النصرانية هي دين من ينتمون في الأصل إلى عيسى ﵇ وكانت رسالته من ضمن الرسالات السماوية الخاصة ببني إسرائيل إلا أن النصارى غيَّروا ديانته وبدلوها حتى صار من العسير جدًا إمكانية عزو شيء منها إلى المسيح ﵇ بل إنها تحولت من ديانة توحيدية إلى ديانة شركية تدعى التوحيد وتتستر به.
وسنبين في الفصول القادمة ما يتعلق بهذه الديانة من ناحية مصادرها وعقائدها وشعائرها إلخ.
[ ١٥٩ ]
الفصل الأول: التعريف بالنصرانية
المبحث الأول: تعريف كلمة النصرانية
المبحث الأول: تعريف كلمة النصرانية
النصرانية لغة: قيل نسبة إلى نصرانه وهي قرية المسيح ﵇ من أرض الجليل، وتسمى هذه القرية ناصره ونصوريه، والنسبة إلى الديانة نصراني، وجمعه نصارى١.
النصرانية اصطلاحًا: هي دين النصارى الذين يزعمون أنهم يتبعون المسيح ﵇، وكتابهم الإنجيل.
وقد أطلق على أتباع الديانة النصرانية في القرآن الكريم نصارى٢، وأهل الكتاب٣، وأهل الإنجيل٤، وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى المسيح ﵇ ويسمون ديانتهم "المسيحية".
وأول ما دُعيَ النصارى "بالمسيحيين" في أنطاكية حوالي سنة ٤٢م، ويرى البعض أن ذلك أول الأمر كان من باب الشتم٥.
ولم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولا في السنة كما أن المسيح
_________________
(١) ١ انظر: المفردات للراغب الأصفهاني ص٤٩٥ القاموس المحيط ص٦٢٢. ٢ انظر مثلًا البقرة آية (٦٢، ١١١، ١١٣) . ٣ انظر آل عمران (٦٤) النساء (١٧١) . ٤ المائدة آية (٤٧) . ٥ قاموس الكتاب المقدس ص٨٨٩.
[ ١٦٣ ]
حسب الإنجيل لم يسم أصحابه وأتباعه بالمسيحيين وهي تسمية لا توافق واقع النصارى لتحريفهم دين المسيح ﵇ ١.
فالحق والصواب أن يطلق عليهم نصارى، أو أهل الكتاب، لأن في نسبتهم للمسيح ﵇ خطأ فاحش، إذ يلزم من ذلك عزو ذلك الكفر والانحراف إلى المسيح ﵇، وهو منه بريء.
_________________
(١) ١ سيتبين هذا عند الحديث عن العقيدة النصرانية.
[ ١٦٤ ]
المبحث الثاني: التعريف بالمسيح ﵇ إجمالًا من خلال القرآن الكريم وما يتفق معه مما ورد في أناجيل النصارى.
المسيح ﵇ ١ نبي من أنبياء بني إسرائيل، دعا إلى الله ﷿، وبلغ رسالة ربه ﷿، وقد ذكر الله ﷿ هذا النبي الكريم في القرآن الكريم، وذكر دعوته في مواضع عديدة، من أشملها قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) ١ قيل سمى مسيحًا لكثرة سياحته في الأرض وقيل لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، وقيل لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ، وقيل لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن. انظر: المفردات للراغب الأصفهاني (ص٤٦٨)،تفسير ابن كثير (١/٣٢٠) والنصارى يقولون سمي مسيحًا لأنه جاء للخدمة والفداء. قاموس الكتاب المقدس ص ٨٦٠.
[ ١٦٥ ]
رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ آل عمران الآيات (٤٥-٦٠) .
هذا هو المسيح ﵇ في كلام الله ﷿ بشر خلقه الله بكلمته كما خلق من قبله آدم ﵇ بكلمته وهي قوله "كن" وجعله الله سبحانه آية حيث خلقه في بطن أمه مريم بدون أن يكون لها زوج أو يمسها بشر بل كانت رضوان الله عليها عبدة صالحة طاهرة مبرأة من الخبث والفساد.
وبين الله ﷿ لنا حقيقة دعوة المسيح ﵇ وأنه رسول دعا إلى عبادة الله ﷿ وحده لا شريك له وقد وجه دعوته لبني جنسه وهم بنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت قد انحرفوا كثيرًا عن دين موسى ﵇ إلا أن قومه كذبوه وسعوا إلى قتله فانجاه الله منهم ورفعه إلى السماء.
وإذا نظرنا إلى الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى نجد أنها صرحت بما ذكره القرآن تصريحًا واضحًا لا لبس فيه. ومن ذلك:
[ ١٦٦ ]
١- بشرية المسيح:
ذكر الله ﷿ بشرية المسيح في الآيات السابقة وقد قص لنا الرب جل وعلا خبره من لدن جدته إمرأة عمران ثم أمه ثم خبر ولادته.
وقد ذكرت جميع الأناجيل أنه ولد من مريم وأنه طرأ عليه ما يطرأ على البشر من الوجود بعد العدم والأكل والشرب والتعب والنوم والموت١. وسائر الخصال البشرية.
٢- أنه رسول الله:
وذلك في قوله ﷿ ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ المائدة آية (٧٥)
وقد صرح النصارى أن المسيح ﵇ قال لهم في مواطن كثيرة في الأناجيل بأنه رسول من عند الله، فقد ورد في إنجيل متى (١٠/٤٠) "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني".
وفي إنجيل لوقا (٤/٤٣): "فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضًا بملكوت الله لأني لهذا أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل".
ويقول لتلاميذه الذين أرسلهم إلى المدن لدعوة الناس للإيمان به وبرسالته حسب قول لوقا، (١٠/١٦): "الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني"
_________________
(١) ١ هذا ما ذكرته الأناجيل ونحن المسلمين نعتقد بأنه ﵇ لم يقتل ولم يمت كما ذكر الله ﷿ ذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ النساء آية (١٥٧-١٥٨) .
[ ١٦٧ ]
وفي إنجيل يوحنا ذكر أنه رسول من الله في مواطن كثيرة منها (٤/٣٤) "قال لهم يسوع طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني، وأتمم عمله".
وفي (١٧/٣) يذكر عن المسيح أنه قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته"١.
٣- أنه رسول إلى بني إسرائيل خاصة:
قال الله ﷿ في الآيات السابقة ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ آل عمران آية (٤٩) .
وقد ورد في إنجيل متى (١٥/٢٤) أن المسيح ﵇ لحقته امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، فقال المسيح "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ".
وكذلك في إنجيل متى (١٠/٥) أن المسيح أرسل تلاميذه إلى القرى اليهودية وقال لهم "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".
٤- أنه دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له:
قال جل وعلا عن المسيح أنه قال ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ آل عمران آية (٥١) .
وذكر متى في إنجيله (٤/١٠) عن المسيح أنه قال: "للرب
_________________
(١) ١ نُص على الرسالة في إنجيل يوحنا في المواضع التالية أيضًا (٥/٢٣، ٣٠،٣٦)، (٦/٢٩،٤٤)، (٧/١٦،٢٩)، (٨/١٨،٤٢)، (٩/٤)، (١٠/٣٦)، (١١/٤٢)، (١٢/٤٤،٤٩)، (١٤/٢٤)، (١٥/٢١)، (١٦/٥)، (١٧/١٨،٢٥)، (٢٠/٢١) .
[ ١٦٨ ]
إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".
وفي إنجيل مرقص (١٢/٢٩) أن المسيح أجاب من سأله عن أول الوصايا والواجبات بقوله: "إن أول كل الوصايا هي: إسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك".
وفي إنجيل لوقا (٤/٨) أن المسيح قال للشيطان لما طلب منه أن يسجد له: "إذهب يا شيطان إنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".
وفي إنجيل يوحنا (١٧/٣) أن المسيح قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته".
وكذلك قال للمرأة التي رأته بعد القيامة في كلامهم في إنجيل يوحنا (٢٠/١٧): "قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن إذهبي إلى إخوتي وقولي لهم، إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
٥- إنه متبع لشريعة موسى ﵇ ومكمل لها:
قال ﷿ ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ آل عمران آية (٥١) .
قال متى في إنجيله (٥/١٧) عن المسيح انه قال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل".
٦- أنه دعا إلى التوبة:
وهو معنى قوله ﷿ ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ
[ ١٦٩ ]
وَأَطِيعُونِ﴾ آل عمران آية (٥٠)
وقد ذكر بعض الكُتَّاب أن لب دعوة المسيح ﵇ حسب الأناجيل هو: الدعوة إلى التوبة، والأخذ بشريعة موسى ﵇ ١.
وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣): "لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة".
وفي إنجيل مرقص (١/١٤): "وبعدما أُسِلم يوحنا٢ جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
فهذه النصوص يظهر منها واضحًا بشرية المسيح ﵇، وأنه رسول دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا يتفق تمام الإتفاق مع ما ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم عنه، ويتفق مع دعوة الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في القرآن، أو ذكرهم اليهود في كتبهم. كما يتفق ذلك مع العقل وترتاح له النفس.
وهذا بخلاف ما تدعيه الكنيسة وتزعمه من الأمور المناقضة للعقل والشرع، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك عند الحديث عن عقائد النصارى.
_________________
(١) ١ انظر المسيحية نشأتها وتطورها ص٤٩، والنصرانية والإسلام ص١٤. ٢ أي بعد أن سجن يحي ﵇ من قبل حاكم اليهود. انظر تفسير العهد الجديد ص٩١.
[ ١٧٠ ]
المبحث الثالث: تاريخ النصرانية إجمالًا
إن الحديث عن تاريخ النصارى الأوائل والنصرانية من المصادر النصرانية يعتبر من أصعب الموضوعات وأكثرها تعقيدًا، لأن التاريخ إنما يعتمد على النصوص والروايات المحفوظة التي تبين تاريخ حقبة ما.
والناظر في المصادر النصرانية يواجه مشكلة الإنقطاع التاريخي في فترة من أهم الفترات المتعلقة بالنصرانيه، وهي الفترة التي تعقب رفع المسيح ﵇ إلى منتصف القرن الثاني من الميلاد، فإن هذه الفترة تعتبر فترة حرجة جدًا والمصادر التي يمكن أن يعتمد عليها في بيان تاريخ تلك الفترة تعتبر نادرة جدًا، بل لا يوجد بين يدي النصارى سوى كتاب "أعمال الرسل" الذي تحدث كاتبه في أوله عمن يزعم أنهم تلاميذ المسيح حديثًا محدودًا، ثم خصص بقية كتابه للحديث عن بولس وأعماله، ورغم ذلك فإن المعلومات عن بولس تنقطع قبل موته بعد وصوله روما، وهذه النهاية التي انتهى إليها صاحب الكتاب هي نهاية المعلومات المتوفرة لدى النصارى عن تلك الفترة يضاف إلى ذلك ما يمكن إستفادته واستخلاصه من رسائل بولس الأربع عشرة التي فيها إشارات قليلة تخص بولس من ناحية تاريخية إلا أنها شبه خالية من المعلومات عن الحواريين الذين هم تلاميذ المسيح ﵇ الحقيقيون
ومع ذلك فسنحاول ذكر تاريخ إجمالي للنصارى والنصرانية إلى عهد ما بعد الإمبراطور قسطنطين حسب المعلومات المتاحة، وذلك لإعطاء القارئ تصورًا عن النصرانية من ناحية تاريخية، ربما يكون قريبًا من الواقع.
[ ١٧١ ]
أولًا: المسيح ﵇ من خلال مصادر النصارى
المسيح١ هو عيسى بن مريم ﵇ وينسبه النصارى إلى داود ﵇ ٢ ويعتقدون أنه لا أب له من البشر، لأن الله أرسل إلى مريم الملك جبريل ﵇ فكان الحمل به ﵇ ٣ ثم إنها وضعته بعد ذلك في بيت لحم في فلسطين، وزعم صاحب إنجيل متى أن أمه ذهبت به من فلسطين إلى مصر خوفًا من هيرودس حاكم اليهودية، الذي عزم على قتل جميع الأطفال الذين ولدوا في ذلك العام، لأن منجمين مجوس أخبروه بولادة ملك اليهود٤
_________________
(١) ١ يلاحظ أننا سنذكر هنا ما يتعلق بالمسيح من ناحية تاريخية من خلال كتب النصارى وهي الأناجيل الأربعة وإذا كان هناك ما يتعارض مع ما ورد في مصادرنا الإسلامية نبين ذلك أو نحيل إلى موضع بيان ذلك. ٢ انظر بيان ما يتعلق بنسب المسيح في ص١٩٧. ٣ لم يذكر النصارى نفخ جبريل ﵇ في مريم، وإنما ذكر الله ﷿ ذلك في القرآن الكريم بقوله ﷿ ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ التحريم آية ١٢ قال ابن كثير في تفسيره (٤/٣٥٥): أن الله بعث جبريل ﵇ فتمثل لمريم في صورة بشر سوي، وأمره الله أن ينفخ بفيه في جيب درعها - فتحة ثوبها من قبل رأسها - فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى ﵇، أما النصارى فكلامهم في هذا غير ظاهر ولا واضح المعنى، وقد ذكروا ذلك في موضعين من أناجيلهم ففي إنجيل متى (١/١٨) " أما ولادة يسوع فكانت هكذا لما كانت مريم أمه مخطوبه ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس". وفي إنجيل لوقا (١/٣٤) بعد أن ذكر مجيء جبريل إلى مريم المخطوبة ليوسف وبشرها بأنه سيكون منها المسيح قالت مريم "وكيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا، فأجاب الملاك، وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ". ٤ انظر إنجيل متى (الإصحاح الثاني) .
[ ١٧٢ ]
وبعد بلوغ المسيح ﵇ الثلاثين من عمره ابتدأ دعوته بعد أن اعتمد١من يحيى ﵇ ٢ فكان يعظ الناس في أماكن تجمعهم، وإذا رأى مرضى يشفيهم ويتجول في سائر المدن اليهودية، وظهرت على يديه آيات كثيرة مثل تكثير الطعام، وشفاء المرضى، والمشي على الماء وغير ذلك، وفي هذه الفترة المبكرة من دعوته التحق به من يزعم النصارى أنهم حواريو المسيح، وتابعوه في رحلاته، ثم أرسل تلاميذه إثنين إثنين إلى القرى للدعوة، وشعر رؤساء اليهود بالخطر الذي سيحيق بهم، من جراء دعوة المسيح ﵇ ولذا فقد اتفقت كلمتهم على ضرورة القضاء عليه.
فلما كان في اليوم الأول من أيام عيد الفصح٣، علم اليهود بمكانه في بيت المقدس، وذلك بوشاية من أحد أتباعه وهو يهوذا الإسخريوطي، فجاؤا وألقوا القبض عليه، ففر تلاميذه وتركوه فأخذه اليهود إلى رئيس كهنتهم وواجهوه
_________________
(١) ١ انظر معنى التعميد ص ٣٠١ من شعائر النصارى. ٢ لا يوجد لدى النصارى أي معلومات عن حياة المسيح ﵇ الأولى وشبابه، والأناجيل الأربعة لم تذكر سوى ولادته، ثم تنتقل إلى فترة تعميده مباشرة، والتي ابتدأ بعدها بدعوته، ثم بعدها على أكثر تقدير بسنة واحدة أو بثلاث سنوات رفع إلى السماء ومعنى ذلك أن عمره كان في ابتداء الدعوة قرابة ثلاثين سنة وهي مدة لا يعرف النصارى عنها شيئًا البتة سوى خبر أورده متى وهو عودة المسيح حين كان صبيًا من مصر، وأخر في إنجيل لوقا عن تعلمه وتعليمه في الهيكل حين كان عمره اثنى عشر عامًا. كما أن النصارى لم يذكروا شيئًا عن تكلمه في المهد ولا يعرفون ذلك. ٣ الفصح هو عيد يهودي ويسمونه أيضًا عيد الفطير لأنهم يأكلون فيه الخبز فطيرًا غير مختمر، وهو عندهم عيد الضحية حيث يضحون فيه بحمل أو جدي ونحوه. وأصل هذا العيد ذكرى لنجاة بني إسرائيل من فرعون مصر. وقد استبدل النصارى عيد الفصح اليهودي بالعشاء الرباني حيث يزعمون أن المسيح هو حمل فصحهم المذبوح، وأن الخبز والخمر رمز لتلك الأضحية عندهم وهو المسيح ﵇. انظر: الفكر الديني اليهودي ١٨٠-١٨٨ بتصرف، شرح أصول الإيمان للقس اندرواس واطسون ٥٠٠.
[ ١٧٣ ]
بما يتهمونه به إلا أنهم رأوا أن الشهود لا تتفق كلمتهم فيما شهدوا به عليه، وأخيرًا سأله رئيس الكهنة وقال له: أأنت المسيح ابن المبارك؟ فقال عيسى: أنا هو وسوف تبصرون إبن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا في سحاب السماء. فمزق رئيس الكهنة ثيابه. وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود قد سمعتم التجاديف١. ما رأيكم؟ فحكم الجميع عليه أنه مستوجب للموت٢.
ثم حملوه إلى الوالي الروماني بيلاطس البنطي الذي قرره بما كان متهمًا به وهو أنه "ملك اليهود" وهي التهمة التي أوعز اليهود إلى الوالي الروماني أن المسيح يدعيها لنفسه، إلا أن المسيح لم يجبه بشيء٣، فرأى بيلاطس أنه لا يستحق الموت، وهو الجزاء الذي كان يطالب اليهود بإيقاعه به، إلا أن بيلاطس بعد ذلك ونزولًا عند رغبة اليهود حكم عليه بالموت على الصليب، فحمل يوم الجمعة صباحًا إلى موضع الصلب، حيث علق على الصليب في زعمهم في الساعة الثالثة صباحًا٤ وبقي على الصليب إلى الساعة التاسعة عصرًا، حيث مات بعد أن صاح "إلهي إلهي لماذا تركتني" ثم أُنزِل عن الصليب وأدخل قبرًا بقي فيه تلك الليلة ونهار السبت وليلة الأحد، فلما جاؤا صباح الإثنين وجدوا القبر خاليًا، وقيل لهم إنه قام من قبره، ثم إنه ظهر
_________________
(١) ١ التجاديف المراد بها الكلمات الكفرية، أو الكلمات الموحية بكفر قائلها. ٢ إنجيل مرقص (١٤/٦٢-٦٥) . ٣ وهذا حسب الأناجيل الثلاثة متى، مرقص، لوقا، أما إنجيل يوحنا فإنه ذكر محاورة بين المسيح وبيلاطس انظر الاصحاح ١٨/٣٣-٣٨. ٤ هذا على حساب الساعة الغروبي الذي يكون أول ساعة بعد غروب الشمس هي الساعة الواحدة ليلًا إلى إثنتى عشرة ساعة، فتوافق في الغالب الساعة الأولى من النهار بعد طلوع الشمس، فتكون الساعة الثالثة هنا صباحًا حوالي التاسعة والنصف في عرفنا والتاسعة توافق الثالثة والنصف مساءًا.
[ ١٧٤ ]
لتلاميذه بعد ذلك، وبين لهم أنه حي وبقى معهم حسب كلام صاحب أعمال الرسل "أربعين يومًا"١ ثم ارتفع إلى السماء وهم ينظرون إليه٢، وكانت مدة دعوة المسيح حسب الأناجيل الثلاثة الأولى لا تزيد عن سنة واحدة إذ لم يذكروا خلال دعوة المسيح إلا عيدًا واحدًا، أما إنجيل يوحنا فذكر ثلاثة أعياد٣ لليهود لهذا يرى كثير من النصارى أن مدة دعوته كانت ثلاث سنوات٤، وكان أتباعه خلال هذه المدة والذين خَلفَّهم بعده ينحصرون في الاثنى عشر حواريًا وآخرين يبلغ مجموعهم مائة وعشرين فقط٥.
وكل من نظر في الأناجيل التي بين يدي النصارى والتي تحوي دعوة المسيح ونشاطه، وتحركاته، ومواعظه، يتيقن أن المسيح لم يؤسس ديانة جديدة البتة، بل كان يلتزم بشريعة موسى ﵇ ويدعو إلى الإلتزام بها، ويحرم الخروج عليها٦، وبهذا أيضًا وصى تلاميذه الذين أرسلهم إلى الدعوة في القرى٧.
_________________
(١) ١ أعمال الرسل (١/٣) . ٢ هذا ما أورده النصارى إجمالًا من قصة المسيح ﵇ وما زعموه من صلبه وموته وقيامته، وقد أفردت مبحثًا خاصًا عن الصلب وبيان التناقض في كلام النصارى فيه وبيان بطلانه انظر ص ٢٦٦. ٣ انظر إنجيل يوحنا (٢/١٣)، (٥/١) (١٢/١) . ٤ انظر تاريخ المسيحية (١/٣٣) . ٥ أعمال الرسل (١/١٥) . ٦ انظر إنجيل متى (٥/١٧) إنجيل لوقا (١٨/١٨) . ٧ انظر متى (١٠/٥)، مرقص (٦/١٢)، لوقا (٩/٢، ١٠/١) .
[ ١٧٥ ]
أما محور دعوة المسيح ﵇ حسب الأناجيل، فهو الدعوة إلى التوبة والإنابة إلى الله والتبشير بالملكوت القريب١، وكان يضرب لهم الأمثال في ذلك، ولا يختلف في هذا عن الأنبياء من بني إسرائيل الذين سبقوه وجاؤا بعد موسى ﵇، إلا أنه زاد في النهي عن الفواحش والفساد بتأكيد تحريم الوسائل إليها فمن ذلك قوله في إنجيل متى (٥/٢٧) "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لاتزن، وأما أنا فأقول لكم إن من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" وفي (٥/٣٣) "سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب أقسامك، وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة بل ليكن كلامكم نعم. نعم، لا. لا"
وكذلك أكد على التسامح والعفو والمحبة وفي هذا يقول متى (٥/٤٣) "سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم باركوا لا عينكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم"
أما التشريع فلم يذكر عنه منه شيء سوى ما يتعلق بالحض على عدم الطلاق وعدم زواج المطلقة. يقول متى عنه في (٥/٣١) "وقيل من طلق إمرأته فليعطها كتاب طلاق، وأما أنا فأقول لكم إن من طلق إمرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني
_________________
(١) ١ انظر متى (٤/١٧)، (٩/١٢) مرقص (٣/١٧) لوقا ٨/١) .
[ ١٧٦ ]
ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني".
وفي إنجيل لوقا (١٦/١٨) يقول "كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني وكل من يتزوج بمطلقة من رجل يزني"
فهذا يدل على أن المسيح ﵇ لم يؤسس ديانة جديدة البتة بل كان شأنه ودعوته شأن ودعوة الأنبياء السابقين من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلامإلا أن الله جعله وأمه آية لبني إسرائيل.
ثانيًا: تلاميذ المسيح ﵇ بعد رفعه.
المصادر التاريخية لهذه الفترة بعد رفع المسيح ﵇ نادرة جدًاوقليلة فلا يوجد بين يدي النصارى سوى سفر أعمال الرسل الذي ورد فيه جانبًا من أعمال حواري المسيح وتلاميذهثم خُصِصَ بقية الكتاب للحديث عن بولس ويضاف إلى هذا السفر بعض الجمل الواردة في الرسائل الملحقة بالعهد الجديد التي تتحدث عن شيء من تأريخ تلاميذ المسيح. هذا كل ما لدى النصارى من كتب عن هذه الفترة.
ولهذا سنشير إشارة مختصرة إلى هذه الفترة حسب المعلومات المتاحة فنقول:
إن تلاميذ المسيح فيما يذكر النصارى بعد رفعه قاموا بالدعوة في جميع مدن اليهودية. وحسب سفر أعمال الرسل فقد أظهروا آيات وعجائب كثيرة قاموا بها وخاصة شفاء المرضىوبناءًا على تلك الآيات أقبل الناس على سماع كلامهم والإستجابة لهمإلا أن هذا لم يمنع كهنة اليهود ورؤساءهم من أن يتوعدوا التلاميذ ويتهددونهم ليتوقفوا عن الدعوةإلا أن ذلك التهديد لم يوقف حماس التلاميذ ونشاطهم في الدعوةوتتركز دعوة التلاميذ
[ ١٧٧ ]
وتعاليمهم: على وجوب التوبة والتعميد والإيمان بالمسيح عيسى ﵇ لتغفر لهم خطاياهم١ وهي الدعوة التي كان المسيح ﵇ يدعو إليها كما سبق بيانه.
ولم يكن في دعوتهم تصريح بألوهية المسيح ولا بنوته لله، بل أعلن "بطرس" كبيرهم فيما يذكر النصارى أمام اليهود في أول خطبة له عامه:"أن يسوع الناصرى رجل٢ قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضًا تعلمون"٣
بعد هذا ازداد حنق اليهود على التلاميذ فقبضوا على أحدهم ويسمى إستفانوس ورجموه بالحجارة حتى قتلوه٤ وقتلوا بعده آخر يسمى يعقوب أخو يوحنا٥ ثم اضطهدوا بقية الأتباع، حتى تشتت كثير منهم في سائر أنحاء اليهودية والسامرة، وكان التلاميذ إلى ذلك الوقت مقتصرين في دعوتهم على أبناء جلدتهم من اليهود، إلا أنهم رأوا أن غير اليهود يقبلون أيضًا دعوتهم، وقد انضم إليهم عدد من اليونانيين، فشجعهم هذا على تكثيف الدعوة بين الأجانب، فأرسلوا برنابا٦ إلى أنطاكية ليدعو الأجانب، فآمن بدعوته أيضًا العديد من الناس، وكان قد انضم إلى التلاميذ بولس "شاؤول
_________________
(١) ١ انظر سفر أعمال الرسل (٢/٣٨) . ٢ فصرح هنا بطرس بأن المسيح ﵇ رجل وليس ابن الله وأن ما أظهر من آيات إنما هي في حقيقتها صنع الله ﷿ أجراها على يديه. ٣ أعمال الرسل (٢/٢٢) . ٤ أعمال الرسل (٧/٥٨) . ٥ أعمال الرسل (١٢/٢) . ٦ سيأتي الحديث عنه عند ذكر إنجيل برنابا ص ٢١١.
[ ١٧٨ ]
اليهودي"١ فكُلِفَ هو وبرنابا بدعوة الوثنيين، فنجحا في دعوتهما نجاحًا كبيرًا، وحدث من جراء قبول الوثنيين اليونانيين وغيرهم للديانة النصرانية إشكال خطير، وهو أن بعض دعاتهم صاروا لا يلزمون من تنصر من الوثنيين بالتمسك بتعاليم الشرائع الموسوية، وعلى رأس هؤلاء بولس، وأما الدعاة الآخرون فكانوا يرون وجوب العمل بتعاليم الشريعة الموسوية ومن ضمنها الختان.
فحدث خلاف بينهم، اجتمعوا على إثره في مجمع في بيت المقدس، فقرروا عدم مطالبة الوثنيين بالالتزام بالشريعة، ويكتفى من ذلك بالإمتناع عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا"٢. هكذا ذكروا.
وينتهي بعد هذا خبر التلاميذ، ولا يعلم على التحديد ما حدث منهم ولا ما حدث عليهم، وإنما يمكن تتبع بولس في دعوته، وأنه نشط نشاطًا قويًا في دعوته فزار مدنًا عديدة في آسيا، ثم كان خاتمة مطافه في روما، وهذا آخر ما ذكره صاحب سفر الأعمال، ولا يعطينا عن خاتمة حياة بولس شيئا ولا يعرف النصارى على التحقيق عنها شيئًا.
ثالثًا: العصور اللاحقة لعصر تلاميذ المسيح إلى مجيء الإمبراطور قسطنطين
إن الحديث عن العصور المتقدمة من هذه الفترة يلفه الغموض الشديد ويكاد يكون الجهل بتلك الفترة جهلًا مطبقًا، وهي فترة من أكثر فترات التاريخ
_________________
(١) ١ سيأتي الحديث عنه بالتفصيل في فصل خاص انظر ص٣٠٩. ٢ أعمال الرسل (١٥/٢٩) .
[ ١٧٩ ]
النصراني غموضًا وأشدها صعوبة وخطورة، إذ أفرزت هذه الفترة وخاصة اللاحقة مباشرة لعصر التلاميذ بروز الأناجيل الكثيرة، التي ظهرت في وقت متقارب من تلك الفترة، وهي متضاربة تضاربًا شديدًا.١
كذلك برزت للوجود الأقوال المنحرفة الكثيرة عن المسيح وديانته، وهي أيضًا أقوال متضاربة متباينة،
يقول الكاتب النصراني حبيب سعيد متحدثًا عن تلك الفترة "ومع أنه من اليسير جمع نتف من هنا وهناك عن هذه الفترة- نهاية عصر الحواريين - إلا أن الأربعين سنة من ٧٠ إلى ١١٠م - تبقى أكثر فترات التاريخ المسيحي غموضًا وإبهامًا، وهو أمر يؤسف له، لأن هذه الفترة حفلت بكثير من معالم التغيير في الكنيسة نفسها، ولأن فيها برز كثيرون من دعاة المسيحية المجهولين بعد "بولس"، وظهر كثير من الأفكار التي حملها بلا شك المتنصرون الوثنيون من مصادر غير مسيحية وخاصة حول العقائد والممارسات المسيحية، مثل الأسرار، والأصوام وأشكال العبادة، ودستور الكنيسة نفسه خضع لبعض التعديلات"٢
ويميز هذه الفترة المتقدمة من تاريخ النصارى حادثة مهمة جدًا لعلها من أهم الحوادث التي وقعت على النصارى بعد رفع المسيح ﵇ ألا وهي حادثة تدمير بيت المقدس من قبل القائد الروماني تيطس سنة ٧٠م في عهد الإمبراطور "لوسباسيانوس" حيث قضى هذا القائد على اليهود في فلسطين
_________________
(١) ١ ستأتي دراسة مفصله للأناجيل عند الحديث عن مصادر النصارى ص ١٦٩ وما بعدها. ٢ تاريخ المسيحية (١/٤٧) .
[ ١٨٠ ]
وخاصة في القدس قضاءًا شبه تام بسبب ثورتهم ضد الرومان١.
ولاشك أن عملية القتل والإبادة هذه قد طالت أكبر عدد من النصارى في ذلك التاريخ، لأنه لم يكن هناك فرق بين اليهودي والمتنصر إبان تلك الفترة، كما أن البلاء والقتل والإبادة كان شبه عام لجميع المناطق التي يتواجد فيها اليهود في فلسطين خاصة والمناطق المجاورة لها.
ومن هنا فإن الحديث عن تلك الفترة فيه عسر واضح، إذ أنها حلقة مجهولة في تاريخ النصرانية، حتى إن نهاية أتباع المسيح ﵇ وكذلك بولس تعتبر مجهولة٢ بسبب ذلك البلاء الطويل الذي حل باليهود متتابعًا متلاحقًا من قبل الرومان، منذ رفع المسيح ﵇ إلى تدمير تيطس لبيت المقدس سنة ٧٠م، ثم استمر البلاء على من بقي منهم إلى التدمير الثاني في عهد الإمبراطور "أدريان" حيث تجمع مجموعة من اليهود وأمروا عليهم رجلًا يسمى "بركوكبا" وزعموا أنه المسيح المنتظر فخرج بهم على الرومان، فما كان من الإمبراطور الروماني "أدريان" حوالي عام ١٣٠م إلا أن أرسل حملة كبيرة وأمرها بتدمير جميع المحلات التي يمرون عليها، محلًا، محلًا، واستمر في ذلك سنتين حتى دمر بلاد اليهود، وقضى عليهم، وأعاد تدمير بيت المقدس وبنى محله هيكلًا للمشتري، معبود الرومان في ذلك الوقت، وحرم على اليهود الدخول إلى بيت المقدس إلا يومًا واحدًا في السنة بعد دفع غرامة مالية كبيره٣.
_________________
(١) ١ انظر تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ٣٨٠-٣٨٣. ٢ انظر تاريخ المسيحية ١/٣. ٣ انظر تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ٣٨٧.
[ ١٨١ ]
فلاشك أن أحداثًا جسامًا كهذه كانت سببًا من الأسباب المباشرة للانقطاع التاريخي البيَّن في تاريخ النصارى الذين كانوا في ذلك الوقت لا يتميزون عن اليهود بشيء خاصة لدى من هو خارج إطارهم مثل الرومان واليونان الوثنيين.
كما أن الثقل الديني والإلتزام بمبادئ المسيح ﵇ كان متمركزًا في بيت المقدس، وكان سبق أن حدث انقسام بين دعاة النصارى في مسألة شريعة موسى ﵇ ووجوب التزامها وإلزام المتنصرين من الوثنيين بها، وكان المحافظون على الشريعة والموجبون للإلتزام بها من المتبعين للمسيح من اليهود هم القوة الغالبة في ذلك الوقت.
إلا أن تدمير بيت المقدس وقتل اليهود وجه لهذه الفئة بالذات ضربة قاصمه، وأفسح المجال لبولس وأتباعه المنادين بإلغاء العمل بالشريعة الموسوية وفصلها عن ديانة المسيح ﵇ يقول حبيب سعيد "أما خراب أورشليم في الشرق إثر التمرد اليهودي سنة ٧٠م فكان له أثر عميق في المسيحية، وذلك لأنه قضى على الجماعات الفلسطينية، وتضخم أعداد متنصرى الوثنية، من العوامل التي جعلت كفاح "بولس" للتخلص من اليهودية الناموسيه الضيقه، غير ذي موضوع، وغدت أنطاكيه ورومية وبعدها أفسس أهم المراكز في تطور التاريخ المسيحي١".
والناظر في تاريخ تلك الفترة يجد أنها أفرزت افرازات خطيرة جدًا في الديانة النصرانية حيث ظهرت المذاهب والأقوال المختلفة والمتباينة في المسيح وديانته، نذكر منها:-
_________________
(١) ١ تاريخ المسيحية (١/٤٦) .
[ ١٨٢ ]
الغنوصية ١: وهو اسم يطلقه النصارى على فرق عديدة، تجمع في عقيدتها بين إلهين اثنين أو أكثر، وتبني مطالبها على المعرفة٢.
المارسيونية أو الماركونية: وهم أتباع مارسيون الذي ولد في آسيا سنة ٨٥م، وبعضهم يقول ١٢٠م، ومن معتقداته القول بإلهين: أحدهما إله اليهود، وهو في زعمه إله قاس شرس، وهو الذي خلق هذا العالم المادي. ومع ذلك فهو أقل مستوى من الإله الآخر الذي هو إله الرحمة والمحبة، حيث هو الإله الحقيقي المحتجب والذي ظهر في شخص المسيح، ويرى أن المسيح لم يمت على الصليب ولم يدفن ولم يقم من القبر، ولكنه اختفى فجأة ليبشر الموتى في الهاوية ثم رجع بعد ذلك ليقوم بعمله كالأب المحتجب في السماء.
المونتانية: وهي تنسب إلى رجل اسمه " مونتانس " ادعى النبوة بعد منتصف القرن الثاني الميلادي، وزعم أن الروح القدس يتكلم إليه، وتنبأ معه أيضًا امرأتان أعلنتا قرب نهاية العالم وقرب رجوع المسيح ﵇. ولكي يستعدوا لهذا المجيء أمرت المتنبئتان الناس بالكف عن الزواج وعن شرب الخمر وعن الأطعمة الشهية، وصاروا ينتظرون مجيء المسيح، حتى خرج مجموعة منهم إلى الصحراء لاستقبال المسيح، وكادوا أن يهلكوا من الجوع والعطش لولا أن السلطات أنقذتهم. وقد استمرت المونتانية قائمة إلى القرن الخامس الميلادي٣.
_________________
(١) ١ الغنوصية: كلمة يونانية تترجم بـ " العرفانية"، وهي فلسفة دينية صوفية. انظر: موسوعة الفلسفة (٢/٨٦) ٢ انظر فرق الغنوصية ومقالاتها في تاريخ الفكر المسيحي ١/٣٩٦. ٣ تاريخ الكنيسة (١/١٢٠) .
[ ١٨٣ ]
البنويون: وقولهم: أن المسيح إنسان ولد من مريم بطريقة إعجازية، وأن الله ﷿ في وقت تعميد المسيح تبناه ووهبه قوة لعمل المعجزات، واستمر بشرًا إنسانًا إلى أن صلب ثم مات، وقام من الموت، ورفع إلى السماء، وهم ينتظرون مجيئه ليخلص أتباعه من العار الذي أصابهم بسبب صلبه، وهم يتمسكون بالشريعة الموسوية١
الانتحالية أوالوحدوية: وهي عدة مذاهب نصرانية نادت بأن الله واحد وليس ثلاثة ولها مذاهب وأقوال منها:-
السابليوسية: نسبة إلى الكاهن سابليوس المتوفى سنة ٢٦١م وهو كما قيل عنه يعتقد: بأن الله واحد غير قابل للتجزئة وينكر الثالوث إلا أنه يرى أن الله الخالق تجسد بعد في صورة المسيح فصار إبنًا، فتألم وصلب ثم تحول بعد ذلك إلى الروح القدس الذي صار مرشدًا للتلاميذ. فعنده أن الله واحد قد أخذ هذه الأدوار الثلاثة كلها.
بولس السميساطي: وهو أسقف أنطاكيه الذي رُسِّم أُسقفًا لها سنة٢٦٠م، وكان يقول إن الله واحد، وأن كلمته وحكمته من صفاته، وأن هذه الصفة "الكلمه" حلَّت على المسيح الذي هو بشر ولد من مريم فحين حلَّت عليه الكلمة صار المسيح الفادي والمخلص، ورفعه الله مكافأة له، وأعطاه إسمًا فوق كل اسم.
الأريوسية: نسبة إلى الأسقف الليبي "آريوس" الذي درس على تلميذ بولس السميساطي وهو "لوقيانوس" وكان آريوس يعلم بأن الله إله واحد غير
_________________
(١) ١ تاريخ الفكر المسيحي (١/٤٩٠-٤٩٧) .
[ ١٨٤ ]
مولود أزلي، أما الإبن فليس أزليًا بل وجد وقت لم يكن الإبن فيه موجودًا، وهو خرج من العدم مثل غيره من المخلوقات حسب مشيئة الله، فهو ليس إلهًا، ولايملك شيئًا من الصفات الإلهية، إلا أن الله منحه مجدًا جعله فوق كل الخلائق.
وقد انتشرت الآريوسيه إنتشارًا عظيمًا، وهي التي انعقد مجمع نيقيه سنة ٣٢٥م بأمر الإمبراطور قسطنطين١ للنظر فيها وغيرها من المذاهب التي كان يتوزع إليها النصارى في ذلك الوقت٢.
فهذه المذاهب والأقوال المتباينة كانت منتشرة بين النصارى في ذلك الوقت، ولأتباعها نشاط قوي أيضًا، وكانت المواجهات القوية كثيرًا ما تحدث بينهم وبين من يخالفهم، وخاصة أتباع مذهب "بولس" الذي كان له تلاميذ وأتباع فيما يظهر أقوياء وذوي نشاط في دعوتهم، وقد استطاعوا أن يترأسو المراكز الدينية في ذلك الوقت، بعد سقوط عاصمة الديانة الأولى، وهي بيت المقدس، وتلك المراكز تمثلت في أنطاكيه، والإسكندريه، وروما، وكانت في الغالب في يد أتباع بولس، وقد كان من أولئك الأتباع:-
أسقف أنطاكيه إغناطيوس الأنطاكي الذي نصب أسقفًا لكنيسة أنطاكيه وذلك في سنة ٧٠م ٣.
وأسقف كنيسة روما إكلميندس الروماني الذي نصب فيما يظن من سنة
_________________
(١) ١ انظر الحديث عن هذا في الكلام على المجامع النصرانية ص٢٢١. ٢ انظر مرجعًا لهذه النحل كل من كتاب تاريخ الكنيسة لجون لوريمر (١/١٠٢-١٢٣) تاريخ الفكر المسيحي حنا الخضري (١/٥٩٢-٦٢٠) . ٣ تاريخ الفكر المسيحي ١/٤١٥-٤١٧، تاريخ المسيحية ١/٦١.
[ ١٨٥ ]
٩٢-١٠١م١.
وأسقف سميرنا (أزمير) بوليكاربوس: الذي قتل في اضطهادات الحاكم ماركوس أوريليوس سنة ١٥٦م٢.
وأسقف ليون ايريناوس: الذي يعتقد أنه توفي بين سنتي ١٩٠-٢٠٢م٣.
جاستين- يوستينوس مارتر الذي فتح مدرسة في روما ثم أعدم في سنة ١٦٥م٤.
واكلميندس الإسكندري: الذي ولد سنة ١٥٠م في بلاد اليونان ثم انتقل إلى الإسكندرية حيث التحق بمدرستها التي تدعى "مدرسة التعليم المسيحي٥" وتولى إدارتها ويعتقد أنه توفي سنة ٢١٥م٦
وإريجانوس المصري: الذي ولد حوالي ١٨٥م في الإسكندرية، وتولى إدارة المدرسة اللاهوتية فيها بعد مديرها السابق، توفي في صور سنة ٢٥٣م٧.
وإثناسيوس: الذي نُصِّبَ أسقفًا على الإسكندرية سنة ٣٢٨م خلفًا
_________________
(١) ١ تاريخ الفكر المسيحي (١/٤٢٠) . ٢ تاريخ الفكر المسيحي (١/٤٢٦)، تاريخ المسيحية (١/٩٨) . ٣ تاريخ الفكر المسيحي (١/٤٣١) تاريخ المسيحية (١/١٣١) . ٤ تاريخ الفكر المسيحي (١/٤٤٤) تاريخ الكنيسه (١/٩٨) . ٥ هذه المدرسه أسسها فيما يقال باتينوس الذي كان وثنيًا رواقيًا قبل المسيحية وقد أسس مدرسة الإسكندرية اللاهوتية سنة ١٧٩م وقام بالتعليم فيها. انظر تاريخ المسيحية (١/١٢٧) تاريخ الفكر المسيحي (١/٥٠١) . وهذه المدرسة كان لها الدور الأكبر بعد في الوقوف في وجه دعوة اريوس عن طريق الاسقف الإسكندروس ثم اثناسيوس. ٦ تاريخ الفكر المسيحي (١/٥٠٠) تاريخ المسيحية (١/١٣٨) . ٧ تاريخ الفكر المسيحي (١/٥٣٩) تاريخ المسيحية (١/١٣٨) .
[ ١٨٦ ]
لإسكندروس، واللذان كان لهما أكبر الأثر في تحريف دين المسيح ﵇ بترسيخ عقيدة ألوهية المسيح في مجمع نيقيه الذي دعا إليه الإمبراطور قسطنطين سنة ٣٢٥م ونبذ دعوة التوحيد التي كان يتزعمها آريوس الليبي١.
وكانت هذه المواجهات بين المختلفين من دعاة النصارى وأساقفتهم تنتهي في الغالب بالدعوة إلى مجمع من المجامع، الذي يعلن في نهايته بحرمان من قصد حرمانه وطرده من الشركة النصرانية٢ وفي الغالب لا ينصاع المطرود والمحروم لتلك القرارات، بل يستمر في نشر تعاليمه٣.
