دروس في العقيدة [١٣]
مما يناقض التوحيد الكفر العملي المخرج من الملة، وأمثلته كثيرة، فمنه بغض ما جاء به الرسول ﷺ، واعتقاد وجود هدي أحسن من هديه، وسب الله تعالى وسب رسوله، ونحو ذلك، ومما ينافي كمال التوحيد الكفر الأصغر، ويقع بجملة من الأمور، منها قتال المسلم، وتكفيره، وتصديق الكاهن في مسألة بعينها صحت منه، ونحو ذلك من الأمور التي يجب على المسلم أن يحذرها على توحيده.
[ ١٣ / ١ ]
الكفر العملي
[ ١٣ / ٢ ]
الكفر العملي المخرج من الملة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مما ينافي التوحيد ويناقضه: الشرك والكفر، وقد سبق الكلام على أنواع الشرك وأمثلة الشرك، وسبق الكلام على الكفر، وأنه ينقسم إلى اعتقادي وعملي، وأنواع الكفر الاعتقادي كلها تنافي التوحيد وتناقضه بالكلية، وأما الكفر العملي فهو نوعان: النوع الأول: ينافي الإيمان ويناقضه بالكلية.
والنوع الثاني: ينافي الكمال الواجب.
فالنوع الأول من الكفر العملي ينافي الإيمان وينقضه بالكلية، وهو ما إذا كانا شركًا في العبادة أو ناقضًا من نواقض الإسلام، وهذا له أمثلة، فمن أمثلته: قتل النبي، كما فعل بنو إسرائيل، فإنهم قتلوا كثيرًا من أنبيائهم، قال الله ﷾: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] فمن قتل نبيًا فقد كفر، وكذلك سب النبي، فمن سب نبيًا فقد كفر، أو سب الله، أو سب دين الله، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه أو بثوابه أو بعقابه، فإنه يكفر؛ لأن هذا ناقض من نواقض الإسلام، وكذلك إذا استهان بالمصحف بأن داسه تحت قدميه مستهينًا به أو لطخه بالنجاسة، فإنه يكفر فهذا كفر عملي والعياذ بالله.
وكذلك من سجد للصنم أو للشمس أو للقمر، فإذا فعل ناقضًا من نواقض الإسلام فإنه يكفر؛ لأن نواقض الإسلام كثيرة، وقد ذكرها العلماء وبوّبوا لها في كل مذهب من المذاهب، كالحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فكلهم يبوبون في كتب الفقه بابًا يسمونه: (باب حكم المرتد)، وهو الذي يكفر بعد إسلامه.
[ ١٣ / ٣ ]
نواقض الإسلام
ونواقض الإسلام كثيرة، منها عشرة ذكرها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، وهي: الأول: الشرك بالله، فمن فعل أي نوع من أنواع الشرك التي سبقت أمثلتها فقد انتقض دينه وإسلامه.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم قضاء الحاجات أو الشفاعة أو يتوكل عليهم كَفَر إجماعًا.
الثالث: من شك في كفر المشركين أو اليهود أو النصارى أو الوثنيين أو لم يكفرهم، أو صحح مذهبهم، فهو كافر بالله.
أي: لو قال مثلًا: اليهود والنصارى وغيرهم لا أقول فيهم شيئًا، فهذه كلها أديان لا أحكم فيهم بشيء، فأنا أعبد الله ولا أقول فيهم شيئًا! فهذا يكفر؛ إذ لابد من أن يحكم عليهم بالكفر، فمن لم يكفر اليهود أو النصارى أو المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
الرابع: من اعتقد أن هناك هديًا أكمل من هدي النبي ﷺ فإنه يكفر.
فلو قال: هدي فلان من الناس -ولو كان من الصحابة أو من التابعين- أفضل من هدي النبي ﷺ؛ فإنه يكفر.
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ بعد علمه ومعرفته في الشريعة فإنه يكفر، قال الله ﷾: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر، وكذلك إذا استهزأ بشيء من دين الإسلام أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
السابع: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين بالرأي أو بالسلاح أو بالمال.
فإذا ساعد الكفار على المسلمين أو عاونهم على المسلمين بالمال أو بالسلاح أو بالرأي كفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
الثامن: من اعتقد أن هناك أحدًا يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر.
