من عقيدة أهل السنة الإيمان بكل ما أخبر الله تعالى به في القرآن أو أخبر به رسوله ﷺ في السنة من أمور الغيب، كالإسراء والمعراج وعذاب القبر ونعيمه، وأشراط الساعة وغير ذلك.
[ ١٣ / ١ ]
آداب طالب العلم مع شيخه
قال المؤلف ﵀: [ولا تناده باسمه مجردًا، أو مع لقبه كقول: يا شيخ فلان، بل قل: يا شيخي.
أو يا شيخنا، فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب، ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من غير اضطرار، وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير ﷺ في قوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] الآية.
وكما لا يليق أن تقول لوالدك ذي الأبوة الطينية: يا فلان أو يا والدي فلان، فلا يجمل بك مع شيخك! والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به، وإذا بدا لك خطأ من الشيخ أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينيك؛ فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالمًا.
واحذر أن تعامله بما يضجره، ومنه ما يسميه المولدون (حرب الأعصاب)، بمعنى: امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل.
وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر فاستأذنه بذلك، فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك، إلى آخر جملة من الآداب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك، وفاء لحق شيخك في أبوته الدينية، أو ما تسميه بعض القوانين باسم الرضاع الأدبي، وتسمية بعض العلماء له الأبوة الدينية أليق، وتركه أنسب، واعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاق].
لا شك أن لأهل العلم مكانة ينبغي أن يعطوا إياها، وذلك أن الله ﷿ رفعهم عنده درجات، يقول الله ﷿: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
وإذا كانت الملائكة من عباد الله المكرمين الذين يطيعونه في كل ما أمر، ويتركون كل ما نهى عنه ﷾، ومع ذلك جاء في الحديث المشهور قوله: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع)، فإذا كان هذا في حالة طالب العلم، فكيف بحال العالم الذي تقدم به العلم، وأصبح من أهله وحملته، ولهذا يجدر بنا العناية باحترام العلماء، وتقديرهم وإجلالهم، فإن تقدير العلماء من تقدير العلم، وإجلال العلماء من إجلال ما يحملونه من العلم، ولهذا لا يليق أبدًا ما نلاحظه هذه الأيام من القدح بأهل العلم، والتنقص منهم وذمهم وعيبهم، فيتهم هذا بالجبن، ويتهم هذا بترك الإنكار، ويتهم ذاك بما يصطلح عليه البعض من الإخوة المتحمسين بأنه انبطاحي، يعني: أنه ليس من الأشخاص الذي يطالبون بالجهاد في كل فترة، وبأي أسلوب.
ولا شك أن هذا من أقبح الكلام، فلا يليق بطالب العلم أن يكون طعانًا شتامًا لأهل العلم، وإذا رأى الإنسان في أحد من العلماء نقصًا أو زللًا أو خطأ، فليعلم أن كل إنسان فيه خطأ ونقص وزلل، وأن الإنسان إذا كان فيه خير كثير، وفيه زلل، فإن خيره الكثير ينبغي للإنسان أن يلتفت إليه، وأن ينظر إليه، وأن يدعو الله ﷿ أن يغفر له خطأه وزلله.
كما ينبغي للإنسان أن يكون متوازنًا بين احترام أهل العلم وتقديرهم، وبين عدم قبول ما لا دليل عليه، فإن العالم مهما كان عالمًا قد يقع في الخطأ.
ونحن مطالبون شرعًا بالتزام الأدلة الشرعية في القرآن والسنة، لكن لا يعني هذا ذم العالم المخالف وانتقامه، فإن الذم شيء واتباع الدليل شيء آخر، ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يدرك حرمة أهل العلم ومكانتهم، وأن يبتعد عن تنقصهم وازدرائهم، والخطر الكبير على الشخص أن يكون خصيمه يوم القيامة عالمًا من العلماء، أو مجاهدًا من المجاهدين، أو صادقًا من الصادقين، أو آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، ولهذا فالأجدر بالإنسان أن يكون ورعًا في تصرفاته، وألا يذم أحدًا، ولا يتنقص أحدًا.
