دروس في العقيدة [١٥]
رغب الإسلام المسلمين في تحقيق التوحيد لرب العالمين، والحذر من كل ما يقدح فيه بنقص أو نقض، وقد ذكر القرآن الكريم كل ما على المسلم أن يحذر منه، خاصة النفاق الذي تعرضت لذكره كثير من آيات القرآن، فوصفت حال أهله وكشفت عوراتهم وأبانت عن سرائرهم.
[ ١٥ / ١ ]
القوادح في جناب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد سبق الكلام على التوحيد وما يناقضه وينافيه، وينافي كماله، وعرفنا أن التوحيد يناقضه وينافيه الشرك والكفر، والشرك يتنوع إلى أنواع، كما أن الكفر يتنوع إلى أنواع، فالشرك نوعان: أكبر وأصغر، والكفر نوعان: أكبر وأصغر.
وكذلك الظلم نوعان: ظلم أكبر، وظلم أصغر، وكذلك الفسق يتنوع إلى نوعين: فسق أكبر وفسق أصغر، وكذلك النفاق نوعان: نفاق أكبر ونفاق أصغر.
[ ١٥ / ٢ ]
الظلم وأنواعه
فالظلم نوعان: الأول: ظلم أكبر، وهو الشرك والكفر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فجعل الشرك ظلمًا، فهذا ظلم أكبر يخرج من الملة، وقال سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فالكفر ظلم أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، ويحبط جميع الأعمال ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] أي: من المشركين.
والنوع الثاني: ظلم أصغر، وهو ظلم الإنسان نفسه بالمعاصي، فهذا تحت مشيئة الله، ولا يحبط الأعمال ولا يخرج من الملة ولا يوجب الخلود في النار، وهذا كقوله ﷾ بعد أن ذكر النكاح والرجعة والخلع والطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩]، فجعل من تعدى حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالمًا.
ومثله قوله تعالى عن الأبوين -آدم وحواء-: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فالأكل من الشجرة معصية وهي ظلم.
ومثله قوله تعالى عن موسى ﵊: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٦] أي: غفر له المعصية.
ومثله خبر الله تعالى عن يونس أنه قال وهو في بطن الحوت: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فظلم نفسه، فهذا ظلم المعصية.
[ ١٥ / ٣ ]
الفسق وأنواعه
وكذلك الفسق ينقسم إلى قسمين: الأول: فسق أكبر، وهو فسق كفري، وهذا يخرج من الملة، ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويحبط جميع الأعمال، ويخلد صاحبه في النار، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٦ - ٢٨]، فجعل الفسق كفرًا بالله، فهذا فسق الكفر.
ومثاله أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة:٩٩]، أي: فسوق كفر، ومثاله أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] أي: فسق فسقًا كفر أخرجه من الملة، وهو كفر الإباء والاستكبار والعياذ بالله.
والنوع الثاني: فسق أصغر، وهو فسق المعاصي، وهذا لا يوجب الخلود في النار، ولا يخرج من الملة، ولا يحبط الأعمال، ويكون صاحبه إذا مات عليه من غير توبة تحت مشيئة الله، ومثاله قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] أي: فسق بكذبه في الخبر.
ومثله قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] يعني: لا فسوق بمعصية في الحج.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] أي: فسوق معصية لا يخرج من الملة.
[ ١٥ / ٤ ]
الجهل وأنواعه
وكذلك الجهل ينقسم إلى قسمين: الأول: جهل أكبر، وهو جهل الكفر، وهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويخرج من الملة، ويحبط الأعمال، ويخلد صاحبه في النار، والعياذ بالله، ومثاله قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي: الجاهلين جهل كفر، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤].
وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩]، أي: اصفح عن المشركين، وهذا قبل أن يؤمر بالجهاد ﵊.
والثاني: جهل أصغر، وهو جهل المعصية، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، فكل من عصى الله فهو جاهل ولو كان عالمًا بالمعصية.
[ ١٥ / ٥ ]
النفاق وأنواعه
وكذلك النفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق أكبر، ونفاق أصغر.
فالنفاق الأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويخرج من ملة الإسلام، ويحبط جميع الأعمال، ويوجب لصاحبه الخلود في النار في دركها الأسفل تحت اليهود والنصارى والوثنيين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥].
والنفاق الأكبر: هو أن يظهر الإنسان إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وهو في الباطن منصرف من ذلك كله، فلا يؤمن بالله في الباطن، ولا بالملائكة ولا بالكتب ولا بالرسل ولا باليوم الآخر ولا بالقدر، ولا يؤمن بالقرآن وأن الله تكلم به، وأن الله أنزله هداية للناس، وشفاء لما في الصدور، وأن الله أنزله للإنذار والبشارة، ففيه بشارة المؤمنين وإنذار لبأس الله وعقابه.
والنوع الثاني: نفاق أصغر، وهذا النفاق الأصغر تحت مشيئة الله، وقد يكون معصية من المعاصي، وقد يغفره الله، ولا يخرج من ملة الإسلام، ولا يحبط الأعمال، ولا يوجب الخلود في النار.
