انقسم المبتدعة في باب القدر إلى أقسام، فمنهم من نفى القدر ونسب الفعل إلى العبد وادعى أن العبد يخلق فعله، وأن الله لا يعلم الفعل قبل وقوعه، ومنهم من أنكر اختيار العبد وجعله كالريشة في مهب الريح، ولكن أهل السنة توسطوا واتبعوا النصوص، فقالوا: إن الله خالق العباد وأفعالهم، والعبد مخير في فعله غير مجبور، فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار.
[ ١٠ / ١ ]
تابع الكلام في باب القدر
انتهينا في باب القدر إلى أهم المسائل العقدية المتعلقة به، وبينا الخلاف الذي وقع في الأمة في موضوع القدر، والدرجات المتفاوتة للمخالفين لمنهج السلف في باب القدر، وأساس هذا الخلاف وأنواعه من حيث الأحكام الشرعية، فمنه ما يكون كفرًا ناقلًا عن الملة، ومنه ما يكون بدعة.
أما حائية ابن أبي داود فليس فيها كلام حول القدر بشكل مباشر إلا قوله: [وبالقدر المقدور أيقن فإنه دعامة عقد الدين والدين أفيح].
وقد سبق أن بينا أن القدر وارد في القرآن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
ومنازل القدر، أو درجات القدر، أو أساسيات القدر، أو أركان القدر هي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وهذه منصوص عليها أيضًا في آيات كثيرة جدًا في القرآن.
علم الله ﷿ الشامل لكل شيء، وكتابته لأحوال العباد، ومشيئة الله ﷿ العامة، وخلق الله ﷿ لأفعال العباد، ولكن هذه الآية ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] نص في اسم القدر، وإلا فإن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن وفي سنة النبي ﷺ.
لاشك أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ولهذا كان موقف ابن عمر ﵄ عندما جاءه العراقيان وكان في مسجد نمرة في يوم عرفة في الحج، فأخبراه أنه ظهر في البصرة قوم يتقفرون العلم، ويقولون: لا قدر، والأمر أنف، أن تبرأ منهم ﵁، وقال: أخبروهم أنني بريء منهم وأنهم برآء مني، ولو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما قبله الله ﷿ منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم نقل عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ الحديث المشهور الطويل في قصة جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ، وسأله عن أركان الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.
[ ١٠ / ٢ ]
حكم منكر القدر
منكر القدر هو بحسب نوع الإنكار، أما إنكار التكذيب فهو كفر بالله رب العالمين، سواء كان الإنكار لمرتبة العلم أو الكتابة أو المشيئة أو الخلق، من أنكرها إنكار تكذيب فهو كافر، بل إن من أنكر أي شيء من أحكام الإسلام إنكار تكذيب فهو كافر.
أما إنكار التأويل فمن أنكر العلم فهو كافر بإجماع السلف، ولهذا كفروا الذين أنكروا العلم، وكانت طائفة من القدرية في بداية الأمر ينكرون العلم، لكن هذه الطائفة انقرضت وزالت ولم يبق إلا الذين يثبتون العلم وينكرون الكتابة وخلق أفعال الله ﷾ للعباد.
فإنكار التأويل بدعة مخرجة عن أصول السنة، لكنها لا تصل إلى الكفر الأكبر المخرج عن الملة بسبب التأويل؛ لأن من موانع التكفير التأول.
ولهذا عندما تحدث العلماء عن تكفير المبتدعة، أو تكفير الفرق بينوا أن من كان من هذه الفرق أنكر إنكار تكذيب فإنه يكفر، أما إذا كان إنكاره بسبب التأويل، فإن التأويل على أنواع: منه ما يكون قريبًا من اللغة العربية، يعني: هناك شبهة حقيقة.
ومنه ما يكون بلا شبهة حقيقة، وإنما هو اعتباط كما فعلت الباطنية عندما تأولوا الصلوات الخمس وقالوا: إن المقصود بالصلوات الخمس علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ويضيفون أيضًا محسن ونحو ذلك، أو يتأولون الصيام بأنه كتمان أسرارهم، ويتأولون الزكاة بأنها إعطاء الضريبة لشيخ الطائفة، فكل ذلك من الكفر المخرج عن الإسلام؛ لأنه ليس هناك أي ارتباط شرعي أو لغوي بين المعنى الذي صاروا إليه، وبين نص القرآن، أو نص سنة النبي ﷺ.