وإذا كان هناك خطأ في أحد فإنه يبينه مع الالتزام بالأدب والخلق الرفيع، فالخلق وحسن الأدب من أعظم ما يزين الإنسان، ولهذا تحدث أهل العلم بأنه لا يمكن للإنسان أن ينتفع من الشيخ إلا إذا كان صاحب أدب وحسن خلق، أما إذا كان جريئًا طعانًا في أهل العلم، فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون مستفيدًا فضلًا عن كونه مفيدًا للناس، ولهذا فهذه الفقرة تدلك على أهمية أهل العلم، فهذا ابن عباس ﵁ الصحابي الجليل والعالم المشهور والمفسر الذي ليس هناك أعلم منه في هذا الباب كان يأخذ بالركاب لـ زيد بن ثابت، وكان زيد بن ثابت من العلماء أيضًا، فيتعجب زيد بن ثابت من هذا التصرف ويقول: [أتأخذ بالركاب وأنت ابن عم رسول الله ﷺ! فيقول: بهذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا]، فإذا كان هذا ابن عباس العالم الجليل فكيف بغيره ممن هو دونه بمراحل متعددة.
ولهذا ينبغي على الإنسان أن يقدر أهل العلم، وإذا وجدت أمة من الأمم أو وجدت طلابًا، أو دعاة، أو إخوة من الصالحين لا يحترمون أهل العلم، ولا يقدرونهم، فاعلم أن هؤلاء على غير الجادة وعلى غير السنة النبوية، التي جاء بها محمد ﷺ.
ولكن هذا لا يعني أنه
[ ١٣ / ٢ ]
التحذير من الغلو في المشايخ كأهل البدع والمنحرفين
قال المؤلف ﵀: [تنبيه مهم: أعيذك بالله من صنيع الأعاجم والطرقية، والمبتدعة الخلفية، من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، والقبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة: سيدي مولاي ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد، وانظر ما يقوله العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري، المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وثمانين من الهجرة رحمه الله تعالى في (البصائر) فإنه فائق السياق].
لا شك أن طرق الصوفية فيما يتعلق بتعظيم الشيوخ، واعتقاد أنهم يعلمون الغيب ونحو ذلك مذموم، والحقيقة أننا -شباب الدعوة الإسلامية خصوصًا- لا يوجد فينا ولله الحمد مثل هؤلاء الطرقية الذين يصلون إلى هذا التعظيم غير المطلوب، وإلى هذه الطريقة المبتذلة، والأساليب المذمومة، لكن في نفس الوقت نحن بحاجة إلى البعد عن جفاء أهل العلم، وعن نقدهم وذمهم، فتجد في بعض الأحيان شابًا لم يحصل شيئًا من العلم الشرعي ينتقد أهل العلم أو يذمهم أو يتكلم عليهم بكلام لا يليق، ونحن بحاجة إلى موازنة دقيقة بين عدة أمور: الأمر الأول: ألا نغلو في أهل العلم حتى نصبح مثل الصوفية.
والأمر الثاني: ألا نجفو أهل العلم حتى نصبح مثل الخوارج الذين كفروا أصحاب النبي ﷺ وتجرءوا عليهم، وذموهم واحتقروهم، وخرجوا عليهم فقاتلوا علي بن أبي طالب ﵁، وأصحاب النبي ﷺ في النهروان.
الأمر الثالث: أن يكون الإنسان أديبًا محترمًا صاحب خلق حسن مع أهل العلم، فيتهم رأيه قبل رأي العلماء.
الأمر الرابع: ألا يتتبع الإنسان رخص العلماء، بحيث يأخذ في كل مسألة من المسائل رخصة من عالم من العلماء، وقد قيل: من تتبع رخص العلماء تزندق.
الأمر الخامس: ألا نتبع أهل العلم إذا خالفوا الدليل الصريح، مع اعتقاد أنه لا يمكن أن يجتمع العلماء جميعًا على مخالفة الدليل الصريح.
ولهذا نحن بحاجة أيضًا إلى فقه يميز لنا بين العلماء الربانيين الصادقين الذين نتكلم عنهم الآن أنهم أهل الاحترام وأهل المحبة وأهل التقدير حتى لو أخطئوا، وبين علماء السوء والشر والعياذ بالله، والفاصل بينهم واضح، فإن العلماء الربانيين لهم سمات ظاهرة فهم الذين يصلحون ما يفسده الناس، ويجتهدون في الإصلاح.
وأما علماء السوء والعياذ بالله، فهم الذين يخالفون النصوص الصريحة الواضحة في كتاب الله ﷾ لمصالح شخصية، أو الذين انشغلوا عن العلم بالأمور الدنيوية، والتفتوا إليها وابتعدوا كل البعد عن العلم، وعن أهل العلم.
