دروس في العقيدة [١١]
الشرك بالله تعالى دحض مزلة في الاعتقاد، ومنه الأكبر المخرج من الملة، ومنه الأصغر القادح في جناب التوحيد المتسبب في حصول الشرك الأكبر، والأصغر منه ما يكون في الألفاظ، ومنه ما يكون في الأفعال، ومنه ما يكون في الاعتقاد، وكل ذلك خطر على عقيدة المسلم، لا سيما الرياء الذي يخشى منه على المعاصي، ولخطر الشرك الأصغر عد خفيًا، ووجه النبي ﷺ أمته إلى استغفار الله مما عُلم المرء منه وما لم يعلم.
[ ١١ / ١ ]
الشرك الأصغر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد سبق الكلام -فيما مضى- على الشرك بالكهانة والشرك بالتنجيم، وعرفنا أن الكهانة التي يتصل صاحبها بالشياطين يفسق صاحبها، وكذلك التنجيم، وعرفنا أن التنجيم المحرم هو علم التأثير، وأما علم التسيير فجائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب، وهل تدخل معرفة وقت الكسوف والخسوف للشمس والقمر في المنهي عنه أم لا؟ الصواب أن كسوف الشمس والقمر يعرف بالحساب، وأن ذلك ليس من ادعاء علم الغيب، فالكسوف والخسوف كل منهما له سببان: سبب شرعي، وسبب حسي، فالسبب الشرعي هو ما جاءت به النصوص، كقوله ﷺ: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فاسعوا إلى الصلاة)، وفي لفظ: (يخوِّف الله بهما عباده)، فالسبب هو تخويف الله لعباده، ولهذا جاءت الأحاديث بالأمر بالاستغفار والصدقة والعتق والتوبة.
والسبب الثاني: سبب حسي، وهو إدراك ذلك بالحساب، فإذا كان الحاسب متقنًا فإنه يستطيع أن يدرك ذلك، وإذا لم يكن متقنًا في الحساب فإنه يخطئ.
فالمقصود أن معرفة الكسوف والخسوف ليست من دعوى علم الغيب، فذلك يدرك بالحساب.
وقد سبق الكلام على الشرك الأكبر بأنواعه، والشرك في اللغة معناه: القسْم والنصيب، ومنه قول النبي ﷺ: (من أعتق شركًا له في عبد قُوِّم عليه)، أي: نصيبًا وقسمًا وجزءًا.
والمراد بالشرك الأصغر: ما ورد من الذنوب تسميته شركًا ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، أي أنه ليس شركًا في العبادة، ولا ناقضًا من نواقض الإسلام، فإذا كان شركًا في العبادة فهو شرك أكبر، أما إذا كان من الذنوب التي سماها الشارع شركًا ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر -بأن لم يكن شركًا في العبادة، ولا ناقضًا من نواقض الإسلام- فإنه يكون شركًا أصغر.
والشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو أكبر من الكبائر؛ لأن الشرك الأكبر يتعلق بالقلوب وصرفها عن الله، بخلاف الكبائر؛ فإنها طاعة للهوى والشيطان، فلذلك كان الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
[ ١١ / ٢ ]
أنواع الشرك الأصغر
[ ١١ / ٣ ]
شرك الألفاظ والأقوال
والشرك الأصغر يكون في الألفاظ والأقوال ويكون في الأعمال، ويكون في الاعتقاد، ولكل واحد من هذه الأنواع أمثلة.
فمن أمثلة الشرك في الألفاظ والأقوال: الحلف بغير الله، وذلك كأن يقول: وحياتِه، فيحلف بحياته، أو وحياةِ فلان، أو أن يقول: والنبي، أو يحلف بالأمانةِ، أو بالكعبةِ، أو يقول: بأبيك، أو بشرفك، أو بلحيتك، وما أشبه ذلك، فهذا من الشرك الأصغر الذي هو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، فإذا حلف بغير الله فهو مشرك شركًا أصغر، وقد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد أن المحلوف به يستحق من التعظيم كما يستحق الله، أو أنه يستحق شيئًا من العبادة، فإنه يكون شركًا أكبر بهذا الاعتقاد، وإلا فالأصل أنه شرك أصغر.
ومن أمثلة الشرك في الألفاظ والأقوال: التسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة، كأن يقول: ما شاء الله وشئت، فهذا تسوية بين الخالق والمخلوق، وهو من الشرك الأصغر؛ لأن الواو تكون لمطلق الجمع وللتشريك والتسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، والتسوية بين الخالق والمخلوق شرك، فإن كان في الأصغر فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر، ومن الشرك الأكبر التسوية بين الخالق والمخلوق في المحبة والتعظيم والخشية والإجلال والطاعة، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، فالتسوية بين الخالق والمخلوق في المحبة والعبادة شرك أكبر، والتسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة شرك أصغر، كأن يقول: ما شاء الله وشئت.
فقد سوى بين الخالق والمخلوق في المشيئة.
وثبت أن رجلًا قال للنبي ﷺ: (ما شاء الله وشئت.
فقال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده)، فقوله: (أجعلتني لله ندًا؟!) من التنديد الأصغر، فالتنديد يكون أكبر ويكون أصغر، فالأكبر يكون في العبادة، والتنديد الأصغر كالتشريك والتسوية في المشيئة.
