صفة السمع والبصر والإرادة والمشيئة والمحبة والمودة والمغفرة والرحمة والرضا والغضب والسخط والكره والمجيء والإتيان، وصفة الوجه واليدين والعينين والفرح والنفس والنزول هذه كلها صفات لله ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة، فيجب إثباتها لله تعالى كما جاءت على المعنى اللائق بالله تعالى، على وجه لا تشبه به صفات المخلوقين، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
[ ٦ / ١ ]
نبذة عن الدروس الموضوعية
اعلم أن هذه الدروس تنقسم إلى قسمين: قراءة وتعليق في (حلية طالب العلم)، والدرس الرسمي والأساسي هو في الكتب الثلاثة المتعلقة بالعقيدة وهي: (حائية ابن أبي داود) وهي منظومة مختصرة في العقيدة تزيد عن ثلاثين بيتًا، و(لمعة الاعتقاد) لـ ابن قدامة المقدسي، و(العقيدة الواسطية) لـ ابن تيمية.
هذه الثلاثة الكتب ندرسها كل يوم سبت، وطريقة الدراسة فيها هي حسب الدارسة الموضوعية، ومعنى الدراسة الموضوعية: أن نقسم هذه الكتب الثلاثة من حيث الموضوعات إلى موضوعات عامة مثل: الصفات، والقدر، والإيمان، والصحابة وغيرها، ثم نأخذ الباب كاملًا ونتحدث عنه بشكل واضح، ثم نقرأ ما يتعلق بهذا الباب في الكتب الثلاثة سويًا وفي مكان واحد، فإذا انتهينا من الباب الأول ننتقل إلى الباب الثاني، وهكذا حتى ننتهي من جميع الأبواب، وقد قسمنا الأبواب في بداية هذه الدروس.
ومازلنا في الباب الأول وهو باب الصفات، وهو باب من الأبواب الطويلة كما تعلمون في مسائل العقيدة، وقد تحدثنا في البداية عن قاعدة أهل السنة والجماعة في الصفات، وكيف أنهم جمعوا بين إثبات الصفات ونفي التمثيل عن الله ﷾، فالله ﷿ صفاته ثابتة له، وفي نفس الوقت هي ليست مماثلة لصفات المخلوقين.
وبينا أن المأزق الذي وقع فيه نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والرافضة والخوارج وغيرهم هو أنهم لم يستطيعوا فهم كيفية الجمع بين إثبات الصفات ونفي التشبيه، وظنوا أن لازم إثبات الصفات وقوع التشبيه، وأنه لابد أن يكون هناك تشبيه مادام أن هناك إثباتًا، وقلنا: إن هذه القاعدة ليست قاعدة صحيحة، وإنما هي ظنون وأوهام وأهواء، ولهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يسمون هذه الطوائف: أهل البدع والأهواء؛ لأنهم يتبعون أهواءهم ولا يتبعون هدي الكتاب والسنة بشكل متجرد وواضح في هذا الباب.
وسبق أيضًا أن بينا الأصول العقلية التي من أجلها نفى أهل البدع صفات الله ﷾، وقلنا: إن هذه الأصول العقلية تعود إلى دليل حدوث الأجسام، وهو الدليل الذي استدلوا به على وجود الله ﷾.
والأصل الثاني هو: دليل التركيب، ونفوا بدليل الحدوث الصفات الاختيارية الفعلية، وبالدليل الثاني نفوا الصفات الذاتية، وقالوا: إنها تستلزم التركيب.
ومن الأصول العقلية عندهم: دليل الاختصاص.
ومنها أيضًا: دعوى التشبيه والتمثيل بصفات المخلوقين.
وقد بينا أن هذه الأصول العقلية قد زاحموا بها مفاهيم الكتاب والسنة، وبدءوا يؤولون النصوص ويحرفونها عن مسارها، وأحسنهم حالًا من فوض أمرها إلى الله، لكنه فرغها من معناها ومفهومها، الشرعي الذي جاءت به.
وسبق أن تحدثنا عن هذه القضايا بشكل مفصل، وقلنا في الدرس الماضي: إن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قدامة رحمهما الله تعالى تحدثا عن الصفات، وقسمنا الكلام في الصفات إلى قسمين: صفات يمكن أن نسميها صفات كبرى، أو الصفات المشهورة، وهذه تقريبًا أبرز أنواع الصفات وهي ثلاث: صفة النزول، وصفة العلو والمعية، وصفة الكلام، فهذه الصفات من أبرز الصفات التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة وبين المعطلة نفاة الصفات، ولهذا سنفرد لقاء كاملًا -وهو اللقاء القادم- في الكلام عن هذه الصفات الثلاث بشكل خاص.
وأما بقية الصفات فإن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قدامة المقدسي رحمهما الله لم يريدا الحديث عنها تفصيلًا، وإنما ذكرا قاعدة، ثم قالا: ومن آيات الصفات: فذكرا مجموعة كبيرة من آيات الصفات.
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن أحاديث الصفات كذا، وهذا الفعل حصل من ابن قدامة المقدسي، وابن قدامة قبل ابن تيمية.
فنبدأ أولًا: (بحلية طالب العلم) كما اعتدنا ثم نعود إلى هذه الكتب:
[ ٦ / ٢ ]
كيفية التأصيل العلمي لمن هو مشغول بعمل من الأعمال
وقبل أن يقرأ الأخ هناك بعض الإخوة كان يسأل عن مسألة التأصيل العلمي ويقول: إن التأصيل العلمي نحن مقتنعون به اقتناعًا تامًا، لكن كثيرًا منا موظف مثلًا، أو مرتبط بأعمال، أو يكون لديه ظروف ولا يحصل لديه إلا وقت معين ومحدود للقراءة والاطلاع، فكيف يتم التأصيل في هذه الحال.
و
الجواب
أن مسألة التأصيل ليست راجعة لوظيفة الإنسان وليست راجعة لكون الإنسان متفرغًا أو غير متفرغ، وليست راجعة لكون الإنسان عنده أشغال أو ليست عنده أشغال، فلو أنك تعطي العلم كل يوم ساعة واحدة، فيمكن لك أن تؤصل نفسك تأصيلًا علميًا، فأظن أن ساعة واحدة كفيلة بأن تخرج منه طالب علم ممتاز، لكن بشرطين: الشرط الأول: الصبر.
والشرط الثاني: الاستمرار.
فلابد من الصبر والاستمرار؛ لأنه إذا لم يكن هناك صبر فسيضعف الإنسان، وإذا لم يكن هناك استمرار فسينقطع المرء، فبعد مجموعة من الشهور أو بعد سنة أو سنتين سينقطع، وينسى كل ما حفظه أو درسه خلال هذه الفترة، ويتصور أن الإنسان يمكنه أن يعطي ساعتين في اليوم للعلم، فإذا كان عنده قدرة أن يعطي ساعتين في اليوم لطلب العلم فإنها تصير في الأسبوع أربع عشرة ساعة، فتستطيع في هذا الزمن أن تؤدي أعمالًا كثيرة جدًا، ويمكن أن تقسمها إلى ثلاثة أقسام: قسم تجعله للحفظ، وقسم تجعله للدراسة والفهم، ومعنى الدراسة: التدقيق في المسائل التي أنت تدرسها، وقسم تجعله للتثقيف والاطلاع.
فالأربع عشرة ساعة هذه التي قسمناها على ثلاثة تصير أربع ساعات وكسور في الأسبوع للحفظ، فستجعلك تحفظ شيئًا كبيرًا.
