهود الحسيديم ص١٥،٥٧،٦٣،١٧٥،١٧٧،٢٩٨.
[ ١٤٧ ]
ومن أهم ما يميزهم عن بقية اليهود:
- إنكارهم للوحي في العهد القديم، وقولهم إن الكتاب المقدس من صنع الإنسان، ويعتبرونه أعظم وثيقة أوجدها الإنسان، وهم لا يقبلون منه
إلا التشريعات الأخلاقية، أما العبادات والشعائر فيقبلون منها ما يوافق العصر.
- إنكار التلمود، واعتبار تعاليمه وقوانينه خاصة بعصره ولا تصلح للعصور الحديثة.
- إنكار دعوى المسيح المنتظر.
- إنكار البعث الجسدي والعذاب بعد الموت.
- إقامة الصلوات باللغات القومية ولا يلزم عندهم أداؤها باللغة العربية، وإباحة اختلاط الجنسين في المعابد اليهودية، وتعديل القوانين الخاصة بالزواج والطلاق لتتوائم مع العصر١.
- حذفوا من أدعيتهم وصلواتهم ما يتعلق بالعودة إلى صهيون، واعتبروا أن اليهودية دين وليس قومية. وقد كان الإصلاحيون في أول الأمر معارضين للصهيونية، ولكن وجد فيهم من يناصرها بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تقتيل النازيين لليهود، حيث بدأ الكثير منهم يميل للصهيونية، وبقي منهم عدد كبير أيضًا خارج الصهيونية وضدها ويكافحها مكافحة مستميتة ٢.
٦-الأرثوذكسية:
الأرثوذكسية، هو المسمى الذي يطلق على اليهود الذين يدينون بالكتاب
_________________
(١) ١ انظر الملل المعاصرة في الدين اليهودي ص٣٦،٥٨-٦٣. ٢ الملل المعاصرة في الدين اليهودي ص١٢٧.
[ ١٤٨ ]
المقدس مع التلمود مع جميع التعصبات اليهودية، وهم فيما يبدو امتداد للربانيين والتلموديين والفريسيين، وهم يشكلون الغالبية العظمى من اليهود، وتجمعهم الأكبر في دولة اليهود في فلسطين. ولا تعترف الدولة اليهودية إلا بالأرثوذكسية، كما أن غالبية أعضاء المجلس الصهيوني من الأرثوذكس ١.
٧-المحافظون:
هم طائفة كبيرة أيضًا من اليهود، حاولوا التوسط بين انفلات الإصلاحيين وتشدد الأرثوذكس، وقد نشأ هذا المذهب في منتصف القرن التاسع عشر، حيث أسس ذلك " زكريا فرانكل " رئيس حاخامين دريسون بألمانيا، المتوفى سنة ١٨٧٥م، ثم تطوروا وزاد انتشارهم فيما بعد في أمريكا حيث يشكلون فيها قرابة المليون شخص.
ومما يتميزون به من أمور:
-اعتبار التوراة هي الموحى بها من الله، أما التلمود فيعتبرونه نتاج ثقافي لليهود يجب أن يستفاد من قيمه العامة في المواقف للشعب اليهودي، ويعتبرون دعوى أن موسى استلمه شفهيًا من الله خرافة من خرافات الربابنة.
- حذف القراءات المطولة والأناشيد الخليعة والمدروشة من الكنيس.
- تربية النساء تربية دينية وإشراكهن في العمل الديني.
- إقامة الصلوات باللغات التي يفهمها المصلون إذا لم يفهموا العبرية.
والمحافظون موافقون للصهاينة في برنامجهم السياسي، وهم من أكبر
_________________
(١) ١ الملل المعاصرة في الدين اليهودي ص٨٢-٨٧،١٢٧.
[ ١٤٩ ]
الداعمين للتوطن في فلسطين، وتبني سياسات الصهاينة ١.
٨-الصهيونية:
الصهيونية مذهب علماني، أهم أهدافه هو تجميع اليهود في فلسطين، وقد كانت العودة إلى فلسطين حلمًا يراود اليهود منذ أخرجوا منها، ولكن كثيرًا منهم كان يرى أن العودة إليها يجب أن تكون بطريقة معجزة على يد المسيح المخلص، فلما جاء الصهاينة نادوا بالعودة إلى فلسطين، وقيام دولة علمانية لا علاقة لها بالدين، أو بفكرة العودة بطريقة معجزة، وكان أكبر الدوافع لتأسيس هذا الكيان وبروزه هو: الاضطهاد الأوروبي لليهود الذي كان أكبر سبب لبروز الصهاينة، كما كان سببًا لتجميع أكثر اليهود تحت لواء الصهيونية لتحقيق ذلك الهدف وهو العودة إلى فلسطين.
ومن أوائل الصهاينة الذين بدأوا بالفعل العمل الصهيوني الجاد لتحقيق الأهداف الموضوعة له هو " ثيودور هرتزل " الصحفي النمساوي العلماني اللاديني، الذي ألف كتابه " الدولة اليهودية " ونادى فيه إلى قيام دولة علمانية في فلسطين، وذلك عام ١٨٩٤م ٢، وابتدأ بعدها في التخطيط الفعلي للتجميع في فلسطين ٣.