وأما إذا أتى بكلمة (ثُمَّ) وقال: ما شاء الله ثم شئتَ؛ فهذا لا بأس به؛ لأن (ثُمَّ) تفيد العطف بتراخي ومهلة، فالمعطوف بـ (ثم) يأتي بعد المعطوف عليه بمهملة وتراخ، ولا تفيد التشريك والتسوية، فلذلك يجوز أن تقول: ما شاء الله ثم شئتَ.
وقد ثبت في الحديث عن قتيلة: (أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون: والكعبة، وتقولون: ما شاء الله وشئتَ، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت)، رواه النسائي بإسناد صحيح.
وعلى هذا فتكون الحالات ثلاث: الحالة الأولى: أن يقول: ما شاء الله وشئتَ، وهذا ممنوع، وهو شرك أصغر.
الحالة الثانية: أن يقول: ما شاء الله ثم شئت، فهذا جائز.
الحالة الثالثة: أن يقول: ما شاء الله وحده، وهذا هو الأكمل والأفضل.
ومن الشرك الأصغر أن يقول: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وأنا متوكل على الله وعليك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ولولا أنت لم يكن كذا، فكل هذه الألفاظ من الشرك الأصغر؛ لما فيها من التشريك بين الخالق والمخلوق والتسوية بينهما بالعطف بالواو، وهذا ممنوع، فإذا قلتَ: هذا من الله ثم منك، فلا بأس، وكذلك: أنا بالله ثم بك؛ لأن (ثم) للعطف، والمعطوف بعدها يأتي بتراخ ومهلة، وكذلك لو قلت: لولا الله ثم أنت، فذلك لا بأس به، وأما: أنا متوكل على الله ثم عليك فلا يجوز؛ لأن التوكل في الأسباب الظاهرة من الشرك الأصغر، وكذلك الحسْب، كأن تقول: أنا في حسب الله ثم في حسبك، فالحسب والكفاية خاصان بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فالحسب والتوكل خاصان بالله تعالى.
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] قال: الأنداد هو الشرك، وهو أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك -يا فلان- وحياتي، وتقول: لولا كلية هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، فهذا كله به شرك.
رواه ابن أبي حاتم.
فهذا من ابن عباس ﵄ تفسير للأنداد في الآية، والتنديد ينقسم إلى قسمين: تنديد أكبر وتنديد أصغر، فهذا من التنديد الأصغر، وهو من الشرك الأصغر.
يقول ابن عباس ﵄: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل.
فهل يسمع الإنسان أو يرى دبيب النملة السوداء التي تمشي على صخرة ملساء في ظلمة الليل؟! فالشرك أخفى من دبيب النملة على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو مثل أن تقول: والله وحياتك -يا فلان- وحياتي، وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، فتسند هذا إلى السبب، لكن لو قلت: لولا الله ثم كلبة هذا، ولولا الله ثم البط في الدار لأتانا اللصوص، جاز.
وقد ثبت في سنن ابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها أنه قال: (رأيت -يعني: في المنام- كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، فقالوا: لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
ثم مررت على نفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، فقالوا: لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: هل أخبرت بها أحدًا؟ قلت: نعم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد)، وجاء في بعض الروايات أن الذي منعه عن أن ينهاهم أن يقولوا: (ما شاء الله وشاء محمد) هو الحياء، وهذا قبل أن يوحى إليه بالنهي، فلما أوحي إليه لم يمنعه شيء ﵊، بل نهاهم عن أن يقولوا ذلك، وقد كانت هذه الرؤيا سببًا في النهي، وقد كان الناس في أول الإسلام يقولون: ما شاء الله وشئت، وما شاء الله وشاء محمد، ثم مُنعوا من ذلك.
وجاء -أيضًا- عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان)، فدل هذا على أنه إذا أتى بالعطف بـ (ثم) فلا بأس به.
وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوَّز أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، وقال: قولوا: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
فهذه النصوص كلها تدل على أنه لا يجوز الحلف بغير الله، وأنه من الشرك الأصغر، ولا تجوز التسوية بين الخالق والمخلوق بالواو في المشيئة، لكن إذا كان العطف بـ (ثم) فلا بأس به.
ومن الشرك في الألفاظ والأقوال أن يقول: مُطرنا بنجم كذا، أو بنوء كذا، معتقدًا أن المنزِّل للمطر هو الله والنجم سبب في نزول المطر، أو أنه ليس بسبب ولكن يعتقد أن الله أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، فهذا من الشرك الأصغر إن كان يعتقد أنه سبب؛ لأن الله لم يجعل النجم سببًا في نزول المطر، وإن كان لا يعتقد أنه سبب ولكن يقول: إن الله أجرى العادة بنزول المطر عند سقوط ذلك النجم؛ فهذا أيضًا من الشرك الأصغر على الصحيح؛ لأنه نسب ما هو من فعل الله الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخر -وهو النجم- لا يضر ولا ينفع، ولو كان لا يعتقد أنه سبب؛ لأنه نسب ذلك إلى النجم، ولو على سبيل المجاز، فيمنع من ذلك حماية لجناب التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، ولو كان بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها صاحبها، فيمنع، فيكون كقوله: ما شاء الله وشئت.