ومن المعلوم أن النصارى في تلك الفترة لم تكن لهم دولة، ولم يقم لهم تجمع متكامل بحيث يمكن أن يقال عنهم أنهم أمة مجتمعه، بل كانوا أول الأمر يعيشون بين بني جنسهم اليهود ثم بين الوثنيين، وهذا جعلهم في حالة من البلاء والعذاب شديدة، فحين كانوا بين بني جنسهم اليهود كانوا يُضْطَهدون لأن اليهود اعتبروهم خارجين عن شريعتهم، وفي نفس الوقت يضطهد الجميع الرومان الوثنيون الذين كانوا لا يعرفون فرقًا بين اليهودي والنصراني، لهذا فقد كان لثورات اليهود على الرومان أسوأ الأثر على النصارى، وبعد القضاء على اليهود وطرد من بقي منهم خارج فلسطين واجه النصارى الذين كانوا بين الوثنيين إضطهادًا شبه متواصل من قبل حكام الرومان الوثنيين٤ استمر قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تولى الإمبراطور قسطنطين عرش
_________________
(١) ١ تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٤٢) تاريخ المسيحية (١/١٥٢) . ٢ مقصدهم بذلك الحكم بانحرافه عن الدين والحكم عليه بالكفر وإخراجه من الجماعة. ٣ انظر تاريخ الفكر المسيحي (١/٤٨٠) في موقف الكنيسة من المارسيونيه، وفي (١/٦٠٦-٦٠٨) في الموقف من بولس السميساطي، وفي (١/٦٣٢) في موقف الكنيسة من الآريوسيه. ٤ انظر فصل عوامل تحريف رسالة المسيح ص٣٠٦.
[ ١٨٧ ]
روما، فأوقف الاضطهاد بمرسوم ميلان سنة ٣١٣م١، وابتدأ النصارى منذ ذلك التاريخ، يظهرون على السطح، وبدأت ديانتهم تنتشر انتشارًا فعليًا على حساب الوثنية التي كانت تدين بها أكثر الشعوب في ذلك الوقت، إلا أن النصرانية نفسها في هذه الفترة المتأخرة قد وصلت إلى الوثنيين وقد أثرت في كثير من دعاتها السنون العجاف المتطاولة التي مرت بهم، فانحرفوا عن دين المسيح ﵇ وجعلوه دينًا وثنيًا يقوم على تأليه ثلاثة آلهة في ثلاثة أقانيم يزعمون أنها إله واحد، ويعتمدون في شرح الديانة وتفصيل العقيدة على الفلسفة، وخاصة الأفلاطونية الحديثة والرواقية، وكان من يسمون بالمدافعين عن النصرانية في تلك العهود جلهم قد درس الفلسفة الوثنية، وربما كان تابعًا لها فترة طويلة ثم تحول إلى النصرانية بفلسفته وسابق تصوراته٢ فهذا كله جعل الوثني لا يجد فرقًا كبيرًا بين ما كان يعتقد وما يدعوا إليه النصارى.
وكان لتنصر أباطرة الرومان وأولهم قسطنطين أكبر الأثر في انتشار النصرانية في الدولة الرومانية المترامية الأطراف - والناس على دين ملوكهم- إلا أن تنصر الأباطرة قد جعل النصارى يواجهون مشكلة كبرى وهي وصاية الأباطرة على الديانة وتعاليمها، حيث صارت بعد ذلك في يد الأباطرة الرومان الذين يسيرون العقائد النصرانية وفق أهوائهم، فينصرون من المذاهب ما يتفق مع أهوائهم، فإذا كان هناك أحد يدعوا إلى تعاليم لا يميلون إليها فإنهم يطلبون من النصارى عقد مجمع ويوعز إليهم بطرد ولعن من لا يرغبون، يقول حبيب سعيد: " وباحتضان الإمبراطورية للكنيسة، تعرضت القوى الروحية في
_________________
(١) ١ انظر تاريخ الكنيسة (٢/١١٩) . ٢ انظر تأثير الفلسفة الوثنية على النصرانية ص٣١٧.
[ ١٨٨ ]
الكنيسة لخطر الإختناق والفناء - وغدا تنفيذ القانون الكنسي، واستدعاء المجالس العامة وتنفيذ قرارتها، وتعيين الأساقفة في المراكز الهامة، وحق الإختصاص الأعلى للمحاكم الروحية، والقول الفصل في المشاكل الجدلية والتي قد تنشأ حول العقائد، غدت كلها من الحقوق التي طالبت بها الدولة الرومانية وأصرت على انتزاعها من السلطات الدينيه"١.
يؤكد لنا هذا التسلط ويوضحه أن الذي دعا إلى مجمع نيقيه سنة ٣٢٥م هو الإمبراطور قسطنطين وكان حاضرًا في ذلك المجمع وقرر فيه أُلوهية المسيح وطرد أريوس وجماعته، ثم صدق بعده بعشر سنوات على قرارات مجمع صور التي فيها إعادة أريوس إلى الكنيسة وطرد إثناسيوس الذي كان وراء إقرار الوهبة المسيح ﵇.
ثم دعا كل من الإمبراطور الغربي قسطنطين الثاني والإمبراطور الشرقي قسطنديوس إلى مجمع في مدينة سارديكا سنة ٣٤٣م بغرض توحيد النصارى، لكن النصارى لم يتفقوا وخرجوا أشد اختلافًا وتفرقًا.
ثم بعد مقتل الإمبراطور قسطنطين الثاني دعا الإمبراطور قسطنديوس إلى مجمع ميلانو سنة ٣٥٥م وطلب من الأساقفة إصدار حكم بخلع اثناسيوس، ووقعت الأغلبية على ما أراد، ثم دعا ذلك الإمبراطور أيضًا إلى مجمعين في نفس الوقت مجمع في تركيا ومجمع في إيطاليا سنة ٣٥٩م وأمر الذين يشرفون على مجمع إيطاليا بإرغام المجتمعين على التوقيع على قرار المجمع الذي يوافق نوعًا ما مذهب الآريوسيين الذين يسمون "الأريوسيين المعتدلين".
_________________
(١) ١ تاريخ المسيحية (١/١٤٤) .
[ ١٨٩ ]
كما استخدم القوة العسكرية من أجل إرغام المجتمعين في تركيا على التوقيع، ثم جاء الإمبراطور ثيود وسيوس وكانت ميوله ضد الأريوسية١ فدعا إلى مجمع القسطنطينة سنة ٣٨١م، وقرر المجمع العودة إلى قانون الإيمان النيقوي٢ وزادوا عليه: ألوهية الروح القدس واعتبار الأريوسيه ضد القانون الروماني٣، وهو المذهب الذي عليه الغالبية العظمى من النصارى إلى الآن.
وهكذا نجد أن النصرانية صارت ألعوبه بيد أباطرة الرومان يسيرونها وفق أهوائهم ورغباتهم إلى أن سقطت الدولة الرومانية أمام هجمات القبائل القادمة من الشرق والشمال الشرقي التي استولت على روما سنة ٤١٠م٤.
وبهذا نكون قد عرضنا في هذا المبحث التاريخ النصراني المبكر بشكل مختصر، ولعله يكون وافيًا بالغرض، ولابد أن نبين هنا أن انتصار أتباع بولس ومذهبه قد جعل مصادر دارسي مثل هذه الموضوعات تعتمد عليهم، فهم الذين نقلوا كل هذه المعلومات عن معلميهم، وعن الفرق الأخرى ومعلميها، لذا فإن الحكم على صحة المعلومات عن تلك الفرق وأولئك الناس وخاصة في مجال العقيدة لا يكون صحيحًا دقيقا إلا في حالة الاطلاع على كلام صاحب المقالة أو كلام تلاميذه وأتباعه عنه فعلى المطالع لذلك الانتباه في هذا الموضوع والحذر.
والله تعالى أعلم
_________________
(١) ١ انظر تاريخ الكنيسة (٣/١٠٩) . ٢ انظر قانون الإيمان ص٢٢١ عند الحديث عن مجمع نيقيه. ٣ انظر تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٤٦-٦٦٤) تاريخ الكنيسة (٣/١١١) . ٤ انظر تاريخ الكنيسة (٣/١٤٠) .
[ ١٩٠ ]
*
الفصل الثاني: مصادر النصرانية
النصارى يستمدون عقائدهم وتشريعاتهم ومعارفهم الدينية من مصدرين أساسيين هما:
أولًا: الكتاب المقدس. ثانيًا: المجامع النصرانية. وسنتحدث عن كل واحد منهما في المباحث التالية:-
[ ١٩٣ ]
*
المبحث الأول: الكتاب المقدس:
النصارى يقدسون كلا من العهد القديم والعهد الجديد ويضمونها معًا في كتاب واحد يطلقون عليه اسم " الكتاب المقدس ".
والعهد القديم: هو التوراة مع الكتب الملحقة بها١،وقد سبق ذكرها وتعريفها.
أما العهد الجديد: فهو مجموعة من الأناجيل والرسائل الملحقة بها وتتضمن حسب المدون فيها: دعوة المسيح ﵇، وتاريخه، وشيئًا من دعوة أوائل النصارى، وتاريخهم، ورسائل دينية أخرى، وهي على الترتيب:-
١- إنجيل متى
٢- إنجيل مرقص
٣- إنجيل لوقا
٤- إنجيل يوحنا
٥ - أعمال الرسل
٦- رسالة بولس إلى أهل روميه
٧- رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس
٨- رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس
٩- رسالة بولس إلى غلاطيه
١٠- رسالة بولس إلى أفسس
١١-رسالة بولس إلى أهل فيلبي
١٢- رسالة بولس إلى أهل كولوسى
١٣- رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي
١٤- رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي
١٥-رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس
١٦- رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس
١٧- رسالة بولس إلى تيطس
١٨- رسالة بولس إلى فليمون
١٩- الرسالة إلى العبرانيين
٢٠- رسالة يعقوب
٢١- رسالة بطرس الأولى
٢٢- رسالة بطرس الثانية
_________________
(١) ١العهد القديم بالنسبة للنصارى منسوخ حكمًا فلا يعملون بشيء من تشريعاته، وقد ألغي العمل به بولس إلاّ أنهم يعتقدون قداسته ويستفيدون منه معارفهم الدينية مثل المعلومات المتعلقة بخلق السموات والأرض، وخلق آدم، وقصص الأنبياء، كما يقتبسون منه كثيرًا من الأدعية في صلواتهم وخاصة من المزامير، التي تتضمن كثيرًا من الأدعية والابتهالات.
[ ١٩٥ ]
٢٣- رسالة يوحنا الأولى
٢٤- رسالة يوحنا الثانية
٢٥- رسالة يوحنا الثالثة
٢٦- رسالة يهوذا
٢٧- رؤيا يوحنا اللاهوتي
وسنكتفي في هذه الدراسة الموجزة ببيان حال الأناجيل من ناحية ثبوتها وصحة نسبتها إلى من تنسب إليه، وهل يصح اعتبارها كتبًا مقدسة أم لا ١؟.
_________________
(١) ١ الرسائل الملحقة بالأناجيل هي في الحقيقة أقل حالًا من ناحية صحة نسبتها إلى من تنسب إليه وإن كان لها في الواقع الدور الأكبر في تشكيل الديانة النصرانية وخاصة رسائل بولس.
[ ١٩٦ ]
المطلب الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة
تمهيد:-
الإنجيل كلمة يونانية تعني الخبر الطيب١ (البشارة) .
والإنجيل عند المسلمين: هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على
عيسى ﵇ فيه هدى ونور. قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ المائدة آية (٤٦) .
وقد دعا المسيح ﵇ بني إسرائيل للأخذ بالإنجيل والإيمان به، فقد جاء في إنجيل مرقص (١/١٤): "وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
وقد ذكر هذا الإنجيل أوائل النصارى ودعوا إلى الإيمان به، وفي هذا يقول سفر أعمال الرسل ٨/٢٥ عن بطرس ويوحنا في دعوتهما للسامريين من اليهود "وكما شهدا وتكلما بكلمة الرب رجعا إلى أورشليم وبشرا بالإنجيل في قرى كثيرة للسامريين"٢
_________________
(١) ١ قاموس الكتاب المقدس ص ١٢٠. ٢ هذا النص مأخوذ من نسخة الكتاب المقدس المطبوعة في لبنان عام ١٩٩٢م بعناية اغناطيوس زيادة/ دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، أما النسخة المعربة عن العبرانية التي استخدمها في العادة والمكتوب عليها "دار الكتاب المقدس في القاهرة" وهي النسخة البروتستانتية لا يوجد فيها كلمة الإنجيل في هذا الموضع.
[ ١٩٧ ]
وذكره بولس أيضًا في رسائله، مثل قوله في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي (٢/٢) "جاهرنا في إلهنا أن نكلمكم بإنجيل الله في جهاد كثير لأن وعظنا ليس عن ضلال ولا عن دنس ولا بمكر، بل كما اسْتُحْسِنا من الله أن نؤتمن على الإنجيل هكذا نتكلم ثم يقول -: فإنكم أيها الأخوة تذكرون تعبنا وكدنا إذ كنا نكرز لكم بإنجيل الله.." ١.
فإذًا الإنجيل كان كتابًا موجودًا ومعروفًا لدى النصارى الأوائل بأنه إنجيل الله أو إنجيل المسيح، إلا أن هذا الإنجيل لا نجده بين الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى اليوم: فأين هو؟ ٢
_________________
(١) ١ وانظر أيضًا ذكره للإنجيل في رسالته إلى أهل روميه (١/١،٩،١٦) ورسالته الأولى إلى تيموثاوس (١/١١) . ٢ يزعم بعض النصارى أن المسيح لم ينزل عليه شيء ولم يترك كتابًا مكتوبًا، وذكروا أن الأناجيل كان مبدؤها من الأجيال اللاحقة للمسيح، وذكروا أن المراد بالإنجيل في كتبهم هو إعلان مجد الله الذي هو في زعمهم تجسد المسيح - انظر المدخل إلى العهد الجديد ص ٧٦-٧٨، أديان العالم ص٢٥٧. وهذا منهم ذر للرماد في العيون من أن تبصر الحقيقة، وهي أن النصارى ضيعوا الإنجيل الأصلي، واستبدلوه بأناجيل فيها شيء من الحق وكثير من الباطل، فهل من المعقول أن يترك المسيح أتباعه بدون أن يسلمهم تعاليم يهتدون بها وهم في وسط ذلك الوضع الذي كانوا فيه بين اليهود الحاقدين المعاندين وبين الرومان وغيرهم من الوثنيين الجاهلين، ثم إن ما تدعيه النصرانية في المسيح ﵇ من الدعاوى يحتاج إلى أدلة كتابية من صاحب الدعوى نفسه لا من غيره، لأن المؤمنين إنما يؤمنون بكلام النبي الذي يثقون به لا كلام غيره من الناس، إذ أن غيره قد يفهم عنه خطأً أو يهم أو ينسى أو غير ذلك من العوارض البشرية، كما أن معنى ذلك أن تلاميذ المسيح أو تلاميذ تلاميذه أصح من المسيح رأيًا وانصح منه للخلق إذ كتبوا ودونوا واهتموا بالكتابة حتى يمكن لتعاليمه أن تنتشر لأنه بدون الكتابة لا يمكن لديانة أن تنتشر وتظهر، فهل يليق أن يقال ذلك عن المسيح الذي هو في زعمهم رب وإله؟!
[ ١٩٨ ]
على النصارى أن يجيبوا على هذا السؤال، أو يعترفوا بأنهم فقدوه في زمن مبكر من تاريخهم، ولعل هذا هو الأرجح. إذ يقول الله ﷿: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ المائدة آية (١٤) .
وقد صار عند النصارى بدل الإنجيل الواحد أربعة أناجيل يجعلونها في مقدمة كتابهم العهد الجديد، ولا ينسبون أيًا منها إلى المسيح ﵇، وإنما هي منسوبة إلى متى ومرقص ولوقا ويوحنا - الذي يزعم النصارى أن اثنين منهم من الحواريين وهما متى ويوحنا، والآخران أحدهما مرقص تلميذ بطرس، والآخر لوقا تلميذ بولس في زعمهم.
وهذه الأناجيل تحوي شيئًا من تأريخ عيسى ﵇ حيث ذُكِرَ فيها ولادته، ثم تنقلاته في الدعوة، ثم نهايته بصلبه وقيامته في زعمهم، ثم صعوده إلى السماء.
كما تحتوي على مواعظ منسوبة إليه وخطب ومجادلات مع اليهود ومعجزات كان يظهرها للناس دليلًا على صدقه في أنه مرسل من الله، فهذه الأناجيل أشبه ما تكون بكتب السيرة، إلا أن بينها إختلافات ليست قليلة، وبعضها إختلافات جوهرية لا يمكن التوفيق بينها إلا بالتعسف كما سيتبين.
[ ١٩٩ ]
والقارئ لهذه الأناجيل الأربعة يستطيع بسهولة أن يدرك أن ما ورد فيها من دعوة وخطب ومواعظ ومجادلات تعود إلى مطلبين أساسيين، هما:
١- الدعوة إلى التوبة والعمل بما جاء في الشريعة التي أنزلت على موسى ﵇.
٢- التبشير بقرب قيام مملكة الله التي يتحقق فيها العدل والمساواة١.
_________________
(١) ١ انظر: المسيحية نشأتها وتطورها: شارل جنيبر ص ٤٩، النصرانية والإسلام محمد عزت الطهطاوي ص ١٤.
[ ٢٠٠ ]
أولًا: تاريخ الأناجيل الأربعة إجمالًا:
قبل الحديث عن تاريخ الأناجيل الأربعة لدى النصارى لابد من بيان: أن الكتب الدينية لها مكانة عظيمة لدى أتباعها، ولها دور خطير في الحياة، إذ يعتمد عليها في توضيح الطريق إلى سعادة الدنيا وفوز الآخرة. فلهذا يجب أن تكون الكتب ثابتة الإسناد إلى أصحابها الذين هم رسل الله والمبلغون عن الله ﷿، فإذا لم تكن كذلك فإنها تفقد قيمتها، إذ تكون عرضة للتحريف والتبديل من قبل أصحاب الأهواء والمقاصد الخبيثة، أو من قبل العوارض البشرية كالنسيان، وقلة العلم، والوهم ونحو ذلك.
فصحة الإسناد بعدالة رواة الأخبار وضبطهم وعدم انقطاعه هو السبيل الذي يمكن به وصول هذه الكتب إلى الناس سليمة صحيحة كاملة، فيتعرف الناس على الحق من خلالها.
وإذا نظرنا في كتب الحديث عند أهل الإسلام والتي تتضمن أقوال نبينا محمد ﷺ وأفعاله وتقريرا ته وجميع ما يتعلق به، عرفنا الجهد العظيم الذي بذله أولئك الأئمة في المحافظة على حديث رسول الله ﷺ سليمًا صحيحًا، حيث يستطيع المسلم في القرن الخامس عشر الهجري أن يعرف صحة الحديث من عدمها.
وإذا بحثنا في التاريخ لدى النصارى عن إسناد لهذه الأناجيل إلى من تنسب إليه لا نجد من ذلك شيئًا البتة لا قليلًا ولا كثيرًا. ورسائل بولس وكذلك الرسائل الأخرى وأعمال الرسل ليس في شيء منها إشارة إلى واحد من هذه الكتب الأربعة، الأمر الذي يترتب عليه أن هذه الكتب لم تكن معروفة
[ ٢٠١ ]
في ذلك الزمن ولم يطلع عليها أحد منهم، وفي هذا دلالة قوية على أن نشأة هذه الكتب وظهورها كان متأخرًا عن هذه الرسائل، بخلاف إنجيل الله أو إنجيل المسيح فقد ورد ذكره في كلام بولس مرارًا عديدة، كما ورد ذكره في إنجيل مرقص، وأعمال الرسل مما يدل على وجوده وأنه معروف معلوم١.
وقد حاول النصارى أن يجدوا لهذه الكتب إسنادًا أو إخبارًا عنها في كلام متقدميهم يتفق مع الزمن الذي يزعمون أنها كتبت فيه، وهو الربع الأخير من القرن الأول الميلادي على أكثر تقدير. إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، مما اضطرهم إلى الاعتراف بأن هذه الكتب لم تعرف إلا بعد موت من تنسب إليه بعشرات السنين، فتكون نسبتها إلى أولئك الناس نسبة لا تقوم على أدنى دليل، وإليك بعض كلام النصارى في هذا الأمر:
يقول القس فهيم عزيز الأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية: "لكن قانونية٢ أسفار العهد الجديد لم تتم في وقت واحد ولم يكفها جيل أو جيلان بل استمرت مدة طويلة، ولم تقف الكنائس المختلفة موقفًا موحدًا من الأسفار المختلفة، بل إختلفت آراؤها من جهة بعض الأسفار واستمرت في ذلك حقبة طويلة، فلهذا فيلزم تتبع هذا التاريخ الطويل لقانونية أسفار العهد الجديد.
الكنيسة الأولى: يوم الخمسين ٣ -١٠٠م:
من المعلوم جيدًا أنه لم تكن في تلك الفترة كتب مقدسة تسمى العهد
_________________
(١) ١ سبق ذكر ذلك ص ١٧١. ٢ ذكر الدكتور القس فهيم عزيز أن المراد بكلمة "القانون" هو الكتاب الذي اعترفت به الكنيسة، فقانونية العهد الجديد أي اعتراف الكنيسة بالعهد الجديد. ٣ يوم الخمسين: هو من الأعياد اليهودية، ويزعم النصارى أن الروح القدس بعد رفع المسيح حل على الحواريين في يوم الخمسين فتكلموا بلغات كثيرة، ويتخذ النصارى ذلك اليوم عيدًا يسمونه عيد العنصره. انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٣٥٠.
[ ٢٠٢ ]
الجديد١، ولكن الكنيسة لم تمكث بدون مصادر إلهية تستند عليها في كل شيء من وعظ وتعاليم وسلوك ومعاملات، وقد كان لها في هذا المجال ثلاثة مصادر".
ثم ذكر أن المصادر الثلاثة هي: العهد القديم، المسيح، الرسل، ثم قال:
" ثانيًا: ١٠٠-١٧٠م ظهور الكتب القانونية في العهد الجديد:
كانت أول مجموعة عرفتها الكنيسة من العهد الجديد هي مجموعة رسائل بولس. فهي أول ما جمع من كل كتب العهد الجديد ٢، ولقد كتب بولس رسائله إلى كنائس وأفراد لظروف خاصة ومواقف محدده..
ثم قال: أما المجموعة الثانية: فهي مجموعة الأناجيل الأربعة، وقد ظهرت هذه المجموعة متأخرة بعض الوقت عن مجموعة كتابات بولس. ومع أن تاريخ إعتبارها كتبًا قانونية مقدسة متساوية في ذلك مع كتب العهد القديم لا يزال مجهولًا٣، لكن الاقتباسات العديدة التي وجدت في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين وشهاداتهم تلقى بعض الضوء على هذه الحقيقية الجوهرية في العصر المسيحي ويلاحظ الدارس الأمور الآتية:
_________________
(١) ١ مراده أنه إلى نهاية عام ١٠٠م ليس هناك ما يعرف بالعهد الجديد، أي أن الأناجيل والكتب الأخرى غير معروفة في ذلك الزمن، وإنما كتبت ودونت بعد ذلك. ٢ إن انتشار رسائل بولس وتداولها قبل الأناجيل له معنى خطير، وهو أنه أملي على الناس ما يعتقدون من خلال رسائله، فتكون الأناجيل كتبت بعد أن تشبع أصحابها بالعقيدة البولسية. ٣ يقصد أنه لا يعرف متى صارت هذه الأناجيل والرسائل مقدسة لدى النصارى.
[ ٢٠٣ ]
١- أن بولس لم يشر في كتاباته إلى أي من الأناجيل المكتوبة ولا إلى أي كتاب عن حياة المسيح أو أقواله.." ١
ثم ذكر المصنف سبع نقاط أخرى أورد في بعضها إقتباسات لمتقدمين من النصارى تتوافق في بعضها مع ما ورد في بعض الأناجيل بدون النص على اسم الإنجيل. ٢
وأهم ما ذكره من الملاحظات هي قوله في الملاحظتين السابعة والثامنة:
٧- أما جاستن أو يوستينوس الشهيد٣ الذي كان سامريًا يونانيًا وتحول إلى المسيحية ودرس في روما واستشهد حوالي ١٦٥ م فيؤخذ من كتاباته أنه قد عرف الأناجيل الأربعة مرتبطة معًا، مع أنه لم يكشف النقاب عمن جمعها ولا في أي مكان جمعت، وهو يصفها عندما يذكرها في دفاعه ضد الوثنيين بأنها الذكريات، ولكنه عندما كان يكتب للمسيحين كان يقول عن الرسل٤: "هم أولئك الذين كتبوا ذكرياتهم عن كل الأشياء
_________________
(١) ١ سبق بيان أن بولس ذكر مرارًا إنجيل الله كما سبق التعليق على نحو كلام القسيس هنا انظر ص ١٧١-١٧٢. ٢ مراده بالإقتباسات هنا: ورود بعض العبارات في كتب المتقدمين تتفق مع ما يوجد في الأناجيل، إلا أن هذا ليس دليلًا على وجود تلك الأناجيل في تلك الفترة، واطلاع أولئك الكتاب الذين اقتبسوا تلك الجمل والعبارات عليها إلا باحتمال ضعيف، والإحتمال الأقوى هو أن الجميع كانوا يأخذون من مصدر واحد كان متوفرًا ومبثوثًا في كتب عديدة، أو أن الروايات الشفوية كانت منتشرة يحفظ هذا منها قليلًا وذاك منها قليلًا. وهذا أمر آخر غير ما يدعي في الأناجيل. ٣ سيأتي التعريف به في عوامل تحريف رسالة المسيح ﵇. ٤ يلاحظ هنا أن النصارى يستخدمون كلمة الرسل يعبرون بها عن دعاة النصارى الأوائل باعتبار أنهم رسل ربهم المسيح أو رسل الروح القدس.
[ ٢٠٤ ]
التي تختص بيسوع المسيح المخلص." ثم يقول مرة أخرى "الذكريات١ التي عملها الرسل التي تسمى الأناجيل "٢.
٨- أما الشاهد الأخير فهو "الديا طسرن" الذي كتبه "تاتيان"٣، وأراد أن يجمع فيه الأناجيل الأربعة معًا في إنجيل واحد، وقد أضاف تاتيان هذا بضعة كلمات للمسيح لا توجد في هذه الأناجيل، ولكنها أخذت من كتب أبوكريفيه٤ أخرى، وهو بذلك يشهد أن الأربعة الأناجيل وجدت معًا، ولكن إضافاته مجرد إقتباسات لا تدل على أنه كان يعتبر أن هناك كتبًا أخرى تضارعها في سلطانها وقداستها٥"٦.
وبعد هذا النقل عن أحد القسس المتعمقين والمتخصصين في دراسات العهد الجديد، ننقل كلام مجموعة من المتخصصين النصارى عن أناجيلهم وذلك
_________________
(١) ١ قوله هنا "الذكريات" لها دلالة واضحة في أن ما كتب كان قد مضى عليه زمنًا طويلًا، فاحتمال النسيان والخطأ وعدم الدقة في نقل الألفاظ والأحداث، إلى غير ذلك وارد فيها مما لا يجعلها أهلًا أن تكون كتبًا مقدسه يهتدي بكل تشريع فيها ويصدق كل حدث ورد بها. ٢ هذا الشهادة لا قيمة لها لأن جاستن لم ينص على اسم واحد من الأناجيل الأربعة، كما أن الفترة التي يتحدث عنها الكاتب كان فيها لدى النصارى عشرات الأناجيل التي تنسب إلى من يزعم النصارى أنهم تلاميذ المسيح، وقد رفضها النصارى فيما بعد عدا الأناجيل الأربعة، فإذًا احتمال أنه يشير إلى غير هذه الأربعة المعروفة احتمال قوي. ٣ سيأتي التعريف به في فصل عوامل انحراف النصرانية. ٤ أبوكر يفيه: أي غير قانونية ولا معترف بها. انظر قاموس الكتاب المقدس ص ١٨. ٥ تناقض القسيس في كلامه هنا، فهو من قبل زعم أنه لا يعرف تاريخ اعتبار الأناجيل الأربعة قانونية ومقدسة، وهو هنا يزعم أن تاتيان كان يرى قداسة الأناجيل الأربعة وأن غيرها لا يضارعها في ذلك. وهذا تناقض واضح. ٦ المدخل إلى العهد الجديد. دار الثقافة المسيحية. مطبعة دار الجيل مصر. ص ١٤٦-١٥٢.
[ ٢٠٥ ]
في المدخل إلى العهد الجديد١ قالوا في التعريف بتأريخ وقانونية العهد الجديد ما يلي:
" لقد سيطرت على المسيحيين الأوائل فكرة، تناقلتها الألسن شفاهًا - تعلن إنتهاء هذا العالم سريعًا وعودة المسيح ثانية إلى الأرض ليدين الناس، وكان من بين نتائج هذا المعتقد أن توقف التفكير في تأليف كتابات مسيحية تسجل أخبار المسيح وتعاليمه، فتأخر لذلك تأليف الأناجيل، إذ لم يشرع في تأليف أقدمها - وهو إنجيل مرقس الذي لم يكن قط من تلاميذ المسيح - إلا بعد بضع عشرات من السنين، لقد كانوا يؤمنون بنهاية العالم وعودة المسيح سريعًا إلى الأرض: قبل أن يكمل رسله التبشير في مدن إسرائيل وهي عملية لا تستغرق أكثر من عدة أشهر أو بضع سنين على أكثر تقدير
"الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان" متى ١٠/٢٣".
- وقبل أن يموت عدد من الذين وقفوا أمامه يستمعون إلى تعاليمه ومواعظه. وهي فترة يمكن تقديرها دون خطأ يذكر في حدود خمسين عامًا على أقصى تقدير:
"الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن
_________________
(١) ١ هذا ليس هو الكتاب السابق وإنما هو توافق في المسمى، والمراد بـ "المدخل إلى العهد الجديد" هنا هو المقدمة التي يجعلها النصارى في بعض الأحيان مقدمة كتابهم المقدس للتعريف به، وهذه المعلومات مأخوذة من مدخل إلى العهد الجديد للكاثوليك وعنوانه " العهد الجديد" منشورات دار المشرق- بيروت ١٩٨٥- الطبعة العاشرة اعتماد: "بولس باسيم" النائب الرسول للاتين" وقد نقلت النص بواسطة من الكتاب القيم "إختلافات في تراجم الكتاب المقدس" لأحمد عبد الوهاب. وذلك لعدم تمكين من الحصول على طبعة الكتاب المقدس التي تحتوي على تلك المعلومات.
[ ٢٠٦ ]
الإنسان آتيًا في ملكوته" متى (١٦/٢٨)
- وهو يعود ثانية إلى الأرض قبل أن يفنى ذلك الجيل الذي عاصر المسيح، وهي فترة لا تتجاوز أقصى ما قدرناه، أي خمسين عامًا:
"الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" متى (٢٤/٢٤) .
ومعلوم أن ذلك كله لم يحدث، إذ لا يزال الكون قائمًا، وبنو آدم يعيشون في عالمهم الدنيوي حتى يأتي أمر الله، هذا - ولما بردت الحمية التي أثارتها فكرة عودة المسيح سريعًا إلى الأرض، ظهرت الحاجة ماسة إلى تدوين الذكريات عنه وعن تعاليمه، ومن هنا كانت النواة لتأليف أسفار – ما صار يعرف فيما بعد باسم - العهد الجديد، وهي الأسفار التي لم يعترف بشرعيتها إلا على مراحل وعلى امتداد أكثر من ثلاثة قرون.
إن كلمة "قانون" اليونانية مثل كلمة "قاعدة" في العربية قابلة لمعنى مجازي يراد به قاعدة للسلوك أو قاعدة للإيمان، وقد استعملت هنا للدلالة على جدول رسمي للأسفار التي تعدها الكنيسة ملزمة للحياة وللإيمان.
ولم تندرج هذه الكلمة بهذا المعنى في الأدب المسيحي إلا منذ القرن الرابع١، كانت السلطة العليا في أمور الدين تتمثل عند مسيحي الجيل الأول في مرجعين.
أولهما: العهد القديم، وكان الكتبة المسيحيون الأولون يستشهدون بجميع أجزائه على وجه التقريب إستشهادهم بوحي الله.
_________________
(١) ١ أي أن الأناجيل الأربعة لم يكن معترفًا بها إلا في القرن الرابع الميلادي.
[ ٢٠٧ ]
وأما المرجع الآخر الذي نما نموًا سريعًا، فقد أجمعوا على تسميته: الرب١.
ولكن العهد القديم كان يتألف وحده من نصوص مكتوبة، وأما أقوال الرب وما كان يبشر به الرسل، فقد تناقلتها ألسنة الحفاظ٢ مدة طويلة، ولم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة٣ كل من: تدوين أهم ما علَّمه الرسل، وتولى حفظ ما كتبوه ٤.
ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة ١٥٠ م تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلًا جدًا إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقًا بالكتاب المقدس، بل كانوا يَدَعُون الأحداث توجههم، فقد كانت الوثائق البولسية مكتوبة، في حين أن التقليد الإنجيلي كان لا يزال في معظمه متناقلًا على ألسنة الحفاظ.
ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدة ظهورًا واضحًا كما يظهر شأن رسائل بولس ٥.
_________________
(١) ١ مرادهم بالرب هنا هو المسيح ﵇ والمقصود أقواله المأثورة عنه. ٢ قولهم الحفاظ هنا كلمة فيها تجوُّز شديد يتبين هذا من خلال النظر فيما دُوِّن وأنه مليء بالأخطاء والاختلافات، كما أنه لا يعرف في تاريخ النصارى الأوائل تدارس تلك الروايات المنقولة عن المسيح والاجتهاد في حفظها على الوجه الذي يكون مقبولًا ويحق معه إطلاق صفة الحفاظ عليهم. ٣ هذا فيه اعتراف واضح بأن أيًا من أتباع المسيح المباشرين لم يكتب إنجيلًا ولم يمله على تلاميذه. ٤ ليس هناك في الواقع أي دليل يثبت أن تلاميذ المسيح المباشرين كتبوا شيئًا من الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى اليوم. ٥ هذا فيه دلالة على أن الأناجيل لم تكتب إلا بعد رسائل بولس، لأنها لو كانت موجودة لما أمكن أن يعرض الناس عنها ويهملونها، وهي الأصل، ويهتموا برسائل بولس.
[ ٢٠٨ ]
أجل لم تخل مؤلفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمح إليها، ولكنه يكاد أن يكون من العسير في كل مرة الجزم: هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء الكتبة، أم هل إكتفوا باستذكار أجزاء من التقليد الشفهي؟
ومهما يكن من أمر، فليس هناك قبل السنة ١٤٠م أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة، ولا يذكر أن لمؤلَفٍ من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحًا على مر الزمن بأن هناك مجموعة من الأناجيل وأن بها صفة ما يلزم، وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحو تدريجي.
فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة ١٧٠م بمقام الأدب القانوني وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين.
لم يوضع (لم يستقر) الجدول التام للمؤلفات العائدة إلى القانون إلا على نحو تدرجي وكلما تحقق شيء من الاتفاق، فهكذا بجدر بالذكر ما جرى بين السنة ١٥٠م والسنة ٢٠٠م إذ حدد على نحو تدرجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى.
ولكن مازال هناك شيء من التردد في بعض الأمور: فإلى جانب مؤلفات فيها من الوضوح الباطني ما جعل الكنيسة تتقبلها تقبلها لما لابد منه، هناك عدد كبير من المؤلفات الحائرة يذكرها بعض الآباء ذِكْرَهم لأسفار قانونية، في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة ذلك شأن: الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة بطرس الثانية، وكل من رسالة يعقوب ويهوذا.
[ ٢٠٩ ]
وهناك أيضًا مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها في ذلك الوقت على أنها من الكتاب المقدس، ومن ثم جزء من القانون، لم تبق زمنًا على تلك الحال، بل أخرجت آخر الأمر من القانون، ذلك ما جرى لمؤلَّف: هرماس، وعنوانه الراعي، وللديداكي ورسالة إكليمنضس الأولى، ورسالة برنابا، ورؤيا بطرس، وكانت الرسالة إلى العبرانيين، والرؤيا، موضوع أشد المنازعات، وقد أنكرت صحة نسبتها إلى الرسل إنكارًا شديدًا مدة طويلة. ولم تقبل من جهة أخرى إلا ببطء: رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يهوذا.
ولا حاجة إلى أن نتتبع تتبعًا مفصلًا جميع مراحل هذا التطور الذي أدى خلال القرن الرابع إلى تأليف قانون هو في مجمله القانون الذي نعرفه اليوم"١.
من خلال هذا البيان والنقل المطول عن النصارى أنفسهم في حديثهم عن كتبهم يتلخص لنا ما يلي:
١- أن الله أنزل كتابًا على المسيح سماه الإنجيل، ودعا المسيح ﵇ الناس إلى الإيمان به وذكره أوائل النصارى، كما ذكره بولس في رسائله.
٢- أن النصارى لا يعرفون شيئًا عن مصير ذلك الإنجيل، ولا أين ذهب!!.
٣- أنه كانت هناك روايات شفوية ووثيقة مشتركة متداولة كان بتناقلها ودعاة النصارى الأوائل، ويعتقد أنها كانت المصدر الأساسي لأوجه
_________________
(١) ١ نقلًا عن كتاب"اختلافات في تراجم الكتاب المقدس" أحمد عبد الوهاب ص٧٦-٨١.الناشر مكتبة وهبه - الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ. وانظر في تأييد المعلومات الواردة هنا كتاب "القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم" لموريس بوكاي من ص٩٨-١٠٣.
[ ٢١٠ ]
الاتفاق بين الأناجيل١. وأرى أن تلك الروايات الشفوية لا يبعد أن يكون الإنجيل الأصلي من ضمنها إلا أن النصارى لم يدونوه مجموعة واحدة، كما أنهم لم يميزوه عن غيره من الروايات، مما جعله غير محدد ولا يستطيع أحد الجزم والاعتقاد بشيء من النصوص أنها منه وهذا تصديق قول الله ﷿ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة (١٤) .
٤- أن المتقدمين من النصارى لم يشيروا إلى الأناجيل الأربعة ولم يذكروها ألبته، فبولس -على كثرة رسائله- لم يذكرها في رسائله أبدًا، وكذلك لم يذكرها سفر أعمال الرسل الذي ذكر دعاة النصارى الأوائل وهذا يدل على أن هذه الكتب لم تكن موجودة في ذلك الزمن وأنها ألفت وكتبت بعد ذلك.
٥- أن أول من ذكر مجموعة من الكتب المدونة ذكرًا صريحا هو جاستن الذي قتل عام ١٦٥م، وهذا لا يدل صراحة على الأناجيل الأربعة نفسها، وأما أول محاولة للتعريف بها ونشرها فكانت عن طريق "تاتيان" الذي جمع الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سماه "الدياطسرن" في الفترة من (١٦٦-١٧٠م) وهذا هو التاريخ الذي يمكن أن يعزى إليه وجود هذه الكتب، وهو تاريخ متأخر جدًا عن وفاة من تعزى إليهم هذه الكتب إذ أنهم جميعًا ماتوا قبل نهاية القرن الأول، مما يدل على أنهم برءاء منها وأنها منحولة إليهم.
٦- أنه حتى بعد هذا التاريخ وهو ١٧٠م إلى القرن الرابع الميلادي لم تكن
_________________
(١) ١ انظر القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص٩٤-٩٥،٩٨
[ ٢١١ ]
الأناجيل الأربعة وحدها هي الموجودة، بل كانت هناك أناجيل كثيرة موجودة منتشرة ربما تبلغ مائة إنجيل١ ولم يكن لأي منها صفة الإلزام والقداسة، وذلك أمر تكون الأناجيل الأربعة معه عرضة للتحريف والتغيير خلال تلك الفترة أيضًا.
٧- أن النصارى لا يعرفون بالضبط تاريخ إعطاء هذه الكتب صفة الإلزام والقداسة، وإنما يرون أنه خلال القرن الرابع الميلادي أخذت كتبهم صفة القداسة بشكل متدرج، يعني: رويدًا رويدًا.
٨- أن النصارى لا يملكون السند لكتبهم، ولا يعرفون مصدرها الحقيقي، ولا تعدوا أن تكون كتبًا وجدوها منحولة إلى أولئك الناس الذين نُسبت إليهم فنسبوها إليهم، واعتقدوا صحة ذلك بدون دليل، وهذا أمر لا يمكن أن يعطي النفس البشرية القناعة المناسبة لما تراد له هذه الكتب في الأصل من تجنب سخط الله وبلوغ رضوانه.
٩- أننا نعجب غاية العجب من زعم النصارى: أن هذه الكتب حقيقية وصادقة وتنقل بأمانه وإخلاص كلام المسيح وتروي أخباره٢. كيف تجرؤا على مثل هذا الكلام، وكيف قبله أتباعهم مع أنهم لا يملكون الدليل على ذلك وكل دعوى عريت عن الدليل فهي باطله.
_________________
(١) ١ انظر القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص٩٩ ٢ يقول النصارى في المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان المنعقد في الفترة من ١٩٦٢-١٩٦٥م عن العهد الجديد. "وآمنت أمنًا الكنيسة المقدسة وتؤمن بكل قوة وثبات أن الأناجيل الأربعة المذكورة تنقل إلينا بكل أمانة ما صنعه حقًا يسوع ابن الله من أعمال وما أعلنه من تعاليم أثناء حياته بين البشر إلى يوم صعوده إلى السماء " الطبعة الثانية ١٩٧٩م لوثائق المجمع ص ٤١٣. وانظر أيضًا "القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم" لموريس بوكاي ص ٧٨ حيث نقل النص المذكور.
[ ٢١٢ ]
قال الله ﷿ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ الأنعام (١٤٨) .
وكل من تحدث في دين الله بلا علم فهو ضال مضل قال ﷿ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ الحج (٣) .
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ الحج (٨-٩) .
ولأن دعاويهم عارية عن الدليل فهي نابعة من الهوى، فلهذا سمى الله ﷿ ما عند اليهود والنصارى من دين أهواءًا في قوله ﷿ لنبيه محمد ﷺ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ البقرة (١٢٠) .
ولكن ذلك العجب يذهب وتلك الدهشة تزول إذا علمنا أن للآباء والكبراء والسادة من أهل الضلالة الذين يسعون إلى المحافظة على مكاسبهم الدنيوية الدور الأكبر في إضلال العوام والدهماء الذين لا يستخدمون ما وهبهم الله من عقل وسمع وإدراك وإنما يتابعون وينقادون إنقياد الأعمى، وفي هذا يقول الله ﷿ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ المائدة (١٠٤) .
[ ٢١٣ ]
وقال ﷿ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ الأحزاب (٦٥-٦٨) .
والواجب على الإنسان أن لا يخضع للتقليد فيما تتعلق به نجاته وسعادته أو هلاكه وشقاوته بل يتحقق من الأمر ويتأكد من صحته ويسأل الله الهداية والتسديد والرشد إلى أن يصل إلى الحق والنور الذي لن يخطئه بإذن الله تعالى إذا أخلص الطلب واجتهد في الدعاء وتحرر من الأهواء والتقليد والعصبية.
[ ٢١٤ ]
ثانيًا: تاريخ الأناجيل الأربعة تفصيلًا:
سبق الحديث عن الأناجيل الأربعة من ناحية السند إجمالًا بقي أن نبين هنا ما يتعلق بكل إنجيل منها منفردًا:
أولًا: إنجيل متى:
يصدر النصارى كتابهم المقدس بهذا الإنجيل، فهو أول كتبهم في الترتيب، وهو أطولها إذ يحوى ثمانية وعشرين إصحاحًا.
ويزعم النصارى أن "متى" الذي ينسب الكتاب إليه هو أحد الحواريين وكان قبل إتباعه للمسيح عشارًا "جابي ضرائب".
إلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يبرزوا لنا دليلًا يعتمد عليه في صحة نسبة هذا الكتاب إلى "متى"، وأقدم من يعتمدون على قوله في نسبة الكتاب إلى "متى" أحد كتابهم ويسمى "يوسابيوس القيصري" في كتابه "تاريخ الكنيسة" حيث نقل عن أسقف كان لهيرا بوليس سنة (١٣٠م) يدعى "بابياس" والذي كان أنه قال: "إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية"١.
وهذا القول ولدى جميع العقلاء لا يمكن أن يعتمد عليه في إثبات صحة نسبة الكتاب إلى "متى" الذي يزعمون أنه حواري.
وذلك لأن "بابياس" المذكور هنا لم يكن سمع تلك التعاليم وتلك الكتب من أصحابها، بل كان يسمعها بواسطة،
حيث يقول عن نفسه فيما ذكر عنه "يوسابيوس": "وكلما أتى
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الكنيسة ليوسابيوس ١٧٨، كتاب تاريخ الكنيسة لجون لوريمر (١/١٥٢)، وكتاب المدخل إلى العهد الجديد ص ٢٤٣.
[ ٢١٥ ]
واحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيد بقدر ما يصل من الصوت الحي" ١.
فهو هنا لا يتحرى في النقل، ومما لاشك فيه أن أولئك الوسائط لابد أن تثبت عدالتهم وإلا فلا يعتد بما يروونه ويقولونه.
كما أن "يوسابيوس القيصري" قد طعن في بابياس نفسه حيث قال عن رواياته: "ويُدَوِنُ نفس الكاتب روايات أخرى يقول إنها وصلته من التقليد غير المكتوب، وأمثالًا وتعاليم غريبة للمخلص وأمورًا خرافية ".
ثم قال عنه وعن آرائه: "وأظن أنه وصل إلى هذه الآراء بسبب إساءة فهمه للكتابات الرسولية، غير مدرك أن أقوالهم كانت مجازية، إذ يبدو أنه كان محدود الإدراك جدًا كما يتبين من أبحاثه، وإليه يرجع السبب في أن كثيرين من أباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء مستندين في ذلك على أقدمية الزمن الذي عاش فيه"٢.
فهذه طريقة "بابياس" في النقل حيث ينقل عن كل من اتبع المشايخ بدون تحر لمقدرة التلميذ على الحفظ والضبط للروايات والعدالة وما إلى ذلك من شروط صحة الخبر، كما أن بابياس نفسه ضعيف التمييز بين الأقوال محدود الإدراك جدًا. فكيف تعتبر أقوال من هذه حاله في أخطر قضية وهي الشهادة لكتاب بأنه كلام رب العالمين؟
_________________
(١) ١ تاريخ الكنيسة - يوسابيوس القيصري ص ١٧٥. ٢ المصدر السابق ص ١٧٧.
[ ٢١٦ ]
كما أن في المقابل هناك عدة أدلة تدل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى "متى" الذي يزعمون أنه حواري وهي:
١- أن النصارى لم ينقلوا الإنجيل بالسند، وقول بابياس السابق لم يعين فيه من هو متى هل هو الحواري؟ أم رجل أخر؟ كما أنه لم يعين الكتاب بل قال: "الأقوال".
وأيضًا فقد ذكر أمرًا آخر يختلف تمامًا عما عليه إنجيل متى الموجود وهو أنه قال: إنه كتبه باللغة العبرانية، مع أن النصارى يجمعون على أن: الكتاب لم يعرفوه إلا باللغة اليونانية، ولا يعرفون للكتاب نسخة عبرانية، بل الكثير منهم يرى أن: الكتاب يظهر من لغته أنه أول ما كتب إنما كتب باللغة اليونانية، وليس العبرانية١، فهذا يدل على أن قول بابياس لا ينطبق على إنجيل متى الموجود بين يدي النصارى.
كما أن هناك إستفسارًا آخر في حالة أن يكون الإنجيل مترجمًا من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية، وهو: من هو مترجمه؟ وهذا أمر مهم، لأنه ما لم يعلم دين المترجم، وصدقه، وضبطه، وقوة معرفته باللغتين لا يمكن أن يعتمد على ترجمته.
٢- إن الدارسين لهذا الكتاب والباحثين من النصارى وغيرهم يرون أن كاتب هذا الإنجيل إعتمد كثيرًا على إنجيل مرقص٢، ومرقص في كلام النصارى تلميذ بطرس، فهل من المعقول أن يعتمد أحد كبار الحواريين في زعمهم على
_________________
(١) ١ المدخل إلى العهد الجديد ص ٢٤٣. ٢ المدخل إلى العهد الجديد ص٢٤٣. القرآن الكريم والتوراة والإنجيل العلم ص٨٢.
[ ٢١٧ ]
تلميذ من تلاميذهم في الأمور التي هم شاهدوها وعاينوها وعايشوا أحداثها؟
هذا يدل على أن كاتبه غير "متى" الذي يزعمون أنه حواري، وأن دعوى النصارى أن كاتب الإنجيل هو متى الحواري دعوى عارية عن الدليل وهي من باب الظن والتخمين الذي لا يغني من الحق شيئًا.
ثانيًا: إنجيل مرقص:
هذا الإنجيل الثاني في ترتيب الأناجيل لدى النصارى وهو أقصرها إذ أنه يحوى ستة عشر إصحاحًا فقط.
أما كاتب الإنجيل فهو في زعم النصارى رجل من أتباع الحواريين والمعلومات عنه قليلة جدًا وغامضة، ولا تتضح شخصيته وضوحًا يُطمئن النفس، إذ أن كل ما ورد عنه الإشارة إلى أن اسمه يوحنا، ويلقب مرقص، وأنه صاحَبَ بولس وبرنابا في دعوتهما، ثم افترق عنهما، ثم ذكر بولس في رسائله إسم مرقص ذكرًا مقتضبًا لا يعطي غناءًا في التعريف به١، وورد ذكر إسمه مع بطرس حيث يقول عنه "تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقص ابني"٢.
فهذه المعلومات يفهم منها أن الرجل مجهول، إذ أنها لم تعط تعريفًا بدينه،
_________________
(١) ١ انظر رسالة بولس إلى كولوسى (٤/١٠) ورسالته الثانية لتيموثاوس (٤/١١)، ورسالته إلى فليمون (٢٥) . ٢ رسالة بطرس الأولى ٥/١٢. ولا بد أن يعلم أنه لا يوجد لدى النصارى أي دليل يثبت أن كاتب الإنجيل هو مرقص ابن أخت برنابا، وهو مرقص رفيق بولس، وهو تلميذ بطرس بل الأقرب أن أولئك أربعة أشخاص لهم اسم واحد، خاصة إذا علمنا أن اسم مرقص كان اسمًا منتشرًا في ذلك الزمان.
[ ٢١٨ ]
وعلمه، وأمانته، ونحو ذلك مما يجب توافر معرفته فيمن يكون واسطة لكتاب مقدس.
أما الكتاب وهو الإنجيل: فأقدم المعلومات التي عزته إلى من يسمى مرقص ما نقله "يوسابيوس" في تاريخه الكنسى عن بابياس حيث قال:"ولقد قال الشيخ أيضًا إن مرقص الذي صار مفسرًا لبطرس قد كتب بكل دقة كل ما تذَكَّره من أقوال وأعمال الرب، ولكن ليس بالترتيب لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، ولكن كما قلت قبلًا عن بطرس الذي ذكر من تعاليم السيد ما يوافق حاجة السامعين، بدون أن يهدف إلى كتابة كل ما قاله الرب وعمله، وهكذا فصل مرقص إنه لم يعمل خطأً واحدًا في كل ما ذكره وكتبه.." ١.
هذه أقدم شهادة لدى النصارى عن الكتاب والكاتب فهي شهادة مطعون فيه.٢ لمجهول الحال وهو مرقص، عن أمر مجمل، حيث ذكر أنه كتب ما تذكر، ولم يفصل في المكتوب ما هو!! فهل تكفي هذه الشهادة في إثبات صحة الكتاب!!، لاشك أنها لا تكفي فإن مثل هذه الأدلة والشواهد لو قدمت لدى قاض في قضية لم يقبلها ولم يحكم وفقها.
ثالثًا: إنجيل لوقا:
هذا الإنجيل الثالث في ترتيب النصارى لكتابهم ويحوي أربعة وعشرين إصحاحًا.
وكاتب الإنجيل في زعم النصارى هو أحد الوثنيين الذين آمنوا بالمسيح بعد
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الكنيسة يوسابيوس ص ١٧٧، وكتاب المدخل إلى العهد الجديد ص ٢١٨. ٢ انظر ما سبق من كلام يوسابيوس عن بابياس ص١٨٩.
[ ٢١٩ ]
رفعه وكان رفيقًا لبولس (شاؤول اليهودي) حيث ذكره بولس في ثلاثة مواضع من رسائله واصفًا إياه بأنه رفيقه١.
ولا يوجد لدى النصارى معلومات عنه سوى أنه أممي رافق بولس في بعض تنقلاته، حيث ورد إسمه في تلك الرحلات.
فهو بذلك يعتبر شخصية مجهولة وغير معروفة ولا متميزة بعدالة وديانه، ومع هذا أيضًا لا يوجد لدى النصارى دليل يعتمد عليه في صحة نسبة الكتاب إليه.
ولندرة المعلومات التي توثق نسبة الكتاب إلى لوقا المذكور يستشهد النصارى بكلام مجهول حيث يقول القس فهيم عزيز في كتابه "المدخل إلى العهد الجديد" في استدلاله على صحة نسبة الكتاب إلى لوقا ما يلي:
"هناك مقدمة كتبت لإنجيل لوقا فيما بين (١٦٠-١٨٠م) اسمها "ضد مارسيون" فيها يقول الكاتب عن لوقا: إنه من أنطاكية في سوريا مهنته طبيب وكان أعزبًا بدون زوجة، مات وهو في سن ٨٤ في بواتييه٢ ممتلئًا بروح القدس - وقد كتب إنجيله كله في المناطق التي تحيط بأخائيه٣ لكي يفسر للأمم القصة الصحيحة للعهد الجديد الإلهي.."
ثم قال صاحب الكتاب معلقًا "هذه مقتطقات عن هذه الشهادة
_________________
(١) ١ انظر: رسالة بولس إلى كولوسي (٤/١٤) . ورسالته الثانية إلى تيموثاوس (٤/١١) . ورسالته إلى فليمون (٢٤) . ٢ بواتييه: مدينة غرب فرنسا، الموسوعة العربية الميسرة،١/٤٢٠. ٣ أخائية أو أخايا: إقليم في جنوب اليونان. انظر: الموسوعة العربية الميسرة،١/٦٣.
[ ٢٢٠ ]
التي لا يعرف كاتبها وقد قبلها كثير من العلماء لأنهم لم يجدوا من أتباع مارسيون١ من يكذبها مما يدل على أنها تقليد كنسي قوي"٢.
بمثل هذه الشهادة المجهولة يثبت النصارى صحة كتابهم إلى ذلك الرجل المجهول لوقا، وهي لاشك شهادة لا قيمة لها ولا تفيد شيئًا، ويدل إستدلالهم بها على أنهم لا يملكون أدلة على صحة نسبة الكتاب إلى من يسمونه "لوقا" وذلك يبين لنا أن النصارى حين زعموا أن إنجيل لوقا كتاب صحيح وصادق، فإن ذلك مجرد دعوى بدون بينة.
رابعًا: إنجيل يوحنا:
هذا الإنجيل الرابع في ترتيب العهد الجديد وهو إنجيل متميز عن الأناجيل الثلاثة قبله إذ تلك متشابهة إلى حد كبير، أما هذا فإنه يختلف عنها لأنه ركز على قضية واحدة وهي: إبراز دعوى ألوهية المسيح وبنوته لله- تعالى الله عن قولهم - بنظرة فلسفية لا تخفى على الناظر في الكتاب، لهذا يعتبر هو الكتاب الوحيد من بين الأناجيل الأربعة الذي صرح بهذا الأمر تصريحًا واضحًا.
وإذا بحثنا في صحة نسبة الكتاب إلى يوحنا الذي يزعم النصارى أن الكتاب من تصنيفه نجده أقل كتبهم نصيبًا من الصحة لعدة أدلة أبرزها منكروا نسبة الكتاب إلى يوحنا الحواري وهي:
١- أن بوليكاربوس الذي يقال إنه كان تلميذًا ليوحنا لم يشر إلى هذا الإنجيل عن شيخه يوحنا، مما يدل على أنه لا يعرفه، وأن نسبته إلى شيخه غير صحيحة.
_________________
(١) ١ مارسيون هو أحد الخارجين على الكنيسة. وقد سبق ذكره ص١٦٠. ٢ المدخل إلى العهد الجديد ص ٢٧٢.
[ ٢٢١ ]
٢- أن الكتاب مملوء بالمصطلحات الفلسفية اليونانية التي تدل على أن لكاتبه إلمامًا بالفلسفة اليونانية، أما يوحنا فكما يذكر النصارى فقد كان يمتهن الصيد مما يدل على أنه بعيد عن الفلسفة ومصطلحاتها.
٣- أن النصارى الأوائل لم ينسبوا هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري المزعوم، وأن "يوسابيوس" الذي كان يسأل "بابياس" عن هذه الأمور يقول: "الواضح أن بابياس يذكر اثنين إسمهما يوحنا: الأول الرسول وقد مات والثاني الشيخ وهو حي. ويلوح أنه هو الذي كتب الإنجيل".
فلهذا يقول القس فهيم عزيز بناءًا على ذلك "إن الكنيسة كانت بطيئه في قبولها لهذا الإنجيل"١.
وبناءً على ذلك فمنذ نهاية القرن التاسع عشر ظهر الاعتراض على نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا بشكل واسع ووصفته دائرة المعارف الفرنسية بأنه إنجيل مزور وهذه الدائرة إشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى ونص كلامهم "أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولاشك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة إثنين من الحواريين بعضهما لبعض وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصًا مع أن صاحبه غير يوحنا يقينًا، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهودهم ليربطوا ولو
_________________
(١) ١ المدخل إلى العهد الجديد ص ٥٥١.
[ ٢٢٢ ]
بأوهى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى"١.
نقول مع هذه الاعتراضات، ومع وعدم وجود أدلة تثبت صحة نسبته إلى يوحنا الحواري المزعوم، فلا يجوز لعاقل أن يدعي صحة نسبته إلى يوحنا، فضلًا عن أن يزعم أنه كتاب مقدس موحى به من الله، فهذا فيه إفتراء عظيم على الله ﷿، وإضلال لعباد الله بالباطل.
بعد هذا كله يتضح للناظر اللبيب أن النصارى وكذلك اليهود من قبلهم لا يملكون مستندًا صحيحًا لكتبهم يثبت صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، وإن من المعلوم أن أي إنسان أراد أن يقاضي إنسانًا آخر لدى محكمة فلا يمكن أن تنظر المحكمة في دعواه ما لم يقدم من الإثباتات الصحيحة ما يصح اعتباره دليلًا، والنصارى لم يقدموا لأنفسهم ولا لأهل ملتهم من المستندات والأدلة شيئًا يثبتون به صحة كتبهم، بل لا يعرفون طريقًا إلى شيء من المستندات الصحيحة يقول الشيخ ﵀ الهندي في كتابه العظيم "إظهار الحق" "ولذلك طلبنا مرارًا من علمائهم الفحول السند المتصل فما قدروا عليه واعتذر بعض القسيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم٢ فقال: إن سبب
_________________
(١) ١ نقلًا عن كتاب دراسات في الكتاب المقدس. د. محمود علي حماية ص ٦٤. ٢ المقصود بها المناظرة الكبرى التي تمت في الهند بين الشيخ رحمة الله الهندي وزعيم المنصرين في الهند مبعوث الكنيسة الانجليزية د. فندر وكانت المناظرة سنة ١٨٥٤م في يومي ١٠-١١ نيسان وكانت موضوعاتها هي: النسخ والتحريف، وألوهية المسيح، والتثليث، وإعجاز القرآن ونبوة محمد ﷺ، وقد مُنِىَ د. فندر بهزيمة نكراء وخزي وعار بإقراره بالنسخ والتحريف. ثم قطع المناظرة، ثم جلا عن الهند، وفر منها وعاد إلى بريطانيا، بعد أن أظهر الله كذبه ونشر خزيه ورد عن المسلمين ولله الحمد عدوانه وشره. انظر أخبار المناظرة في مقدمة كتاب إظهار الحق ١/٣٤.
[ ٢٢٣ ]
فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة"١.
وفي هذا كفاية ودلالة على أن تلك الكتب التي تسمى الأناجيل كتب لا يملك أصحابها أي مستند يمكن الاعتماد عليه في صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، فضلًا عن أن يصح نسبتها إلى المسيح ﵇ أو إلى الله ﷿.
_________________
(١) ١ إظهار الحق (١/١١١) .
[ ٢٢٤ ]
المطلب الثاني: الأناجيل الأربعة متنًا
إن الكتب المقدسة كتب معصومة عن الخطأ، محفوظة من الخلل والزلل، لأن المفترض فيها أن تكون من قبل رب العالمين الذي يعلم السر وأخفى، وهو الحق لا يصدر منه إلا الحق جل وعلا.
والنصارى يسندون كتبهم إلى الله ﷿ عن طريق الإلهام إلى كتابها،١والدارس لهذه الكتب يستطيع أن يتبين صدق هذه الدعوى من كذبها، إذ أن الحق لا خفاء فيه.
وقد سبق أن ذكرنا نبذة عن هذه الكتب من ناحية السند، حيث تبين أن النصارى لا يوجد عندهم دليل يثبت صحة نسبة كتبهم إلى أولئك الناس الذين نسبت إليهم، فعليه لا يمكن اعتبارها كتبًا صحيحة، ولا يجوز لعاقل أن ينسبها إلى أولئك الرجال فضلًا عن أن ينسبها إلى الله ﷿. ومما يؤكد عدم صحتها الاختلافات الكثيرة بينها، وكذلك الأغلاط العديدة فيها، وسنضرب لذلك أمثلة:
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب المقدس هل هو كلمة الله، للقس عبد المسيح. ص ٢٢.
[ ٢٢٥ ]
أولًا: الاختلافات
إذا قارنا بين الأناجيل الأربعة نجد بينها اختلافات جوهرية تدل على خطأ كتابها، وأنهم غير معصومين ولا ملهمين، وأن الله ﷿ بريء منها، ورسوله عيسى ﵇، ومن الأمثلة على ذلك:
١- نسب المسيح ﵇ إن مما يدهش له الإنسان أشد الدهش أن النصارى لم يستطيعوا أن يضبطوا نسب المسيح ﵇ ولم يتفقوا عليه، فأعطاه كلًا من صاحب إنجيل متى وصاحب إنجيل لوقا نسبًا مختلفًا عن الآخر وإليك جدولًا بذلك يوضح الفرق بينهما:
رقم
متى
رقم
متى
رقم
لوقا
رقم
لوقا١
٢
٣
٤
٥
٦
٧
٨
٩
١٠
١١
١٢
١٣
١٤
١٥
١٦
١٧
١٨
١٩
٢٠
٢١
المسيح ابن
يوسف
يعقوب
متان
اليعازر
أليود
أخيم
صادوق
عازور
الياقيم
أبيهود
زربابل
شألتئيل
يكنيا
يوشيا
آمون
منسى
حزقيا
أحاز
يوثام
عزيا
يورام
٢٢
٢٣
٢٤
٢٥
٢٦
٢٧
يهوشافاط
أسا
أبيا
رحبعام
سليمان
داود١
٢
٣
٤
٥
٦
٧
٨
٩
١٠
١١
١٢
١٣
١٤
١٥
١٦
١٧
١٨
١٩
٢٠
٢١
المسيح ابن
يوسف
هالي
متثاب
لاوى
ملكى
ينا
يوسف
متاثيا
عاموص
ناحوم
حسلى
نجاى
مآث
متاثيا
شمعى
يوسف
يهوذا
يوحنا
ريسا
زربايل
شألتئيل
٢٢
٢٣
٢٤
٢٥
٢٦
٢٧
٢٨
٢٩
٣٠
٣١
٣٢
٣٣
٣٤
٣٥
٣٦
٣٧
٣٨
٣٩
٤٠
٤١
٤٢
نيرى
ملكى
أدى
قصم
ألمودام
عير
يوسى
أليعازر
يوريم
متثات
لاوى
شمعون
يهوذا
يوسف
يونان
ألياقيم
مليا
مينان
متاثا
ناثان
داود
[ ٢٢٦ ]
ففي هذا النسب فوارق وأغلاط عدة هي:
١- أن متى نسب المسيح إلى يوسف بن يعقوب، وجعله في النهاية من نسل سليمان بن داود ﵉.
أما لوقا فنسبه إلى يوسف بن هالي، وجعله في النهاية من نسل ناثان بن داود ﵇.
٢- أن متى جعل أباء المسيح إلى داود ﵇ سبعة وعشرين أبًا، أما لوقا فجعلهم إثنين وأربعين أبًا، وهذا فرق كبير بينهما يدل على خطأهما أو خطأ أحدهما قطعًا.
والنصارى يدعون أن أحد الإنجيلين كتب فيه نسب مريم، والآخر كتب فيه نسب يوسف، وهذا كلام باطل، إذا أن صاحب إنجيل متى (١/١٦) يقول "يعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح".
أما إنجيل لوقا (٣/٢٣) فيقول "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي" فكلاهما صرح بنسب يوسف.
أما الأغلاط في هذا النسب فعديدة منها:
١- أن نسبة المسيح ﵇ إلى يوسف خطيب مريم في زعمهم خطاءٌ فاحش وفيه تصديق لطعن اليهود في مريم أم المسيح ﵇، وكان
[ ٢٢٧ ]
الواجب على النصارى أن ينسبوه إلى أمه مريم لا إلى رجل أجنبي عنه. خاصة وأن ولادته منها كانت معجزة عظيمة وآية باهرة، فنسبته إليها فيه إظهار لهذه المعجزة وتأكيد لها وإعلان، أما نسبته إلى رجل وليس هو أبوه فيه إخفاء لهذه المعجزة واستحياء. والله ﷿ في القرآن الكريم صرح في مواطن عدة بنسبته إلى مريم ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المائدة (١٧،٧٢،٧٥) ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ .آل عمران (٤٥) النساء (١٥٧،١٧١) .
٢- أن صاحب إنجيل متى أسقط أربعة أباء من سلسلة النسب ثلاثة منهم على التوالي بين "عزيا ويورام" حيث النسب كما هو في أخبار الأيام الأول (٣/١١-١٣) "عزريا بن أمصيا بن يواش بن أخزيا بن يورام"،كما أسقط واحدًا بين "يكنيا ويوشيا" وهو "يهو ياقيم" وسبب إسقاط اسم يهوياقيم بين يوشيا ويكنيا هو أن "يهوياقيم" هذا مَلَكَ دولة يهوذا بعد أبيه، إلا أنه كان عابداّ للأوثان فكتب له "إرميا" يحذره من قبيح صنعه، ويبين له مغبة أفعاله، فأحرق "يهوياقيم" الكتاب ولم يرجع عن غيه، فقال عنه إرميا حسب كلامهم "لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم مَلِكِ يهوذا لايكون له جالس على كرسى داود وتكون جثته مطروحة للحر نهارًا وللبرد ليلًا" سفر إرميا ٣٦/٣٠) .
ومعنى هذا الكلام أنه لا يكون من نسله ملك، فأسقطه "متى" لهذا السبب، وعلل صاحب تفسير العهد الجديد ذلك التصرف بأن "متى" أراد أن يجعل كل مجموعه من النسب تحوي أربعة عشر إسمًا١.
_________________
(١) ١ تفسير العهد الجديد ص٣. وقد نص صاحب إنجيل متى على أن جميع الأجيال في أباء المسيح "من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلًا، ومن داود إلى سبى بابل أربعة عشر جيلًا، ومن سبى بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلًا". متى (١/١٧) وهذا خطأ إما متعمد أو غير متعمد، وكلاهما يدل على أن الكلام ليس من عند الله ولا من وحيه.
[ ٢٢٨ ]
ونقول: إذا كانت هذه العلة التي لا معنى لها من أجلها حذف من أجلها أربعة أباء من نسب المسيح، فذلك يعني أن الكاتب قد كتبه لخدمة أهداف في نفسه، وأنه لا يكتب ما علم وسمع مجردًا من الهوى والآراء الخاصة، ومن هنا يمكن أن ندرك كيفية تعامل النصارى الأوائل مع المعلومات الواردة إليهم، وأنهم يصوغونها وفق ما يرون ويعتقدون، لا وفق الحق مجردًا عن الهوى والآراء الخاصة.
ولنا أن نبحث هنا عن السبب في هذا الخطأ الفاحش والاختلاف في نسب المسيح ﵇ فنقول:
إن سبب خطأ النصارى في نسب المسيح ﵇ أنهم نسبوه إلى رجل مغمور غير مشهور هو "يوسف النجار"١ خطيب مريم في زعمهم فلهذا أخطأوا في نسبه فأعطاه "متى" نسبًا ملوكيًا٢، وأعطاه "لوقا" نسبًا أخر غير معروف ولا معلوم٣.
_________________
(١) ١ في العادة أن الناس الذين يُنسَبون إلى المهن، مثل النجار أو الحداد أو الصباغ أو نحوها يضيع نسبه بطغيان مهنته واشتهاره بها على نسبه، فهذا كان والله أعلم حال يوسف النجار، فلم يكن معروف النسب بل كان مشتهرًا بصنعته، فإذا ادعى أحد له نسبًا ليس من السهل تكذيبه وبيان خطئه، إذ أنه يمكن أن يكون من عائلة ذات نسب كما أنه يمكن أن يكون غير ذلك. ٢ يلاحظ أن الأسماء التي في إنجيل متى من بوشيا، وهو الاسم الرابع عشر إلى نهاية النسب هم من ملوك دولة يهوذا بعد سليمان ﵇. ٣ يذكر الشيخ رحمة الله الهندي أن اختلاف النسب بين لوقا ومتى دليل على أن إنجيل متى لم يكن معروفًا لدى لوقا وما اطلع عليه، وإلا لما خالفه هذه المخالفة الشديدة. انظر: إظهار الحق (١/١٩٧)
[ ٢٢٩ ]
ولكن لماذا أعرض كتاب النصارى عن مريم ولم يعطوه نسبها فيجعلونه كما هو الحق عيسى بن مريم بنت عمران؟.
السبب في هذا ظاهر وهو: أن مريم بنت عمران إمرأة عابدة مشهورة تربت في بيت النبي زكريا ﵇، الذي كان من نسل هارون ﵇ حيث كان كاهن١ بيت المقدس والمسؤول عن البخور عندهم هو زوج "أليصابات" خالة مريم٢، وهي من نسل هارون ﵇ أيضًا٣ فتكون مريم من السبط نفسه، وهو سبط لاوى بن يعقوب ﵇، وذلك أن تشريع اليهود يأمرهم أن تتزوج المرأة من سبطها ولا تتزوج من سبط أخر حتى تستمر الأموال في نفس السبط ولا تنتقل إلى أسباط أخرى بواسطة الميراث٤.
فلهذا تكون مريم من سبط زكريا ﵇ وزوجته٥، وكذلك خطيبها المزعوم إن صح كلامهم في ذلك يكون من السبط نفسه، وهو سبط لاوى
_________________
(١) ١ الكاهن في اصطلاح اليهود هو: الذي يقدم الذبائح والخدمات الدينية، وخاصة الأمور المتعلقة بالأشياء المقدسة لديهم. وكانت في نسل هارون ﵇ خاصة. انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٧٩١ ٢ ثبت في الحديث الصحيح في حديث المعراج في مسلم (١/١٤٥) أن النبي ﷺ رأى في السماء الثانية عيسى ويحيى ﵉ فقال: "ففتح لنا فإذا أنا بابنى الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا بي ودعوا لي بخير". ٣ انظر إنجيل لوقا (١/٥-١٠) . ٤ سفر العدد (٣٦/٦-٩) ٥ ورد في إنجيل لوقا (١/٣٦) كلام الملاك مع مريم بعد أن بشرها بالحمل بعيسى ﵇"هوذا أليصابات نسيبتك هي أيضا حبلى" والنسيبة القريبة، وأصح ما تكون في دلالة اللفظ أنها من نسبك.
[ ٢٣٠ ]
الذي منه هارون ﵇، ومما يدل على أن مريم من سبط هارون قول الله ﷿ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ مريم آية (٢٨) .
قال السدي: قيل لها (يا أخت هارون) أي أخي موسى لأنها من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر١.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/١١٢) ولا يعكر على هذا التفسير ما روى عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا: "أرأيت ما تقرؤون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم " أخرجه مسلم (٣/٦٨٥) فهذا لا ينفي ما ذكر من المعنى السابق لأن النبي ﷺ إنما بين أن لفظ الأخوة في الآية ليست أخوة النسب بمعنى أن تكون هي وإياه خرجا من بطن واحد، وإنما المراد التشبيه به أو بغيره في الصلاح. ومما يستدل به على أن مريم من نسل هارون قول الله ﷿ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فالله تعالى ذكر هنا آل عمران، وذكر القرطبي في تفسيره (٤/٦٣) عن مقاتل في "آل عمران" أن المقصود به عمران أبو موسى وهارون"،فتكون مريم من ذلك النسل، لأنه ذكر قصتها بعد ذلك دليلًا على ما أنعم الله به على ذلك البيت. مما يؤيد هذا أن آل عمران وخاصة بني هارون عند اليهود هم المكلفون بالأمور التي تتعلق بالعبادة لديهم ولهم وضعية خاصة في تشريع اليهود وهذا يوحى بالاصطفاء الخاص فإن كل واحد من المذكورين في الآية له اصطفاء خاص من ناحية ذريته. فآدم ﵇ نبي والناس كلهم ذريته، ونوح ﵇ إصطفى بالنبوة وأن ذريته هم الباقون، وإبراهيم ﵇ اصطفى بالنبوة والخلة وأن النبوة من بعده في ذريته، وآل عمران اصطفوا بأن فيهم نبوة والقيام بالشؤون الدينية لدى اليهود وخاصة نسل هارون ﵇ فتكون الآية دليلًا على أن مريم بنت عمران من نسل هارون بن عمران ﵇. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ قال إبن إسحاق: أي مفرغًا للعبادة لخدمة بيت المقدس. تفسير ابن كثير (١/٣١٥)، ويؤيد هذا ويؤكده قوله تعالى عن مريم ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ آل عمران (٣٧) ففيه دلالة على أنها من خدم البيت وعُبَّاده وخدمة بيت المقدس كما سبق ذكره خاصة بآل هارون ﵇.
[ ٢٣١ ]
وهذا الأمر فيما يبدو علمه كتاب الأناجيل فأزعجهم إزعاجًا شديدًا لأنهم يظنون أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود ﵇ فأعطوه ذلك النسب المخترع إلى داود ﵇ وذلك حتى ينطبق عليه ما يزعمه اليهود وهو أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود ﵇ حتى يكون مسيحًا. والله أعلم.
٢- ذكر إنجيل متى (١١/١٣) من كلام المسيح عن يوحنا المعمدان (يحيى ﵇) قوله: (لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤا وإن أردتم أن تقبلوا فهذا إيليا المزمع أن يأتي من له أذنان للسمع فليسمع)
وورد في إنجيل متى أيضًا (١٧/١) أنهم سألوا المسيح ﵇ فقال "وسأله تلاميذه قائلين: فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولًا، فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا يأتي أولًا ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم، حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان". فالمسيح هنا يبين أن يحيى ﵇ هو إيليا.
ويخالف هذا قول يوحنا في إنجيله (١/١٩) حين جاء اليهود يسألون يحيى عن نفسه حيث قال: "أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت، فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح، فسألوه من أنت، إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب لا. فقالوا له من أنت لنعطى جوابًا للذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك. قال:
[ ٢٣٢ ]
أنا صوت صارخ في البرية قَوِّمُوا طريق الرب كما قال إشعيا النبي"
فهنا أنكر يحيى ﵇ أن يكون هو إيليا وهذا تناقض واضح.
٣- أن متى ذكر في إنجيله (٢٠/٢٩-٣٤) أن عيسى ﵇ لما خرج من أريحا قابله أعميان فطلبا منه أن يشفيهما من العمى فلمس عيونهما فشفيا.
وقد ذكر هذه القصة مرقص في (١٠/٤٦-٥٢) وبين أن بارينماوس الأعمى ابن نيماوس هو الذي طلب ذلك فقط.
٤- أن مرقص ذكر في (٦/٨) أن عيسى ﵇ أوصى حوارييه حين أرسلهم للدعوة في القرى بأن لا يحملوا شيئًا للطريق غير عصا فقط لا مزودًا، ولا خبزًا، ولا نحاسًا، وذكر ذلك لوقا في (٩/٣) إلا أنه قال إن عيسى ﵇ أوصاهم وقال لهم (لا تحملوا شيئًا للطريق لا عصا ولا مزودًا ولا خبزًا ولا فضه) ف في الأول أجاز لهم حمل العصا، والثاني نهاهم عن حمل العصا أيضًا.
٥- أن إنجيل متى ذكر فيه في (١٥/٢١) أن المرأة التي طلبت من المسيح شفاء إبنتها كانت كنعانية.
وذكر القصة مرقص في إنجيله (٧/٢٤) ونص عبارته عن جنس المرأة "وكانت المرأة أممية وفي جنسها فينيقيه سوريه"١.
_________________
(١) ١ هكذا في طبعة ١٩٨٢ دار الكتاب المقدس في القاهرة، أما طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ١٩٩٢م فنص العبارة فيها هكذا: "وكانت المرأة يونانية جنسُها من فينيقيه سوريه".
[ ٢٣٣ ]
٦- أن إنجيل متى ذكر أسماء تلاميذ عيسى الإثنى عشر فقال (١٠/٢) "وأما أسماء الإثنى عشر رسولًا فهي هذه. الأول سمعان الذي يقال له بطرس، وإندراوس أخوه، يعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، فيلبس، وبرثولماوس، توما، ومتى العشار، يعقوب بن حلفى، ولباوس الملقب تداوس، سمعان القانوني ويهوذا الاسخريوطى الذي أسلمه".
وذكر مرقص في (٣/١٦) الأسماء فوافق فيها متى، وخالفهما لوقا حيث حذف من قائمة متى "لباوس الملقب تداوس" ووضع بدلًا عنه "يهوذا أخا يعقوب".
٧- إختلافهم في الذين حضروا لمشاهدة قبر المسيح بعد دفنه المزعوم ووقت ذلك حيث يقول متى (٢٨/١) "وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدليه ومريم أخرى لتنظرا القبر".
وفي إنجيل مرقص (١٦/١) يقول "وبعد ما مضى السبت إشترت مريم المجدليه ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطًا ليأتين ويدهنه، وباكرًا جدًا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس".
وفي إنجيل لوقا (٢٤/١) يقول " ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس"
وفي إنجيل يوحنا (٢٠/١) يقول " وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدليه إلى القبر باكرًا والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر".
[ ٢٣٤ ]
فهذه الإختلافات وغيرها كثير ذكره علماء الإسلام ١وغيرهم تدل دلالة واضحة على أن في الكتاب صنعة بشرية، وتحريف وتبديل.
_________________
(١) ١ ذكر الشيخ رحمة الله الهندي: تسعة وسبعين إختلافًا بين الأناجيل فمن أراد الإستزاده فليراجعها في: إظهار الحق (١/١٨٧-٢٤٦) وانظر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية للمهندس أحمد عبد الوهاب ص٧٨ وما بعدها.
[ ٢٣٥ ]
ثانيًا: الأغلاط في الأناجيل:
كما بين الأناجيل إختلافات يوجد بها أغلاط وأخطاء كثيرة أيضًا نذكر منها:
١- قال متى في إنجيله (١/٣) مستدلًا للمسيح وولادته من مريم بنبوءة سابقة جاءت على لسان إشعيا "وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد إبنًا ويدعون اسمه "عمانوئيل" الذي تفسيره الله معنا".
وهذا غلط لأن هذا اللفظ الذي ورد على لسان إشعياء لا ينطبق على المسيح فإن له قصة تدل على المراد به وهي:
أن "رصين" ملك أرام، "وفقح بن رمليا" ملك اسرائيل، إتفقا على محاربة "آحاز بن يوثان "ملك يهوذا، فخاف منهما "آحاز"خوفًا شديدًا فأوحى الله إلى النبي إشعياء أن يقول لآحاز: بأن لا يخاف، لأنهما لا يستطيعان أن يفعلا به ما أرادا وأن ملكهما سيزول أيضًا، وبين له إشعياء آية لخراب ملكهما وزواله، أن امرأة شابه تحبل وتلد ابنًا يسمى "عما نوئيل" فتصبح أرض هذين الملكين خرابًا قبل أن يميز ذلك الابن بين الخير والشر، ونص كلامه "ها العذراء تحبل وتلد إبنًا وتدعو إسمه "عما نوئيل" زبدًا وعسلًا يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير. لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها" سفر أشعياء (٧/١٤) .
وقد وقع ذلك فقد استولى "تغلث فلاسر" الثاني ملك آشور على بلاد سوريا، وقتل "رصين" ملكها، أما "فقح" فقتله في نفس السنة أحد أقربائه
[ ٢٣٦ ]
وتولى الملك مكانه، كل ذلك حدث بعد هذه المقولة بما يقارب إحدى وعشرين سنة، أي قبل ميلاد المسيح بما يقارب سبعة قرون١.
٢- قال متى في إنجيله (٢٧/٥١) بعد الصلب المزعوم للمسيح وإسلامه الروح "وإذا حجاب الهيكل قد إنشق إلى إثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزت والصخور تفتقت والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينه المقدسه وظهروا لكثيرين".
فهذه الحكاية التي ذكرها متى لم يذكرها غيره من كتاب الأناجيل مما يدل على أن كلامه لا حقيقة له، لأنها آية عظيمة تتوافر الهمم على نقلها.
٣- أنه ورد في إنجيل متى (١٢/٤٠) وكذلك في (١٦/٤) أن المسيح قال إنه لن يعطي لليهود أية إلا آية يونان "يونس ﵇ "ونصه: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال".
وهذا غلط لأن المسيح ﵇ في زعمهم صلب ضحى يوم الجمعة ومات بعد ست ساعات، أي وقت العصر، ودفن قبيل غروب الشمس، وبقى في قبره تلك الليلة، ونهار السبت من الغد، وليلة الأحد، وفي صباح الأحد جاؤا ولم يجدوه في قبره، مما يدل على أنه مكث في زعمهم ليلتين ويومًا واحدًا فقط. فيكون كلام متى السابق غلط واضح.
_________________
(١) ١ انظر: إظهار الحق لرحمة الله الهندي (٢/٣٠٥) . ومن العجيب أن النصارى لازالوا يستدلون على تجسد المسيح بما ذكره متى هنا متغافلين عن حقيقة الكلام، وأنه خطأ فاحش من متى الذي استدل بتلك العبارة وطبقها على غير موضعها.
[ ٢٣٧ ]
٤- أن متى ذكر في مواضع من كتابه أن القيامة ستقوم على ذلك الجيل ومن ذلك قوله في (١٦/٢٧) على لسان المسيح "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان أتيًا في ملكوته".
كما ورد في الإنجيل نفسه (٣/٢٣) قولهم على لسان المسيح "فإن الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان".
فهذه النصوص تؤكد القيامة قبل موت الكثيرين من ذلك الجيل، وقبل أن يكمل الحواريون الدعوة في جميع مدن بني إسرائيل، وهذا أمر لم يتحقق، وله الآن ألفي سنة إلا قليلا مما يدل على أنه غلط فاحش.
٥- جاء في إنجيل لوقا (١/٣٠) في البشارة بالمسيح قوله "ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية".
وهذا خطأ بين لأن المسيح ﵇ لم يكن ملكًا لليهود، ولا ملكًا على آل يعقوب، بل كان أكثرهم معادين له إلى أن رفع إلى السماء بسبب محاولتهم قتله.
٦- ورد في إنجيل مرقس (١١/٢٣) " فأجاب يسوع وقال لهم: ليكن لكم إيمان بالله، لأن الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل إنتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له، لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون
[ ٢٣٨ ]
فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم".
وورد أيضا في إنجيل مرقس (١٦/١٧) "وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون ".
وفي إنجيل يوحنا (١٤/١٢) " الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها لأني ماض إلى أبي ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله".
فهذه النصوص الثلاثة لاشك في أنها خطأ فلا يستطيع النصارى أن يدعو ذلك لأنفسهم.
كما أن عبارة إنجيل يوحنا فيها مغالاة شديدة، حيث زعم أن من آمن بالمسيح يعمل أعظم من أعمال المسيح نفسه، وهذا من الترهات الفارغه.١
وبمجموع ما ذكر عن الأناجيل من ناحية تاريخها، ومتنها يتبين لنا أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون هي الكتاب الذي أنزل الله ﷿ على عبده ورسوله المسيح ﵇، وأحسن أحوالها أن تكون متضمنة لبعض ما أنزل الله ﷿ على عيسى ﵇.
_________________
(١) ١ انظر هذه الأغلاط وغيرها كثير في إظهار الحق لرحمة الله الهندي (٢/٢٩٤-٣٥٢) فقد ذكر إثنين وسبعين غلطًا في العهد الجديد وحده، فمن أراد الإستزاده فليراجعه.
[ ٢٣٩ ]
المطلب الثالث: إنجيل برنابا١
إنجيل برنابا لا يعتبر من الأناجيل القانونية لدى النصارى ولا يعترفون به ولأهمية ما يحتويه من معلومات ولما بينه وبين الأناجيل الأربعة من تشابه في التعريف بالمسيح ﵇ ودعوته نعرف به هنا في نقاط مختصره.
أ- التعريف بـ "برنابا"
برنابا: اسمه "يوسف" ويلقب إبن الوعظ وهو لاوى قبرصي الجنسية، وهو خال "مرقس" صاحب الإنجيل فيما يقال، وكان من دعاة النصرانية الأوائل، ويظهر من إنجيله أن له مكانة لدى المسيح ﵇، والنصارى يرون أنه من الدعاة الذين لهم أثر ونشاط ظاهر، وكان من أعماله البارزه أنه باع حقله وأتى بقيمته من النقود ووضعها تحت تصرف الدعاة٢وحين ادعى بولس "شاؤول اليهودي" الدخول في دين المسيح ﵇ خاف منه الحواريون لما يعلمون من سابق عداوته، فشفع له برنابا عندهم فقبلوه ضمن جماعتهم٣ ثم إختلف معه بعد فترة من العمل في الدعوة سويا وانفصلا ٤.
ب- التعريف بإنجيله:
أقدم خبر عن إنجيل برنابا كان قريبًا من عام ٤٩٢م وذلك حين أصدر البابا
_________________
(١) ١ لا يعتبر هذا الإنجيل من مصادر النصارى لأنهم لا يعترفون به وإنما ذكر هنا تبعًا للحديث عن الأناجيل ولأهمية ما يتضمن من معلومات ومبادئ. ٢ أعمال الرسل (٤/٣٧) . ٣ أعمال الرسل (٩/٢٧) . ٤ انظر: أعمال الرسل (١٥/٣٦) .
[ ٢٤٠ ]
"جلاسيوس" الأول أمرًا يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمى "إنجيل برنابا" وهذا كان قبل مبعث النبي ﷺ، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر أحد الرهبان اللاتينيين وهو "فرامرينو" على رسائل "لإريانوس" يندد فيها ببولس وأسند "إريانوس" تنديده هذا إلى إنجيل برنابا. فحرص هذا الراهب على الإطلاع على هذا الإنجيل. واتفق أنه أصبح مقربًا للبابا "سكتس" الخامس، ودخل معه يومًا إلى مكتبته فأخذت البابا غفوة نام فيها، فأخذ "فرامرينو" يطالع في مكتبته رغبة في قطع الوقت، فوقعت يده على هذا الكتاب فوضعه في ثوبه وأخفاه، ثم أستأذن بعد أن أفاق البابا، وخرج فطالع الكتاب بشغف شديد ثم أسلم على أثر ذلك - بين هذه المعلومات المستشرق سايل في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم-.