والفرق بين النوعين: أن النفاق الأكبر يكون في القلب، والنفاق الأصغر يكون في العمل، فالنفاق الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فمن مات على ذلك فهو كافر مشرك لا يغفر له، وهو خارج من ملة الإسلام، وأعماله كلها حابطة، وهو من المخلدين في النار في دركها الأسفل، نسأل الله السلامة والعافية.
وهو أن يكون للإنسان باطن وظاهر، فباطنه الكفر وظاهره الإسلام، ففي الظاهر يصلي مع الناس ويصوم ويحج ويجاهد ويتصدق، وقد يتكلم بكلام طيب نفاقًا، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكنه في الباطن كاذب، وقلبه غير منقاد، وإن صدق وعرف الحق لكنه ليس مقرًا ولا معتقدًا به.
[ ١٥ / ٦ ]
صور من الكفر الأكبر
والكفر الأكبر الذي يخرج من الملة له أنواع وأمثلة: النوع الأول: تكذيب الله ورسوله ﷺ، أو تكذيب أحدهما.
الثاني: تكذيب بعض ما جاء عن الله، أو بعض ما جاء عن رسول الله، ومن أدلة ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة:١٠]، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٣٥]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٣٩].
الثالث: بغض الله ورسوله ﷺ، أو بغض أحدهما.
الرابع: بغض شيء مما جاء عن الله أو عن رسول الله ﷺ.
فهذه أربعة، وإن شئت جعلتها ثمانية فقلت.
أولًا: تكذيب الله تعالى.
ثانيًا: تكذيب الرسول ﷺ.
ثالثًا: تكذيب بعض ما جاء عن الله.
رابعًا: تكذيب بعض ما جاء عن رسول الله.
خامسًا: بغض الله.
سادسًا: بعض رسول الله.
سابعًا: بغض شيء مما جاء عن الله.
ثامنًا: بغض شيء مما جاء عن رسول الله.
تاسعًا: المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ، أي: السرور والمحبة لضعف الإسلام والمسلمين، فإذا ضعف المسلمون وانخفض دين الإسلام فرح المنافق واستبشر وسره ذلك.
عاشرًا: الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ، فالمنافق يكون عنده كراهية وأسف إذا انتصر دين الرسول ﷺ أو انتصر الإسلام والمسلمون، فإذا انتصر الإسلام والمسلمون كره ذلك وساءه ذلك، فهذا منافق في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله.
الحادي عشر: اعتقاد عدم وجوب تصديق الرسول ﷺ في أخباره، أي: يعتقد أنه لا يجب تصديق الرسول ﷺ في أخباره، أو يعتقد أنه لا يجب تصديق الله ولا تصديق رسوله ﷺ في الأخبار التي جاءت في القرآن وفي السنة، فيقول: يجوز أن تصدق خبر الله ورسوله ﷺ لكنه ليس بواجب، أي: إن شئت فصدق، وإن شئت فلا تصدق، فأنت بالخيار، إن شئت أن تصدق خبر الله وخبر رسوله فافعل، وإن شئت أن تصدق كلام المنجمين أو غيرهم فافعل، فهذا نفاق، فلابد من أن يعتقد وجوب تصديق الله والرسول ﷺ في أخبارهما.
الثاني عشر: اعتقاد عدم وجوب طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ، أي أنه تجوز طاعة الله ورسوله، لكنها ليست واجبة، فهذا نفاق.
الثالث عشر: أن يطلب العلم بالله من غير أخبار الله ورسوله، فيطلب معرفة الله بأسمائه وصفاته عن طريق الفلاسفة، أو يطلبها عن طريق التقليد.
الرابع عشر: أن يطلب العمل لله من غير أمر الله وأمر رسوله ﷺ، ويعمل لله ويتقرب إلى الله، لكن من غير أوامر الله وأوامر رسوله، بل من طريق الوجد أو الذوق أو القياس أو التقليد، فهذا نفاق.
[ ١٥ / ٧ ]
النفاق وخطره
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد سبق الكلام على التوحيد وما يناقضه وينافيه، وينافي كماله، وعرفنا أن التوحيد يناقضه وينافيه الشرك والكفر، والشرك يتنوع إلى أنواع، كما أن الكفر يتنوع إلى أنواع، فالشرك نوعان: أكبر وأصغر، والكفر نوعان: أكبر وأصغر.
وكذلك الظلم نوعان: ظلم أكبر، وظلم أصغر، وكذلك الفسق يتنوع إلى نوعين: فسق أكبر وفسق أصغر، وكذلك النفاق نوعان: نفاق أكبر ونفاق أصغر.
[ ١٥ / ٨ ]
صور من الكفر الأكبر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا أن الأربعة الأنواع الأخيرة من النفاق: ثم هنا نفاقان: نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة.
فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، كأن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ في خبره، ولا وجوب طاعته في أمره، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علمًا وعملًا، وأنه يجوز تصديقه وطاعته، لكنه يقول: لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدًا، وأنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول ﷺ وبغير متابعته، كما هو قول الصابئة الفلاسفة، يقولون: تحصل السعادة والنجاة بمتابعة الرسول صلى الله وسلم وبغير متابعته، إما من جهة الفلسفة والصبو، أو من جهة التهود والتنصر، فإنهم وإن صدقوا الرسول ﷺ وأطاعوه لكنهم لا يوجبون ذلك، ولا يرون وجوب ذلك على أهل الأرض جميعًا، بحيث يكون التارك لتصديقه وطاعته معذبًا، بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك، قال: وهذا دين التتار ومن دخل معهم.
أي: وبيان هذا النفاق أنه لا يرى أنه يجب تصديق الرسول ﷺ وتجب طاعته، بل يجوز أن تصدقه ويجوز أن تطيعه، والسعادة والنجاة تحصل من طريق الرسول ومن غير طريقه، كطريق الفلسفة أو الصبو أو التهود أو التنصر، فهؤلاء منافقون ولو صدقوا الرسول وأطاعوه؛ لأنهم لا يرون وجوب تصديقه ولا يرون وجوب طاعته على الناس جميعًا، بحيث لا يكون الذي لم يصدق الرسول ولم يتبعه معذبًا، بل يرون طاعة الرسول مثل التمسك بمذهب إمام من الأئمة، أو مثل الدخول في طريقة شيخ من الشيوخ، أو مثل الدخول في طاعة ملك من الملوك، وهذا دين التتار ومن دخل معهم.
ثم قال ﵀: فأما النفاق الذي هو دون هذا كأن يطلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، كما يبتلى بالأول كثير من المتكلمة، وبالثاني كثير من المتصوفة، فإنهم يوجبون تصديق الرسول ﷺ ويوجبون طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكًا آخر، إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجد، وإما من جهة التقليد.
قال ﵀: فانظر نفاق الصنفين مع اعترافهم باطنًا وظاهرًا بأن الرسول أفضل الخلق وأكمل الخلق، وأنه رسول وأنه أعلم الناس، لكنهم لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك متابعته، فقد كفروا.
وإذا أرادوا أن يعلموا ما يتصف به الله من الصفات؛ فلا يأخذون ذلك من الكتاب والسنة، وإنما يأخذونه عن طريق العقل أو عن طريق مناهج أهل الفلسفة، فهذا هو النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة ويحبط الأعمال ولا يغفره الله ويوجب الخلود في الدرك الأسفل من النار.
[ ١٥ / ٩ ]
صور من النفاق الأصغر
أما النوع الثاني من النفاق: فهو نفاق أصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط الأعمال ولا يوجب الخلود في النار، بل هو معصية من المعاصي، وضابطه أنه يكون في العمل، وهو كل ما ورد من الأعمال تسميته نفاقًا، وهذا له أمثلة، منها: الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر في العهد، والإعراض عن الجهاد، والكسل عند القيام إلى الصلاة، والمراءاة للناس في العمل، وعدم ذكر الله في الصلاة إلا قليلًا، وتأخير الصلاة عن وقتها، ونقرها كنقر الغراب، والتخلف عن صلاة الجماعة، فكل هذه أمثلة للنفاق الأصغر، ولها أدلتها من الكتاب والسنة.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (آية - أي: علامة- المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي صحيح مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، يعني: وزعم أنه مسلم حقًا، فليس إسلامه حقيقيًا، وإنما إسلامه ناقص.
وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر).
قال بعض العلماء تعليقًا على هذا الحديث: هذه الخصال التي ذكرها النبي ﷺ الأربع قد تجتمع مع أصل الإسلام أو الإيمان، ولكنها إذا استحكمت وكملت فقد ينسلخ صاحبها من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذا الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا، وقد تجتمع كلها في العبد ويكون عاصيًا، لكنها إذا بلغت الغاية والنهاية في الاستحكام والكمال فهي تدل على النفاق الأكبر وتجره إليه، لأنه لو لم يكن منافقًا نفاق كفر لما استحكمت وكملت، فلما استحكمت وكملت وبلغت الغاية والنهاية دل ذلك على أن صاحبها ليس عنده شيء من الإيمان وأنه منافق خالص، وإلا فالأصل أنها معاص.
والدليل على أن الإعراض عن الجهاد من النفاق: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، فالإعراض عن الجهاد خصلة من خصال النفاق.
والدليل على أن الكسل والرياء وعدم ذكر الله إلا قليلًا من النفاق قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].
والدليل على أن تأخير الصلاة عن وقتها ونقرها كنقر الغراب من صفات المنافقين ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كادت أن تغرب بين قرني شيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا)، فهو يؤخر صلاة العصر إلى غروب الشمس، وينقرها كنقر الغراب.
والدليل على أن التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، أو من النفاق العملي ما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق).
فقوله: (ولقد رأيتنا)، يعني الصحابة، (وما يتخلف عنها)، يعني: عن صلاة الجماعة في المسجد، ثم قال: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف).
فـ عبد الله بن مسعود ﵁ يذكر أنه لا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق.
