دروس في العقيدة [١٧]
كلام الله تعالى صفة من صفاته التي يجب على المسلم أن يثبتها لربه كما أثبتها تعالى لنفسه من غير تحريف ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وقد أفرزت الحيدة عن هذا المنهج النبوي السلفي أقوالًا ضالة فيما يعتقد في صفة كلام الله تعالى يصل بعضها إلى الكفر، ومن جملة تلك الأقوال ما يعتقده المعتزلة والأشاعرة وهم منتشرون إلى اليوم.
[ ١٧ / ١ ]
أقسام البدع وخطرها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد ذكرنا أن المعاصي والبدع تنقص كمال التوحيد وتضعف الإيمان، وذكرنا أن المعاصي الصغائر تكفَّر بأداء الفرائض واجتناب الكبائر، وأما الكبائر التي تُوعِّد عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب، أو كان فيها حد في الدنيا، أو نفي عن صاحبها الإيمان؛ فإنه لا بد لها من توبة، فإن مات صاحبها عليها فهو تحت مشيئة الله.
وتنقسم البدع إلى قسمين: القسم الأول: بدع توصل صاحبها إلى الكفر، وهذه حكمها حكم الكفر، وقد سبق الكلام على الكفر وأنواعه.
القسم الثاني: بدع لا توصل إلى الكفر، وهذه كالكبائر بل هي أشد من الكبائر، وأحب إلى الشيطان من المعاصي والكبائر، لأن صاحب الكبيرة معترف بالخطأ، فحري به أن يوفق للتوبة، بخلاف صاحب البدعة فإنه غير معترف بالخطأ، ولذلك فإن صاحب البدعة لا يتوب في الغالب إلا من وفقه الله، والبدع كثيرة، وهي موجودة في الأذكار، وفي الصلوات، وفي الصيام، وفي الحج، لكن أشد البدع وأعظمها البدع التي ابتدعت في أسماء الله تعالى وصفاته، والبدع التي ابتدعت في كلام الرب ﷾، وفي علوه، وقد ذكرنا أشهر البدع التي قيلت في كلام الرب ﷾، وذكرنا أنها سبعة أقوال كلها مبتدعة، وأن بعضها يوصل إلى الكفر -والعياذ بالله- وبعضها دون ذلك.
[ ١٧ / ٢ ]
ذكر ما قيل في صفة كلام الله تعالى
إن أعظم بدعة قيلت في كلام الله هي بدعة الاتحادية الذين يقولون: كل كلام يسمع في الوجود هو كلام الله، سواء أكان حقًا أم باطلًا، شعرًا أم نثرًا، ولهذا يقول ابن عربي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه فقوله: (وكل كلام في الوجود كلامه).
يعني: كلام الرب، وهذا مبني على مذهبهم في القول بوحدة الوجود، نسأل الله السلامة والعافية.
والبدعة الثانية: البدعة التي قالها الفلاسفة المتأخرون كـ ابن سينا والفارابي تبعًا لمعلمهم الأول أرسطو، وتبعهم على ذلك بعض من المتصوفة، وهي أن الكلام معنىً يفيض من العقل الفعّال على النفس الفاضلة الزكية، فيحصل لها تصورات وتحقيقات بحسب ما يفيض إليها، وهذا مبني على مذهبهم في القول بقدم العالم، وهذا قول كفري أيضًا.
البدعة الثالثة: بدعة السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي، وهي أن الكلام -وإن كان ألفاظًا ومعاني وحروفًا وأصواتًا- لا يتعلق بقدرة الرب ومشيئته، وهذه بدعة، وقول خطأ، فالرب لم يزل ولا يزال يتكلم، وسبق الكلام على شبهتهم، وأنهم بنو مذهبهم على القول بأن الكلام لا بد من أن يقوم بالمتكلم.