فمن اعتقد أن هناك أحدًا يجوز له أن يخرج عن شريعة محمد ﷺ، كما أن الخضر جاز له الخروج عن شريعة موسى فهذا يكفر؛ لأن شريعة نبينا محمد ﷺ عامة للثقلين: الجن والإنس، وهو آخر الأنبياء ﵊، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، أما شريعة موسى ﵊ فليست عامة، فلذلك وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، ثم إن الخضر -على الصحيح- هو نبي أوحي إليه، بدليل أنه فعل أمورًا لا يمكن فعلها إلا عن طريق الوحي، حيث خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] ففعله عن أمر الله، فهو نبي يوحى إليه، وقال كثير من العلماء: ليس بنبي، وإنما هو رجل صالح.
وعلى كل حال فإنه -ولو كان رجلًا صالحًا- ليس من بني إسرائيل، ولم يرسل إليه موسى ﵊، فوسعه الخروج عن شريعة موسى، أما نبينا محمد ﵊ فلا يسع أحدًا الخروج عن شريعته؛ لأنه آخر الأنبياء، وشريعته عامة لجميع الثقلين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩].
فمن خصائص رسالة النبي ﷺ العموم والشمول لكل أحد، ولهذا قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح لما ذكر خصائصه: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة).
التاسع: السحر، فمن تعلمه أو علمه أو رضي به كفر، ومن ذلك الصرف والعطف، فهو داخل في السحر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: فلا تكفر بتعلم السحر.
العاشر: الإعراض عن دين الله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢].
ونواقض الإسلام كثيرة، وليست محصورة في هذه العشر، فمن فعل ناقضًا من نواقض الإسلام فإنه يكفر، سواء أكان عملًا أم اعتقادًا أم قولًا أم شكًا، فقد يكون الكفر بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالاعتقاد، وقد يكون بالشك.
فيكون الكفر بالقول إذا تكلم بكلمة الكفر، كأن سب الله، أو سب الرسول ﵊، أو سب الإسلام، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، ومن ذلك ما قص الله علينا في كتابه في وصف بعض المنافقين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، فأثبت لهم كفرًا بعد الإسلام، بسبب قولهم كلمة، فغزوة تبوك تكلم أناس بكلام على وجه المزاح، حيث استهزءوا بقراء الصحابة، فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فأثبت لهم بقولهم كفرًا بعد الإيمان.
ويكون الكفر بالفعل كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف أو تلطيخه بالنجاسة.
ويكون بالشك كما لو شك في البعث، أو شك في الجنة، أو شك في النار، أو شك في صدق الرسول ﵊، أو شك في وجود الملائكة، أو شك في وجود العرش، فإنه يكفر بهذا.
ويكون الكفر بالاعتقاد، فإذا اعتقد أن لله صاحبه أو ولدًا، أو أن له شريكًا أو أن هناك أحدًا يستحق العبادة مع الله؛ فهذا كفر مخرج من الملة، وهذه كلها من أنواع الكفر.
ومن أنواع الكفر ونواقض الإسلام: اعتقاد أن هناك نبيًا بعد الرسول ﵊، فمن قال: إن محمدًا ﷺ ليس خاتم النبيين، وسيأتي بعده نبي، أو قال: إن رسالة محمد ﷺ خاصة بالعرب، وليست لجميع الناس؛ فهذا كافر؛ لأنه مكذب بقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، ولهذا قاتل الصحابة بني حنيفة وهم يصلون ويؤذنون ويلتزمون بشرائع الإسلام؛ لأنهم سمعوا منهم كلمة واحدة، وهي أنهم قالوا: إن مسيلمة نبي، فلما رفعوا مسيلمة إلى مقام النبوة كفروا.
ومن ذلك -أيضًا- ما حدث في عهد علي ﵁، فإنه عاقب الذين غلوا فيه ورفعوه إلى مقام الألوهية، فخذ لهم أخاديد وأضرمها وأججها نارًا، ثم ألقاهم وأحرقهم فيها، رغم أنهم كانوا يصلون ويصومون ويتعلمون العلم من الصحابة؛ لأنهم فعلوا ناقضًا من نواقض الإسلام، فكل من غلا في شخص وجعل فيه نوعًا من الإلهية أو ادعى أنه يستحق أن يعبد أو يدعى من دون الله أو يذبح له أو ينذر له أو أنه إله فقد كفر بالإجماع.