وأهم شيء هو أن الإنسان لا يمل ولا يستعجل، فلنفترض أن الإنسان سيبدأ يدرس في الفقه مثلًا، فأخذ كتابًا مثل (بلوغ المرام)، وفيه أكثر من ألف وخمسمائة حديث، فلو أنك في كل يوم تحفظ وتفهم ثلاثة أحاديث أو حديثين فسيجتمع لك في الأسبوع أربعة عشر حديثًا، وفي الشهر اثنان وأربعون حديثًا، وفي عشرة أشهر أربعمائة وعشرون حديثًا، وهذا تقريبًا ثلث الكتاب، فحفظ ثلث الكتاب في عشرة أشهر ليس أمرًا هينًا، فأهم شيء هو أن تحفظ وتضبط وتراجع، بحيث إنه يستمر العلم معك.
نفترض أنك بدأت في شهر محرم، فإذا انتهيت من شهر محرم وجئت إلى محفوظ شهر صفر فلا تنس شهر محرم، ولابد أن تراجعه، والمراجعة أسهل من الدرس الجديد؛ لأنك أصلًا ضابط وتحتاج إلى مراجعة فقط، والمراجعة يمكن أن تحصل لك وأنت في السيارة، وممكن أن تحصل لك وأنت في أي مكان من الأماكن، وممكن أن تحصل لك وأنت ذاهب إلى أداء أي غرض من الأغراض، والمراجعة هي التي ترسخ المحفوظ.
إذًا: خلال ثلاث سنوات ستنتهي بإذن الله من (بلوغ المرام) حفظًا ودراسة، لكن المشكلة هي أن بعض الإخوان لا يصبر أو لا يستمر، فيتحمس الشهر الأول والشهر الثاني، وفي الشهر الثالث ينقطع، أو إذا استمر لا يراجع، فإذا بدأ في شهر محرم لا يجيء شهر رمضان إلا وقد نسي كل الأشهر السابقة، مثل الدروس العلمية الموجودة عندنا الآن، تجد أن الشباب يحضرون هذه الدروس وربما يقيد الواحد منهم كثيرًا من المعلومات التي يسمعها، فإذا خرج من المسجد نسي الدرس حتى يأتي الأسبوع القادم، فيأخذ المذكرة ويأتي مرة أخرى إلى الدرس، فبهذه الطريقة لن يستطيع الإنسان أن يؤصل نفسه علميًا.
فقد جاء أبو حنيفة إلى حماد بن أبي سليمان -وكان فقيهًا مشهورًا بالكوفة- فسأله عن طلب العلم، قال: احفظ كل يوم مسألة أو قال مسألتين أو ثلاث مسائل سيحصل لك بعد زمن علم كثير.
وصدق! فلو حفظت كل يوم مسألة فسيحصل لك بعد سنة أكثر من ثلاثمائة مسألة، وهذا ليس أمرًا هينًا، فإذا كان هذا خلال عشر سنوات فسيحصل لك ثلاثة آلاف وستمائة مسألة، فأهم شيء هو أن يكون ضبطك مستمرًا لمحفوظك ولمسائلك العلمية، ويكون في نفس الوقت عندك صبر وجلد، وتعود نفسك على ألا تسأم ولا تمل، فالسأم والملل لا يمكن أن يكونا رفيقين لطالب العلم، فإذا كان هناك سأم وملل فسينقطع الإنسان.
وبعض الناس تشغله الأمور، فمثلًا: يبدأ في درس فيسمع درسًا آخر فينصرف إليه، ثم يسمع عن درس ثالث فيترك هذا الدرس إلى ذاك الدرس، فتجد أنه في العام الواحد لديه ما لا يقل عن أربعة إلى خمسة دروس لكنه لم يكملها ولم يتمها، وحتى لو كان عنده أشرطة فما ضبطها ولا أتمها وهكذا، فبهذه الطريقة التي ذكرتها سيحصل الإنسان خيرًا كثيرًا وعلمًا كثيرًا بإذن الله تعالى.
[ ٦ / ٣ ]
من آداب طالب العلم: التحلي برونق العلم
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه (حلية طالب العلم) في فصل (آداب الطالب في نفسه): [الأدب السابع: التحلي برونق العلم، وحسن السمت، والهدي الصالح؛ من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.
فعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.
وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعان.
رواهما الخطيب في (الجامع)، وقال: يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس بالسخف، والضحك، والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح، والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه فما أوغر منه صدورًا، وجلب الشر فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة.
انتهى.
وقد قيل: من أكثر من شيء عرف به، فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية.
وعن الأحنف بن قيس قال: جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافًا فرجه وبطنه.
وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء: ومن تزين بما ليس فيه شانه الله.
وانظر شرحه لـ ابن القيم ﵀].
نعم، المقصود من هذا الأدب هو أن الإنسان مادام يطلب العلم فلابد أن يتحلى برونق العلم، فللعلم رونق خاص، ولأصحابه وصف خاص يتميزون به، فهم لا يتكلفون، لكنهم في نفس الوقت ليسوا مثل أصحاب الفسق أو أصحاب المجون الذين لا يضبطون كلامهم ولا يضبطون أخلاقياتهم فيما بينهم.
فكثير من الناس قد يتمازحون، لكن التمازح أنواع: فهناك مزاح لطيف يدخل السرور على قلب الإنسان ويحترم فيه الأخ أخاه، وهناك نوع آخر من المزاح يسيء فيه إلى الآخرين، ويكون فيه تبذل وسخف، ويكون فيه قلة أدب، ويكون فيه إساءة إلى الشخص نفسه، ولهذا كم من مزاح انتهى -والعياذ بالله- إلى مشكلات بين الإخوان والأصدقاء، فقد يكون المزاح في بعض الأحيان بالتعيير: إما بالقبائل، أو المناطق، أو بالأشكال، أو الأنساب أو بأي أمر من الأمور.
ولا شك أن لأهل العلم وطلاب العلم أخلاقيات خاصة من حيث الأدب، وحسن السمت مع الآخرين، والبعد عن جرح مشاعرهم، ولهذا فكثير من الناس قد يخرجون في سفر واحد مجموعة فيرجعون أفرادًا، يعني: يخرجون خمسة أشخاص أو عشرة أشخاص ثم يرجعون وكل واحد لوحده، أو كل اثنين مع بعض، والسبب أنه لا يحترم بعضهم بعضًا، ولا يقدر بضعهم بعضًا، أو يتجاوزون فيما بينهم فيما يتعلق بالمزاح حتى يصل إلى القطيعة والفرقة والعياذ بالله.
ولهذا على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على أن يتحلى برونق العلم، وأن يبتعد عن إحراج إخوانه، فبعض الأحيان قد يتكلم إنسان بكلام، ويكون في كلامه مدخل لإحراجه، فهنا يتميز المتحلي برونق العلم من الشخص الآخر السخيف الذي لا يهمه، فالمتحلي برونق العلم يبتعد عن إحراجه ويبتعد عن إزعاجه، وأما الإنسان الذي ليس فيه شيء من هذه الآداب فإنه سيحرجه، وربما تنقلب مثل هذه الإحراجات إلى سفه وتبذل في النطق ونحو ذلك، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: بعض الأحيان قد يحصل بين الإخوة اختلاف مثلًا في وجهات النظر، فيغضب أحدهم لرأيه، وهنا يبرز رونق العلم وأدب العلم، فإن الإنسان حتى ولو غضب لرأيه فلابد أن يضبط نفسه، وأن يستجيب للدعاء المشهور: اللهم إني أسألك قول كلمة الحق في الرضا والغضب، وبعض الناس يكون وضعه مختلفًا إذا كان راضيًا فتجد أنه من أحسن الناس أدبًا، ومن أحسن الناس ابتسامة، فإذا غضب انقلب تمامًا وأصبح شخصًا آخر، فيكون ممن إذا خاصم فجر، وإذا تكلم كذب، وإذا نطق أسف في النطق ونحو ذلك، وهذا لا شك أنه ليس من أخلاق وآداب طالب العلم، وإنما ينبغي لطالب العلم في أسوأ الحالات التي تمر عليه أن يضبط نفسه، وأن يتحلى بالآداب وحسن الأخلاق في التعامل مع إخوانه جميعًا.