وإذا كان يعتقد أن النجم له تأثير في إنزال المطر فهذا شرك أكبر، وأما إذا قال: مُطرنا في نجم كذا فلا بأس بذلك، والمراد: في وقت كذا، أي: في وقت الربيع، أو في وقت الخريف، أو في وقت طلوع النجم الفلاني، وعلى هذا تكون الحالات ثلاث في هذا الأمر:- الحالة الأولى: أن يقول: مُطرنا بنجم كذا، معتقدًا أن للنجم تأثيرًا في إنزال المطر، فهذا شرك أكبر في الربوبية؛ لأنه جعل النجم مؤثرًا ومدبرًا، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، نعوذ بالله من ذلك.
الحالة الثانية: أن يقول: مُطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا، معتقدًا أن مُنزل المطر هو الله، وأن النجم سبب، أو أنه ليس بسبب ولكن الله أجرى العادة في نزول المطر عند سقوط ذلك النجم، وهذا شرك أصغر لا يجوز؛ لأن الله لم يجعل النجم سببًا في نزول المطر، بل ولو لم يعتقد أنه سبب؛ لأن قوله: إن الله أجرى العادة بنزول المطر عند سقوط ذلك النجم، ثم قوله: مطرنا بنجم كذا موهم أنه يجعله سببًا، فيُمنع؛ سدًا لذريعة الشرك، وحماية للتوحيد.
الحالة الثالثة: أن يقول: مُطرنا في نجم كذا، وهذا جائز لا بأس به.
ومن الشرك في الأقوال أيضًا: التسميع، كأن يحسن صوته بالقراءة تسميعًا للناس، فهذا من الشرك في الألفاظ وإن كان من الرياء في الأقوال، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو يدعو إلى الله مراءاة للناس وتسميعًا لهم، فهذا من الرياء في الأقوال، وقد جاء في الحديث: (
[ ١١ / ٤ ]
شرك الأعمال
النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في العمل، وهو أن يرائي بعمله، أو يحسن عمله من أجل الناس، أو يعمل العمل لأجل الدنيا، أو لأجل حظ نفسه، أو يتصنع للخلق مراءاة لهم بعمله، فيحسن صلاته إذا رأى رجلًا ينظر إليه، فتجده يتصنّع للخلق ولا يخلص لله في العبادة، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ويعمل لله تارة، ويعمل لأجل الدنيا تارة، فلله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، وهذا الشرك شرك أصغر، فإذا كان خاطرًا وطرده ودفعه فإنه لا يضره، وأما إذا استرسل فيه إلى نهاية العمل فإنه يُخشى أن يحبط العمل الذي وقع فيه.
فالشرك في الأعمال كالرياء، والتصنع للخلق، وعدم الإخلاص لله في العبادة، فيعمل العمل لله تارة، وتارة يعمله لأجل حظ نفسه حتى يمدح ويثنى عليه، وتارة يعمله لأجل الدنيا.
وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
وفي حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، فسئل عنه فقال: الرياء، يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه)، رواه الإمام أحمد.
وروى الطبراني والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، الرياء، إذا كان يوم القيامة وجازى الله الناس في أعمالهم قال للمرائين: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!) أو كما جاء عن النبي ﷺ.
وفي حديث أبي سعيد السابق أن النبي ﷺ قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء)، ففي هذا الحديث كان يخاطب الصحابة، فإذا كان يخشى الرياء على الصحابة مع علمه بفضلهم فغيرهم من باب أولى، ولهذا قال العلماء: إن الرياء يخشى على الصالحين أكثر من غيرهم، فلا يخشى على الفساق؛ لأن الغالب أن الفساق والعصاة لا يراءون، لكن الرياء إنما يقع في قلوب الصالحين، فيراءون بأعمالهم، ويحسنون أصواتهم في القراءة، أو يدعون إلى الله، أو يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مراءاة للناس حتى يمدحوهم ويثنوا عليهم، فيقال: فلان مستقيم يدعو إلى الله، فهذا يقع في القلوب، فلابد من أن يجاهد الإنسان نفسه، ويستعيذ بالله من الشيطان، ويطرد هذه الخواطر الرذيلة، وليعلم أن الناس لا ينفعونه ولا يضرونه.
ومن الشرك في العمل: التوكل على غير الله في الأسباب الظاهرة، وأما إذا توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وذلك كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت؛ لحصول مطالبهم من نصر أو رزق أو شفاعة، فهذا شرك أكبر، لكن إذا توكل على غير الله في الأسباب الظاهرة -كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق، أو دفع أذى- فهذا نوع من الشرك الأصغر؛ لما فيه من ميل القلب إلى غير الله، فيجب أن تعلق القلوب بالله، ولا يجوز للإنسان أن يميل بقلبه إلى غير الله ﷿.