فمثلًا من يفتي بإباحة الربا -والعياذ بالله- لا يمكن أن يكون عالمًا معتبرًا شرعًا، وكذلك من يفتي بأن اليهود والنصارى جميعًا إخوان لنا، وأننا سنلتقي معهم في الجنة، وأن النصرانية طريق إلى الله، والإسلام طريق إلى الله، واليهودية طريق إلى الله، هذا لا يمكن أن يكون عالمًا بالمواصفات الشرعية التي سبق أن قلناها.
ولهذا فالفهم والفقه في هذا الأمر دقيق للغاية، فينبغي للإنسان أن يتربى على الفقه، وأن يبتعد عن الغلو، وأن يبتعد أيضًا عن التفريط فكلاها مذموم.
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
[ ١٣ / ٣ ]
باب الغيبيات
الباب الذي معنا من أبواب العقيدة في هذا اللقاء هو باب الغيبيات، والمقصود بالغيبيات: الأمور التي هي من علم الغيب ولا يمكن للإنسان أن يستدل بعقله عليها، وقد يسميها بعض العلماء السمعيات، ويقصدون بذلك المسائل التي لا يمكن للإنسان أن يستنبطها بعقله بل مصدرها الوحيد هو السمع، والمقصود بالسمع الأدلة السمعية والأخبار التي في القرآن أو في السنة النبوية.
وقاعدة أهل السنة والجماعة في الغيبيات: أن كل ما أخبر الله ﷾ به في القرآن، وكل ما أخبر الرسول ﷺ في السنة النبوية الصحيحة من أمور الغيب فإنه يجب قبوله والإيمان به، وأخذه دون تأويل، فلا يؤول ولا يحرف، ولا يغير عن ظاهره اللغوي الذي يفهمه الإنسان في الفهم الأول، أو في القراءة الأولى.
وهذا الباب العظيم حصل فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم.
أما المعتزلة فإنهم يرون أن الدليل على العقائد يجب أن يكون دليلًا عقليًا، وأن المسائل التي ليس عليها دليل عقلي مباشر يجب أن ترد إلى مقتضى الدليل العقلي، ولهذا أولوا أشياء كثيرة جدًا فيما يتعلق بالإسراء والمعراج، وفيما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه، وفيما يتعلق باليوم الآخر مثل الميزان والصراط ونحو ذلك.
فهذا التأويل مصدره الأساسي هو أن الدليل المعتبر عندهم هو الدليل العقلي، وإذا وردت نصوص ليس عليها دليل عقلي مباشر فإنهم يؤولونها حتى يردوها إلى الدليل العقلي، ولهذا سنجد في تفصيلات الكلام على مسائل الغيبيات أن هذه الغيبيات لم ينكرها المعتزلة إنكارًا بالمرة؛ لأن إنكار مثل هذه الأخبار الواردة في القرآن والسنة يعتبر كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، لكنهم حرفوا.
فينبغي للإنسان أن يتفهم هذه المسائل بشكل جيد.
ومن أوسع من تحدث عن قضايا الغيبيات في الكتب الثلاثة التي ندرسها هو ابن قدامة المقدسي ﵀ في لمعة الاعتقاد، ولهذا سنعلق على كلام ابن قدامة المقدسي ﵀، ثم نعود إلى حائية ابن أبي داود، وإلى الواسطية، وننظر إذا كان هناك زيادات أو ليس هناك زيادة.
[ ١٣ / ٤ ]
شرح باب الغيبيات من لمعة الاعتقاد
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [فصل: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه].
الغيبيات لا يصح فيها قول المعتزلة أنه لا يوجد عليها دليل عقلي، بل الغيبيات الواردة في الشرع لها مستند عقلي قوي، وهو أن هذه الغيبيات هي عبارة عن أخبار، والخبر يحتمل الصدق والكذب، والمخبر بهذه الأخبار دلت الأدلة العقلية والشرعية على صدقه وهو الرسول ﷺ، فالمخبر بكل ما في القرآن هو الرسول ﷺ، والمخبر بالأحاديث الواردة في السنة هو الرسول ﷺ.
والرسول ﷺ ثبتت نبوته عندنا بالأدلة اليقينية القطعية التي لا تقبل الشك، ولهذا عندما نرد على المعتزلة الذين أولوا مثل هذه الأخبار بحجة عدم وجود المستند العقلي عليها، نقول لهم: هذه الأخبار هل أخبر بها الرسول ﷺ أم لم يخبر بها؟ فإن قالوا: لم يخبر بها، فهذا تكذيب صريح للقرآن والسنة، وهم لا يقولون بهذا، ولا يكذبون بالقرآن والسنة، ولهذا لابد أن يقولوا: إن الرسول ﷺ أخبر بها.