أما إذا كان هناك إشكال حقيقي؛ فإن صاحبه يكون مخالفًا لإجماع السلف الذين فهموا هذه النصوص بفهم واحد، وأجمعوا على طريقة معينة في الفهم فيها، فمخالفته لإجماع السلف في هذا الفهم، ومخالفته للنصوص القريبة في الفهم إلى معنى بعيد آخر لشبه، فهذه بدعة تخرج عن السنة، لكن صاحبها لا يكفر بالله رب العالمين.
[ ١٠ / ٣ ]
القدر في لمعة الاعتقاد
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [فصل: ومن صفات الله ﷾ أنه الفعال لما يريد].
القدر يلحقه كثير من العلماء بالصفات الاختيارية الفعلية؛ لأن كثيرًا من السلف يقول عن القدر: إنه فعل الرب ﷾، ولأن أكثر الخلاف الذي حصل بين الطوائف هو في صفة الخلق وصفة الكتابة بشكل خاص.
فالكتابة أنكرها المعتزلة، وقالوا: إن الله ﷿ لم يكتب أي شيء عن العباد؛ لأن هذا يخالف أمره ونهيه، وأنه لم يخلق أفعال العباد، بل العباد يخلقون أفعال أنفسهم.
وكانوا في بداية الأمر يقولون: يخلقون أفعال أنفسهم، ثم تركوا هذا الوصف؛ لأن الناس أنكروا عليهم.
أما الجبرية فإنهم أثبتوا هذه الصفة، والمقصود بالجبرية نوعان: جبرية محضة: وهم الذين يقولون إن العبد مجبور على فعل نفسه من الله ﷿، وإن هذه الأفعال هي أفعال الله وليست أفعال العبد، وإنه مثل الريشة في مهب الريح، وغير قادر على أن يعمل أي عمل بمحض مشيئته وإرادته، ويسلبون العبد هذه الإرادة، ويقولون: إن هذه كلها من الله ﷿، وهي من أفعال الله، والعبد معذور بسبب ذلك، وهؤلاء هم غلاة الجهمية.
وقد كفر السلف رضوان الله عليهم الجهمية لمجموعة من العقائد عندهم منها: نفي الأسماء الصفات بالكلية وقول جهم: إن إلهي هو هذا الهواء، بلا اسم ولا صفة.
ومنها أيضًا قوله: إن الإيمان هو المعرفة، ويكفي أن يعرف الإنسان الله ﷾ ليكون مؤمنًا.
ومنها هذه العقيدة: نفي أن يكون العبد له فعل اختياري، ويقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه.
هذه درجة من درجات الجبرية.
[ ١٠ / ٤ ]
كسب العبد
الدرجة الثانية: درجة الأشاعرة الذين قالوا: العبد ليس مجبورًا جبرًا تامًا، وإنما الله ﷿ هو الفاعل الحقيقي، والعبد له اسم الفعل، فأنت عندما تقول: قام زيد، فإنك نسبت القيام إلى زيد، والعبد ليس له إرادة أو اختيار في القيام، فالقيام في الحقيقة هو من خلق الله ﷿، وليس العبد مختارًا فيه، لكن العبد ينسب إليه هذا الاسم وهذا الوصف وهو القيام، فيكون العبد كاسبًا لهذا العمل، ولهذا يسمونها: نظرية الكسب، فهو كاسب لهذا العمل، لكن العمل في الحقيقة ليس هو عمل العبد.
وشبهها البغدادي في أصول الدين بتشبيه يوضح الصورة ويقربها إلى درجة كبيرة جدًا.
وأهل السنة يقولون: العبد كله مخلوق لله ﷾، بكل قدراته وإمكانياته وإراداته وعزمه وفعله، وقد خلق الله ﷿ العبد مختارًا، فالاختيار والإرادة الموجودة في العبد هي من خلق الله ﷾، والقدرة التي في العبد هي من خلق الله ﷿، والفعل الذي ينتج عن العبد باجتماع القدرة والإرادة يكون من خلق الله ﷾.
فالأفعال التي يفعلها العبد من القيام والجلوس من خلق الله ﷾، ولا يمكن للعبد أن ينفرد بشيء دون خلق الله ﷾، وإلا لكان خالقًا، وهذا في غاية الباطل، فإن الله وحده هو الخالق، والعبد هو المخلوق.