_________________
(١) ١ انظر: الملل المعاصرة في الدين اليهودي ص٩٢،٩٥-٩٦،١٠٣،١٠٤،١٢٥. ٢ انظر: إسرائيل الصهيونية السياسية ص٨، الملل المعاصرة في الدين اليهودي ص١١٦-١٢٤. ٣ انظر ما سبق في نشأة الدولة اليهودية في فصل مجمل تاريخ اليهود.
[ ١٥٠ ]
الفصل الخامس: أخلاق اليهود من خلال القرآن الكريم
إن الاحتكاك بين النبي ﷺ والمسلمين وبين اليهود في المدينة بحكم وجود اليهود بها كشف كثيرًا من أخلاقهم وسماتهم.
وقد فصَّل لنا الله جل وعلا في كتابه الكريم أخلاقهم الظاهرة والخفية، ومقاصدهم في الأعمال والأقوال، فيستطيع الناظر في القرآن أن يدرك حقيقة اليهود حق الإدراك، ويفهم نفسياتهم وما جبلوا عليه من فساد وانحراف عن الخلق القويم والصراط المستقيم.
ومما وصف الله به اليهود:
أولًا: الكذب:
الكذب من أقبح الصفات التي يتصف بها بعض الناس وعنوان الخسة والدناءة، وفساد الطوية وهو المطية لكل انحراف.
وقد تعمّقت هذه الخصلة في اليهود وباءوا بأدنى مراتبها، وأبعدها فسادًا وهو الكذب على الله ﷿ الذي لا يخفى عليه خافية.
قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ النساء آية (٥٠) .
كما سجّل القرآن عليهم موقفًا آخر وهو لا يقل عن هذا الموقف قباحة وهو تكذيبهم الصادقين وهم الرسل ووصمهم لهم بالكذب.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؟ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا
[ ١٥٣ ]
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ آل عمران آية (١٨٤) .
ومن كذب على الله وكذب على الرسل فالكذب على الناس من أهون الأعمال لديه
ومما سجل من كذبهم قوله تعالى عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ النساء آية (٥١) .
ثانيًا: الحسد:
الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير. وهو من صفات اليهود فهم يحسدون الناس لا لشيء إلا كراهة أن يؤتى الله من فضله أحدًا غيرهم.
وفي وصفهم بهذا يقول جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ النساء آية (٥٤) .
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ البقرة آية (١٠٩) .
ثالثًا: حب الدنيا:
إن حب الدنيا كما ورد في بعض الآثار " رأس كل خطيئة " واليهود حازوا من هذه الخصلة النصيب الأوفى، فكذبوا على الله لحبهم الدنيا، وجبنوا عن القتال لحبهم الدنيا، وأضلوا الناس عن دين الله حبًا في الدنيا، وخانوا العهد والميثاق حبًا في الدنيا وتمسكًا بنعيمها الزائل، أخذوا بالسحر وتركوا الوحي حبًا في الدنيا.
[ ١٥٤ ]
وفي هذا يقول الله تعالى عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ البقرة آية (٧٩) .
وحبهم للدنيا جعلهم يأكلون الربا ويأكلون أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك من جرائمهم وتحايلهم على الأوامر والنواهي، حرصًا منهم على متاع الدنيا الزائل.
رابعًا: البخل:
مع أن اليهود أهل المال إلاّ أنهم بخلاء به، وهذا دليل على أنهم يعبدون المال ولم يجمعوه لينفقوا منه، وإنما حبًا فيه فقط، وإضافة إلى البخل به فهم يأمرون الناس بالبخل.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ النساء آية (٣٧) .
خامسًا: الخيانة:
الخيانة من طبائع اليهود الملازمة لهم، والخيانة تكون في كل ما يؤتمن عليه الإنسان من مال وعرض ودين وعهد وغير ذلك، وقد خان اليهود أمانتهم في الأموال.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ آل عمران آية (٧٥) .
أما الدين فقد بدَّلوه وغيَّروه، وأما العهود والمواثيق فقد نقضوها سواء مع الله أو مع غيره.
لهذا وصفهم الله بالخيانة فقال: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ
[ ١٥٥ ]
مِنْهُمْ﴾ المائدة آية (١٣) . وهو وصف متحقق فيهم إلى هذا الزمن وما بعده.
سادسًا: الإفساد في الأرض:
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ الإسراء آية (٤) .
والواقع أن الفساد والإفساد لا يصدر إلاَّ عن نفوس أغرقت في الشر وحقدت على الغير حتى ساءها صلاح الغير واستقامة أمره فيدفعها ذلك إلى الإفساد.
وهذا وصف من أبرز صفات اليهود في الحاضر والماضي، ولا تجد في الغالب في هذا الوقت وما قبله نحلة فاسدة أو مذهبًا منحرفًا إلا ولليهود فيه اليد الطولى١. هذه بعض الأخلاق التي ذكرها القرآن الكريم عن اليهود تبيينًا وتحذيرًا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
_________________
(١) ١ انظر: الشخصية اليهودية من خلال القرآن، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي ص ١٩٣ - ٢٥٤، بنو إسرائيل في القرآن الكريم، د. محمد عبد السلام محمد ص ٢٦٥ - ٢٧١.
[ ١٥٦ ]