ثم في أوائل القرن الثامن عشر عام ١٧٠٩م عثر "كريمر" أحد مستشارى ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الايطالية، عند أحد وجهاء مدينة أمستردام- حيث كان يقيم وقتئذ - وأهداها "كريمر" إلى الأمير "ايوجين سافوى" لولعه بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت تلك النسخة فيما بعد وذلك عام ١٧٣٨م مع جميع مكتبة ذلك الأمير إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا حيث هي موجودة الآن، ثم ترجمت إلى الإنجليزية، وعنها إلى العربية من قبل الدكتور خليل سعادة وهو لبناني نصراني.
وكان يوجد لهذا الكتاب نسخة أخرى بالأسبانية، يظن أنها منقولة عن الإيطالية عُثِرَ عليها في أوائل القرن الثامن عشر أيضًا، وكانت عند رجل يدعى الدكتور "هلم" أهداها إلى المستشرق "سايل" ثم دفعها هذا بدوره إلى الدكتور
[ ٢٤١ ]
"منكهوس" الذي ترجمها إلى الإنجليزية ودفعها مع ترجمتها عام ١٧٨٤م إلى الدكتور "هويت" أحد مشاهير الأساتذة في إكسفورد ببريطانيا، وعنده إختفت تلك النسخة مع ترجمتها. وقد أورد الدكتور "هويت" مقتطفات عديدة منها في دروسه وقد اطلع على تلك المقتطفات خليل سعادة، مترجم كتاب إنجيل برنابا إلى العربية.
وحين ظهر هذا الإنجيل أحدث دويًا في الأوساط النصرانية لما فيه من المعلومات المضادة لعقائدهم فحاولوا دفعه بوسائل كثيرة، ومما زعموه:
أنه تأليف عربي مسلم، أو يهودي أندلسى تنصر ثم أسلم١ - وهذا في الواقع من التخرصات ويدل على بطلان تلك الدعاوى أمور منها:
١- لماذا يؤلف رجل أسلم كتابًا للنصارى ويفتري الكذب وهو قد دخل في الإسلام.
٢-إن في الكتاب معلومات غير موجودة في كتب اليهود والنصارى الآن.
٣- إن مترجم الكتاب إلى العربية وهو خليل سعادة النصراني قد وصف صاحب الإنجيل بأنه على إلمام واسع جدًا بالعهد القديم والنصرانية أكثر ممن نذروا أنفسهم للدين النصراني وتفسيره وتعليمه، حتى إنه ليندر أن يكون فيهم من يقرب من إلمام صاحب هذا الإنجيل، فكيف يكون مسلمًا وله هذا الإلمام الواسع؟!
٤- إن مما يدفع أن يكون صاحبه مسلم أن فيه أخطاءًا لا يمكن أن تقع من المسلم لبداهتها، ومنها قوله: إن السموات عشرة، وخلطه بين اسم ميخائيل وميكائيل ويقول أدريل بدل إسرافيل.
_________________
(١) ١ انظر المقدمة المطبوعة مع الإنجيل للدكتور خليل سعادة فقد ذكر المعلومات السابقة كما ذكر أيضا ذلك الزعم بأن مؤلفه مسلم كتبه ونحله النصارى.
[ ٢٤٢ ]
وعلى كل حال فهذا كتاب ظهر في بلاد نصرانية، وبخط ولغة نصرانية، ولم يرد عن أحد المسلمين أنه أطلع على الكتاب مع سعة إطلاع علماء المسلمين وحرصهم على الرد على النصارى، وهو لاشك مما يظهره الله ﷿ دليلًا للحق ودحرًا للباطل وردًا له.
ج- أهم مبادئ إنجيل برنابا التي يختلف بها عن الأناجيل الأربعة:
إن الذي جعل النصارى يحملون على هذا الإنجيل حملتهم، ويتنصلون منه، هو مخالفته لأناجيلهم المعتمدة وعقيدتهم في أخطر وأهم نقاطها وهي:-
أولًا: أنه صرح أن المسيح ﵇ إنسان، وليس إله ولا ابن إله، وبين أن سبب تأليف إنجيله هو رد هذه الفرية التي أطلقها بولس مع غيرها من الإفتراءات كترك الختان وإباحة أكل اللحوم النجسة، وفي هذا يقول في أول إنجيله " أيها الأعزاء إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي إتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائمًا مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم أيضًا بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله١.
ثانيًا: أنه نقل عن المسيح التصريح بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وليس إسحاق كما يزعم اليهود وفي هذا يقول:-
_________________
(١) ١ إنجيل برنابا ص٣.
[ ٢٤٣ ]
"أجاب يعقوب: يا معلم قل لنا من١ صنع هذا العهد٢، فإن اليهود يقولون بإسحاق، والإسماعيليون يقولون: بإسماعيل أجاب يسوع: صدقوني لأني أقول لكم الحق إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق.
حينئذ قال التلاميذ: يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق.
أجاب يسوع متأوهًا: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله.
الحق أقول لكم إنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون حيث كتبتنا وفقهائنا، لأن الملاك قال: يا إبراهيم سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله حقًا، يجب عليك أن تفعل شيئًا لأجل محبة الله، أجاب إبراهيم: هاهو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله، فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلًا: خذ ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة.
فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين.
فقال حينئذ التلاميذ: إن خداع الفقهاء لجلي، لذلك قل لنا أنت الحق لأننا نعلم أنك مرسل من الله"٣.
وذكر برنابا أيضًا أن المسيح خاطب رئيس كهنة اليهود قائلًا له:"إن
_________________
(١) ١ هكذا في الكتاب والأولى (بمن) . ٢ يقصد بالعهد هو وعد الله لإبراهيم بأن تتبارك كل قبائل الأرض برجل من نسله هو بني آخر الزمان، وانظر الآتي. ٣ إنجيل برنابا ص٦٧-٦٨
[ ٢٤٤ ]
إبراهيم أحب الله حيث أنه لم يكتف بتحطيم الأصنام الباطلة تحطيمًا ولا بهجر أبيه وأمه ولكنه كان يريد أن يذبح ابنه طاعة لله.
أجاب رئيس الكهنة:- إنما أسألك هذا ولا أطلب قتلك فقل لنا: من كان ابن إبراهيم هذا؟
أجاب يسوع: إن غيرة شرفك يا الله تؤججني ولا أقدر أن أسكت. الحق أقول إن ابن إبراهيم هو إسماعيل الذي يجب أن يأتي من سلالته مسيا الموعود به إبراهيم أن به تتبارك كل قبائل الأرض.
" فلما سمع هذا رئيس الكهنة حنق وصرخ لنرجم هذا الفاجر لأنه إسماعيلى، وقد جدف على موسى وعلى شريعة الله١.
ثالثًا:- أنه نقل عن المسيح التصريح بالبشارة بالنبي محمد ﷺ باسمه وذلك في مواطن عدة من كتابه منها: أن اليهود سألوا المسيح ﵇ عن اسم النبي المنتظر فقال: "فقال الكاهن حينئذ: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه؟ فأجاب يسوع: إن اسمه المبارك "محمد" حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله أرسل لنا رسولك يا محمد تعال سريعًا لخلاص العالم٢.
وأورد أيضًا برنابا حوارًا تم بينه وبين المسيح ﵇ بعد أن رفع إلى السماء ثم عاد مرة أخرى ليطمئن أمه وحوارييه بأنه لم يمت ثم ارتفع مرة أخرى إلى السماء٣، وهذا نصه:
_________________
(١) ١ إنجيل برنابا ص ٣٠٠-٣٠١ ٢ إنجيل برنابا ص ١٤٩. ٣ هذا ما أورده صاحب الإنجيل، وهو أن المسيح بعد رفعه سأل الله تعالى أن يعيده إلى الأرض حتى يرفع عن أمه وحوارييه الشك في أمره والحزن الذي أصابهم، لأنهم ظنوا أيضًا أن الذي صلب هو المسيح - وإذا صح هذا فلا أرى فيه مانعًا شرعيًا، ولم يرد في شرعنا فيما أعلم لا ما يؤيده ولا ما يمنعه.
[ ٢٤٥ ]
" فقال حينئذ الذي يكتب١: يا معلم إذا كان الله رحيمًا فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتًا، ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت، وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله.
أجاب يسوع: صدقني يا برنابا إن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقابًا عظيمًا، لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلًا حبًا عالميًا، أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلماذا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئًا في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله٢".
رابعًا: أن برنابا صرح أن المسيح لم يصلب وإنما رفع إلى السماء، وأن الذي صلب هو يهوذا الأسخريوطي وهو الذي وشى بالمسيح لدى اليهود، حيث أُلْقِىَ عليه شبه المسيح فقبض عليه وصلب بدلًا عن المسيح ﵇.
_________________
(١) ١ يقصد هنا برنابا نفسه. ٢ إنجيل برنابا ص ٣١٨.
[ ٢٤٦ ]
وهذا نص كلامه:-
"ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفًا، وكان الأحد عشر نيامًا، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد.
ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع وكان التلاميذ كلهم نيامًا.
فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه فصار شبيها بيسوع حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن؟
أما هو فقال متبسمًا: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الأسخريوطي.
وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا لأنه كان شبيهًا بيسوع من كل وجه"
وبعد أن ذكر محاكمة يهوذا وجلده من قبل اليهود والوالي الروماني وهم يظنون أنه يسوع قال: "وأُسْلِمَ يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت وحكموا عليه بالصلب وعلى لصين معه.
فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث إعتادوا شنق المجرمين وهناك صلبوه عريانًا
[ ٢٤٧ ]
مبالغة في تحقيره١ ".
هذه أهم مبادئ هذا الكتاب الذي أحدث بمبادئه وقت ظهوره دويًا لدى النصارى، أما نحن المسلمين فلا يقدم عندنا هذا الكتاب ولا يؤخر فنحن مطمئنون لكتاب ربنا الذي بين أيدينا نعرف به الحق وعلى ضوئه نقيس الحق.
وهذا كتاب لا سند له ولا تاريخ، ثم هو من تأليف رجل ليس بمعصوم فقد يخطئ، ويضل، وينسى، وهذه لا تجعل لكتابه قيمة دينية عقائدية، وإنما تجعل له قيمة تاريخية وأدبية والله أعلم.
_________________
(١) ١ إنجيل برنابا (ص٣٠٨،٣١٤)
[ ٢٤٨ ]
المبحث الثاني: المجامع النصرانية
تمهيد
المجامع النصرانية يعرفها النصارى بأنها: هيئات شورية١ في الكنيسة تبحث في الأمور المتعلقة بالديانة النصرانية وأحوال الكنائس٢.
والمجامع النصرانية نوعان:
مجامع محلية: وهي التي تبحث في الشؤون المحلية للكنائس التي تنعقد فيها.
ومجامع مسكونية (عالمية): تبحث في العقيدة النصرانية ومواجهة بعض الأقوال التي يرى غرابتها ومخالفتها للديانة.
وأول المجامع كما يذكر سفر أعمال الرسل، كان مجمع أورشليم الذي عقد أيام الحواريين من أجل النظر في حكم إلزام غير اليهود بالشريعة الموسوية. فقرر المجتمعون هناك أنهم لا يلزمون بالختان ولا بالشرائع الموسوية، وإنما يلزمون فقط بالإمتناع عن الذبح للأصنام والزنى وأكل المخنوق والدم) . ٣
_________________
(١) ١ هكذا يزعم النصارى أنها هيئات شوريه والناظر في تلك المجامع خاصة التي بحثت في العقيدة يجد أنها تنتهي ولم يتفق المجتمعون على الأمور التي بحثت، فيكون هناك جبر وموافقة قسرية على قول من تلك الأقوال، أو إذا لم يمكن الجبر والقسر يحدث الإنقسام بأن تذهب كل مجموعة بقولها الذي جاءت به، كما سيتضح من دراسة تلك المجامع. وهذا يتنافى مع كونها هيئات شورية إلا أن يقال أنها هيئات شورية إلزامية. ٢ انظر: كتاب (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) ص٢٠٣، فقد نقل هذا عن تاريخ الأقباط لزكي شنوده، وكتاب الكنيسة المصرية لميشيل جرجس. ٣ انظر: سفر أعمال الرسل. الإصحاح الخامس عشر. ويلاحظ أن ذلك - إن صدق كاتب سفر الأعمال فيما ذكر - من أوائل الإنحراف عن شريعة عيسى ﵇ ودعوته فهم لم يذكروا دليلًا على ذلك من كلام المسيح ﵇ إنما فقط من إستحسانهم وأرائهم، وهذا ما مهد لسائر التحريفات التي تمت عن طريق المجامع فيما بعد.
[ ٢٤٩ ]
أهم المجامع المسكونية:
١- مجمع نيقية١ سنة ٣٢٥م:
كان هذا المجمع أول المجامع المسكونية وأخطرها أيضًا.
سبب انعقاده:
سبب إنعقاد هذا المجمع هو التعارض والإختلاف العقدي الموجود في الكنسية في تلك الأزمان، وذلك أنه ما إن توقف الإضهاد الواقع على النصارى من قبل الرومان بمرسوم ميلان٢. حتى ظهر على السطح ذلك الخلاف العقائدي الكبير بين طوائف النصارى، والذي كان يخفيه من قبل الحالة الإضطهادية الواقعة على جميع أصناف النصارى والذي كان من أسباب رسوخ هذه الإنحرافات العقدية كما سيتبين.
وكان أبرز وجوه الإختلاف: ذلك الخلاف والتعارض بين دعوة كنيسة الإسكندرية التي كانت تنادى بألوهية المسيح على مذهب بولس، وبين دعوة الأسقف الليبي "آريوس" في الإسكندريه أيضًا. الذي وُصِفَ بأنه عالم مثقف، وواعظ مفوه، وزاهد متقشف، وعالم بالتفسير، حيث أخذ ينادي بأن الله إله واحد غير مولود أزلي، أما الإبن فهو ليس أزليا وغير مولود
_________________
(١) ١ مدينة في آسيا الصغرى تركيا تسمى الآن " أرنيق " المنجد في الأعلام ص ٧٢١. ٢ مرسوم ميلان أصدره الأمبراطور قسطنطين والأمبراطور ليسينيوس سنة ٣١٣م ويقضي بإعطاء النصارى الحرية في الديانة وإرجاع أملاكهم المغتصبة وإقرار حرية الأديان عمومًا. انظر نص المرسوم في كتاب (تاريخ أوروبا للعصور الوسطى) ص ٥٠، تأليف د. الباز العريني.
[ ٢٥٠ ]
من الأب وأن هذا الإبن خرج من العدم مثل كل الخلائق حسب مشيئة الله وقصده١.
وشايع آريوس في دعوته العديد من الأساقفه، منهم أسقف نيقوميديه المسمى أوسابيوس وغيره.
وكان الإمبراطور "قسطنطين" في ذلك الوقت قد أبدى تعاطفًا قويًا تجاه النصارى ورفع عنهم الاضطهاد واهتم بشؤونهم٢ فهاله ما رأى من انقسام النصارى، وأدرك خطورة تلك الإنقسامات على دولته، والتي كان أخطرها ما كان بين أسقف كنيسة الإسكندرية الكسندروس وآريوس وأتباعه.
وكان الخلاف قد تطور بينهما وذلك بأن طلب أسقف الإسكندرية عقد مجمع في الإسكندرية للنظر في قضية آريوس ودعوته، فقرر ذلك المجمع قطع آريوس من الخدمه، وهذا جعل "آريوس" يخرج من الإسكندرية ويتوجه إلى آسيا حيث عقد في "بثينيه" بآسيا الصغرى مشايعوه من الأساقفة مجمعًا قُرِرَ فيه قبول آريوس وأتباعه وكتابة طلب إلى أسقف الإسكندرية برفع الحرمان الذي قرروه على "آريوس"٣.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب تاريخ الفكر المسيحي (١/٦١٩) . ٢ يرى المؤرخ هـ. فيشر: أن أهداف قسطنطين من ذلك التقريب للنصارى كانت سياسية حيث رأى أن الديانة النصرانية تنتشر على حساب الأديان الأخرى، كما أنه أراد أن يكونوا عونًا له في القضاء على إمبراطور بيزنطه ليسينيوس. وهذا ما تحقق له فيما بعد وكان قسطنطين يعتبر نفسه الكاهن الأعظم للديانة النصرانية، وهو في نفس الوقت يجمع بين عبادة الشمس والإنتساب للنصرانية، ولم يسمح بتعميده إلا وهو على فراش الموت على مذهب آريوس وذلك سنة ٣٣٧م. انظر: (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى) تأليف هـ. فيشر - ترجمة محمد زيادة ص ٦-٧. ٣ انظر: تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٢١-٦٢٢) .
[ ٢٥١ ]
فهذا ما جعل الإمبراطور "قسطنطين" يدعو إلى مجمع عام في نيقية سنة ٣٢٥م لبحث هذه القضية.
- عدد الحاضرين ومذاهبهم:
اختلف كلام النصارى في ذكر عدد المجتمعين فالبعض يرى أن عدد المجتمعين كان ٣١٨ أسقفًا فقط، وبعضهم يرى أنهم مابين ٣٠٠-٥٢٠١ ويذكر مارى سليمان في كتاب "المجدل" وكذلك إبن البطريق أن عددهم كان (٢٠٤٨) أسقفًا٢.
أما مذاهب الحاضرين فكانت متباينة تباينًا شديدًا. وكما يقول إبن البطريق بأنهم كانوا مختلفين في الآراء والأديان.
- فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلاهان من دون الله وهم البربرانية.
- ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار إنفصلت من شعلة نار فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها وهي مقالة سابليوس.
- ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب.
- ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان مخلوق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن الإبن من مريم، ويرون أن الله جوهر قديم واحد وأقنوم واحد ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية.
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٢١-٦٢٢)، وتاريخ الكنيسة - لجون لوريمر (٣/٤٢) . ٢ انظر: كتاب أخبار بطاركة المشرق من كتاب المجدل ص ١٥،وكتاب (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) ص٢١٢، وينقل هذا عن ابن البطريق من نقل زكي شنوده في تاريخ الأقباط.
[ ٢٥٢ ]
- ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة مرقيون وأصحابه.
- ومنهم من كان يقول: بألوهية الميسح، وهي مقالة بولس ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا١.
قرارات المجمع ونتيجته:
بعد أن تداول المجتمعون الآراء في ذلك المجمع خرجوا بتقرير ألوهية المسيح ﵇ ٢ وأنه ابن الله - في زعمهم - أي من ذات الله٣ وأنه مساوٍ لله
_________________
(١) ١ كتاب محاضرات في النصرانية ص١٢٤، حيث ينقل عن ابن البطريق، وكذلك نقلها زكي شنوده في كتابه "تاريخ الأقباط"،ونقلها عنه د. رؤوف شلبي في كتابه "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء" ص ٢١٢. ٢ قانون الإيمان النيقوي الذي صدر عن المجمع هو قولهم "نؤمن بإله واحد الله الآب كلى القدرة، خالق كل الأشياء، ما يرى وما لا يرى ونؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الأب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود، غير مخلوق، من ذات الجوهر مثل الآب، به خلق الكل، ما في السموات وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وعاش بين الناس، الذي تألم وفي اليوم الثالث قام، وصعد إلى السموات، ويأتي ليدين الأحياء والأموات". انظر تاريخ الكنيسة (١/٤٨) ٣ يلاحظ هنا أن نص قانون الإيمان الذي قرروه في ذلك المجمع هو النص الذي قدمه أسقف الإسكندرية القائل بألوهية المسيح، والبعض يذكر أن كلمة "أن الابن من نفس جوهر الأب" وهي التي كان يدور حولها الخلاف الكبير بين أولئك المجتمعين كانت من اقتراح الإمبراطور قسطنطين. انظر تاريخ الكنيسة (١/٤٨)، ومن المعلوم أن قسطنطين كان في ذلك الوقت لا يزال وثنيًا لم يعلن دخوله في النصرانية، وهذا يدلنا على مستوى تلك الموافقة الظاهرية التي وقعت في ذلك المجمع وأنها إنما كانت لترأس الإمبراطور ذلك المجمع وتدخله المباشر فيه. وخطورة تلك الإضافة التي ركز عليها في ذلك المجمع أنها نقلت المسيح من أن يكون بشرًا مخلوقًا إلى إله خالق وأورثت النصرانية كل الانحرافات التي حدثت بعد ذلك والجدل الطويل حول المسيح والمجمعات الكثيرة التي انعقدت حول ما تفرع عن الكلام حول المسيح وطبيعته كما جعل النصرانية تنتقل من صف الدين السماوي التوحيدي إلى صف الأديان الوضعية التي تقوم على تعدد الألهه وعبادة غير الله.
[ ٢٥٣ ]
جل وعلا، وأنه مولود منه غير مخلوق - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
كما قرروا أن هذا الإله تجسد بصورة البشر لخلاص الناس، ثم ارتفع إلى السماء بعد قيامته من الموت، كما تم لعن "آريوس" ومشايعيه وحرق كتبه.
وقد وقع كثير من المجتمعين على هذه القرارات لمناصرة قسطنطين لها، ويرى ابن البطريق أن (٣١٨) أسقفًا فقط هم الذين أظهروا هذا القول ووقعوا عليه وخالفهم بقية الأساقفة١، والبعض الآخر يرى أن الجميع وقعوا عليها ما عدا يوسابيوس أسقف نيقوميدية في قول بعضهم وشخص آخر فقد رفضا التوقيع على ذلك النص٢.
وهكذا انتصر في أول الأمر القائلون بألوهية المسيح بمساندة وتأييد الإمبراطور، حيث ينص بعض المؤرخين على ترأسه لذلك المجمع٣
ومما يدل على أن المجتمعين في نيقية لم يقبلوا ذلك القول بألوهية المسيح ولم يكن عند القائلين به حجة مقنعه أنهم كما يذكر القس "حنا الخضري" بعد ذكر الإنتصار الذي حققه مشايعوا مقولة بولس قال: "ولكن للأسف الشديد كانت الحقيقة الواقعة تختلف الإختلاف كله عن القرارات السنودسية والمجمعية. فقد رجع الأساقفة بعد مجمع نيقية إلى أبرشياتهم
_________________
(١) ١ انظر: محاضرات في النصرانية ص ١٢٤. ٢ انظر: مجموعة الشرع الكنيسي ص ٤٣، تاريخ الكنيسة ص ٤٩. ٣ انظر: "تاريخ أوروبا في العصور الوسطى" هـ. فيشر ص٨، و"تاريخ أوروبا للعصور الوسطى". د. الباز العريني ص ٧٤.
[ ٢٥٤ ]
والقسوس إلى كنائسهم وبدأ كل منهم يعلم ما كان يعلم به قبلا١ بل إن البعض تطرف في الهرطقه التي فاقت هرطقة " آريوس" نفسه. فمع أن "آريوس" وبعض أتباعه نُفُوا إلا أن الآريوسيه بنت عشها في حدائق كثيرين من الأساقفه والرعاة٢".
ولما كان قرار نيقية بألوهية المسيح فرض بقوة السلطان فإن السلطان وهو الإمبراطور رجع فيما بعد عنه وأمر بعقد مجمع صور سنة ٣٣٤م وقرر فيه إعادة "آريوس" إلى الكنيسة، وخلع "أثنا سيوس" أسقف الإسكندرية، أحد أكبر المدافعين عن عقيدة ألوهية المسيح، كما أن الإمبراطور نفسه قد عُمِّد وهو على فراش الموت على مذهب "آريوس" حيث عمده الأسقف "أوسابيوس النيقوميدي" أكبر أنصار آريوس٣.
وهكذا يتبين أن هذا المجمع الذي يعد من أخطر المجامع كان ألعوبة بيد الإمبراطور الذي كان وثنيًا ولم يكن من أهل تلك الملة وقت ترأسه ذلك المجمع، كما أن المجتمعين لم يكونوا يعتمدون على نصوص متفق عليها مقبولة لدى الجميع وإلا لتم الإذعان لمدلولها، وإنما كانوا يعتمدون على تصوراتهم أو تصورات أمثالهم من الناس فلهذا وقع الإعراض عنها بعد عودتهم إلى كنائسهم.
_________________
(١) ١ هذا يدلنا على أن المجتمعين في نيقية لم تقدم لهم أدلة مقنعة لتلك المقولة الغريبة، وهم وإن استطاعوا أن يظهروا بظهر الموافق في المجمع، فإنهم لم يستطيعوا أن يظهروا بذلك المظهر أمام أتباعهم وجماعتهم كما أنهم لم يستطيعوا أن يظهروا تلك المقولة ويشرحوها فأعرضوا عنها وعادوا لما كانوا يعرفون ويعلمون وتركوا ما يجهلون وينكرون. ٢ تاريخ الفكر المسيحي ص٦٤٣. ٣ انظر: تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٥٠)، وتاريخ الكنيسة (٣/٥٩) .
[ ٢٥٥ ]
٢- مجمع القسطنطينيه:
دعا الإمبراطور " ثيودسيوس " سنة ٣٨١م إلى عقد مجمع القسطنطينية لمواجهة دعوات كانت منتشرة بين الكنائس.
- منها دعوة "مقدونيوس" الذي كان أسقفًا للقسطنطينية، الذي نادى بأن الروح القدس مخلوق وليس إلها.
- ودعوة "صابيليوس" الذي كان ينكر وجود ثلاثة أقانيم.
- ودعوة "أبوليناريوس" الذي كان أسقفًا على اللاذقية والشام والذي أنكر وجود نفس بشرية في المسيح.
فحضر ذلك المجمع مائة وخمسون أسقفًا. قرروا فيه ألوهية الروح القدس ولعن وطرد من خالف ذلك١ فأكتمل بذلك ثالوث النصارى.
وكما هو ظاهر فإن هذا المجمع عقد بدعوة من الإمبراطور "ثيودسيوس" الذي كان قد سن القوانين والتشريعات لمصلحة القائلين بألوهية المسيح والمثلثين من النصارى.
٣- مجمع أفسس سنة ٤٣١م
انعقد هذا المجمع لمواجهة قول " نسطور" أسقف القسطنطينية، الذي قيل عنه إنه كان يقول: بأن المسيح له طبيعتان إلهية وإنسانية بشرية٢ وأن مريم والدة
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة الشرع الكنسي ص ٢٤٦، تاريخ الكنيسة (٣/١٠٤،١١١)، النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ١٨٣. ٢ انظر: كتاب تاريخ الفكر المسيحي (٢/١٧٠)، تاريخ الكنيسة جون لوريمر (٣/٢١٥) . ويذكر البعض أن نسطور كان يرى أن المسيح لم يكن إلهًا وإنما هو إنسان مملوء من البركة والنعمة. انظر كتاب النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ١٨٤.
[ ٢٥٦ ]
الإنسان وليست والدة الإله.
فعقد المجمع في أفسس سنة ٤٣١م بحضور مائة وستين أسقفًا وقرر فيه أن المسيح إله وإنسان ذو طبيعية واحدة وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم وحكم على "نسطور" بالطرد من الكنيسة١
وبعد مجمع أفسس عُقدت مجامع عديدة كلها تبحث في طبيعة المسيح ﵇، منها:-
٤- مجمع خلقيدونيه سنة ٤٥١م:
في هذا المجمع عادوا للبحث في طبيعة المسيح وقرر المجتمعون: أن المسيح له طبيعتان إلهية وبشرية بلا اختلاط ولا تحول ولا انقسام ولا انفصال٢؟! وكان المناصرون لهذا القول هم الأساقفة الغربيين الذين لعنوا وطردوا من لا يقول بهذا القول. ولم توافقهم الكنائس الشرقية على هذا وقد أصروا على قرارهم السابق في مجمع "أفسس" بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية، وهذا من أهم الفوارق بين الكاثوليك القائلين بالطبيعتين، والأقباط والأرمن والسريان القائلين بالطبيعة الواحدة.٣
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة الشرع الكنسي ص٢٨٨، تاريخ الكنيسة جون لوريمر (٣/٢١٩)، النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ١٨٥. ٢ انظر إلى الجمع بين المتضادات في عقيدتهم وهو كلام يعادون عليه ويوالون، وهو هراء مفترى ليس لهم عليه أدنى دليل أو برهان عقلي أو شرعي. ٣ انظر: مجموعة الشرع الكنسي ص ٣٦٤، وتاريخ الكنيسة جون لوريمر (٣/٢٢٦-٢٣٢) .
[ ٢٥٧ ]
بعد هذا عقدت مجامع عديدة من أهمها:-
٥ - المجمع السابع سنة ٧٥٤، ٧٨٧ م
المراد بالمجمع السابع مجمعان، المجمع الأول انعقد سنة ٧٥٤م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الخامس وذلك للنظر في موضوع الصور والتماثيل وما يقدم لها من التقديس والعبادة. وخرج بقرار يلعن به كل من يصور المسيح أو أمه أو أباء الكنيسة باعتبار أنها وثنية ١.
ثم أمر الإمبراطور أن يمحى ويدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل، كما حمل على الرهبان فأغلق الأديرة وصادر أموالها، كما أرغم الرهبان على أن يتزوجوا الراهبات ٢.
_________________
(١) ١ مجموعة الشرع الكنسي ص ٧٩٥. ٢ يلاحظ أن الإمبراطور ليو الثالث والد قسطنطين الخامس هو الذي كان حمل لواء الدعوة إلى تحريم الصور والتماثيل، كما حمل على الرهبنة وأصدر مرسومًا سنة ٧٢٦م واعتبر كل ذلك من الباطل الذي دخل على النصرانية من الوثنية. ويذكر ول ديورانت: أن ليو الثالث تأثر بالتعاليم الإسلامية حيث كان ولد في منطقة قليقية، فلما تولى الإمبراطورية حمل على التماثيل والرهبنة لمخالفتها التعاليم النصرانية، وقال ديورانت ملخصًا كيفية دخول الصور والتماثيل في الديانة النصرانية: " كانت الكنيسة في أول أمرها تكره الصور والتماثيل وتعدها بقايا الوثنية ولكن انتصار المسيحية في عهد قسطنطين وما كان للبيئة والتقاليد والتماثيل اليونانية من أثر في القسطنطينية والشرق، كل هذا قد خفف من حدَّة مقاومة هذه الأفكار الوثنية، ولما أن تضاعف عدد القديسين المعبودين نشأت الحاجة إلى معرفتهم وتذكرهم، فظهرت لهم ولمريم العذراء كثيرٌ من الصور، ولم يعظم الناس الصور التي يزعمون أنها تمثل المسيح فحسب بل عظموا معها خشبة الصليب، حتى لقد أصبح الصليب في نظر ذوي العقول الساذجة طلسمًا ذا قوة سحرية عجيبة، وأطلق الشعب العنان لفطرته، فحول الآثار والصور والتماثيل المقدسة إلى معبودات يسجد الناس لها ويقبلونها، ويوقدون الشموع ويحرقون البخور أمامها، ويتوجونها بالأزهار ويطلبون المعجزات بتأثيرها الخفي، وفي البلاد التي تتبع مذهب الكنيسة اليونانية بنوع خاص كانت تُرى الصور المقدسة في كل مكان - في الكنائس والأديرة والمنازل والحوانيت، وحتى أثاث المنازل، والحلي والملابس نفسها لم تخل منها. وأخذت المدن التي تتهددها أخطار الوباء أو المجاعة أو الحرب تعتمد على قوة ما لديها من الآثار الدينية أو على ما فيها من الأولياء والقديسين بدل أن تعتمد على الجهود البشرية للنجاة من هذه الكوارث. وكم من مرة نادى آباء الكنيسة، ونادت مجالسها بأن الصور ليست آلهة، بل هي تذكير بها فحسب، ولكن الشعب لم يكن يأبه بهذه التفرقة.
[ ٢٥٨ ]
وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الخامس سنة ٧٧٥م تولى على الإمبراطورية زوجته إيريني التي كانت تؤيد الصور والتماثيل فدعت إلى مجمع عام سنة ٧٨٧م في نيقية حضره ٣٥٠ أسقفًا خرجوا بقرار: وجوب تعليق الصور والتماثيل للمسيح وأمه وقديسيهم وكذلك الملائكة، ويقدم لهم صنوف التكريم من التقديس والسجود ويستشفع بهم إلى الله في الحاجات لما لهم من المكانة والدالة على الله - تعالى الله عن قولهم - كما لعن المجمع كل من لا يكرم تلك الصور والتماثيل١.
_________________
(١) ١ ننقل هنا قرار المجمع السابع المتعلق بالصور والتماثيل لما فيه من المعاني التي تدل على عمق الانحدار الوثني الذي آل إليه أمر النصرانية، فقد قرروا: " أنه كما يرفع الصليب الكريم المحي هكذا يجب أن تعلق الصور الموقرة المقدسة المصنوعة بالدهان أو من الفسيفساء أو من مواد أخرى في كنائس الله المقدسة، وأن توضع على الأواني المكرمة، والحلل الكهنوتية، وأن ترفع وتعلق في المنازل وفي الطرق، ونعني بذلك صورة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، وصورة سيدتنا الكلية الطهارة والدة الإله وصور الملائكة المكرمين وصور كل القديسين وكل الأشخاص الأتقياء، لأنه بتكرار مشاهدتهم من رسومهم يسهل على الشعب أن يتذكر الأصل وتثار فيه الرغبة للإقتداء بسيرتهم، ويجب أن يقدم لهذه الصور الإكرام وسجود الاحترام دون العبادة المختصة بالطبيعة الإلهية دون سواها. وحسب العادة التقوية القديمة يجوز أن يقدم البخور، وتضاء الشموع أمام هذه الصور وأمام الصليب الكريم المحيي وكتاب الأناجيل وغير ذلك من الأشياء المقدسة لأن التكريم الذي يقدم للصورة إنما يقدم للأصل الذي تمثله، فالذي يكرم الصورة إنما يكرم الأصل الممثل فيها مجموعة الشرع الكنسي ص ٨٠١.
[ ٢٥٩ ]
واستمر النصارى على هذا إلى أن جاء البروتستانت فحملوا على الصور والتماثيل وحرموها وانشقوا بذلك عن بقية النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس.
٦ - المجمع الثامن سنة ٨٦٩ م
وكان سبب انعقاده الخلاف بين كنيسة القسطنطينية وكنيسة روما في الروح القدس هل انبثق من الأب فقط وهو زعم كنيسة القسطنطينية أم من الأب والإبن معًا كما هو زعم كنيسة روما؟
وقد قرر في هذا المجمع قول كنيسة روما بأن المسيح انبثق من الأب والابن معًا.
ولم يوافق على ذلك بطريرك القسطنطينية ومن كان معه وأصروا على قولهم وعقدوا لذلك مجمعًا سنة ٨٧٩م قرروا فيه أن الروح القدس انبثق من الأب وحده فانقسمت بسببه الكنيسة إلى قسمين:
١) الكنيسة الغريبة ويتزعمها البابا في روما وهم الكاثوليك.
٢) الكنيسة الشرقية ويتزعمها بطريرك القسطنطينية وهم الأرثوذكس.
٧- المجمع الثاني عشر الذي عقد سنة ١٢١٥م
وقد تقرر فيه أن العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم المسيح، وأن الكنيسة البابوية الكاثوليكية تملك حق الغفران وتمنحه لمن تشاء.
[ ٢٦٠ ]
٨- مجمع روما عام ١٧٦٩م:
والذي تقرر فيه عصمه البابا في روما.١
من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض المجامع النصرانية وقراراتها يتبين لنا ما يلي:
أولًا- أن النصارى لا يملكون أدلة صحيحة صريحة في أكثر دعاويهم لهذا اختلفوا تلك الإختلافات الخطيرة التي تمس جميع نواحي العقيدة لديهم.
ثانيًا - أن ما يستند إليه النصارى ويتحمسون له لا يعدوا أن يكون فهما خاصا يسعى أصحابه لتثبيته عن طريق تلك المجامع، ولا يخلو الأمر من الأهواء والأغراض الخاصة من حب الرئاسة وفرض السيطرة.
ثالثًا - أن المجامع لم تكن يومًا من الأيام هيئات شورية يتباحث القسس فيها الأراء ويتوصلون فيها إلى الحق بأدلته، بل كانت في الأغلب تعقد لفرض رأي أو تصور عن طريق تلك المجامع وبقوة السلطان أو قوة الكنيسة.
رابعًا- أن تلك المجامع كانت أداة بيد الأباطرة الرومان يسخرونها لرغباتهم في التوسع والسيطرة أو تحقيق أغراض سياسية.
خامسًا - أن تلك المجامع كانت من أعظم أسباب الفرقة وتثبيتها في العالم النصراني، بحيث أنهم لم يخرجوا في واحد منها متفقين، بل كلما اجتمعوا في مجمع من تلك المجامع يزداد إختلافهم وبالتالي إنقسامهم.
سادسًا - أن المجامع صاغت العقيدة وقررتها بعد خلاف طويل وهذا يدل
_________________
(١) ١ انظر: كتاب "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء" ص ٢٥٤. أضواء على المسيحية ص١١٢-١١٦
[ ٢٦١ ]
على أن العقيدة النصرانية في الإله وفي المسيح، وفي نقاط عديدة ليس لأدلتها من الوضوح ما يكفي لجعلها مسلمات وقطعية الدلالة لكل نصراني نظر في الأناجيل وعلم أقوال المسيح، وهذا أمر يجب التوقف عنده والتفكير في مهمة المسيح ماذا كانت؟ فإنه إذا لم يكن وضح وجلي تلك القضايا وأبان عنها البيان الكامل الذي لا يفتح مجالًا للاختلاف فيها وخاصة أنها من أصول الديانة وأهم العقائد، فما هي مهمته إذًا؟
هل جاء ليلقي كلامًا مبهمًا لا يعرف معناه يحار الناس فيه قرونًا؟ أم أنه تكلم بكلام واضح وجلي كما هي حقيقة مهمة الرسل إلا أن الناس حرفوا كلامه بعد ذلك وحملوه على غير محامله ونسبوا إليه ما لم يقل؟!
سابعًا - إن المجامع قررت قرارات ولعنت وحرمت من لم يقل بها، وقررت أن سبيل النجاة هو اعتقاد تلك الأقوال - وهنا سؤال يطرح نفسه ماهو حال حواري المسيح وأوائل النصارى الذين لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولم يتكلموا فيها بكلمة، كالتثليث، وطبيعة المسيح وانبثاق الروح القدس من الأب أو الأب والابن معًا إلى غير ذلك.
ثامنًا - إن المجامع قد صاغت العقيدة النصرانية بكل تفاصيلها، وذلك يدل على أن أن تلك العقيدة بتفاصيلها صنعة بشرية لم ينزلها الله تعالى على المسيح ﵇.
تاسعًا - أن المجامع النصرانية هي المصدر الحقيقي للديانة النصرانية المحرفة، لأن تلك الفهوم التي كانت تقرر وتصدر وفقها القرارات لم تكن تعتمد على نصوص قطعية واضحة، بل أحيانًا كانت تعتمد على نصوص متشابهة وكلام
[ ٢٦٢ ]
محتمل لأكثر من معنى ويكون من أقلها إحتمالًا المفهوم الذي تدعيه الكنيسة، كما في دعوى ألوهية المسيح ﵇.
وأحيانًا كانت لا تعتمد على أي نصوص موجودة لديهم وهو الأكثر، بل يكون تركيبًا ذهنيًا وهميًا، أو تصورًا خاطئًا بني على تصور خاطئ، كما في قراراتهم المتعلقة بألوهية الروح القدس، وطبيعة المسيح، وتقديس الصور والتماثيل، وعصمة البابا ونحو ذلك.
ويصدق عليهم فيما يدعونه من عقيدة ويشرعونه للناس أنهم جعلوا أنفسهم أربابًا من دون الله يحلون ويحرمون فينطبق عليهم قول الله تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ التوبة آية (٣٠ -٣١) .
[ ٢٦٣ ]
*
الفصل الثالث: عقيدة النصارى
المسيح ﵇ جاء بالديانة بيضاء نقية توحيدا خالصا، ومنهجا ربانيا واضحا، كما تقدم بيانه أول الكلام على النصرانية.
إلا أن النصارى انحرفوا بهذه الديانة عن وجهها الصحيح، إلى وثنية خالصة، وعقائد منحرفة لم يعرفها المسيح ﵇ ولا حواريوه.
وقد كان ابتداء تحريفها من دخول بولس (شاؤول اليهودي) هذه الديانة بعد رفع المسيح ﵇ - كما سيأتي بيانه.
وهذه الديانة المحرفة لم تقرر على ما هي عليه في الوقت الحاضر إلا بعد انصرام ما يقارب خمسة قرون من رفع المسيح ﵇، حيث أصبحت تقوم على ثلاثة أسس هي:
١) التثليث. ٢) الصلب والفداء. ٣) محاسبة المسيح للناس. وسنبين بيانا مختصرًا مقولتهم في كل واحد من هذه العقائد ونبين بإذن الله بطلانها.
[ ٢٦٧ ]
المبحث الأول: التثليث
المطلب الأول: تعريفه ومرادهم به:
مراد النصارى بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس هو: إله واحد، الأب، والابن، والروح القدس إله واحد، جوهر (ذات) واحد متساوين في القدرة والمجد١.
ويفسرون هذه العقيدة بقولهم إن تعليم الثالوث يتضمن:
١) وحدانية الله.
٢) لاهوت الأب والابن والروح القدس.
٣) إن الأب والابن والروح القدس أقانيم٢ يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الآبد.
٤) أنهم واحد في الجوهر متساوون في القدرة والمجد.
٥) إن بين أقانيم الثالوث تمييزًا أيضا في الوظائف والعمل، لأن الكتاب يعلم أن الأب والابن والروح القدس واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد.
٦) إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه، وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الإختيار والدعوة، وإن بعض الإعمال تنسب خصوصا إلى الابن مثل الفداء،
_________________
(١) ١ قاموس الكتاب المقدس ص ٢٣٤. ٢ الأقنوم: كلمة يونانية الأصل تدل على شخصية متميزة، ويوازيها في الإنجليزيه كلمة person أي: شخص. انظر. حقائق أساسيه في الايمان المسيحي ص٥٢
[ ٢٧٠ ]
وبعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس١.
ويزيد "حبيب سعيد" في بيان عقيدة الثالوث عندهم فيقول "لا تعني عقيدة الثالوث أن لنا ثلاثة آلهة، بل إله واحد في ثلاثة أقانيم، وقد عبر عن هذه العقيدة أحسن تعبير قانون ماراثناسيوس "الإيمان الجامع هو أن نعبد إلهًا واحدًا في ثالوث، وثالوثًا في وحدانية ألا نخلط الأقانيم ولانفصل الجوهر، فإن للأب أقنومًا على حدة، وللابن أقنومًا آخر، وللروح أقنومًا آخر، ولكن لاهوت الآب والابن والروح القدس كله واحد، والمجد٢ متساوو الجلال أبدى معًا الأب إله والابن إله والروح القدس إله، ولكن ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحد الأب رب والابن رب والروح القدس رب، ولكن ليسوا ثلاثة أرباب بل رب واحد الدين الجامع ينهانا عن أن نقول بوجود ثلاثة آلهة أو ثلاثة أرباب"٣
هذه عقيدة التثليث وشرحها عند النصارى.