البدعة الرابعة: بدعة الكرَّامية، فهم يقولون: إن الكلام حادث في ذات الرب، كائن بعد أن لم يكن، وهذا كلام باطل، ويقولون أيضًا: إنه ألفاظ ومعان وحروف وأصوات تتعلق بقدرة الرب ومشيئته، وهذا كلام حق، ولكن قالوا: إنه كلام حادث في ذاته، فهو حادث النوع كائن بعد أن لم يكن، وقالوا: إن الرب لم يكن متكلمًا، بل كان الكلام يمتنع عليه، ثم انقلب فجأة فصار الكلام ممكنًا له، فنعوذ بالله.
وشبهتهم في هذا أنهم يقولون: لو قلنا: إن الرب يتكلم لكان يخلق بالكلام، فتتسلسل الموجودات والحوادث، وإذا تسلسلت الموجودات والحوادث في الماضي انسد علينا طريق الفهم الصحيح، فلا نستطيع أن نثبت وجود الله، وهذا باطل لأمور.
أولًا: أن الله سبحانه هو الأول فليس قبله شيء.
ثانيًا: أن كل فرد من أفراد هذه الموجودات والمخلوقات مسبوق بالعدم، وهو كائن بعد أن لم يكن.
ثالثًا: أن هذا فيه تنقص لله تعالى، ووصف له بالعجز عن الكلام، ومعلوم أن الكلام صفة كمال فكيف يخلو الله عنها في وقت من الأوقات؟! والرب هو الخلاق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر:٨٦]، وقال: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، فالقول بأن هناك فترة لا يتكلم فيها الرب ولا يخلق ولا يفعل فيه تنقص للرب سبحانه، وهو قول مبتدع ليس عليه دليل، وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل الكلام والبدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، فقالوا: إن هناك فترة لم يتكلم فيها الرب، ولم يخلق ولم يفعل، فلا تتسلسل الحوادث في الماضي، ولكنها تتسلسل في المستقبل.
وللناس في سلسل الحوادث أقوال: القول الأول -وهو القول الحق- قول أهل السنة والجماعة، وهو أن الحوادث متسلسلة في الماضي والمستقبل، فالرب لم يزل فعالًا لما يريد، ولا يزال يفعل ما يريد في المستقبل، فلا يزال يحدث لأهل الجنة نعيمًا بعد نعيم إلى ما لا نهاية، ويحدث لأهل النار عذابًا بعد عذاب إلى ما لا نهاية، وكذلك في الماضي لم يزل الرب يخلق ويفعل، فأهل السنة والجماعة يقولون بتسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل.
القول الثاني: أن الحوادث غير متسلسلة في الماضي لكنها متسلسلة في المستقبل، وهذا قول كثير من أهل الكلام وأهل البدع.
القول الثالث: أن الحوادث غير متسلسلة في الماضي ولا في المستقبل، وهذا أفسد الأقوال، وهو قول الجهم بن صفوان، فيقول: إن الحوادث لا تتسلسل في الماضي ولا في المستقبل؛ لأن الجنة والنار تفنيان يوم القيامة، فينتهي الخلق، وهذا من أفسد الأقوال.
وقد أنكر أهل السنة على الجهم هذا القول وبدعوه وضللوه من أجله.
وأما القول بأن الحوادث متسلسلة في الماضي دون المستقبل فهذه صورة عقلية لم يقل بها أحد.
فتكون الصور العقلية في التسلسل أربع: ثلاث صور قيل بها، وصورة لم يقل بها أحد، وهذه الصور هي: الأولى: أن الحوادث متسلسلة في الماضي والمستقبل، وهذا قول أهل السنة.
الثانية: أن الحوادث غير متسلسلة في الماضي ولا في المستقبل، وهذا قول الجهمية.
الثالثة: أن الحوادث متسلسلة في المستقبل دون الماضي، وهذا قول أهل الكلام.
الرابعة: أن الحوادث متسلسلة في الماضي لا في المستقبل، وهذه لم يقل بها أحد.
فإن قيل: هل يتصور العقل أكثر من هذه الصور الأربع؟ ف
الجواب
أنه لا يتصور أكثر من ذلك.
والمقصود أن الكرامية يقولون: إن الرب معطل عن الكلام والفعل فترة، وهذا قول باطل؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على هذه الفترة، ولأن هذا تنقص للرب، فالرب خلاق وفعال، ولا يصح أن يكون في وقت من الأوقات معطلًا، عن ذلك.