إذًا: الله ﷿ خلق العبد وخلق له إرادة فهل له قدرة واختيار أن يفعل أو لا يفعل؟ نعم له قدرة واختيار، ويمكن له أن يفعل الفعل، وألا يفعله.
وهل هي قدرة مستقلة عن قدرة الله؟ ليست مستقلة عن قدرة الله، قال الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، فليست هناك مشيئة للعبد مستقلة، بل هي ضمن مشيئة الله ﷾، وفعل العبد يكون على وجه السببية، يعني: أنه سبب، فالعبد يفعل هذا الفعل وهو مختار في فعله، وفعله خلق لله ﷾.
هذه الصورة وهي أن مشيئة العبد ضمن مشيئة الله، وقدرة العبد داخل قدرة الله، وأنه لا يقدر بدون ما يقدره الله ﷿، وأنه لا يشاء بدون ما يشاء الله ﷿ له هذه الصورة لم يتصورها أهل البدع، بل تصوروا إما أن العبد مخلوق لله فلا يكون له أي إرادة ولا أي قدرة، ولهذا قالوا بأنه مجبور.
أو أن الله ﷿ ليس له أي علاقة بفعل العبد، فالعبد مختار كما يشاء، والعبد يخلق فعل نفسه، كما قالت المعتزلة، ولم يستطيعوا الجمع بينهما.
الأشعرية حاولوا الجمع، ولكنها كانت محاولة فاشلة؛ لأنها لا تستند إلى النصوص الشرعية.
فنحن عندنا نصوص كثيرة تدل على أن الله ﷿ خالق لأفعال العباد، مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
فما يعمله العبد مخلوق لله ﷾ أيضًا، لأن العبد مخلوق لله ﷿، ومشيئة العبد ضمن مشيئة الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] وهكذا.
هذه النصوص فهمها السلف على نحو ما تقدم في الجمع بين فعل العبد وفعل الله ﷾.
أما الأشعرية فإنهم جاءوا وقالوا: إن الله ﷿ خالق لأفعال العباد، والعبد ليس له إلا اسم الفعل فقط، وأما حقيقة الفعل فهو لله، والتشبيه الذي شبه به البغدادي في أصول الدين يقول: مثل علاقة قدرة الله بقدرة العبد مثل إنسان عنده صخرة كبيرة ومعه صبي، وهذا الإنسان حمل هذه الصخرة، والصبي سانده في الحمل، فلو أن هذا الإنسان لم يحمل هذه الصخرة عن الصبي ما استطاع الصبي لوحده أن يحملها، ومع هذا هو مشارك في الفعل؛ لأنه وضع يده عليها.
فيقولون: إن فعل العبد مثل الصخرة، والفاعل الحقيقي هو الله ﷿، والعبد بمثابة المساند لهذا الفعل، فله اسم الفعل.
ومن المسائل المشهورة: أن الإنسان يحاسب على فعله وينسب إليه الفعل، ولو كان ليس هو الفاعل كيف ينسب إليه؟ ولهذا يضاف الكسب إلى العبد (بما كسبتم) هذه كثيرة في القرآن «بما كسبت يداك» وإضافة الفعل إلى العبد، مثلًا عندما تضاف إلى العباد أعمالهم هذه كلها أدلة على أن هذه الأفعال للعباد، وأنهم قادرون على فعلها أو تركها، ولكنها ضمن قدرة الله ﷿ العامة الشاملة.
ولهذا تبحث هذه المسائل ضمن الصفات أيضًا؛ لأن مراتب القدر كلها من الصفات.
قال ﵀: [ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم ما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه].
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لو لم تذنبوا لأتى الله ﷿ بأقوام يذنبون ويستغفرون فيغفر الله ﷿ لهم).
قال ﵀: [خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى
[ ١٠ / ٥ ]
الاحتجاج بالقدر وبيان احتجاج آدم وموسى
هذه المسألة سبق أن بيناها، وهي مسألة الاحتجاج بالقدر، وقلنا: إن الاحتجاج بالقدر إذا كان على المصائب الفائتة فإنه يجوز، ويدل عليه حديث احتجاج آدم وموسى، وهو حديث طويل تشعب الناس في فهمه، وأخطأ كثير في فهمه مع أنهم من أهل السنة.