والتوكل يجمع شيئين: الأول: الأخذ بالأسباب، والثاني: تفويض الأمور إلى الله، والاعتماد بالقلب على الله في حصول النتيجة، وهذه من أعمال القلوب، أعني تفويض الأمر والاعتماد على الله، وأما فعل الأسباب الحسية فمن أعمال الجوارح، ولهذا كان التوكل على غير الله داخلًا في شرك العمل؛ لأن الأسباب هنا من أعمال الجوارح، وتفويض الأمر إلى الله والاعتماد عليه في حصول النتيجة من أعمال القلوب، فإذا توكل في الأسباب الظاهرة فهو شرك أصغر؛ لما فيه من ميل القلب إلى غير الله، وأما إذا وكل شخصًا نيابة عنه فهذه وكالة جائزة، وبعض الناس حين يوكل يقول: توكلت عليك -يا فلان- في كذا، وهذا خطأ، بل عليه أن يقول: وكّلتك، ولا يقل: توكلت عليك، وإنما يقول: وكلتك هذه النيابة والوكالة، لكن ليس معنى ذلك أن يعتمد على موكله في حصول ما وكله فيه، بل عليه أن يعتمد على الله في توكيل أمره الذي يطلبه بنفسه أو يطلبه بوكيله، فالاعتماد والتوكل هو على الله، وأما الوكالة فهي من جملة الأسباب التي يفعلها الإنسان ولا يعتمد عليها، فلا يعتمد على السبب، بل يعتمد على المسبب، وهو الله الذي بيده السبب والوكالة ﷾، وكذلك على الوكيل أن يعتمد على الله في تيسير أمره الذي يطلبه لنفسه أو لموكله؛ لأن الوكالة سبب، ولا يجوز الاعتماد على السبب، وإنما يكون الاعتماد على الله ﷾ الذي بيده السبب والمسبَّب.
[ ١١ / ٥ ]
شرك الاعتقاد
النوع الثالث من الشرك الأصغر: الشرك في الاعتقاد، ومن أمثلة هذا: لبس الحلقة والخيط، ومن أمثلته: تعليق التمائم، ومن أمثلته التولة، والتطير والطيرة، فهذه كلها من أنواع الشرك الأصغر، وهذا إذا اعتقد أنها سبب ووسيلة لحفظه كما هو الغالب على من يفعل ذلك، وأن الأمر بيد الله تعالى، وأما إذا اعتقد أن الحلقة أو الخيط أو التميمة تؤثر بذاتها وبنفسها، وتجلب له نفعًا أو تدفع عنه ضرًا فهذا شرك أكبر.
وأما إذا اعتقد أن النافع والضار هو الله، وأن هذه الحلقة أو الخيط أو التميمة سبب ووسيلة لحفظه فهذا شرك أصغر؛ لأنها لم يجعلها الله سببًا، فالسبب الشرعي هو الرقية الشرعية والتعوذات والأدعية وسؤال الله ودعاؤه بأسمائه وصفاته، وأما الخيط والحلقة والتميمة فكل هذه ليست أسبابًا، فلم يجعلها الله أسبابًا، بل هي محرمة.
وقد ثبت في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ﵀ بسند لا بأس به عن عمران بن حصين ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر -أي: من نحاس- فقال: ما هذا؟! قال: من الواهنة.
قال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنًا؛ فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا)، والواهنة: مرض يأخذ في العضد أو في المنكب، فهذا الرجل وجد النبي ﷺ في عضده حلقة من صفر -أي: من نحاس- فقال له: ما هذا؟ لماذا وضعتها؟! فقال: وضعتها لأجل الواهنة، أي: لأجل مرض الواهنة، يعني أنها وسيلة وسبب في الشفاء من هذا المرض، فقال النبي ﷺ: (انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنًا -أي: ضعفًا-، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا).
وقد ثبت عن حذيفة ﵁كما رواه ابن أبي حاتم -: أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحمى -أي: وضعه من أجل الحمى-، فقطعه حذيفة ﵁ وتلا قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فقطعه حذيفة إنكارًا لهذا من المنكر، وفي هذا دليل على أن للإنسان أن ينكر المنكر باليد إذا كان قادرًا على ذلك ولم يترتب على ذلك مفسدة أكبر من المنكر الذي أنكره، فإن عجز أنكره باللسان، وإن عجز أنكره بالقلب، كما ثبت في حديث أبي سعيد الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فـ حذيفة كان مستطيعًا على الإنكار باليد فأنكر وقطع الخيط، وتلا قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، وهذه الآية نزلت في الشرك الأكبر، وإيمانهم بالله هنا هو إقرارهم بتوحيد الربوبية، والشرك هنا هو الشرك في العبادة، وقد استدل حذيفة بهذه الآية على دخول الشرك الأصغر في عموم الشرك، وفيه دليل على أن الصحابة كانوا يستدلون على الشرك الأصغر بما نزل في الشرك الأكبر؛ لدخوله في عمومه.
ومن أمثلة ذلك: تعليق الأوتار على الدواب؛ لدفع العين، فهذا لا يجوز؛ لأنه من الشرك الأصغر.
وثبت في الصحيح عن أبي البشير الأنصاري ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولًا: ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت)، وهذا إذا وضعها من أجل العين، وأما إذا جعلها في رقبة البعير أو الدابة لأجل الزينة والجمال، أو لأجل أن يقودها بها فهذا ليس من الشرك ولا بأس به، لكن إذا وضعها من أجل اتقاء العين ودفع العين فهذا من الشرك.
