الاعتصام بالكتاب والسنة باب عظيم من أبواب العقيدة، وهو من أهم ما يميز أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الفرق الضالة المنحرفة التي اتخذت مصادر في العقيدة غير الكتاب والسنة، ومن عقائد أهل السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين في غير معصية، وهجر أهل البدع، والإيمان بالكرامات على ما جاء في الكتاب والسنة.
[ ١٨ / ١ ]
ذكر ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسنة
هذا هو الدرس الأخير من دروس العقيدة المتعلق بالكتب الثلاثة ذات الموضوع المتقارب، وهي: حائية ابن أبي داود، ولمعة الاعتقاد للحافظ ابن قدامة المقدسي، والواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وسبق أن قلنا: إن أبواب هذه الكتب الثلاثة متقاربة إلى درجة كبيرة، ومن خلال دراستنا السابقة لهذه الكتب تبين لنا أن هذه الكتب مشتركة في أبواب متعددة، مثل: باب الصفات وباب القدر وباب الإيمان وباب الغيبيات وباب الصحابة، ونحوها من الأبواب، وقارنا بين هذه الكتب الثلاثة، وهذه الدراسة التي هي دراسة في الموضوعات أكثر مما هي دراسة في المتون، ومع مراجعة المتون تبين أن كثيرًا من الكتب مشتركة في كثير من المسائل، وأن الأبواب العلمية متقاربة في كثير من الكتب، وحينئذ ينبغي على طالب العلم أن يميز بين المسائل المكررة والمسائل المتميزة من كتاب إلى كتاب آخر.
بقي معنا في حائية ابن أبي داود مجموعة من الأبيات تتعلق بالاعتصام بالكتاب والسنة، والاعتصام بالكتاب والسنة باب عظيم من أبواب العقيدة، وهو من أعظم الأبواب التي يتميز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الفرق الضالة المنحرفة، فإن الفرق الضالة اتخذت مصادر في العقيدة غير الكتاب والسنة، بل إنها تجاوزت هذا الأمر إلى الطعن في دلالة الكتاب والسنة على المسائل العقدية، ولهذا كثيرًا ما يكرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀وخصوصًا في كتابه درء تعارض العقل والنقل- أن الرسول ﷺ جاء بالحق التام في المسائل والدلائل، أي: في المسائل العقدية، وفي الأدلة عليها، فإن هذا الدين دين كامل شامل لحياة الإنسان المتعددة الجوانب.
وقد أفرد البخاري ﵀ في صحيحه كتابًا مستقلًا عن الاعتصام بالكتاب والسنة، وملأه بالأحاديث والآثار عن هذه القضية المهمة، والتي ينبغي على طالب العلم أن يتعلمها وأن يدركها، وقد وردت كثير من النصوص الشرعية تأمر بطاعة الله ﷿ وتقرن معها طاعة الرسول ﷺ، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢].
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: إن الآيات الواردة في الأمر بطاعة الرسول ﷺ قد تصل إلى التسعين آية، وذلك بأوجه متعددة وبأشكال مختلفة، منها: قول الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وهذا يشمل المسائل العقدية والمسائل العملية والمناهج وبناء الحياة، ولهذا لما جاءت المرأة إلى ابن مسعود وسألته عن النمص وقالت: لم أجد ذلك في كتاب الله، قال: بل هو في كتاب الله، ثم قرأ عليها هذه الآية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، ثم روى الحديث المشهور في لعن النامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن.
ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ومنه أيضًا قول الله ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
ولهذا قال ابن عباس ﵁ عندما وجد قومًا يكررون كلام الشيخين - أبي بكر وعمر - في النهي عن المتعة، قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول لكم: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر! فكيف بمن يرد قول الرسول ﷺ لقول عالم، بل كيف من يرد قول النبي ﷺ لقول كاتب، أو لقول شخص بسيط فضلًا عن زنديق أو مجرم أو كافر أو نحو ذلك؟ ولهذا فإن رد كلام النبي ﷺ فيه خطر على عقيدة الإنسان؛ لأنه يوصل إلى الشرك والعياذ بالله.
وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ تحث على الاعتصام بالكتاب والسنة، كما في حديث العرباض بن سارية المشهور عندما قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون -إلى قوله-: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، وهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية التي انتقاها الإمام أبو زكريا النووي ﵀، وهي من جوامع الكلم التي عليها مدار كثير من المسائل في الدين.
ومن الأحاديث المهمة أيضًا وهي من جوامع كلم النبي ﷺ في باب الاعتصا
[ ١٨ / ٢ ]
إنكار العلماء على المخالفين في جواز مسح الخف وثبوت حد الرجم وكفر تارك الصلاة
لقد تكلم أهل العلم عن هذه القضايا واهتموا بها، وحذروا من مخالفة أمر الرسول ﷺ، بل إنهم أنكروا على كثير ممن خالف في مسائل فقهية دليلها واضح، فمثلًا: نجد الإنكار الشديد على من خالف في المسح على الخفين، بل اعتبرها عدد من أهل العلم من مفردات العقيدة، وكذلك الرجم وغيرها، إلا الشيعة قبحهم الله، والرجم لا يوجد مخالف له إلا الخوارج؛ لأن من مناهجهم رد السنة، وكانوا يكفرون عددًا كبيرًا من الصحابة، فكانوا يردون هذه القضية لعدم ورودها في القرآن كما يقولون.
وكثير من مسائل العلم التي يكون الدليل فيها واضحًا فإن أهل العلم يتكلمون على المخالف حتى لو كان من أهل السنة يتكلمون، ويغلظون له في القول، فمثلًا: عدم تكفير تارك الصلاة، فقد بعدم كفر تارك الصلاة جماعة من كبار أهل العلم وممن لهم منزلة في الإسلام، ومع ذلك أنكر عليهم عامة أهل السنة، بل إن محمد بن نصر المروزي ﵀ ألف كتابًا في العقيدة سماه: تعظيم قدر الصلاة، ويظن البعض أنه كتاب فقهي، مع أنه كتاب في العقيدة، وقد تكلم فيه عن مسائل الإيمان وأطال فيها، ونقل نقولًا كثيرة عن السلف في تكفير تارك الصلاة، بل نقل عن جماعة من أهل العلم حكاية الإجماع على أن تارك الصلاة كافر.