ولهذا يربط شيخ الإسلام ﵀ بين التشعب في فهم حديث احتجاج آدم وموسى بالتشعب الوارد في فهم حديث الفطرة، وأن كثيرًا من الناس عندما أرادوا تفسير الفطرة فسروها بمعنى مخالف للمعنى الشرعي؛ للهروب من بعض أقوال المبتدعة؛ لأن القدرية احتجوا بحديث الفطرة، مع أنه في الحقيقة لا حجة لهم فيه، فقالوا: إن العبد يولد على الفطرة، فمعنى هذا أنه ليس هناك قدر سابق.
فأراد البعض أن ينفي هذا الفهم، ففسر حديث الفطرة تفسيرًا يخالف حقيقة معناه، فقالوا: إن الفطرة المقصود بها القدر، وقوله: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: يولد على ما كتبه الله ﷿ عليه سابقًا، مع أن المقصود بالفطرة ليس هو القدر، وإنما الفطرة هي الخلقة التي خلق الله ﷿ عليها الإنسان، من معرفته بربه ﷾، وإرادته لتوحيده، ولهذا أضيفت الفطرة، فقال: فطرة الإسلام.
لكن لما احتج القدرية بهذا الحديث أراد بعض العلماء أن يدفع هذا الفهم من احتجاج القدرية بهذا الحديث، ففسر الفطرة بمعنى مخالف للمعنى الشرعي، فقال: إن الفطرة هي القدر، وعندما تجمع أقوال العلماء في مفهوم الفطرة تجد أن من العلماء من يفسر الفطرة بأنها القدر.
وهناك نصوص منقولة عن الإمام أحمد ﵀، وعن عدد من العلماء يفسرون الفطرة بالقدر.
والحقيقة: أنه يمكن أن ندفع شبهة القدرية عن حديث الفطرة، ونفسر الفطرة تفسيرًا صحيحًا، فنقول: إن القدرية الذين استدلوا بحديث الفطرة على نفي كتابة الله ﷿، ومشيئة الله ﷿، وخلق الله لأفعال العباد؛ نقول: إن هذا الحديث فيه ما يدل على الرد على القدرية؛ لأنه قال: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) مع أن القدرية لا يقولون بذلك، فيمكن الرد عليهم بدون أن نفسر الفطرة بمعنى مخالف للمعنى الصحيح لها.
وكذلك الحال وقع في حديث احتجاج آدم وموسى، وهو في صحيح البخاري ومسلم: (أن موسى ﵇ لقي آدم وقال: يا آدم! أنت أبونا) وفي بعض الألفاظ قال: (خيبتنا وأخرجتنا من الجنة بمعصيتك) فموسى يلوم آدم على أنه أخرجه من الجنة، ولا يلومه على فعل المعصية بعد أن تاب منها، فحاشا موسى النبي صاحب الفقه أن يلومه على شيء قد تاب الله ﷿ عليه منه، وإنما يلومه على المصيبة التي حصلت، وهي الإخراج من الجنة.
فرد عليه آدم وقال: (أنت موسى كلمك الله ﷿، وخط لك التوراة بيده، ألم تقرأ فيها أن الله ﷿ قد كتب علي ذلك قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال النبي ﷺ: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى).
فالاحتجاج الذي حصل من آدم كان على المصيبة التي حصلت، وهي الخروج من الجنة، فاحتج آدم على هذه المصيبة بأن هذا أمر مكتوب عليه، متى احتج؟ بعد أن حصلت المصيبة ووقعت.
فالاحتجاج بالقدر على المصائب التي وقعت جائز، كشخص معه سيارة فصدم بها وتكسرت أعضاؤه، فجاء بعض الناس يلومونه، فيحق له أن يحتج بالقدر ويقول: هذا أمر كتبه الله ﷿ علي، لكن قبل أن يرتطم بشيء من الأشياء، قال: الله كتبها علي، ثم ارتطم، فهذا احتجاج غير صحيح.
فالاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، لكن على المعائب والذنوب لا يجوز، لعدة أمور: الأمر الأول: أنه ليس هناك دليل يدل فعلًا على أنه مكتوب عليه؛ لأنه إلى الآن لم يفعله، وهو قادر على تركه.
الأمر الثاني: أنه نسب إلى علم الله وكتابه السابق شيئًا ليس عنده علم به، والله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
الأمر الثالث: أن من يحتج بالقدر على الذنوب قبل أن يفعلها ليس محتجًا بالقدر، وإنما هو محتج بإرادة نفسه.
الأمر الرابع: أنه لو قيل له إنه يراد قتله، أو ضربه، أو إتلاف أي عضو فيه لهرب، ولو كان يحتج بالقدر لرضي بذلك.