ومن ذلك التمائم التي تعلق في رقبة الإنسان، وأصل التميمة خرزات يعلقونها على الأطفال لدفع العين أو اتقاء العين، وهذا الذي يعلقونه قد يكون من الخرزات، وقد يكون من الحروز أو الحجب، وقد يكون من شعر الذئب أو غيره، فالتميمة التي تعلق لأجل دفع العين هي كل شيء يعلق في رقبة طفل، أو رجل، أو امرأة لأجل دفع العين وهي من الشرك، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، وقال ﵊: (من تعلّق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلّق وَدَعة فلا ودع الله عليه)، وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)، فهذا دعاء من النبي ﷺ على من علق تميمة بأن الله لا يتم له أموره، (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله عليه) أي: لا جعله في دعة وراحة وسكون، والودَع: شيء يستخرج من البحر يشبه الصدف يعلقونه اتقاء العين، وقد تكون التميمة التي تعلق حرزًا كُتب فيه آيات من القرآن، وقد تكون من غيره، فإذا كان الحجاب أو الحرز أو التميمة التي تعلق فيها آيات من القرآن، أو تعوذات شرعية وأدعية لا محظور فيها فهذه قد أجازها بعض العلماء ورخص فيها، وقالوا: إنها آيات من القرآن، أو أدعية شرعية، فهي تعوذات شرعية، ويروى هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما نقل عن عائشة ﵂.
والقول الثاني: المنع من تعليق التميمة ولو كانت من القرآن، وهذا هو ما روي عن عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة، وهو مذهب الجماهير، وهو الصواب، فيمنع تعليق التميمة -وهي الحرز والحجاب- ولو كانت من القرآن أو من الأدعية الشرعية؛ لأمور ثلاثة: الأمر الأول: أن النصوص عامة ولم تخصص، قال النبي ﷺ: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) ولم يُخص من ذلك شيء، بخلاف الرقى والتعوذات الشرعية، فإنه قد جاء فيها التخصيص، حيث جاء في الحديث الآخر: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا)، وفي الحديث الآخر: (لا رقية إلا من عين أو حُمة)، فدل ذلك على أن الرقية إذا لم يكن فيها محظور من شرك، وكانت بلسان عربي، واعُتقد أن الشافي هو الله فلا بأس بها، وأما إذا كانت من الشركيات، أو كانت مجهولة فهذه ممنوعة، بخلاف التمائم، فلم يأت ما يخصصها، فدل ذلك على أن التمائم ممنوعة مطلقة، سواء أكانت من القرآن أم من غير القرآن؛ لأن النصوص عامة.
والأمر الثاني: أن إباحة وإجازة تعليق التميمة من القرآن وسيلة وذريعة إلى تعليق التميمة من غير القرآن ومن الأدعية الشرعية، فالناس لا يقفون عند حد.
والأمر الثالث: أن تعليق التميمة من القرآن أو من الأدعية النبوية وسيلة إلى امتهانها، فقد يدخل بها الحمام ومكان قضاء الحاجة، وهي آيات من القرآن، وفيها اسم الله، وفيها أدعية شرعية، فيكون ممتهنًا لها بذلك، فالصواب هو المنع من تعليق التميمة مطلقًا، ويجب أن تعلق القلوب بالله ﷿ ولا تتعلق بغيره.
وقد جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن.
يعني: كان أصحاب عبد الله بن مسعود يكرهون التمائم، أي: كراهة التحريم.
وجاء عن سعيد بن جبير ﵀ أنه قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة.
يعني: من وجد إنسانًا قد علق تميمة في عنقه ثم قطعها كان أجره كمن أعتق رقبة، والصواب أن من قطع تميمة من إنسان أفضل ممن أعتق رقبة؛ لأن من قطع تميمة من إنسان فقد أعتقه من الشرك، وأما إذا أعتق رقبة فقد أخرجها من الرق، وإعتاق الإنسان من الشرك أفضل من إعتاقه من الرق.
وأما التِوَلة فهي شيء يصنعونه ويزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته، فهذا من الشرك الأصغر إذا اعتقد الإنسان أنه سبب، وأما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر، يقول النبي ﷺ: (إن الرقى والتمائم والتِوَلة شرك)، فهو من الشرك الأصغر إذا كان يعتقد أنه سبب في جلب المحبة، فيحبب المرأة إلى زوجها، ويحبب الزوج إلى امرأته، فهذا من الشرك ولا يجوز استعماله، وهذا إذا اعتقد أنه وسيلة وسبب، وأما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر، فلا يجوز للإنسان أن يعلق التميمة، ولا أن يستعمل التولة، ولا أن يلبس حلقة أو خيطًا لأجل رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه قبل نزوله، فيعتقد أنه سبب في رفع البلاء، فبعض الناس يلبس حلقة أو خيطًا ويعتقد أنها سبب في رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه قبل نزوله، وهذا غلط، فليست الحلقة والخيط سببًا، وهذا شرك أصغر إذا اعتقد أن ذلك سبب، أما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر.