ومن ذلك ما فعله بنو عبيد القداح في آخر القرن الثالث الهجري وأول القرن الرابع، حينما ملكوا المشرق والمغرب وهم يصلون الجمعة والجماعة، ويخطب لهم على المنابر، لكن لما أظهروا شيئًا من نواقض الإسلام أجمع العلماء على كفرهم، وقاتلهم المسلمون واستنقذوا ما بأيديهم من بلاد المسلمين؛ بسبب ما كانوا يعتقدونه من اعتقاد باطل، وهو الغلو في آل البيت، فمن اعتقد من الرافضة أن أحدًا من آل البيت يستحق شيئًا من العبادة، أو أنه يتصرف في الكون، أو أن القرآن طار ثلثاه ولم يبق إلا الثلث -كما تعتقده بعض الرافضة- أو سب الصحابة كلهم أو كفرهم فقد كفر؛ لأن سب الصحابة وتكفيرهم جميعًا سب للدين وللذين حملوه، فمن الذي حمل إلينا الدين؟ فإذا كان الصحابة الذين حملوا الدين كفارًا فكيف يوثق بهذا الدين؟! بل استنبط الإمام مالك ﵀ كفر من سب الصحابة جميعًا من قول الله تعالى في سورة الفتح في وصف الصحابة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فقال: من أبغض الصحابة فهو كافر بنص القرآن.
فهذه كلها نواقض من نواقض الإسلام، فلابد المسلم -ولاسيما طالب العلم- من الاعتناء بها ومراجعتها دائمًا وأبدًا، فمن فعل ناقضًا من نواقض الإسلام كفر وانتقض إسلامه ودينه، ولا ينفعه ما كان يفعله من الصلاة والصوم والحج، إلا إذا تاب قبل الموت وقبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، فمن تاب تاب الله عليه.
ومن أمثلة الكفر الذي يخرج من الملة: من قال: مُطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا.
معتقدًا أن للنجم تأثيرًا في إنزال المطر، فإن النبي ﷺ سماه كفرًا؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)، فإذا قال: مطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب.
لكن هـ
[ ١٣ / ٤ ]
الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة
النوع الثاني من أنواع الكفر العملي: الذي لا يخرج من الملة، وهو كل ما ورد من الذنوب تسميته كفرًا ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر، فهو ليس شركًا في العبادة ولا ناقضًا من نواقض الإسلام، بل هو ذنب من الذنوب ورد في النصوص تسميته كفرًا، فهذا يكون كبيرة من الكبائر، لكنه لا يخرج من الملة، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط الأعمال، بل صاحبه تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
والكفر العملي الذي لا يخرج من الملة له أمثلة، فمن أمثلته: قتال المسلمين بعضهم بعضًا، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما خطب الناس في حجة الوداع قال في خطبته: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)، فسمى قتال المسلمين بعضهم بعضًا كفرًا، فهو كفر عملي، إلا من استحل، فمن استحل قتل أخيه ورآه حلالًا فإنه يكفر كفرًا أكبر، لكن إذا كان قتاله نتيجة الهوى وطاعة للشيطان فهذا يكون ذنبًا، أما إذا كان يرى أن قتال المسلمين حلالًا فإنه يكفر كفرًا أكبر يخرج من الملة، وقتال المسلم -ولو كان واحدًا- من الأعمال الكفرية، أما سب المسلم فهو فسوق، قال ﵊: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
ومن أمثلة الكفر الأصغر: أن يرمي أخاه بالكفر، فيقول: يا كافر، وهذا من الأعمال التي تعتبر كفرًا أصغر؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وثبت في حديث آخر أن الإنسان إذا رمى أخاه بالكفر أو لعنه فإنها تصعد إلى السماء، ثم ترجع إلى الذي لُعن أو رمي بالكفر، فإن كان أهلًا لها وقعت عليه، وإن لم يكن أهلًا لها رجعت إلى الذي قالها وتكلم بها، وهذا يفيد الحذر، فينبغي للإنسان أن يحذر من شر اللسان.
ومن أمثلة الكفر العملي: إتيان المرأة في دبرها، فإذا أتى الرجل زوجته في دبرها فهذا كفر أصغر؛ لأن الجماع في الدبر حرام، وهو من الأعمال الكفرية؛ لما ثبت في السنن أن النبي ﷺ قال: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد)، فالجماع يكون في الفرج الذي هو محل الحرث، أما الجماع في الدبر فهو من كبائر الذنوب، وهو من الأعمال الكفرية.
ومن أمثلة الكفر العملي: تصديق الكاهن؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ)، وهذا فيه اختلاف كما سبق، فهل تصديق الكاهن كفر يخرج من الملة أو لا يخرج من الملة؟ فمن العلماء من قال: إنه يخرج من الملة بإطلاق، ومن العلماء من قال: إنه كفر أصغر لا يخرج من الملة، ومن العلماء من توقف، والصواب أنه يخرج من الملة إذا صدقه في دعوى علم الغيب، فإذا صدق الكاهن في دعوى علم الغيب فإنه يكفر كفرًا أكبر، ويكون من الكفر العملي الذي يخرج من الملة؛ لأنه مكذب لله في قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله﴾ [النمل:٦٥]، أما لو صدقه في قضية معينة، كأن تكون هذه الكلمة التي قالها الكاهن سُمعت من السماء، فوقعت كما قال فصدقه؛ لأنه سمع من السماء، أو تتعلق بعلاج مريضه أو ما أشبه ذلك؛ فهذا لا يخرج من الملة.