وأما قولهم: إن هذا يسد علينا طريق إثبات الخالق، فهو باطل؛ لأن الله هو الأول فليس قبله شيء، وهذه المخلوقات كلها حادثة وكائنة بعد أن لم تكن، فكل فرد من أفرادها كائن بعد أن لم يكن.
البدعة الخامسة: بدعة الكلابية، وهي القول بأن الكلام معنى قائم بنفس الرب لا يتعلق بقدرته ومشيئته، وأن الحروف والأصوات حكاية له دالة عليه.
والبدعة السادسة: بدعة الأشاعرة، وهي القول بأن الكلام معنىً واحد لا يتجزأ ولا يتعدد.
أما الكلابية فيقولون: الكلام أربعة أنواع في نفسه: أمر ونهي وخبر واستفهام.
البدعة السابعة: بدعة الجهمية والمعتزلة، وهي القول بأن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات متعلقة بقدرته ومشيئته، إلا أنه مخلوق خارج عنه.
القول الثامن -وهو القول الحق- قول أهل السنة والجماعة الذين تلقوا مقالتهم عن الرسل، وهو أن الكلام صفة ذاتية وفعلية، أي أن الكلام من صفات الرب الذاتية لاتصافه بها أزلًا وأبدًا، ومن صفاته الفعلية لكونه واقعًا بقدرته ومشيئته، فهو قديم النوع حادث الآحاد، وكلام الرب صفة من صفاته، فالرب ليس حالًا في خلقه تعالى الله عن ذلك، بل هو مباين لخلقه بذاته وصفاته، فكلامه يتعلق بقدرته ومشيئته، وهو قديم النوع حادث الآحاد، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، فليس كلام الله الحروف فقط دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.
فهذه هي الأقوال المشهورة في كلام الرب تعالى، وهناك أقوال أخرى غيرها.
[ ١٧ / ٣ ]
أصل الخلاف في صفة كلام الله تعالى
إذا نظرت إلى هذه الأقوال وجدتها تدور على أصلين لا تخرج عنهما، الأصل الأول: هل كلام الرب واقع بمشيئته وقدرته، أم أنه بغير مشيئته وقدرته؟ الأصل الثاني: هل كلام الرب قائم بذاته وهو متصف به، أم أنه خارج عن ذاته ومنفصل عنه؟ فأما الأصل الأول -وهو: هل كلام الرب واقع بمشيئته وقدرته أم بغير مشيئته وقدرته- فقد قال فيه بعضهم: إن كلام الرب واقع بغير مشيئته وقدرته، وهم أربع طوائف: فقالت طائفة: إن كلام الرب واقع بغير مشيئته وقدرته، وإنما هو معانٍ تفيض من العقل الفعال على النفس الفاضلة الزكية، فيحصل لها تصورات وتفسيرات بحسب ما قبلت منه، وهذا قول الفلاسفة.
وقالت طائفة: كلام الرب واقع بغير مشيئته وقدرته، وهو ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات قديمة في الأزل لم تزل ولا تزال، وهذا قول السالمية.
وقالت طائفة: كلام الرب واقع بغير مشيئته وقدرته، وهو معنىً قائم بالنفس جامع لأربعة معانٍ هي: الأمر والنهي والخبر والاستفهام، وهذا قول الكلابية.
وقالت طائفة: كلام الرب واقع بغير مشيئته وقدرته، وهو معنىً واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا يتكثر، والحروف والأصوات عبارة دالة عليه، وهذا قول الأشاعرة.
وقال بعضهم: إن كلام الرب واقع بمشيئته وقدرته، وهم أربع طوائف: فطائفة قالت: إن كلام الرب واقع بمشيئته وقدرته، وهو الذي يتكلم به الناس كلهم حقه وباطله، وصدقه وكذبه، وهم الاتحادية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب واقع بمشيئته وقدرته، لكنه خلق الحروف والأصوات خارجة عن ذاته فصار بها متكلمًا، وهم الجهمية والمعتزلة.