ومن الشرك في الاعتقاد: الطِّيَرة والتطير، والطيرة: اسم مصدر لـ (تطير يتطير تطيرًا)، فالتطير مصدر، والطيرة اسم مصدر، مثل: تخير يتخير خيرة، والطيرة: هي التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، أو التشاؤم بالأشخاص أو البقاع أو الأمكنة، فكل هذا من التطير المذموم، وهو من عمل أهل الجاهلية المشركين، قال تعالى عن آل فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٣١] أي: إذا أصابتهم حسنة من خصب وسعة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابتهم سيئة من جدب وقحط قالوا: هذا بسبب موسى ومن معه، فقد أصابنا هذا بشؤمهم، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٣١].
وقال عن أصحاب القرية لما جاءتهم الرسل: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٨ - ١٩] أي: أمن أجل أن ذكرناكم ووعظناكم تطيرتم بنا؟! بل أنتم قوم مسرفون، فالطيرة من عمل أهل الجاهلية، ومن عمل أهل الشر
[ ١١ / ٦ ]
الأسئلة
[ ١١ / ٧ ]
حكم نداء الواعظ أبطال الإسلام السابقين
السؤال
هل من الشرك قول الشخص: أين أنت يا سعد بن معاذ، وأين غيرتك من حال المسلمين اليوم؟ أو يقول: أين أنت -يا عمر - من حال المسلمين اليوم؟ أو: أين أنت -يا خالد - من حال المسلمين اليوم؟
الجواب
الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا قالها على سبيل التوجع لا على سبيل النداء، فيتوجع ويتمنى أن يكون في الأمة من الخيار كهؤلاء الصحابة فإنه لا بأس به، وأما إذا كان يناديهم ويدعوهم بقصد الاستغاثة بهم فهذا شرك، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن مقصوده التوجع على حال المسلمين، والتمني أن يكون في المسلمين مثل هؤلاء الأخيار الذين يقومون لله، ويجاهدون في سبيل الله، فإذا كان مقصوده التوجع والتمني فلا يظهر لي أن هذا فيه محظور، وأما إذا ناداهم ودعاهم من دون الله فهذا شرك.
[ ١١ / ٨ ]
حكم تعليق ما يعتقد فيه الحفظ للسيارة والربح في البيع ونحوهما
السؤال
يوجد في الأسواق صندوق صغير يباع، وهذا الصندوق شكله جميل وهو مزخرف، ويعلق في مرآة السيارة الوسطى، وفي هذا الصندوق كتيب صغير مكتوب على غلافه: الحصن الحصين من كلام رب العالمين، وفي أول الكتاب آيات قرآنية، وفيه أن من علق هذا الصندوق في سيارته فلن يحصل له حادث، ومن علقه في بقالته فسوف يكثر عنده المشترون، وفي آخر الكتيب مربع صغير فيه رموز وطلاسم، فما حكم استعمال هذا الصندوق؟
الجواب
لا يجوز استعمال هذا الصندوق، فهذا من التميمة، وهي من الشرك، فإذا جعله في السيارة أو في البقالة لأجل الحفظ، فإن اعتقد أنه سبب فهو كالتميمة، وهو من الشرك الأصغر، وأما إذا اعتقد أنه يجلب الزبائن أو يكثر ماله بذاته فهذا شرك أكبر كما سبق.
وهذه الرموز والطلاسم يخشى أن يكون فيها شرك أكبر، فيخشى أن يكون فيها مناداة أو توسل بأسماء الجن أو الملائكة أو الشياطين.
ولا أظن أن أحدًا يعتقد أن هذا الصندوق يحفظ بذاته أو ينفع بذاته، وأظن أنه يُعتقد أنه سبب، وهذه الطلاسم والرموز يخشى أن يكون فيها شرك أكبر، أو أن يكون فيها نداء أو تعوذات بالجن أو الشياطين أو الملائكة.
ومن ذلك أن بعض الناس يضع المصحف في السيارة أو في البيت ويعتقد أنه وسيلة للحفظ، فهذا من جنس التمائم، والواجب أن تقرأ من المصحف، فاقرأ القرآن وتعوذ بنفسك، وأما أن تجعل المصحف تميمة فلا يصح ذلك، فاقرأ الآيات بنفسك، واقرأ التعوذات الشرعية.
وأما إذا وضع المصحف في السيارة ليقرأ فيه، أو وضعه في الغرفة ليقرأ فيه في وقت الفراغ فلا بأس بذلك، وأما إذا وضع المصحف في الغرفة أو في السيارة للحفظ فهذا من التمائم ومن الشرك الأصغر.
[ ١١ / ٩ ]
حكم القول بتأثير النجم في مد البحر وجزره
السؤال
لقد ذكرت فيما سبق أن الشرك في التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، فهل يدخل في ذلك قول من قال: إن النجم هو للعبرة، أي: من أجل المد والجزر، فله علاقة بالقمر، وهو السبب في ذلك؟
الجواب
إذا كان يعتقد أن القمر سبب في المد والجزر فهذا من الشرك، وأما إذا كان يعتقد أن الله أجرى العادة بأنه في منتصف الشهر أو في آخر الشهر يحصل مد وجزر؛ فهذا من جنس معرفة فصول السنة، ومعرفة أوقات البدر.
