المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته، وبعد:
فإن الله ﷿ أرسل نبيه محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴿وَإنك لتهدي إلى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ ما فى السَّمَوَاتِ وَما فى الأَرْض﴾ الشورى (٥٢-٥٣) فصار الناس فريقين مؤمن، وكافر، فأما المؤمنون فهم فرقة واحدة على سبيل الحق. يهتدون بنور الله ويحتكمون إلى شرعه، فطريقهم نور على نور، إلى أن يبلغوا غاية الأمر ونهايته رضوان الله ﷿ وجنته، وأما الكافرون فهم على سبل متشعبة متفرقة، يجمعهم الكفر وتفرقهم الأهواء والشهوات، فمنهم الملحد الذي يتعامى عن ربه، ويتخبط الدنيا على غير هدى من شرع إلهي،
[ ٣ ]
ومنهم الوثني الذي ضل عن ربه فعبد ما لا يغني ولا يسمن من جوع، ومنهم اليهودي الذي أضله الله على علم وختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، وأعماه الكبر والحسد، وتخبطه الشيطان حتى أعرض عن الحق، وتمرَّغ بالباطل وجابه ربه بكل خلق رذيل وطبع مشين، فاستحق غضب الله ولعنته، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمْ الله وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ آل عمران (١١٧) .
ومنهم النصراني عابد الصليب، اتخذ إلهه هواه حتى عدّ الوثنية دينًا حقًا، والشرك توحيدًا، وقال في الله قولًا عظيمًا، يضاهي بذلك قول الذين كفروا من قبل وضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وزين له الشيطان سوء عمله فرآه حسنًا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وما ربك بظلام للعبيد، والمسلم صاحب دعوة وحق، لا يغره كثرة الهالكين ولا قلة السالكين، إذ هو يسير بنور الله ﷿ وهدايته، والمسلم داعية مشفق ناصح، وطبيب ذكي حاذق، ينصح للخلق رغبة في نجاتهم، ويصف الدواء للمريض رجاء الشفاء، ولن يصف الدواء من لم يعرف الداء لهذا صار لزومًا على المسلم الداعية أن يعرف شيئًا من أديان الناس، فإن لذلك عدة فوائد.
أولًا: إن ذلك عامل مساعد للداعية يسهل له دعوة أصحاب الأديان المنحرفة بإبراز مواضع الإنحراف والفساد في دياناتهم، ثم نقلهم إلى ما يقابلها في الدين الإسلامي ويبرز لهم نصاعة الإسلام وسلامته من التحريف في مصادره، وانسجامه مع الفطرة البشرية السليمة في عقيدته وعبادته وتشريعاته.
ثانيًا: إن المنصرين غزو كثيرًا من مناطق المسلمين، يبثون سمومهم، ويتصيدون الجهلة من المسلمين والبسطاء لتنصيرهم، فبمعرفة المسلم لديانة
[ ٤ ]
هؤلاء المنصرين يستطيع أن يبين للمسلمين فساد دعوتهم، والانحراف الديني الذي هم عليه، وخبث مقاصدهم ونياتهم.
ثالثًا: إن النظرة الفاحصة الواعية لما عليه الأديان غير الإسلام تزيد المسلم يقينًا بدينه، إذ يظهر له تميز الإسلام ورفعته، وأنه الدين الذي قام ولا يزال على التوحيد الخالص، والعبادة الحقة لله ﷿ والشرع الصالح للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما يتضح له سلامة مصادر الإسلام من التحريف الذي وقع في مصادر الأديان الأخرى.
رابعًا: الوقوف على تحريف أصحاب الأديان الباطلة لأديانهم وابتداعهم فيه تصديق لخبر الله؟عز وجلعنهم، كما أن الإيمان بخبر الله عنهم يصبح إيمانًا مفصلًا بعد أن كان إيمانًا مجملًا.
خامسًا: معرفة تاريخ تلك الأديان وواقعها يتبين به المسلم مدى الانحراف الذي وقع فيها، وأسبابه، فيجتنب هذه الأسباب، ويحرص على المحافظة على السنة، ونبذ البدعة إذ البدعة من أبرز أسباب الانحراف في العبادة والتشريع لدى الأديان الأخرى.
لهذا سأعرض بإذن الله تعالى في هذه الدراسة الموجزة لليهودية والنصرانية فأشرح ما يتعلق بكل واحدة منهما من ناحية كتبها ومصادرها وعقيدتها وبعض المسائل الأخرى المتعلقة بهما، وذلك بيانًا للباطل وتحذيرًا منه ونصرة للحق ودعوة إليه، كما قدمت مدخلا فيه مقدمة عن الدين من ناحية تعريفه وباعثه ونشأة علم الأديان.
وأسأل الله ﷿ أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.
[ ٥ ]
مدخل إلى دراسة الأديان
أولًا: تعريف الدين
الدين في اللغة: مشتق من الفعل الثلاثي دان وهو تارة يتعدى بنفسه، وتارة باللام، وتارة بالباء، ويختلف المعنى باختلاف مايتعدى به.
فإذا تعدى بنفسه يكون "دانه" بمعنى ملكه، وساسه، وقهره وحاسبه، وجازاه.
وإذا تعدى باللام يكون "دان له" بمعنى خضع له، وأطاعه.
وإذا تعدى بالباء يكون "دان به" بمعنى اتخذه دينًا ومذهبًا واعتاده، وتخلق به، واعتقده١.
وهذه المعاني اللغويه للدين موجودة في "الدين" في المعنى الإصطلاحي كما سيتبين لأن الدين يقهر أتباعه ويسوسهم وفق تعاليمه وشرائعه، كما يتضمن خضوع العابد للمعبود وذلته له، والعابد يفعل ذلك بدوافع نفسية ويلتزم به بدون إكراه أو إجبار.
الدين في الإصطلاح: اختلف في تعريف الدين اصطلاحًا اختلافًا واسعًا حيث عرفه كل إنسان حسب مشربه، ومايرى أنه من أهم مميزات الدين.
فمنهم من عرفه بأنه "الشرع الإلهي المتلقى عن طريق الوحي" وهذا تعريف أكثر المسلمين.
_________________
(١) ١ انظر: لسان العرب (٢/١٤٦٧)، وانظر: كتاب"الدين" محمد عبد الله دراز ص٣٠- ٣١.
[ ٩ ]
ويلاحظ على هذا التعريف قصره الدين على الدين السماوي فقط، مع أن الصحيح أن كل مايتخذه الناس ويتعبدون له يصح أن يسمى دينًا، سواء كان صحيحًا، أو باطلًا، بدليل قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ آل عمران (٨٥) .
وقوله؟﷿: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِين﴾ الكافرون (٦)، فسمى الله ما عليه مشركي العرب من الوثنية دينًا.