[ ١٥ / ١٠ ]
خوف الصالحين من النفاق
والنفاق قد خافه الصحابة رضوان الله عليهم على أنفسهم لكمال علمهم بالله، وكمال معرفتهم بربهم، وكمال تعظيمهم له، وكانوا يخشون من النفاق على أنفسهم، حتى قال عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله تعالى -وهو تابعي جليل-: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه! ما منهم من يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
وهذا النفاق الذي خشيه الصحابة على أنفسهم هو النفاق العملي؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، ولا يخشون من الكفر، وإنما يخشون من النفاق أن يكون في الأعمال، ومثله قول عمر ﵁ لـ حذيفة: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق؟ وفي رواية: هل عدني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا أبدًا.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمراد بالنفاق النفاق العملي.
والنفاق الأكبر هو الذي يخرج من الملة ويحبط الأعمال ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه ويوجب الخلود في النار في دركها الأسفل.
فهذا النفاق داء عضال، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: قد يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي، أي أنه خفي على الناس وقد يتلبس به الإنسان وهو لا يشعر، فيظن أنه مصلح وهو مفسد.
[ ١٥ / ١١ ]
كيف يعامل المنافقون
ولقد هتك الله ﷾ أستار المنافقين، وكشف أسرارهم وجلّى صفاتهم وأمورهم لعباده المؤمنين حتى يكونوا منهم على حذر، فإن المنافقين كثيرون ويعيشون بين المسلمين في كل زمان ومكان، وبلية الإسلام منهم عظيمة، وفتنتهم شديدة، وهم يعيشون بين المسلمين ويتظاهرون بالإسلام وينسبون إليه وإلى أهله، ويظهرون أنهم ينصرون الإسلام، وهم يكيدون له ولأهله، وهم أعداء الإسلام في الحقيقة، يتلونون بكل لون، ويظهرون كفرهم في قالب متنوع ومتلون، في قالب العلم والصلاح وهو الجهل والإلحاد.
وكفر المنافقين أشد من كفر الكفار باطنًا وظاهرًا، والمنافقون كفار في الباطن مسلمون في الظاهر، وتجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر إذا لم يظهروا نفاقهم، فهم يغسلون إذا ماتوا ويصلى عليهم، ويدفنون مع المسلمين في مقابرهم، ويرثون ويورثون، لكن من أظهر منهم نفاقه فإنه يقتل ويعامل معاملة الكفار، فإذا أخفى نفاقه ولم يظهر لنا إلا الإسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام، كما كان الرسول ﷺ يجري أحكام الإسلام على المنافقين في زمنه، فإن عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين كان يصلي الجمعة مع النبي ﷺ، وكان يعظ الناس ويقول: احمدوا الله واشكروه على هذا النبي واتبعوه.
فلما كان بعد غزوة أحد وانحاز بثلث الجيش تكلم بعض أصحابه وقال: عرفناك يا عدو الله، أو كلمة نحوها، فخرج وجعل يتكلم وهو يمشي ويقول: أنا أريد أن أشد أمره، وهو يريد أن يعليه.
أو كما قال.
ولما مات عبد الله بن أبي ووضع في حفرته جاءه النبي ﷺ فاستخرجه من القبر وألبسه قميصه ونفث فيه من ريقه، وقام ليصلي عليه، فجره عمر وقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد قال كذا وكذا؟! فقال النبي ﷺ: (أخر عني يا عمر، فإني خيرت، فقيل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فو الله لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت على السبعين)، وهذا ثبت في صحيح البخاري، ثم صلى عليه، وذلك قبل النهي عن الصلاة عليهم، ثم بعد ذلك نزلت الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصلِّ النبي ﷺ على أحد بعد ذلك، والنبي ﷺ عندما استخرج عبد الله بن أبي من قبره وكفنه قميصه ونفخ فيه من ريقه فعل ذلك رجاء أن ينفعه الله بذلك، ومراعاة لابنه عبد الله وللأوس والخزرج؛ فإن عبد الله بن عبد الله بن أبي من أصلح عباد الله، وألبسه قميصه مكافأة له؛ لأنه أعطى العباس عم النبي قميصًا، وكان العباس رجلًا طويلًا، فلم يوجد للعباس ثوب يناسبه في الطول إلا ثوب عبد الله بن أبي، فأعطاه إياه، فكافأه النبي ﷺ وألبسه قميصه، وصلى عليه؛ لأنه ما نهي عن الصلاة عليه، ولعل الله أن ينفعه.
فالمنافقون تجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، والله تعالى هو الذي يتولى السرائر، وفي الآخرة إذا كانوا كفارًا فهم في الدرك الأسفل من النار، فإن أظهروا شيئًا من كفرهم كالعمل أو القول الكفري فإنهم يقتلون من قبل الحاكم الشرعي، أو من قبل ولاة الأمر.
[ ١٥ / ١٢ ]
المنافقون في القرآن
والله ﷾ جلّى لعباده صفات المنافقين ليكونوا منهم على حذر؛ لشدة فتنتهم وشدة الابتلاء بهم، ولكونهم يعيشون بين المسلمين، وهم يكيدون للإسلام وأهله، فالله تعالى ذكر صفاتهم في بعض سور القرآن، فقد ذكرهم الله في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران، وفي سورة التوبة، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة محمد، وفي سورة الفتح، وفي سورة المنافقون.