وأما إذا اعتقد أن القمر نفسه مؤثر فهذا شرك أكبر.
فالمقصود أن ذلك يكون على حسب الاعتقاد، فلا يجوز للإنسان أن يعتقد أن القمر مؤثر بذاته، أو أن القمر سبب في ذلك.
[ ١١ / ١٠ ]
حكم تحسين الصوت بالقرآن لاستمالة قلب السامع
السؤال
هل إذا حسنت صوتي لكي يميل قلب الذي بجانبي يكون ذلك رياء؟
الجواب
هذا على حسب قصدك ونيتك، فإن كان قصدك أن ترائيه وتحسن صوتك من أجل أن يمدحك ويثني عليك فهذا رياء، وأما إذا كان قصدك أن تحسن صوتك حتى يستفيد وتستفيد أنت من غير أن يقع في قلبك شيء؛ فهذا مطلوب، يقول النبي ﷺ: (حسنوا أصواتكم بالقرآن)، وفي لفظ: (زينوا أصواتكم بالقرآن).
وفي الحديث الآخر: (أن النبي ﷺ استمع إلى أبي موسى الأشعري وكان له صوت حسن، فقال النبي: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود)، وقال النبي ﷺ لـ أبي موسى: لو رأيتني وأنا استمع لقراءتك البارحة، فقال له أبو موسى: لو علمت ذلك لحبرته لك تحبيرًا) أي: بينته تبيينًا، فهذا على حسب القصد، فإن كان قصدك أن ترائيه فهذا من الشرك الأصغر، وأما إن كان قصدك أن تحسن صوتك امتثالًا لأمر النبي ﷺ: (زينوا القرآن بأصواتكم)، وحتى تستفيد وتفيد فهذا مطلوب ومشروع، وهذا شيء يقوم بالقلوب لا يعلمه إلا الله.
[ ١١ / ١١ ]
حكم توبة ساب الله تعالى ورسوله ﷺ
السؤال
لقد سمعت منك أن من سب الله تعالى فليست له توبة في الدنيا، فأرجو أن توضح لنا ذلك، فإني قبل الاستقامة كنت مع جلساء السوء، وكنا نقول على الله ﷾ ما لا يليق ونسبه تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، والآن -والحمد لله- اتبعت الرسول ﷺ، وأصبحت سلفيًا، ولله الحمد على الهداية إلى الطريق الصحيح، وقد عرفت أن هنالك آيات، مثل قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وأنا الآن قد تبت وندمت على تلك الكلمات، فهل توبتي صحيحة؟ وماذا أكفر به الآن عن تلك الكلمات التي كنت قلتها في حق الله ﵎؟
الجواب
الحمد لله الذي منّ عليك بالتوبة، فهذه نعمة عظيمة، فاحمد الله واشكره، واسأل الله الثبات والاستقامة، ونسأل الله أن يرزقنا وإياك التوبة النصوح، والثبات على دينه والاستقامة عليه حتى الممات، فمن تاب من أي ذنب تاب الله عليه، قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، قال العلماء: هذه الآية في التائبين، فمن تاب من أي ذنب تاب الله عليه، ألم تسمع إلى قول الله تعالى في عرضه التوبة على المثلثة من النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فعرض الله عليهم التوبة فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٤]، فذنبهم عظيم، فهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ومع ذلك عرض الله عليهم التوبة، فنقول: إن من سب الله أو سب الرسول أو سب الإسلام له توبة، فإذا تاب توبة صادقة تاب الله عليه، فعليك بالتوبة الصادقة، والإكثار من العمل الصالح، ومن تاب وأكثر من العمل الصالح بدل الله سيئاته حسنات، كما في سورة الفرقان: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، فإذا تاب توبة نصوحًا محا الله بها الذنب، وإذا أتبعه بالعمل الصالح بدل الله سيئاته حسنات فضلًا من الله وإحسانًا.
لكن نقول: لا تقبل توبته في أحكام الدنيا وليس في أحكام الآخرة، فإذا رفع إلى المحكمة شخص سب الله أو سب الرسول ﷺ وقال: أنا تبت الآن، قلنا له: لا، توبتك هذه بينك وبين الله، فإذا كنت صادقًا قبلت توبتك، وأما في أحكام الدنيا فلابد من قطع رقبتك، أي أن من سب الله أو سب رسوله لا بد من قطع رقبته في الدنيا في أصح قولي العلماء، وهذا الأمر يعود إلى ولاة الأمر، فإذا ثبت عند المحكمة الشرعية أن فلانًا من الناس سب الله، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو بدينه، وكذلك الساحر والزنديق والملحد، فكل هؤلاء الصواب أنه لا تقبل توبتهم في أحكام الدنيا، فلا بد من إقامة الحد عليهم إذا رُفع أمرهم إلى المحكمة الشرعية؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر الوخيم، وأما فيما بينه وبين الله فالله تعالى يقبل توبة الصادقين، ويمحو الله ذنب التائبين، وأما في أحكام الدنيا فلا نقبل منه ذلك في أصح قولي العلماء.