[ ٦ / ٤ ]
من آداب طالب العلم: التحلي بالمروءة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأدب الثامن: تحل بالمروءة: التحلي بالمروءة، وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس، والأنفة من غير كبرياء، والعزة من غير جبروت، والشهامة في غير عصبية، والحمية في غير جاهلية.
وعليه تنكب خوارم المروءة في طبع أو قول أو عمل، من حرفة مهينة، أو خلة رديئة: كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين، وغشيان مواطن الريب].
المروءة: هي الخلق الذي يكون صاحبه متزنًا فيه بين الكبر والأنفة المبالغ فيها، وبين أن يكون الإنسان ذليلًا محتقرًا في مهنته، أو في تصرفه، أو في كلامه، أو في علاقاته أو نحو ذلك، فهنا لابد للإنسان أن يضبط تصرفاته، وأن يضبط أخلاقه بمقتضى الوسطية بعيدًا عن الكبر باسم الأنفة، وبعيدًا عن الإسفاف باسم التواضع، فكل هذه الصفات ليست من المروءة.
[ ٦ / ٥ ]
من آداب طالب العلم: التمتع بخصال الرجولة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأدب التاسع: التمتع بخصال الرجولة: تمتع بخصال الرجولة من الشجاعة، وشدة البأس في الحق، ومكارم الأخلاق، والبذل في سبيل المعروف حتى تنقطع دونك آمال الرجال.
وعليه فاحذر نواقضها من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم؛ فإنها تهضم العلم، وتقطع اللسان عن قولة الحق، وتأخذ بناصيته إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده].
المقصود بهذا الأدب هو أن الإنسان يحرص على أن يربي نفسه على أفضل كمالات الرجال: من الشجاعة، وقول الحق في مكانه مع الحكمة، وأيضًا البذل في المعروف، ونجدة المحتاج، ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة، ونحو ذلك من الصفات اللائقة، وعكس هذه الخصال فيه تشبه بالأنثى، فيكون الإنسان ضعيفًا رقيقًا، فيكون الإنسان ضعيف الجأش لا يستطيع أن يقول كلمة الحق، ويكون متنعمًا إلى درجة أنه لا يتخيل أن هذا النعيم يمكن أن يزول.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يروض نفسه على أسوأ المواقف، وأنتم تعلمون أن العالم مع الأسف يموج ويتغير، فكم من بلاد إسلامية وقعت عليها الحروب، وربما تقع على كثير من الناس في أماكن متعددة، فينبغي للإنسان أن يكون من الرجولة وأن يكون من رباطة الجأش والصدق والتعاون مع إخوانه المسلمين إلى أبعد درجة، وإلا فإنه سيطيش عقله ولا يدري ماذا سيصنع، ونسأل الله ﷿ أن يرفع ما بهذه الأمة من البلاء.
ونكتفي بهذا القدر!
[ ٦ / ٦ ]
إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى
وصلنا في الدرس الماضي إلى إثبات السمع والبصر لله تعالى، وبدأنا بقراءة النصوص الموجودة في (العقيدة الواسطية)؛ لأنها أشمل، وإلا فإن ابن تيمية ألف كتابه (الواسطية) بعد تأليف ابن قدامة (للمعة)؛ لأن ابن تيمية جاء بعد ابن قدامة، فـ ابن قدامة توفي في سنة ستمائة وعشرين، بينما توفي شيخ الإسلام في القرن الذي بعده في سنة سبعمائة وثمانية وعشرين، إذًا فمولد ابن تيمية كان بعد وفاة ابن قدامة بقرابة إحدى وأربعين سنة، فإن ابن تيمية ولد في سنة ستمائة وإحدى وستين وأربعين سنة.
قال ابن تيمية ﵀: [وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].
والصفات الموجودة هنا ثلاث صفات: الصفة الأولى: هي نفي مماثلة الله ﷿ للمخلوقين، وهذه الصفة من الصفات السلبية، وهي تتضمن كمال الضد، فالله ﷿ ليس له شبيه، وهو الكامل من كل وجه.
«وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ»، فيها إثبات السميع والبصير، وهما اسمان لله ﷿، وسبق أن ذكرنا قاعدة وهي: أن كل اسم من أسماء الله فإنه يتضمن صفة من صفاته، فالسميع يتضمن صفة السمع، والبصير يتضمن صفة البصر لله ﷾.
وقوله: [﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]]، وهذه مثل السابقة.
[ ٦ / ٧ ]
إثبات صفتي الإرادة والمشيئة لله تعالى
ومجموع الصفات التي ستأتي تتعلق بصفة الإرادة، وهي من الصفات الذاتية الثابتة لله ﷾.
قوله: [﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]] موطن الشاهد (ما شاء الله)، وفيها إثبات صفة المشيئة لله ﷾.
وقوله: [﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]]، فيها ذكر صفة المشيئة والإرادة، وهما بمعنى واحد.
وقوله: [﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]]، وهذه فيها إثبات صفة الإرادة لله ﷾.
وقوله: [﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]]، والإرادة عند العلماء تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وهي متوافقة مع معنى الخلق، وإرادة شرعية، وهي متوافقة مع معنى الأمر، وسيأتي الحديث مفصلًا عن الكلام في الإرادة الكونية والإرادة الشرعية في باب القدر بإذن الله تعالى؛ لتعلق هذه المسألة بباب القدر أكثر.
[ ٦ / ٨ ]
إثبات محبة الله ومودته لأوليائه
إثبات محبة الله ومودته لأوليائه: قال ﵀: [وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]]، فقوله: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» فيها إثبات صفة المحبة لله ﷿ وأن الله ﷿ يحِب ويحَب، فيحَب من العباد، ومحبته تكون لذاته وتكون لإحسانه، فهو ﷾ لكمال ذاته وكمال أوصافه وكمال أسمائه وكمال جلاله وعظمته يحب، وكذلك لكمال إحسانه وإنعامه وتدبيره لخلقه فهو يحب أيضًا، وهو كذلك ﷾ يُحب المحسنين، ويحب الصادقين، ويحب الصالحين، ويحب المؤمنين، ويحب أنبياءه ﷾، وهي من الصفات الفعلية التي يفعلها الله ﷿ متى شاء إذا شاء، في الوقت الذي يشاء ﷾.
قال ﵀: [وقال: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]].
فهنا جاءت المحبة من جهتين: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ» فالله ﷿ يحب، «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»، وهو يحب ﷾.
قال ﵀: [وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]].
وهذه واضحة في هذه المسألة، فيحبهم ويحبونه.
قال ﵀: [وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]].
[ ٦ / ٩ ]
إثبات صفة المغفرة والمودة
قال ﵀: [وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]]، فالغفور اسم لله ﷿ يتضمن صفة المغفرة، والمغفرة تدل على الرحمة وتدل على المحبة أيضًا، والودود يدل على صفة الود، والود من صفات الله ﷾، والود بمعنى المحبة.