وقالت طائفة: إن كلام الرب واقع بمشيئته وقدرته، وهو ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات إلا أنه حادث في ذاته كائن بعد أن لم يكن، وهم الكرامية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب واقع بمشيئته وقدرته، وهو قديم النوع حادث الآحاد، فهو يتكلم إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهم أهل السنة والجماعة.
فصارت هذه الأقوال كلها داخلة في الأصل وهو: هل يتكلم الله بمشيئته وقدرته أم لا؟ وأما الأصل الثاني وهو: هل كلام الرب قائم بذاته متصف به، أم هو خارج عن ذاته ومنفصل عنه؟ فالجواب فيه: أن الناس اختلفوا في هذا الأصل، فقال بعضهم: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه، وهم ثلاث طوائف: فطائفة قالت: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه، وهو معنى يفيض منه على نفس فاضلة شريفة تتكلم به، وهم الفلاسفة.
وقالت طائفة: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه، وهو الذي يتكلم به الناس كلهم، حقه وباطله صدقه وكذبه، وهم الاتحادية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه، ولكنه خلق هذه الحروف والأصوات خارجة عن ذاته فصار بها متكلمًا، وهم الجهمية والمعتزلة.
وقال بعضهم: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به، وهم خمس طوائف: فقالت طائفة: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به، وهو ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات قديمة في الأزل لم تزل ولا تزال، وهم السالمية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به، وهو معنى جامع لأربعة معان في نفسه هي: الأمر والنهي والخبر والاستفهام، وهم الكلابية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به، وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا يتكثر، وهم الأشعرية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به، إلا أنه حادث في ذاته كائن بعد أن لم يكن، وهم الكرامية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به، وهو قديم النوع حادث الآحاد، وهم أهل السنة والجماعة.
فصارت هذه الأقوال كلها ترجع إلى هذين الأصلين.
[ ١٧ / ٤ ]
ذكر ما قيل في الصوت
الذين أثبتوا الصوت في كلام الله خمس طوائف: فقالت طائفة: إن كلام الرب بصوت لم يزل ولا يزال، وهم السالمية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب بحرف وصوت، وهو الذي يتكلم به الناس كلهم، وهم الاتحادية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب بحرف وصوت، وهو مخلوق خارج ذاته، وهم الجهمية والمعتزلة.
وقالت طائفة: إن كلام الرب بحرف وصوت حادث في ذاته، وهم الكرامية.
وقالت طائفة: إن كلام الرب بحرف وصوت قديم النوع حادث الآحاد، وهم أهل السنة والجماعة.
فالذين أثبتوا الصوت لكلام الله هم السالمية والجهمية والمعتزلة والكرامية والاتحادية وأهل السنة.
والذين لم يثبتوا الصوت لكلام الله ثلاث طوائف: فقالت طائفة: لا يتكلم بصوت، بل هو معنى يفيض على النفس الشريفة التي تتكلم به، وهم الفلاسفة.
وقالت طائفة: لا يتكلم بصوت، بل هو معنى جامع لأربعة معان في نفسه: وهي الأمر والنهي والخبر والاستفهام، وهم الكلابية.
وقالت طائفة: لا يتكلم بصوت، بل هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا يتكثر، وهم الأشاعرة.
والصواب الذي تدل عليه النصوص أن كلام الرب بحرف وصوت قائم بذاته.
فإن قيل: هل الصوت المسموع من كلام الله مخلوق أم غير مخلوق؟ قلنا: فيه تفصيل: فإن أريد به المسموع عن الله فهو كلامه غير مخلوق، وإن أريد به المسموع عن المبلِّغ ففيه تفصيل: فإن أريد به الصوت الذي روي به كلام الله فهو مخلوق، وإن أريد به الكلام المؤدى بالصوت فهو كلام الله.
[ ١٧ / ٥ ]
ذكر ما قيل في اللفظ والمعنى في كلام الله تعالى
هل يسمى الكلام حقيقة في اللفظ أو حقيقة في المعنى؟ اختلف الناس في ذلك على أقوال، فقيل: إن الكلام حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ، وهذا قول الأشاعرة.