والقول الثاني للعلماء: أنه يستتاب أيضًا في الدنيا، فإن تاب قبلنا توبته، وإن لم يتب قتلناه، لكن الصحيح أنه لا تقبل توبته في أحكام الدنيا؛ زجرًا له ولأمثاله.
وقد ألف في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالة سماها: (الصارم المسلول على شاتم الرسول).
وأما إذا تاب بينه وبين الله ولم يرفع إلى المحكمة فإنه تقبل توبته، وعلى هذا فإن السائل ما دام أنه قد تاب فإن الله يتوب عليه، والحمد لله، وتوبته مقبولة وصحيحة، ونسأل الله أن يمن علينا وعليه بالتوبة النصوح والعمل الصالح، والشأن كل الشأن في الصدق في التوبة، فإذا كان الإنسان صادقًا في التوبة فإن الله يَقبِل توبته من أي ذنب مهما كان.
[ ١١ / ١٢ ]
توجيه قوله: (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل)
السؤال
ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه لما سأله العباس عن أبي طالب قال له: (يا عم! لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) أو كما قال، فما توجيهكم لقوله ﷺ: (لولا أنا)؟
الجواب
قوله في هذا الحديث: (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) يحتمل أنه تصرف من بعض الرواة، ويحتمل أنه كان أولًا قبل المنع، ويحتمل أن هذا جائز ولكن الأولى تركه.
[ ١١ / ١٣ ]
توجيه قول ابن القيم: (لولا الصحابة ما كان فينا مذنب)
السؤال
قال ابن القيم في نونيته: لولا الصحابة ما كان فينا مذنب، ولم يقل: لولا الله ثم الصحابة.
فما توجيهكم؟ هذا أيضًا من جنس سابقه، فيقال -والله أعلم-: إن هذا جائز، لكن الأولى والأكمل تركه كما ذكر سابقًا.
[ ١١ / ١٤ ]
من تصح الاستعانة به من الأحياء الحاضرين
السؤال
ما هو ضابط وصف الحاضر الذي يستعان ويستغاث به؟
الجواب
الحاضر هو الحي القادر الذي يكون أمامك معه الأسباب التي تستعين به من أجلها، فإذا كان أمامك قلت له: أعني يا فلان.
وكذلك استغاثة الغريق إذا استغاث بسباح يجيد السباحة ومعه أسباب ذلك، فهذا لا بأس به، وكذلك في الاستعانة، فيستعين بقادر حاضر، وأما إذا استعان بالجن، أو بغائب، أو بميت؛ فهؤلاء ليست معهم أسباب الإعانة، فالاستعانة بهؤلاء شرك.
السؤال: الجن عالم حاضر، وهم يروننا ويسمعوننا ونتكلم معهم ونسمعهم فما حكم الاستعانة والاستغاثة بهم في بعض الحالات؟ الجواب: الاستعانة والاستغاثة بالجن شرك؛ لأنهم ليسوا حاضرين أمامنا، فأكثرهم غائبون ولا نراهم، وكذلك الاستغاثة بالملائكة، فلا تجوز الاستعانة والاستغاثة بهم؛ لأنهم غائبون ولا نراهم، فهذا هو الأصل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، فلا يجوز للإنسان أن يستعين بهم، أو أن يقول: يا جن! خذوه، أو ما أشبه ذلك، فبعضهم يقول: يا جن! خذوه.
وهذا لا يجوز؛ لأنه من الشرك، لكن لو كلم الجن أو كلموه فهنا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الاستعانة بهم على ثلاثة أحوال: الأول: أن يستعين بهم في أمر محرم، كأن يستعين بهم في أن يسرقوا له، أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم.
الثاني: أن يستعين بهم في أمور مباحة، فهذا مباح.
الثالث: أن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويدعوهم إلى الله، فهذا مطلوب ومشروع؛ لأنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن لا ينبغي للإنسان أن يتمادى في مثل هذا، فبعض الناس قد يتمادى، وبعضهم يدعي أن الجن يخاطبونه، وبعض القراء الذين يقرءون على المرضى يدعي أنه يكلم الجني، وأن الجني يخبره بالمرض الذي في المصروع الآخر، وأنه يستعين بهذا الجني على الجني الآخر، وهذا الفعل غير صحيح، فالجن لا يصدقون ولا سيما الفسقة منهم.
والمقصود أنه ينبغي على الإنسان ألّا يتمادى في مثل هذا، فبعض الناس يتمادى ويتوسع في هذا الأمر، فلا يجوز للإنسان أن ينادي الجن ولا أن يستعين بهم، فهذا من الشرك؛ لأنهم غائبون ولا نراهم.
[ ١١ / ١٥ ]
العلاقة بين الشرك الأصغر والشرك الخفي
السؤال
ما الفرق بين الشرك الأصغر وبين الشرك الخفي؟
الجواب
الشرك الأصغر هو الشرك الخفي، وسمي خفيًا لأنه يقوم بالقلوب، وسمي أصغر لأنه لا يصل إلى الحد الأكبر؛ لأنه ليس شركًا في العبادة، ولا ناقضًا من نواقض الإسلام.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١١ / ١٦ ]