ولهذا سمى السلف نفاة الصفات: غلاظ الأكباد؛ لأنهم ينفون صفة المحبة، فيقولون: إن الله ﷿ لا يحب ولا يحب، ويقولون: إن المحبة هي الإرادة، فيردون المحبة والصفات الاختيارية إلى الإرادة، فمثلًا: المحبة والغضب والرضا يقولون: هي إرادة الإحسان أو إرادة الانتقام، لكن المحبة كصفة لا يثبتونها لله ﷾، ويقولون: إنه لا يحب ولا يحَب، ويقولون: إن المحبة لا تتعلق به، فالمحبة هي تعلق القلب، ولا يصح أن تتعلق بالإله الخالق، فإن المحبة بمعنى الخضوع والتعبد.
وهذا فهم فاسد لأمرين: فهم فاسد للأسماء والصفات، وفهم فاسد للتأله والتعبد، فهم يفسرون الألوهية بمعنى الربوبية وينفون الصفات عن الله ﷿، ولهذا كما يقول ابن القيم ﵀: إنهم أغلقوا منافذ التعلق بالله ﷾ من جهة محبة العبد لربه، ومن جهة محبة الرب لعبده ﷾، مع أن هذه القضية صريحة في كتاب الله، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فأولوها بسبب الأصول العقلية التي سبق أن أشرنا إليها في دروس سابقة.
[ ٦ / ١٠ ]
إثبات اتصاف الله بالرحمة والمغفرة
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]]، والله اسم من أسمائه، وهو من أخص أسمائه ﷾، وقد سبق أن قلنا: إنه يتضمن صفة الإلهية، وقلنا: إن الإله بمعنى المعبود، وإنه فعال بمعنى مفعول.
والرحمن الرحيم من أسمائه ﷾، والرحمن يتضمن صفة الرحمة، وكذلك الرحيم يتضمن صفة الرحمة نفسها.
والفرق بين الرحمن الرحيم فيه خلاف كبير بين العلماء، ولعل أدق وأصح قول في التفريق بين الرحمن الرحيم هو قول ابن القيم ﵀ في (بدائع الفوائد)، فإنه حرر الفرق: بأن الرحمن صفة ذاتية في الله ﷾، والرحيم صفة فعلية تتعلق بالمخلوق، قال: ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، فوصفه بالرحمة المتعلقة بالمؤمنين، وهذه جهة فعلية، بينما لم يقل: رحمن بهم، وإنما يقال: رحيم بهم، وهذا تحرير جيد لـ ابن القيم ﵀.
ويقول: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، فيها إثبات صفة الرحمة، وإثبات صفة العلم.
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، ويقول: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
ومعنى: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» أنه كتبه بإرادته واختياره سبحانه، فهو قد أوجب على نفسه ذلك، وهذا إيجاب منه تعالى وليس إيجابًا من أحد من خلقه، فالمعتزلة يقولون بوجوب الأصلح على الله ﷿، يعني: أنه يجب على الله أن يعمل الأصلح للخلق، والأصلح للخلق في فهمهم هو اللطف كما يسمونه، وهو أن يجعل العبد في إمكانه أن يعمل الصالحات ولا يكتب عليه شيئًا، ويجعله يصنع فعله بنفسه أو على حد تعبيرهم يخلق فعله بنفسه، وسيأتي الحديث عن هذا الأمر مفصلًا بإذن الله تعالى في القدر إن شاء الله.
[ ٦ / ١١ ]
شبه أهل البدع في نفي صفة الرحمة
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، اسمان يتضمنان صفة المغفرة وصفة الرحمة، ويقول: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]، وصفة الرحمة أولها الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية إلى إرادة الإحسان، يقولون: هو ليس برحيم، ولهذا بعض الأحيان قد تجدون مفسرًا من المفسرين يأتي إلى بسم الله الرحمن الرحيم ويقول: الرحمن الرحيم من أسماء الله ﷿، ومعناها إرادة الإحسان، فهذا تأويل.
وهناك فرق بين التأويل وبين تفسير الصفة بلازمها، فالتأويل نفي وتفريغ للصفة من حقيقتها، وتفسير لها بردها إلى صفة أخرى، فردوا المحبة إلى الإرادة، وردوا الغضب إلى الإرادة، وردوا الرحمة إلى الإرادة، وردوا كل الصفات الاختيارية والفعلية إلى الإرادة، بينما التفسير بلازم الصفة هو أن يذكر مقتضى أو لازم من لوازم هذه الصفة دون أن ينفيها، مثل قول ابن عباس في الساق مثلًا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]: عن شدة وكرب، وصحيح أنه إذا كشف الساق حصلت الشدة والكرب، ولهذا إذا أمرهم الله ﷿ أن يسجدوا لا يستطيعون السجود، فهناك كرب حقيقي، لكن هل كلام ابن عباس يقتضي نفي الصفة؟ هذا الكلام من ابن عباس لا يقتضي نفي الصفة، وإنما هو تفسير للشيء بلازمه، وهذا ما يسمى في البلاغة بالكناية، ويقولون: إن الكناية لا تنفي الحقيقة بعكس المجاز، فالمجاز ينفي الحقيقة ويفسرها بمعنى آخر، فقولهم مثلًا: طويل العماد كثير الرماد، هو كناية عن الكرم، فإن الكريم يكون بيته ظاهرًا وواضحًا، والرماد عنده كثير من كثرة الضيوف الذين يأتونه، لكن ممكن أن تقول: الكريم الآن ليس عنده عماد، بل عنده بيت مبني مسلح، وتقول: وكذلك ليس عنده رماد؛ لأنه يسويها على بوتاجاز، فهي نار ليس لها ارتباط بالرماد، فيقولون: إن الكناية لا يلزم منها بالضرورة نفي الحقيقة.
[ ٦ / ١٢ ]
إثبات صفة الرضا والغضب والسخط والكره لله تعالى
ذكر رضا الله وغضبه وسخطه وكراهيته وأنه متصف بذلك: قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، فيه إثبات صفة الرضا لله، وفيه إثبات صفة الرضا للمخلوق، ورضا الله يختلف عن رضا المخلوق.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، سيأتي معنا الحديث والكلام في موضوع حكم القتل، وهل الإنسان إذا قتل مسلمًا متعمدًا يكون خالدًا مخلدًا في النار في باب الإيمان، وما يتعلق بالكلام حول الكبائر وتكفير أصحاب الكبائر، ومحل الشاهد هنا هو قوله: «وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، والغضب صفة من صفات الله ﷿، وقد فسرها أهل الكلام وأولوها بأنها إرادة الانتقام.
ويقول ﷾: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، ففيه إثبات السخط لله ﷿، وهو بمعنى الكره.
وقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] هذه الآية فيها إثبات صفتين: الصفة الأولى الغضب، وهي مأخوذة من قوله: «آسَفُونَا»، فالأسف هو الغضب، «انتَقَمْنَا مِنْهُمْ»، هذه صفة الانتقام، ولهذا تورط نفاة الصفات مع هذه الآية؛ لأنهم فسروا الغضب بالانتقام، وهنا جمع بين الصفة وبين ما فسروا بها، قال: «فَلَمَّا آسَفُونَا» يعني: أغضبونا «انتَقَمْنَا مِنْهُمْ»، فأصبح الانتقام مترتبًا على الغضب، فهو فعل مترتب على فعل وليسا شيئًا واحدًا، يعني: ليست صفة الغضب وصفة الانتقام بمعنى واحد؛ لأنهما لو كانتا بمعنى واحد لاكتفى بواحدة منهما، فلما جمع بينهما دل ذلك على أن هذه صفة وهذه صفة أخرى.
وأهل البدع دائمًا يتورطون، فقد جاء المعتزلة إلى أبي عمرو بن العلاء وهو من القراء المشهورين، فطلبوا منه أن يقرأ قول الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وينصب لفظ الجلالة: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)؛ حتى يكون الكلام من موسى، فقال: أرأيتم لو فعلت ذلك فما تفعلون بقول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟! فلن يستطيعوا أن يهربوا من هذه الآية.