وأيضًا غلظ على من تكلم في بعض المسائل الفقهية مع وضوح الدليل فيها، فنجد أن عامة أهل العلم المتبعين للأثر يغلظون على المقلدة الذين يقلدون المذاهب في مسألة عدم القبض في الصلاة، فحديث القبض في الصلاة وارد في صحيحي البخاري ومسلم، وهو حديث مشهور، وليس هناك ما يبرر عدم العمل به، ومع هذا نجد المتأخرين من المالكية وبعض المذاهب الأخرى يفتون بعدم القبض في الصلاة وبالإسدال، فنجد أن المتبعين للآثار يغلظون عليهم في القول؛ لأن الحديث واضح، وليس هناك مبرر لعدم الأخذ به إلا التقليد المحض، والتقليد المحض في مثل هذه الحالة شنيع؛ لأنه قلد إمامًا وعالمًا وترك إمام المرسلين وهو محمد ﷺ، ولهذا ينبغي كما قلت العناية بهذه القضية عناية تامة.
[ ١٨ / ٣ ]
الإنكار في مسألة كشف المرأة وجهها
ومن المسائل التي يوردها أهل العلم في هذا الباب مسألة الإنكار في مسائل الخلاف، فإنه لأهمية الاعتصام بالكتاب والسنة ينكر العلماء في مسائل الخلاف بعضهم على بعض؛ لأن الخلاف من حيث عدم وضوح الدليل على المدلول يكون على درجات، فقد يكون في الدليل غموض شديد، وقد يكون الغموض متوسطًا، وقد يكون الغموض يسيرًا، وقد يكون الغموض قليلًا جدًا، فإذا كان الغموض قليلًا وضعيفًا وكان الحديث ظاهرًا في الباب، فإنه لا يجوز للإنسان أن يخالفه، ويجب أن ينكر على من خالفه، وأن يبين له الحق في مثل هذه المسائل.
ومن ذلك مسألة كشف المرأة لوجهها، فإنه قد أفتى فيها أهل العلم، خصوصًا أهل الحديث، مثل الشيخ العالم الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، هذا عالم كبير في الحديث وهو من خلص أهل السنة، ومن صفوة أهل السنة في هذا العصر رحمه الله تعالى، ومع ذلك أفتى في بجواز أن تكشف المرأة وجهها، أي: والمستحب أن تغطي وجهها، وإذا ترتب على كشفها لوجهها فتنة فإنه يجب عليها تغطيته، فانظروا كيف أن فتوى الشيخ محددة إلى درجة كبيرة، ومع هذا كثير من الناس أصبح اليوم يرى أن الحجاب الشرعي أن تكشف المرأة وجهها، يعني: كأن سترها لوجهها لم يعد حجابًا شرعيًا، ويصور للناس من خلال بعض القنوات الإعلامية، ومن خلال الممارسات في الحياة الإسلامية، ومن خلال بعض كتابات الذين يسمونهم بالمفكرين ونحوهم أن الحجاب الشرعي هو أن تكشف المرأة وجهها، وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم الذين يعرفون العلم، فإنه لم يقل أحد من أهل العلم إن الحجاب الشرعي هو أن تكشف الوجه.
لكن أصبح الناس اليوم يلتزمون كشف الوجه وكأنه هو السنة، فإذا جاء أحد لينصح امرأة كاشفة أو ينصح وليها قال: يا أخي هذا هو الحجاب الشرعي! وهذا فهم فاسد وغريب يجب دفعه؛ لأنه لم يقل أحد من أهل العلم باستحباب كشف الوجه، وإنما قالوا بالإباحة، والاستحباب حكم شرعي تكلم فيه أهل العلم، فالمستحب هو تغطية الوجه، وليس المستحب هو الكشف، لكن الممارسة العملية صورت للناس أن المستحب هو أن تكشف المرأة وجهها، وأن هذا هو الحجاب المشروع، إلى درجة أن كثيرًا من الناس نسي أن تغطية الوجه من السنن عند من يفتي بجوازها، فضلًا عن كونه واجبًا شرعيًا عند من يفتي بوجوب الحجاب، وهذا هو القول الصحيح الواضح، والذي ما عداه غير صحيح.
ولهذا يجب أن نحذر من مثل هذه المسائل التي قد تسوغ للواقع بشكل غير صحيح، وينبغي أن نتأمل فيها وأن نهتم بها، وأن يكون منطلقنا الأساسي هو الاعتصام بالكتاب والسنة.
[ ١٨ / ٤ ]
شرح كلام ابن أبي داود في حائيته في الاعتصام بالكتاب والسنة
قال ابن أبي داود ﵀: [تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تك بدعيًا لعلك تفلح ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح].
هذان البيتان في هذه المسألة التي سبق أن أشرنا إليها.
ثم في آخر الأبيات أشار إلى المخالف للكتاب والسنة، قال: (ودع عنك آراء الرجال) يعني: أيًا كانوا، فلا يجوز للإنسان أن يأخذ بآراء الرجال -حتى لو كانوا من العلماء- في مقابل رده لكلام الرسول ﷺ، فإن رد كلام الرسول ﷺ من أشنع الشنائع والعياذ بالله.
قال: [ودع عنك آراء الرجال وقولهم فقول رسول الله أولى وأشرح ولا تك من قوم تلهوا بدينهم فتطعن في أهل الحديث وتقدح].
لا يجوز لمسلم أن يطعن في أهل الحديث؛ فإن أهل الحديث هم خلاصة المسلمين، والمقصود بأهل الحديث المتبعون للحديث، وليس المقصود بأهل الحديث المتخصصين في علم مصطلح الحديث، بل المتبع للحديث سواء كان لغويًا، أو فقيهًا، أو مهندسًا، وأخص الناس هم المشتغلون بخدمة حديث النبي ﷺ.