ويتضح منها أنهم يقولون: إن وحدانية الله وحدانية حقيقة، وكذلك تثليثه، فهو واحد حقيقي، وهو في الوقت نفسه ثلاثة حقيقية، حيث يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت واحد في جوهرهم أي أن لهم ذاتًا واحدة، وهم متساوون في قدرتهم، ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب: "حقائق أساسية في الإيمان المسيحي" ص ٥٣. ٢ هكذا في المرجع ولعل صوابها (واحدوا المجد) حتى تستقيم مع (متساووالجلال) ٣ أديان العالم ص٢٨٠.
[ ٢٧١ ]
فهذا شيء محير جدًا!!
والحق أنه من خلال الكلام السابق يتضح للناظر وجود ثلاثة أشخاص في عقيدة النصارى وضوحًا بينًا، وذلك لأنهم نصوا على تميز كل واحد بمميزات خاصة. أما الوحدانية فهي مجرد دعوى غير واضحة وهي الدعوى الغير معقولة في كلامهم، لأنهم زعموا أن الثلاثة واحد، وهذا ما لا يعقل.
ويصدق عليهم في كلامهم السابق أنهم يعبدون ثلاثة آلهة ويجعلونها ضمن مسمى واحد وهو (الله) وبناءً عليه يعتقدون أنهم موحدون.
وهذا منهم ذر للرماد في العيون، لأن ذلك لا يخرجهم من أن يكونوا مشركين يعبدون آلهة مع الله، وهذا ما يحذره النصارى ويحاولون أن يدفعوه عن أنفسهم بدعوى وحدانية الله، ولكن العاقل يستطيع أن يميز بين ما هو حقيقي وبين ما هو مجرد دعوى. وقد نهاهم الله ﷿ عن هذا القول، وبين ضلالهم فيه في قوله ﷿ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ النساء آية (١٧١) .
وقولهم في التثليث جمع بين الضدين لأن الوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك في مكان واحد بل هما ضدان لا يجتمعان كالسواد والبياض.
والنصارى يعتقدون إجتماعهما مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها.
[ ٢٧٢ ]
فمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد.
ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها.
ومنهم من شبهها بالشجرة بأن لها أصل وهي الجذور والساق والورق١.
وهذه التشبيهات ليس منها واحد يمكن أن يكون مطابقا لدعوى النصارى في التثليث، لأن جميع هذه الأشياء، إما أن تكون ذاتا واحدة لها أجزاء وأبعاض مثل الإنسان والشجرة، أو صفات وآثار مثل الشمس، بخلاف دعواهم في التثليث فإنهم عندهم ثلاثة حقيقيون، ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، وهذا بخلاف الإنسان المكون من دم، وروح، وجسد، فهذه مكونات الجسم ولا يستقل واحد منها بذاته، كما أن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم وذلك بخلاف دعوى التثليث الذي يزعمون فيه: أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، لهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث وأنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها فمن ذلك:
قول القس "توفيق جيد" في كتابه "سر الأزل" "إن الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه، وإن من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفه"٢.
ويقول " باسليوس إسحاق " في كتابه "الحق ":"أجل إن هذا التعليم
_________________
(١) ١ انظر: حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص ٥٢. أديان العالم ص٢٨٣ ٢ هذا القسيس يحاول أن يخفف من العبارة الدالة على استحالة التثليث، واستحالة قبوله بجعله سرًا ثم زعمه أنه لا يدرك تمام الإدراك، كأنه يوحي بأنه يمكن أن يدرك منه بعض المعاني وتخفي البعض، والواقع أنه لا يدرك منه شيء.
[ ٢٧٣ ]
عن التثليث فوق إدراكنا ولكن عدم إدراكه لا يبطله"١.
فهذا ما صرحوا به وتوصلوا إليه في النهاية: أن التثليث أمر مرفوض عقلا وغير مقبول، ولكنهم مع ذلك يؤمنون به.
ويحاول بعضهم أن يشبه ذلك بقول المسلمين في صفات الله ﷿ "إن العقول لا تدرك كيفيتها"٢ وهذا تلبيس وتدليس منهم. لأن إثبات صفات الله ﷿ أمر يقبله العقل بل يوجبه العقل ولا يرفضه، وعدم إدراك كيفيتها يتلاءم مع مستوى علم الإنسان بالله ﷿، ومن هذا الباب كثير من الغيبيات التي يؤمن الإنسان بها وِفْقَ نصوص الشرع ويقبلها العقل، مثل ما ورد عن الجنة، والنار، وعذاب القبر وغيرها. وذلك يختلف تمامًا عن التثليث الذي يزعمه النصارى وهو: أن الثلاثة الحقيقة هي الواحد الحقيقي، والواحد الحقيقي هو الثلاثة، فهذا ما لا يطيق العقل قبوله، وفهمه.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن التثليث لم يرد بهذا الاسم ولا مرة واحدة في جميع كتب العهد القديم أو الجديد وأن أول من نطق به هو "ثيوفيليوس" أسقف أنطاكية السادس والمعتقد أنه توفي بعد ١٨٠م.
قال القس حنا الخضري: "إن أول شخص استعمل كلمة ثالوث في تاريخ العقيدة المسيحية هو أسقف أنطاكية، ولقد استعمل هذا الاصطلاح في صيغه غريبة وهي (ثالوث الله) كما أنه يرى في الأيام الثلاثة السابقة لخلق الشمس إشارة إلى الثالوث" ٣.
_________________
(١) ١ انظر: هذه النقول وغيرها في كتاب "النصرانية من التوحيد إلى التثليث" ص ٢٠٧. ٢ حبيب سعيد في كتابه أديان العالم ص٢٨٢. ٣ تاريخ الفكر المسيحي ١/ ٤٦٣.
[ ٢٧٤ ]
وقالوا في قاموس الكتاب المقدس: " إنه يظن أن أول من استعمل هذه الكلمة وصاغها هو "ترتليان" في القرن الثاني ثم "إثناسيوس" الذي وضع أساس هذه العقيدة التي قبلها مجمع نيقيه عام ٣٢٥ م. ولقد تبلور ذلك الأساس على يد "أغسطينوس" في القرن الخامس الميلادي وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا"١.
ففي هذا دلالة على أن النصارى ابتدعوا عقيدة التثليث في وقت متأخر جدًا.
والواقع أنهم استوردوها من الأديان الوثنية التي كانت تحيط بهم، أو نقلوها من الأديان التي كانوا عليها قبل أن يدخلوا في النصرانية، فقد ذكر كثير من الكتاب أن التثليث كان منتشرًا في كثير من المناطق قبل أن يدعيه النصارى.
فمن ذلك قول "برتشرد" في كتابه "خرافات المصريين الوثنيين": "لا تخلو كافة الأبحاث المأخوذة عن مصادر شرقيه من ذكر أحد أنواع التثليث أو التولد الثلاثي أي الأب والابن والروح القدوس".
وجاء في كتاب "سكان أوربا الأول" " كان الوثنيون القدماء يعتقدون بأن الإله واحد ذو ثلاثة أقانيم".
وقال "بونويك" في كتاب "إعتقاد المصريين" "وأغرب عقيدة عم انتشارها في ديانة المصريين "الوثنيين القدماء" هي قولهم "بلاهوت الكلمة" وأن كل شيء صار بواسطتها وأنها "أي الكلمة" منبثقة من الله، وأنها الله "٢.
_________________
(١) ١ قاموس الكتاب المقدس ص ٢٣٢. وانظر تاريخ الفكر المسيحي (١/٥٢٨) . ٢ انظر هذه النقول وغيرها كثير في كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانيةص ٣٥،٣٦،٤١.
[ ٢٧٥ ]
فيتضح من هذا أن مصدر تلك العقيدة الباطلة من الوثنيين الضالين قبل النصارى، وهذا الذي حذر الله منه النصارى في قوله هـ ﷿ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ المائدة (٧٧) .
وما بينه الله تعالى لنا في قوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ التوبة آية (١٣٠) .
وإن الإنسان ليعجب بعد هذا من زعم النصارى أن التثليث هو الدين الحق وأن الله لا يقبل من العباد طاعاتهم ما لم يأتوه مثلثين!!
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
[ ٢٧٦ ]
المطلب الثاني: استدلالات النصارى على التثليث
ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمى دليلا إذ أن ما ذكروه يدل على أنهم لفقوا كلامًا زعموا أنه دليلٌ فمن ذلك قولهم:
١- أن الله ﷿ ورد اسمه بالعبرية (ألوهيم) الذي يدل على الجمع وأنه استخدم صيغة الجمع في التحدث عن نفسه في مثل ما ورد في سفر التكوين (١/٢٦) "وقال الله نعمل الإنسان".
٢- ألفاظ الصورة الموضوعة للمعمودية١ وهي "عمدوا باسم الأب والابن والروح القدوس" الواردة في إنجيل متى (٢٨/١٩) .
٣- الأحوال التي واكبت تعميد المسيح حيث ورد في إنجيل متى (٣/١٦) "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه وصوت من السموات قائلًا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" ٢.
بهذه الأدلة التي هي أوهى من خيوط العنكبوت يزعم النصارى أن الله ثلاثة وأن هؤلاء الثلاثة واحد، ويتركون جميع أسفار العهد القديم التي نصت على وحدانية الله، وانفراده جل وعلا في وحدانية الذات، والصفات، والعبادة، وكذلك جميع النصوص الواردة في العهد الجديد التي تدل على ذلك أيضًا وسيأتي إيراد بعض ذلك.
_________________
(١) ١ المعمودية من التعميد وهو مفتاح الدخول في النصرانية وسيأتي بيانه ص٣٠١. ٢ انظر: حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص ٦١.
[ ٢٧٧ ]
المطلب الثالث: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث
أدلة النصارى المذكورة هي من الضعف بحيث يَهُمُّ العاقل بالإعراض عنها، إلا أنه لابد من الرد عليهم لأن إستدلالهم بها يعني أن لها شأنًا عظيمًا في نفوسهم، فنقول:
أما الدليل الأول:
فدعواهم أن (ألوهيم) تعني الجمع فهذا باطل بنص التوراة التي نصت على أن الله واحد١.
كما أن اليهود الذين وجه إليهم الخطاب بهذا لم يفهموا ذلك، ولم يعملوا به، بل يعتبرون أن ادعاء إله غير الإله الواحد الذي هو الله شرك أكبر يستحق معتقده القتل.
كما أن كلمة (ألوهيم) كما يذكر الدارسون واردة في نص من النصوص التي تتكون منها التوراة الحالية، وأنه يقابلها في النص الآخر لنفس القصة لفظ (يهوه) ٢.
أما ما أوردوه من سفر التكوين وهو قول "وقال الله نعمل الإنسان" فلا يعني أكثر من أنها وردت على صيغة التعظيم.
ومن أولى بالتعظيم والتفخيم في الخطاب من الله ﷿، كما أن مئات
_________________
(١) ١ سيأتي إيراد النصوص في هذا ص ٢٤٦ ٢ انظر في بيان النصوص كتاب. القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص ٢٣.
[ ٢٧٨ ]
الأقوال واردة في العهد القديم على لفظ الإفراد، فكيف تترك تلك المئات ويؤخذ بهذه اللفظة الواحدة وشبهها.
أما الدليل الثاني:
وهو لفظ المعمودية "عمدوا باسم الأب والابن والروح القدس" فهؤلاء ثلاثة وليسوا واحدا، ولا تعنى أكثر من طلب الإيمان بهؤلاء الثلاثة الذين هم الله ﷻ، ورسوله المسيح ﵇، والملك جبريل ﵇، كل على ما يليق به إذا صدق راوى هذه العبارة وسيأتي زيادة إيضاح لهذه العبارة في الكلام على الروح القدس١.
أما الدليل الثالث:
فعلى فرض صحة الرواية بذلك فهي تدل على ثلاثة وهم:
المسيح الذي اعتمد، والروح القدس الذي نزل على شكل حمامة، وقائل من السماء "هذا ابني الحبيب". أين أن هؤلاء الثلاثة واحد، هذا ما لا يستطيع النصارى إثباته لا نقلا ولا عقلا.
_________________
(١) ١ انظر ما يأتي ص ٢٥٦.
[ ٢٧٩ ]
المطلب الرابع: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:
التوحيد دين الرسل جميعًا ولم يخالف في ذلك إلا النصارى الذين ادعوا على المسيح ﵇ أنه جاء بالتثليث، والتوحيد أوضح مطالب التوراة والكتب الملحقة بها إذ يقوم الكتاب كله على التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية بكل أشكالها.
ومن الأدلة على هذا ما ورد في سفر التثنية (٤/٣٥) "إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه".
وكذلك ما ورد في سفر التثنيه (٦/٤) " اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد".
وفي إنجيل متى (٤/٧) "قال له يسوع إذهب ياشيطان. لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" ومثله ورد في إنجيل لوقا (٤/٨) .
وفي إنجيل مرقس (١٢/٢٨) أن أحد اليهود سأل المسيح " أية وصية هي أول الكل فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه".
فهذه وصية المسيح وبين أنها أول الوصايا وأعظمها، ولو كان يقول بالتثليث
[ ٢٨٠ ]
لوجب عليه أن ينص عليه في مثل هذا الموطن، إذ كيف يمكن أن يكون مبلغًا عن الله ﷿ ولم يوضح أهم ما أمر به.
وفي إنجيل يوحنا (١٧/٣) أن المسيح ﵇ قال في أخر آيامه "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته".
لقد أنطق الله هؤلاء الكتاب بالحق والصدق، وهو أن لا إله إلا الله وحده وعيسى المسيح رسوله، فأين هذا الكلام النوراني الواضح من دعوى التثليث المظلمة التي افتراها ضلال النصارى وغلوا في دينهم وقالوا بها على الله غير الحق؟ قال الله ﷿ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ النساء آية (١٧١) .
[ ٢٨١ ]
المطلب الخامس: الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة
النصارى يزعمون كما سبق بيانه بأن الله ذو ثلاثة أقانيم١ الأب، والابن، والروح القدس، وسنبين مرادهم بكل واحد من هذه الأقانيم ونبين بطلانه.
_________________
(١) ١ سبق التعريف بها ص ٢٣٦.
[ ٢٨٢ ]
أ- الأقنوم الأول: الأب.
١- المراد به: يراد بالأب عندهم: الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن. مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود بل الابن أزلي الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر. وليس له عمل عندهم إلا الإختيار والدعوة ١
٢- أدلتهم على أبوة الله للمسيح تعالى الله عن قولهم:
وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح، منها ما ورد في إنجيل متى (١٠/٣٢) "فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السموات".
وأيضًا قوله عن وقت القيامة (٢٤/٣٦) " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد من ملائكة السموات إلا أبي وحده " ٢.
ورد في إنجيل لوقا (٢/٤٩) من كلام المسيح لأمه وزوجها في زعمهم "فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" ٣.
وورد أيضًا في إنجيل يوحنا (٨/١٩) "فقالوا له أين هو
_________________
(١) ١ انظر حقائق أساسية في الإيمان المسيحي (ص٥٣،٦٦) ٢ وانظر أيضًا في إنجيل متى (١٢/٦) (١٥/١٣) (١٦/١٧) (١٨/١٠،١٩،٣٥) (٢٠/٢٣) (٢٤/٣٦) (٢٥/٣٤) (٢٦/٢٩) . ٣ وانظر في إنجيل لوقا (٢٢/٢٩) .
[ ٢٨٣ ]
أبوك. فأجاب يسوع لستم تعرفونني أنا ولا أبي لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا"١.
فبناءً على هذه النصوص زعم النصارى أن الله تعالى "أبٌّ " للمسيح أبوة حقيقية، وهو كلام باطل، ووهم خاطئ وافتراءٌ على الله تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرا.
٣- الرد عليهم وبيان بطلان قولهم:
يرد عليهم من عدة أوجه:-
أولًا: أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل الأربعة وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الأناجيل كما سبق بيانه٢ لا تصلح أن تكون مستندًا لهذا لأنها كتب غير موثقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهم فضلًا عن أن ينسبوها إلى المسيح ﵇ أو إلى الله ﷿.
كما أن بينها اختلافات عديدة في هذه الألفاظ نفسها، فكلمة (أبي) وردت في "إنجيل متى" من كلام المسيح ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة، ولا تكاد تراها في "إنجيل مرقص"، أما "إنجيل لوقا" فذكرت في موضعين تقريبًا، وأما "إنجيل يوحنا" فوردت فيه فيما يقارب ثمانية عشر موضعا٣ مما يدل على أن هذه الكلمة تتبع عقيدة خاصة وفهما خاصا لدى الكاتب لا يرتبط فيه ولا يلتزم بعبارة المسيح
_________________
(١) ١ وانظر أيضًا إنجيل يوحنا في (٥/١٨،٤٣) (٦/٣٢،٦٥)، (٨/٢٨، ٣٨،٤٩،٥٤) (١٠/٢٥،٢٩،٣٧)، (١٤/٢١،٢٨)، (١٥/١،٢٤) . ٢ انظر موضوع. إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة. ٣ انظر هذه المواضع في الصفحة السابقة.
[ ٢٨٤ ]
وألفاظه، وإنما يكتبها ويعبر عنها الكاتب وفق عقيدته وتصوره.
مثال ذلك أن المثال السابق المذكور عن وقت الساعة من إنجيل متى، ورد فيه (أبي وحده) ١، وقد ذكر مرقس في (١٣/٣٢) هذه الجملة إلا أنها عنده هكذا "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب". فهنا قال الأب بدون ياء النسب وهناك في "متى" قال "أبي" وبينهما فرق عظيم.
ثانيًا: أن النصارى لا يعتقدون أن الله أبٌ للمسيح أبوة حقيقية من ناحية أن الأب غير الابن وأنه قبله في الوجود، بل يرون ويعتقدون أن الله تعالى أب للمسيح وهو في نفس الوقت هو هو، ليس هو غيره، حيث يقولون إنهم جوهر واحد، ولم يسبق الأب الابن في الوجود، وهذا يجعل كلمة الأب الواردة في الأناجيل لديهم ليس لها مفهوم حقيقي، وهذا يبطل استدلالهم بهذه النصوص ويجعلهم يستدلون بها على غير ما يقصدون ويعتقدون.
ثالثًا: على فرض صحة الروايات الواردة لديهم في الأناجيل في كلمة "الأب" فيجب أن تفسر على معنى غير الأبوة الحقيقة لأمرين:
١- أنهم أوردوا على لسان المسيح كلامًا كثيرًا لا يمكن أن يحمل على المعنى الظاهري بل لابد من حمله على المجاز كقوله "فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة" يوحنا (٦/٣٥) وأيضا أنه قال لليهود "أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٤٨.
[ ٢٨٥ ]
تريدون أن تعملوا" يوحنا (٨/٤٤) .
فهذا كلام لا يؤخذ على ظاهره فكذلك أبوة الله للمسيح.
٢- أن نسبة الأبوة إلى الله ليست خاصة في المسيح لديهم، بل وردت في العهد القديم، وفي الأناجيل منسوبة إلى غير المسيح، ومن ذلك ما ورد في سفر صموئيل الثاني (٧/١٤) في كلام الله في زعمهم عن سليمان بن داود ﵉ " أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا".
وورد في إنجيل متى (٦/١) من كلام المسيح لتلاميذه "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم أمام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات" ١.
وفي إنجيل مرقص (١١/٢٥) من قول المسيح لتلاميذه أيضًا "ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء لكي يغفر لكم أيضًا أبوكم الذي في السموات زلاتكم، وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر لكم أبوكم الذي في السموات أيضًا زلاتكم".
في إنجيل لوقا (١١/٢) من قول المسيح لتلاميذه " فقال لهم: متى صليتم فقولوا أبانا الذي في السموات".
وفي إنجيل يوحنا (٢٠/١٧) وهو من آخر كلام المسيح بعد القيامة المزعومة " قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي
_________________
(١) ١ وانظر للإستزاده في إنجيل متى (٦/٦، ١٤، ١٨،٣٣)، (٧/١١)، (١٠/٢٠، ٢٩) . (١٣/٤٣)، (١٨/١٤) .
[ ٢٨٦ ]
ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
فهذه النصوص على فرض صحتها فيها دلالة واضحة على نسبة أبوة الله تعالى للتلاميذ، والمراد بها في كلام النصارى في هذه المواضع أبوة النعمة١.
وما سبق ذكره من النصوص التي ورد فيها أبوة الله للمسيح لا تختلف عن هذه النصوص فالقول فيها مثل القول في هذه.
فمن هنا يتضح أنه ليس في هذا اللفظ ما يدل على معتقد النصارى في الله وأنه أب للمسيح سوى من ناحية النعمة والإحسان.
_________________
(١) ١ انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ١٨.
[ ٢٨٧ ]
ب- الأقنوم الثاني: الابن:
المراد بالابن عندهم كلمة الله المتجسدة وهو المسيح ﵇، ويزعمون أن الابن مساو للأب في الوجود، وأن الأب خلق العالم بواسطة الابن، وأنه الذي نزل إلى الأرض بالصورة البشرية فداء للبشر، وهو الذي يتولى محاسبة الناس يوم القيامة. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
أدلتهم على أن المسيح ابن الله تعالى الله عن قولهم:
استدل النصارى على أن المسيح ابن لله بما ورد في الأناجيل من النصوص التي تنسب المسيح ابنا لله، ومن تلك النصوص ما ورد في إنجيل متى (١٦/١٦) من قول بطرس لما سأله المسيح عن نفسه ماذا يقول الناس عنه قال " أنت هو ابن الله الحي" ١.
وفي إنجيل يوحنا (١١/٤) ورد على لسان المسيح في زعمهم "فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله"٢.
فبمثل هذه الإطلاقات اعتقد النصارى أن المسيح ابن الله، بمعنى أنه خرج من الله ﷿ وهو قول باطل وافتراء على الله ﷿ تعالى الله عن قولهم.
_________________
(١) ١ وانظر في متى هذا الإطلاق في (٣/١٧)، (٨/٢٩)، (١٤/٣٣)، (٢٧/٤٣)، وورد في إنجيل مرقص في ثلاثة مواضع فقط (٣/١١) (٥/٦)، (١٥/٣٩)، وفي إنجيل لوقا في ثلاثة مواضع كلها من كلام إبليس والشياطين وهي في (٤/٣،٩،٤١) . ٢ وانظر في إنجيل يوحنا في (١/١٨، ٤٩)، (٣/١٦، ١٨)، (٥/١٩، ٢٥)، (٦/٧٠) (٩/٣٥)، (١١/٧)، (١٩/٧)، (٢٠/٣١) .
[ ٢٨٨ ]
الرد عليهم:
وللرد على النصارى يمكن القول بأن ما أوردوه من أدلة لا تصلح أن تكون مستندًا لإثبات عقيدة خطيرة كهذه لما يلي:
أولًا: أن كتبهم التي يستندون إليها في هذا هي كتب غير موثقه، وغير سليمة من التحريف، وقد سبق بيان هذا ١
ثانيًا: أن البنوة التي يزعمها النصارى تختلف عن ظاهر لفظ "ابن الله" الوارد في الأناجيل، فالابن في الأصل جزء من الأب ومتخلق من نطفته ويكون الأب سابق للإبن في الوجود، والفضل له في وجوده، وما يعتقد النصارى في المسيح لا يتفق مع البنوة الحقيقية، وإنما يزعمون أن الابن هو الأب، وأنه مساوٍ له في الجوهر والوجود والمجد، وهي أمور لم ترد في الأناجيل، ولا يستطيع النصارى أن يقيموا عليها الدليل العقلي فضلًا عن الشرعي.
ثالثًا: أن هذا الوصف وهو "ابن الله" أطلق على غير المسيح في مواطن كثيرة من أناجيلهم، منها في إنجيل متى (٥/٩) "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون"، وفي (٥/٤٥) إن المسيح خاطب تلاميذه قائلًا " وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات".
_________________
(١) ١ انظر موضوع إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة.
[ ٢٨٩ ]
وفي إنجيل يوحنا (١/١٢) فقد ورد عن المؤمنين بالمسيح "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله".
وفي إنجيل لوقا (٢٠/ ٣٦) قال " لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله أبناء القيامة".
وورد وصف يعقوب وبنيه بذلك ففي سفر الخروج (٤/٢٢) أن الله خاطب موسى قائلا له "فتقول لفرعون هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر، فقلت لك أطلق ابني ليعبدني" وكذلك ورد في سفر إشعياء (٤٣/٦) "إئت ببني من بعيد وببناتي من أقصى الأرض".
والنصارى لا يقولون إن بني إسرائيل والحواريين أبناء الله حقيقة، وإنما يقولون هذه بنوة مجازية تعني العبادة من طرف العباد، والحفظ واللطف والرعاية من قبل الله ﷿ لهم،١ فكذلك إذًا ما ورد من بنوة المسيح لله لا تعني غير ذلك، إذ أن العبارتين واحد، فيجب أن يستويا في الدلالة والمعنى، ما لم يدل دليل على خلاف ذلك، وليس هناك ما يدل على خلاف ذلك.
رابعًا: أن المسيح ﵇ قد دلت الأدلة الكثيرة على بشريته، وأنه رسول الله،٢ كما أوردت الأناجيل وصفه بأنه ابن الإنسان وابن داود وغير
_________________
(١) ١ انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ١٠٩. ٢ انظر ما سبق في ص١٤٤.
[ ٢٩٠ ]
ذلك من الأوصاف الدالة على بشريته، ومن ذلك ما ورد في إنجيل متى (٨/٢٠) "فقال له يسوع: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" ١.
وفي إنجيل مرقص (٢/٢٨) "ابن الإنسان هو رب البيت أيضًا" ٢.
وفي إنجيل لوقا (٧/٣٤) من كلام المسيح لليهود " جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول شريب خمر محب للعشارين والخطاة"٣.
وفي إنجيل يوحنا (١/٥١) "الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان".
وفيه أيضا (٨/٤٠) يقول لهم المسيح "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" ٤.
_________________
(١) ١ وتكرر هذا الوصف في إنجيل متى في المواضع التالية (٩/٦)، ١٠/٢٣)، (١١/١٩)، (١٢/٨،٣٢،٤٠)، (١٣/٤١)، (١٦/١٣)، (١٧/٩،١٢،٢٢)، (١٨/١١)، (١٩/٢٨)، (٢٠/١٨،٢٨)، (٢٤/٢٧، ٣٠، ٣٧، ٣٩)، (٢٥/١٣،٣١)، (٢٦/١) (٤٥/٦٤) . ٢ وانظر أيضا هذا اللفظ فيه في (٢/١٠) (٨/٣١،٣٨)، (٩/٩،١٢)، (١٠/٣٣)، (١٣/٢٦)، (١٤/٢١،٤١)، وابن داود في (١/٤٨) . ٣ وانظر أيضًا (٥/٢٤)، ٦/٥)، (٢٢،٤٤،٥٦،٥٨)، (١١/٣٠)، (١٢/٨،١٠،٤٠)، (١٧/٢٢،٣٦،٣٠)، (١٨/٨،٢١)، (١٩/١٠)، ٢١/٢٧،٣٦)، (٢٢/٢٢،٤٩) . ٤ وانظر أيضا فيه في (٣/١٣،١٤)، (٥/٢٧)، (٦/٢٧، ٦٢)، (١٢/٣٤)، (١٣/٣١) .
[ ٢٩١ ]
فورد وصفه بأنه ابن الإنسان في ثمانية وستين موضعا تقريبًا في الأناجيل الأربعة، أما ما ورد وفيه إطلاق (ابن الله) عليه فقد ورد في ثلاثة وعشرين موضعا تقريبًا في الأناجيل الأربعة، منها أربعة مواضع فقط التي ورد فيها هذا الوصف من كلام المسيح، أما الباقي فليس من كلام المسيح بل بعضه من كلام إبليس والشياطين، فكيف يترك المعنى الظاهر الواضح الذي تؤيده النصوص الكثيرة والواقع، والذي يتفق مع العقل والمنطق إلى المعنى الخفي البعيد الذي تعارضه النصوص ولا يتفق مع العقل ولا المنطق!!
[ ٢٩٢ ]
جـ- الأقنوم الثالث: الروح القدس:
وهو عندهم مساو للأب والابن في الذات والجوهر والطبع وهو في كلامهم روح الله الذي يتولى تأييد أتباع المسيح وتطهيرهم١.
وقد استدلوا على قولهم بألوهية الروح القدس بأن الكتاب المقدس لديهم وصف الروح القدس بصفات لا يوصف بها إلا الله ﷿ فدل هذا عندهم على ألوهيته٢.
وللرد عليهم نقول:
إن ما أورده النصارى مما نقلوه عن الأناجيل فليس في الأناجيل أي عبارة تدل على المعنى الذي يدعونه في الروح القدس وهو الألوهية. فقد ورد اسم الروح القدس في حمل مريم بالمسيح ﵇ في إنجيل متى (١/١٨) "لما كانت مريم مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس".
والروح القدس في هذه القصة المراد به جبريل ﵇ كما فسره بذلك لوقا في إنجيله (١/٢٦) "وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصره إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء مريم".
فعلى هذا التفسير يكون الروح القدس المراد به جبريل ﵇ في كل موطن ورد ذكره فيه، إلا أن تكون الصفة المطلقة عليه لا تطلق إلا على الله
_________________
(١) ١ انظر حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص ٦٠، قاموس الكتاب المقدس ص ٤١٤، النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ٢٣٥. ٢ انظر حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص ٦٠، قاموس الكتاب المقدس ص ٤١٤، النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ٢٣٥.
[ ٢٩٣ ]
﷿ فهنا لابد من التحقق من صحة العبارة ودقة نقل الألفاظ.
ومما ورد لديهم في هذا ما ورد في إنجيل يوحنا عن "الباركليت" أو "المعزى"١ فمما قالوا فيه (١٦/١٢) "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية".
فهذا فيه دلالة واضحة على أن الموصوف بأنه روح الحق شخصية مستقلة، وهو مبلغ لرسالة أوكل إليه تبليغها، فليس فيه ما يدل على ألوهيته ولا أنه جزء من الإله، وإلا للزم أن يكون الأنبياء آلهة أيضا، لأنهم يعلمون كل ما علمهم الله به، ويخبرون عن أمور آتيه مستقبلة.
أما ما أوردوه من إنجيل متى (٢٨/١٩) أن المسيح قال لتلاميذه بعد قيامته "فاذهبوا وتلمذو جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس".
فأولًا: هذا النص لم يذكره إلا صاحب إنجيل متى وهو إنجيل غير موثق وغير ثابت النسبة إلى متى الحواري٢.
ثانيًا: على فرض صحة هذه العبارة فإن هؤلاء ثلاثة وليسوا واحدًا وكل واحد منها له مدلوله الواضح تفسيره فالأب هو: الرب جل وعلا.
أما الابن فلا يمكن أن يكون المقصود به البنوة الحقيقية، وقد سبق بيان
_________________
(١) ١ سيأتي بيان مرادهم به في الكلام على البشارة بالنبي ﵊ ص٣٤٢. ٢ انظر ما سبق ص١٨٨-١٩٠.
[ ٢٩٤ ]
هذا١ وأن المراد به العبد الصالح، فيكون المقصود به المسيح ﵇ وهو عبد الله ورسوله.
أما الروح القدس فلا يمكن أن يكون المقصود به جزء من الإله الذي هو صفة الحب أو الحياة أو نحو ذلك، إذ أن ذلك لا دليل عليه إنما يعني الملك جبريل ﵇، كما هو مصرح به في رواية لوقا السابق ذكرها التي فيها أن الملاك جبريل ﵇ هو الذي نزل على مريم، فتكون العبارة هي دعوة الناس إلى الإيمان بالله والنبي والملك.
فمن هذا كله يتضح لنا أن عقيدة النصارى التثليث ليس لها أدلة تثبت صحتها، كما أن كل أقنوم من أقانيم الثالوث لا يوجد له أدلة تثبت مفهومهم له، مما يجعل التثليث كله قائم على دعاوى لا دليل عليها، ولا مستند لها شرعي ولا عقلي.
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٥٣.
[ ٢٩٥ ]
المطلب السادس: الإتحاد: (التجسد)
الاتحاد لدى النصارى المراد به هو: أن الله - ﵎ - اتخذ جسد المسيح له صورة، وحل بين الناس بصورة إنسان هو المسيح١ - تعالى الله عما يقولون.
أدلتهم على دعواهم في الإتحاد (التجسد):
النصارى يزعمون أن لهم أدلة على هذه الدعوى ومن أظهر ما يستدلون به على ذلك ما ورد في إنجيل يوحنا في بدايته (١/١-١٤) من قول صاحب الإنجيل "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله والكلمة صار جسدًا وحل بيننا".
ومن أدلتهم أيضًا ما ورد في إنجيل متى (١/٢٣) من البشارة بالمسيح وهو قولهم "وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: "هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه "عمانوئيل" الذي تفسيره الله معنا".
ويستدلون أيضًا بقول بولس في رسالته الأولى لتيموثاوس (٣/١٦) "عظيم هو سر التقوى. الله ظهر في الجسد. تبرر في الروح".
كما يستدلون أيضًا بما ورد في الرسالة إلى العبرانيين (١/٢)
_________________
(١) ١ انظر حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص٧٦-٧٧.
[ ٢٩٦ ]
"الذي به أيضًا عمل العالمين الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته".
فهذا أهم ما يستدلون به ويعولون عليه في هذه القضية الخطيرة والعقيدة العجيبة.
الرد عليهم:
يرد على النصارى في هذه العقيدة الباطلة من عدة أوجه:
أولًا: هذه العقيدة من المستحيل عقلًا قبولها لأنها تعني أن الله ﷻ وتقدست اسماؤه قد تقمص هيئة النطفة أو هيئة الجنين ودخل في بطن مريم وعاش في تلك الأوحال والأقذار فترة من الزمن يرتضع الدم ثم اللبن وتمر عليه أحوال وأطوار الجنين والوضع ثم الطفولة ومستلزماتها.
فهل في الأقوال والتصورات أشد بطلانًا وأقبح تصورًا من هذه العقيدة وهذه المقولة؟ إن الإنسان السوي ليعجز عن التعبير عن قباحة مثل هذه اللوازم لهذه المقولة الفاسدة.
ثم يقال لهم من الذي كان يدير العالم ويدبر شؤونه وربه وسيده ومدبره في زعمهم الفاسد في بطن امرأة يتقلب بين الفرث والدم؟ فهل يعقل النصارى ما يقولون ويزعمون، أم لا يعقلون؟
ثانيًا: إن دعوى التجسد لديهم بما فيها من اللوازم الفاسدة والتصورات القبيحة المهينة في حق الله ﷻ وتقدست اسماؤه إنما هي مبررات للصلب ثم الفداء في زعمهم - وسيأتي بيان بطلان ذلك كله١ وأنها من
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٦٨ وما بعدها.
[ ٢٩٧ ]
مخترعات النصارى التي لا دليل عليها - فعلى ذلك فما بني على باطل فهو باطل أيضًا.
ثالثًا: ما يستندون إليه مما ورد في إنجيل يوحنا فقد سبق بيان عدم الثقة به لعدم وجود إسناد يثبت صحة ذلك الإنجيل، وأنه أقل الكتب نصيبًا من الصحة بل صرح الكثير من النصارى كما سبق بيانه بأنه إنجيل مزور،١ كما أن النص المذكور منه هو نص مضطرب لفظًا ومعنى، ولا يتضح مدلوله، إنما بنبئي عن عقيدة مهزوزة مضطربة ليست واضحة المعالم لدى قائله، فقوله:"في البدء كان الكلمة " ما هو الذي كان الكلمة إذا كان الله تعالى؟ فهل الله كلمه؟ هذا ما يبدو من سياق العبارة حيث يضيف "وكان الكلمة الله" فهل في عقيدة النصارى أن الله كلمة؟
ذلك باطل ولا يقول به النصارى، كما أن معنى ذلك أن كلمة أنتجت كلمة، والكلمة الأولى هي الله، والكلمة الثانية هي المسيح، ولا يقول النصارى بذلك، فهي عبارة مضطربة لا معنى لها في عقيدة النصارى.
ثم ما المراد بالبدء؟ هل يعنى ذلك بداية الله أم بداية الكلمة التي يزعمون أنها المسيح؟ كلاهما باطل في عقيدة النصارى فهم يعتقدون أن الله أزلي والكلمة معه أزليه؟ وأن الله لم يسبق المسيح في الوجود٢ فهذه أيضًا لا مدلول ولا معنى لها في عقيدة النصارى بل هي تناقض عقيدتهم.
وما بعدها أعجب منها حيث يقول: "وكان الكلمة عند الله" فكيف هي الله؟
_________________
(١) ١ انظر ١٩٤. ٢ انظر ٢٣٧.
[ ٢٩٨ ]
وكيف هي عنده؟ هذا ما لا يقبله العقل السليم، أما عقول النصارى الضالة فتقبله، لأنهم يزعمون أن المسيح هو ابن الله وهو الله وهو عند الله في وقت واحد.
ثم قوله: "والكلمة صار جسدًا ثم حل بيننا " هذا بيت القصيد لدى النصارى، وهو أن الكلمة تحولت إلى جسد وهو المسيح وحلت بين الناس، ومرادهم بالكلمة في تأويلاتهم الفلسفية: عقل الله أو فكر الله، وهي مقولة الفلاسفة الوثنيين حيث زعموا: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا الذي صدر عنه هو العقل الفعَّال وهو الذي خُلق العالم بواسطته، فهذه مقولة الفلاسفة١ اقتبسها كاتب الإنجيل وضمنها كتابه بدون أي مستند من وحي سماوي.
رابعًا: النص المذكور من إنجيل متى واستشهادهم بالنبوءة السابقة قد سبق بيان أنها غلط من أغلاطهم، ومن دلائل تحريفهم، وأن ما كتبوه إنما أملاه البشر وليس من عند الله، إذ أن هذه النبوءة المقصود بها شخص آخر ولد وتحققت النبوءة وانتهت في زمن ذلك النبي "إشعياء" كما نص على ذلك العهد القديم٢.
فعليه فهو استشهاد خاطئ وما بني عليه خطأ وضلال، ثم إن النصارى لتعمقهم في إضلال أنفسهم وأتباعهم يحرفون تفسيره من "الله معنا" إلى "الله ظاهر لنا" ٣ ومعلوم أن معية الله لا يتضح منها التجسد صراحة فأضافوا "الله ظاهر لنا" حتى تكون مفسرة للمعية، وهذا من تعمقهم في الضلال وإضلال الناس.
_________________
(١) ١ انظر: موسوعة الفلسفة (١/١٩٧) في ذكره للأفلاطونية المحدثة. ٢ انظر ما سبق ٢٠٧. ٣ انظر كتاب (الله طرق إعلانه عن ذاته) لعوض سمعان ص٣٣، نقلًا عن كتاب "المسيح في القرآن" لعبد الكريم الخطيب ١٧٧.
[ ٢٩٩ ]
خامسًا: ما أوردوه من كلام بولس هو كلام مردود عليه وغير مقبول، إذ يجب عليه أن يبين مستنده لما يقول من كلام المسيح نفسه، وإلا يعتبر مدع كاذب، وهذه حقيقة ذلك الرجل الذي أضل النصارى عن دين المسيح حيث تنسب إليه جميع التحريفات التي عليها النصارى١.
سادسًا: ما أوردوه من الرسالة إلى العبرانيين٢ فإن صح كلامهم في نسبة الرسالة إلى بولس فالقول فيها ما سبق. وإن لم يثبت نسبتها إلى بولس فكيف يأخذ النصارى عقيدة خطيرة كهذه من كتاب لا يعرف كاتبه ولا يدرى من هو؟! كما يدلنا هذا على مستوى اهتمام النصارى بالأمور الدينية وعنايتهم بصحة ثبوتها والثقة بناقليها، حيث أنهم اعتمدوا على أقوال المجهولين والنكرات في أخطر عقيدة يعتقدونها وهي التجسد المزعوم، وذلك يبين لنا مدى وضوح النداء القرآني لهم في قوله ﷿ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المائدة آية (٦٨) .
سابعًا: أن هذه العقيدة مع خلوها من النصوص الشرعية التي تثبتها فهي مناقضه للعقل، ويعترف النصارى بذلك، ويجعلونها من الأسرار، وفي هذا يقولون عن التجسد: "فهو سر الأسرار الذي فيه يستعلن الله العظيم الأبدي إلى الإنسان الضعيف في صورة الناس المنظوره وتحت حكم الزمن، وبالعقل لا يدرك الإنسان من هذا السر شيئًا، وإنما
_________________
(١) ١ سيأتي بيان ذلك في عوامل تحريف رسالة المسيح ﵇. ٢ الرسالة إلى العبرانيين هي إحدى رسائل العهد الجديد وقد سبق بيان الشك في صحتها انظر ص ١٨٣.
[ ٣٠٠ ]
يمكن للروحانيين بالروح القدس أن يعرفوا حتى أعماق الله"١.
لقد قطع النصارى على أنفسهم نعمة النظر واستخدام العقل الذي وهبهم الله إياه وتحكموا في أتباعهم بإجبارهم على إلغاء عقولهم فيما يملون عليهم من ترهات وسخافات وذلك بقولهم بزعمهم " إنها سر لا يدرك" ولا يفهم ولا يعرف. والأمر إذا خلا من الدليل الشرعي والدليل العقلي لا يكون إلا من إملاء الشياطين وأتباعهم.
ثم إن النصارى يخدعون الناس بما يزعمون من أن الأمر يدرك بالروح القدس. فإن هذا من الكلام الفارغ الذي لا معنى تحته، لأن معنى قولهم هذا أن قبول شخص من الأشخاص لهذه العقيدة إنما يتم بالروح القدس فإذا لم يقبلها عقله ولا قلبه بناءًا على خلوها من الدليل الشرعي والعقلي. قالوا له إن الروح القدس لم يهبك الإيمان بها.
وهذا كلام فارغ، إذ من المعلوم أن جميع الوثنيين يؤمنون بترهاتهم وشركهم، وإيمانهم بها لم يقم على دليل شرعي ولا عقلي وهذا وجه بطلان عقائدهم. إذًا فقبولهم لها تم عن طريق التسليم لعلمائهم ودعاتهم بدون دليل أو وعي صحيح، فمن هنا يشبه النصارى الوثنيين من ناحية دعواهم بوجوب التسليم لمقولتهم بدون استناد على الشرع أو استخدام للعقل في القضية.
أما الروح القدس فأقحم هنا إقحامًا، وإلا فما الذي يثبت أن الروح القدس هو الذي جعل أحدهم يؤمن بما يقال له وليس شيطانًا من الشياطين؟ كيف يفرق الإنسان بين الإثنين؟ ليس هناك وسيلة للتفريق إلا بالدليل الشرعي والعقلي
_________________
(١) ١ تأملات في سر التجسد ص٧.
[ ٣٠١ ]
معًا. وقد استطاع النصارى بخبث شديد أن يعطلوهما ويلغوهما لما زعموا أن الأمر سر من الأسرار الكنسية التي يجب الإيمان به إيمانًا مجردًا عن الفهم.
وهم إذا عجزوا عن فهم قضية وإقامة الدليل عليها زعموا أنها سر. ولازم ذلك: أن كبارهم وعلماءهم إما أن يعلموا ذلك السر أولا يعلمونه.
والحقيقة أنهم لا يعلمونه ولا يدرون له وجهًا، وأن علم الطالب المبتدئ منهم مثل علم أكبر القسس فيهم في مثل هذه القضايا، وإذا كان أمر لا يعرفه الكبير ولا الصغير فكيف يقبلونه؟! فلا بالشرع استناروا ولا بالعقل استرشدوا، ودعوى أن الروح القدس يعلمهم، دعوى فارغة لا حقيقة لها، وإلا وجب أن يوحى إليهم بالسر، وهم يعلمون الناس، حتى تكون للناس قناعة، وهم أنفسهم يجدوا القناعة بما يقولون ويعتقدون.