[ ١٥ / ١٣ ]
صفات المنافقين في سورة البقرة
افتتح الله تعالى سورة البقرة ببيان طوائف الناس الثلاث، فذكر أن الطوائف ثلاث: الطائفة الأولى: مؤمنون ظاهرًا وباطنًا، وقد ذكرهم الله في أربع آيات.
الطائفة الثانية: كفار ظاهرًا وباطنًا، وقد ذكرهم الله في آيتين.
الطائفة الثالثة: كفار باطنًا مسلمون ظاهرًا، وهم المنافقون، وقد ذكرهم الله في ثلاث عشرة آية، قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥]، فهذه صفات المؤمنين باطنًا وظاهرًا، فهم يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما أنزل على الرسول وما أنزل من قبله، ويصدقون بالآخرة.
ثم ذكر أوصاف الكفار ظاهرًا وباطنًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧].
ثم ذكر المنافقين الذين هم كفار في الباطن ومسلمون في الظاهر في ثلاث عشرة آية، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨].
فالوصف الأول: أنهم يؤمنون باللسان ويكفرون بالقلب، فالله تعالى أثبت لهم الإيمان بالقول، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ونفى عنهم الإيمان في القلب، فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
والوصف الثاني: الخداع، قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩].
ومن أوصافهم حصول الشك والنفاق في قلوبهم، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠]، أي: مرض الشك والنفاق: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠].
ومن أوصافهم أنهم يفسدون في الأرض ويسمون إفسادهم إصلاحًا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]، فرد الله عليهم: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢].
ومن أوصافهم أنهم يسمون الإيمان سفهًا والمؤمنين سفهاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣]، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣].
وقال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].
فالمنافق له وجهان: وجه مع المؤمنين وآخر مع الكافرين، فإذا لقي المؤمنين قال: أنا مؤمن، وإذا ذهب إلى المنافقين والكفار قال: أنا أستهزئ بأولئك المؤمنين وأسخر منهم، وأنا معكم.
قال الله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٥ - ١٦].
ثم ضرب الله لهم مثلًا ناريًا ومثلًا مائيًا، فالمثل الناري قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٧ - ١٨]، فهم عرفوا الحق، ورأوا النور ثم عموا عنه وتركوه، كمثل الذي استوقد نارًا فأضاءت ما حوله ثم ذهب الله بنورهم.
ثم ضرب الله لهم المثل المائي فقال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٩ - ٢٠]، أي: ليس عندهم ثبات واستقامة، بل عندهم شك وتردد؛ لأن النفاق يتفاوت فيهم، فمنهم من نفاقه مستحكم، ومنهم من عنده شك، ومنهم من يؤمن مرة ويكفر مرة أخرى، كالذي يمشي في ليلة ممطرة فيها ظلمات ورعد وبرق، فكلما أضاء البرق مشى، وإذا أظلم وقف، أي: عنده شك وتردد، نسأل الله السلامة والعافية.
وذكرهم الله تعالى في سورة البقرة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، أي: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، فيتكلم بكلام طيب حتى تغتر به وتطمئن إليه، ويشهد الله على ما في قلبه أنه صادق، وهو كاذب ومن ألد الخصام! ومن أعمالهم ما ذكرها الله ﷿ بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، فهذه من أوصاف المنافقين، وكذلك ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
[ ١٥ / ١٤ ]
صفات المنافقين في سورة آل عمران
وذكر الله تعالى أوصافهم في سورة آل عمران، ففي غزوة أحد لما حصل للمسلمين ما حصل، وكان في أول الأمر النصر للمسلمين، ثم لما ترك الرماة الموقف وحصل ما حصل بين الله حال المؤمنين وحال المنافقين، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: إذ تهربون ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٣ - ١٥٤]، فالله تعالى أنزل النعاس على المؤمنين لتطمئن قلوبهم.
ولهذا قال العلماء: النعاس في الحرب من الله، بخلاف النعاس في الصلاة، فإنه من الشيطان، فالنعاس فيها يكون من النفاق، أما النعاس في الحرب فهو يدل على الإيمان، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١]، وفي الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] وهم المؤمنون، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وهم المنافقون، فليس عندهم نعاس، بل عندهم رعب وخوف وهلع، وهل يمكن للإنسان أن يكون عنده رعب وخوف وهلع ويكون عنده نعاس؟! وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] أن الكفار ظنوا أن الدائرة ستكون لهم، وأنهم سوف يقضون على الإسلام قضاء مبرمًا، وقد بين الله هذا الظن في سورة الفتح بقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢]، فظنوا أن الرسول ﵊ والصحابة لا يرجعون إلى المدينة، وسيقضون عليهم قضاء مبرمًا وينتهي الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، وهذا الكلام قاله عبد الله بن أبي، حيث قال: على أي شيء نخرج ونقتل أنفسنا؟! فرد الله عليهم: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
وقال سبحانه بعد آيات في بيان غزوة أحد وما أصاب المسلمين: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧] أي أن الهزيمة بإذن الله، ولأجل أن يعلم المؤمنين أنه إنما يظهر الإيمان ويستقر بعد المحنة والامتحان والابتلاء، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧] أي: لأجل أن يخرجوا ما في نفوسهم من كراهية للإسلام والمسلمين، ولهذا فإن النفاق لم يظهر إلا بعد غزوة بدر، قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧]، وهذا من صفات المنافقين، فهم يقولون كلامًا يخالف ما في قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران:١٦٧].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] وهم المنافقون حينما قعدوا عن الجهاد وقالوا لإخوانهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]، أي: قالوا للذين خرجوا من المدينة للقتال: لو أطاعونا في عدم الخروج للقتال ما قتلوا.