وقيل: إن الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى، وهذا قول المعتزلة.
وقيل: إن الكلام حقيقة في كل من اللفظ والمعنى، فإطلاقه على المعنى وحده يعد حقيقة، وإطلاقه على اللفظ وحده يعد كذلك حقيقة، وهذا قول أبي المعالي الجويني.
وقيل: إن الكلام حقيقة في اللفظ والمعنى على سبيل الجمع، فإطلاقه على أحدهما إطلاق على جزء المسمى، وإطلاقه عليهما جميعًا بدلالته على اللفظ والمعنى بالمطابقة، ودلالته على اللفظ وحده أو على المعنى وحده بالتضمن، وهذا هو الذي عليه أكثر العقلاء، فكما أن مسمى الإنسان هو اسم لروحه وجسده جميعًا، فكذلك مسمى الكلام هو اسم للفظ والمعنى جميعًا.
ولا يخفى على مسلم أن قول الاتحادية قول باطل كفري لا إشكال فيه، وكذلك قول الفلاسفة قول باطل كفري، وكذلك قول السالمية قول باطل أيضًا لا يخفى على أحد، وكذلك قول الكرامية والكلابية، وبعضهم يرى أنه لا فرق بين مذهب الكلابية والأشاعرة.
فقال بعض الكلابية: لا فرق بين المذهبين؛ لأن كلًا من المذهبين قد اتفقا على أن كلام الرب معنى قائم بذاته، وأن الحروف والأصوات ليست من كلام الله، أما القول بأن الحروف والأصوات حكاية أو عبارة فهذا لا يتعلق به غرض علمي، ولهذا يرى بعضهم أن المذهب واحد.
[ ١٧ / ٦ ]
بيان المنتشر اليوم من العقائد في صفة الكلام
الأقوال المنتشرة الآن والسائدة في الكتب والمؤلفات هي أقوال هذه الطوائف الثلاث: قول الأشاعرة وقول المعتزلة الذي هو قول الجهمية فتحول إليهم، وقول أهل السنة والجماعة، فهذه هي الأقوال الثلاثة المنتشرة، وأما الأقوال الأخرى فبطلانها وفسادها واضح، وقول الأشاعرة منتشر الآن في الكتب والمؤلفات، ففي كتب التفسير كتاب: (مفاتيح الغيب) للرازي، فقد نشر هذا المذهب ودعا إليه، وقول المعتزلة موجود في الكتب والمؤلفات، ففي كتب التفسير كتاب: (الكشاف) للزمخشري، فقد نشر مذهب الاعتزال في تفسيره.
أما قول أهل السنة والجماعة فهو القول الحق.
إذًا: فلا بد للمسلم ولطالب العلم على وجه الخصوص من أن يعرف حقيقة هذه المذاهب الثلاثة، وأن يعرف القول الحق الذي تقتضيه النصوص الشرعية.
وتشهد له العقول والفطر، وهو قول أهل السنة والجماعة.
ولا بد من أن يعرف شبه المعتزلة، وشبه الأشاعرة؛ لأن لهم شبهًا يلبسون بها على الناس، والأشاعرة قد يسمون أنفسهم بأهل السنة، والمعتزلة أيضًا يرون أنهم على الحق.
ونريد أولًا أن نقرر حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة الذين تلقوا هذا الباب عن الرسل، فحقيقة مذهب أهل السنة والجماعة أن كلام الله محفوظ في الصدور ومقروء بالألسن ومكتوب في المصاحف، وهو حقيقة في هذه المواضع كلها، فإذا قيل: في المصحف كلام الله فهم منه معنى صحيحًا حقيقة، وإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته فهم منه معنى صحيحًا حقيقة، وإذا قيل: في المصحف مداد كتب به فهم منه معنى صحيحًا حقيقة، وإذا قيل المداد في المصحف كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قولك: في المصحف السماوات والأرض وموسى وعيسى، وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه خط فلان الكاتب، وهذه المعاني الثلاثة مغايرة لمعنى قولك: فيه كلام الله، ومن لم يتنبه لهذه الفروق ضل ولم يهتد للصواب.