ثم ما هذه الدعوى العريضة التي زعموا، وهي أن الروحانيين يعرفون أعماق الله، ماذا يعرفون عن أعماق الله١؟
انظر كيف فتحوا الباب للافتراء على الله والكذب عليه جل وعلا بما لا يستطيعون أن يأتوا منه بشيء، والله ﷿ يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
_________________
(١) ١ هذه الدعوى في الأصل من كلام بولس حيث يقول في رسالته الأولى إلى كورنثوس (٢/١٠) "لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله" هكذا زعم هنا ويُقْصَد بالروح - الروح القدس وهو إله عندهم كما سبق، وصاحب كتاب تأملات من سر التجسد، زعم استطرادًا أن الناس الذين يعطيهم الروح القدس من علمه يعرفون أعماق الله - وهو كلام فارغ ويرده أيضًا كلام بولس في رسالته إلى روميه (١١/٣٣) "يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. لأن من عرف فكر الرب؟ أو من صار له مشيرًا؟ ".
[ ٣٠٢ ]
مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ البقرة آية (٢٥٥) . ويقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ طه آية (١١٠) جل وعلا عن افتراءات الجاهلين وتخرصات المتخرصين الظالمين.
[ ٣٠٣ ]
*
المبحث الثاني: الصلب والفداء
الصلب: هو التعليق على خشبة الصليب: واليهود والنصارى يعتقدون أن المسيح ﵇ مات مصلوبًا.
ويزعم اليهود أن المسيح كفر بالله لهذا حملوا عليه وطالبوا بدمه وزعموا أنه مات مصلوبًا.
والموت على الصليب يستلزم اللعنة عندهم فقد ورد في سفر التثنية (٢١/٢٢) "وإذا كان على إنسان خطيئة حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة بل تدفنها في ذلك اليوم. لأن المعلق ملعون من الله".
أما النصارى فهم يعتقدون كذلك أن المسيح مات مصلوبا إلا أنهم يعللون ذلك بأنه: صلب فداءًا للبشر لتخليصهم من خطيئة أبيهم آدم ﵇، وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها، فانتقلت تلك الخطيئة إلى أبنائه، وأغضبت الله عليهم أيضًا، فكان لابد من وسيط يتحمل هذا الإثم ويرضى بأن يموت على الصليب، وهذا الوسيط المخلص في زعمهم لابد أن يكون ذا وضع متميز خال من الإثم والخطأ، ولا يكون هذا إلا ابن الله - الذي هو الله في زعمهم - ثم لابد أن يكتسب الخطيئة عن طريق الجسد فهذا ما جعله يتجسد في صورة عيسى، ويخرج من بطن مريم ثم يموت على
[ ٣٠٤ ]
الصليب فداءًا للبشر، فيرضى الله بذلك عن بني آدم وترتفع عنهم تلك الخطيئة، لأنهم يزعمون أن الله جل وعلا منذ وقع آدم في الخطيئة، وهو غضبان على بني آدم بسبب الخطيئة، ولابد بناءًا على عدله أن يعذبهم، وهو بناءًا على رحمته يحب أن يرحمهم، فأنزل ابنه ليكون الوسيط والفداء الذي يقع عليه العدل فيعذب على الصليب حتى الموت فيكون موته فداءًا لبني آدم فيمكن بعد ذلك رحمة بني آدم لأن العقاب قد حل بالوسيط المخلص، فكان بهذا المسيح هو الذي جمع بين عدل الله ورحمته وفتح باب رحمة الله لخلقه مرة أخرى١.
فتبين أن هنا أمران وهما: الصلب، والفداء فنبين ما يتعلق بكل واحد منهما:
_________________
(١) ١ انظر: كلام النصارى في كتاب الخطيئة والكفارة ص ٣٣، ٤٣، وانظر كلامهم في كتاب (كفارة المسيح) ص ١٧-٢٤، وص٩٤-٩٥، وانظر كتاب (ما هي النصرانية) ص٧٦-٨٨.
[ ٣٠٥ ]
المطلب الأول: الصلب:
أ- قصة الصلب إجمالا كما وردت في الأناجيل:
يعتقد النصارى كما سبق بيانه أن المسيح مات مصلوبًا. وقصة الصلب كما وردت في الأناجيل باختصار هي: أن المسيح ﵇ طلبه اليهود ليقتلوه لأنه في زعمهم كفر بالله، فدلهم على مكانه أحد أتباعه وهو يهوذا الإسخريوطي بعد أن أغروه بالمال، فقبضوا عليه ليلة الجمعة بعد أن كان قد فرغ من صلاة طويلة تضرع وتوسل فيها إلى الله ﷿ أن لا يذيقه هذه الكأس، ثم ساقوه إلى دار رئيس كهنة اليهود الذي تحقق من أنه مستحق للقتل، ثم حمل إلى دار الوالي الروماني الذي حكم عليه بالصلب بناءا على رغبة اليهود، فصلب الساعة الثالثة صباحًا من يوم الجمعة ومات على الصليب الساعة التاسعة مساءا أي وقت العصر بعد أن صاح "إلهي إلهي لماذا تركتني".
ثم أُنِزْل من الصليب في تلك الليلة، وأُدِخْل قبرا بقي فيه تلك الليلة ثم نهار السبت ثم ليلة الأحد، ولما جاؤا إليه صباح الأحد وجدوا القبر خاليا وقيل لهم إنه قام من قبره ثم إنه ظهر لهم في الجليل وكلمهم وبقي معهم أربعين يومًا ثم ارتفع إلى السماء. وهم ينظرون إليه، هذا ما ورد في الأناجيل عن قصة الصلب اجمالًا١.
_________________
(١) ١ انظر في إنجيل متى الإصحاح ٢٦-٢٨ - مرقص الإصحاح ١٤-١٦ - لوقا ٢٢-٢٤ - يوحنا ١٨-٢١ - وانظر أعمال الرسل (١/٣) .
[ ٣٠٦ ]
ب- اختلاف المعلومات الواردة في الأناجيل عن الصلب:
إذا نظرنا إلى قصة الصلب في الأناجيل نجدها مختلفة في أكثر نقاطها، وإليك بيان الإختلافات الموجودة في رواية هذه القصة.
١) ذكر لوقا: أن ملكًا من الملائكة تراءى للمسيح يقوي عزيمته في آخر صلاة صلاها. ولم يذكر ذلك الأخرون.
٢) ذكر لوقا: أن المسيح صلى مرة واحدة، ولم يوقظ تلاميذه إلا مرة واحدة، أما متى ومرقص، فذكرا أن ذلك تكرر ثلاث مرات، ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئًا.
٣) أن الأناجيل الثلاثة متى ومرقص ولوقا ورد فيها: أن العلامة بين يهوذا الذي دل اليهود على مكان المسيح واليهود الذين جاؤا للقبض على المسيح هي أن من يقبله فهو المسيح، ويوحنا ذكر أن المسيح خرج إليهم وسألهم عمن يطلبون فقالوا: يسوع فقال لهم: أنا هو.
٤) أن يوحنا ذكر: أن اليهود لما قبضوا على المسيح ساقوه إلى حنان الذي كان حمًا لرئيس الكهنة قيافا، أما الأناجيل الأخرى فلم تذكر ذلك، بل ذكرت أنهم ذهبوا به مباشرة إلى قيافا رئيس كهنة اليهود.
٥) ذكر يوحنا: أن بطرس وتلميذًا آخر تبعا المسيح إلى رئيس الكهنه بعد أن قبض عليه، أما الآخرون فلم يذكروا سوى بطرس الذي خرج بعد ذلك ولم يشاهد المحاكمة.
٦) سؤال رئيس الكهنة للمسيح وقت المحاكمة حسب مرقص "أأنت المسيح ابن المبارك فقال يسوع أنا هو وسوف تبصرون ابن الإنسان
[ ٣٠٧ ]
جالسا عن يمين القوة وأتيًا في سحاب السماء ".
وفي متى "أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. قال له يسوع أنت قلت. وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وأتيًا على سحاب السماء".
وفي لوقا أن الجماعة سألوه "إن كنت أنت المسيح فقل لنا، فقال لهم إن قلت لكم لا تؤمنون وأن سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقوني. ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسا عن يمين قدرة الله. فقال الجميع. أفأنت ابن الله. فقال لهم أنتم تقولون إني أنا هو ".
وفي يوحنا أن رئيس الكهنة سأل المسيح عن تلاميذه وعن تعليمه، فأجابه وليس في شيء منها قوله السابق عن نفسه.
٧) الأناجيل الثلاثة ذكرت: أن المسيح لما ذهب به اليهود إلى بيلاطس الوالي الروماني فسأله عما يتهمونه به من أنه ملك اليهود، لم يجبه المسيح بشيء حتى تعجب منه بيلاطس.
أما إنجيل يوحنا فيذكر كلامًا بين المسيح وبيلاطس.
٨) الأناجيل الثلاثة ذكرت أن الصليب الذي صلب عليه المسيح سخر له رجل اسمه "سمعان القيرواني" لحمله.
أما إنجيل يوحنا فيذكر أن المسيح هو الذي حمل صليبه.
٩) ذكر لوقا: أن المسيح التفت إلى الجموع وهو في طريقه إلى الصليب وحذرهم مما سيقع لهم في الأيام القريبة من الأمور الخطيرة العظيمة. ولم يذكر ذلك أي من الأناجيل الأخرى.
[ ٣٠٨ ]
١٠) إن علة صلب المسيح حسب لوقا مكتوبة على الصليب هكذا "هذا هو ملك اليهود" باليونانية واللاتينية، والعبرانية.
وفي مرقص "ملك اليهود" ولم يذكر اللغات التي كتب بها.
وفي متى "هذا هو يسوع ملك اليهود" ولم يذكر اللغات.
وفي يوحنا "يسوع النصارى ملك اليهود" باليونانية واللاتينية والعبرانية.
١١) أن مرقص ومتى ذكرا: أن اللصين الذين صلبا مع المسيح كانا يعيرانه مع الناس.
أما لوقا فقد ذكر: أن أحدهما عيَّره، أما الآخر فرد عليه ودافع عن المسيح ولم يذكر يوحنا ذلك.
١٢) ذكر يوحنا: أنه كان يقف عند الصليب أم المسيح وأخت أمه ومريم المجدلية مع التلميذ الذي يحبه المسيح، ويعني نفسه.
وأما لوقا ومرقص ومتى فقد ذكروا: أن نساءًا من بعيد كن ينظرن إليه، من بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويسى وسالومه وأخر كثيرات، ولم يذكروا حضور أي تلميذ من تلاميذه الصلب.
١٣) في متى ومرقص: أن المسيح صرخ في الساعة التاسعة وقال "ألوى ألوى لما شبقتني، الذي تفسيره"إلهي إلهي لماذا تركتني".
وفي لوقا قال "ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا يا أبت في يديك أستودع روحي".
[ ٣٠٩ ]
وفي يوحنا أنه لم يصرخ وإنما قال " قد أكمل، ونكس رأسه، وأسلم الروح".
١٤) الاختلاف في الأحداث بعد الصلب حيث قال متى "انشق حجاب الهيكل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبر بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين".
وفي مرقص "إنشق حجاب الهيكل إلى اثنين".
وفي لوقا "أظلمت الشمس١ وانشق حجاب الهيكل ".
ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئا.
١٥) الاختلاف في عدد ووقت الذين جاؤا صباح الأحد لمشاهدة القبر الذي فيه المسيح ووجدوه خاليا - وقد سبق ذكر ذلك٢.
فهذه الإختلافات العديدة بينهم في رواية أعظم حادث في حياة المسيح حسب معتقد النصارى وهو: الصلب، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه ليس لديهم علم مؤكد ومحقق في هذا الأمر، وأن ذلك كله من باب الظن
_________________
(١) ١ "أظلمت الشمس" مرادهم به أن كسوفًا حصل في الشمس وهذا وفق اعتقاد الناس في الجاهلية كما ورد في حديث المغيرة بن شعبة ﵁: كسفت الشمس على عهد رسول الله (يوم مات إبراهيم فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﵊:" إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا الله" أخرجه خ. صلاة الكسوف الصحيح مع الفتح (٢/٥٢٦، ٥٤٦) . ٢ انظر ص ٢٠٦.
[ ٣١٠ ]
والخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، ولو كان عندهم فيه شيء مدون، أو رواة ثقات عاينوا وشاهدوا الأحداث لما اختلفوا فيه. وإن من دلالة صدق الرواة لحدث من الحوادث إتفاقهم على رواية الخبر وتفاصيل وقائعه، وان من دلالة كذب الرواة أو عدم علمهم به اختلافهم في رواية الخبر وتباين كلامهم عنه. وهذا حقيقة حال النصارى في هذا الحادث الذي قامت النصرانية المحرفة كلها عليه كما سبق بيانه، فإنهم ليس عندهم علم به مؤكد إن يظنون إلا ظنا. وانظر واستمع إلى دقة كلام الله ﷿ في تعبيره عن الواقعة وعن رواتها حيث قال ﷿ ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا ًبَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ النساء آية (١٥٧) .
فأكد الله جل وعلا عدم صلبه وأنه رفعه إليه، وبيَّن أن الأمر قد شُبِّه على اليهود الذين زعموا أنهم صلبوه، كما أن الذين اختلفوا فيه وهم النصارى الضالون علمهم فيه غير مؤكد، إذ هم متبعون للظن في قولهم وزعمهم، ويؤكد ذلك ويبينه أن الأناجيل الثلاثة متى، ومرقس، ولوقا قد ذُكر فيها: أن التلاميذ حال القبض على المسيح تركوه وفروا جميعًا، فهم لم يعاينوا القبض عليه، ولا محاكمته، ولا رفعه على الصليب، ولا موته، ولا دفنه، ولا قيامته من القبر، وأن الذي شاهد الصلب مجموعه من النساء كن ينظرن إليه من بعيد.
أما رواية إنجيل يوحنا بأن التلميذ الذي يحبه المسيح كان حاضرًا وقت المحاكمة وعند الصلب، وكذلك أم المسيح كانت موجودة وقت الصلب،
[ ٣١١ ]
فهي رواية غير صحيحة لاشك لمخالفتها لرواية الأناجيل الثلاثة الأخرى. كما أن إنجيل يوحنا هو أقل الأناجيل نصيبًا من الصحة - كما سبق بيانه في فصل المصادر١-.
جـ - حقيقة نهاية المسيح ﵇ على الأرض ومجيئة مرة أخرى
الحق بالنسبة للمسيح ﵇ أن الله ﷿ أنجاه من أعدائه اليهود، وهذا الذي يتناسب مع سؤال المسيح وتضرعه إلى الله أن يعبر عنه هذه الكأس٢ فقد استجاب الله له ورفعه إليه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ آل عمران الآيات (٥٢-٥٥) وقوله ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ المراد به من الاستيفاء وهو القبض، أو النوم، على معنى قول الله ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أو أن فيها تقديما وتأخيرًا، تقديره رافعك إلي ومتوفيك٣.
وقال ﷿ رادًا على اليهود إدعاءاتهم على المسيح وأمه مبينًا الحق
_________________
(١) ١ انظر ص ١٩٤. ٢ انظر ابتهال المسيح إلى الله وشدة تضرعه إلى الله أن ينجيه من أعدائه في إنجيل متى (٢٦/٣٦-٤٥)، ومرقص (١٤/٣٤-٤١)، ولوقا (٢٢/٤١-٤٦) . ٣ انظر تفسير القرطبي (٣/٩٩) تفسير ابن كثير (١/٣٢٢) .
[ ٣١٢ ]
فيما يتعلق بنهاية المسيح ﵇ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . النساء الآيات (١٥٦-١٥٨) .
وقد دلت السنة على أن المسيح ﵇ سينزل أخر الزمان وفي هذا يقول نبينا ﵊: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لايقبله أحد"١.
وقد أجمع المسلمون على هذه العقيده وهي أن المسيح ﵇ سينزل آخر الزمان بناءًا على تواتر الأحاديث في ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع من العقلانيين في هذه الأزمان المتأخره٢ ممن زعموا أن هذه عقيدة يهودية دخلت على المسلمين، وتابعهم على ذلك كثير من الكتاب الذين ليس لهم علم بهذه الأمور سوى التقليد. والحق أن هذه العقيدة ثبتت بالأدلة الصحيحة من السنة وأجمع علماء الاسلام عليها مما لاحاجة لنا معه إلى قول أحد من الناس وتخرصاته٣.
_________________
(١) ١ أخرجه خ-كتاب البدع (٤/٤١٤) مع الفتح، واخرجه م (١/١٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ انظر الفتاوى لمحمود شلتوت ص ٥٩. ٣ وللإستزاده ينظر في ذلك فتح الباري ٦/٤٩٠ - صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٨٩، تفسير ابن كثير (٢/٥١٥) الفتن الملاحم لابن كثير ١/١١٧) إتحاف الجماعه فيما جاء في الفتنه واشراط الساعه للتويجرى (٢/٢٢٥)، أشراط الساعه يوسف الوابل ص٣٤٠
[ ٣١٣ ]
ومما يجدر ذكره هنا أن النصارى يعتقدون رجعة المسيح قبل يوم القيامه وأنه سيحاسب الناس ويضم أتباعه إليه١.
ومن النصوص الدالة على ذلك عندهم ماورد في سفر أعمال الرسل (١/١٥) بعد رفع المسيح إلى السماء قولهم " أيها الرجال الجليليون مابالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء".
وكذلك اليهود يؤمنون بأن مسيحًا سيأتي أخر الزمان وينتصر به اليهود على أعدائهم، واليهود منذ زال ملكهم وهم ينتظرون ذلك المسيح الذي يعيد إليهم ملكهم٢.
وإن في ذلك أمرًا عجيبًا له دلالات عجيبة غريبة نشير إلى مايبدو منها مما فيه تأييد للوحي والحق فأقول:
إن مما لاشك فيه ولا مريه أن المسيح ﵇ قد رفعه الله إلى السماء كما ذكر الله ﷿ ذلك في القرآن٣ وسوف ينزل آخر الزمان كما ثبت في السنه٤ وهما المصدران اللذان لم تشُبهما شائبة التحريف ولم يطلهما تغيير ولاتبديل، وكما ارتفع المسيح ﵇ بشرًا سيعود بشرًا ليس إلهًا ولا ابن إله كما زعم النصارى ونزوله ﵇ من علامات الساعة الكبرى، أي
_________________
(١) ١ انظر الأمور المتيقنه عندنا - تأليف القس كارل وليمز ص١٧١ وانظر: رؤيا معاصره حول مجيء المسيح الثاني ص ١٠. ٢ انظر الكنز المرصود في قواعد التلمود ص ٧٠. ٣ سبق ذكر الأية في ذلك ص١٤٣. ٤ انظر الحديث السابق ص٢٧٤.
[ ٣١٤ ]
الإمارات الدالة على قرب قيام الساعه.
ومما لاشك فيه ولامرية أيضًا أن هناك رجل آخر سيسبق مجيء المسيح عيسى ﵇ ألا وهو المسيح الدجال، وهو مسيح الضلالة والغواية والدعوة إلى الكفر ونصير الكفار فهما مسيحان سيأتيان في وقت متقارب جدًا إذا ظهر أولهما لحقه الآخر، هذا مما ثبت لدينا نحن المسلمين بالأدلة القاطعه الثابته فإلى أيهم سينتمي الناس.
لاشك أن المسلمين الصادقين سينتمون إلى مسيح الهداية والخير عيسى ابن مريم ﵇، بل إن المسيح عيسى بن مريم ﵇ سينزل عليهم في جماعتهم عند إقامة الصلاة فقد ورد في حديث جابر ﵁ أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول "لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامه قال فينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة "١.
أما اليهود والمنافقون والكفار فإنهم ينضمون إلى مسيح الضلالة المسيح الدجال.
أما انحياز اليهود إليه فلأنه يهودي منهم فقد ورد في حديث ابي سعيد الخدري ﵁ أن ابن صياد قال لأبي سعيد ﵁ يا أصحاب محمد ﷺ ألم يقل نبي الله ﷺ "إنه يهودي"٢ يعني الدجال.
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يتبع
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (١/١٣٧) . ٢ صحيح مسلم (٤/٢٢٤٢) .
[ ٣١٥ ]
الدجال من يهود أصبهان١ سبعون ألفًا عليهم الطيالسه٢" كما أن قتله يكون بين اليهود في فلسطين بباب لد٣.
فهذا فيه دلالة واضحة على أن المسيح الدجال هو الزعيم والملك الذي ينتظره اليهود بفارغ الصبر.
وإن من عجيب قدر الله جل وعلا أن اليهود كانوا قبل مجيء المسيح عيسى ﵇ ينتظرون مسيحًا إلا أن أمالهم كانت متعلقه بشخصية محاربه يملكون بها الدنيا، ويعيدون لأنفسهم بها ماسلف من مجدهم وما اندثرمن عزهم بسبب كفرهم، ويرفعون عن أنفسهم تسلط الرومان، الذين كانوا متسلطين عليهم في ذلك الزمان، فلما جاءهم المسيح عيسى بن مريم ﵇ نبيًا كريمًا ذا خصال حميدة وخلال كريمة يدعو إلى التوبة والإيمان والتقوى والإحسان والعفو عن الظالم والصبر على البلاء، نفروا منه نفورًا شديدًا، وكرهوه وكرهو دعوته ﵊، فسعوا بناءًا على ذلك إلى قتله تخلصًا منه حيث خيب آمالهم في تملك الدنيا وإخراجهم من الذل الذي كانوا فيه، إلا أن الله سبحانه بكريم فضله وعظيم إنعامه انقذ عبده ورسوله منهم وأنجاه ورفعه إليه، وحاق بالذين حاولوا قتله البلاء العظيم، فبعده بمدة وجيزه حل باليهود عذاب أليم وبلاء شديد تشتتوا بسببه في أنحاء الارض شذر مذر٤.
_________________
(١) ١ مدينة عظيمة من بلاد فارس ويقطن بها كثير من اليهود انظر معجم البلدان ١/٢٠٦. ٢ صحيح مسلم (٤/٢٢٦٦) . ٣ قرية قرب بيت المقدس في فلسطين. معجم البلدان (٥/١٥) . ٤ وذلك في تدمير القائد الروماني تيطس لهم عام ٧٠م وكذلك القضاء النهائي عليهم وطردهم من فلسطين زمن الحاكم الروماني أدريانوس سنة ١٣٥م أنظر تاريخ بني إسرائيل محمد عزه دروزه ص ٣٨١.
[ ٣١٦ ]
ثم إن مما سيكون من عجيب القدر والتقدير أن الذي هو أمل اليهود في السيطرة على العالم وزعيمهم الذي سيخُضِع العالم لهم سيأتي ولاقبل لأحد من الناس به، إلا أن الله ﷿ ادخر له عيسى بن مريم ﵇ الذي لم يقبله اليهود لأنه لم يحقق لهم أطماعهم ولم يستجب لأهوائهم حيث سيكون على يديه الكريمتين هلاك ملك اليهود ورجائهم في السيطرة والغلبة، فبعد ظهور المسيح الدجال واتباع اليهود وأهل الضلالة له ينزل عيسى بن مريم ﵇ كما قال ﵊ "فينزل - يعني عيسى ﵇ - عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين١ واضعًا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه٢. فيطلبه - أي المسيح عيسى ﵇ يطلب ويلحق المسيح الدجال- حتى يدركه بباب لد في فلسطين فيقتله.. " ٣.
فيكون بذلك دمار اليهود النهائي ودمار ملكهم على يدى المسيح عيسى بن مريم ﵇ أولًا، ثم سائر المؤمنين من بعده حيث ستكون مقتله عظيمه يقتل بها جميع اليهود في فلسطين٤ والمسيح الدجال من أعظم البلايا والفتن على بني الإنسان فإنه مامن نبي إلا حذر أمته منه فقد روى عبد الله بن عمر أن
_________________
(١) ١ أي ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. ٢ وذلك معناه والله أعلم أن كل من حوله يكونون من المسلمين ومن لم يكن مسلمًا إما أن يسلم أو يموت. ٣ صحيح مسلم (٤/٢٢٥٣) من حديث النواس بن سمعان ﵁. ٤ سبق ذكر الحديث الذي ينص على قتل المسلمين لليهود ص٥٦.
[ ٣١٧ ]
رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال "إني لأنذركموه مامن نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، تعلموا أنه أعور وإن الله ﵎ ليس بأعور"١.
وللدجال طاقات ومقدرة وقوة يفتن بها الناس ويدعو الناس إلى عبادة نفسه حيث سيزعم أنه رب وإله فمن تابعه نال مما معه من لذة الدنيا ومتعها، ومن خالفه أصابه بلاء وعناء وفي هذا يقول ﵊ في بيان سرعته في السير في الأرض وماأُعْطِىَ من قوة "قلنا: يارسول الله وما إسراعه في الأرض، قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ماكانت ذرًا وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل "٢.
فلهذه الفتن التي تكون معه يتبعه المنافقون وأهل الأهواء والكفار.
أما النصارى - فيبدو لي والله أعلم - أن أكثرهم سيكون من أتباع مسيح الضلالة المسيح الدجال وأنه سيكون فتنة عظيمة لهم. وذلك أن النصارى ينتظرون مسيحًا هو الرب والإله في زعمهم، فإذا جاء المسيح الدجال فإنه يدعي الربوبيه ومعه جنة ونار كما ورد في الحديث٣ فمن آمن به أدخله جنته
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (٤/٢٢٤٥) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٢٥٢) من حديث النواس بن سمعان ﵁. ٣ روى مسلم في صحيحه (٤/٢٢٥٠) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال "ألا أخبركم عن الدجال حديثًا ماحدثه نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار. فالتي يقول أنها الجنة هي النار".
[ ٣١٨ ]
ومن لم يؤمن به أدخله ناره، وماجنته إلا نار الآخرة وماناره إلا جنة الآخرة.
ثم إن النصارى يظنون أنه سيكون في هذه الدنيا حساب وإدانة للناس من قبل المسيح عيسى في زعمهم فهذه كلها دلائل تشير إلى أنهم سيفتنون به إلا من عصمه الله منهم واستبان له حقيقة ذلك الدجال بما جعل الله في خلقته من القبح والنقص١ وما سيكون لاشك في دعوته وديانته من الفساد والإنحراف والكفر. ولكن أنى للنصارى أن يتبينوا الفساد في الديانة وهم على ديانة غاية في الانحراف.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
_________________
(١) ١ روى مسلم في صحيحه (٤/٢٢٤٧) عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﵊ ذكر الدجال بين ظهران الناس فقال "إن الله تعالى ليس بأعور ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافئة ".
[ ٣١٩ ]
المطلب الثاني: الفداء
الفداء: هو اعتقاد النصارى أن موت المسيح كان كفارة لخطيئة آدم التي انتقلت إلى ابنائه بالوراثة١.
أ- أدلة النصارى على الفداء
يزعم النصارى أن مستندهم في ذلك الكتاب المقدس ونورد فيما يلي بعض النصوص التي يستدل بها النصارى لهذه العقيدة منها:
١) "أنا هو الراعي الصالح، الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف"٢. يوحنا (١٠/١١) .
٢) "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" يوحنا (٣/١٦) .
٣) " إن ابن الإنسان لم يأت ليُخْدَمْ بل ليَخْدِمْ وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" مرقص (١٠/٤٥) .
هذا مما ورد في الأناجيل.
ومما ورد في كلام النصارى في العهد الجديد
١- في رسالة يوحنا الأولى (٣/١٦) " بهذا أظهرت المحبة أن ذاك
_________________
(١) ١ انظر علم اللاهوت النظامي ص ٧٥٦. ٢ هذا نص غريب ولا أرى أنه يصح نسبته إلى المسيح لأنه ليس صحيحًا أن الراعي يبذل نفسه عن الخراف فهي أقل منه شأنًا فكيف يبذل نفسه دونها، هذا حكم عجيب؟!
[ ٣٢٠ ]
وضع نفسه لأجلنا".
٢- قال بولس في رسالته لكورنثوس (١/١٥/٣) "مات من أجل خطايانا حسب الكتب ".
وأيضًا في كورنثوس (٥/٢١) " إن الله جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه ".
وقال في رسالته لأهل أفسس (٢/١٦) " أسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة " ١.
ب- بيان بطلان أدلتهم وكلامهم في الفداء:
الأدلة التي أوردها النصارى لا قيمة لها ولا اعتبار في مسألة الفداء لعدة أمور.
أولًا: أن الإستدلال بما ورد في الأناجيل فرع عن ثبوت صحة تلك الأناجيل وسلامتها من التحريف، وقد سبق بيان حال هذه الأناجيل وأن النصارى لا يملكون أدلة لثبوتها.
ومثلها في الضعف الرسائل الملحقة بها، وبولس الذي كثر كلامه عن الفداء في رسائله، كلامه غير مقبول، لأنه لم يشاهد المسيح، ولم يسمع كلامه فما ذكره لم يسنده عن الحواريين ولم يبين مصدره فيه فهو من قبل نفسه.
ثانيًا: أن جميع النصوص التي يذكرونها في الدلالة على أن الصلب وقع فداءًا للبشر ليس فيها نص واحد يعين الخطيئة التي يزعم النصارى أن الفداء كان لأجلها، وهي خطيئة أبينا آدم التي انتقلت في زعم النصارى إلى ابنائه بالوراثة، فجميع النصوص لا تعين هذا الأمر ولا تحدده، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى
_________________
(١) ١ أورد هذه الأدلة صاحب كتاب "كفارة المسيح" ص ١٣٢-١٣٥.
[ ٣٢١ ]
المتأخرين الذين حاولوا أن يرقعوا بها فساد القول بالفداء كفارة عن الخطايا١.
ثالثًا: أن كلام النصارى في الخطيئة التي رفعها المسيح ﵇ بموته المزعوم على الصليب كلام مضطرب، ولا ينصون في كلامهم على الخطيئة التي كفرها المسيح في كل مقام٢.
رابعًا: أن المراد من كون المسيح كفارة للخطايا أحد أمرين:
أحدهما: تكفير خطايا الناس التي اقترفوها في الماضي، أو التي سيقترفونها في المستقبل، وكلاهما باطل.
أما الخطايا الماضية فلا تستحق هذا الفداء الإلهي في زعمهم، وقد كان يتم تكفيرها بالتوبة والقربان لدى اليهود قبلهم وكان كافيا.
أما الخطايا المستقبلة فلا يستطيع النصارى أن يزعموا أن صلب المسيح مكفر لها لأن ذلك يعنى إباحتها، وعدم ترتب العقوبة على ذنب من الذنوب مهما عظم، وفي هذا إبطال لدعوة المسيح ودعوة الحواريين وبولس إلى تنقية النفس من الآثام والخطايا وفتح للإباحية والفجور والكفر. مع العلم أن تكفير الخطايا إذا أطلق لا يراد به سوى ما وقع فيه الإنسان من
_________________
(١) ١ الذي يبدو أن أول من ذكر أن الخطيئة التي كفرها المسيح هي خطيئة آدم التي ورثها ابناؤه في زعمهم هو أغسطينوس المتوفي عام ٤٣٠م، وقد بني قوله على كلام بولس الذي يقول فيه "بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم" وقد عارضه في ذلك الوقت بيلاجيوس الإيرلندي، وأنكر أن خطيئة آدم ورثها أبناؤه بل كل إنسان خطيئته تخصه وحده وتقع عليه وحده. وبعد نقاش وجدال طويل تدخل إمبراطور بيزنطه وأصدر مرسومًا يدين بيلاجيوس ويأمر بنفي من ينادي بتعاليمه، وهكذا ثبتت مقولة اغسطينوس في مسألة خطيئة آدم. انظر تاريخ الكنيسة لجون لوريمر (٣/٢٠١-٢٠٧) . ٢ انظر: المسيحية الأصيلة ص ١١٦-١٢٥.
[ ٣٢٢ ]
الآثام وهي الخطايا الماضية إذ التكفير من كفر أي ستر وغطى١ ولا يكون ذلك إلا فيما وقع وحدث.
ثانيهما: ما ذكره كثير من النصارى وهو تكفير خطيئة أدم ﵇ التي انتقلت إلى ابنائه. هو إدعاء باطل كما سبق بيانه٢ وسيأتي زيادة لبيان أوجه البطلان أيضا٣.
وحقيقة قولهم في الفداء هو: أنهم اخترعوا هذه الفرية وادعوها بدون دليل من شرع أو عقل حتى يبرروا قضية الصلب التي اعتقدوها وآمنوا بها، ويرفعوا عن المسيح تلك السبة الشنيعة التي تلحقه بالصلب وهي اللعن٤، فادعوا أن الصلب هو الشرف الحقيقي وهو الهدف الأسمى من رسالة المسيح، وأنه لولا الصلب ما جاء المسيح٥ فأخذوا يدندنون حول هذا الأمر ويبحثون له عن الأوجه التي تجعله في حيز المقبول والمعقول.
إلا أن كلامهم في الحقيقة يزيد الأمر تعقيدًا وإرباكا للقارئ والسامع وإليك مقتطفات من كلام ج. ر.و. ستوت في كتابه " المسيحية الأصيلة " في الموضوع حيث افتتح الكلام عن معنى الصليب بقوله:
_________________
(١) ١ قال في القاموس ص٦٠٥:"وكفر الشيء ستره كَكَفْرَه". ٢ انظر ص ٢٨٣. ٣ انظر ص ٢٨٨. ٤ انظر ص ٢٦٦. ٥ يقول صاحب كتاب المسيحية الأصيلة ص ١٠٥: " لا مبالغة في القول أن الشخص الرئيسي في الكتاب هو يسوع المسيح وأن الظاهرة الرئيسية في حياته كما يصورها الكتاب هي موته.. ثم يقول ص ١١٠: لأن الصليب رمز إيماننا لا نصرة بدون الصليب ولا مسيحية بدون الصليب".
[ ٣٢٣ ]
"ولكن لا أجسر أن أتناول الموضوع (يعني معنى الصلب) قبل أن أعترف بصراحة بان الكثير منه سوف يبقى سرا خفيا، ذلكم لأن الصليب هو المحور الذي تدور حوله أحداث التاريخ١؟! وياللعجب كيف أن عقولنا الضعيفة لا تدركه تمامًا٢ ولابد أن يأتي اليوم الذي فيه ينقشع الحجاب وتحل كل الألغاز ونرى المسيح كما هو " ٣.
ثم يقول في أخر الكلام بعد فلسفة مطولة استغرفت عشر صفحات "ومن المدهش أن هذه القصة الخاصة بيسوع ابن الله الذي حمل خطايانا ليست محبوبة في عصرنا الحاضر، ويقال عن حمله خطايانا ورفعه قصاصها عنا إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء. .. ثم قال:
وفوق الكل يجب أن لا ننسى "أن الكل من الله" نتيجة رحمته ونعمته المتفاضلة، فلم يفرض على المسيح قصاصًا لم يكن هو نفسه مستعدًا له فإن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه" فكيف يمكن أن يكون الله في المسيح بينما جعل المسيح خطية لأجلنا؟. هذا ما لا أستطيع
_________________
(١) ١ ما هي أحداث التاريخ؟ إن قصد التاريخ النصراني. فنعم. وإن قصد تاريخ البشرية قبل المسيح وبعده فهي مبالغة ومجازفة مكشوفة. ٢ لاشك أن الكاتب لما أمعن النظر واستعمل عقله أدرك فساد تلك الدعوى وما فيها من الأمور الباطلة التي لا يستطيع العقل أن يقبلها فلهذا نجده بعد يلغي عقله ويحيل الأمر على مستحيل بالنسبة له لأن ما هو باطل اليوم وغير معقول سيبقى هكذا أبد الدهر. ٣ لعله يقصد أنه سيبقى سرًا إلى أن يجيء المسيح مرة ثانية، فهل يليق أن يبقى الناس في عمى كل هذه الأزمان؟! ويلاحظ أن النصارى كلما عجزوا عن فهم عقيدة من عقائدهم صرحوا بأنه سر. وهذا منهم ذر للرماد في العيون.
[ ٣٢٤ ]
أن أجيب عنه. ولكن الرسول١ عينه يضع هاتين الحقيقتين جنبا إلى جنب، وأنا أقبل الفكرة تمامًا كما قبلت أن يسوع الناصري هو إنسان وإله في شخص واحد. وان كانت تبدوا ظاهريا على شيء من التناقض٢، لكني أراه في عمله كما أراه في شخصه، وإن كنا لا نستطيع أن نحل هذا التناقض أو نفك رموز هذا السر فينبغي أن نقبل الحق كما أعلنه المسيح وتلاميذه بأنه احتمل خطايانا بمعنى أنه احتمل قصاص الخطية عنا كما تعلمنا الكتب) ٣.
وإننا لنعجب غاية العجب من هذا الاعتراف بعدم معقولية هذه العقيدة ثم الإصرار عليها، فهذا غاية الضلال والإنحراف، وكان الأولى بهم إذ لم يعقلوا هذه المسائل أن يبحثوا في مصادرها حتى يظهر لهم الحق، فان تلك المصادر أساس الإنحراف والضلال الذي يوجد لدى النصارى سواء في ذلك الأناجيل أو الرسائل الملحقة بها، ولكن يزول عجبنا إذا علمنا أن ما عليه النصارى من إنحراف وضلال إنما هو صيغة محسنة من الوثنيات السابقة فرأى النصارى أنها شيء جميل بالنسبة لما كانوا عليه من الوثنيات٤، وما عرفوا الإسلام وما فيه من الحق والجمال والانسجام والوضوح الذي يبعث في النفس الطمأنينة والراحة لما هي عليه من عقيدة.
_________________
(١) ١ يعني بالرسول "بولس" شاؤول اليهودي - وهل أهلك النصارى إلا هذا الضال. ٢ هذا تلاعب، بل هي متناقضة تمامًا من ألفها إلى يائها. ٣ انظر: المسيحية الأصيلة ص ١١٠،١٢١. ٤ انظر الفصل الخاص ببيان تأثر النصارى بالوثنيات السابقة.
[ ٣٢٥ ]
ولو أن النصارى وأهل الكتاب عمومًا أصغوا إلى الدعوة الربانية الواردة في القرآن الكريم لزالت وانكشفت عنهم من الحيرة التي ولجوا فيها ولم يستطيعوا الخروج منها، ومن ذلك آيتان كريمتان فيهما شفاء لما هم فيه، أما الآية الأولى فقوله ﷿ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المائدة (١٥) .
أما الآية الثانية فقوله ﷿ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ المائدة (٧٧) .
[ ٣٢٦ ]
المطلب الثالث: بيان بطلان دعوى النصارى في الصلب والفداء إضافة لما سبق.
إن دعوى الصلب والفداء مناقضة في الحقيقة للشرع والعقل فمما يبين ذلك ويدل على بطلان دعواهم إضافة لما سبق أن يقال لهم:-
١- أن آدم ﵇ الذي يزعمون أن الصلب والفداء كان لأجل خطيئته قد تاب من خطيئته بقوله ﷿ ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ طه (١٢٢) وقد قبل الله توبته. كما أنه عوقب ﵇ بإخراجه من الجنة وتأثر ابناؤه بالعقوبة، وإن لم يكونوا مقصودين بها.
كما أورد اليهود في كتابهم أن الله قال لآدم " لأنك يوم تأكل من الشجرة موتا تموت" سفر التكوين (٢/١٧) . وقد وقع هذا لآدم بعد الأكل من الشجرة بإخراجه وزوجته من الجنة إلى الأرض ثم موتهم فيها، فقد عوقبا بذلك، كما ينص اليهود على إخراجهما من الجنة إلى الأرض التي فيها الكد والتعب. فمن أين أتى النصارى بفرية خطيئة آدم، وأحيوها هذا الأحياء، وألبسوها هذا اللبوس.
٢- إن ما وقع من آدم ﵇ هو أكله من الشجرة بإغواء الشيطان له وهذا ذنب منه في حق الله ﷿ الذي نهاه عن الأكل منها، فالذنب بهذا لم يكن يلزم للتكفير عنه أن ينزل الرب جل وعلا ليصلب على الصليب، بعد أن يُهان ويُذل من أجل أن يرضي نفسه، بل الأمر يكفي فيه قبول التوبة ومغفرة الذنب فقط، وهذا الذي وقع كما نص على ذلك القرآن الكريم.
[ ٣٢٧ ]
٣- أن ما وقع من آدم ﵇ يعتبر يسيرا بالنسبة لما فعله كثير من أبنائه من سب الله ﷿ والاستهزاء به، وعبادة غيره جل وعلا، والإفساد في الأرض بالقتل، ونشر الفساد والفتن، وقتل أنبيائه ومحاربة أوليائه إلى غير ذلك، فهذه أعظم بكثير من خطيئة آدم ﵇. فعلى كلام النصارى أن الله لابد أن ينزل كل وقت ليصلب حتى يجمع بين عدله ورحمته في زعمهم.
٤- إن صلب المسيح الذي هو الله في زعمهم تعالى الله عن قولهم قد تم بلا فائدة تذكر، فإن خطيئة آدم ليست على بال بنيه ولا تقض مضاجعهم إنما ما يقلق الإنسان ويخيفه ذنوبه وجرائمه، وهذه لا تدخل في كفارة المسيح في زعمهم١.
٥- أن الأنبياء السابقين ليس فيهم من ذكر خطيئة آدم وسأل الله أن يغفرها له، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى.
٦- أن الأنبياء السابقين والدعاة والصالحين قبل المسيح بناءًا على كلامهم هذا كانوا يدعون إلى ضلالة، وقد أخطأوا الطريق إذ لم يرشدوا الناس إلى حقيقة تلك الخطيئة ويوعوهم بخطورتها كما يفهمها النصارى.
٧- أن الأنبياء السابقين وعباد الله الصالحين كلهم هالكون إذ لم تكفر عنهم تلك الخطيئة، لأنه لا يتم تكفيرها إلا عن طريق المسيح المصلوب في زعم النصارى.
٨- أن بين آدم وعيسى ﵉ زمنًا طويلًا، فمعنى ذلك أن الله بقي
_________________
(١) ١) انظر ما سبق ذكره في الصلب والفداء ص ٢٦٦.
[ ٣٢٨ ]
متحيرًا كل هذه المدة إلى أن اهتدى إلى الوسيلة التي يعقد المصالحة فيها بين الناس ونفسه.
٩- أن الخطيئة وقعت من آدم ﵇ فلا تنتقل إلى ابنائه ولا يستحقون هم العقوبة عليها، لأنه لا أحد يعاقب بذنب غيره بل هذا ينافي قواعد العدل وقد نص الله ﷿ على هذا في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ النجم آية (٣٨) وكذلك ورد في التوراة "لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل" سفر التثنية (٢٤/١٦) .
١٠- هل من العدل أن يعاقب غير المذنب؟ والمسيح في زعم النصارى ابن الله، فهو ليس من جنس بني آدم فكيف يعاقب بدلًا عن آدم وذريته ودعواهم أنه تقمص الجسد البشري لا يزيل هذه الحقيقة لأنه ليس من جنس البشر حسب كلامهم.
١١- أن المسيح في زعم النصارى ابن الله فأين الرحمة التي جعلت الله في زعمهم يشفق على عبيده وخلقه ويترك ابنه للعذاب والبلاء والإهانة واللعن١ والموتة الشنيعة؟!