ولهذا قيل إن عمر بن الخطاب ﵁ جيء إليه بسارق، فقال: سرقت بقدر الله، قال: ونحن نقطع يدك بقدر الله! ويروى عن عبد القادر الجيلاني أنه قال: فتحت لي في القدر روزنة: نحن نواجه قدر الله ﷿ بقدر الله.
يعني: قدر الله ﷿ وجود الأسباب، سواء الأسباب المحرمة مثل الكفر والذنوب والمعاصي وغيرها، أو الأسباب الطبيعية المؤذية للإنسان يجب أن يواجهها الإنسان بقدر الله.
فالكفر يواجهه بالهداية والإيمان والتقوى ولا يقبله، والأسباب الطبيعية مثل البرد يواجهها بالدفء، والأمراض بالدواء، وهذا هو الفقه السليم لموضوع الإيمان بالقدر.
بل إن أحد الكتاب الغربيي
[ ١٠ / ٦ ]
الاستطاعة
قال المؤلف ﵀: [قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]].
الاستطاعة معناها القدرة، فالله ﷿ لا يكلف الإنسان شيئًا لا يستطيعه، ولهذا لا يمكن أن يكلفه الله ﷿ بأمر ليس داخلًا ضمن قدرته، وضمن استطاعته هذا هو المقصود بالاستطاعة.
والاستطاعة نوعان: النوع الأول وهو شرط في التكليف: وهي الاستطاعة العامة التي يكون الإنسان فيها قادرًا على الفعل، أو معذورًا ليس قادرًا عليه.
النوع الثاني: وهي الاستطاعة التي يكون الإنسان قادرًا على الفعل المعين فيه.
فالاستطاعة لها جانب عام، ولها جانب خاص.
الجانب العام: باعتبارها شرطًا من شروط التكليف.
والجانب الخاص: باعتبارها متعلقة بالمكلف نفسه.
[ ١٠ / ٧ ]
التسيير والتخيير في باب القدر
قال ﵀: [وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره].
السؤال المشهور في باب القدر: هل الإنسان مسير أم مخير؟ إذا قلت: مسير، فهموا أنه مجبور، وإذا قلت: مخير، فهموا أن الله لم يقدر مقادير العباد ولم يكتبها عنده.
ولهذا الصواب التفصيل: نقول: العبد مخير في أشياء ومسير في أشياء، مسير فيما لا قدرة له فيه مثل ما يتعلق بطوله وقصره وكونه ذكرًا وليس أنثى، أو أنثى وليس ذكرًا، ولونه والبلد الذي ولد فيه، وكونه ابن فلان وفلانة، وليس ابن فلان وفلانة، وهكذا، وهذا لا يترتب عليه الثواب والعقاب من الله ﷿، فلا يعذب العباد لأن هذا طويل وهذا قصير، أو هذا لونه كذا أو هذا لونه كذا، أو هذا ابن فلان فسيعذبه لأنه ابن فلان، ولهذا ضعفت عائشة ﵂ حديث: (ابن الزنا شر الثلاثة) وقالت: إن الله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] فكيف يكون ابن الزنا مذمومًا مع أنه لا علاقة له بهذا الأمر، فهو ليس مختارًا في أن يكون ابن زنا أو ليس ابن زنا.
ولهذا يكون النقد في علم الحديث للإسناد ويكون أيضًا للمتن، ويمكن أن يراجع رسالة نقد متون السنة للدكتور غرم الله الدميني فقد تحدث عن القواعد المتعلقة بنقد متون السنة بشكل مرتب، والمسألة مبحوثة قديمًا عند العلماء.
هذا ما يتعلق بكون الإنسان غير مخير في أشياء، لكنه فيما يترتب عليه الثواب والعقاب وما يمدح ويذم فيه مخير، لكن لا يعني أيضًا كونه مخيرًا أنه مستقل بالتخيير، بل الله ﷿ كتب عليه كل شيء، والله ﷿ علم ما سيفعله قبل أن يفعله؛ لأن علم الله ﷿ واسع وشامل لكل شيء.
[ ١٠ / ٨ ]
القدر في الواسطية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره.
والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين].
نجد أن بعض العلماء يجعل الترتيب أو التقسيم العلمي في درجات القدر على درجتين، ويجعل كل درجة على مرتبتين، وبعضهم يأتي بها جميعًا ويجعلها أربعًا دفعة واحدة، وأنها مراتب، وهذا تقسيم فني اصطلاحي.