فإذا قالوا: إن الرسول ﷺ أخبر بها، انتقلنا للسؤال الثاني: هل النبي ﷺ نبي عندكم صادق، أم لا؟ وهم لا يقولون: ليس بنبي؛ لأنهم لو قالوا: ليس بنيًا لكفروا، وهم ليسوا كفارًا، بل هم من المنتسبين إلى الإسلام وإلى هذه الأمة الإسلامية، يعرفون أن الله حق، ويعرفون أن القرآن صحيح، ويعرفون أن الرسول ﷺ نبي، وهم ليسوا يهودًا ولا نصارى، والمشكلة لم تقع عندهم في التنزيل، وإنما وقعت في التأويل، والفرق بين التنزيل والتأويل أن التنزيل معناه: إثبات القرآن وإثبات السنة النبوية، والتأويل معناه: فهم القرآن وفهم السنة النبوية، وهم يقرون بهذا القرآن الذي بين أيدينا ويعترفون به؛ لأن الذي لا يعترف بالقرآن ولا يعترف بالسنة كافر.
لكن هذه الفرق ليست من الفرق الكافرة الخارجة عن الإسلام، بل هي من فرق المسلمين، نسألهم: هذا القرآن الذي بين أيدينا هل هو من الله أو ليس من الله؟ سيقولون: من الله.
إذًا هم يعترفون بالقرآن، ويعترفون بالسنة، لكن يؤولونها، فنحن نقول لهم: إذا كان كل من القرآن والسنة حقًا وصحيحًا، فإن الواجب هو الإيمان به؛ لأن منازعة الإنسان في الإيمان بهذه الأشياء يدل على عدم التصديق به، وما دمتم تؤمنون بهذه الأشياء فأنتم ملزمون بالإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ.
طبعًا هم عندهم مشكلة كبيرة فيما يتعلق بأخبار الآحاد، فهم يقسمون السنة النبوية إلى قسمين: متواتر، وآحاد، والآحاد لا يقبلونها في العقائد، وهذه بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ، فالنبي ﷺ أرسل عددًا من أصحابه أفرادًا إلى هرقل وإلى كسرى، وإلى النجاشي وإلى المقوقس، وأرسل رجلًا إلى بني حنيفة، يدعون إلى أصل الدين والتوحيد، والتوحيد من العقائد، بل هو رأس العقائد، فلم يرسل النبي ﷺ معهم عدد التواتر، وإنما أرسل معهم أفرادًا، ولم يطلب الملوك عدد التواتر، وإنما اكتفوا بخبر الفرد.
هذا أمر مقر في الشريعة، لكنهم ينازعون بناء على وجود أصول بدعية عندهم، فهم قد أصلوا ثم بدءوا يحرفون، ويؤولون النصوص الشرعية حتى توافق أصولهم البدعية.
[ ١٣ / ٥ ]
الإيمان بالإسراء والمعراج
قال المؤلف ﵀: [مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات، ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فرد عليه عينه].
الإسراء والمعراج ثابتان عن النبي ﷺ في القرآن والسنة، أما الإسراء في القرآن فهناك سورة كاملة في القرآن تسمى سورة الإسراء، وقد تسمى سورة بني إسرائيل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] إلى آخر الآيات.
وأما المعراج فهو وارد في القرآن في بداية سورة النجم: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨].
وأما النصوص النبوية فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ، وقد أنكره كفار قريش، وقد أول الإسراء والمعراج بعض المنتسبين إلى الإسلام، فبعضهم قال: إن هذا الإسراء كان منامًا وليس يقظة؛ لاستحالة الانتقال في العادة من مكة إلى بيت المقدس ثم الذهاب إلى السبع السموات، ثم الإتيان في ليلة واحدة، وهذا قول فاسد وباطل، فإن القرشيين كانوا يعرفون أن النوم يمكن أن ينتقل فيه الذهن من مكان إلى مكان آخر، لكن النبي ﷺ جاءهم وأخبرهم أنه حقيقي.
وبعض المؤولين قالوا: إن الإسراء والمعراج كان بالروح فقط دون الجسد، لأن الروح سريعة الانتقال وأما الجسد فهو بطيء، وهذا باطل؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، و(عبده) كلمة عامة تطلق على مجموع الروح والجسد، فلا شك أن النبي ﷺ أسري به يقظة بروحه وجسده، وأن هذه معجزة من المعجزات، وآية من الآيات، ومن كذب بهذا فلا شك أنه مناقض لأصول القرآن والسنة.