يقول: لو أنني أنقذتكم من هذه الآية لتورطتم في الآية الأخرى، وكلاهما من القرآن وهي ملزمة لكم.
ونفي الصفات بنوه على أصول عقلية وليس هناك أي ارتباط بالنصوص الشرعية، لكن عندما يناقشون ويجادلون أهل السنة يضطرون إلى الاستدلال بالنصوص الشرعية، فيستدلون بآية الشورى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، فيقال لهم أكملوا، فيقولون: «وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ».
وكان عمرو بن عبيد من أزهد الناس فيما يتعلق بمتاع الدنيا، لكن الزهد الحقيقي هو زهد القلب، فقال: وددت أنني حككتها من المصحف، يعني قوله: «وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ»، ويتمنى أن يكتب مكانها: وهو العزيز الحكيم؛ لأن العزة والحكمة صفات ليست مرتبطة بما يزعمون من التشبيه؛ لأنها من الصفات التي يسمونها الصفات النفسية، فعزة الله لا ينكرها أحد، وكونه حكيمًا لا أحد يقول إنه ليس كذلك، لكن السمع والبصر هم يزعمون أن هذه تقتضي أن تكون جوارح لله ﷿ كما يعبرون، فقال: وددت أنني حككتها من المصحف، وهذا يدل على وجود الهوى عند هؤلاء! ويقول الله ﷿: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، وهذه فيه إثبات صفة الكره، ويقول: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]، والمقت هو الكره أيضًا.
[ ٦ / ١٣ ]
إثبات مجيء الله لفصل القضاء بين العباد
والمجيء والإتيان بمعنى واحد، يقول الله ﷿: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠].
ويقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] وهذا محل الشاهد، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨].
ويقول: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]، ففيه إثبات صفة المجيء.
ويقول: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] وهذه الآية وحدها لا تستقل بإثبات صفة المجيء والإتيان والنزول بالنسبة لله ﷿، فالتنزيل هنا مضاف إلى الملائكة، لكن لابد أن نربط بين هذه الآية وبين الآية الأولى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، فالظلل من الغمام في آية البقرة هي الغمام الموجودة في آية الفرقان.
ولهذا فالأدلة تنقسم إلى قسمين: دليل بسيط كما يسمونه أو دليل مفرد، ودليل مركب، والدليل البسيط أو الدليل المفرد هو أن يكون الدليل مستقلًا بالدلالة في ذاته، يعني: أن تأخذ الدلالة من الدليل لوحده دون أن يكون هناك ارتباط بأدلة أخرى، والدليل المركب: هو أن يكون الدليل لا يستقل بالاستدلال لوحده، لكن إذا ضممته بضميمة أخرى معه اتضح المقصود من ذلك.
قال الله ﷿: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] فهنا ثلاثة أشياء: تشقق السماء، والغمام، وتنزل الملائكة، وهي نفسها الموجودة في آية البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] وهذا يدل على أن الملائكة نزلت، ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] أي: انتهى الأمر، وانتهاء الأمر يكون بتشقق السماء كما هو معروف.
[ ٦ / ١٤ ]
إثبات صفة الوجه لله تعالى
يقول الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
فصفة الوجه ثابتة لله ﷾، وهو وجه يليق بجلاله، وأما أهل البدع فلم يثبتوا صفة الوجه لله تعالى، وقالوا: المقصود بالوجه هنا ذاته، فمعنى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] يعني: ويبقى ربك.
والحقيقة أنه لو كان هذا المعنى هو المراد لما كان للإضافة فائدة هنا، وهو قوله: وجه، فإضافة الوجه إلى الله ﷿ تدل على أن الوجه صفة وليست تكرارًا.
قوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وصف للوجه، وليس وصفًا للرب كما في الآية نفسها؛ لأنه لو كان وصفًا لكلمة (ربك)، لكان: ذي الجلال؛ لأن إعراب (الرب) هنا مضاف إليه، فيكون (ذي الجلال) وصفًا له، ويكون مجرورًا وعلامة الجر هي الياء لأنه من الأسماء الخمسة، لكنها وصف للوجه، (ويبقى وجه): فاعل مرفوع بالضمة، و(ذو) وصف له فيكون مرفوعًا، والأسماء الخمسة علامة رفعها الواو.
ويقول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
[ ٦ / ١٥ ]
إثبات صفة اليدين لله تعالى
يقول الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فيها إثبات صفة اليدين لله ﷿ وأنها مثناة.
ويقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
فوردت صفة اليد مضافة إلى الله ﷿ بصيغة المفرد، ووردت أيضًا بصيغة الجمع، لكن المفرد يحتمل معنى الجنس، وهو الكثرة، والجمع يحتمل معنى التكثير والتعظيم، لكن التثنية نص في العدد، فقوله: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» نص في أن لله ﷿ يدين.
وهناك نصوص كثيرة تبين بعض الأوصاف لبعض الصفات، مثل صفة الأخذ والعطاء، فهذه من صفات اليد، ومثل الكف والأصابع مضافة إلى صفة اليد، ومثل الخفض أيضًا والقبض والبسط، فيبسط يده بالليل، وكذلك الطي ونحو ذلك، فهذه كلها من صفات اليد الثابتة لله ﷿ التي لا تشبه أيدي المخلوقين بأي وجه من الوجوه.
[ ٦ / ١٦ ]
إثبات صفة العينين لله تعالى
إثبات العينين لله ﷿، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
صفة اليد لله ﷿ جاء فيها نص بالتثنية، لكن صفة العين وردت بصيغة الإفراد: «وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي»، وبصيغة الجمع: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا»، وقال: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، لكن التثنية للعينين ما هو دليلها؟ قال العلماء: الدليل هو الحديث الثابت في صحيح مسلم من قول النبي ﷺ: (إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور)، والعور في لغة العرب التي يتداولونها ويفهمون بها خطاب الشرع هو: الذي يكون له عينان إحداهما مفقوءة، فهذا الذي يفهمه العرب من لغتهم، فإذا كان الله ﷿ ليس بأعور إذًا فله عينان لا تشبه أعين المخلوقين؛ للقاعدة المشهورة التي عند أهل السنة التي تفرق بين الخالق والمخلوق.
إثبات السمع والبصر: وهذه سبق أن أخذناها فمن أسماء الله السميع البصير، وقد ذكر مجموعة من الآيات فيما يتعلق بإثبات صفة السمع والبصر.
[ ٦ / ١٧ ]
إثبات صفة المكر والكيد لله بمن يستحقها
ثم انتقل إلى إثبات المكر والكيد لله ﷿ على ما يليق بجلاله، وبالنسبة للصفات تنقسم إلى قسمين: صفات يمكن أن تنسب إلى الله ﷿ بدون قيد، وصفات تنسب إلى الله ﷿ بقيد، منها المكر والكيد، فالمكر والكيد يمكن أن يوصف الله ﷿ بهما بشرطين: الشرط الأول: أن يكون العبد قد مكر وكاد قبل ذلك، فيكون هذا من جنس الجزاء والعقوبة.
والأمر الثاني: أن يكون بأهله، أي: أن يكون بمن مكر، ولهذا تلاحظون أن الآيات الواردة في هذا الموضوع: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] وهكذا، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وسيأتي الإشارة لها في باب القدر فيما يتعلق بإضلال الله للعباد أو هدايته لهم بإذن الله تعالى.
قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]، والمحال بمعنى: المكر والكيد.
وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠]، فتلاحظون أن فعل العبد قبل ذلك.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، فهنا تلاحظون صفة المكر والكيد هي عبارة عن عقوبة على فعل سابق، ويكون المكر والكيد مذمومًا عندما يكون ابتداء، لكن عندما يكون جزاء على فعل العبد فإنه لا يكون من النقص بأي وجه من الوجوه.
[ ٦ / ١٨ ]
إثبات صفة العفو والمغفرة
ثم ذكر مجموعة من الصفات تتعلق بالعفو والمغفرة، يقول الله ﷿: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩].
وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢].
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، وقوله عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢].
ثم ذكر الاسم لله ﷿، وأن الاسم والصفة مصطلحات شرعية، فالله ﷿ له أسماء وله صفات، يقول الله ﷿: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٧٨] وهذا يدل على أن الأسماء من المصطلحات الشرعية؛ لأنها وردت في النصوص الشرعية.
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، وتلاحظون أن (ذي الجلال والإكرام) هنا تختلف عن السابق، فهنا وصف لقوله: (ربك)؛ لأنها جاءت مخفوضة بالياء.
[ ٦ / ١٩ ]
نفي المماثلة والمشابهة عن الله تعالى
وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، فهذه من الصفات السلبية التي تتضمن كمال الضد، يعني: هل تعلم له مثيلًا أسماؤه كأسمائه؟ ليس له سمي؛ لكمال أسمائه وكمال صفاته ﷾.
وقال: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
هذه الآيات كلها تتعلق بالصفات السلبية التي سبق أن أشرنا إلى قاعدة فيها وهي: أنها تتضمن كمال ضدها، فقوله: «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا» يعني: لا تجعلوا لله نظراء وأمثالًا؛ وذلك لكماله ﷾ من كل وجه، فهو لا مثيل له ولا ند له ولا شبه له ﷾.
وقوله: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ»، هذا جاء في سياق الذم، فجاء في سياق وصف الكفار، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فبين أن هؤلاء من أهل الذم.
[ ٦ / ٢٠ ]
نفي الشريك عن الله تعالى
ثم ذكر صفة نفي الشريك عن الله ﷿ في آيات طويلة، وهي تتضمن أن الله ﷿ ليس له شريك، كما أنها تدل على كمال ضدها، وهو أنه الواحد الأحد ﷾ في عبوديته، فهو المعبود وحده، وفي الربوبية فهو الرب وحده، وفي الأسماء والصفات فهو صاحب الأسماء الحسنى والصفات العليا وحده.
ثم ذكر مجموعة من الآيات فيما يتعلق بالاستواء على العرش، وهذه سيأتي الحديث عنها في باب العلو، وأردف أيضًا بمجموعة من الآيات في العلو، وهذه سنتكلم عنها في اللقاء القادم إن شاء الله.
ثم ذكر مجموعة من الصفات المتعلقة بالمعية، وموضوع المعية مرتبط بموضوع العلو، وسنناقشه في اللقاء القادم إن شاء الله.
ثم ذكر مجموعة من الآيات تتعلق بصفة الكلام لله ﷿ وسنتحدث عنها في اللقاء القادم إن شاء الله.
[ ٦ / ٢١ ]
شبه المتكلمين في رد حديث الآحاد وشروطهم في قبول المتواتر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم في سنة رسول الله ﷺ، فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه].
السنة مصدر من مصادر التشريع، وهي مستقلة بذاتها، فالسنة مصدر من مصادر الأحكام الشرعية: سواء في العقيدة أو في الأحكام، وهذا فيه رد على أهل الكلام المبتدعة الذين يقسمون السنة إلى متواتر وآحاد، فيقولون: الآحاد لا تقبل في باب العقائد؛ لأنها من الظنيات، والظنيات لا تقبل في العقيدة؛ لأن العقيدة قطعية، وهذا تعليل عقلي غير صحيح، فالنبي ﷺ أرسل بالتوحيد -وهو أساس العقيدة- أرسل إلى ملوك العالم أفرادًا، فأرسل إلى هرقل: عبد الله بن حذافة السهمي وأرسل إلى المقوقس: عمرو بن أمية الضمري، فهو أفراد، وأرسل إلى القبائل رسلًا أفرادًا، وأرسل معاذًا إلى اليمن من أجل أن يعلم الناس العقيدة والأحكام، وهو فرد واحد، ولهذا ففكرة أن العقيدة لا تؤخذ إلا من المتواتر هذه فكرية بدعية ضالة، والحقيقة يا إخوان أن المنهج الكلامي أخطر وأعمق بكثير مما نتصور، فقولهم لا يقف عند حد أن الأحاديث الآحاد لا تقبل في العقيدة فقط، بل هم في الحقيقة موقفهم من النصوص الشرعية موقف سلبي للغاية، فهم يقسمون النصوص إلى قسمين: نصوص متواترة، وهي التي ينقلها جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، ونصوص آحاد، وهي التي ينقلها فرد أو فردان أو ثلاثة أو أربعة، فيقولون: الآحاد هذه لا تقبل في العقيدة، إذًا فقد أخرجوا تقريبًا أكثر من ثمانية أعشار السنة، وقالوا: هذه لا تقبل في العقيدة؛ لأنها ظنية، ثم جاءوا إلى المتواتر، وهو النصوص القرآنية وبعض الأحاديث النبوية التي وردت متواترة، فهذه الأدلة المتواترة قد صارت من الأمور التي يحتج بها من حيث الثبوت، فجاءوا وقالوا: أما الدلالة فإنها ظنية لا تقبل إلا بتجاوز عشر عقبات وهي: ألا يكون هناك مجاز، وألا يكون هناك احتمال في النص، وأن يكون الموضوع نصًا وليس بظاهر، وقالوا: إنه لو وجد المعارض العقلي وحده لكان كافيًا في ردها، إذًا: ماذا يبقى من النصوص؟ فالآحاد لا تقبل لأنها ظنية من حيث الثبوت، والمتواتر أيضًا لا يقبل عندهم حتى يتجاوز عشر عقبات، فلا يمكن أن يخرجوا لنا نصًا واحدًا يتجاوز هذه العقبات التي ذكروها جميعًا، ويكفي المعارض العقلي وحده في ردها، وهذه من أخطر القضايا، ولهذا لما تكلم ابن القيم ﵀ في كتابه (الصواعق المرسلة في غزو الجهمية والمعطلة) ذكر أربعة أصول وسماها -بحسب تعبيره- طواغيت، قال: أربعة طواغيت نصبها أهل التأويل لدك معاقل الوحي، أي: من أجل ألا يكون هناك استدلال بالنصوص الشرعية، وأنا عندما أقول من أجل كذا فهم ليسوا جميعًا من المنافقين، فبعضهم وصل لهذه البدعة بسبب عدم دراسة العلم على أصوله الصحيحة، وبعض الأحيان لوجود أهواء، وبعض الأحيان قد يكون عند بعضهم تعبد وحسن قصد، لكن حسن قصده هذا لا ينفعه إذا كانت المقالة والفكرة التي جاء بها فكرة فاسدة معارضة للنصوص الشرعية، وبعضهم كان يقاتل النصارى ويرد عليهم ويواجه الباطنية.
والغزالي نفسه ﵀ من الذين كانوا يقولون بمثل هذه المقالات، وقد ألف (تهافت الفلاسفة) وألف (فضائح الباطنيين)، وكان له موقف شديد جدًا من هؤلاء، لكن هذه البدع عندما تنتشر ويتساهل فيها الخلق تغير أديان الناس، وتغير مقالات الناس، وتغير أفكار الناس، فهذا أبو حامد كما قلت إمام مشهور يقول عنه تلميذه أبو بكر ابن العربي يقول: دخل شيخنا الغزالي في بطن الفلاسفة ولم يخرج منه، يعني: دخل في جوف الفلاسفة فهمًا ودراسة فلم يخرج، يعني: خرج وهو متأثر، مع أنه كفر الفلاسفة، بسبب ثلاث مقالات كما سبق وأن أشرنا في الدرس الماضي.