أما غير المسلمين فبعضهم يخصصه بالناحية الأخلاقية كقول "كانت"١ " بأن الدين هو المشتمل على الإعتراف بواجباتنا كأوامر إلهية".
وبعضهم يخصصه بناحية التفكر والتأمل كقول رودلف إيوكن "الدين هو التجربة الصوفية التي يجاوز الإنسان فيها متناقضات الحياة ٢ " إلى غير ذلك من التعريفات التي نظرت إلى الدين من زاويه. وتركت أوجهًا وزوايا عدة.
وأرجح التعريفات أن يقال:
الدين: هو إعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلًا وحبًا، رغبة ورهبة.
فهذا التعريف فيه شمول للمعبود، سواء كان معبودًا حقًا. وهو الله ﷿، أو معبودًا باطلا وهو ما سوى الله ﷿.
_________________
(١) ١ كانت (عمانوئيل) فيلسوف ألماني.ذهب إلى أن الإنسان لا يدرك ماهية الأشياء، بل يدرك ظواهرها الحسية في الزمان والمكان. توفي سنة ١٨٠٤م. المنجد في الأعلام ص٥١٣.
(٢) انظر هذه التعريفات في كتاب الدين د. محمد عبد الله دراز ص (٣٣-٣٦) وكتاب "الإنسان والأديان" للدكتور محمد كمال جعفر ص١٦-١٨.
[ ١٠ ]
كما يشمل أيضا العبادات التي يتعبد الناس بها لمعبوداتهم سواء كانت سماوية صحيحة كالإسلام، أولها أصل سماوي ووقع فيها التحريف والنسخ كاليهودية، والنصرانية.
أو كانت وضعية غير سماوية الأصل كالهندوكية، والبوذية، وعموم الوثنيات.
كما يبرز التعريف حال العابد إذ لابد أن يكون العابد متلبسًا بالخضوع ذلًا وحبًا للمعبود حال العبادة، إذ أن ذلك أهم معاني العبادة.
ويبين التعريف أيضًا هدف العابد من العبادة، وهو إما رغبة أو رهبة، أو رغبة ورهبة معًا، لأن ذلك هو مطلب بني آدم من العبادة. والله أعلم.
[ ١١ ]
ثانيًا: تقسيم الأديان
تنقسم الأديان التي يدين بها البشر باعتبار النظر في المعبود إلى قسمين:
القسم الأول: أديان تدعو إلى عبادة الله
وهي في الدرجة الأولى الإسلام، ثم يليه اليهودية، أما النصرانية فإن واقعها وحقيقتها الشرك، وهو عبادة المسيح ﵇ والروح القدس مع الله تعالى، إلا أن أصحابها يزعمون أنهم يعبدون الله الواحد ذو الثلاثة أقانيم- كما سيأتي تفصيل ذلك.
القسم الثاني: أديان وثنية شركية تدعو إلى عبادة غير الله ﷿
وهي: الهندوكية والبوذية وغيرها من الشركيات القديمة والحديثة. والنصرانية يمكن اعتبارها من هذا القسم على اعتبار عبادتهم للمسيح والروح القدس.
[ ١٢ ]
ثالثًا: علم الأديان في القرآن الكريم وكتابة المسلمين فيه:
القرآن الكريم كتاب أنزله الله ﷿ لهداية البشرية جمعاء وهو خاتم الكتب السماويه، وهو كتاب دعوة وهداية لهذا ذكر الله ﷿ فيه أديان الناس السابقة والمتزامنة مع نزوله، لأن ذلك وسيلة من وسائل دعوة أصحاب الأديان، فإن عرض ما هم عليه من الباطل وبيان أوجه بطلانه مع عرض الحق والتركيز على مميزاته، وأوجه رجحانه.
كل ذلك مما ينير الأذهان التي غلفها التقليد، والجهل، والهوى، ويفتح أمامها أفاق المعرفة السليمة من أجل المقارنة والموازنة ثم الإيمان عن اقتناع ويقين.
وإذا نظرنا في القرآن الكريم نجد أنه حوى من ذلك الشيء الكثير.
فمن ذلك أن الله ﷿ قد حصر الأديان التي عليها الناس في قوله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الله عَلَى كُلِ شَيء شَهِيد﴾ الحج آيه (١٧)
فأديان البشر لاتخرج عن واحد من هذه وهي: الإسلام، واليهودية والصابئة ١، والنصرانية، والمجوسية٢، والوثنية.
_________________
(١) الصابئة اختلف فيهم اختلافًا عريضًا، وأنقل هنا كلام غضبان رومي أحد الصابئة في كتابه عن جماعته فمما ذكر عنهم: "أنهم يؤمنون بالله ربًا وخالقًا " ويشركون مع الله في العبادة بدعاء الأنبياء والملائكه، ويعتقدون أن عالم الأنوار وهم من الملائكة وبعض الأنبياء يمنح الخالق بواسطتهم للناس الهداية والصحة والقوة والفضيلة، ويؤمنون بالحساب بعد الموت مباشرة فالصالحون عندهم يذهبون إلى عالم الأنوار، والمذنبون إلى عالم الظلام أو النار الموقده ولا يعتقدون ببعث الأجساد، ويؤمنون من الأنبياء بآدم وشيث وإدريس وسام وإبراهيم ويحيى ويصلون إلى الشمال ناحية القطب الشمالي ويوجد الآن منهم قرابة ثلاثين ألفًا في العراق - هؤلاء هم الذين يسمون الصابئه المندائية. وهناك صابئة حران،وهم وثنيون يعبدون الكواكب وقد انقرضوا ولم يبق إلا المندائية. انظر كتاب "الصابئة" ص٢٦،٢٧،٣٠،٦٠،٩٣،١٤٦. ٢ المجوس: هم القائلون بأن الله خالق الخير وهو النور وخرجت الظلمة من النور، ويعبدون النار ويسجدون للشمس إذا طلعت. انظر الملل والنحل (١/٢٣٣)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص٥٧.
[ ١٣ ]
كما ذكر الله ﷿ الأنبياء ﵈ وأبان أن دعوتهم كانت واحدة وهي الدعوة إلى التوحيد قال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاْعُبُدون﴾ الأنبياء آية (٢٥)
وقال ﷿ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ أُمَّة رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ النحل آية ١٦
وأن دينهم واحد وهو الإسلام قال ﷿ عن نبيه إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِيَتِنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَكَ﴾ البقره آية (١٢٨) .
وقال عن نبيه إبراهيم ويعقوب ﵉ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِ الْعَالَمِيَن وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ياَ بني إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُون﴾ البقرة آية (١٣٤)
وقال ﷿ ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُم بِالله فَعَلَيْهِ تَوَكَلُوا إِنْ كُنْتُم مُسْلِمِين﴾ يونس آية (٨٤) .
وقال ﷿ ﴿قاَلَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ . آل عمران آية (٥٢) .