قال: [الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم].
هذه الدرجة هي علم الله ﷿ الشامل لكل شيء، ومنه أفعال العباد الذي قد رتب عليها ﷾ الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة.
فالعلم هنا علم خاص وليس هو الصفة بعمومها، ومن ضمن صفة العلم: العلم بأفعال العباد؛ لأن المشكلة في موضوع القدر، هو ما يتعلق بأفعال العباد.
قد تجد مثلًا إنسانًا يثبت العلم كله إلا العلم بأفعال العباد، وهذا كفر، وقد انقرضت الطائفة التي كانت ترى هذا الرأي.
لكن لا يوجد مسلم ولا توجد طائفة من طوائف المسلمين تقول: إن الله ﷿ ليس بعالم مطلقًا بل هو جاهل، لكن يوجد من يقول: إنه غير عالم بأفعال العباد، لأن عنده إشكالًا في مسألة أفعال العباد، كيف يرتب الثواب والعقاب عليها وقد كتبها مسبقًا؟! فالعلم الذي هو مرتبة من مراتب القضاء والقدر علم خاص، أو نوع من أنواع العلم، وهو العلم المتعلق بأفعال العباد.
ويلاحظ أن الصفات الموجودة مثل العلم والكتابة والمشيئة والخلق صفات عامة في مرتبة القدر، والمراد منها هو ما يتعلق بزاوية أفعال العباد، يعني: أساس باب القدر علم الله بأفعال العباد، وكتابة الله لأفعال العباد، ومشيئة الله المتعلقة بأفعال العباد، وخلق الله لأفعال العباد، لكن هذه المراتب الأربع لها جوانب أخرى غير متعلقة بأفعال العباد.
العلم: هناك علم بأشياء ليست متعلقة بأفعال العباد، مثل العلم بأحوال المخلوقات الأخرى، والكواكب، وما خلقه الله ﷿ من مخلوقات ليست من العباد الذين هم مناط التكليف.
الكتابة: كتب الله ﷿ التوراة بيده، وكتب أشياء أخرى ليست في أفعال العباد.
وأيضًا المشيئة، وهكذا الخلق، فالله ﷿ له مخلوقات مثل أفعال العباد، وله مخلوقات أخرى.
ينبغي ملاحظة هذه القضية، وهي أن القدر يدور حول أفعال العباد، فالمرتكز الأساسي في باب القدر هو أفعال العباد.
[ ١٠ / ٩ ]
علم الله بأفعال العباد
قال ﵀: [الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب؟ قال: ما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه].
بالنسبة لقوله: (فأول ما خلق الله القلم) هذا حديث عن النبي ﷺ وهو حديث صحيح.
وقوله (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن لصيبه) أيضًا جزء من حديث عبادة بن الصامت وهو حديث صحيح.
قال ﵀: [جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].
وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا].
لو رجعتم إلى بعض كتب العقيدة الأخرى تجدون أنهم يأتون بصفة الكتابة ويقسمونها.
يقولون: الكتابة العامة: وهي كتابة كل شيء من أحوال العباد وغيرها في اللوح المحفوظ.
ثم الكتابة العمرية الواردة في حديث ابن مسعود عندما يأتي الملك وينفخ في الجنين الروح ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
ثم الكتابة الحولية: وهي التقدير السنوي الذي يكون في ليلة القدر، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].
وأيضًا هناك التقدير اليومي ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
فهذه أنواع الكتابة عبر عنها الشيخ بقوله: (في مواضع جملة وتفصيلًا).
يعني: أحيانًا تكون جملة، وأحيانًا تكون تفصيلية.
وهذه المقادير بعضها يتعلق بما في كتب الملائكة، وبعضها يتعلق بما هو في اللوح المحفوظ، ولهذا في مسألة المحو والإثبات ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، من أوجه الفهم في المحو والإثبات: أنه يكون في كتب الملائكة؛ لأن الملائكة تكتب أحوال العبد؛ لأنها هي التي تنفذ ما أمرها الله ﷿ به في حياة الإنسان.
قال ﵀: [وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل].
نص الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح على أن غلاة القدرية انقرضوا، لكن يبدو من كلام شيخ الإسلام في قوله: (ومنكروه اليوم قليل) أنه يوجد بعضهم لكنهم قليل، ولعله إن وجد يوجد عند غلاة الفلاسفة، سواء فلاسفة الصوفية أو فلاسفة الجهمية.