والشاهد: أن الأربعة الطواغيت التي نصبها أهل التأويل لدك معاقل الوحي هي: أولًا: طاغوت أن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين.
والطاغوت الثاني: أن النقل لا يقبل إذا عارضه العقل.
والطاغوت الثالث: المجاز.
والطاغوت الرابع: هو أحاديث الآحاد لا تقبل في العقيدة.
[ ٦ / ٢٢ ]
إثبات صفة الفرح لله تعالى
وقد ساق ابن تيمية ﵀ مجموعة كبيرة من الأحاديث يمكن أن نشير إليها، فقال: [وما وصف الرسول به ربه ﷺ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك، فمن ذلك].
فبدأ بصفة النزول، وسيأتي الحديث عن صفة النزول بإذن الله تعالى، ثم قال: وقوله: (لله أشد فرحًا بتوبة عبد المؤمن التائب من أحدكم براحلته) متفق عليه]، فهذا في إثبات صفة الفرح لله ﷿ وأن الله يفرح، وقد وردت في بعض النصوص بصيغة البشبشة، وهي واردة في حديث صحيح عن النبي ﷺ وهي بمعنى الفرح، وقوله: (يضحك الله إلى رجلين) فيه إثبات صفة الضحك، (يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة)، وجاء في الصحيح تفسير لهذه الصورة: كيف يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة؟ فقال: (يسلم القاتل، ثم يقتل في سبيل الله فيلتقيان في الجنة).
وقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب)، وهذا حديث لقيط بن صبرة يحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية ويضعفه غيره من أهل العلم، وهو قابل للاجتهاد، وما ورد من الصفات في هذا الحديث فهو وارد في غيره من الأحاديث الصحيحة، والآيات الصريحة تدل عليه.
فقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) هذه في إثبات صفة العجب لله ﷿، وقال: (ينظر إليهم أزلين قنطين فيظل يضحك)، والضحك صفة لله ﷿ تليق بجلاله.
ومن النصوص قول النبي ﷺ: (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية: عليها قدمه- فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط)، ففيه إثبات صفة الرجل والقدم لله ﷾، ثم ذكر نصًا في صفة الكلام وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله.
ثم نقل مجموعة من النصوص في إثبات علو الله ﷿ على خلقه، ثم ناقش موضوع إثبات معية الله ﷾ لخلقه، وهذه سيأتي الكلام عليها، ثم ختم ذلك بمسألة الرؤية وسنناقشها في اللقاء القادم بإذن الله تعالى.
والآن يمكن أن نرجع إلى (لمعة الاعتقاد) ونقرأ ما فيه من النصوص الشرعية غير الصفات السابقات، وهي في الغالب نفس النصوص التي وردت تقريبًا في (العقيدة الواسطية) إلا صفة واحدة انفرد بها ابن قدامة ﵀ وهي صفة النفس، وسيأتي التعليق عليها في مكانها، وبقية الصفات: الكلام والنزول والعلو والمعية ورؤية الله ﷿ لخلقه سيأتي الحديث عنها في مكانها تفصيلًا بإذن الله تعالى، وأما ما يتعلق (بحائية ابن أبي داود) فهو اكتفى بالصفات المشهورة التي سيأتي التعليق عليها في اللقاء القادم بإذن الله، وسنقرأ الأبيات الواردة في هذا الموضوع ونعلق عليه في مكانه المناسب.
[ ٦ / ٢٣ ]
إثبات صفة النفس لله تعالى
قال المؤلف ﵀ في كتابه (لمعة الاعتقاد): [فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله ﷾: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]].
وهذه الآية فيها إثبات صفة النفس لله ﷿، وهي من الصفات التي ذكرها ابن قدامة ﵀ ولم يذكرها ابن تيمية في (العقيدة الواسطية)، وهذه الصفة وقع فيها خلاف بين العلماء، فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجمهور أهل العلم يرون أن معنى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أن النفس هنا بمعنى الذات، يعني: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، وأن نفس الله هو الله، ويرى بعض أهل العلم منهم البغوي وابن خزيمة رحمهما الله في (كتاب التوحيد) يرون أن النفس صفة مستقلة زائدة عن الذات مثل بقية الصفات الواردة في صفات الله ﷿.
والمسألة في الحقيقة من مسائل الاجتهاد ولا يترتب عليها كثير خلاف، وإن كان الرأي الصواب فيما أراه هو ما ذهب إليه ابن خزيمة ﵀؛ لأنه ورد في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)، فهذا يدل على المقابلة، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، المقابلة هنا تدل على أن النفس المقصود بها هنا ضد الظاهر، وأن النفس هنا صفة من صفات الله ﷿ تليق بجلاله وليست كصفات المخلوقين، هذا ما يبدو لي والله أعلم.
[ ٦ / ٢٤ ]
إثبات صفة النزول والمجيء لله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦]، وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦].
ومن السنة قول النبي ﷺ: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا)، وقوله: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)، وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة).
فهذا وما أشبهه مما صح سنده، وعدلت رواته نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهر، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فكل ما يتخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه].
إلى هنا ذكر الآيات والأحاديث التي سبق وأن علقنا عليها في (الواسطية)، وبقية الآيات والأحاديث تتعلق بصفة العلو الكلام والرؤية، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله في اللقاء القادم، نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع، والعمل الصالح، إنه على كل شيء قدير.
[ ٦ / ٢٥ ]
الأسئلة
[ ٦ / ٢٦ ]
مكر الله بالماكرين من عدل الله تعالى
السؤال
يقول الله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٥٤]، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، فهل تستطيع أن تقول إن من عدل الله أن يمكر بهم مكر عقوبة؟
الجواب
نعم، هذا من عدل الله ﷿ ومن كمال قدرته ﷾، وسيأتي الكلام على موضوع العدل في باب القدر.
[ ٦ / ٢٧ ]
سبب تسمية كتاب (التسعينية) لابن تيمية ومحتواه
السؤال
ما سبب تسمية كتاب (التسعينية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وما محتواه؟
الجواب
كتاب (التسعينية) لـ شيخ الإسلام سمي بالتسعينية لأنه رد على أهل الكلام في موضوع صفة الكلام لله ﷿ من تسعين وجهًا، فسمي التسعينية، فبعض كتب ابن تيمية يكون سبب تسميتها من هذه الناحية مثل (السبعينية)، فهذا رد فيه على ابن سبعين وهو من أئمة وفلاسفة الصوفية، وبعضهم يسمي هذا الكتاب (بغية المرتاد)، وهذا مثل (التسعينية) هذا؛ لأنه رد على أهل الكلام وأظنه في الرد على الباقلاني بشكل خاص، والباقلاني من علماء الأشاعرة، وله كتاب اسمه (الإنصاف)، أو رسالة تسمى الحرة، فكتاب (الإنصاف) هذا أطال النفس فيه في موضوع الكلام، فرد عليه ابن تيمية في (التسعينية)، و(التسعينية) هذا مطبوع ضمن (مجموع الفتاوى الكبرى) المطبوعة في خمس مجلدات، وما أظنه موجودًا في (مجموع فتاوى ابن تيمية) التي جمعها ابن قاسم، وإنما هو موجود في الفتاوى التي تسمى (الفتاوى المصرية) أو (الفتاوى الكبرى)، وهي خمسة مجلدات، وقد حققها محمد حسنين مخلوف، والمجلد الخامس هو كتاب (التسعينية)، وقد طبع مفردًا محققًا، ومحتواه سبق وأن أشرنا إليه.