كما ذكر الله ﷿ مجادلة الأنبياء لأقوامهم وإقامتهم للحجة عليهم من أوجه عديدة.
[ ١٤ ]
وذكر الأديان التي يدين بها الناس، فذكر الديانة التي أنزلت على موسى ﵇ وذلك في آيات عديدة أيضا ومن المثال على ذلك:
قوله ﷿ ﴿فَلَمَّا أَتَاَها نودي يَا مُوسَى إني أَنَا رَبُكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّس طُوَى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إنني أَنَا الله لا َإِلَهَ إِلاَّ أَنَا فاعبدني وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَة أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُ نَفْس بِمَا تَسْعَى فَلا يَصُدَنَّكَ عَنْهَا مَن لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاُه فَتَرْدَى﴾ طه آية (١٢-١٧)
وذكر الله ﷿ انحراف بني إسرائيل وكفرهم وتحريفهم لكلام الله في آيات عديدة منها قوله ﷿ ﴿وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ آل عمران آية (٧٨)
وقال ﷿ ﴿وترى كثيرًا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾ المائدة (٦٢-٦٣) .
وذكر الله ﷿ النصارى وعقائدهم وانحرافاتهم في آيات عديدة منها قوله ﷿ ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم﴾ المائده (٧٢) .
﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسَّن الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ المائده آية (٧٣) .
كما ذكر أقوالًا أخرى عديدة لهم في المسيح وأمه وذكر ادعاءهم صلبه
[ ١٥ ]
وأبان عن الحق في كل ذلك.
وإضافة إلى أقوال أصحاب الديانات ذكر الله ﷿ أيضًا أصول بعض تلك المقالات المنحرفة فمن ذلك قوله ﷿ ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنَّى يؤفكون﴾ التوبة آية (٣١) .
فبين سبحانه أن هذه المقالة اقتبسها اليهود والنصارى من الكفار قبلهم، وهذا أمر ثابت واضح لكل من نظر في الأديان السابقة على اليهودية والنصرانية فإنه سيجد ادعاء الولد لله- تعالى الله عن ذلك - منتشرًا لدى الكفار من الفراعنة واليونان والرومان وغيرهم.
كما ذكر الله؟﷿ المشركين الوثنيين فذكر عباداتهم وآلهتهم في مثل قوله ﷿ ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ النجم (١٩-٢٠) .
وقال ﷿ ﴿أتدعون بعلًا وتذرون أحسن الخالقين﴾ الصافات (١٢٥)
كما ذكر حججهم مجملة ومفصله، فمن المجملة قوله ﷿ ﴿ألم يأتكم نبؤ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعونا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين﴾ إبراهيم (٩-١٠)
ومن حجج المشركين المفصله وجدالهم لأنبيائهم ﵈ قوله ﷿
[ ١٦ ]
﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاؤا إنك لأنت الحليم الرشيد قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقًا حسنًا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب إلى قوله: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفًا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب﴾ هود آية (٨٤-٩٣)
كما عقد جل وعلا المقارنات العديدة بين الحق والباطل ليفسح المجال أمام العقل للمقارنة والموازنة من ذلك قوله؟﷿ ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ يوسف آية (٣٩)
وقوله ﷿ ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون إن الذين تدعون من دون الله
[ ١٧ ]
عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم أذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ الأعراف (١٩١-١٩٦) .
كما ذكر الله ﷿ الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق وينكرون بالتالي الأديان حيث ذكر إمامهم فرعون في مواطن كثيرة منها قوله ﷿ ﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين﴾ القصص (٣٨)
بل بين سبحانه أن فرعون هو إمام الإلحاد وذلك في قوله ﷿ ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ القصص (٤٢-٤٣)
فبين سبحانه أن فرعون وأتباعه هم أئمة الدعاة إلى النار، ولاشك أن أعظم الدعاة إلى النار هم الفلاسفة الملاحدة والمؤلهة منهم. وهذا خلاف ما هو مشتهر لدى كثير من الناس من عزو الفلسفة والإلحاد إلى فلاسفة اليونان فإن الصحيح أن الفراعنة كانوا هم أئمة اليونان في هذا، فقد أخذ اليونان فلسفتهم الوثنية عنهم، وكل من نظر في أساطير اليونان وفلسفتهم وكذلك أساطير الرومان الذين ورثوا ذلك عن اليونان، ثم نظر في أساطير وفلسفة الفراعنه قبلهم علم أن هذه الأقوال بعضها من بعض، وإن كان اليونان قد توسعوا في ذلك وانتشرت عنهم تلك الأقوال فنسبت إليهم.
[ ١٨ ]
قال د. محمد دراز "لم يبق الآن مجال للشك في أن القدامى من علماء اليونان وفلاسفتهم تخرجوا في مدرسة الحضارات الشرقية، والحضارة المصرية بوجه أخص ١. وليس معنى هذا أن الإغريق (اليونان) كانوا بمثابة أوعية مصمتة نقلت علوم الشرق ومعارفه نقلًا حرفيًا، فذلك ما لا يستسيغه عقل، ولم يقم عليه دليل من صحيح النقل، ولكن المعنى أنهم لم ينشئوا هذه العلوم إنشاءًا على غير مثال سابق كما ظنه بعضهم، بل وجدوا مادتها في الشرق فاقتبسوا منها وأفادوا كثيرًا. وإن قدماء اليونان أنفسهم يذهبون إلى الإعتراف بهذه التلمذة إلى القول بأن عظماءهم أمثال فيثاغورس ٢ وأفلاطون٣ مدينون بأرقى نظرياتهم إلى المدرسة المصرية، والناقدون المحدثون وإن استبعدوا حصول نقل حرفي لهذه النظريات، لم يسعهم إلا التسليم بتبعية هؤلاء الفلاسفة في الدين والأخلاق، للنظريات المصرية٤ ".
_________________
(١) ١ يؤكد العديد من الباحثين من بداية القرن العشرين أن الفلسفة اليونانية اقتبست مادتها من الفلسفة الشرقية، وخاصة المصرية، ومن هؤلاء: "ذيوجانس اللائرسي" و"أبل ريه"،وغيرهم. ويستدلون لذلك بأشياء عديدة من أهمها: أن طاليس الملطي الذي اشتهر بأنه منشىء الفلسفة اليونانية كان قد جمع علوم البابليين والمصريين، إضافة إلى أن أفلاطون وفيثاغورس قد زارا مصر واستفادا من علومها. انظر في ذلك:موسوعة الفلسفة١/٤١١،٢/١٨٣، الموسوعة الفلسفية ص ٢٧٨، بحوث مقارنات في تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة لعمر فروخ ص٦٢، الدين المقارن " بحث في سائر الديانات العالمية" ص١٠٣-١٠٩. ٢ فيثاغورس فيلسوف ورياضي يوناني. عاش مع أتباعه حياة مشتركة في الزهد، يقول بتناسخ الأرواح عاش في القرن ٦ ق. م. انظر المنجد في الإعلام ص٥٣٥. ٣ أفلاطون: من كبار فلاسفة اليونان وهو تلميذ سقراط ومعلم أرسطو توفي سنة ٣٤٧ق. م. المنجد في الإعلام ص٥٥. ٤ الدين، محمد عبد الله دراز، ص١١.