فعندما يقال: أهل الحديث، فإنه ينصرف إلى طائفتين: الطائفة الأولى: هم أولى الناس به، وهم المشتغلون بحديث النبي ﷺ مع صحة في العقيدة؛ لأنه وجد في التاريخ الإسلامي أشخاص اشتغلوا بالحديث ومع هذا لم يكونوا على السنة، مثل البيهقي الذي كان على عقيدة الأشعرية، ومن المتأخرين محمد زاهد الكوثري وهو جهمي على عقيدة متأخري الجهمية والعياذ بالله، ولديه آراء شاذة وخطيرة جدًا، ويمكن مراجعة كتاب التنكيل لما جاء في تأليف الكوثري من الأباطيل للشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى.
إذًا أولى الناس بوصف أهل الحديث هم المشتغلون بدراسة الحديث، والعناية به على صحة في العقيدة.
الطائفة الثانية: عموم المتبعين للحديث حتى لو كانت تخصصاتهم مختلفة.
قوله: (ولا تك من قوم تلهوا بدينهم فتطعن في أهل الحديث وتقدح) فبعض الناس صار ديدنهم في المجالس العامة وفي القنوات الفضائية وفي الصحف القدح في أهل السنة، يقدحون فيهم تارة بأنهم متشددون، وتارة بأنهم ضيقوا الأفق، وتارة بأنهم نصيون، وتارة بأنهم من الخوارج، وبأنهم لا يفقهون مقتضيات العصر الحديث، وأن من مقتضيات العصر الحديث أن تختلف الفتوى وأن تختلف الآراء، وأن يكون لنا خطاب آخر مخالف للخطاب المنضبط بالسنة.
وهذه كلمات تبقى عامة، قد يراد بها حق وقد يراد بها باطل.
ثم قال ﵀: [إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه فأنت على خير تبيت وتصبح].
[ ١٨ / ٥ ]
معنى السنة في كلام علماء العقيدة
ونلاحظ أن ابن قدامة ﵀ يقول: (ومن السنة كذا)، والسنة مصطلح يراد به عدة معان: فيراد به المعنى العام، وهو طريقة النبي ﷺ وأقواله وأفعاله، وهذا المعنى العام يشمل الواجب والمستحب، ويشمل ما أباحه النبي ﷺ، ولهذا قال النبي ﷺ: (من رغب عن سنتي فليس مني)، فمعنى هذا: أن الراغب عن سنة النبي ﷺ يعاقب.
هذا المعنى العام للسنة، وهذا أصبح يستخدم عند علماء أهل السنة في باب العقيدة، فنجد أن بعض العلماء ألفوا كتبًا سموها السنة، ويقصدون بها العقيدة، كالسنة للخلال، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهناك السنة لـ عبد الله ابن الإمام أحمد، والسنة للمروزي، وأصول السنة لـ ابن أبي زمنين، واللطيف في السنة لـ ابن شاهين، هذه كلها كتب في العقيدة كتبها العلماء السابقون، وسموها بالسنة؛ أي: العقيدة الصحيحة؛ لأن اتباع الكتاب والسنة واجب، والفرق الضالة خالفت الكتاب والسنة، فتميز أهل السنة بها وأصبحت علمًا وشعارًا بالنسبة لهم.
والمعنى الثاني للسنة هو معناها في اصطلاح الفقهاء، وهو ما لا يعاقب تاركه ويثاب فاعله، وهذا مصطلح حصل عند المتأخرين كمقابل للواجب، لكن عامة العلماء في كتب العقيدة إذا قالوا: ومن السنة كذا، والسنة كذا فإنهم يقصدون بها المعنى العام، يعني: اتباع سنة النبي ﷺ، والتي في كثير من الأحيان تكون واجبة، ومخالفتها بدعة وإثم.
[ ١٨ / ٦ ]
عقيدة أهل السنة في الإمامة وطاعة أولياء الأمور
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين].
والمقصود بأئمة المسلمين هنا حكام المسلمين، فلا بد أن يسمع لهم وأن يطاعوا إذا أقاموا الدين.
قال ﵀: [السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله].
هذا الباب هو باب الإمامة، والإمامة باب كبير من أبواب العقيدة، يشتمل على مجموعة من المسائل، منها كيفية انعقاد الإمامة، ومنها حكم الإمامة، ومنها تعدد الأئمة، ومنها مسألة الشورى، وهذه قد يسميها بعض العلماء الأحكام السلطانية، يعني: الأحكام التي تتعلق بالسياسة، أو تسمى: السياسة الشرعية، ولها جوانب عقدية وجوانب فقهية.
فمن الجوانب العقدية المهمة هي قضية السمع والطاعة لأئمة المسلمين، فإنه يجب على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا لحكامهم الذين يقيمون الدين حتى لو كانوا فجارًا، فلو كان الحاكم فاجرًا ظالمًا فإنه يجب السمع له والطاعة في طاعة الله، ولا ينتقض السمع والطاعة بالنسبة للحاكم إلا إذا كفر بالله، ولهذا فإن النبي ﷺ عندما ذكر الحكام الذين يأتون في آخر الزمان، قال: (تعرفون منهم وتنكرون.
فقالوا: ألا نناجزهم؟ -يعني: ألا نقاتلهم بالسيف- قال النبي ﷺ: لا، ما أقاموا الصلاة) وفي بعض الروايات: (ما لم تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان).
فإذا كان هناك كفر بواح عندنا فيه من الله برهان فإنه لا يجوز السمع والطاعة في مثل هذه الحالة، أما إذا كان فاجرًا عاصيًا ظالمًا، يأكل أموال الناس بالباطل، ويسجن المسلمين بدون وجه حق ويؤذيهم، ويعمل أعمالًا فاسدة كأن يزني ويشرب الخمر، فإن هذه لا تعتبر مكفرات ما لم يستحلها، وقد سبق أن تحدثنا عن أثر المعاصي في الإيمان، وقلنا: إنه لا يكفر الإنسان بالمعاصي دون الشرك ما لم يستحلها، أما إذا كانت شركًا أو كفرًا فإنها نقض للإيمان، وقد سبق أن أشرنا إلى نواقض الإيمان بشكل عام، لكن السمع والطاعة لا يكونا إلا في طاعة الله.