قال الله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
ولا يستطيعون.
[ ١٥ / ١٥ ]
صفات المنافقين في سورة التوبة
وفي سورة التوبة جلّى الله تعالى كثيرًا من أوصاف المنافقين، وبينها وأوضحها وهتك أستارهم وكشفها، ولهذا تسمى هذه السورة بالفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، وخاف منها المنافقون خوفًا عظيمًا، حتى خافوا أن يسموا بأسمائهم من كثرة ما بين الله من أوصافهم بقوله: (ومنهم)، (ومنهم)، (ومنهم).
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١]، فقد أمر الله بالنفير والجهاد بالمال والنفس، وبين أن هذا خير لهم، ثم بين حال المنافقين عند النفير للجهاد، فقال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:٤٢]، فلو كان هناك غنيمة والسفر ليس متعبًا، كما لو كان غير طويل، وكان على الرواحل وعلى الإبل فإنهم سيتبعونك، أما السفر إلى تبوك فسفر طويل والوقت شديد، وبينها وبين المدينة مفازات، فهذا لا يصبر عليه إلا من عنده إيمان، أما المنافق فلا يصبر على هذا، ولذلك تختلف كثير من المنافقين، ولما رجع النبي ﷺ إلى المدينة حلفوا أن لهم أعذارًا، فقبل النبي ﷺ منهم على نياتهم ووكل سرائرهم إلى الله.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة:٤٢] أي أنهم لم يخرجوا للجهاد لعدم وجود الاستطاعة والقدرة، قال الله: ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:٤٢].
ثم قال الله للنبي ﷺ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]، وبين سبحانه أن الذي يستأذن الرسول ﷺ في عدم الذهاب إلى الجهاد إنما ذلك بسبب النفاق في قلبه، أما المؤمن فلا يستأذن، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة:٤٤ - ٤٥]، فالمنافقون يستأذنون في عدم الخروج إلى الجهاد بسبب عدم الإيمان بالله ورسوله، ففي قلوبهم ريب وشك في الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، فبين الله تعالى أنه كره خروجهم إلى الجهاد لما يترتب عليه من المفاسد، ثم بين الله المفاسد التي تحصل من خروج المنافقين، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] أي: شرًا وفسادًا، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] يعني: يعملون الشر بينكم وفي أوساطكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: من ضعفاء البصائر والإيمان فيكم من يسمع لهم: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٤٧ - ٤٨].
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩]، وهذا من أقوال بعض المنافقين، وحين أراد النبي ﷺ غزوة تبوك لقتال بني الأصفر -وهم النصارى الرومان- جاء بعض المنافقين وقال: ائذن لي يا رسول الله؛ فإني إذا رأيت نساء بني الأصفر أخشى على نفسي من الفتنة، فلا أستطيع أن أصبر عنهن، فأقع في الفاحشة، قال الله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩].
ثم بين الله ﷾ أن من أوصافهم أنه إذا أصاب الرسول ﷺ وأصحابه نصر ساءهم ذلك، وإذا أصابهم ابتلاء وامتحان سرهم ذلك، قال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة:٥٠]، قال الله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥١ - ٥٢].
ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٤ - ٥٥]، أي: لا تغتر بأموالهم الكثيرة ولا بأولادهم الكثيرين، فهذا المال عذاب معجل في الدنيا، ثم لهم عذاب في الآخرة: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]، وهذا واضح؛ فإنك تجد صاحب الأموال الطائلة الكثيرة معذبًا في جمعه للأموال، فليست عنده راحة ولا طمأنينة في الغالب، فتجده لا يستطيع أن يأخذ راحته من النوم من كثرة الاتصالات وكثرة المشاغل وكثرة الأعمال الإدارية، فهذا عذاب، ثم يأتيه عذاب بعد جمعه، بخلاف من رزقه الله كفافًا، فهذا مستريح، وكذلك من رزقه القناعة في قلبه.
وقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة:٥٦]، أي: يحلفون بالله إنهم من المسلمين والمؤمنين وليسوا منهم.
وقال تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة:٥٧]، أي: لو يجدون شيئًا يلوذون به عن الجهاد للاذوا به.
وبين الله تعالى أن من أوصافهم أنهم يعيبون رسول الله ﷺ وينتقدونه في الصدقات فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨].
وبين الله ﷾ أن من أوصافهم أنهم يؤذون النبي: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] قال الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١].