وكذلك لا بد من التنبه للفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ وبين المقروء الذي هو كلام الباري ﷾، فمن لم يتنبه ضل ولم يهتد للصواب.
[ ١٧ / ٧ ]
استدلال الإمام البخاري على إثبات صفة الكلام لله تعالى
لقد استدل الإمام البخاري ﵀ في كتابه (الجامع الصحيح) بنصوص التبليغ على خلق أفعال العباد، وأن التلاوة من أفعالهم، ومن ذلك قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨].
قال العلامة ابن القيم ﵀: وهذا يدل على رسوخ الإمام البخاري في العلم.
والتبليغ يتضمن أصلين ضل فيهما أهل الزيغ: أحدهما: أن الرسول ﷺ ليس له من الكلام إلا مجرد تبليغه، إذ لو كان أنشأ كلامًا لم يكن مبلغًا وإنما سيكون منشئًا مبتدئًا.
والأصل الثاني: أن التبليغ فعل المبلغ، وتبليغه هو تلاوته للصوت نفسه، وحقيقة التبليغ أن يورد إلى الموصل إليه ما حمله إياه غيره، فله مجرد إيصاله.
وقد بوب الإمام البخاري ﵀ في كتابه (الجامع الصحيح) فقال: باب قراءة الفاجر والمنافق وتلاوتهم لا تجاوز تراقيهم، فأراد من هذا أن تلاوتهم من أفعالهم وهي مضافة إليهم.
وحقيقة كلام الله الخارجية أنه: ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع وعلمه وحفظه فكلام الله له مسموع معلوم محفوظ، وإذا قرأه القارئ فكلام الله له مقروء متلو، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة، لا يصح نفيه، ولو كان مجازًا لصح نفيه، كأن يقال: ما قرأ القارئ كلام الله ولا كتب الكاتب كلام الله، وهذا قول باطل.
[ ١٧ / ٨ ]
أنواع الحقائق في الوجود
الحقائق لها وجود لفظي، ووجود عيني، ووجود ذهني، ووجود رسمي، فالحقائق تعلم ثم تذكر ثم ترسم، فلها أربعة أنواع من الوجودات: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في الرسم.
فالوجود في الأعيان: كالسماء تراها عينًا قائمة، فهذا وجود عين.
والوجود في الأذهان: بأن تتصورها في ذهنك.
والوجود في اللفظ: حينما تقول: السماء.
والوجود في الرسم: حينما تكتب: (السماء).
فهذه أنواع الوجود الأربعة.
وقد تتداخل أحيانا هذه الأنواع من الوجود ويعسر التمييز بينها، وليس بين وجودها في الرسم ووجودها في الكلام واسطة؛ لأن مرتبة الكلام تليها مرتبة الرسم، فوجود الكلام العيني واللفظي يتساوى ويعسر التمييز بينهما، والفرق بين كون كلام الله في زبر الأولين، أو في رق منشور، أو في لوح محفوظ، أو في كتاب مكنون واضح، فإن معنى قوله سبحانه عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦]، يعني: ذكره، فذكر القرآن والإخبار عنه ووصفه موجود في زبر الأولين، أي: في كتبهم؛ لأن القرآن لم ينزل على الأولين كموسى وعيسى، وإنما نزل على نبينا محمد ﷺ.
وأما قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٨]، وقوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢]، وقوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣]، فيعني أنه مكتوب في رق منشور وفي لوح محفوظ.
فهذه الأنواع من الوجود لا بد لطالب العلم من أن يعلمها جيدًا، وأن يعلم أن كلام الله موجود في المصاحف حقيقة، وهو في الصدور حقيقة، ويقرؤه القارئ حقيقة، ولهذا قال الإمام أبو حنيفة ﵀وهو من أئمة أهل السنة والجماعة- في كتابه الذي سماه (الفقه الأكبر) وما يتعلق بأصول الدين، قال: والقرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق والقرآن غير مخلوق.