قوله: (ما لم يأمروا بمعصية الله؛ فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله) أي: لأنه جاء في الحديث: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهذه من قواعد العلم الكبار، فإنه لا طاعة لمخلوق حتى لو كان أبًا أو أمًا، صغيرًا أو كبيرًا، في معصية الله ﷿، فلو أمر بأمر فيه معصية ظاهرة مثل: أكل الربا، أو أكل أموال الناس بالباطل، فإنه لا يقال: إن هذا ولي أمر المسلمين تجب طاعته؛ لأن هذه معصية، والمعصية لا يطاع فيها.
نحن نختلف في هذه المسألة مع الخوارج ومع المعتزلة، فإن الخوارج والمعتزلة عندهم أصل من أصول الدين يسمونه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مقتضياته قتال أئمة الجور والخروج عليهم، يعني: أئمة الظلم، وقد كان هذا مذهبًا في بداية الأمر لبعض أهل السنة، لكن أهل السنة كما حكى ابن تيمية ﵀ لما رأوا ما ترتب على الخروج على أئمة الجور باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفساد العام وكثرة إراقة الدماء، وعدم الوصول إلى نتائج مثمرة، أجمعوا على عدم جواز الخروج على أئمة الجور حتى لو ظلموا، لكن لا يطاعون في معصية الله، ويطاعون في طاعة الله ﷾.
ولهذا ينبغي أن ندرك المشكلة التي يعاني منها الكثير في هذا الزمان، وهي أن البعض يبالغ في طاعة ولي الأمر إلى درجة أنه يكاد يقول للناس: أطيعوه في الحرام، يعني: قد يسأل بعض الناس عن مسألة محرمة فرضها ولي الأمر، فيقال: تجب طاعته! وهذا من الظلم، إذ كيف تطيع ولي الأمر وتعصي الله ﷿؟ هذا لا يقوله أحد من أهل العلم وممن عرف العلم.
ونجد طائفة أخرى متوسعة في مسألة العصيان إلى درجة كبيرة جدًا.
والحق أن يكون الإنسان متوسطًا في هذه المسألة، ومشكلات الواقع المتعلقة بالسياسة الشرعية والأحكام السلطانية يمكن أن تضبط، وهناك أشياء راجعة إلى التقدير، يعني: تقدير هل هذا الأمر حصل فيه كفر؟ وهل هذا المعين انطبق عليه الكفر؟ ونحو ذلك هذا الأمر الذي يرجع إلى التقدير ينبغي أن يكون أمر الناس فيه شورى، وخصوصًا مع أهل العلم الذين يستنبطون العلم من مسائله ومن أصوله الشرعية.
قال ﵀: [ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه، حتى صار خليفةً وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه، وشق عصا المسلمين].
وهذا أمر يدل عليه النص والإجماع: أما النص: ففي قول النبي ﷺ: (وإن تأمر عليكم) يعني: لستم أنتم الذين أمرتموه، وإنما تأمر غصبًا، قال: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) لأن العبد الحبشي ليس من المرشحين للإمامة؛ ولأن النبي ﷺ يقول: (الأئمة من قريش) فليس مرشحًا للإمامة، لكن قال: (وإن تأمر عليكم حبشي، فاسمعوا له وأطيعوا) ويجمع هذا مع الأحاديث الأخرى: (ما أقاموا الصلاة) ومع ح
[ ١٨ / ٧ ]
هجر المبتدعين
قال ﵀: [ومن السنة: هجران أهل البدع].
وهناك أبواب في كتب العقيدة الكبيرة تبين ضرورة هجران أهل البدع، وخصوصًا في هذا الزمان، فمن أشهر البدع التي يجب هجران أهلها التشيع، ودعوى التقريب بين الشيعة والسنة دعوى فارغة لا قيمة لها؛ لأن الشيعة نشئوا آخر القرن الأول، وإلى اليوم وهم موجودون وكتبهم موجودة، وأئمتهم موجودون، وحسينياتهم التي نشأت متأخرة موجودة.
ودعاوى التقريب حصلت في أكثر من دولة، وتكونت لهم دول وسقطت، ومع هذا لم يحصل هناك تقريب، فدعاوى التقريب في كثير من الأحيان دعاوى سياسية أكثر مما تكون دعاوى عقدية الهدف منها الوصول إلى نتائج، لأن الخلاف مع الشيعة يتعلق بالجذور والأصول، فهم يكفرون أصحاب النبي ﷺ كلهم إلا ثلاثة، أو أربعة، فكيف نتفق معهم؟ وكيف نتحاور معهم؟ وكيف نعتبرهم مسلمين؟ إذا كان أبو بكر كافرًا، وعمر كافرًا، وعثمان كافرًا، وأبو هريرة كافرًا، وابن عمر كافرًا، وعائشة أيضًا وغيرهم فكيف يمكن الحوار؟ ولا تتصورا أن دعوات التقريب نشأت الآن، فإنها قد نشأت منذ وقت، وتبنتها جهات كثيرة بعضها مشبوهة، وحاولت هذه الجهات أن تجمع بين علماء الشيعة وعلماء أهل السنة، لكن لم يصلوا إلى نتيجة، فانتهت الدعاوى القديمة وبدأت الدعاوى الجديدة بالذات بعد سقوط العراق، وبدأت الحركة الشيعية تنمو، وصاروا يقومون مع الشيعة مقابلات تلفزيونية، وتنقل صورهم عبر الفضائيات، وكثير من المسلمين لا يدركون أن عقائد الشيعة عقائد كفرية، وهؤلاء من السطحيين.
والمشكلة عندما يتكلم شخص سطحي غير متخصص.