١٢- في زعم النصارى أن المسيح هو ابن الله وهو الله وأن المصلوب المهان
_________________
(١) ١ يزعم بولس (شاؤول اليهودي) أن المسيح صار لعنة لأجلهم، انظر رسالته إلى أهل غلاطيه (٣/١٣)، وفيها يقول: " فالذي افتدانا من لعنة الناموس هو المسيح الذي صار لعنة لأجلنا " فهل من اللائق أن يستجلب عاقل غضب الله ولعنته من أجل نجاة غيره هذا يتنافى مع الطبع السوى، وهل يليق بمؤمن يقدر المسيح عيسى ﵇ ويكن له المحبة والإجلال أن يصفه بأنه ملعون!! حاشا المسيح ﵊ من ذلك، فإن الملعون من لعنه.
[ ٣٢٩ ]
الملعون. تعالى الله عن قولهم وتقدس هو الله ﷻ وتقدست اسماؤه، فهل يوجد كفر أعظم من هذا وافتراء على الله أكبر من هذا ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام آية (١٣٩) .
١٣- هل يليق أو يعقل أن ينزل الله ﷻ وتقدست اسماؤه من عليائه وعرشه ويسمح لأبغض أعدائه إليه اليهود قتلة الأنبياء، والرومان الوثنين أن يهينوه ويعذبوه ويصلبوه؟ ثم هو يفعل هذا لماذا؟ لأجل أن يرضي نفسه؟ لأجل من؟ من أجل عبيده؟
هذا مما لا يمكن أن يقال ويقبل بحال من الأحوال، بل يجب أن يستعاذ بالله من الشيطان الرجيم عند مرور مثل هذا الخاطر والوسواس ويقال سبحانك هذا بهتان عظيم!
١٤- حسب عقيدة الفداء لدى النصارى يكون أعظم الناس برًا وفضلًا على النصارى والبشرية عمومًا اليهود والرومان والواشي بالمسيح، لأنهم الذين تحقق على أيديهم في زعم النصارى الهدف الأسمى الذي جاء من أجله المسيح وهو الموت على الصليب.
١٥- أن جميع تحركات المسيح ودعوته وفق اعتقاد النصارى في الصلب والفداء لم تكن إلا تمثيلًا أحسن المسيح أداء الدور فيه، مما جعل اليهود يغضبون عليه، فيعلقونه على الصليب.
١٦- بناءًا على دعوى النصارى في أن المسيح فدى البشر بدمه، فمعنى ذلك أنه لا حاجة إلى الإيمان به واعتقاد صلبه وألوهيته وما إلى ذلك، لأن الخطيئة قد ارتفعت عن جميع البشر ببذله نفسه، مثل من كان عليه دين فجاء أحد
[ ٣٣٠ ]
من الناس فقضى ذلك الدين عنه، فالمطالبة تسقط عنه بمجرد القضاء وهذا ما لا يقول به النصارى مخالفين في ذلك دليل العقل.
١٧- أن دعوى النصارى بأن الصلب وقع على الجسد البشري الذي حمل الخطيئة وأن هذا الجسد مات. دعوى تنقضها وتبطلها قصة قيامة المسيح عندهم، فلو كان تجسد لأجل تحمل الخطيئة فالواجب أن يفني ذلك الجسد بعد حلول العقوبة عليه.
١٨- أن دعوى أن المسيح قام من قبره ولمسوه وتأكدوا منه، ثم ارتفع إلى السماء تنقض دعوى أنه ابن الله وأنه تجسد بالصورة البشرية لأن الدور الذي تجسد من أجله قد أداه وانتهى، ثم إن الجسد البشري لا حاجة إليه حيث يذهب المسيح في زعمهم عن يمين أبيه، وهذا من أوضح القضايا لو كانوا يعقلون.
بعد هذا كله من حق الإنسان أن يتساءل: هل النصارى على درجة كبيرة من الذكاء والخبث الشيطاني الذي جعلهم يغلفون بغضهم لله ﷿ وبغضهم للمسيح ﵇ بهذه الدعاوى الكاذبة التي يظهرونها ويصرون على التمسك بها بدون أدنى دليل عقلي أو شرعي زاعمين أنهم يعبرون بذلك عن شدة حبهم لله ﷿ وشدة حبهم للمسيح أيضًا؟!
أم أنهم على درجة شديدة من الغباء والحمق الغالي الذي جعلهم لا يميزون بين ما هو ثناء وحب حقيقي، وبين ما هو طعن وسخرية وبغض وأحقاد تنفث على الله ﷿ وعلى نبيه المسيح ﵇؟.
وصدق الله القائل: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ
[ ٣٣١ ]
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فاطر (٨) .
وفي ختام الكلام على هذه العقيدة الباطلة لابد من الإشارة إلى أن الديانة النصرانية كلها تقوم على مسألة الصلب، وأن الدعوة إلى النصرانية تقوم عليها، إذ ليس في النصرانية أي عامل جذب يمكن أن يجذب الناس إليها، وليس فيها ما يمكن أن يتحدث فيه ويقدم للناس سوى هذه القضية التي يركزون عليها تركيزًا شديدًا، وهي مسألة: الصلب والفداء، وذلك بايحائهم للناس أنهم هالكون مردودة عليهم أعمالهم مغضوب عليهم منذ ولادتهم وقبل أن يولدوا، مما يجعل الإنسان الجاهل بحقيقة الأمر يحس بثقل عظيم على كاهله من تلك الرزية والخطيئة التي لم يكن له دور فيها، ثم إنهم بعد أن يوقعوا الإنسان فريسة الشعور بالذنب والخطيئة، وتأنيب الضمير، والخوف من الهلكة، يفتحوا له باب الرجاء بالمسيح المصلوب، فيزينوا له ذلك العمل العظيم الذي قام به المسيح لأجل الناس ويدعونه إلى الإيمان به، فإذا كان ممن لم يتنور عقله بنور الهداية الربانية ونور الإسلام يجد أن هذه هي الفرصة العظيمة التي يتخلص بها، وما علم المسكين أن الأمر كله دعوى كاذبة وخطة خبيثة للإيقاع به وأمثاله.
[ ٣٣٢ ]
المبحث الثالث: محاسبة المسيح الناس
يزعم النصارى أن المسيح ﵇ سوف يتولى يوم القيامة محاسبة الناس وإدانتهم ولهم على ذلك نصوص من إنجيل يوحنا وغيره. ومن ذلك.
ما ورد في إنجيل يوحنا (٥/٢٦) "كما أن الأب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا لأنه ابن الإنسان".
وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (٥/١٠): "لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا".
وثبوت هذه العقيدة فرع عن ثبوت أصلها وهي الأناجيل أو الرسائل، أما الأناجيل فقد سبق الحديث عنها، وإنجيل يوحنا أقلها نصيبًا من الصحة١. أما كلام بولس في رسائله فإنه غير مقبول، لأنه كما سيتبين يهودي متعصب، وهو أول من انحراف بالديانة النصرانية عن وجهها إلى الشرك ودعوى ألوهية المسيح إلى غير ذلك من الضلالات.
وما نعتقده في ذلك أن الله ﷿ هو الذي يتولى حساب الناس يوم القيامة، ويكون الرسل شهودًا على أقوامهم.
_________________
(١) ١ انظر ما سبق ص ١٩٤.
[ ٣٣٣ ]
المبحث الرابع: قول النصارى في البعث والجنة والنار
يعتقد النصارى بالبعث الجسدي. ورد في قاموس الكتاب المقدس "تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامه الأجساد وتغيير هذه الأجساد وبقاءها إلى الأبد ".
ثم قال "ولقد عَلَّم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون"١.
كما أن النصارى يؤمنون بالنعيم الأبدي في الجنة والعذاب الأبدي في النار٢، كما جاء في إنجيل متى (٢٥/٣٤) "ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم.. ثم يقول أيضًا للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية".
إلا أنهم يزعمون أن الجنة ليس فيها أكل ولا شرب ولا نكاح ولاشيء من المتع الحسية، وإنما يعتقدون أن المتعة تكون برؤية الله فقط.
فلهذا يقول ميخائيل مينا "إن نعيم الأبرار هو عبارة عن إتصالهم بالله ورؤيتهم جلاله، ورؤية الله هي الجزاء الأعظم الفائق كل خير الذي
_________________
(١) ١ قاموس الكتاب المقدس (٧٤٨-٧٥٠) . وانظر كتاب "الملكوت" للقمص سيد اروس ص٥٢ وانظر علم اللاهوت النظامي ص١١٩٧. ٢ يصرح بعض النصارى بأن النار التي وعد بها المجرمون رمزيه، وليست حقيقية، أما العذاب فهو عندهم حقيقي انظر علم اللاهوت النظامي ص١٢١١ وكتاب الأمور المتيقنة ص ١٩٧.
[ ٣٣٤ ]
يملأ رغبة كل إنسان ويشبع شهوات نفسه، بل هو سعادته النهائية المشتهاة من كل مشاعره والتي إليه تتجه كل أشواق قلبه"١.
وإنكارهم هذا يعود إلى أنهم يرون أن الأجساد يوم القيامة ستكون أجسادًا روحانية لا تحتاج إلى الطعام والشراب، وليس فيها شهوة الجماع ولا فرق فيها بين جسد المرأة وجسد الرجل٢. ويستدلون لذلك بنصين: أحدهما في إنجيل متى (٢٢/٢٩) وفيه يقول المسيح: "لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء".
والآخر من كلام بولس في كورنثوس الأولى (١٥/٤٤) وهو يتحدث عن قيامة الأموات "يزرع جسمًا حيوانيًا ويقام جسمًا روحانيًا".
وهذا الكلام من بولس لا دليل له عليه، وهو من اختراعاته وافتراءاته العديدة٣.
أما النص المنسوب إلى المسيح فليس فيه سوى نفي الزواج، وليس فيه نفي الطعام والشراب، وقد ثبت في نصوص الأناجيل إثبات الطعام والشراب في الآخرة فقد ذكر لوقا في (٢٢/٢٩): أن المسيح قال لتلاميذه الذين يؤمنون به "وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتا لتأكلوا وتشربوا على مائدتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الإثنى عشر".
_________________
(١) ١ انظر علم اللاهوت النظامي ص١٢١٠. ٢ انظر كتاب الملكوت للقمس سيداروس ص١٠٣، ١٠٤. علم اللاهوت النظامي ص ١١٩٨. ٣ يبدو أن هذه العقيدة أتى بها بولس من اليهود، وذلك أن اليهود قالوا في التلمود: " لا مطعم في العالم الآتي، ولا مشرب، ولا عشق، ولا عمل، ولا حسد، ولا حقد، ولا شحناء، أهل الحق سيجلسون وعلى رؤوسهم التيجان وهم يمجدون في بهاء وجلال الله". انظر كنوز التلمود ص٣٣.
[ ٣٣٥ ]
وفي إنجيل متى (٢٦/٢٩) إن المسيح قال لتلاميذه بعد آخر شراب شربه معهم "وأقول لكم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي".
فهذه النصوص تعارض ذلك النص السابق الذي ينكر النعيم الحسي، وتدل على عدم صحته، لأن الحق أن أهل الجنة يتنعمون فيها نعيمًا كاملًا ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم وبينه النبي محمد ﷺ بيانًا شافيًا، وليس هناك مانع عقلي منه والله على كل شيء قدير وفضله عظيم.
[ ٣٣٦ ]
الفصل الرابع: بعض العبادات والشعائر عند النصارى
المسيح ﵇ من بني إسرائيل، وكان ملتزمًا بما كان من الشريعة قبله، وفي هذا يذكر صاحب إنجيل متى (٥/١٧) أن المسيح قال للجموع شارحًا دعوته "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل".
إلا أن النصارى بعد المسيح بدلوا وغيروا ديانته في العقيدة والشريعة فألغى "بولس" الناموس أو شريعة موسى، وأبطل العمل بها، بل إعتبر العمل بها لا ينجى الإنسان بل يهيئه للعنه. وفي هذا يقول في رسالته لأهل غلاطية (٢/١٦) "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما".
وفي (٣/١٠) يقول: "لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به".
لهذا إنقطعت صلة النصارى بالعبادات والشرائع الموجودة في العهد القديم. وصارت عندهم عبادات وشعائر مختلفة نذكر منها.
[ ٣٣٩ ]
أولًا: العبادات:
أ- الصلاة:
وهي سبع صلوات في اليوم والليلة، وليس لها كيفية محدودة وإنما هي دعاء. ويختارونه في الغالب من الأدعية المنسوبة للمسيح ﵇، أو الأدعية المنسوبة إلى داود ﵇، كما ذكروها في المزامير من العهد القديم. وللصلاة عندهم شرطان فقط وهما:
١- أن تقدم الصلاة باسم المسيح لأنه الواسطة عندهم- وهذا أصرح ما يكون في عبادتهم له.
٢- أن يتقدم الصلاة الإيمان الكامل بالتثليث وغيره من العقيدة.
والصلاة أنواع: منها صلاة فردية سرية، وصلاة عائلية في البيت، ومنها الصلاة العامة في الكنيسة، وأهمها صلاة يوم الأحد حيث يقرأ الكاهن عليهم شيئًا من المزامير أومن غيرها من الكتاب المقدس، والجميع وقوف يستمعون، وعند نهاية كل مقطع يؤمنون١.
ومما يجدر ملاحظته هنا أن النصارى يوردون عن المسيح أنه حض على الصلاة فقد ذكر متى في (٦/٥) "ومتى صليت فلا تكن كالمرائين وأما أنت فمتى صليت فادخل مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك في الخفاء".
ولكن لم يرد عن المسيح ﵇ بيان لكيفية الصلاة - والذي يظهر أن المسيح ﵇ كان يصلي مثل صلاة بني إسرائيل، وحواريوه كانوا
_________________
(١) ١ انظر: دستور الكنيسة الإنجيلية بمصر ص٤٠-٤١ في العبادات المسيحية ص١٦-١٧.وحقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص٢٠٠
[ ٣٤٠ ]
يعرفون الصلاة لأنهم من بني إسرائيل فلهذا لم يعرفهم المسيح ﵇ كيفيه الصلاة.
ومما يلاحظ أن المسيح حين صلى كان يقع على وجهه على الأرض كما يقول متى في (٢٦/٣٩) "ثم تقدم (المسيح) قليلًا وخر على وجهه وكان يصلي".
فهذا يفهم منه أن المسيح كان يسجد في صلاته، وهو ما لا يفعله النصارى، وهذا يدلنا على أن النصارى لا يعرفون كيف كان يصلي المسيح على التفصيل وإنما أخذوا من أمره بالصلاة المعنى العام وهو الدعاء والتزموه بدون دليل صحيح.
ب- الصوم:
وهو الإمتناع عن الطعام حتى بعد منتصف النهار، ثم تناول طعام خال من الدسم عند البعض، والبعض منهم يرى أن الصوم امتناع عن الأكل والشرب من الصباح إلى المساء، وهم يصومون يوم الأربعاء لأنه يوم المشاورة على موت المسيح عندهم ويوم الجمعة لأنه صلب عندهم فيه المسيح، وصوم الميلاد وعدد أيامه ٤٣ يومًا تنتهي بعيد الميلاد، وأيامًا أخرى غيرها وضعوها لمناسبات خاصة تختلف من كنيسة إلى كنيسة. وبعضهم يرى أنه لا يوجد صيام دوري على النصراني بل يصوم الإنسان وقت الحاجة للصيام، ويَعْتِبر كل صيام محدد بدعة غير مشروعه١.
وما سبق أن قلناه في الصلاة نقوله في الصوم، فإن المسيح حض على الصوم
_________________
(١) ١ انظر: حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص٢١٦، العبادات المسيحية ص٢٤.
[ ٣٤١ ]
عمومًا ولم يحدد فيه كيفية ولازمانًا ولا شيئًا من ذلك، فتأوله كل جماعة منهم على ما أرادوا بدون أن يكون هناك أي دليل يعتمد عليه من قبل المسيح.
وهذا كله لأن النصارى فصلوا بين العبادة الواردة في العهد القديم والعبادة في العهد الجديد، فحرم عليهم بولس العمل بشيء من تعاليم الناموس (التوراة) كما سبق بيانه - فصارت ديانتهم دعوة عامه ليس فيها تفصيل لشيء من العبادات.
[ ٣٤٢ ]
ثانيًا: الشعائر عند النصارى:
أ- التعميد:
هو مفتاح الدخول في النصرانية، فمن لم يعمد فليس نصرانيًا عندهم ولو كان من أبوين نصرانيين، ويمكن أن يعمد الشخص وهو طفل أو في أي وقت من حياته، كما يمكن تعميده وهو على فراش الموت، ومرادهم بالتعميد أن يكون الإنسان طاهرًا مبرءًا من الذنوب.
وطريقته عندهم رش الماء على الجبهة، أو غمس أي جزء من الجسم في الماء، أو غمس الشخص كله في الماء، ولا يكون إلا في الكنيسة وعلى يد كاهن١.
ب - العشاء الرباني أو القربان المقدس:
هو قطع من الخبز مع كأس من الخمر، يتناوله النصارى في الكنيسة رمزا وتذكارا لصلب المسيح عندهم.
وعند الكاثوليك من النصارى أن من أكل هذا الخبز وشرب الخمر فقد أكل لحم المسيح، وشرب دمه، لأنه عندهم يتحول حقيقة إلى لحم المسيح ودمه.
بينما يرى غير الكاثوليك أن هذا رمز لما حل بالمسيح، أو أن المسيح يحضر روحيًا هذا العشاء، وليس له وقت محدد، وإنما يرون ممارسته مرارًا عديدة في العام، ويجب أن يبلغ الناس عنه قبل موعده بأسبوعين على الأقل -وهاتان الفريضتان الأخيرتان هما أهم شعائر النصارى إذ هما فقط الذي ورد
_________________
(١) ١ دستور الكنيسة الانجيلية ص٥١، حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص٢٤٠. وانظر علم اللاهوت لنظامي ص١٠٧٤.
[ ٣٤٣ ]
عن المسيح في زعمهم الأمر بهما١.
ج- الإعتراف للقسس وصكوك الغفران:
التوبة عند النصارى لا تتم إلا بالاعتراف بالذنوب والخطايا أمام القس أو الكاهن في الكنيسة، ثم يمسحه هذا الكاهن فتغفر ذنوبه٢.
ثم إن ذلك تطور حيث قُرر في المجمع الثاني عشر سنة ١٢١٥م أن الكنيسة الكاثوليكية تملك حق الغفران للذنوب وتمنحه لمن تشاء.
فاستغلت الكنيسة والقسس هذا الأمر، وطبعوا صكوك الغفران، وباعوها وربحوا من ورائها أموالًا طائلة، وهذه الصكوك يغفر فيها جميع الذنوب السابقة واللاحقة وتخلص صاحبها من جميع التبعات والحقوق التي في ذمته ٣.
وهذا وصمة عار في جبين النصارى، ومظهر من مظاهر تلاعبهم وعبثهم، لأن من المعلوم أن الإنسان لا يتجاوز ويتسامح عما لا يملك فكيف يسقط الكاهن أو القسيس حقوق الآخرين التي في ذمة الإنسان، وأكبر منها وأعظم الذنوب التي يرتكبها الإنسان مخالفًا بها أمر الله ومتعديًا حدوده فمغفرتها حق لله ﷿ وحده.
فهل الله جل وعلا عاجز عن تولي ذلك؟ أم أنه غائب لا يدري؟ أم أن البابوات والقسس أعلم منه بخلقه؟ أم هم أرحم منه بخلقه؟
_________________
(١) ١ دستور الكنيسة الانجيلية ص٥٣، حقائق أساسية ص٢٥٠. ٢ انظر: العبادة المسيحية ص٨٨،١١٥. ٣ انظر: تاريخ الكنيسة. جون لوريمر (٤/٣٧-٣٩) .
[ ٣٤٤ ]
لاشك أن كل ذلك غير حاصل، وإنما هو جرأة على الله وتعد على حقوقه جل وعلا، واستعباد لخلقه، وتأليه لأنفسهم وتعظيم، ومما لاشك فيه أن أعظم رجاء للإنسان وأمل هو أن يغفر الله له ذنوبه ويتجاوز عن سيآته وخطاياه، فإذا جعل البابوات والقسس هذا الأمر بأيديهم فإنهم يحولون بذلك بين الخلق وربهم ويحجبونهم عنه فلا يسألونه، ولا يرجونه وتصبح آمالهم معلقة بأمثالهم من الناس في الخطيئة والجهل والنقص.
وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول عنهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التوبة آية (٣١) .
ثم يقول جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ التوبة آية (٣٤) .
د - الزواج عند النصارى:
الزواج عند النصارى جائز عندهم ما عدا القسس والرهبان اقتداءًا في زعمهم بالمسيح ﵇ الذي لم يتزوج.
وعندهم أن الذي يستطيع أن يضبط نفسه عن الزنا فالأفضل أن لا يتزوج، ولا يجوز عندهم الزواج بأكثر من واحدة، ولا طلاق عندهم إلا في حالة الزنا عند الأرثوذكس وإذا طلق أحدهما الآخر فلا يتزوج مرة أخرى. ويجوز الطلاق عندهم في حالة اختلاف الدين بين الرجل والمرأة إذا لم يتم التوافق بينهما.
هـ - حمل الصليب وتقديسه:
النصارى يرمزون بالصليب الذي يحملونه والذي لا تكاد تجد نصراني إلاّ
[ ٣٤٥ ]
وهو يحمله، إلى صلب المسيح ﵇ عندهم.
ويزعمون أن حمله يشعرهم بإنكار النفس واقتفاء أثر المسيح في هذا الإنكار والسير وراء مخلصهم وفاديهم ١. ولا يوجد لدى النصارى دليل على حمل الصليب فضلًا عن تقديسه، كما أنه لا يعرف متى صار الصليب مقدسًا، حيث لا يوجد له أي ذكر لدى المتقدمين من النصارى، ولا يعرف من الذي دعى إلى حمله على التحقيق، وإنما هو أمر استحسنوه ودرجوا عليه في زمن متأخر حتى صار من أظهر شعائرهم.
وـ تقديس يوم الأحد:
من المعلوم أن المسيح ﵇ من بني إسرائيل، وبنو إسرائيل يعظمون يوم السبت ويقدسونه، فكان المسيح ﵇ على ذلك، إلا أن النصارى فيما بعد بوقت طويل تركوا السبت وأخذوا يعظمون الأحد رغبة منهم في مخالفة اليهود الذين يكنون لهم العداء والبغض. وهذا يعد من النصارى تحريف وتغيير لدين المسيح ﵇ بما يوافق أهواءهم بدون أن يكون عندهم دليل على ذلك.
_________________
(١) ١ انظر في الموضعين: محاضرات في النصرانية (١١٠-١١٧)، والمسيحية أحمد شلبي ص ١٧١-١٧٥، ٢٣٥، ٢٣٦.
[ ٣٤٦ ]
الفصل الخامس: العوامل التي أدت إلى تحريف رسالة المسيح ﵇
المسيح ﵇ جاء بالدين الحق من عند الله ﷿ كغيره من الأنبياء ﵈. دين سماوي يظهر فيه التوحيد وإفراد الله بالعبادة بأوضح صوره، ولكننا نراه اليوم دينًا مختلفًا طُمست فيه تمامًا معالم التوحيد، وبدلًا من أن يكون دينًا يوافق العقل والفطرة، أصبح دينًا حربًا على العقل، وعدوًا لدودًا للفكر السليم الناضج، ومضادًا للفطرة السليمة. وكان لهذا الإنحراف عوامل كثيرة أظهرته بهذا الشكل والهيئة.
ومن أهم هذه العوامل:
أ- الاضطهادات:
إن مما لاشك فيه أن الدعوات خاصة الدينية والإصلاحية تنمو وتزدهر في السلام والأمن، وتنكمش وتتقوقع في الخوف والاضطهاد، وقد يؤدي الاضطهاد المركز إلى القضاء عليها، وخاصة إذا واكب نشأتها قبل أن تنغرس جذورها في الأرض وتثبت قدمها فيها.
وإن الدارس لتاريخ المسيح ﵇ وأتباعه ودعوته يجد أن الاضطهاد واكب نشأتها واستمر قرونًا عده يشتد حينًا ويفتر حينًا آخر.
فقد كان المسيح ﵇ مطاردًا من اليهود، بل سعوا جادين إلى قتله، إلا أن الله ﷿ أنجاه منهم ورفعه إليه، ثم إن النصارى حسب كلامهم وقع عليهم اضطهاد شديد من بعده، أولًا من قبل اليهود، فقد قُتل أحد كبار النصارى ويسمى "إستفانوس"
[ ٣٤٩ ]
رجمًا١، وقُطع بعده رأس "يعقوب" ٢ مما جعل بقية الأتباع يتفرقون في البلدان وينتشرون في أرض الله خوفًا من اضطهاد بني جنسهم اليهود لهم، ثم وقعت على من بقي منهم في فلسطين نكبتان مدمرتان أولاهما عام ٧٠م وهي: فتك الوالي الروماني "تيطس" باليهود وتدميره لبيت المقدس بسبب عصيانهم وتمردهم.
والأخرى وهي أكبر من أختها: عام ١٣٥م في عهد الإمبراطور "هادريان" الذي قضى على اليهود في فلسطين ولم يبق بعده فيها إلا أقلية نصرانية واهنة مبعثرة٣.
ثم استمر اضطهاد أباطرة الرومان للنصارى قرنين آخرين، ذاق خلالهما النصارى ألوانًا شتى من الذل والاضطهاد، حتى أصبح إتهام أي رجل بالنصرانية في بعض الأحيان مبررًا قويًا لإلقائه للوحوش المفترسة والحكم عليه بالموت٤ ولم يتوقف هذا الاضطهاد إلا بتولي قسطنطين الإمبراطورية الرومانية وإصداره مرسوم ميلان سنة٣١٣م ٥، والقاضي بإعطاء النصارى الحرية الدينية وحرية الأديان عمومًا.
فكان هذا الاضطهاد من العوامل المهمة في تحريف دعوة المسيح؟ ﵇ نصرانية، لأن تثبيت العقيدة والدعوة إليها والعمل بها، يحتاج إلى وضع آمن،
_________________
(١) ١ انظر أعمال الرسل (٧/٥٤-٥٩) . ٢ أعمال الرسل (١٢/٢) . ٣ انظر تاريخ بني إسرائيل. محمد عزه دروزه ص ٣٨١ ٤ تاريخ المسيحية لحبيب سعيد (١/٥٩) . ٥ انظر ما سبق ص ٢٢١.
[ ٣٥٠ ]
بل يحتاج إلى قوة داعمة ومناصرة لترسخ العقيدة في النفوس، ويتمكن الدعاة من نشرها بين الناس، وإلا فإن عقائد الناس وعباداتهم القديمة تطغى على الدعوة الجديدة، وقد تصبغها بصبغتها، وكذلك أعداء الأديان من أصحاب الأهواء والنفعيين فإنهم يجدون أرضية مناسبة لبث أرائهم وأهوائهم في الأديان، كما أن الجهل بالدين الصحيح في كثير من الأحيان مع النية الصالحة في العمل قد تدفع الإنسان إلى استحسان أمور وادعاء أمور أنها من الدين وهي ليست منه.
فهذه الأمور وغيرها تطفو على السطح وتظهر في حالة الاضطهاد وعدم الأمن، وإذا نظرنا إلى تاريخ النصرانية نجد أنه في فترة الاضطهاد شاع بينهم ما يسمونه بـ "الهرطقة" وهي التعاليم المخالفة لما عليه النصارى، كما كثرت الكتب والرسائل المنسوبة إلى دعاة النصارى الأوائل١.
واستمر وجود تلك البدع والكتب إلى أن جاء قسطنطين وسعى إلى توحيد النصارى بدعوته إلى مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، إلا أنه وحدَّهم على إحدى تلك البدع، وهي بدعة بولس، فمما لا شك فيه أن ذلك كله كان عاملًا من العوامل التي تسببت في انحراف النصرانية عن الدين الحق الذي جاء به المسيح عيسى ﵇.
_________________
(١) ١ من هذه "الهرطقات" البدع التي انتشرت في ذلك الوقت الدوستية - الغنوسية- المارسيونية- المونتانية وسبق الإشارة إليها في تاريخ النصرانية. ومن هذه الكتب والرسائل - التي انتشرت في تلك الحقبة- إنجيل بطرس، إنجيل توما، إنجيل فيلبس، إنجيل الحق، إنجيل المصريين، ورسالة كورنثوس الثالثة، ورسالة تيطس، ورسالة اللاودكيين، ورؤيا بطرس، ورؤيا بولس، ورؤيا توما، إلى غير ذلك من الكتب العديدة. انظر كتاب تاريخ الكنيسة جون لوريمر ص١/٨٩-١٥١تاريخ المسيحية حبيب سعيد ١/٤٦-٦٢.
[ ٣٥١ ]
ب- ضياع الإنجيل وانقطاع السند:
تقدم الكلام على الأناجيل وأن الأناجيل الموجودة ليس منها شيء منسوب إلى عيسى ﵇، ولا يعرف أثر لإنجيل عيسى ﵇ كما أن النصارى لم يعتنوا بالتدوين مباشرة بعد رفع المسيح، وإنما تأخروا في التدوين مما جعل كثيرًا من الأناجيل تظهر، ولا يعرف على اليقين كاتبها، ولا من أين أخذ معلوماته١.
وهذا انحرف بدعوة المسيح ﵇ عن وجهها الصحيح، لأن أصحاب تلك الأناجيل ليسوا معصومين فوقعوا في أخطاء كثيرة، وسوء فهم، وغير ذلك من العوارض التي تعرض للبشر، مما جعل الديانة المعتمدة على مثل تلك الكتب المليئة بالأخطاء تبدو ديانة مرتبكة مختلة التركيب، كما هو حال النصرانية.
ج- بولس (شاؤول اليهودي):
هو شاؤول اليهودي أحد ألد أعداء المسيح ﵇، وأحد اليهود المتعصبين لليهودية، ولد وتربى في طرسوس التي كانت مركزًا من مراكز الفلسفة وتنوع الثقافات الوثنية في ذلك الوقت.
وانتقل بولس إلى أورشليم وتعلم الشريعة اليهودية وكان من أشد الناس تعصبًا لها، ثم لما بعث المسيح ﵇ كان من أشد الناس على ديانته وعلى أتباعها. فهو يقول عن نفسه: "سمعتم بسيرتي قبلًا في الديانة اليهودية إني
_________________
(١) ١ انظر ما سبق في الكلام على المصادر ص١٧٤ومابعدها.
[ ٣٥٢ ]
كنت اضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي"١.
ثم إن هذا الرجل زعم أنه دخل في دين المسيح، وفي هذا يقول لوقا في أعمال الرسل (٩/١): "أما شاؤول فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب فتقدم إلى رئيس الكهنة، وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناسًا من الطريق رجالًا أو نساءًا يسوقهم موثقين إلى أورشليم، وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض وسمع صوتًا قائلًا له: شاؤول شاؤول. لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد، فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن تَرْفُسَ مَنَاخِس٢، فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل، فقال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل وكان شاؤول مع التلاميذ الذين في دمشق أيامًا وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله".
وبهذه القصة التي لا دليل عليها ولا شاهد إلا دعواه، زعم أنه دخل في دين المسيح، وحين قدم نفسه للحواريين لم يقبله الحواريون أولًا لمعرفتهم بعداوته وبطشه بهم، ولكن " برنابا" توسط له عندهم فقبلوه٣.
_________________
(١) ١ رسالة بولس إلى أهل غلاطيه (١/١٣) . ٢ مناخس: جمع منخس وهو الحديدة التي تنخس بها الحيوانات والمراد أن رفس المناخس صعب ولا يعود بفائدة بل يضر. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٩٦٣. ٣ أعمال الرسل (٩/٢٦) .
[ ٣٥٣ ]
فنشط بعد قبولهم له وصار رأسًا في النصرانية، يبني الكنائس، ويطوف البلاد شرقًا وغربًا يدعو ويرسل الكتب والرسائل يبين فيها دينًا وأمرًا غريبًا عن الحواريين وعن شريعة عيسى ﵇ ١.
وبالنظر الفاحص فيما خلف بولس من رسائل يتضح للناظر فيها ملاحظات عديدة نقتصر منها على ذكر أهم مخالفاته لدعوة المسيح ﵇
١ - ادعاؤه أن المسيح ابن الله:
من الدعاوى التي أطلقها بولس هي ادعاؤه أن المسيح ﵇ ابن الله -تعالى الله عن ذلك - فمن ذلك ما ورد في سفر أعمال الرسل عن بداية دعوة بولس (٩/٢٠) قال:"وللوقت جعل -يعني بولس - يكرز في المجامع أن هذا هو ابن الله"؟؟.
ويقول بولس في رسالته إلى غلاطية (٤/٤) "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ".
فهذه الدعوى ظهرت أولًا في كلام بولس ودعوته، ثم ظهرت قوية في المجامع النصرانية، وقامت عليها الديانة كلها، وهذا كله خلاف ما صرح المسيح ﵇ به مرارًا من أنه رسول لبني إسرائيل، وأنه إنسان، وابن
_________________
(١) ١ من الملاحظ أن بولس لم يجلس إلى الحواريين ولم يتعلم منهم شيئًا، فقال في غلاطية (١/١٥) " ولكن لما سُرَّ الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحمًا ودمًا ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت إلى دمشق، ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يومًا ولكنني لم أر غيره من الرسل إلا يعقوب ". فهذه المعلومات تدل على أنه لم يتعلم من الحواريين شيئًا، فمن أين أتى بدعاويه التي ادعاها؟!.
[ ٣٥٤ ]
إنسان، وابن داود، وغيرها من الألقاب التي تؤكد أنه بشر ابن بشر، ومن ذلك قول إنجيل متى (٨/٢٠) " فقال له يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أو كار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه".
وفي إنجيل يوحنا يقول (٨/٤٠) "وأنا إنسان علمكم بالحق الذي سمعه من الله"١
فهذه النصوص قد أكد بها المسيح بشريته إلا أن بولس بعد قد أضفى على المسيح صفة "ابن الله" وأعطاها ذلك المضمون الذي أخذت به النصرانية من اعتقادهم أن المسيح إله، ابن إله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
٢- ادعاؤه أن الغاية من مجيء المسيح ﵇ هو الصلب وتكفير الخطايا:
وفي هذا يقول بولس في روميه (٣/٢٣):" إذ الجميع اخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة" ويقول في روميه أيضًا في (٥/٦) "لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ".
وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس (٥/٢١) يقول "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه".
فهذه الدعوى التي علل بها بولس حياة المسيح وموته هي التي قامت عليها
_________________
(١) ١ انظر الرد عليهم ص ٢٥٣-٢٥٦
[ ٣٥٥ ]
النصرانية بعد، ولم يكن لها في الحقيقة شيء من الصدى في حياة المسيح ولا كلامه. بل ورد عن المسيح ﵇ التصريح بأنه جاء ليدعو إلى التوبة والإنابة.
وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣) قوله" لأني لم آت لأدعوا أبرارًا بل خطاة إلى التوبة".
وفي إنجيل مرقص (١/١٢) يقول" وبعد ما أُسْلِم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
فهذا ظاهر منه أن المسيح ﵇ قد صرح بأن الهدف من رسالته هو الدعوة إلى التوبة. إلا أن بولس اخترع من عند نفسه هدفًا آخر للمسيح لم يصرح به المسيح ولم يقله وهو أنه إنما جاء ليصلب تكفيرًا للخطايا.
٣ - ادعاؤه أن دعوة المسيح ﵇ كانت عامة لجميع بني البشر
ادعى بولس أن المسيح ﵇ رسول لجميع الأمم ثم زعم لنفسه بأنه مرسل إلى جميع البشر، وفي هذا يقول في روميه (١١/١٣) "فإني أقول لكم أيها الأمم، بما أني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي ".
وفي غلاطيه (١/١٥) يقول"ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم".
وفي أفسس (٣/٨) يقول"أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم"؟
وهذه الدعوى منه تخالف ما ذكره المسيح عن نفسه وما وصى أيضا به تلاميذه حيث يقول عن نفسه في إنجيل متى (١٥/٢٤) "لم أرسل إلا إلى
[ ٣٥٦ ]
خراف بيت إسرائيل لضالة".
ووصى تلاميذه بقوله في إنجيل متى (١٠/٥) " إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".
٤ - إلغاؤه لشريعة موسى ﵇ ودعواه أن الإنسان ينجو بالإيمان المجرد بدون عمل.
ألغى بولس شريعة موسى ﵇ وفي هذا يقول في رسالته إلى رومية (٢/١٦) "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح آمنا نحن أيضًا بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي لست أبطل نعمة الله، لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذًا مات بلا سبب".
ومما يجدر ذكره أن بولس لما وسع نطاق دعوة المسيح ﵇ لتشمل جميع الناس واجه عقبة كؤود، وهي عدم قبول الوثنيين للشرائع الموسويه، وتصور أنه لا يمكن أن تنجح الدعوة بينهم مع وجود الشريعة، فقرر إلغاءها، ويذكر سفر أعمال الرسل أن هذا أولًا تم بمطالبة من بولس ودعوة منه، ثم قبله بعد ووافق عليه سائر التلاميذ، وقرروا أن لا يلزم الناس بشيئ من الأمور الواجبة عند بني إسرائيل سوى الامتناع عن الذبح للأصنام، وعن أكل الدم، والمخنوق، والإمتناع عن الزنا١.
وإلغاء بولس للعمل بشريعة موسى ﵇ خلاف ما أكده المسيح عليه
_________________
(١) ١ انظر أعمال الرسل (١٥/٢٨) .
[ ٣٥٧ ]
السلام ودعى إليه فقد ورد في إنجيل متى (٥/١٧) أنه قال ": لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإن الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يكون الكل فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات. فإني أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات".
فهذه تأكيدات واضحة من المسيح على التزام شريعة موس ﵇ وتحريم الخروج عليها. فإلغاء العمل بشريعة موسى هو في الحقيقة هدم لديانة المسيح تمامًا، لأن مما هو ظاهر من دعوة المسيح ﵇ أنه لم يأت بتعاليم جديدة تذكر، وإنما ركز تركيزًا خاصًا على التوبة والتخلص من الخطايا ١.
وهذا لا شك مع التزام الشريعة السابقة، فإذا ألغيت الشريعة بقيت دعوة المسيح ﵇ دعوة عامة للتوبة والصلاح بدون أعمال يتوصل الإنسان من خلالها إلى تهذيب نفسه وتزكيتها، وهذا ما آل إليه أمر ديانة المسيح ﵇ بسبب دعوة بولس الذي نشط بعد ذلك في بيان بطلان شريعة موسى ﵇ وَوَجْهِ إلغائها، وتكرر هذا الأمر في أغلب رسائله، وهو من أهم ما يميز دعوته، مع أنه لا يملك دليلًا واحدًا يبيح له مثل هذا العمل، الذي يعتبر كفرًا بالديانة ونقضًا لها من أساسها.
كما يعتبر بكل المعايير فشلًا في الدعوة، وليس نجاحًا كما يظن النصارى
_________________
(١) ١ انظر ص ١٤٧
[ ٣٥٨ ]
لأن النجاح في الدعوة هو أن تنجح في الدعوة إلى كامل المنهج الذي تدعو إليه بأصوله وفروعه، أما تغييره أو الاكتفاء بجزء شكلي منه فلاشك أن ذلك فشل كبير.
٥- إلغاؤه للختان:
اختتن المسيح ﵇ ١ والتزم به، لأنه من شريعة موسى فقد ذكر اليهود في كتابهم أن الله تعالى قال لإبراهيم؟ ﵇ كما في التكوين (١٧/١١) "يختن منكم كل ذكر فَتُخْتَنون في لحم غرلتكم فيكون علامة عهد بيني وبينكم وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها إنه قد نكث عهدي".
ومع هذا التأكيد على الختان، فقد ألغاه بولس من ضمن ما ألغى من شريعة موسى ﵇، وفي هذا يقول في روميه (٢/٢٨) " لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان".
هذه بعض الأمور التي يلاحظها الإنسان الذي يطلع اطلاعة سريعة على رسائل بولس التي تكونت بعد منها النصرانية، وقامت عليها وغطت تعاليمه على تعاليم المسيح ﵇ بل ألغتها وحلت محلها، كما سبق ذكره، ومن الجدير بالذكر أن أتباع المسيح الأوائل لم يقبلوا تلك الدعاوى من بولس بل ردوها وفي هذا يقول في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (١/١٥): "إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني"، وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين
_________________
(١) ١ انظر لوقا (٢/٢١) .
[ ٣٥٩ ]
عرفوا الحق ورأوا المسيح ﵇ وتتلمذوا عليه.
إلا أن تلك الدعاوى وجدت رواجًا لدى الرومان واليونان وخاصة في غرب أوربا حيث كان الغالبية وثنيين، فناسبتهم هذه المبادئ فأخذوا بها، ثم طبعها بطابع الشمول والإلزام مجمع نيقية سنة ٣٢٥م حيث قرروا فيه ألوهية المسيح ﵇، وأنه نزل ليصلب تكفيرًا لخطايا البشر كما تقدم١، فأصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط.
د- التأثر بالوثنيات والفلسفات الوثنية:
لقد نادى المسيح ﵇ بأنه لم يرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة، بل نهى أتباعه عن الذهاب إلى قرى غير اليهودية٢، إلا أن أتباعه فيما بعد خالفوا ذلك، وتوجهوا إلى الوثنيين من الرومان واليونان والفرس وغيرهم في المناطق المجاورة، والأماكن التي أمكنهم الوصول إليها، ولما كانت الديانة المسيحية تفتقر للمقومات التي تكفل لها التأثير في تلك المجتمعات، حيث كانت دعوة لبني إسرائيل خاصة، وليس لها الصبغة العالمية التي يمكن أن تتغلب بها على تلك الأديان والفلسفات. لذا فقد غُلبت وأمكن للديانات الوثنية أن تصبغها بصبغتها، بل ألغتها تمامًا، واحتلت مكانها، وأخذت مسماها، هذا أمر يتضح لكل ناظر في الديانة النصرانية المحرفة، وقد أكد علماء الأديان والتاريخ ذلك، وأن الديانة النصرانية قد إصطبغت بالصبغة الوثنية، وأنها أخذت عقيدتها وعبادتها من تلك الوثنيات فضمتها إليها ووضعت
_________________
(١) ١ انظر ما سبق ص٢٢١. ٢ انظر: إنجيل متى (١٠/٥) .
[ ٣٦٠ ]
عليها اسمها١.
ومن الأمثلة على أن النصارى قد رددوا عقائد الوثنيين الذين كانوا قبلهم ما يلى:
١- إن التثليث موجود عند الهنادكة والبوذيين قبل النصارى وفي هذا يقول "فابر" في كتابه (أصل الوثنية): "وكما نجد عند الهنود ثالوثًا مؤلفًا من برهمة وفشنو وسيفا، هكذا نجد عند البوذيين فإنهم يقولون إن بوذا إله ويقولون بأقانيمه الثلاثة ".
كما كان يوجد ذلك أيضًا لدى المصريين والفرس واليونان والرومان والأشوريين والفينيقيين والاسكندنافيين والتتر والمكسيكيين والكنديين٢.
وكذلك المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن الآلهة ثلاثة وهم (أتوم وشو وتفنوت٣" أو أوزيريس وأيزيس وهورس٤.
٢- إن الصلب - فداءً للبشر- عقيدة وثنية كانت موجودة لدى الهنادكة، وفي هذا يقول "هوك" في كتابه "رحلة هوك": "ويعتقد الهنود بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداءًا عن الناس من الخطيئة".