طبعًا هناك تفصيلات دقيقة تتعلق بموضوع الإسراء والمعراج لا يعنينا التطويل فيها، لكن نناقش الجانب الذي ذكره المؤلف هنا في موضوع الإسراء والمعراج، وهو جانب الغيبيات، والإسراء والمعراج اعتبر من مسائل العقائد لوجود الآراء الضالة المخالفة لأصول عقيدة المسلمين في هذا الباب.
وأما قصة الملك مع موسى فهي قصة ثابتة في الصحيحين، وينكرها الذين يتبعون الأهواء ممن ينتسبون إلى العقل ويسمون أنفسهم عقلانيين، وهم في الحقيقة من أهل الجهل وليسوا من أهل العقل، (فإن ملك الموت جاء إلى موسى بهيئة شخص، ودخل عليه فلطمه موسى ﵇ وفقأ عينه، فرجع إلى الله ﷿، وقال: أرسلتني إلى عبد من عبادك لا يريد الموت، فرد الله ﷿ عليه عينه، وقال: اذهب إليه، وأخبره أن يضع يده على جسد ثور، فله بكل شعرة من هذه الشعرات سنة يعيشها، ثم قال موسى: وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالآن).
فهذا الحديث ثابت في الصحيح، ويمكن للإنسان أن يؤمن به بكل بساطة، وبدون أي غضاضة، ولا أي مشكلة، لكن الذين يدخلون عقولهم في النصوص، وهي عقول قاصرة، جعلوا هذه النصوص مناقضة للعقل مع أنها ليست مناقضة للعقل في الأصل، فإن هذا أمر عادي جدًا؛ لأن الملائكة تتشكل في أشكال متعددة.
وهكذا في حديث النبي ﷺ: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء)، قالوا: لا، هذا حديث لا يصح، كيف يغمس الذباب في الإناء بعد أن مات، نقول النبي ﷺ قال: (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء)، قالوا: لم نر هذا الداء والدواء، قلنا: إذا لم تروه فهذا لا يعني عدم وجوده، هذا خبر الصادق، وهنا يكون الإيمان الحقيقي بالنسبة للإنسان.
وهكذا في حديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، قالوا: إن هذا حديث لا يصح، مع أن الحديث في صحيح البخاري، وقالوا: إن هذا يدل على احتقار المرأة، ونحن نقول: الحديث لا يدل على احتقار المرأة، لكن خلق الله ﷿ لهم منازل، والله ﷿ فضل بعض الخلق على بعض، فجعل الرجال قوامين على النساء لما تتصف به النساء من الصفات الأنثوية من ضعف وعدم قدرة على إدارة الولايات العامة.
لكن النزعة الغربية الموجودة الآن وطلب مساواة المرأة بالرجل من كل وجه أثرت على كثير من الدارسين والباحثين الذين يكتبون في الدراسات الإسلامية، فأصبحوا يكتبون بنفس المنطق، وبنفس الطريقة التي يفكر بها الغربيون، وهذا من أكبر الأخطاء، بل يجب أن يكون لدينا من الاستقلال الفكري والنفسي عن الموجات الإعلامية الغربية الآن ما يجعلنا نفهم ديننا بصورته الصحيحة، دون أي ضغوط.
[ ١٣ / ٦ ]
الإيمان بأشراط الساعة
قال المؤلف ﵀: [ومن ذلك أشراط الساعة، مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل، وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة].
أشراط الساعة ثابتة في النصوص الشرعية؛ ولهذا يقول الله ﷿: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، وأشراطها المقدمات التي تدل على الساعة.
وكون الساعة تأتي بغتة لا يخالف وجود مقدمات لها، فيكون هناك مقدمات لها، ثم بعد فترة من الفترات تأتي بغتة؛ ولهذا ليس هناك أحد من الخلق يدرك ويعرف وقت الساعة بشكل دقيق، وهذا هو معنى كونها تأتي بغتة، ولهذا: (لما سأل الرسول ﷺ جبريل عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن أخبرك عن أشراطها)، فأخبره عن بعض أشراطها.
وقد قسم العلماء أشراط الساعة إلى قسمين: صغرى، وكبرى.
وأساس التقسيم عند أهل العلم أن الكبرى وصفت بالكبرى لسببين: السبب الأول: ورودها في حديث واحد.