بعضهم يقول: أنتم تأتون إلى كتب الشيعة فتأخذون الشاذ منها وتجمعونه في كتاب واحد، وتقولون هذه عقائد الشيعة، فأنتم ظلمة! فنقول: الظالم هو الجاهل؛ لأن هؤلاء الأشخاص لم يطلعوا على كتب الشيعة أصلًا، لأن كل كتاب من الكتب الشيعية له عمود فقري، أو له أبواب أصلية وأساسية، لو حذفت تلك الأبواب لسقط الكتاب، فلو حذفنا باب الأسماء والصفات والإيمان والقدر والصحابة من هذه الكتب فإنه سيكون الكتاب ليس له قيمته العلمية السابقة، فلو جئنا إلى كتاب (بحار الأنوار) وحذفنا تكفير الصحابة، وعصمة الأئمة، وحذفنا الكلام في القرآن، فإنه لن يبقى من كتاب بحار الأنوار شيء، ولا يكون له أي قيمة علمية، لكن كثيرًا من الناس لا يدرك ولا يفهم ويظن أنه من أفهم الناس، وهنا تكون المشكلة، وهذا هو مصداق قوله ﷺ: (وينطق فيهم الرويبضة وهو الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)، حتى لو كان رجلًا صاحب هيئة وصاحب مكانة وصاحب منزلة، لكنه في هذا الباب تافه ليس من أهل العلم فيه، فالواجب أن يتكلم الإنسان بعلم أو يسكت، وإذا لم يكن من أهل العلم فلا يتكلم.
وكثير من الناس -حتى من المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية- يحاول أن يهون الخلاف مع الشيعة ويصور أنه خلاف سطحي، وأن المسألة عادية، وهذا فهم فاسد.
قال ﵀: [ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم -كل هذا من هجرهم- وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع كالرافضة].
سموا رافضة لأنهم كانوا مع زيد بن علي بن الحسين فسألوه عن الشيخين، فتولى أبا بكر وعمر فرفضوه، وقال: رفضتموني، فسموا رافضة.
قال: [والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم].
أي: هذه طوائف من الفرق الضالة، وقد تحدثنا عنها في دورة الفرق والمذاهب المعاصرة.
[فهذه هي فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها، وأما النسبة إلى إمام في الفروع، كالطوائف الأربع فليس بمذموم؛ فإن الاختلاف في مسائل الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون].
والخلاف شر وليس فيه محمدة أصلًا، لكن لأن الأدلة فيها خفاء صار العذر؛ ولهذا ألف ابن تيمية كتاب: رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
قال ﵀: [مثابون في اجتهادهم، لقول النبي ﷺ: (إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
قال: [واختلافهم رحمة واسعة].
لا شك أن حديث: (اختلاف أمتي رحمة) حديث باطل وموضوع، وأن الخلاف شر كله، ولكن قد يكون رحمة باعتبار أن الأدلة التي يكون فيها خفاء يعذر من خالف فيها الحق؛ لأن الحق حتى في مسائل الاجتهاد واحد غير متعدد.
قال ﵀: [واتفاقهم حجة قاطعة -يعني: إجماعهم- نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة ويحيينا على الإسلام والسنة ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين.
وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا].
[ ١٨ / ٨ ]
ذكر ما جاء في الكرامات
بقي معنا موضوع الكرامات من كتاب الواسطية.
والكرامات: جمع كرامة، والكرامة هي الأمر الذي يكون فيه خرق للعادة، ويكون لولي من أولياء الله ﷿ يؤيده الله ﷾ به.
والكرامات ثابتة بالكتاب والسنة.
ومن أصحاب الكرامات الخضر كما أخبر الله ﷿ عنه في القرآن، وكذلك ذو القرنين، ومن أصحاب الكرامات من الصحابة: أبو العلاء بن الحضرمي، الذي جاء إلى البحر عندما كان في غزوة البحرين، فدعا الله ﷿، وخاض البحر على الخيل حتى وصل الشاطئ الآخر، دون أن يغرق هو وأصحابه، وهذه من الكرامات.
ومن الكرامات ما تكون كرامات علمية، ومنها ما تكون كشوفات، مثل عمر بن الخطاب ﵁ عندما كان يخطب الجمعة فانكشف له حال سارية، وكان قائد جيش في العراق، وكان قد أحاط به الكفار وعنده جبل، فإذا لجأ إلى الجبل أفلح، فتفاجأ الناس بـ عمر بن الخطاب ﵁ يصيح ويقول: يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل، فلما سألوه بعد ذلك أخبرهم أنه حصل عنده شعور أن سارية قد حوصر، وأن الجبل هو وسيلة إنقاذ بالنسبة لهم.
فهذه المشاعر والإلهامات تحصل لأولياء الله ﷾.
وقد روي أن سارية سمع صوتًا يقول له: الجبل، الجبل، فلاذ بالجبل.
وهذه الكرامات ثابتة في القرآن والسنة وفي أجيال الأمة بعد ذلك، لكن كدر الصوفية هذا الاسم الشريف: الكرامة والولاية، فجاءوا بالسحر والشعوذة والخرافات والخزعبلات وسموها كرامات، وجاءوا إلى الزنادقة والضلال والمنحرفين وأصحاب البدع وسموهم أولياء، فمثلًا: الشعراني له كتاب اسمه: الطبقات الكبرى، ملأه بالخرافات الغريبة باسم الكرامات، وكذلك يوسف بن إسماعيل النبهاني، له كتاب في مجلدين اسمه: جامع كرامات الأولياء، ملأه أيضًا بكثير من الخرافات والغرائب، وذكروا من الأولياء رجلًا اسمه إبراهيم العريان، يقولون: وكان من كراماته أنه يخطب أمام الناس عريان، ويخطب في الوقت الواحد بأكثر من مكان، وربما حمل سيفًا ونزل إلى الناس، فهرب الناس وهو يطاردهم، هذه من كراماته! وهناك طائفة من الصوفية تسمى الملامتية، وهم يفعلون الأعمال التي يلومهم عليها الناس ويقولون: إنها تدفع عنهم الخوف من الرياء، فربما نام بعضهم مع الكلاب، وربما نام بعضهم في الأماكن الوسخة والقذرة، وربما بقي أكثر من سنة لا يغتسل، وربما صار، ولهذا قد يرى بعض هؤلاء الخرافيون إنسانًا وسخ الثياب، ويقولون: ما يدريك لعله قطب من الأقطاب التي يكون عليها مدار هذا الكون؟ فهؤلاء من الجهال الذين هم من أبعد الناس عن العلم والعقل، وهم منحرفون في هذا الباب، وقد فصل شيخ الإسلام ﵀ الكلام فيهم في كتابه العظيم: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات].