ومن أمثلة الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة: انتساب الإنسان إلى غير أبيه وإلى غير قبيلته؛ لما ثبت في الصحيحين: (ما من رجل ينتسب إلى غير أبيه وهو يعلم إلا كفر)؛ لما فيه من التلبيس، ولما فيه من كفر النعمة، فأبواه هما السبب في وجوده، ثم ينتسب إلى غيرهما، أو ينتسب إلى غير قبيلته، كأن يكون من قبيلة المطير فينتسب إلى قبيلة هذيل، أو إلى قبيلة شمر أو قبيلة عنزة، فإذا أنكر قبيلته فهذا من الأعمال الكفرية.
ومن أمثلة الكفر العملي: انتساب العبد والمولى إلى غير مواليه، كما جاء في الحديث: (من انتسب إلى غير مواليه فقد كفر) أو ما معناه.
وجاء في آية نسخ لفظها وبقي حكمها: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم)، وهي من الآيات التي نسخ لفظها وبقي حكمها.
ومن أمثلة الكفر العملي: كفر النعمة، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
[ ١٣ / ٥ ]
الحكم بغير ما أنزل الله ومنزلته من الكفر
ومن أمثلة الكفر العملي: الحكم بغير ما أنزل الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وقد اختلف العلماء في الحكم بغير ما أنزل الله هل هو كفر يخرج من الملة أو كفر لا يخرج من الملة؟ اختلف العلماء في هذا على أقوال: فمن العلماء من تأول الآية على الكفر الأصغر، وقال: إن الحكم بغير ما أنزل كفر أصغر لا يخرج من الملة، وهذا روي عن ابن عباس وعطاء، قال ابن عباس ﵁ في آية الحكم بغير ما أنزل الله: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وقال عطاء: هو كفر دون كفر.
هذا القول الأول.
ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهذا تأويل عكرمة، لكنه تأويل مرجوح ضعيف؛ لأن نفس الجحود كفر، سواء حكم أو لم يحكم، فإنه إذا جحد ما أنزل الله كفر ولو لم يحكم.
ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، فيكون كفرًا أكبر، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهذا أيضًا قول ضعيف وتأويل مرجوح؛ لأن الله ﷾ توعد من حكم بغير ما أنزل الله، والوعيد يتناول ترك الحكم بجميع أو ببعض ما أنزل الله، فهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه أو ببعضه.
ومن العلماء من تأول الآية على الحكم بمخالفة النص عمدًا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، وقد حكى هذا القول البغوي عن العلماء، ويكون كفرًا أكبر، وهذا -أيضًا- تأويل مرجوح؛ لأن هذا تقييد ليس عليه دليل.
ومن العلماء من تأول الآية في أهل الكتاب، وقال: إن هذه الآية خاصة بأهل الكتاب: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤] أي: من أهل الكتاب: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وهذا -أيضًا- قول مرجوح، وهو قول قتادة والضحاك، وهو تأويل مرجوح؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، فلا يصار إليه إلا بدليل، ولأن العبرة بعموم اللفظ، والآية عامة.
ومن العلماء من أخذ بإطلاق الآية وقال: إن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر ينقل عن الملة مطلقًا.
فهذه ستة أقوال لأهل العلم، والتحقيق والصواب في هذه المسألة أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، وذلك بحسب حال الحاكم، فقد يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر، وقد يكون كفرًا أصغر، بحسب حال الحاكم، فإذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله من الآراء والقوانين الوضعية معتقدًا أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه يجوز له أن يحكم بالآراء والقوانين، أو أنه مخير بين أن يحكم الآراء والقوانين وبين أن يحكم بما أنزل الله؛ فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، سواء حكم بالقوانين والآراء معتقدًا أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله، أو مماثلة للحكم بما أنزل الله أو أقل من الحكم بما أنزل وأن الحكم بما أنزل الله أحسن، فمادام أنه يرى أنه يجوز له الحكم بالقوانين والآراء الوضعية؛ فإنه يكفر كفرًا أكبر يخرج من الملة، سواء اعتقد أن القوانين والآراء مماثلة للحكم بما أنزل الله أو أحسن أو أقل، وكذلك لو استهان بحكم الله مع تيقنه أنه حكم الله.