[ ١٩ ]
كما أمر الله ﷿ بمجادلة أهل الكتاب لا زالة شبههم وإقامة الحجة عليهم وذلك بالحسنى كما قال ﷿ ﴿وَلاَ تُجَاِدلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتَّىِ هِيَ أَحْسَن إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ العنكبوت (٤٦) .
كما حكم الله ﷿ في هذا القرآن بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه من القضايا الدينية ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُ عَلَى بني إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ النمل (٧٦)
فبرأ الله؟﷿ فيه سليمان؟﵇ مما اتهمه به اليهود من الكفر وأثبت له النبوة التي كانوا ينكرونها، كما برأ مريم ﵂ مما اتهمها به اليهود، وأبان عن حصانتها وعفتها وطهارتها، وبرأ ابنها مما نبزه به اليهود من الكفر والضلال، كما برأه مما ادعاه فيه النصارى من الألوهية والبنوة، ورد على اليهود والنصارى دعوى صلبه، وأخبر أنه أنجاه منهم ورفعه إليه.
فهذه المعلومات الغزيرة والمتنوعة عن الأديان التي وردت في القرآن الكريم، تدل دلالة واضحة على عظيم أهمية هذا العلم في مجال الدعوة إلى الله ﷿، فتنبه لذلك علماء المسلمين فكتبوا في الأديان قاصدين بذلك الدعوة إلى الله من خلال ذلك فكان من أوائل من كتب في ذلك:
علي بن ربن الطبري١ في كتابيه "الرد على النصارى٢ " وكتاب "الدين والدوله في إثبات نبوة النبي ﷺ ٣ ".
_________________
(١) ١ أبو الحسن علي بن سهل المعروف بـ "ابن ربن الطبري". كان طبيبًا نصرانيًا أسلم زمن المتوكل العباسي وكان حيًا سنة ٢٤٧هـ ولا يعرف سنة وفاته على التحديد. انظر المنجد في الإعلام ص٤٣٤ مقدمة كتاب الدين والدولة ص ٥. ٢ وهو كتاب مفقود وإنما ذكره المؤلف في كتابه "الدين والدولة". ٣ وهو مطبوع بتحقيق عادل نويهض من منشورات دار الآفاق الجديدة في بيروت ويقع الكتاب في ٢١٠ صفحة من القطع المتوسط.
[ ٢٠ ]
والجاحظ ١في كتابه:" الرد على النصارى"٢. والأشعري٣ في كتابه "الفصول في الرد على الملحدين٤ ". والمسعودي٥ في كتابه " المقالات في أصول الديانات٦". والبيروني٧ في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذوله٨". وابن حزم٩ في كتابه "الفصل في الملل
_________________
(١) ١ عمرو بن بحر أبو عثمان الجاحظ المعتزلى صاحب كتاب الحيوان توفي سنة ٢٥٥هـ. البداية والنهاية (١١/٢٢) . ٢ هو كتاب صغير مطبوع مع رسائل أخرى باسم "ثلاث رسائل لأبي عثمان الجاحظ". طبع المطبعه السلفيه بالقاهرة، كما طبع باسم "المختار في الرد على النصارى" تحقيق محمد عبد الله الشرقاوي دار الصحوة للنشر والتوزيع بالقاهرة. ٣ علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري ولد سنة ٢٦٠ هـ وتوفى سنة ٣٣٠هـ، وهو الذي تنتسب إليه الأشاعره. سير أعلام النبلاء (١٥/٨٥) . ٤ ذكر الكتاب الذهبي في السير (١٥/٨٧) وابن عساكر في تبين كذب المفترى ص١٢٨ وقال عنه " رد فيه على البراهمة واليهود والنصارى والمجوس، وهو كتاب كبير،يشتمل على اثنى عشر كتابًا" وهو في حكم المفقود. ٥ أبو الحسن على بن الحسين بن علي المسعودي صاحب كتاب مروج الذهب توفي سنة ٣٤٥هـ سير أعلام النبلاء (١٥/٥٦٩) . ٦ ذكر الكتاب المسعودي نفسه في كتابه المشهور "مروج الذهب"، ويتحدث في كتابه عن صابئة الصين وصابئة المصريين وعن المذاهب النصرانية ومذاهب الوثنية والمجوس وغير ذلك. انظر منهج المسعودي في بحث العقائد والفرق الدينية ص٥٢. ٧ محمد بن أحمد ابو الريحان البيروني الخوارزمي فيلسوف رياضي مؤرخ، أقام في الهند بضع سنين وصنف كتبًا كثيرة جدًا توفي في خوارزم سنة ٤٤٠هـ. الأعلام للزركلي (٥/٣١٤) . ٨ هو كتاب كبير مطبوع بمطبعة دائرة المعارف العثمانية الهندية ١٣٧٧هـ، ويتحدث فيه مؤلفه عن أديان الهند وعادات أهلها وأخلاقهم. ٩ علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أبو محمد إمام في الفقه وكان من بيت وزراة ورياسة توفي سنة ٤٥٦هـ انظر البداية والنهاية (١٢/٩٩) .
[ ٢١ ]
والأهواء والنحل١". والشهرستاني٢ في كتابه "الملل والنحل٣".والقرافي٤في كتابه "الأجوبة الفاخره عن الأسئلة الفاجره٥"وشيخ الإسلام ابن تيميه٦ في كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح٧".
وغيرها كثير أرسى به المسلمون قواعد هذا العلم حيث أوردوا عقائد أصحاب الديانات وعباداتهم ونقلوا ذلك عن كتبهم ومصادرهم المعتبرة لديهم وناقشوهم فيها وأبانوا عن بطلان أقوالهم وأقاموا الحجة عليهم بالأدلة النقلية والعقلية، وسلكوا في ذلك منهجًا دعويًا متأسين بذلك بالقرآن الكريم.
وقد سبق المسلمون في هذا المضمار الغربيين الذين لم يعتنوا بهذا العلم إلا في العصور المتأخرة بعد ما يسمى بعصر النهضة في القرنين ١٥،١٦م.