[ ٦ / ٢٨ ]
حكم المساهمة في شركة الاتصالات
السؤال
ما حكم المساهمة في شركة الاتصالات مع بيان السبب إذا كان حرامًا؟
الجواب
الحقيقة أن أغلب معاملات شركة الاتصالات معاملات مباحة، كخدمة الهاتف، وخدمة الجوال، فهذه من المعاملات المباحة، لكن هناك معاملات محرمة هي التي جعلت كثيرًا من الناس يستشكل المسألة وتكون عنده مثار إشكال، وهي التي جعلت كثيرًا من الناس يتخوف منها، والحقيقة أنني لا أستطيع أن أقول إن الاكتتاب فيها لا يجوز أو إنه محرم، لكن في نفس الوقت الذي أراه أن الإنسان يبتعد عن الأمر الذي يشك فيه؛ لأن النبي ﷺ يقول: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، فهذا ما أختاره لنفسي، والأمر في هذه القضايا العامة لأهل الإفتاء المشهورين، مثل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ وغيره من أهل الإفتاء.
[ ٦ / ٢٩ ]
حكم الإطعام في كفارة اليمين من مال الوالد
السؤال
هل يجزئ في كفارة اليمين بالإطعام الأخذ من مال الوالد، علمًا بأني طالب، وهل أطعم أم أصوم؟
الجواب
حسب ما تملك، إذا كان الذي عندك من المال لا يمكن أن تطعم به، كما لو كان عندك مائة ريال من ملكك، وهذه المائة ليست من الضروريات التي عندك، مثل: ملبسك أو مشربك أو نحو ذلك، فإذا كنت تملك مائة ريال إضافية فتطعم أنت من نفسك، وإذا والدك تكفل بالإطعام عنك فهذا من الهبة التي تجوز أن يقبلها الإنسان من والده أو من غير والده، وأما إذا كان الإنسان لم يهبه والده شيئًا، أو ليس عنده مائة ريال يملكها فاضلة عن حاجته الضرورية، فحينئذ يصوم؛ لأنه لا يملك المبلغ الذي يمكن الإطعام به، لكن هل يطلب من أبيه أن يكفر يمينه؟ لا يحتاج أن يطلب منه، فإذا كان يملك فإنه يطعم، وإذا كان لا يملك فإنه يصوم، هذا هو الوارد في النص.
[ ٦ / ٣٠ ]
كيفية معرفة عبارات المفسرين من الأشاعرة
السؤال
كيف يمكننا أن نعرف عبارات المفسرين من الأشاعرة في كتب التفسير؟
الجواب
يمكن أن تعرفها من خلال معرفتك بإثبات الصفات، وعمومًا هناك رسالة اسمها (المفسرون بين النفي الإثبات لآيات الصفات) للمغراوي في مجلدين، لكن لا يعني هذا أنه إذا وجد هناك بعض كتب التفسير فيها بعض التأويل أن الإنسان لا يستفيد مما فيها من العلم، فهناك علم كثير وخير كثير فيها، وما فيها من مخالفة للحق يرده الإنسان، وما فيها من الخير يأخذه، فمثلًا: تفسير الجلالين، لو قال إنسان: أنا أريد أن أقرأ هذا التفسير، وجاءه شخص آخر وقال: هذا كتاب أشعري ويروي الإسرائيليات فلا تقرأه، فهذا خطأ؛ لأن هذا الكتاب مليء بالعلم، فما فيه من الخطأ مثل تأويل بعض الصفات مثلًا، أو الكلام في الإسرائيليات، فهذا لا يقبله الإنسان ويرد الكلام غير الصحيح، لكن ما فيه من الخير يمكن للإنسان أن يستفيد منه.
ولو أننا رددنا كل الكتب التي فيها أخطاء حتى ولو في مسائل العقيدة لرددنا ثلاثة أرباع أو نصف كتب أهل العلم، فإن بعضهم قد يتجاوز ويخطئ، وقد يكون شيوخه من الأشاعرة مثلًا فيتأثر بهم ويقع في خطأ، أو مثلًا قد يكون قلد مفسرًا آخر فوقع في الخطأ، والمهم هو ألا يقلد الإنسان المخطئ في خطئه، فنجتنب الكتب عندما يكون الكتاب متمحضًا للبدعة، وعندما يكون الكتاب كله للبدعة، مثل كتب الأشاعرة في العقيدة، أو مثل كتب الصوفية في السلوك، أو مثل كتب المعتزلة في العقيدة، فهذه نردها كلها، لكن عندما يكون الكتاب كتاب حديث، أو كتاب تفسير، أو كتاب أصول فقه، فالمتكلمون كتبوا في أصول الفقه، لكن العمود الفقري للكتاب هو أصول، ثم لوجود علم الكلام عندهم أدخلوه في كتب الأصول، فحشوا كتب الأصول بكثير من البدع، لكن هل نلغي هذه الكتب جميعًا؟ لا؛ لأن عمودها الفقري والأساسي هو أصول أو تفسير أو حديث أو فقه أو نحو ذلك، فنأخذ ما نستفيد منها، وأما ما فيها من الزغل والخطل فإننا نرده ولا نقبله.
[ ٦ / ٣١ ]
الضابط الزمني بين العمرتين
السؤال
ما هو الضابط بالزمن بين كل عمرة وأخرى؟
الجواب
ليس هناك ضابط زمني محدد، وروي عن أنس بن مالك: أنه كان إذا حمم رأسه أخذ عمرة، والمقصود بتحميم الرأس: أنه بدأ رأسه يسود من خروج الشعر، وليس المراد أن يكون أسود ويطول جدًا، لكن يكون هناك ما يحلقه، فمثلًا لو أن إنسانًا اعتمر الآن وقبل صلاة الفجر أخذ عمرة فهذا واضح أنه تصرف غير صحيح، وأنه لم يكن من فعل الصحابة رضوان الله عليهم، لكن لو إنسانًا اعتمر الآن وبعد أسبوع أخذ عمرة، أو بعد أسبوعين أخذ عمرة فليس في هذا مشكلة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (تابعوا بين الحج والعمرة)، ويقول: (والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما).
[ ٦ / ٣٢ ]
استخدام (ﷺ) و(﵁)
السؤال
كيف نستخدم (ﷺ) و(﵁)؟
الجواب
العرف الذي اشتهر عند أهل العلم، أن (﵁) تستخدم غالبًا لأصحاب النبي ﷺ، وأن (ﷺ) تستخدم للأنبياء وبالذات النبي ﷺ، لكن لو أن إنسانًا ذكر رجلًا فقال: صلى الله عليه، ولم يقصد تشبيهه بالأنبياء، فهذه ليس فيها إشكال؛ لأن النبي ﷺ يقول: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، فليس فيها إشكال إلا إذا قصد التشبيه.
[ ٦ / ٣٣ ]
انقسام العقيدة إلى علمية وعملية
السؤال
هل العقيدة تنقسم إلى قسمين: علمي وعملي؟
الجواب
نعم، العقيدة لها جوانب علمية نظرية مثل: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وهناك جانب عملي مثل: توحيد الألوهية، كالعبودية لله ﷿، وترك الشرك، وترك الكفر، وترك الطواف حول القبور، وترك تعظيم غير الله ﷿، والتحاكم إلى شرع الله، ومثل الأعمال القلبية كالمحبة والخشية والخوف والرجاء ونحو ذلك.
[ ٦ / ٣٤ ]