أما إذا لم يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله وحكم بغير ما أنزل الله طاعة للهوى والشيطان؛ فإنه يكفر كفرًا أصغر لا يخرج من الملة، وعلى ذلك يكون الحاكم بغير ما أنزل الله ممن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية له حالات: الحالة الأولى: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقدًا أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله، وأن الحكم بما أنزل الله لا يناسب العصر الحاضر، وإنما يناسبه الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، فهذا كفر أعظم، وهذا من أعظم الكفر، وهو أسوأ الحالات وأعظمها كفرًا، قال الشيخ محمد أحمد شاكر ﵀: وهذا مثلما ابتلي به الذين درسوا القوانين الأوربية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها الذين أشربوا في قلوبهم حبها والشغف بها والذب عنها، فأذاعوها وحكموا بها لما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام، ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذا مثال يمثل به الشيخ محمد أحمد شاكر ﵀.
فهؤلاء الذين درسوا القوانين الأوربية وأذاعوها وحكموا بها وأشهروها هم أعظم الناس كفرًا.
الحالة الثانية: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقدًا أنه يجوز الحكم بها ويجوز الحكم بما أنزل الله، ويعتقد أن الحكم بالآراء والقوانين مماثل لحكم الشريعة، فهما على حدٍ سواء، وأنه مخير بين أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية أو يحكم بالشريعة، فهذا -أيضًا- كافر كفرًا أكبر بسبب هذا الاعتقاد.
الحالة الثالثة: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقدًا أن الحكم بما أنزل الله أحسن وأفضل من الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، لكنه يعتقد أنه لا مانع من الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، وأنه يجوز الحكم بالآراء والقوانين الوضعية وإن كان الحكم بالشريعة الإسلامية أحسن، فهذا -أيضًا- كفر أكبر؛ لأنه جوز الحكم بغير ما أنزل الله واستحله، ومثله مثل من استحل الزنا، لكن لا يكون المستحل كافرًا إلا إذا استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، فكذلك إذا استحل الحكم بالآراء والقوانين الوضعية كفر ولو كان يعتقد ويرى أن الحكم بالشريعة أحسن.
الحالة الرابعة: أن يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة معتقدًا أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، وأنه عاصٍ لله مستحق للعقوبة، ولكنه إنما حَكَم بغير ما أنزل الله طاعة للهوى والشيطان وطمعًا في مال أو طمعًا في رياسة أو لأجل رشوة دفعت له، أو لأجل أن ينفع المحكوم له؛ لأنه صديق له أو قريب له، أو لأجل أن يغر بالمحكوم عليه، أو خوفًا من سلطان أو من شخص هدده، فحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه عاصٍ بهذا وأنه مستحق للعقوبة، ويعتقد أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل، فهذا يكفر كفرًا أصغر لا يخرج من الملة.
الحالة الخامسة: أن يحكم بغير ما أنزل الله بعد بحثه عن حكم الله واستفراغ وسعه وبذل جهده في تعرف حكم الله، لكنه اجتهد وبحث، وبذل جهده، واستفرغ وسعه ليعرف حكم الله، فجهل وأخطأ وحكم بغير ما أنزل الله خطأً بعد البحث واستفراغ الوسع، فهذا خطؤه مغفور، وله أجر على اجتهاده؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
وعلى ذلك نقول: الحاكم بغير ما أنزل الله له خمس حالات، يكفر كفرًا أكبر في ثلاث منها، ويكفر كفرًا أصغر في الرابعة، وأما في الحالة الخامسة فخطؤه مغفور، بل له أجر على اجتهاده.
هذه هي حالات الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا التفصيل هو الصواب، وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ والحسن، وروي عن ابن مسعود والحسن أنه قال: إذا حكم بغير ما أنزل الله مستحلًا له فهو كافر، وإذا حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أنه آثم فهو من فساق المسلمين.
وبهذا تكون أقوال العلماء في الحكم بغير ما أنزل الله سبعة أقوال: القول الأول: أنه كفر أصغر مطلقًا.
القول الثاني: أنه كفر أكبر مطلقًا.
القول الثالث: أن الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] محمولة على من جحد الحكم بما أنزل الله.
القول الرابع: أن الآية محمولة على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله.
القول الخامس: أنه إذا حكم بغير ما أنزل الله وخالف النص عمدًا من غير جهل ولا خطأ في التأويل.
القول السادس: أن الآية محمولة على أهل الكتاب.
القول السابع: التفصيل الذي هو مروي عن ابن مسعود والحسن، وهو أنه يكفر كفرًا أكبر إذا حكم بغير ما أنزل الله مستحلًا للحكم بالآراء والقوانين، سواء اعتقد أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله أو مماثلة له أو أقل.