لأن النصارى بعد عصر النهضة وابتداء عصر الإستعمار أخذوا يرسلون
_________________
(١) ١ وهو كتاب كبير مطبوع في مصر، مكتبة الخانجي وقد رد فيه مؤلفه على النصارى واليهود إضافة إلى كلامه عن الفرق. ٢ أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الشافعي الفيلسوف والمتكلم المتوفي سنة ٥٤٨هـ. الأعلام (٦/٢١٥) . ٣ وهو كتاب كبير الحجم مطبوع في مجلدين بتحقيق محمد سيد كيلاني مطبعة الباب الحلبي. ٤ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن ادريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري المشهور بالقرافي من كبار المالكيه وهو صاحب كتاب الذخيره في المذهب المالكي توفي سنة ٦٨٤هـ. الأعلام ١/٩٤. ٥ هو كتاب مطبوع بدار الكتب العلميه في بيروت وقد رد مؤلفه على النصارى حيث احتجوا في رسالة لهم بالقرآن على صحة مذهبهم فرد المؤلف على صاحب الرسالة النصراني بهذا الكتاب. ٦ شيخ الإسلام الامام العالم تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيميه المتوفى سنة ٧٢٨هـ انظر البداية والنهاية (١٤/١٤٨. ٧ وهو كتاب مطبوع في مجلدين كبيرين،طبعته مطابع المجد التجارية. كما طبعته دار العاصمة في الرياض في ستة مجلدات تحقيق د/ عبد العزيز العسكر وزملائه.
[ ٢٢ ]
البعوث من رجال دينهم إلى الشرق الأدنى والأقصى، للإطلاع على ديانات الناس والتعرف عليها والكتابة فيها وتلك البعوث لم تكن في الواقع إلا طلائع الاستعمار.
ومن الأشياء الجديدة التي استطاع الغربيون إضافتها إلى هذا العلم، البحث في الديانات القديمة، وساعدهم على ذلك التنقيب عن الآثار، وتعلم اللغات القديمه، فأفادوا في هذا الباب معرفة ديانات الأقوام القديمة التي اندثرت.
فأكملوا بذلك ما كان بدأه المسلمون، مع أن المسلمين يتميزون عن الغربيين أن بين أيديهم مرجعًا عظيمًا قد حوى في هذا الباب علمًا جمًا ذا دلالات مفيدة نافعة لهداية الإنسان ومصلحته الدينيه، ذلك هو الوحي الإلهي في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
وهو مصدر علمي معصوم من الخطأ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيعصم العقل البشري من البحث في علوم لا تعود بفائدة على الإنسان في دينه أو دنياه، كالبحث في أديان أقوام غبرت واندثرت من أهل الشرق والغرب.
كما يعطيه المعلومات الصحيحة عن أمور لا يمكن للبشر التوصل إليها والقطع فيها بالحق إلا بالعلم الألهي كما في بحثهم في نشأة التدين وباعثه –كما سيأتي- فإن البحث في ذلك كثير منه هو من باب التخرص إذا لم يستند إلى الوحي الإلهي.
[ ٢٣ ]
رابعًا: باعث التدين:
قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِ أُمَّة رَسُولًا﴾ النحل (٣٦) .
وقال ﷿ أيضا: ﴿وَإِن مِنْ أُمَّة إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِير﴾ فاطر (٢٤) .
قال ابن كثير -﵀- عند الآية الأولى: "وبعث في كل أمة أي من كل قرن وطائفة رسولًا ثم قال فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح؟؟﵇؟١.
فهذا فيه دلالة واضحة على أن البشر ماانفكوا عن رسل يدعونهم إلى الله ويشرعون لهم الشرائع التي يتعبدون الله بها، كلما اندرست معالم التوحيد، وانطمست أنواره في نفوسهم.
وذلك يعني أن التجمعات البشرية لم تخل من دين تدين به وتضبط كثيرًا من نواحي حياتها وِفْقَه.
وهذا ما أكده أيضًا علم الآثار والبحوث الاجتماعية في التجمعات البشرية، إذ يصرح كثير من ذوي هذه الاختصاصات: "أن الجماعات البشرية القديمة والحديثة، المتحضرة وغير المتحضرة كان لها دين تدين به.
قال هنرى برجسون٢: لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٢/٥٢٢) . ٢ هو فيلسوف يهودي الأصل وشاع أنه اعتنق النصرانية في أخريات حياته ولكن فلسفته كلها تدل على أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا ذا دين مطلقا، وإنما كان دهريًا يرى الحياة قوة مندفعة تخبط خبط عشواء توفي ١٩٤١م انظر حاشية الدين ص ١٤٣.موسوعة الفلسفة ص ٩٦
[ ٢٤ ]
علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد جماعة بغير ديانة " ١.
فهذه الدلالات المؤكدة، والحقيقة التي لا تقبل الجدل في أن النزعة الدينية متعمقة في الإنسان ومغروزة فيه تجعل الباحث والناظر في ذلك يتساءل عن الباعث على هذا التدين ما هو؟ مع أن الدين ليس من الماديات، ولا من الشهوات التي تتعلق بها النفوس، بل الدين له تبعات ولوازم تجعل الإنسان في كثير من الأحيان يبذل دمه من أجله فضلا عن ماله ووقته وعواطفه، ويتحكم الدين في كثير من تصرفات الإنسان وعلاقاته.
فلهذا كثر في بيان الباعث على التدين القيل والقال، والاستنتاجات، والتخمينات.
وإليك بعض هذه الأقوال وهي كلها لغير المسلمين:
قال بعضهم: إن الدافع إلى التدين الخوف من الطبيعة حوله بما فيها من برق، ورعد، وزلازل، وبراكين، وحيوانات متوحشة، جعلت الإنسان في الأزمان القديمة وهو الضعيف الذي لا حول له ولا طول مع هذه الأحوال المتغيرة حوله يبحث عن قوة غيبية لها سيطرة وتأثير في هذه الطبيعة حوله، ولها قدرة على حمايته وحفظه، فألهَّ وعبد ما يرى أنه أقوى وأقدر على حمايته من المخلوقات التي حوله كالشمس والقمر والبحر ونحو ذلك ٢.
وقال بعضهم وهو ماكس موللر٣: أن العقل هو الباعث على التدين،
_________________
(١) ١ نقلا عن كتاب "الدين" د/ محمد دراز ص٨٣ وانظر الإنسان في ظل الأديان د/ محمد نجيب ص٢٥. اليهود وراء كل جريمه وليم كار ص٣٧ ترجمة خير الله طلفاح. ٢ هذا قول الانجليزي جيفونس في كتابه " المدخل إلى تاريخ الديانات" نقلا عن كتاب الدين د. محمد دراز ص١٢٥. ٣ مستشرق ألماني من علماء اللغات ومن الدارسين المتعمقين في دراسة الأساطير والأديان توفي ١٩٠٠م. الأعلام٥/١٤٥
[ ٢٥ ]
وذلك أن العقل ميزة الإنسان عن الحيوان، وهو باعث على النظر والتفكر في هذه المخلوقات، والإعجاب بها، وتعظيمها، ومن هنا أخذ العقل يفكر فيما وراء الطبيعة، وأداه عقله مع اللغة المستخدمة في الحديث عن الجمادات١ إلى صبغها بصبغة الأحياء ذوات الأرواح، مما جعله يتعبد لها ويتخذها إلها ٢.