هذا يدل على أن الكرامة نوعان: نوع في العلوم، ونوع في التأثير، يعني: نوع يتعلق بالعلوم، ونوع يتعلق بالأمور الحسية.
قال: [والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها: مثل حال أصحاب الكهف الذين ناموا ثلاثمائة سنة وتسع.
وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة].
[ ١٨ / ٩ ]
ذكر ما جاء في السلوك
وباب السلوك أيضًا من الأبواب المتعلقة بالعقيدة من جهة شمول العقيدة؛ لأن كثيرًا من الناس يتصور أن العقيدة خاصة بالأبواب النظرية المشهورة، مثل باب الصفات وباب القدر وباب الإيمان وباب الصحابة وغيرها، والحقيقة أن العقيدة شاملة لكل مناهج الحياة، فلأهل السنة والجماعة منهج مستقل في الدعوة والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيادة الأمة وتوجيهها، وإصلاح المجتمعات وسياستها، وأيضًا السلوك إلى الله ﷾.
يقول: [ثم هم -يعني أهل السنة والجماعة- يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر]؛ وهذه من أخص أوصافهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١١٠].
قال: [على ما توجبه الشريعة]: لأن هناك طائفة أخذت هذا الاسم الشرعي العظيم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ووظفته توظيفًا فاسدًا، وهم الخوارج والمعتزلة كما سبق أن أشرنا إليه.
قال ﵀: [ويرون إقامة الحد والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، ويحافظون على الجماعات]: وهذا مما يميزهم، فكثير من الناس اليوم يتركون الصلاة خلف أئمة المسلمين، يعني: لا يصلون مع المسلمين في المساجد، ويتوقفون في إيمانه، وقد يتركون الصلاة خلف أئمة الحرم مثلًا، لأنهم يتوقفون في إسلام هؤلاء، ويقولون: لا بد أن يكفر بالطاغوت، وإذا أردت أن تعرف ما هو الكفر بالطاغوت حسب فهمه؟ يحددها حتى يصل إلى درجة أن يكفر حاكمًا باسمه، فإذا كفر هذا الحاكم باسمه فإنه يكون كافرًا بالطاغوت، وإذا لم يكفره باسمه فإنه لا يصير مسلمًا أصلًا.
فيكفرون الناس بهذه الطريقة، ويتركون الحج والجهاد والجمع والأعياد، ولهذا كثير من الناس نمت عندهم أخلاق الخوارج، فتجد أنه يرى أن كثيرًا من حكومات العالم اليوم وأنظمته على خلاف الإسلام، ولكن عندما يتعامل مع هذه الأوضاع الصعبة والمخالفة لحقيقة الإسلام، بالذات في المجتمعات التي ينتشر فيها التغريب بشكل غريب، مثل المغرب الإسلامي، وشمال أفريقيا وبعض دول الخليج وغيرها، والهند وباكستان وبقية بلاد المسلمين وشرق آسيا، هذه البلاد الإسلامية عمها التغريب بشكل كبير جدًا، إلى درجة أن المسلم أصبح ينظر إلى نفسه وينظر إلى مجتمعه على أنه غريب فيه، وفعلًا أصبح المسلم يشعر بالغربة، لكن كثيرًا من الناس عنده غلو في هذه القضية، فتجد أنه يبالغ إلى درجة أنه ينعزل عن المجتمع فيترك الصلاة مع المسلمين، ويترك إقامة الجماعة والجمعات معهم، ويترك إقامة الأعياد معهم، بحجة أن هذه الحكومات أصبحت حكومات كافرة، والصحيح أنه حتى وإن كانت هذه الحكومات كافرة فهذا لا يعني أن يترك الجمع والجماعات والأعياد.
يعني: الآن يحكم العراق أمريكا، وأمريكا حكومة كافرة، فهل يترك الناس صلاة الجمعة لأن أمريكا استولت على البلاد؟ هل يتركون صلاة العيد؟ هل يتركون شعائر الإسلام؟ لا يتركونها، فلو كفرت حكومة من الحكومات، أو استولت عليها دولة من دول الكفر مثل حالة العراق، فإن هذه القضايا مثل إقامة الحج وإقامة الجهاد والجمع والأعياد لا تخضع لحكومة محددة ومعينة، وإن كان الأولى أن يقوم بشعائر الإسلام أئمة المسلمين وحكامهم، حتى تنتظم أمور المسلمين، حتى وإن كان هذا الحاكم فاجرًا ظالمًا كما سبق أن أشرنا.
قال ﵀: [أبرارًا كانوا أو فجارًا، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة] الأمة يدخل فيها الرجال والنساء، وينصحون لهم، ويدخل فيها الحكام فينصحون للحكام، ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويدخل فيها العلماء، ويدخل فيها عامة المسلمين.
قال ﵀: [ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
وشبك بين أصابعه)].
وهذا مفهوم عظيم، وهو مفهوم الأمة الواحدة والجماعة الواحدة، فالمسلمون لا تفرقهم أسماء الدول أو الحدود التي حصلت عند المتأخرين، فهذه الحدود تتغير من زمن إلى زمن، ولهذا نسمع في هذه الأيام أن الدولة الظالمة الجائرة أمريكا تريد تغيير الخريطة، فهذا يدل على أن الخرائط يمكن أن تتبدل وأن تتغير مع الزمن واستيلاء دولة على دولة، والأسماء تتغير، فقد كان زمان الدولة العباسية، ثم دولة المماليك، ثم صارت الدولة العثمانية، والآن صارت أوزاعًا، فهذه الأسماء لا تفرق بين المسلمين، فإن المسلمين إخوة ويد واحدة، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
وقوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
قال: [ويأمرون بالصبر عند البلاء]: وهذا من أعظم الأخلاق.
قال: [والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء]: ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: (عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله
[ ١٨ / ١٠ ]
ذكر خرافة جريدة عكاض والتحذير منها
هذا أحد الإخوة جاء بقصاصة من جريدة عكاظ يوم الخميس، يقول: عشرون في المائة من حوادث الدهس بسبب العباءة السوداء.