وهذا هو الصواب، والحمد لله.
ونحن في هذه البلاد -المملكة العربية السعودية- التي قامت على التوحيد والإسلام نعتز بالشريعة والحكم بالشريعة، حيث أقيمت المحاكم الشرعية التي تحكم بشرع الله، وهذا من فضل الله علينا، فالمحاكم الشريعة -والحمد لله- موجودة في هذه البلاد، وتحكم بشريعة الله، وتقام فيها الحدود، فيقتل القاتل، وتقطع يد السارق، ويقام الحد على المحارب، وكثيرًا ما نسمع في بيانات وزارة الداخلية إقامة الحدود، وهذا من فضل الله تعالى على هذه البلاد، حيث قامت هذه البلاد -بلاد التوحيد- على الإسلام منذ أن نشأت ومنذ أن تعاقد الإمامان: الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، والدولة -والحمد لله- قامت على التوحيد والإسلام، وتحكم بشريعة الله، وهي تعتز بالإسلام والحمد لله، حيث أقامت المحاكم الشرعية التي تقيم حدود الله وتحكم بشريعة الله، فكان ذلك سببًا في استتباب الأمن.
ومن محاسن ولاة الأمر فيها السماح بهذه الدروس وهذه الدورات العلمية التي نفع الله بها، فنسأل ﷾ أن يوفق ولاة أمورنا في هذه البلاد إلى كل خير، وأن يوفقهم للعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يزيدهم من الهدى والتوفيق، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يريهم الحق حقًا ويرزقهم اتباعه، وأن يريهم الباطل باطلًا ويرزقهم اجتنابه، وأن يجعلنا من أعوانهم وأنصارهم في الحق، إنه على كل شيء قدير.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٣ / ٦ ]
الأسئلة
[ ١٣ / ٧ ]
الرد على دعوى كون الكفر بالاعتقاد دون العمل
السؤال
ظهرت شبهة متأخرة وأيدت بالأدلة، وهي أنه لا يخرج من الإسلام إلا من كفر كفرًا اعتقاديًا قلبيًا، وأن الكفر لابد فيه من الاعتقاد، وأنه محصور في التكذيب والاستكبار، وأن الإنسان لو سجد للصنم لأجل مال فإنه لا يكفر، وكذلك إذا سب الله ورسوله فإنه لا يكفر حتى يعتقد، وأن الآية التي نزلت في حكم السب مخصوصة بالمنافقين ويقولون: إن السب علامة على الكفر لا أنه كفر، فهل هذا القول هو قول لأهل السنة؟
الجواب
هذا القول قول فاسد، فهو مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة، وقد سبق أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على قتال بني حنيفة؛ لأنهم قالوا: إن مسيلمة نبي.
وقد كانوا يؤذنون ويصلون ويصومون، وكذلك قول الله تعالى في الذين تكلموا بكلمة الكفر: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، وهي كلمة قالوها، وكذلك الذين في غزوة تبوك تكلموا بكلمة قالوها على وجه المزاح، وجاءوا يعتذرون إلى النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فأثبت لهم الكفر بعد إيمانهم، فجاء هؤلاء يعتذرون إلى الرسول ﷺ، وقالوا: يا رسول الله! ما نعتقد القول به، وإنما نحن نمزح ونتحدث حديث الركب، ولكن الرسول ﷺ لم يعذرهم، فكان لا يزيد على تلاوة هذه الآية: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فلو كان الإنسان لا يكفر إلا بعقيدة القلب لما كفر الله تعالى هؤلاء.
بل أجمع أهل السنة على كفر من سب الله وسب الرسول ﷺ، وهذا مجمع عليه من قبل أهل السنة والجماعة، وهناك كتاب لـ شيخ الإسلام ﵀ في هذا سماه: (الصارم المسلول على شاتم الرسول).
فهذا كلام ليس بصحيح، فالكفر يكون بالتكذيب والجحود، ويكون بالإباء والاستكبار، ويكون بالإعراض عن دين الله، ويكون بالشك، ويكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون بالعقيدة.
والاعتقاد لابد منه؛ لأن الإنسان إذا سجد للصنم فلابد من أن يكون في اعتقاده أنه ما سجد له إلا تعظيمًا له، ولو قال: إنه يحترمه مع أنه لا يعبده، فهذا كفر، فلابد من أن يكون هناك قصد، ولا يحصل السجود للصنم من دون قصد، ولهذا فإن بعض الصوفية يسجد لشيخه، فإذا سألته قال: هذا ليس سجودًا، وإنما هو وضع الرأس أمام الشيخ احترامًا له وتواضعًا.