وهناك قول ثالث في الباعث قال به دوركايم الفرنسي٣ وهو أن الحاجة الإجتماعية هي الباعث على التدين، وذلك أن المجتمعات البشرية تحتاج إلى نظم وقوانين تحفظ الحقوق وتصون الحرمات، ويؤدي كل إنسان واجبه بمراقبة داخلية، مما جعل بعض الأفذاذ وذوي القيادة يتولد في أذهانهم الدين، ويبثونه في جماعتهم، فتقبله الجماعة لحاجتها لذلك٤.
هذه الأقوال يظهر منها واضحًا إدعاء أن الدين مصدره الإنسان، وأن باعثه أمر من الأمور المتعلقة بالطبيعة حول الإنسان، أو دوافع داخلية في الإنسان.
ولا تحتاج هذه الأقوال إلى كثير عناء في إبطالها وردها، إذ أن هذه البواعث المذكورة كثيرًا ما تكون غير موجودة، ومع ذلك يكون التدين ظاهرًا واضحًا يصدم دعاة الإلحاد ويهدم تخرصاتهم.
ولا يعدو ما ذكر هنا من باعث التدين أن يكون تخرصا وفرضًا باطلًا، إذ أن
الحديث عن باعث التدين يحتاج إلى سبر أغوار النفس البشرية، ودراسة
_________________
(١) ١ المراد أن اللغة يعبر بها عن بعض الجمادات، وكأن لها إرادة وفيها روح كقولهم النهر يجري والشمس تطلع والمطر ينهمر ونحو ذلك. ٢ انظر "الدين" ص١١٤- كتاب "الله ﷻ" للعقاد ص١٧. ٣ هو أميل دور كايم عالم إجتماع فرنسي توفى ١٩١٧م. انظر المنجد في الاعلام ص٢٩٠ ٤ انظر "الدين" ص١٥٠ وكذلك كتاب الإنسان في ظل الأديان ص٣٩.
[ ٢٦ ]
تاريخية متعمقة، تشمل الإنسان الأول، وتسير معه سيرًا متأنيًا، كاشفة عن مشاعره وأحاسيسه وتقلباتها حسب الظروف والأحوال التي تحيط به، إذ أن الدين له أوقات يظهر بها ويتضح جليًا في حياة الإنسان، وهي أوقات الأزمات والمخاوف التي يقع فيها الإنسان. كما أن له أوقاتًا يكمن فيها ولا يظهر، وهي أوقات الرخاء والغنى، إذ يقع الإنسان فيها فريسة سهلة للغفلة والبعد عن الدين.
كما أن الباحث يجب أن يكون في حال بحثه خاليا من المؤثرات البيئية والدينية والثقافية، وذلك من أجل أن يكون حكمه على الظواهر التي يقع عليها سليما من المؤثرات الخارجية وأنَّى للباحث أن يتخلص من ذلك١.
فهذه الأمور تجعل الوصول إلى باعث التدين الحقيقي من الصعوبة والعسر ما لا يتمكن منه الإنسان.
ونحن المسلمين نعتقد أن الباعث على التدين: هو الفطرة، ونعتمد في ذلك على الوحي الإلهي والنور الرباني، فإن القرآن والسنة نصا على أن الإنسان مفطور على الإقرار بالخالق والعبودية له والبراءة من الشرك٢.
يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلكَ الدِينُ الْقَيِم وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الروم (٢٠) .
وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
_________________
(١) ١ انظر في الرد على هذه التخرصات كتاب الدين ص١١٤-١٦٤. ٢ أكثر السلف على أن المراد بالفطرة الإسلام. انظر فتح الباري (٣/٢٤٨) .
[ ٢٧ ]
عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِكُمْ قَالُوا بلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِيَن أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِيَة مِن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكَنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون﴾ الأعراف (١٧٢) .
فهذه الآية تشهد للآية قبلها، وتبين أن الله جعل ذلك في فطر بني آدم، وأنه أخرجهم من أصلاب أبائهم وأخذ عليهم بذلك العهد والميثاق.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس؟﵁ عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا "لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك ولا أدخلك النار فأبيت إلا الشرك" ١.
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعا قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم؟﵇ بنعمان - يعني عرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِكُمْ قَالُوا بلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَاَمَةِ إِنَّا كُنَا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ الآية٢.
ومن الأدلة الدالة على أن الإنسان مفطور على الدين الحق حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء"٣.
_________________
(١) ١ خ الانبياء (٤/١٠٦) م. المنافقين (٤/٢١٦٠) . ٢ حم (١/٢٧٢) وذكر ابن كثير في تفسيره (٢/٢٤١) روايات عديدة في هذا المعنى ورجح وقفها على ابن عباس ﵄. ٣ أخرجه خ الجنائز ب٩٢ - انظر فتح الباري (٣/٢٤٦) .
[ ٢٨ ]
وحديث عياض بن حمار المجاشعى ﵁ أن رسول الله؟ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا الحديث"١.
فهذه الأدلة صريحة في بيان أن الإنسان مفطور على الإقرار بالخالق، والعبودية له وهذا هو التدين وذلك باعثه -ومن أصدق من الله حديثا-.
كما دلت هذه الأدلة أيضًا على أمرين:
أحدهما: أن هذه الفطرة والإقرار بالخالق إلهًا وربًا، قابلة للتأثر والتغير والإنحراف بفعل مؤثرات خارجية، ولذلك نعتقد بأن السبب في وجود الوثنيات السابقة في الأمم البائدة، واللاحقة في الأمم القديمة والحاضرة هو هذه المؤثرات التي وردت في هذه النصوص.
ثانيهما: أن المؤثرات التي تؤدي إلى انحراف الفطرة عن وجهتها الصحيحة على ضوء هذه الأدلة ثلاثة وهي:
١- الشياطين: وهي المؤثر الخارجي الأصلي والأول في هذا الأمر كما دل على ذلك حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ المتقدم.
٢- الأبوان ويقوم المجتمع بدور الأبوين في حال فقدهما: وهذا المؤثر هو أقوى المؤثرات، وأخطرها لشدة التصاق الأولاد بآبائهم وقوة تأثيرهم عليهم. وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم.
_________________
(١) ١ أخرجه م. الجنة (٤/٢١٩٧) حم (٤/١٦٢) .
[ ٢٩ ]
وقد قدمت الشياطين على الآباء لأن الشياطين هي المؤثر الخارجي الأول في انحراف الآباء أنفسهم.
٣- الغفلة: وهي المؤثر الثالث في انحراف هذه الفطرة كما دلت على ذلك آية سورة الأعراف.