[ ١٠ / ١٠ ]
مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة
قال ﵀: [وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه].
وهذا فيه رد على المعتزلة الذين يرون أن العبد يخلق فعل نفسه، وأنه ليس بمشيئة الله ﷾.
قال ﵀: [لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم.
والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم.
وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم، كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩].
وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة].
الحديث الوارد وهو قول النبي ﷺ: (القدرية مجوس هذه الأمة)، اختلف العلماء في صحته، والشيخ الألباني ﵀ في تخريجه على السنة لـ ابن أبي عاصم يرى أنه حسن بمجموع الطرق، وتشبيه النبي ﷺ للقدرية بأنهم مجوس هذه الأمة، هو من جهة أن المجوس يرون أن الخالق هو النور والظلمة، وأن النور هو إله الخير، وأن الظلمة إله الشر، وينسبون إلى الظلمة التي هي إله الشر أفعالًا مستقلة تخلقها.
فالإشراك في الربوبية عند المجوس ظاهر في كون الإله عندهم الخالق، وإن كانوا يعظمون النور ويجعلون الظلمة ليست محبوبة، وأنها ليست بمنزلة النور، إلا أنهم ينسبون لها أفعالًا مستقلة.
وهكذا المعتزلة، فإنهم يرون أن الله هو الخالق مطلقًا، لكن ينسبون إلى العبد مخلوقات أيضًا، فجعلوه خالقًا مع الله ﷾.
ولهذا يسميهم السلف: نفاة الصفات مشبهة الأفعال، فهم يشبهون العبد بالله ﷿ في الفعل، ويجعلونه خالقًا مع الله ﷿، لأنهم ينفون الكتابة والتقدير، وينفون خلق الله ﷿ المتعلق بأحوال العباد.
قال ﵀: [ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها].
يقصد بهؤلاء الجبرية والأشعرية، فإنهم يغلون في إثبات أن الله ﷿ كتب مقادير العباد، وفي إثبات أن الله ﷾ خلق أفعال العباد، إلى درجة أنهم ينفون قدرة العبد على فعله.
ولهذا قسم ابن تيمية ﵀ في التدمرية نفاة القدر إلى ثلاثة أقسام، وجعل لكل قسم من هذه الأقسام اسمًا لوجود المشابهة: فقال: قدرية مجوسية، وقدرية مشركية، وقدرية إبليسية.
فالقدرية المجوسية: هم المعتزلة، شابهوا المجوس في نسبة الخلق لغير الله ﷾، كما أن المجوس نسبوا للظلمة مخلوقات.
والقدرية المشركية هم الجبرية؛ لأن المشركين احتجوا بالقدر على الشرك وقالوا: (لو شاء الله ما عبدناهم).
والقدرية الإبليسية: هم الذين يعترضون بالقدر على دين الله ﷿ وشرعه، وهم الزنادقة في الحقيقة، وسماهم ابن تيمية ﵀ بذلك؛ لأن إبليس اعترض على الله ﷿ بالقدر أيضًا.
[ ١٠ / ١١ ]
الأسئلة
[ ١٠ / ١٢ ]
حكم التأويل في العقائد
السؤال
هل إنكار التأويل مخرج من الملة؟
الجواب
التأويل يمنع من التكفير، لكن بشروط وضوابط، وليس على إطلاقه.
فالتأول إذا كان هناك شبهة حقيقية في الارتباط بين النص الشرعي والمفهوم الشرعي، وبين المعنى الذي أول هذا النص إليه، إذا كان هناك شبهة فهو يمنع من التكفير، لكنه يكون مبتدعًا ضالًا.
أما إذا لم يكن هناك أي علاقة، وإنما هي مسألة اعتباطية حتى يفر من سيوف أهل الحق، ويزعم أنه متأول، كما تفعل القرامطة والباطنية وغلاة الصوفية عندما يستدلون على سقوط التكاليف بالوصول إلى مرحلة اليقين بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، مع أن اليقين المقصود به الموت فهذا التأول ليس مقبولًا وليس عذرًا لصاحبه.
إذًا: لابد من ضوابط لهذا الموضوع.
[ ١٠ / ١٣ ]
معنى حديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)
السؤال
كيف يفسر حديث (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)؟.