وكأنه -ما شاء الله- عندنا مراكز لرصد هذه الحالات، وكأننا دقيقون إلى هذه الدرجة، يعني: ليس واحدًا وعشرين ولا تسعة عشر، ولا تسعة عشر ونصف، بل هي عشرون.
هذا العبث وهذه التصرفات المتخاذلة من مثل هؤلاء الصحفيين باسم حرية الصحافة، هو من السفه في القول، والواجب أن ينكر هذا المنكر.
ولهذا فمن المفترض في أي منكر يجده الإنسان في الصحافة أن يتصل بالجريدة نفسها، أو يذهب لمقابلة المسئولين هناك في الجريدة، ويقول لهم: اتقوا الله ﷿، ما هذا العبث؟! عشرون في المائة من حوادث الدهس بسبب العباءة السوداء! وانظروا إلى الكذب والعبث، يقول: وكان رئيس اللجنة الوطنية لسلامة المرور الدكتور: علي الغامدي، حذر السيدات من عبور الطرق قبيل وبعد الزوال إلا من خلال المعابر المخصصة للمشاة، معللًا ذلك بأن العباءة السوداء أثناء العتمة.
يعني: أثناء الزوال، وأظن أنه يكتب وهو عنده مرض نفسي أو مشكلة من المشكلات، يقول: معللًا ذلك بأن العباءة السوداء أثناء العتمة أو عدم وجود إضاءة كافية يعني: قبيل الزوال وأثناء الزوال لا توجد إضاءة كافية! ربما تعرض المرأة لخطر الدهس.
وأضاف: (إن الدراسات والبحوث).
ولو بحثت عن الدراسات والبحوث هذه ستجد أنه لا يوجد هناك دراسات ولا بحوث، كله دجل وكذب.
يقول: وأضاف: إن الدراسات والبحوث تشير إلى أن نسبة حوادث الدهس تصل إلى عشرين في المائة من جملة الحوادث المرورية، ويقع أكثرها خلال فترات المساء أثناء الزوال! ومعظم ضحاياها النساء.
[ ١٨ / ١١ ]
الأسئلة
[ ١٨ / ١٢ ]
تفضيل الله محمدًا ﷺ على غيره من الرسل
السؤال
لماذا فضل الله تعالى محمدًا ﷺ على بقية الرسل ﵈؟
الجواب
نحن مطلوب منا الإيمان بما يخبر الله ﷾ به، وبما يخبر به الرسول ﷺ، ومن هذا الإخبار التفضيل، ومن ذلك كون النبي ﷺ يملك من الخصائص ما لا يملكها غيره من الرسل.
[ ١٨ / ١٣ ]
معنى الحديث: (من أتاني يمشي أتيته هرولة)
السؤال
الحديث: (من أتاني يمشي أتيته هرولة) قال النووي: هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل ظاهره.
السؤال: هل يعد ذلك تأويلًا؟
الجواب
حديث الهرولة اختلف العلماء في طريقة تفسيره، فبعضهم قال: إن حديث الهرولة المقصود به في الأجور، يعني: من أقبل إلي في عمل صالح مثل الماشي، فإن الله ﷿ يأتي له بأعمال مضاعفة.
وبعض العلماء قال: الحديث على ظاهره وأن هذه صفة ثابتة لله ﷾، وأن هذا الحديث من أحاديث الصفات، وكيفية هذه الهرولة غير متصورة، وبناءً على هذا يكون كلام النووي ﵀ فيه خطأ؛ لأن ظاهره ليس هو التشبيه أصلًا، وإنما ظاهره أن هذه الهرولة صفة من صفات الله منسوبة إليه تليق بجلاله.
[ ١٨ / ١٤ ]
فضل معاوية بن أبي سفيان ﵁ على عمر بن عبد العزيز ﵀
السؤال
هل عمر بن عبد العزيز أفضل من معاوية؟ وما رأيك في قول: إن عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس؟
الجواب
ليس عمر بن عبد العزيز أفضل من معاوية، بل معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز؛ لأنه من الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ممدوح في الآيات الشرعية الواردة في هذا الباب، وعمر بن عبد العزيز لا شك أنه من خلفاء المسلمين العدلاء الفضلاء.
[ ١٨ / ١٥ ]
عدم جواز تسمية الله سبحانه بالدهر
السؤال
هل يجوز أن نسمي الله: الدهر؟
الجواب
لا يجوز أن نسمي الله الدهر؛ لأن الدهر ليس اسمًا محمودًا، وإنما هو اسم للزمان، والزمان قد يكون محمودًا وقد يكون مذمومًا، والحديث الوارد: (أنا الدهر أقلب الليل والنهار) جاء مفسرًا، فإنه قال: (أقلب الليل والنهار)، ومن شروط أسماء الله ﷿ أن تكون حسنى، وليس كل منسوب إلى الله ﷿ يكون اسمًا.
[ ١٨ / ١٦ ]
الأنبياء والشهداء لا يفتنون في قبورهم
السؤال
يقول ابن تيمية: إن الناس يفتنون في قبورهم، فهل يشمل ذلك الأنبياء والصديقين والشهداء والمرابطين في سبيل الله والصغار والمجانين؟
الجواب
أما الأنبياء والشهداء فإنه لا يشملهم ذلك، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (كفى ببارقة السيوف فتنة) يعني: أن الشهيد لا يفتن في قبره ولا يسأل.
[ ١٨ / ١٧ ]
الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية
السؤال
ما الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية؟
الجواب
الفرق بينه أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الله ﷿ وليست متعلقة بالمشيئة، بينما الصفات الفعلية يفعلها الله متى شاء، وهي متعلقة بمشيئة الله ﷿، مثال الصفات الذاتية: العلم، مثال الصفات الفعلية: النزول.