فمادام أنه قصد السجود للشيخ فهو كافر حتى ولو لم يعتقد، وكذلك يكفر -أيضًا- من سجد للصنم أو للنجم ووضع الرأس أمامه احترامًا وتواضعًا، فالمهم أن يكون هناك قصد، فلو داس المصحف بقدميه وقال: أنا ما قصدت شيئًا، أو: ليس عندي اعتقاد أن أستهين بالمصحف، لكن أنا أقصد أن أضعه على قدمي؛ فهذا يكفر ولو لم يعتقد، لأن هذا العمل يكفر صاحبه، فلو قال: أنا أعتقد أن القرآن كلام الله، ولا أعتقد أنه ليس من كلام الله، ثم بال على المصحف فإنه يكفر بهذا الأمر مادام قد قصده، بخلاف لو كان خلفه مصحف ثم رجع القهقرى وهو لا يدرك ثم وطئ المصحف وهو لا يدري، فهذا لا يكفر؛ لأن هذا ليس له قصد.
فالمقصود أنه إذا قصد الفعل فلا يشترط الاعتقاد، وكلام هؤلاء كلام فاسد، وهذا الذي ظهر من هؤلاء لا عبرة به، وليسوا أهلًا لأن يؤخذ بقولهم، وإنما يؤخذ بما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبما أجمع عليه وأقره أهل العلم المعروفون بالرسوخ في العلم قبل مجيء هؤلاء الذين لا علم عندهم ولا بصيرة، فلا يؤخذ بأقوال هؤلاء.
[ ١٣ / ٨ ]
حكم الاحتكام إلى القوانين الوضعية في بلاد الكفار
السؤال
بعض المسلمين يعيش في بعض البلدان التي تحكم بالقوانين الوضعية، وقد يلجأ إلى هذه المحاكم لإثبات حق ضائع له، فهل تحاكمه إلى مثل هذه المحاكم كفر؟
الجواب
لا؛ لأنه إذا أراد أن يأخذ حقه فإنه مضطر إلى ذلك، لكن لا يجوز له أن يزيد على حقه، فإذا أعطوه زيادة على حقه فلا يأخذ، وهو مضطر إلى أن يأخذ حقه من باب المطالبة بأخذ الحق، فله أن يطالب بأخذ حقه، فإذا أعطوه حقه أخذه، وإذا زادوه عليه فلا يأخذ الزيادة.
[ ١٣ / ٩ ]
حكم القول بوحدة الأديان
السؤال
هل يكفر من يقول بوحدة الأديان ويدعو إليها؟
الجواب
إذا قال: إنه ينبغي أن تتوحد الأديان، ويرى أنها كلها على حق، وأن اليهودية والنصرانية والإسلام كلها نزلت من عند الله، واعتقد أن الإنسان مخير بين أن يتدين باليهودية أو بالنصرانية أو بالإسلام، فهذا كفر وردة بإجماع المسلمين، فمن لم يكفّر المشركين أو اليهود أو النصارى أو صحح مذهبهم أو شك في كفرهم فهو كافر بالإجماع.
فلو قال إنسان: أنا أصوم وأصلي وأتعبد وأوحد الله، لكن ليس لي كلام في اليهود والنصارى، ولا أقول فيهم شيئًا، وهم على دين، والنصارى كذلك لا أقول فيهم شيئًا؛ فهذا يكفر؛ إذ لابد من أن يعتقد كفرهم، فإذا لم تعتقد كفرهم أو شككت في ذلك فإن هذا يكون كفرًا وردة، والحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصًا له الدين، وأن تكفر بالطاغوت؛ لأن معنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، فلابد من النفي والإثبات، فالإثبات: إثبات التوحيد لله، والنفي: نفي جميع أنواع العبادة لغير الله، والكفر بالطاغوت، وهو كل ما يُعبد من دون الله، فكل دين سوى دين الإسلام باطل، ولابد من أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وبطلان الأديان غير دين الله، وتتبرأ منها وتنكرها وتنفيها وتبغضها وتعاديها، فهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، فانظر إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة:٤]، فلابد من البراءة، ولابد من أن تكفر بما عليه اليهود والنصارى من الأديان، وتعاديهم: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله، فكل ما سوى دين الإسلام فهو طاغوت، ولابد من أن تعتقد الكفر بالطاغوت، أي: أن تعتقد بطلانه وتنفيه وتنكره وتتبرأ منه ومن أهله، هذا هو الكفر بالطاغوت، ولا يحصل إيمان إلا بالكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله)، فـ (لا إله) كفر بالطاغوت، (إلا الله) هذا هو التوحيد، وهو إثبات العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧].