وما ذكر الله تعالى في القرآن عن موسى ﵊ وعن فرعون وعن إبليس فذلك كلام الله أخبرنا به، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، وكلام الله ليس ككلامنا، وسمع موسى ﵊ كلام الله، فلما كلمه كلمه بكلامه الذي هو من صفاته ولم يزل به قائمًا، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، فهو يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا.
انتهى كلام الإمام أبي حنيفة ﵀، وهو كلام عظيم.
[ ١٧ / ٩ ]
أدلة أهل السنة على إثبات صفة الكلام لله ﷿
[ ١٧ / ١٠ ]
ذكر القول والتكليم
من أدلة أهل السنة والجماعة على أن الله ﷾ يتكلم حقيقة، وأن الكلام بحروف وأصوات وألفاظ ومعان: قوله سبحانه: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه ﵀ في سننه عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم فنادى: يا أهل الجنة! سلام عليكم، فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا كذلك حتى يتوارى عنهم وتبقى بركته ونوره).
وهذا الحديث -وإن كان ضعيفًا- له شواهد تقويه، ففيه إثبات صفة الكلام لله ﷿، وفيه إثبات صفة العلو؛ لأنهم يرفعون رءوسهم والله يكلمهم من فوقهم، وفيه إثبات صفة الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم، وصفة الرؤية والكلام والعلو من أعظم الصفات، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع.
وهذه من الصفات الفارقة بين أهل السنة وغيرهم، وأعظم نعيم يلقاه أهل الجنة هو رؤيتهم لربهم ﷾ وسماعهم لكلامه.
وإنكار الكلام إنكار لأعلى نعيم يعطاه أهل الجنة الذين ما طابت لهم الجنة إلا بذلك.
وأهل البدع -والعياذ بالله- أنكروا كلام الله وعلوه وأنه يُرى في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.
[ ١٧ / ١١ ]
الإخبار بأن الله لا يكلم أعداءه يوم القيامة
ومن الأدلة على إثبات الكلام لله ﷾ مما فيه الرد على أهل البدع: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧]، ووجه الدلالة أن الله أهانهم بترك تكليمهم، وأنه لا يكلمهم كلام تكريم؛ إذ قد أخبر في الآية الأخرى أنه يكلمهم كلام غضب فقال: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فدل على أنه يكلم عباده المؤمنين في الرضا، ولو كان لا يكلم عباده المؤمنين لتساووا مع وأعدائه في عدم الكلام، ولم يكن في الإخبار بأنه لا يكلم أعداءه فائدة، فلما أخبر أنه لا يكلم أعداءه دل على أنه يكلم أولياءه في الرضا.
[ ١٧ / ١٢ ]
الاستعاذة بكلمات الله تعالى
ومن الأدلة على إثبات الكلام للرب ﷾: ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ تعوذ بهذا الدعاء: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) ولو كان كلام الله مخلوقًا لما استعاذ النبي ﷺ به؛ لأنه ﷺ لا يستعيذ بالمخلوق، فدل على أن كلام الله منزل غير مخلوق، وفيه الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق، وقد بوب الإمام البخاري ﵀ في كتابه (الجامع الصحيح) بقوله: (باب كلام الرب ﷾ مع أهل الجنة وغيرهم)، وذكر في ذلك عدة نصوص.
[ ١٧ / ١٣ ]
ثبوت وصف الكمال في الكلام
ومن الأدلة العقلية على أن الله يتكلم: أن الوصف بالتكلم كمال وضد التكلم نقص؛ كما قال تعالى عن العجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨]، وقال سبحانه في الآية الأخرى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا» يعني العجل ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩]، فدل على أن نفي رد القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم إلهية العجل، فالله تعالى بين أن هذا العجل لا يتكلم ولا يرد القول ولا يسمع ولا يملك ضرًا ولا نفعًا فكيف يعبد من دون الله؟! وكيف تعبدون عجلًا لا يسمع ولا يرد القول ولا يتكلم؟! فدل على أن عدم التكلم نقص يستدل به على عدم إلهية العجل.