والسبب الثاني: أن الكبرى يكون بها تغيير في الواقع غير طبيعي.
فعلامات الساعة الصغرى مثل انتشار الفساد، والزنا، وكثرة المال، وأن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، وهذه كلها أمور معتادة يمكن أن تحصل بدون أي استغراب بالنسبة للإنسان، لكن الذي يقرأ أخبار الدجال يجد أخباره غريبة، وهكذا الدابة التي تكلم الناس، وهكذا طلوع الشمس من مغربها، ولهذا سميت كبرى، وسمي ما عداها صغرى.
[ ١٣ / ٧ ]
خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم
كما أن علامات الساعة الكبرى وردت في حديث واحد عن النبي ﷺ حيث يقول: (لا تقوم الساعة حتى يأتي قبلها عشر)، ثم عدها ﵊.
العلامة الأولى: خروج الدجال، وهو رجل كذاب مكتوب على جبينه: كافر، يقرؤه من قرأه، وحتى غير القارئ يستطيع أن يقرأه، وهو أعور العين، بمعنى أن له عينين، لكن واحدة منهما طافئة، ولهذا فمن الخرافات التي جاءت في الصحافة والتي أصبحت مزبلة لمثل هذه الأفكار الرديئة، أنهم أتوا بصورة مدبلجة لوجه رجل ليس له إلا عين واحدة، وقالوا: هذا الدجال.
وقالوا: إن أمه لما ولدته استغربت من الشكل فأخفته.
وأوصاف الدجال الواردة في الشرع تخبر أن له عينين، وأن واحدة منهما عوراء، لكن واحدة طافئة لا يرى بها، وأنه مكتوب على جبينه كافر، وأنه يخرج من ثلة بين العراق والشام، ويتبعه ألوف من يهود أصبهان، وأنه يطوف الأرض كلها مثل الريح، وفي الحديث: (أن اليوم الأول من أيامه مثل سنة، واليوم الثاني مثل شهر، واليوم الثالث مثل جمعة، -يعني: مثل أسبوع- وبقية أيامه مثل بقية أيامكم)، وهذا معناه أن الشمس تطلع وتجلس سنة كاملة حتى تغيب، وفي شمال الكرة الأرضية اليوم تظل الشمس على الناس ستة أشهر، فيجلس الدجال سنة بهذا الأسلوب.
(ومعه جنة ونار)، يعني: الذي يغضب عليه يدخله النار، وناره جنة في الحقيقة، وجنته نار في الحقيقة.
(وأنه يطوف الأرض جميعًا، وأنه يأتي إلى مكة والمدينة وأنه لا يستطيع دخولها، وترجف مكة والمدينة فيخرج منها المنافقون).
فهذه أوصاف ظاهرة يمكن أن تراجع في حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم في كتاب الفتن والملاحم، فينبغي للإنسان أن يتفهم مثل هذه الأمور، وألا يصدق الخرافات.
وجاء أيضًا أن عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتله، ونزول عيسى وارد في القرآن، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] يعني: قبل موت عيسى؛ لأن عيسى لم يمت، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، ولهذا عده بعض العلماء كالحافظ ابن حجر في الإصابة من الصحابة.
ورد في وصف الدجال في حديث النواس بن سمعان صفات عجيبة جدًا، وهو أنه ينزل ورأسه يقطر وأنه جعد، وأنه يضع يديه على ملكين، فإذا رآه عدو الله في باب لد في بلاد الشام يذوب كما يذوب الملح في الماء، فيرميه برمح معه، فيرتد إليه الرمح وفيه الدم، فيقتله عيسى ﵇، ويكون المهدي موجودًا في بلاد المسلمين، ويكون حاكمًا من الحكام الصالحين، يصلحه الله في ليلة، فيتقدم بالناس ويصلي بهم، ويعيش عيسى في الأرض أربعين سنة، والأرض تتفتق بخيراتها وبركاتها، وأيضًا يحج ويعتمر، ويكون خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ وهو حي.