الجواب
لما ذكر النبي ﷺ الكتاب قالوا: (يا رسول الله! ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
الصحابة في البداية فهموا أن هذه الكتابة تقتضي أن الإنسان لا يعمل، وينتظر القدر المكتوب عليه، فنبههم النبي ﷺ بأن هذه الكتابة غيب، وأن الإنسان لا يدري به، وأنه ينبغي عليه أن يعمل؛ فكل ميسر لما خلق له.
والقدر لا ينافي العمل، بل إنه يقتضيه، لأن القدر بالنسبة للإنسان غيب غير مكشوف، فينبغي عليه أن يحسن الظن بالله ﷿، وأن يجتهد في العمل الصالح، ولا يمكن للإنسان إذا أراد العمل الصالح أن يرد؛ لأن الله ﷿ بين أن الإنسان إذا سلك طريق الهدى فإن نهايته للهدى، والعكس بالعكس.
بالنسبة للحديث المشهور: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) هذا الحديث في البخاري من حديث ابن مسعود الطويل، وقد بين العلماء أن المراد به أمران: الأمر الأول: أن هذا الإنسان منافق، ولهذا جاء في بعض الروايات: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يرى الناس، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
فيكون المقصود بهذا الذي يعمل بعمل أهل الجنة هو في الظاهر للناس، لكن في الحقيقة هو منافق، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ويدخلها حينئذ، فلا يكون في الحديث إشكال.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث جاء للتحذير من سوء الخاتمة، وليس المقصود به أن الإنسان إذا عمل بعمل أهل الجنة فإنه في الأخير لا يدخل الجنة، أو يسبق عليه الكتاب، وإنما المقصود أن الإنسان ينبغي عليه أن يحذر من سوء الخاتمة، فإن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم يتساهل قبل موته بقليل، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
فينبغي للإنسان أن يحذر من العمل الذي يوصل إلى النار؛ لأنه قد يموت وهو لا يدري، فالمقصود به التحذير من سوء الخاتمة، وبهذا يتبين معنى الحديث.
والإنسان إذا عمل بعمل أهل الجنة فإن الله ﷿ يوفقه ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧].
إذًا الإنسان إذا عمل الأعمال الصالحة ييسر لها، وإذا عمل المنكر فإن الله ﷿ قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠].
[ ١٠ / ١٤ ]
حكم الدعاء على اليهود والنصارى
السؤال
أفتى أحد علمائنا بعدم جواز الدعاء على اليهود والنصارى، فأرجو شرح ذلك؟
الجواب
الحقيقة أن هذه المسألة كثير من الناس يقع عنده إشكال فيها، إما أن يأتي شخص ويسيئ الظن بهذا العالم، ويتكلم عنه، ويتصور أنه محب لليهود والنصارى، وهذا ظن سوء لا يصح للإنسان أن يظنه بعالم من علماء المسلمين، لكن بعض العلماء يرى أن الدعاء على اليهود أو النصارى بشكل عام ليس واردًا عن النبي ﷺ، وإنما الوارد أن النبي ﷺ دعا على الظالمين المعتدين فيهم.
لكن الصحيح هو جواز الدعاء على العموم، ويدعو على الظالمين منهم بشكل خاص؛ فالنبي ﷺ يقول: (لعن الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
فهذا الحديث يلاحظ فيه العموم، واللعن في معنى الدعاء، لأنه دعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله.
كما يلاحظ أن سبب اللعن هو الكفر وليس الاعتداء على المسلمين.
فالحقيقة أن هذه المسألة مسألة فقهية ينبغي أن تبحث في إطارها الفقهي، وإذا اختار أحد العلماء رأيًا في هذه المسألة فإنه لا يثرب عليه ولا ينكر، ولكن بعض الناس قد يظن أن هذا العالم يحترم أو يقدر اليهود أو النصارى، وهذا ما لا يجوز أن يظن بعالم من العلماء.
لكن بعض العلماء يقول: لا تدعوا بشكل إجمالي، لكن ادعوا على الظالمين، وهذا هو الوارد عن النبي ﷺ.
إذًا: ينبغي أن ندرس المسألة في هذه الحدود أنها مسألة فقهية، وإن كان الإنسان قد يكون مخطئًا فيها أو مصيبًا لكن لا ينبغي أن نتجاوز بالمسألة هذه الحدود، وأنها مسألة فقهية اجتهد فيها بعض أهل العلم، وهي من المسائل المختلف فيها لوجود أدلة متعددة في المسألة.
[ ١٠ / ١٥ ]