وقال "دوان" في كتابه "خرافات التوراة والإنجيل" ما نصه: "ويعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو والذي
_________________
(١) ١ سيأتي النقل في ذلك عن النصارى أنفسهم ص٣١٩. ٢ انظر في النقول عن هذه الديانات كتاب "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" ص (٣٥-٤٥) . ٣ انظر الرمز والاسطورة في مصر القديمة ص ٣٩. ٤ قاموس الكتاب المقدس ص ٩٠٤.
[ ٣٦١ ]
لا إبتداء ولا انتهاء له على رأيهم، تحرك حنوا كي يخلص الأرض من ثقل حملها فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه".
وقالت "مسز جمسون" في كتابها "تاريخ سيدنا من الآثار": "كان الميليتيون يمثلون الإله إنسانًا مصلوبًا مقيد اليدين والرجلين بحبل خشبه وتحت رجليه صورة حمل، والسوريون يقولون: إن تموز الإله المولود البكر من عذراء تألم من أجل الناس، ويدعونه. المخلص، والفادي، والمصلوب"١.
٣-الإعتقاد بأن إلهًا تجسد وولد من عذراء هو كذلك من عقائد الوثنيين. ففي هذا يقول "دوان" في كتابه السابق: "والهنود يقولون إن كرشنه هو ابن العذراء النقية الطاهرة ديفاكي ويدعونها والدة الإله.
ويقول المصريون: إن هورس "حورس" المخلص ولد من العذراء إيسيس "ايزيس"، وأنه المنبثق الثاني من عامون، ويقولون الابن المولود، ويصورونه إما على يدي أمه أو على حضنها"٢.
فهذه أمثلة واضحة على تأثر الديانة النصرانية بالأديان الوثنية قبلها بل إن الأديان الوثنية تغلبت على ديانة المسيح ﵇ وصبغتها بصبغتها، وقد صرح المؤرخ "هـ. فيشر"بذلك التشابه حيث قال: "غير أنه ليس ثمة شك أن اتخاذ المسيحية – فيما بعد- ديانة رسمية للبلاد - يعني الإمبراطورية الرومانية - ساعد على ازدياد صفوف المسيحيين زيادة سريعة،
_________________
(١) ١ نقلًا عن العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ص ٤٩-٥٣. ٢ نقلًا عن المرجع السابق ص٦٠-٦٦. وانظر الرمز والاسطورة في مصر القديمة ص (١٠٤-١٠٦) .
[ ٣٦٢ ]
سيما أن التحول عن الوثنية إلى المسيحية لم يكن إنتقالًا إلى جو غريب تمام الغرابة، أو شعورًا بانقلاب باغت مفاجئ، بل بدا الولوج في المسيحية عملية رفيقه في كثير من التدرج الشعوري العاطفي، إذ شابهت طقوس الديانة المسيحية وأسرارها المقدسة ما للديانة القديمة من طقوس وأسرار، كما اشتملت تعاليمها على تعاليم الأفلاطونية الحديثة، ١ يضاف إلى ذلك أن القول بوجود واسطة بين الله والناس أمر مألوف عند الفرس وأهل الأفلاطونية الحديثة٢ سواء٣".
وفي نفس الموضوع يقول "شارل جنيبر " رئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس: " إن المسيحية لم تكن تستطيع مدافعة أمام هذه النزعات والشعائر السائدة، وإذا كانت - أي النصرانية- قد انتصرت في القرن الثالث على سائر ألوان "التأليف" الديني الوثني، فذلك لأنها كانت قد تطورت هي الأخرى إلى تأليف ديني تجتمع فيه سائر العقائد الخصبة والشعائر الجوهرية النابعة من العاطفة الدينية الوثنية، قامت هي -أي النصرانية - بترتيبها، وتركيبها، وأضفت عليها الإنسجام الذي تفتقر إليه، بحيث استطاعت أن تقف مفردها أمام أشتات المعتقدات والشعائر التي يؤمن بها أعداؤها دون أن تظهر ضعفًا أو نقصًا عليها في أي من المجالات الهامة.
_________________
(١) ١ الأفلاطونية الحديثة: هي فلسفة دينيه ذهبت إلى احتواء المعتقدات السائدة والأساطير، والطقوس، وعبادات الشرق، والسحر، والكيمياء القديمة. انظر: الموسوعة الفلسفية ص٥٦. ٢ " أفلوطين " مؤسس الأفلاطونية الحديثة جعل الخلق والوجود المادي منبثقًا وصادرًا عن الأول وهو الله. "وفيلون اليهودي أكبر من تنسب إليه الأفلاطونية الحديثة قال: بفكرة الوسيط بين المبدع الأول وهو "الله" وبين الخلق. انظر: موسوعة الفلسفة (١/١٩١) . ٣ فيشر، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى ص٧-٨.
[ ٣٦٣ ]
وتمت ظاهرة التشرب هذه- وهي من الظواهر الأساسية في تاريخ المسيحية - في بطء بطيء معتمدة على الإتصال الدائب بتطور الإيمان بين جميع طبقات المجتمع الوثني، ذلك المجتمع الذي اختلفت فيه صور الإيمان باختلاف بيئاته وباختلاف العهود التي مر بها، وإنها لظاهرة تفسر لنا كيف جاء العصر الذي استطاعت فيه المسيحية أن تكسب عطفًا نشيطًا بين رحاب العالم اليوناني الروماني"١.
فهذا يكفي للدلالة على تشرب الديانة النصرانية للأديان الوثنية التي توجهت إليها، وهذا في عرف الدين الحق إنحلال وكفر بالدين الإلهي، الذي يجب أن يكون صحيح النسبة إلى الله؟؟تعالى، في أصوله وفروعه، نقيًا في عقائده وتشريعاته من خرافات البشر، واملاءات الشياطين.
ولكن كيف تشربت الديانة النصرانية الأديان الوثنية؟
إن الناظر في كبار الدعاة إلى النصرانية في العصور الأولى والذين يشار إليهم بأنهم من أعظم الناس أثرًا وتأثيرًا في الديانة النصرانية، هم فلاسفة متعمقون في الفلسفات الوثنية، وبعد تنصرهم نقلوا تلك الفلسفات معهم إلى الدين الجديد، وحاولوا أن يسدوا الثغرات التي يجدوها في الديانة النصرانية - وما أكثرها - بمزيج من الفلسفات التي كانوا عليها من قبل، ومن هؤلاء الذين كان لهم دور في ذلك:
بولس (شاؤول اليهودي) وسبق الحديث عنه.
"يوستينيوس" الذي ولد سنة ١٠٠ أو ١٠٥م فقد ولد من أبوين
_________________
(١) ١ المسيحية نشأتها وتطورها ص١٥٤-١٥٥.
[ ٣٦٤ ]
وثنيين، وتربى على الديانة الوثنية وتعلم الفلسفة الرواقية١ ثم درس فلسفة الأكاديميين٢ والفيثاغوريين٣٤.
قال عنه القس حنا الخضرى "مما لاشك فيه أن الدراسات الفلسفية الكثيرة التي درسها يوستينوس قبل تجديده ٥ تركت في تعاليمه بعض الآثار الوثنية"٦
" تاتيان السوري " المولود عام ١١٠م من عائلة وثنية درس الفلسفة في بلاد اليونان، ثم ذهب إلى روما ودرس دياناتهم وفلسفاتهم، ثم تتلمذ على يوستينوس ٧.
"أثينا غورس الأثيني": كان معاصرًا "لتاتيان السوري" كان يحب الفلسفة، وكتاباته مليئة بالإقتباسات الشعرية والفلسفية.
"ثيوفيلوس الأنطاكي": ولد من أبوين وثنيين، وكانت ثقافته يونانية وثنية، وهو أول من استعمل كلمة الثالوث في تاريخ العقيدة النصرانية٨.
_________________
(١) ١ الفلسفة الرواقيه: سميت رواقيه لأن أصحابها كانوا يجتمعون في رواق، وهي فلسفة أخلاقية، وتقول عن الله بأنه خالق كل شيء وهو منبث في هذا الكون. انظر: الموسوعة الفلسفية ص٢١٤. ٢ الأكاديمية نسبة إلى المدرسة التي أنشأها أفلاطون وسماها أكاديميًا وكانت تدرس الفلسفة اليونانية. الموسوعة الفلسفية ص٦٠. ٣ الفيثاغورية: نسبة إلى فيثاغورس اليوناني ومدرسته فلسفية وفيها مبادئ صوفية تتصل بالزهد وهم يرون تحريم أكل اللحوم ويقولون بتناسخ الأرواح. انظر: موسوعة الفلسفة (٢/٢٢٨) . ٤ تاريخ الفكر المسيحي ص١/٤٤٤. ٥ يعني قبل دخوله في النصرانية. ٦ تاريخ الفكر المسيحي ١/٤٥٣. ٧ تاريخ الفكر المسيحي ١/٤٥٤. ٨ انظر في هاتين الشخصيتين المرجع السابق ١/٤٥٩، ٤٦٢.
[ ٣٦٥ ]
"اكلميندوس الإسكندري" ولد على ما يحتمل سنة ١٥٠م في أثينا من أبوين وثنيين وكان محبًا للعلم شغوفًا به مولعًا بالبحث عنه أينما وجد، ورحل
في ذلك رحلات عديدة، إلى أن حطت به الرحال في الاسكندرية ملتقى الثقافات المتنوعة، وصار بعد أن دخل النصرانية مديرًا لمدرسة التعليم المسيحي
في الإسكندرية والتي أسسها باثنيوس الذي كان قبل دخوله النصرانية وثنيًا رواقيا.
وكان اكلميندوس الإسكندري متأثرًا جدًا بـ يوستنيوس وفلسفته فأدخل هذه الأمور في تعاليمه عن المسيح وفي هذا يقول القس حنا الخضري: مما لاشك فيه أن العلوم والفلسفات الوثنية الكثيرة التي درسها والبيئة التي نشأ فيها إكلميندس، تركت فيه أثرًا عميقًا لم يكن من السهل محوه محوًا تامًا"١.
"اغسطينوس" ولد سنة ٣٥٤م في مدينة سقسطه في الجزائر، وتوفى سنة ٤٣٠م، الذي تميزت سنوات شبابه بالصراع العقلي والأدبي فقد جذبته الفلسفة الثنائية لجماعة المانويين وصار تابعًا أمينًا للعقيدة المانوية وفلسفتها ثم ضاق بالمانوية وصار اهتمامه بالأفلاطونية الحديثة، والذي من خلالها صار يعتبر نفسه مسيحيًا، ثم خلع عنه فيما بعد حياة المجون والفساد، واستقبل الحياة النصرانية وبرز فيها إلى أن صار اسقفًا لهيبو في منطقة تونس إلى أن توفى سنة ٤٣٠م وصار من أعظم قادة الكنيسة بعد بولس، إلا أن أفكار الأفلاطونية الحديثة أثرت على تعاليمه يقول جون لوريمر: " كانت معالجة اغسطينوس للأوجه الرسمية الخاصة بالفكر اللاهوتي متأثرة بخلفيته عن الأفلاطونية الحديثة٢".
_________________
(١) ١ انظر تاريخ الفكر المسيحي (١/٥٠٧) . ٢ انظر: تاريخ الكنيسة. جون لوريمر (٣/١٨٦-٢٠٠) .
[ ٣٦٦ ]
ولا نريد أن نطيل في عرض هذا الموضوع إنما المراد الإشارة إلى أن العقائد الأجنبية التي اصطبغت بها النصرانية دخلتها عن طريق هؤلاء وأمثالهم الذين كانوا روادًا للديانة في بداية انطلاقها إلى البلدان الوثنية فقد عبرت إلى الوثنيين عن طريق هؤلاء المتشبعين بالفلسفات والوثنيات، حيث صبغوها بفهومهم ومعارفهم وعقائدهم السابقة وقدموها للناس شارحين ومدافعين ديانة مخلوطة بالفلسفة الوثنية في ثوب ديانة توحيدية سماوية.
هـ - تدخل الإمبراطور قسطنطين
الإمبراطور قسطنطين إمبراطور الدولة الرومانية هو الذي رفع الاضطهاد عن النصارى بعد أن دام ما يقارب (٣٠٠) سنه من قبل اليهود والرومان، فقرب هذا الإمبراطور النصارى إليه، ورفع الاضطهاد عنهم، فانحازوا هم إليه وقبلوا منه ذلك، ثم إنه لما رأى اختلافهم وتباين أقوالهم دعاهم إلى مجمع نيقية سنة ٣٢٥م فاجتمعوا في ذلك المجمع، ولما كان هو وثنيًا ولا علم عنده أيضًا بالمسيحية انحاز إلى ما يوافق هواه ورغبته، فنصر قول القائلين بإلوهية المسيح، وأمر بلعن وطرد من خالفهم وملاحقته. وبالفعل تم ذلك وترتب عليه القضاء على التوحيد، واندراس معالمه بعد ذلك، كما أدى ذلك إلى انتشار النصرانية المثلثة بقوة السلطان، وأولهم" قسطنطين" الذي لم يدخل في الديانة النصرانية إلا وهو على فراش الموت١.
والمجامع النصرانية:
تقدم ذكر المجامع وأهم قراراتها، فتبين لنا أن تلك المجامع هي التي كونت
_________________
(١) ١ سبق الحديث عن قسطنطين في الكلام على مجمع نيقيه.
[ ٣٦٧ ]
الديانة النصرانية، ووضعت أهم أسسها، وهي التي حاربت التوحيد عن طريق قراراتها، فأصبحت الديانة النصرانية تدين في الواقع تلك المجامع في تكوينها وفي دعوتها لمحاربة وتكفير كل من يخالف قراراتها.
[ ٣٦٨ ]
الفصل السادس: أهم الفرق النصرانية المعاصرة
لما فقد النصارى كثيرًا من آثار الوحي والنبوة التي جاءتهم، ولم يعد عندهم أصل صحيح يرجعون إليه. اختلفوا وتفرقوا شيعًا وأحزابًا متباغضة متعادية. وفي هذا يقول الله ﷿: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ المائدة (١٤) .
ومن الجدير بالذكر إن دعوة التوحيد التي نادى بها المسيح ﵇ استمرت في تلاميذه وحوارييه قوية فاعلة إلى تدمير بيت المقدس سنة ٧٠م ثم استمرت على نحو أضعف إلى التدمير الثاني سنة ١٣٥م، حيث قُضِي عليها وتشرد أتباعها، فانفسح المجال واسعًا أمام المذاهب المنحرفة التي ظهرت في النصارى في وقت مبكر بدخول بولس " شاؤول اليهودي " في النصرانية بعد رفع المسيح ﵇ بسنوات قلائل وبتأثير الديانات الوثنية والفلسفات الوثنية. فتوزع النصارى إلى فرق وأقوال عديدة متباينة تباينًا شديدًا في أصول الديانة والعقيدة، إلا أن دعوة التوحيد كانت تظهر بين الحين والحين مع شوائب عديدة، ولم يبدأ الانقراض التدريجي لها إلا بعد مجمع نيقية سنة ٣٢٥هـ الذي انعقد أصلًا للنظر في قول فرقتين من أكبر فرق النصارى في ذلك الوقت، وهو قول الفرقة الأريوسية الموحدة بأن المسيح بشرٌ مخلوق، وقول الفرقة البولسية بأن المسيح ابن الله خالقًا وليس مخلوق تعالى الله عن قولهم.
[ ٣٧١ ]
فانتصر في ذلك المجمع القائلون بألوهية المسيح، وهو مذهب بولس، واعتنقت الدولة الرومانية المسيطرة في ذلك الزمان ذلك المذهب مما أتاح لهذه الفرقة الدعم القوي والبقاء والانتصار على جميع الطوائف الأخرى التي اندثرت بعد ذلك بسبب شدة الكنيسة البولسية على مخالفيها، وصار بعد ذلك جُلَّ النصارى يجمعون على القول بألوهية المسيح وأنه نزل ليصلب تكفيرًا لخطيئة آدم ﵇، واعتبار أن الأناجيل الأربعة متى - مرقص - لوقا -يوحنا وبقية العهد الجديد مع العهد القديم هي الكتب المقدسة، ويختلفون في أمورٍ أخرى متعلقة بتلك العقائد أو غيرها من التشريعات. وينقسمون إلى طوائف عدة:
أولًا: القائلون بالطبيعة الواحدة للمسيح.
هم من أخذ بقرار مجمع أفسس السابق ١ وهم الأقباط ٢واليعاقبة ٣ والأرمن٤والأحباش.
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٢٨. ٢ الأقباط: الآن هم نصارى مصر، وهم أكثر نصارى العرب عددًا ويفترقون الآن إلى ثلاث فرق، فرقة على القول بالطبيعة الواحدة، ويسمون الأقباط الأرثوذكس، وفرقة تركت هذا القول ووافقت الكاثوليك على قولهم بالطبيعتين، ويسمون الأقباط الكاثوليك وفرقة وهي أقل عددًا أخذوا بقول البروتستانت. انظر المنجد في الأعلام ص ٥٤٤. المسيحية في العالم العربي ص ١١٤. ٣ اليعاقبة: هم النصارى السريان وجلهم في العراق وسوريا، ويفترقون إلى ثلاث فرقٍ كالتي يفترق إليها الأقباط. ٤ الأرمن: هم جاليات قدمت من أرمينية شرق آسيا الصغرى واستوطنت بلاد الرها وأنطاكية، ومنهم جاليات في الشام وينقسمون إلى ثلاث فرق كالتي يفترق إليها الأقباط واليعاقبة. انظر: المسيحية في العالم العربي ص ١١٢.
[ ٣٧٢ ]
ثانيًا: القائلون بأن المسيح له طبيعتان.
هم من أخذوا بقرار مجمع خلقيدونية١، ويقال لهم الملكانية نسبة إلى الملك وهو الإمبراطور الروماني البيزنطي، والملكانية انقسموا إلى ثلاث طوائف كبار هي:
_________________
(١) ١ انظر ما سبق ص٢٢٨.
[ ٣٧٣ ]
الطائفة الأولى: الكاثوليك:
وهم أتباع البابا في روما وأهم ما يتميزون به هو:
١- قولهم بأن الروح القدس انبثق من الأب والابن معا "وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند الكلام على المجمع الثامن".
٢- يبيحون أكل الدم والمخنوق.
٣- أن بابا الفاتيكان هو الرئيس العام لجميع الكاثوليك.
٤- تحريم الطلاق بتاتًا حتى في حالة الزنا.
والكاثوليك هم أكثر الأوربيين الغربيين وشعوب أمريكا الجنوبية وتسمى كنيستهم الكنيسة الغربية.
[ ٣٧٤ ]
الطائفة الثانية: الأرثوذكس:
وهم نصارى الشرق الذين تبعوا الكنيسة الشرقية في القسطنطينية "وقد تقدمت الإشارة إلى انشقاقهم عند الكلام على المجمع الثامن".
وأهم ما يتميزون به هو:
١- أن الروح القدس إنبثق عندهم من الأب فقط.
٢- تحريم الطلاق إلا في حالة الزنا فإنه يجوز عندهم.
٣- لا يجتمعون تحت لواء رئيس واحد بل كل كنيسة مستقلة بنفسها. وهذا المذهب منتشر في أوربا الشرقية وروسيا.
[ ٣٧٥ ]
الطائفة الثالثة: البروتستانت: ويسمون الإنجيليين:
وهم أتباع مارتن لوثر الذي ظهر في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في ألمانيا وكان ينادي بإصلاح الكنيسة وتخليصها من الفساد الذي صار صبغة لها.
وأهم ما يتميز به أتباع هذه النحلة هو:
١- أن صكوك الغفران دجل وكذب وأن الخطايا والذنوب لا تغفر إلا بالندم والتوبة.
٢- أن لكل أحد الحق في فهم الإنجيل وقراءته وليس وقفا على الكنيسة.
٣-تحريم الصور والتماثيل في الكنائس لأنها مظهر من مظاهر الوثنية.
٤- منع الرهبنة.
٥- إن العشاء الرباني تذكار لما حل بالمسيح من الصلب في زعمهم، وأنكروا أن يتحول الخبز والخمر إلى لحم ودم المسيح ﵇.
٦- ليس لكنائسهم رئيس عام يتبعون قوله.
وهذه النحلة تنتشر في ألمانيا وبريطانيا وكثير من بلاد أوربا وأمريكا الشمالية ١.
_________________
(١) ١ انظر في هذا محاضرات في النصرانية ص ١٦١،١٦٤،١٨٠، كتاب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ ص ٢٥٧،٢٦٢.
[ ٣٧٦ ]
الفصل السابع: التنصير
هو الدعوة إلى النصرانية ويسميه النصارى التبشير.
وسائله:
للنصارى في دعوتهم إلى ديانتهم وسائل عديدة منها:
الدعوة المباشرة بالوعظ، والتعليم العام، والمناداة بالتباع الديانة النصرانية وهذه الوسيلة هي المعمول بها في بلدانهم وبين شعوبهم.
ومنها الدعوة غير المباشرة وذلك عن طريق التطبيب، والتعليم، والإغاثة.
فهم يجعلون من تطبيب المرضى وعلاجهم وسيلة إلى إيصال الدعوة النصرانية، وذلك بإقامة المستشفيات والمراكز الصحية التي تكون ستارًا لدعوتهم، وكذلك التعليم وذلك بإنشاء المدارس من رياض الأطفال، وما فوقها من المستويات من المعاهد والجامعات.
كما يستغلون حاجة المنكوبين والملهوفين للإعانات فيغلفون تلك الإعانات بالدعوة إلى النصرانية.
وهذه الوسائل يستخدمونها في البلدان غير النصرانية وخاصة البلاد الإسلامية١.
_________________
(١) ١ انظر: ملامح عن النشاط التنصيري في الوطن العربي ص ٢٦.
[ ٣٧٩ ]
أهداف التنصير:
إن من المعلوم أن العقيدة هي أقوى رابط والولاء الحقيقي لا يكون إلا بها ووفقها.
لهذا يسعى النصارى إلى تنصير الناس، وخاصة المسلمين حتى يكسبوا ولاءهم ويسيطروا عليهم، فهو إذًا وسيلة أخرى من وسائل الاحتلال والسيطرة والاستعمار لا يحتاج إلى بذل النفوس وإزهاق الأرواح بالحروب الطاحنة، بل يحتاج إلى بذل المال وإستغلال الفرص المتاحة في البلدان الإسلامية من تمزق المسلمين وضعفهم وإعتناق كثير من ساسة البلدان الإسلامية للتصورات والعقائد المعادية للإسلام من علمانية، وقومية، وشيوعية، وضعف ولائهم للإسلام وبالتالي للأمة، وكذلك فساد حال كثير من الشعوب الإسلامية، بسبب المناهج الوافدة وضعف التكوين الديني في نفوسهم، مما يجعل الفرصة متاحة للمنصرين.
ومما يدل على أن التنصير لا يعدوا أن يكون هجمة استعمارية جديدة، أمور عدة هي:
أولًا: إن الدول التي وراء التنصير هي دول إلحادية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، فكيف تشجع بل تستخدم نفوذها في تغلغل المنصرين وتسهيل مهمتهم، لو لم يكن لها أهداف إستعمارية.
ثانيًا: إن الدعوة إلى النصرانية فشلت فشلًا ذريعًا في بلدانها، فتوجهها إلى بلدان أجنبية عنها يكلفها ذلك أضعافًا مضاعفة من المال والوقت، مع النتائج غير المشجعة، هذا يدل على أن نشاطها في التنصير ليس هدفه نشر النصرانية
[ ٣٨٠ ]
بحد ذاتها وإنما إستعمار المسلمين بشكل أفضل وأكمل بالنسبة لهم.
ثالثًا: تصريحات المنصرين أنفسهم بأنهم ليسوا إلا أدوات في يد المستعمر ومقدمة له. وفي هذا يقول "كوتوي زيقلر" في كتابه "أصول التنصير": "ولكن ليس من شك في أن التوسع الإستعماري كان له وجهان: إقتصادي، وسياسي، وكان النشاط التنصيري جزءًا أساسيًا من هذا التوسع الأوربي، وبنهاية القرن التاسع عشر كانت دوائر النفوذ السياسي الغربي قد ثبتت من نهر اليانقتزي إلى النيل، وأصبحت لندن هي عاصمة العالم المالية ووضعت أسس البعثات التنصيرية من تايبية إلى دكار"١.
ويقول رأس المنصرين في العصور المتأخرة ومجرمهم صموئيل زويمر ملخصًا لأهداف التنصير وغاياته، في خطاب له في مؤتمر القدس، الذي عقده المنصرون عام ١٩٣٥م في القدس مخاطبًا أمثاله من المنصرين ما نصه: " أيها الإخوان الزملاء ممن كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية، واستعمارها لبلاد الإسلام فأحاطتهم عناية الرب، بالتوفيق الجليل المقدس.
لقد أديتم الرسالة التي أنيطت بكم خير أداء. ووفقتم لها اسمى التوفيق وإن كان يخيل إليَّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل وجه، لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه:
إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين - لقد كانوا أحد ثلاثة:
_________________
(١) ١ أصول التنصير في الخليج العربي ص ٣١.
[ ٣٨١ ]
إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه بالإسلام- وإما رجل مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، قد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش - أما الآخر فيبغي الحصول على غاية من الغايات الشخصية١.
ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريمًا.
وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها٢.
ولذلك تكونون أنتم طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه، وتهنئكم عليه دول المسيحية والمسيحيون عمومًا من أجله كل التهنئة.
لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر، من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، على جميع برامج التعليم، في الممالك الإسلامية المستقلة أو التي تخضع للنفوذ المسيحي أو التي يحكمها المسيحيون حكمًا مباشرًا، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير المسيحي والكنائس والجمعيات وفي المدارس التي تهيمن عليها الدول الأوروبية، والأمريكية، وفي مراكز كثيرة، ولدى شخصيات لا تجوز الإشارة إليها٣، الأمر الذي يعود فيه الفضل إليكم أولًا، وإلى ضروب كثيرة من التعاون باهرة النتائج، وهي أخطر ما عرف البشر في حياته الإنسانية.
_________________
(١) ١ مراد زويمر أن الصنف الثالث ممن أغراه المنصرون بالشهوات إما المال أو النساء أو المركز. ٢ هذا غاية ما يصبوا إليه هذا المجرم المنحرف، وهو أن يقوم بدور الشيطان بين المسلمين. ٣ يقصد شخصيات متنفذة في الدول الإسلامية تخضع لهم وتحقق لهم أطماعهم.
[ ٣٨٢ ]
إنكم أعددتم بوسائلكم الخاصة جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد.
إنكم أعددتم نشأ لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء طبقًا لما أراده الاستعمار، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا تبوأ اسمي المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء.
إن مهمتكم تتم على أكمل وجه، وقد انتهيتم إلى خير النتائج، وباركتكم المسيحية، ورضي عنكم الاستعمار فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الله".
بمثل هذه الأهداف الخبيثة والوسائل الأخبث يتوجه النصارى بثياب المتوجعين على المرضى والمنكوبين والجهلة في عموم البلدان الإسلامية يلبسون لهم مسوح الرهبان وقلوبهم قلوب الذئاب ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وما أبدوه من رضي عن إفساد المسلمين يدل دلالة واضحة على المرارة التي تجرعوها، وعلى الخيبة التي منوا بها في أن المسلمين لم يقبلوا ذلك الهراء الذي يسمونه دينًا، وذلك التلفيق الوثني الذي يريدون أن ينطلي على المسلم، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أنهم ليسوا على شيء، وأنهم لا يستطيعون أن يعطوا المسلم شيئًا يجذبه إلى دينهم، وغرهم أن وجدوا استجابة من الوثنيين فيما مضى وما ذاك إلا لأن الوثني وجد وثنيته في النصرانية فلا بأس مع المغريات أن يلبس ثوب النصرانية مع ثوبه الأصلي.
[ ٣٨٣ ]
أما المسلم صاحب العقيدة والوعي فيعلم أن النصرانية ليست سوى ديانة وضعية ملفقة ليس فيها غناء، ولا يأتي منها شفاء.
ويكون النصراني في محاولته لتنصير المسلم كمن يأتي إلى من يملك الملايين فيدعوه إلى استبدالها بفلوس قليلة مزيفة.
أو كمن يأتي إلى الصحيح المعافي في بدنه وعقله فيدعوه إلى المكان الموبوء الممرض.
أو كمن يدعو من هو في النور والضياء إلى الظلمة والعمى فحقيقة الإسلام النور، وحقيقة النصرانية الظلمة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأنعام آية (١٢٢) .
وقد روى لي أحد الأخوة ممن يعيش في فرنسا: أن رجلًا كان قسيسًا فأسلم سرًا وبقي في عمله في الكنيسة إلا إنه يخفي إسلامه، وفي أحد الأيام استطاع بعض القسس أن يصطادوا شابًا من أصل مسلم وبدأوا يهيئونه للدخول في ديانتهم، فجاءه هذا القسيس الذي يخفي إسلامه فأخذه معه إلى بيته، فأنزله إلى طابق تحت الأرض، فلما نزل وكان الظلام شديدًا - قال له: ماذا ترى؟
فقال الشاب: لا أرى شيئًا؟
فقال له القسيس: اصعد معي، فخرجا من ذلك المكان إلى وجه الأرض حيث النور، فقال له: ماذا ترى؟
فقال الشاب: أرى كل شيء.
[ ٣٨٤ ]
فقال له القسيس: ذلك المكان الذي كنا فيه مثل النصرانية ظلمة، وهذا الذي نحن فيه مثل الإسلام نور، وأنت تريد أن تترك النور وتذهب إلى الظلمة، وأنا أخوك مسلم أخفي إسلامي، ولكن اذهب واحذر أن تترك النور إلى الظلمة.
فأنقذ الله ذلك الشاب بهذا المثال الذي يعبر عن حقيقة الديانة النصرانية، التي هي ظلمات بعضها فوق بعض، ثم يحاول بعد ذلك أهلها أن يروجوها على المسلمين.
إلا أنه من الواجب التحذير بأن الجهل الذي تعيشه كثير من الشعوب الإسلامية، وأعني به الجهل بالدين، هو أكبر مطية للمنصرين وأعظم معين لهم في تحقيق أهدافهم في المسلمين، لا سمح الله، أما المرض والنكبات من حروب، أو زلازل، أو مجاعات ونحوها فلا تحقق لهم أهدافهم إلا إذا رافقها الجهل بالإسلام، فعند ذلك يجد المنصرون مجالًا للتأثير على المسلم، بقلب الحقائق له: بتشويه الإسلام وتزيين النصرانية بالمساحيق الخداعة الكاذبة التي تخفي وثنيتها وفسادها.
ومن هنا يتبين أهمية العلم - أعني العلم الشرعي - وتوعية الشعوب الإسلامية بحقيقة الإسلام وسموه وعظمته وعظيم الجزاء من الله عليه في الآخرة بالنجاة من النيران والفوز بالرضوان، إذا فعلنا ذلك نكون حصنا الشعوب الإسلامية بالدرع الواقي من كل دعوة فاسدة مبطلة، بل أعطيناها أيضًا السلاح الذي به تستطيع أن ترد على وسوسة المنصرين ووثنيتهم وتنتصر عليهم بإذن الله.
وليتق الله حكام وولاة أمور المسلمين في شعوبهم، فيضعوا لهم المناهج التي
[ ٣٨٥ ]
توعي المسلمين بدينهم، وتبصرهم بما ينجيهم غدًا في موقفهم أمام ربهم ﷿ وتدفع عنهم غوائل الأعداء، وتربص المنصرين البعداء.
فإن في صلاح الشعوب الإسلامية ثبات حكم الحكام ودوام دولتهم بإذن الله، لأنهم حماتها وحراسها، وسلامة عقائدهم مؤذن بولائهم ومحبتهم ونصرتهم، وفساد عقائدهم وديانتهم مؤذن باختلافهم على حكامهم وعداوتهم لهم، فليتقوا الله فيهم فإنهم غدًا أمام الله موقوفون وعن شعوبهم وما ولوا مسؤولون.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
[ ٣٨٦ ]
الفصل الثامن: البشارة بالنبي محمد ﷺ في الكتاب المقدس
لقد بشر المسيح؟ ﵇ بنبينا محمد ﷺ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الصف (٦) .
وقد جدَّ النصارى، ومن قبلهم اليهود في حذف هذه البشارات من كتبهم أو صرفها عن وجهها، ويزعمون أنه لا يوجد في كتبهم إشارة إلى النبي ﷺ وإن وجد شيء صرفه النصارى إلى عيسى بن مريم وصرفه اليهود إلى المسيح الذي ينتظرونه، وهي في الواقع لا تنطبق إلا على نبي هذه الأمة سيدنا محمد ﷺ وأمته، وقد بقي من هذه البشارات الشيء الكثير مع تحريفهم لكتبهم، وقد ذكر منها الشيخ "رحمة الله الهندي" في كتابه "إظهار الحق" ثماني عشرة بشارة، منها إحدى عشرة بشارة في العهد القديم، وسبع بشارات في العهد الجديد، فنذكر بعضًا من تلك البشارات مما ورد في العهدين القديم، والجديد.
البشارة الأولى:
ورد في سفر التثنية (١٨/١٧): "قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
هذا الكلام لا ينطبق إلا على النبي محمد ﷺ لأنه قال "من وسط
[ ٣٨٩ ]
إخوتهم" وإخوتهم هم أبناء إسماعيل ﵇ لأنه أخو إسحاق الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل حيث هما ابنا إبراهيم ﵇.
وأيضًا قال (مثلك) ومعلوم أن اليهود يرون أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى حيث قالوا في سفر التثنية (٣٤/١٠): "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى، الذي عرفه الرب وجهًا لوجه" وفي النسخة السامرية من التوراة هكذا "ولا يقوم أيضًا نبي في إسرائيل مثل موسى الذي ناجاه الله شفاها".
واليهود يزعمون أن هذه البشارة لنبي لم يأت بعد، وإن زعم بعضهم أن المراد بها يشوع بن نون، فهذا غير صحيح لأنه ليس مثل موسى، ويزعم النصارى أن المراد بها عيسى ﵇ ١، وهي في الواقع لا تصدق عليه بأي وجه لأنه:-
أولًا: من بني إسرائيل وليس من إخوتهم.
ثانيًا: هو ليس مثل موسى ﵇، فإنه تابع له، كما أنه عند النصارى إله، وابن إله، فلو أقروا بأنه مثل موسى لهدموا ديانتهم وما هم عليه.
أما النبي ﷺ فتصدق عليه من جميع الوجوه، فإنه من إخوتهم، وهو مثل موسى ﵇ نبي رسول، وأتى بشريعة جديدة، وحارب المشركين، كما فعل موسى ﵇.
_________________
(١) ١ انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٨٦١.
[ ٣٩٠ ]
ثم إنه قال: "أجعل كلامي في فمه"، فهذا كناية عن القرآن المحفوظ في الصدور، الذي تلقاه النبي محمد ﷺ مشافهة من جبريل ﵇، وحفظه في قلبه، وتلاه بعد لأمته من فمه ﵊، حيث كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب ﵊.
ثم إن الله جل وعلا أتم وعده للنبي ﷺ أن الذين لا يطيعونه فإن الله سيطالبهم، وقد طالبهم، فانتقم من أعدائه المشركين واليهود ثم ممن عداهم من الأمم. وهذا لم يكن لنبي غيره؟، وعيسى ﵇ لم ينتقم الله من أعدائه، بل كان أعداؤه في مكان المنتصر فأرادوا قتله إلا أن الله جل وعلا أنجاه منهم، وفي زعم النصارى أنهم قبضوا عليه وأهانوه وصلبوه١.
البشارة الثانية:
جاء في سفر التثنية (٣٣/١): "وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم".
فمجيء الرب من سيناء معناه إعطاء موسى ﵇ التوراة، وقوله: "أشرق من سعير" التبشير بالمسيح ﵇ لأن ساعير جبل في أرض يهوذا في فلسطين
_________________
(١) ١ انظر: إظهار الحق (٤/١١١٦، البشارة بني الإسلام في التوراة والإنجيل ١/٢١٨.
[ ٣٩١ ]
١، وقوله: "وتلألأ من جبل فاران" المراد به التبشير بالنبي محمد ﷺ لأن فاران جبل من جبال مكة، وقد سموه بكتابهم بهذا الاسم فقالوا عن إسماعيل ﵇ في سفر التكوين (٢١/٢١): "سكن برية فاران وأخذت له أمه إمرأه من أرض مصر" وإسماعيل ﵇ لم يسكن إلا مكة٢.
البشارة الثالثة:
جاء في سفر (حجى) (٢/٧) - أن حجي وهو أحد أنبيائهم - أخبر بني إسرائيل بعد تدمير الهيكل وسبيهم إلى بابل وعودتهم مرة أخرى بما قال الله له معزيًا لهم "لأنه هكذا قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات، والأرض، والبحر، واليابسة، وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجدًا، قال رب الجنود: ولي الذهب يقول رب الجنود: مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود: وفي هذا المكان أعطى السلام يقول رب الجنود".
فقوله هنا: "مشتهى كل الأمم" ترجمة بالمعنى لكلمة "حمدا" بالعبري، كما يقول البرفسور عبد الأحد داود والتي لازالت مكتوبة بالعبري بهذا اللفظ والتي تعني المشتهى، والشهية، والشائق، وأن هذه الكلمة "حمدًا" بالعبري يوازيها بالعربي "أحمد" فتكون نصا صريحًا،
وكذلك قوله بعد "وفي هذا المكان أعطي السلام" والسلام والإسلام
_________________
(١) ١ انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٤٦٧. ٢ انظر: إظهار الحق (٤/١١٣٤)، البشارات بنبي الإسلام (١/٢٦٠) .
[ ٣٩٢ ]
شيء واحد، وقد جاء السلام إلى بيت المقدس برحلة النبي ﵊ إليه في الإسراء، ثم بفتحه في عهد عمر؟ رضي الله عنه١.
ثم إن ما تعلق بعد ذلك من الأحداث بمجئ "حمدا" لا تنطبق إلا على نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فبعد خراب بيت المقدس سنة ٧٠م لم يعدله مجد إلا على يد المسلمين، وهو مجد أعظم من مجده السابق، وما أحدثه الإسلام في الأرض بأن زلزل الدول وأهلك الله جل وعلا على يد المسلمين أهل الذهب القياصرة، وأهل الفضة الفرس، وصارت أموالهم تنفق في سبيل الله، كل هذا لم يفعله أحد من اليهود ولم يفعله المسيح ﵇، ولم يتحقق إلا على يد نبي الإسلام محمد ﵊ وأصحابه رضوان الله عليهم وأتباعهم.
البشارة الرابعة:
ورد في إنجيل يوحنا (١٦/٧): "لكني أقول لكم الحق أنه من الخير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم "المعزى" ولكن إن ذهبت أرسله لكم، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة ثم قال:"إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية ذاك يمجدني لأنه يأخذ ممالي ويخبركم".
_________________
(١) ١ محمد في الكتاب المقدس ص ٥٠-٥١، وصاحب الكتاب البروفسور عبد الأحد داود كان من القسس لطائفة الروم الكاثوليك الكلدانين قبل إسلامه.
[ ٣٩٣ ]
فقوله "المعزى" المراد به الذي أجد به عزاءًا، وهذا لا ينطبق إلا على النبي ﷺ حيث هو الذي يجد عيسى ﵇ به العزاء لأنه يبين الحق ويظهر الله على يديه الدين الذي لم يتمكن المسيح ﵇ من إظهاره.
ثم إن الذي ذكر مكان هذا اللفظة وهي "المعزى" في الترجمات الأخرى عدا العربية هي لفظة "الفارقليط" اليونانية وقد بدَّله المترجمون في النسخ العربية إلى "المعزى" لأن معنى "الفارقليط" هو المعزى، ولكن الذي بينه "الشيخ رحمة الله الهندي" وغيره أن "الفارقليط" هو تحريف لكلمة "بيرقليط" التي تعني محمد أو أحمد، ولحسد النصارى وبغيهم حرفوا هذه الكلمة التي هي نص في اسم النبي ﷺ في لغة اليونان، مع العلم أن النص اليوناني لإنجيل يوحنا أقل ما يقال فيه أنه ترجمة لما نطق به المسيح، لأن المسيح ﵇ كان يتكلم الأرامية، وليس اليونانية، كما أن الواقع أن "المعزى" لا ينطبق إلا على النبي ﷺ لأنه لا معزى بعد المسيح إلا النبي محمد ﷺ ١، كما أن كل بشارة بأحد وردت على لسان المسيح ﵇ إنما تنصرف باللزوم إلى نبينا محمد ﷺ لأنه ليس بينهما نبي، وليس بعد نبينا محمد ﷺ نبي.
بهذا يتضح أن الله؟؟ ﷿ قد أقام الحجة على اليهود والنصارى بما بين أيديهم يقرأونه ويرونه، لو كانوا يبصرون.
_________________
(١) ١ النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية (١٣٨-١٤٥)، إظهار الحق (٤/١١٨٥)، محمد في الكتاب المقدس ص ٢١٩.
[ ٣٩٤ ]
الخاتمة
هذا ما تيسر جمعه في هذه الدراسة عن تلك الديانتين اليهودية والنصرانية وقد تبين لنا من خلال ذلك عظيم ما جناه البشر بتحريف دين الله؟ ﷿ المنزل فاستبدل اليهود الدين السماوي الهادي للحق والرشاد بدين عنصري يفيض جرأة ووقاحة على الله ﷿، وطعنًا وتنقصًا لأنبيائه ورسله، وحقدًا وتربصًا بالبشرية جمعاء.
كما حرف النصارى الدين الذي أنزل على المسيح ﵇ وغيروه من ديانة سهلة المعالم استوعبها عوام الناس وبسطاؤهم إلى ديانة معقدة مرتبكة لا تكاد تحيط منها بوجه، بل إن على كل من أراد الإيمان بها وقبولها عندهم أن يلغي عقله ويوقن أنه لا يمكن أن يؤمن إذا أراد أن يفهم، وأنه كلما تعمق فيها وحاول فهمها كلما استغلقت عليه وزادت حيرته واضطرابه، وما ذلك إلا لأنها خليط عجيب من أغلب الأفكار التي كانت سائدة في ذلك العصر والعصور التي تلت رفع المسيح ﵇.
فيتبين لنا من هذا عظيم رحمة الله ولطفه بالبشرية بإرسال الرحمة المهداة نبينا محمد ﷺ بهذا الدين العظيم، وهو "الإسلام" الذي هو الحنيفية السمحة، دين إبراهيم الخليل ودين سائر الأنبياء ﵈، وقد حقق الله ﷿ على يدي هذا النبي الكريم ما لم يكن تحقق على يد نبي قبله، فحفظ الله ﷿ له دينه ونشره في أصقاع الأرض وأظهره على الدين كله، وهدى به من كتب له السعادة وأعرض عنه من كتب عليه الشقاء.
وفي الختام. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يأخذ بيد المسلمين
[ ٣٩٧ ]
ويردهم إلى دينهم ردًا جميلًا، حتى يقوموا بواجبهم تجاه جحافل البشرية الضائعة الحائرة، فينقذونها من مهاوي الضلال التي مافتئ الشيطان وحزبه من أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين والشيوعيين والقوميين وغيرهم، يسوقونها إلى جحيم الدنيا وجحيم الآخرة.
كما نسأله أن يستعملنا جل وعلا في طاعته، وأن يجعل لنا شرف نصرة دينه وإعلاء كلمته وإعزاز أمة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، إنه سميع قريب مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وفرغ من مراجعته وإضافة بعض التعليقات عليه في الطبعة الرابعة
في منتصف شعبان١٤٢١هـ
بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
وكتبه: سعود بن عبد العزيز الخلف
غفر الله له ولوالديه وأهله وذريته
ولإخوانه، ولمشايخه
وللمسلمين أجمعين
[ ٣٩٨ ]