[ ١٣ / ٨ ]
خروج يأجوج ومأجوج
العلامة الثانية: خروج يأجوج ومأجوج: يأجوج ومأجوج قبيلتان ورد خبرهما في القرآن في سورة الكهف وسورة الأنبياء ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤]، والسد بناه ذو القرنين الملك الصالح، فيأجوج ومأجوج قبيلتان من القبائل يخرجان بعد خروج الدجال في زمان عيسى ﵇ ويملئون الأرض، ويشربون مياه الأرض، حتى أن بحيرة طبرية يمر عليها أولهم فإذا مر آخرهم قال: يقال إن هنا كان ماء، وينتشرون في الأرض ويفسدون فيها فسادًا ذريعًا، ويأمر الله ﷿ عيسى ﵇ أن يجمع أتباعه في الطور، وهو جبل في صحراء سيناء الآن، وبعد انتشار هؤلاء المفسدين يرسل الله ﷿ إليهم حشرة تسمى النغف فتدخل في أنوفهم وتقتلهم ويصبحون صرعى جميعًا.
ثم ينظف الله ﷿ الأرض منهم وتخرج بركات الأرض مرة أخرى.
[ ١٣ / ٩ ]
خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وخروج الريح الطيبة
العلامة الثالثة: خروج الدابة: وقد وردت في القرآن أيضًا، وورد من وصفها أنها تكلم الناس، وهذه الدابة من أشراط الساعة، وهي تختم على وجوه الناس فتبين المسلم من الكافر، وهي من الأشراط التي تكون قريبة من طلوع الشمس من مغربها.
العلامة الرابعة: طلوع الشمس من مغربها: وهي ثابتة، ولا تكون إلا في آخر الزمان، وهي علامة على قرب القيامة.
العلامة الخامسة: الريح الطيبة: فتأتي الريح الطيبة بعد ذلك فتأخذ أرواح المؤمنين ولا يبقى إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.
[ ١٣ / ١٠ ]
الإيمان بعذاب القبر ونعيمه
قوله: (وعذاب القبر ونعيمه حق): أما بالنسبة لنعيم القبر فيقول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وبالنسبة لعذاب القبر فقد جاء في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
وأما بالنسبة للسنة فقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما بذلك، وأقوى حديث ورد فيه خبر عذاب القبر ونعيمه هو حديث البراء بن عازب، وهو حديث حسن أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود وغيرهم.
قوله: (قد استعاذ النبي ﷺ منه وأمر به في كل صلاة): وهذا ثابت أيضًا فإن النبي ﷺ قال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وعذاب جهنم)، فهذه الأربع أمر النبي ﷺ أن يتعوذ منها الإنسان في كل صلاة بعد التشهد الأخير قبل السلام، حتى أن بعض التابعين كان يفتي بوجوبها مثل طاوس ﵀؛ لأن النبي ﷺ أمر بها.
[ ١٣ / ١١ ]
الأسئلة
[ ١٣ / ١٢ ]
واجب العلماء تجاه الأحداث التي يعايشها المسلمون
السؤال
إذا لم نر وقفة من العلماء تناسب الحدث والوقت، فكيف يكون حالنا معهم حيث إنهم تركوا المجال لغيرهم؟
الجواب
أهل العلم لا شك أنهم مطالبون بالمواقف الجادة في الأحداث الحساسة التي تعني الأمة الإسلامية في جملتها، ولا يمكن أبدًا في أي حال من الأحوال أن يسكت أهل العلم قاطبة في الدنيا دون بيان أو توضيح، ونحن عندما نتحدث عن العلماء لا نعني العلماء في قطر واحد أو في بلد واحد أو علماء معينين محددين بأسمائهم، بل نتحدث عن أهل العلم من أهل السنة في كل الأرض، ولهذا لابد أن يكون هناك قائم لله ﷿ بحق يبينه ويوضحه ويبين كيفية التعامل معه.
ومثل هذه الأحداث الموجودة الآن في بلاد المسلمين ليس صحيحًا أن أهل العلم لم يكن لهم موقف محدد وواضح في هذا الموضوع، بل لهم موقف محدد وواضح، فهم أنكروا العدوان، وبينوا خطر القوات الأمريكية وما تريد أن تعمله في العراق وما تعمله الآن هو عدوان ظاهر وباطل، وأنه خطير على ديار الإسلام والمسلمين، وأنه يجب على المسلمين أن يتعاونوا في مواجهة مثل هذه الأحداث.
كما أنهم بينوا أن التعاون مع هذه القوات لضرب ديار الإسلام وبلاد المسلمين كفر مخرج عن دائرة الإسلام بغض النظر عن المعينين، وهذا الأمر واضح بحمد الله تعالى.