فهذا هو معنى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]، فهو الكفر بالطاغوت، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] وهذا هو التوحيد، فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] هو معنى (لا إله)، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] هو معنى (إلا الله).
[ ١٣ / ١٠ ]
حكم استعمال الكفار
السؤال
من استخدم عمالًا كفارًا من بلاد غير مسلمة، وفضّلهم على المسلمين مع إمكانية استخدام المسلمين، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذه معصية؛ لأن النبي ﷺ أمر بأن يخرج اليهود من جزيرة العرب، فقال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)، وقال: (لا يبقى في جزيرة العرب دينان).
فينبغي أن تكون جزيرة العرب سالمة من الأديان الأخرى إلا دين الإسلام، ولا يكون فيها إلا دين الإسلام؛ لأن الجزيرة هي منشأ الإسلام، والإسلام قام على صفات العرب، أما غيرها -مثل العراق والشام ومصر- فلا بأس ببقائهم فيها مع الحذر من شرهم، أما في جزيرة العرب فلا يستخدم هؤلاء، وينبغي أن يستخدم الإنسان من إخوانه المسلمين، وينبغي أن يكون بره ونفعه ومصرفه من المال لصالح المسلمين، حتى ولو كان عندهم بعض الجهل، فيمكن توجيههم؛ لأن هذا على دينك ويمكنك أن توجهه، بخلاف الكافر، فليس على دينك، والذي ليس على دينك لا يعينك، فلا ينبغي للإنسان أن يستخدم الكافر، وإذا فضل الإنسان هؤلاء الكفار فهذا يدل على ضعف إيمانه، فبعض الناس عنده ضعف، إذ يقول: غير المسلمين أحسن! وبعضهم يقول عن الكافر: إنه نشيط، بل أنشط من المسلم، وهذا من صور تلاعب الشيطان والعياذ بالله، وبعضهم يقول: إن المسلم لا يريد أن يعمل وقت الصلاة؛ لأن المسلم يذهب ليصلي، وهذا يعمل في وقت الصلاة فهو أحسن! وهذا يدل على ضعف إيمانه.
وإذا فضل العامل من أجل دينه فقد كَفَر، أما إذا فضله طاعة للهوى والشيطان، وحمله على ذلك حب المادة، أو زعم أنه أنشط من المسلم، فهذا فسق ومعصية، ويدل على ضعف الإيمان.
[ ١٣ / ١١ ]
توجيه سجود معاذ للنبي ﷺ
السؤال
لا شك في أن من سجد لصنم أو لشيء غير الله فقد كفر، فما تعليقكم على سجود معاذ بن جبل ﵁ للنبي ﷺ؟
الجواب
قد سبق أن قلنا: إن هذا كان أولًا ولم يعلم بحرمة ذلك، ثم نهاه النبي ﷺ فانتهى، ومثل ذلك قول الصحابة: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
ثم زجرهم النبي ﵊، وقد استنبط من ذلك الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب أن من فعل الكفر ثم نُبّه فتاب من ساعته فلا يكفر؛ لأنه فعل هذا عن جهل ثم تاب من قريب، وكذلك سجود معاذ كان عن جهل، ثم بين له النبي ﷺ ونهاه فانتهى، أما من تعمد السجود مع العلم فإنه يكفر.
[ ١٣ / ١٢ ]
الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر
السؤال
ما الضابط الدقيق في التفريق بين الكفر المخرج من الملة وبين الكفر الأصغر؟
الجواب
سبق أن قلنا: إنه إذا كان شركًا في العبادة أو ناقضًا من نواقض الإسلام صار كفرًا أكبر ينقض التوحيد والإيمان، أما إذا كان ذنبًا من المعاصي، وليس ناقضًا من نواقض الإسلام، ولكن سماه الشرع كفرًا فهو كفر أصغر، وقد سبقت أمثلة نواقض التوحيد والإيمان، مثل: من سب الله أو سب الرسول ﷺ، والسخرية بالدين، والسحر، واعتقاد أن هناك هديًا أحسن من هدي الرسول ﷺ، وأنه يسعه الخروج عن شريعته وعن دينه، فكل هذه نواقض تخرج فاعلها من الدين إن كان قاصدًا، أما إذا كان الفعل لا يفضي إلى حد الناقض وليس شركًا في العبادة وإنما هو معصية من المعاصي -مثل من أتى امرأة في دبرها، ومثل الطعن في النسب، والنياحة على الميت، ونحو هذا مما وقعت تسميته كفرًا- فهو كفر أصغر.
[ ١٣ / ١٣ ]