ولسائل أن يسأل: ما هي فائدة الفطرة وهي على هذه الحال من الضعف١ حيث تتأثر بهذه المؤثرات الخارجية التي تؤدي إلى انحرافها، ولا يكاد الإنسان ينفك عن واحد من هذه المؤثرات والصوارف، أو كلها؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن حكمة الله اقتضت جعل الفطرة بهذه الحال ليتحقق الغرض من ابتلاء الإنسان بالخير والشر ومن ثم جزاؤه على عمله، إذ لو كانت الفطرة قوية لا تتأثر بشيء لما وقع الكفر والإنحراف في بني آدم، بل صاروا غير قابلين للكفر فلا يتحقق الإبتلاء، ولله الحكمة البالغة.
ومع ذلك فإن لهذه الفطرة فوائد عديدة منها:
أولًا: أن هذه الفطرة غرزت في النفس البشرية التدين والتعبد لله تعالى، فإذا لم يهتد الإنسان إلى الله ﷿ فإنه يُعبد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام
_________________
(١) ١ يلاحظ أن الإنسان مفطور على أشياء كثيرة جدًا منها ما ذكره الله ﷿ في قوله ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ آل عمران آيه (١٤) ومنها أنه مجبول على حب الطعام الطيب والماء العذب، والنفرة من الطعوم والروائح الخبيثة، وحب من أحسن إليه، وكره من أساء إليه وأشياء عديدة، وهي فطرة قوية ليس من السهل تغييرها أو تبديلها وذلك لأنه لا يتعلق بها إبتلاء أو امتحان بل يتعلق بها أمور عديدة منها أن بها قوام الإنسان وصلاح معاشه وحياته.
[ ٣٠ ]
الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثًا ليسد به جوعته.
وهذا ما يفسر لنا وجود التدين عند عموم البشر وقد يكون الدين والمعبود في كثير من الأحيان باطلًا.
ثانيًا: أن هذه الفطرة جعلت في جبلة الإنسان قبول العبودية والانسجام مع لوازمها، وهذا من الأمور المهمة للإنسان، لأن كل ما لا يتفق مع الفطرة فإن النفس تنفر منه ولا تستجيب لمتطلباته.
ثالثًا: أن هذه الفطرة مرجحة للحق، فإذا تعرف الإنسان على دينين حق وباطل، فإن الفطرة تميز بينهما وتميل إلى الحق بل يقع ذلك في قرارة النفس ويتيقن القلب منه، فإما أن يعلن ذلك ويلتزم به، أو لا يستجيب له بسبب هوى، أو خوف، أو إلف وتقليد ونحو ذلك من الصوارف عن الحق. كما قال ﷿ عن فرعون وقومه ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًا﴾ النمل آيه (١٤) .
رابعًا: أن هذه الفطرة تهب للمهتدي يقينا بالحق الذي هو عليه وإن لم يكن عنده من الأدلة النظرية ما يهبه هذا اليقين، وهذا يفسر لنا -والله اعلم- عدم ترك المسلم لدينه رغبة عنه وما ذلك إلا لتناسبه مع فطرته، فيعطيه ذلك يقينا بأنه الحق، وكذلك من اهتدى إلى الإسلام من ذوي الأديان الأخرى الباطلة، فإنه يتمسك به تمسك الغريق بحبل النجاة، وما ذلك إلا لتيقنه من أن هذا الدين هو الحق، لتناسبه وانسجامه مع الفطرة. والله اعلم.
[ ٣١ ]
خامسًا: بيان أن التوحيد سبق الشرك:
قد تقدم بيان أنه لم توجد أمة من الأمم إلا وكان لها دين تدين به، وعبادة تلتزم بها، كما تقدم بأن الأديان نوعان: دين التوحيد وهو سماوي، وأديان وضعية شركية.
وقد زعم الملحدون: أن الشرك كان أسبق في الوجود على الأرض من التوحيد، وهو قول مبني على إنكارهم للخالق جل وعلا، وزعمهم أن الإنسان إنما وجد من الطبيعة حيث كان أميبا ١، ثم تطور بفعل الرطوبة حتى وصل بعد أزمان عديدة إلى صورة القرد، ثم تطور فصار القرد إنسانًا ٢، فزعموا أن هذا الإنسان وكان في ذلك الوقت في طور الطفولة البشرية أخذ يبحث عن إله يعبده، فتوجه إلى عبادة الأباء والأجداد، والأشجار، والحيوانات الضخمة، والشمس، والقمر، إلى غير ذلك من الأشياء التي يستعظمها في نفسه، ثم بدأ هذا الإنسان يتطور في عقله وأحاسيسه، فبدأ يتخلى عن كثير من الآلهة التي كان يعبدها حتى توصل في عهد الفراعنة إلى التوحيد، ولا يعني ذلك عندهم عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما عبادة إله واحد وهو "رع" في زعمهم الذي يرمز له بقرص الشمس.
ظاهر من هذا القول أن أصحابه يزعمون أن الأديان من صنع البشر وليست من قبل الله ﷿،
_________________
(١) ١ أميبا أو أميبه. حيوان أولى يتكون من خلية دقيقة ذات نواة وليس لها جدار، شكلها غير ثابت، ويتغير تبعًا لامتداد الأقدام الكاذبة وانكماشها. انظر: الصحاح في اللغة والعلوم ص ٣٩ بتصرف. ٢ انظر مذهب النشوء والارتقاء - منيرة الغاياتي ص١٢، أيهما هو الصحيح الخلق أم النشوء د. و. ى أوانيل ص٧، ما أصل الإنسان - د. موريس بوكاي ص٣٠.
[ ٣٢ ]
والعجيب أن يوافقهم على هذا القول بعض المنتسبين للإسلام كالعقاد١ في كتابه "الله ﷻ"٢ وعبد الكريم الخطيب في كتابه "قضية الألوهية بين الفلسفة والدين"٣.
وقد زعم أصحاب هذا القول أن لهم عليه دليلين:
أولا: القياس على الصناعة، فكما أن الإنسان قد تطور في صناعته فهو كذلك تطور في ديانته.
ثانيًا: أن حفريات الآثار دلتهم على أن الناس وقعوا في الشرك وتعدد الآلهة وأن الإنسان عرف التوحيد متأخرًا ٤.
وهذا في الواقع قياس فاسد، واستدلال باطل، فقولهم أن الدين كالصناعة قياس مع الفارق لعدة أمور:
أولًا: أن الصناعات شيء مادي، والأديان شيء معنوي، فكيف يقاس شيء معنوي غير محسوس على شيء مادي محسوس فهو كمن يقيس الهواء على الماء.
ثانيا: أن الصناعة تقوم على التجربة والملاحظة وتظهر النتائج بعد استكمال مقوماتها، بخلاف الدين الذي لا يقوم على ذلك ولا تظهر نتائجه في هذه الحياة الدنيا.