كما أنهم بينوا أنه ينبغي على الشباب وعلى الأمة عمومًا رجالًا ونساء صغارًا وكبارًا أن يلتفوا حول أهل الإيمان وأهل التقوى وأهل العلم وأن يكون رأيهم شورى بينهم، فإن الأمور العملية لا يمكن أن تتم بشكل فردي، مثلًا موضوع الجهاد في سبيل الله ليس موضوعًا فرديًا بل هو موضوع جماعي ينبغي أن يجتمع فيه أهل العلم، وأن يدرسوا الخطط التي يمكن أن يواجهوا بها العدو، وما هي أفضل وسيلة لدفع الصائل عن بلاد الإسلام، وكيف يمكن أن يواجهوا مثل هذا العدوان.
إذًا الجهاد ليس عملية فردية بل هو عملية شوروية كما قال الله ﷿: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، يجتمع فيها العلماء وأهل الحل والعقد، وينظرون في مصالح المسلمين، وبناء على هذا يكون هناك قرار موحد من أهل العلم؛ لأن الخلاف سبب من أسباب التفرق، والتفرق سبب من أسباب الهزيمة، فالله ﷿ أخبر أن التفرق من أعظم أسباب الهزيمة وذهاب الريح وفقدان المسلمين للنصر، يقول الله ﷿: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، فقوله: (واصبروا) يعني: اصبروا على الاجتماع والتعاون فيما بينكم بعيدًا عن التفرق.
ولهذا نحن مطالبون بالالتفاف حول أهل العلم، ولا يظن الإنسان أن المصلحة هو في مواجهة العدو في لحظة معينة، بل قد يكون هناك خطأ وقع فيه بعض أهل العلم أو بعض ولاة الأمر أو بعض الناس، لكن هذا الخطأ لا ينبغي أن يكون سببًا من أسباب الطعن في أهل العلم أو ذمهم واحتقارهم أو التفرق والخلاف، فإن الاجتماع يحتاج إلى صبر، ولابد أن يكون هناك مبرر حتى يحصل الصبر، كما أن وجود وجهات نظر مختلفة في أمر من الأمور يحتاج منا أن نصبر على المحافظة على وحدة الدعاة إلى الله والصالحين والناس عمومًا، والمجتمع عمومًا يجب أن نحافظ على وحدته وأن نتكاتف بشكل كبير، ولهذا لا يمكن لأي دولة مهما كانت عظمى أن تحطم إرادة أمة من الأمم إذا كانت متكاتفة ومتعاونة، وهنا بعض الأمثلة الدالة على ذلك: المثال الأول: كان شافيز رئيس دولة فنزولا مسئولًا عن أوبك التي هي الدول المنتجة للنفط وكان يسير بشكل مخالف لإرادة أمريكا، فأرادت أمريكا أن تعاقبه وأن تؤدبه، فدبرت له عملية انقلابية، وفعلًا انقلب عليه مجموعة من الأشخاص الذين كان بينهم وبين أمريكا تعاون، فلما انقلبوا عليه أخذوه وأخذوا مجموعة معه وسجنوه في جزيرة، لكن الشعب الفنزولي لم يكن مقتنعًا بهذا الإجراء والانقلاب، فقاموا على الحكومة الجديدة حتى ألزموهم بأن يردوا شافيز مرة أخرى، ثم حاولوا بعد ذلك إسقاطه عن طريق مجموعة من المعارضين له، فعملوا إضرابًا كبيرًا جدًا في الشركات النفطية وأرادوا إسقاطه فلم يستطيعوا؛ لأن هناك إرادة شعبية ترفض مثل هذه الضغوط من أمريكا.
المثال الثاني: لو نظرنا إلى الأحداث الموجودة الآن في العراق فإنه إذا كان عشرة أيام ما استطاعوا أن يتحركوا من محاور معينة يدورون حولها، بل صرحوا اليوم أنهم أوقفوا التقدم البري حتى يأتيهم المدد مع أنهم دول كبرى بالنسبة للأسلحة، ودولة واحدة كأمريكا كافية بأن تدمر مجموعة دول من ناحية العتاد العسكري، فكيف وهي أمريكا وبريطانيا وأستراليا وهولندا ومعهم مجموعة من الدول مثل بولندا وغيرها من دول التحالف، فمع تحركهم من مجموعة نقاط وقف لهم العراقيون موقفًا قويًا جدًا؛ لأن الوضع الآن في العراق تحول من كون المسألة بين الجيش العراقي والتحالف إلى مسألة جيش التحالف مع الشعب بأكمله، ولهذا كانوا ينتظرون أن الشعب يقوم بعملية انقلابية، ويستقبلونهم بالورود والرياحين ومع هذا ما تم أي شيء.
وهذا
[ ١٣ / ١٣ ]