وبين الله أن من أوصافهم أنهم يحلفون للمؤمنين حتى يرضوا، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦]، وقال أيضًا: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢]، فهم يحلفون للمؤمنين ليرضوهم في الظاهر وهو مخالف لما عليه بواطنهم.
وبين سبحانه أنهم يحذرون من أن تنزل سورة تنبئ المسلمين بما في قلوبهم فقال: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:٦٤].
ومن أوصافهم السخرية والاستهزاء بالله وبكتابه وبرسوله وبدينه، كما قال الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] وبين الله من أوصافهم أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يتصدقون، بل أيديهم مقبوضة، ولا ينفقون؛ لأنه ليس عندهم إيمان، قال تعالى: ﴿وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤]، وإذا أنفقوا أنفقوا شيئًا يسيرًا مع الكراهة وعدم انشراح الصدر، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٧ - ٦٨].
ومن أوصافهم أنهم عاهدوا الله لئن أعطاهم من فضله مالًا فإنهم سيتصدقون ويكونون من الصالحين، فلما أعطاهم الله المال بخلوا وامتنعوا، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَا
[ ١٥ / ١٦ ]
صفات المنافقين في سورة الأحزاب
ومن أوصاف المنافقين ما ذكر الله تعالى في سورة الأحزاب لما تحزب الكفار وتجمعوا من قبائل العرب ورموا المسلمين عن قوس واحدة وجاءوا حول المدينة، وأمر النبي ﷺ بحفر الخندق بإشارة سلمان الفارسي، فقد حصلت شدة على المؤمنين وبلاء وفتنة عظيمة، فثبت الله المؤمنين، أما النفاق فقد نجم وظهر.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١]، أما موقف المنافقين فقد قال الله عنه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، فالمنافقون ليس عندهم إيمان ولا صبر ولا تحمل.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:١٣ - ١٤] يعني: المدينة ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب:١٤ - ١٩] أي: القتال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب:١٩] والمراد بالخير الغنيمة، فإذا ذهب الخوف عنهم جاءوا ليشاركوكم في الغنيمة، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩].
ثم قال الله سبحانه: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٠]، فهم يحسبون أن الأحزاب -وهم الكفار الذين تحزبوا على المسلمين- لم يذهبوا، وإذا أتى الأحزاب يودون لو أنهم في البادية والبرية يستمعون الأخبار، أي: يستمعون أخباركم ما الذي حصل بكم؟ أما المؤمنون فقد ثبتهم الله، فقال في المؤمنين: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٣].
[ ١٥ / ١٧ ]
صفات المنافقين في سورة محمد
وقد ذكر الله ﷾ أوصاف المنافقين أيضًا في سورة محمد، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]؛ لأن من صفات المنافقين كراهة وبغض ما أنزل الله، وهذا سبب في حبوط عملهم وكفرهم وردتهم.
وذكر من أوصافهم قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦].
وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد:٢٠] أي: مرض الشك والنفاق: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١] فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال أصابهم هلع وقلق وجبن، فهم «يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» لعدم وجود الإيمان في قلوبهم وعدم تحليهم بالصبر.
وبين ﷾ أن من أوصافهم أنهم يكرهون ما أنزل الله ويتبعون ما أسخط الله فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٤ - ٢٩] والمراد بالمرض: مرض النفاق، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠].
[ ١٥ / ١٨ ]
صفات المنافقين في سورة الفتح
وبين ﷾أيضًا- أوصافهم في سورة الفتح، ومنها أنهم يظنون بالله ظنًا سيئًا، وهو أنهم سيقضون على الإسلام والمسلمين وستكون الدائرة للكفرة، قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١]، هكذا المنافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١١ - ١٢] أي: ظن المنافقون في غزوة أحد أن لن يرجع الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا، وأن الدائرة للكفار على المؤمنين، وأنه سيقضى على الإسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح:١٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦].
[ ١٥ / ١٩ ]
صفات المنافقين في سورة المنافقون
وفي سورة المنافقون جلّى الله تعالى أوصافهم، وبين ﷾ أنهم يشهدون للنبي ﷺ بالرسالة، لكن قلوبهم منكرة ومكذبة وليس عندهم الانقياد، وإن كان عندهم معرفة في القلب، لكن ليس عندهم انقياد ولا محبة ولا نية ولا إخلاص، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] أي: الله يشهد أنهم كاذبون بقلوبهم، وإن كانت ألسنتهم مصدقة، كما قال في أول سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٨] يعني: بألسنتهم: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] يعني: بقلوبهم.