ثالثا: يلزم من هذا القياس أن يكون الإنسان في هذا الزمن صادق التدين خالص التوحيد، لأن الصناعة قد بلغت مبلغًا عاليا من التطور، والواقع خلاف ذلك فإن الإنسان أحط ما يكون من الناحية الدينية، إذ أن الإلحاد متفشٍ في أكثر بقاع العالم. كما يلزم منه أن لا يوجد شرك في هذا الزمن، والواقع
_________________
(١) ١ عباس بن محمود العقاد أديب مصري توفي سنة ١٣٨٣هـ.الأعلام ٣/٢٦٦ ٢ انظره في - ص (٧/٣٥) من الكتاب. ٣ انظره - ص (٧٠-٩٥) . ٤ انظر: كتاب "الله ﷻ" للعقاد ص (٧،٢٧) .
[ ٣٣ ]
خلاف ذلك، حيث الشرك متفشٍ في الشرق والغرب.
أما زعمهم الاستدلال على قولهم بالآثار ومخلفات الأمم السابقة، فيقال: إن هذه الآثار ناقصة، فلا دلالة فيها على ما ذكروا سوى التخمين ومحاولة الربط بين أمور متباعدة، وغاية ما تدل عليه الحفريات والآثار أن الأمم السابقة وقعت في الشرك، وهذا لا ننكره بل القرآن والسنة نصا على ذلك وبيناه، أما عبادة الإنسان الأول وعقيدته فلا يمكن معرفتها من خلال الآثار حتى يعثروا على الإنسان الأول ويجدوا آثارًا تدل على عقيدته وعبادته.
ثم إن من المؤكد أن الأمم تتقلب في عباداتها، فتنتقل من التوحيد إلى الشرك، ومن الشرك إلى التوحيد، فمثلًا أهل مكة كانوا على التوحيد دين إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، ثم وقعوا في الشرك، ثم عادوا إلى التوحيد بدعوة سيدنا محمد ﷺ، فمعرفة عبادة أمة من الأمم لا يعني أنها لم تعرف سوى تلك العبادة، بل ذلك يعني أنها كانت على تلك العبادة في تلك الفترة فقط.
وبهذا يظهر جليا واضحًا فساد هذا القول، وأن ما استدلوا به ليس إلا تخرصات وتوهمات، لا تقوم في وجه الحق الواضح البين وهو:
أن الإنسان أول ما عرف التوحيد، ثم بدأ بالانحراف فتدرج في ذلك حتى وقع في الشرك، وذلك لأن الإنسان الأول هو آدم ﵇ كان نبيا يعبد الله وحده لا شريك له، وعلم أبناءه التوحيد إلى أن وقع بنو آدم في
[ ٣٤ ]
الشرك بعده بأزمان- وهذا يقر به ويقول به كل من يؤمن بأن الله هو الخالق، وكل من يؤمن بالإسلام أو باليهودية والنصرانية إلا من تابع قول الملحدين منهم.
ومن الأدلة زيادة على هذا قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّة وَاحِدَة فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيينَ مُبَشِرينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ البقرة الآية (٢١٣) .
قال ابن عباس؟﵁ فيما روى عنه ابن جرير بسنده "كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" ١ ويؤيد هذا قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ﵄ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّة وَاحِدَة فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيينَ ﴾ الآية.
ويؤيده أيضا قوله ﷿ في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَة فَاخْتَلَفُوا﴾ الآيه (١٩) .
فهذا ينص على أن بني آدم عبدوا الله؟﷿؟؟فترة من الزمن وهي عشرة قرون٢ كما ذكر ابن عباس ﵁، ثم إنهم انحرفوا عن هذا النهج القويم فبعث الله إليهم الرسل ليردوهم إلى التوحيد.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ بين لنا كيف بدأ وقوع بني آدم في الشرك، فقد أخرج البخاري بسنده عنه أنه قال في معنى قول الله
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير (٢/٣٣٤) . ٢ يلاحظ أن القرن لا يعني بالتأكيد مائة سنة،كما هو عليه الحال في تعارف الناس الآن، فقد يعني ذلك الجيل كما في الحديث (خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ) .أخرجه خ. فضائل الصحابه الصحيح مع الفتح (٧/٥) م فضائل الصحابه (٤/١٩٦٢) من حديث أبي هريرة
[ ٣٥ ]
تعالى ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًَّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ نوح (٣)، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت "١.
فهذا كان مبدأ وقوع بني آدم في الشرك وانحرافهم عن توحيد الله ﷿، ولا يعني استدلالنا هذا أن هذا الأمر لم يثبت إلا عن طريق الوحي -وإن كان كافيًا في هذا - بل إن هذا القول أثبته علماء في الآثار وباحثون في الأديان من الغربيين وغيرهم.
يقول الباحث "آدمسون هيوبل" المتخصص في دراسة الملل البدائية:" قد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدسة أوفي الله العظيم، ولقد أخطأ "تيلور"٢ حيث جعل التفكير الديني الموحد نتيجة للتقدم الحضاري والسمو المعرفي، وجعل ذلك نتيجة لتطور بدأ من عبادة الأرواح والأشباح ثم التعدد ثم أخيرًا العثور على فكرة التوحيد ".
ويقول الباحث " اندري لانج" من علماء القرن الماضي: " إن الناس في إستراليا وأفريقيا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الله العظيم على أساس من الاعتقاد المسيحي، وقد أكد هذا الرأي العالم الاسترالي "وليم سميث" حيث ذكر في كتابه "أسس فكرة التوحيد" مجموعة من البراهين والأدلة
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري مع الفتح (٨/٦٦٧) .
(٢) الفريد تيلر فيلسوف بريطاني توفي سنة ١٩٤٥م.موسوعة الفلسفة ص ١٤٥
[ ٣٦ ]
جمعها من عدة مناطق واتجاهات تؤكد أن أول تعبد مارسه الإنسان كان تجاه الله الواحد العظيم".
ويقول الدكتور الحاج " أورانج كاي" من علماء الملايو في أندونيسيا "عندنا في بلاد أرخبيل الملايو دليل أكيد على أن أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد، وذلك قبل أن يدخل الإسلام إلى هذه الديار، وقبل أن تدخل النصرانية. وفي عقيدة جزيرة كلمنتان بأندونيسيا لوثة من الهندوسية ورائحة من الإسلام، مع أن التوحيد كعبادة لأهل هذه الديار كان هو الأصل
قبل وصول الهندوسية أو الإسلام إليها. وإذا رجعنا إلى اللغة الدارجة لأهل هذه الديار قبل استخدام اللغة السانسكريتية أو قبل هجرة الهندوسية أو دخول الإسلام تأكدنا من أن التصور الإعتقادي لأجدادنا حسب النطق والتعبير الموروث هو أن الله في عقيدتهم واحد لاشريك له"١.
_________________
(١) ١ كتاب التفكير الديني في العالم قبل الإسلام - ص (٢٨-٣٠) بتصر
[ ٣٧ ]