[ ١٨ / ١٨ ]
القرآنيون
السؤال
من هم القرآنيون؟
الجواب
القرآنيون طائفة نشأت في الهند يقولون: لا نحتج إلا بالقرآن فقط، ولا يحتجون بالسنة، وألغوا الأحاديث جميعًا، مع أن القرآن يأمر باتباع السنة، لكنهم لم يفقهوا ذلك، وهناك رسالة بعنوان: القرآنيون، يمكن مراجعتها.
[ ١٨ / ١٩ ]
رجوع أبي الحسن الأشعري إلى مذهب أهل السنة والجماعة
السؤال
هل رجع أبو الحسن الأشعري رجوعًا تامًا إلى مذهب أهل السنة والجماعة؟
الجواب
أبو الحسن الأشعري كان في أول أمره على الاعتزال، ثم بعد ذلك رجع إلى مذهب ابن كلاب، وكان يظن أن مذهب ابن كلاب هو مذهب أهل الحديث، وألف في هذه المرحلة كتاب: اللمع في الرد على أهل الزيف والبدع، ثم بعد ذلك رجع عن مذهب ابن كلاب وشعر أن مذهب ابن كلاب مثل مذاهب المتكلمين الأخرى، فرجع عن المذاهب الكلامية عمومًا، وألف في هذه المرحلة: مقالات الإسلاميين، ورسالته إلى أهل الثغر، وفي مقالات الإسلاميين يصرح ويقول: مذهب الكلابية ثم يحكيه، ثم يقول: مذهب أهل الحديث، ثم يقول: وبقولهم أقول، وهذا صريح في أنه لا يوافق الكلابية، وإن كان قد بقي عنده بعض المسائل من آثار علم الكلام، لكن في الجملة هو رجع إلى السنة.
[ ١٨ / ٢٠ ]
شفاعة النبي ﷺ للمسلمين وشروطها
السؤال
هل تحل شفاعة النبي ﷺ على تارك الصلاة أو من ارتكب نواقض الإيمان؟
الجواب
من ارتكب نواقض الإيمان صار كافرًا مرتدًا خارجًا عن الإسلام، لا يدخل تحت الشفاعة، لكن الشفاعة تكون لعصاة الموحدين، فإن شروط الشفاعة: أولًا: الإذن من الله ﷾.
الشرط الثاني: الرضا من الله ﷾ عن المشفوع له، وذلك بأن يكون من أهل التوحيد، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة قال: (من أسعد الناس بحسن شفاعتك يا رسول الله؟! قال: من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه).
[ ١٨ / ٢١ ]
معرفة الحكم الشرعي بالجمع بين النصوص
السؤال
هل يخرج القاتل من النار، أو من حرم عليه الجنة كالديوث أو قاطع الرحم؟
الجواب
الديوث وقاطع الرحم والقاتل عصاة، والأحاديث الواردة على الصيغة التالية: دخل النار، لا يدخل الجنة، حرم الله عليه الجنة، ونحو ذلك، هذه تسمى عند العلماء: ألفاظ الوعيد، وألفاظ الوعيد تجمع مع غيرها من النصوص ويعرف الحكم الشرعي في هذا العمل، وبناءً عليها تنزل منزلتها الشرعية، ولا تفهم على ظاهرها بأنه لا يدخل الجنة مطلقًا.
[ ١٨ / ٢٢ ]
مسألة التكفير العام وتكفير المعين
السؤال
ما صحة القول التالي: لا يجوز القول بتكفير إنسان بعينه، بل يرجع أمره إلى الله مع الاعتقاد بعموم أنه إذا وقع في كذا فقد كفر، لكن لا يقال: فلان وقع في كذا فهو كافر؟
الجواب
قوله: لا يجوز القول بتكفير إنسان بعينه هذا خطأ، بل يجوز تكفير الإنسان بعينه، لكن بشروط، يعني لا يكفر الإنسان الناس مطلقًا، أو يتساهل بالشروط، فينبغي التحذير من التساهل بالشروط، أما أن يقال: لا يكفر مطلقًا فما معنى: باب حكم المرتد إذًا؟ فهناك باب في الفقه اسمه: حكم المرتد، وأحكام المرتد، وهناك حديث: (من بدل دينه فاقتلوه).
[ ١٨ / ٢٣ ]
حكم من وقع في شيء من المكفرات
السؤال
هل من وقع في شيء من المكفرات لا يدخل الجنة، حتى مع قوله: لا إله إلا الله، لقوله ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)؟
الجواب
من وقع في شيء من المكفرات له حالتان: أن يكون باقيًا على إسلامه، ويكون هناك عذر من الأعذار يمنع التكفير عنه، وهذا يكون من المسلمين، وأما بالنسبة للعقوبة فهو تحت مشيئة الله ﷿، وإما أن يكون وقوعه في المكفرات لا يقبل عذره فيها، فيكون كافرًا، وحينئذ يعامل معاملة الكفار جميعًا، حتى لو كان يقول: لا إله إلا الله؛ لأنه نقض لا إله إلا الله بهذا القول أو العمل الكفري.
[ ١٨ / ٢٤ ]
حكم تفسير الرؤى
السؤال
الرؤى التي نراها لا نفسرها أم ماذا؟
الجواب
نحن لا نقول: لا تفسر، بل تفسر لكن على سبيل الظن، ولا يجعلها الإنسان منهجًا في حياته، ولا يجمع رؤى الناس ويفسرها بطريقة معينة ويبني المستقبل عليها، ويغير حياته وبرامجه العملية بناءً على هذه الرؤى، هذا هو الذي ننكره.
[ ١٨ / ٢٥ ]
أخذ المعان أثرًا من آثار ملابس العائن لا يعد استرقاءً
السؤال
أنا شخص مصاب بالعين من أحد الناس، وأريد أن آخذ أثرًا من آثاره، فهل هذا من الاسترقاء الذي ذكر في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب؟
الجواب
إذا كان الإنسان مصابًا بالعين ويعرف من عانه، وهو متأكد من هذا، وطلب منه أخذ بعض الملابس فإنه لا يدخل في الاسترقاء، لأنه لم يطلب منه رقية، وإنما طلب بعض ملابسه وهو الذي رقى نفسه بنفسه.
نكتفي بهذا القدر وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٨ / ٢٦ ]