ثم قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:٢] أي: اتخذوا أيمانهم سترة يستترون بها عن القتل ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٢ - ٤] أي: إذا رأيت أجسامهم أعجبتك لجمالها ونظرتها، وأن سمعت مقالتهم فإنها خلابة وفيها كلام لين، كأنهم خشب لا ثمر لها، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون:٤ - ٥]؛ لأنَّه ليس عندهم إيمان، ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥]، ثم قال: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧]، يقول بعضهم: لا تنفقوا على هؤلاء المؤمنين حتى ينفضوا من حوله ويتركوه، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٧ - ٨]، وهذه المقالة قالها عبد الله بن أبي، وسمع بذلك ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان من أصلح عباد الله، وأبوه رئيس المنافقين، واسمه عبد الله، ولا بأس بأن يسمي ابنه باسمه، وبعض الناس يظن أن هذا لا يجوز، وأنه لا يسمى به إلا إذا مات، فـ عبد الله بن عمر سمى ابنه عبد الله وسمى الآخر عبيد الله وهو حي.
فقال: عبد الله بن عبد الله بن أبي لأبيه: والله لا تدخل المدينة حتى تكون أنت الأذل ورسول الله ﷺ هو الأعز.
فهذا استعراض سريع لبعض أوصاف المنافقين التي ذكرها الله في كتابه، نسأل الله ﷾ أن يعيذنا وإياكم من صفات المنافقين ومن صفات الكفرة والمشركين والوثنيين، ونعوذ به من أحوال أهل الضلال، ونسأله ﷾ أن يرزقنا وإياكم الاستقامة على دينه، والثبات عليه حتى الممات، إنه على كل شيء قدير.
[ ١٥ / ٢٠ ]
الأسئلة
[ ١٥ / ٢١ ]
توحيد الاتباع
السؤال
ما حكم من يقول: إن القسم الرابع من أقسام التوحيد هو توحيد الاتباع؟
الجواب
لا مشاحة في الاصطلاح، وليست العبرة بالتقسيم، إنما العبرة بالمعنى، وتوحيد الاتباع هو توحيد العبادة، فليس هو قسمًا رابعًا، إنما هو توحيد العبادة، لكن لا أعلم أن أحدًا جعله قسمًا رابعًا.
[ ١٥ / ٢٢ ]
حكم إنكار الحديث المتواتر
السؤال
هل من أنكر حديثًا متواترًا في الأحكام أو في الاعتقاد يكون فعله من تكذيب الرسول ﷺ؟
الجواب
إذا كان مثله يعلم هذا؛ لأنَّه ليس كل أحد يعلم الحديث المتواتر، والمعروف عند العلماء أن الإنسان إذا أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة تحريمه، كتحريم الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، أو أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة وجوبه كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وليس له شبهة، وهو يعلم ذلك فقد كفر، أما الحديث المتواتر فإنه يخفى، وما كل أحد يعلم الحديث المتواتر، ولا يعرفه إلا الخاصة.
[ ١٥ / ٢٣ ]
حكم الدعاء بـ (الحمد لله حمد الشاكرين)
السؤال
ما رأيكم فيمن يدعو فيقول: (الحمد لله حمد الشاكرين) في الصلاة وبعد الفراغ من الطعام وفي غيرهما؟
الجواب
إذا دعا بهذا الدعاء بعد الفراغ من الطعام فلا بأس، فهذا الدعاء نوع من أنواع الذكر، والذكر الأمر فيه واسع، وإذا أتى بالأذكار المشروعة فهو أفضل، وإذا أتى بالأذكار والتي لا محذور فيها فلا حرج، والذكر لا ينافي الصلاة، لكن لا ينبغي للإنسان أن يأتي إلا بذكر مشروع، لكن لو قال: سبحان الله والحمد لله في الصلاة فهو ذكر، ولا ينافي الصلاة.
[ ١٥ / ٢٤ ]
ما يستدل به من نزول المطر عند دفن الميت
السؤال
مات رجل في طريقنا وقد أصيب بمرض أو غيره من المصائب، ونسبوه إلى الصلاح، فلما مات بعد الظهر ذهب بعض الناس يحفرون له القبر، وكان الجو حارًا، وبينما هم يحفرون القبر كان في السماء غيوم، ونزل المطر أثناء الحفر والدفن، فهل هذا دليل على حسن خاتمته كما قال بعضهم؟
الجواب
لا أعلم أن هذا يدل على شيء، ولا أعلم بدليل يدل على أن هذا يدل على فضيلة هذا الميت.
[ ١٥ / ٢٥ ]
الفرق بين الكفر والشرك
السؤال
ما هو الفرق بين الكفر والشرك؟
الجواب
لا فرق بينهما، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر؛ لأنه عبد هواه، ومن عبد الهوى والشيطان فهو مشرك، وهو كافر؛ لأنه جحد التوحيد وجحد الحق، لكن إذا كان فعله يتعلق بالجحود فهذا خاص بالكفر، وإذا كان يتعلق بالإشراك في العبادة فهو خاص بالشرك.
[ ١٥ / ٢٦ ]
حكم من قال: إنه يعرف الله بالعقل
السؤال
ما حكم قول كثير من العامة: ربنا بالعقل عرفناه؟
الجواب
نعم عرفنا ربنا بالعقل والفطرة والشرع، قال الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فالله ﷾ معروف بالعقول والفطرة والسمع والشرع، وفطر الله العباد والمخلوقات كلها على معرفة الله ووجوده وأنه في السماء وأنه فوق العرش ﷾.
[ ١٥ / ٢٧ ]