وبنو إسرائيل الذين عبدوا العجل -مع كفرهم- هم أعرف بالله من المعتزلة في هذه المسألة؛ لأنهم لم يردوا على موسى ويقولوا: وربك لا يتكلم أيضًا، فهذا يدل على أنهم يثبتون الكلام، أما المعتزلة فقالوا: إن الله لا يتكلم، فنعوذ بالله؛ فالذين عبدوا العجل في هذه المسألة صاروا أحسن من المعتزلة.
[ ١٧ / ١٤ ]
الأدلة على أن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد
من أدلة أهل السنة والجماعة على أن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، وأن الله يتكلم بكلام حادث، فهو يتكلم متى شاء وكيف شاء، وفيه رد على الأشاعرة وعلى الكلابية والسالمية الذين يقولون: إن الله لا يتكلم بقدرته ومشيئته، من أدلتهم قول الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء:٥]، فقوله: (محدث) صريح في حدوث آحاد كلام الله، فآحاد الكلام حادثة، ومعنى (محدث) جديد، ولا يلزم من ذلك حلول الحوادث في ذات الرب كما توهمته السالمية أو الكلابية والأشاعرة؛ لأن كلام الرب ليس ككلام المخلوق الذي يلزم منه الحوادث، فإذا تكلم المخلوق لزم أن تحل الحوادث في ذاته، أما الرب فلا يلزم منه ذلك؛ لأن كلام الرب لا يشبه كلام المخلوق.
ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، فهذه المرأة المجادلة هي خولة بنت ثعلبة، لما ظاهر منها زوجها جاءت تجادل النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن لي صبية إن ضممتهم إلي جاعوا أو إليه ضاعوا، فقد ظاهر مني! فقال النبي ﷺ: لا أراك إلا قد حرمت عليه، فجعلت تجادل الرسول وتراجعه، وقالت: أشكوا إلى الله صبية إن ضممتهم إلي جاعوا أو إليه ضاعوا، فنزل القرآن والوحي بقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]، قالت عائشة ﵂: سبحان من وسع سمعه الأصوات؛ إني قريبة من المجادلة ويخفى علي شيء من كلامها.
وهي تجادل النبي ﷺ، والله سمع كلامها من فوق سبع سماوات وأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١])، والتعبير عن سماع كلام المرأة التي تجادل بـ (سمع) يدل على أن المجادلة سبقت نزول الآية، ويدل على سبق المجادلة للخبر، فالمُجَادِلة جادلت النبي ﷺ ثم تكلم الله فأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١]، وهذا يدل على أن كلام الله حادث بعد أن جاءت المجادِلة تتكلم، ولا يصح أن يقال: إن الله لم يزل يقول ويتكلم في الأزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١]؛ لأن المجادلة ما خلقت بعد، فلما خُلقت المجادلة وجادلت النبي ﷺ أنزل الله هذه الآية.
ومثله قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١]، والغدو: هو الخروج أول النهار، فالتعبير بالغدو هو إخبار عن خروج النبي ﷺ في أول النهار بلفظ الماضي، فيدل على سبق الغدو للخبر، وأن غدو النبي ﷺ كان أولًا ثم نزلت الآية: «وَإِذْ غَدَوْتَ»، ولا يصح أن يقال: إن الله لم يزل يقول في الأزل: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ»؛ لأن الغدو والخروج لم يخلقا بعد، فلما خلق الخروج والغدو أنزل الله هذه الآية: «وَإِذْ غَدَوْتَ».
ومثله قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١]، فقوله: «اسْجُدُوا لِآدَمَ» حدث بعد خلق آدم، وبعد أمر الله للملائكة بالسجود لآدم، فلما خلق الله آدم أمر الله الملائكة فسجدوا له إلا إبليس، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ﴾ [الأعراف:١١].
وهذا يدل على أن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، فنوع كلام الله قديم، وأما أفراده فهي حادثة، فهو يتكلم ﷾ إذا شاء، ومتى شاء، يتكلم بمشيئته وقدرته، وهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص.
[ ١٧ / ١٥ ]
أدلة المعتزلة وشبههم في القول بخلق الكلام
[ ١٧ / ١٦ ]
شبهة استلزام إثبات الكلام التشبيه والتجسيم والرد عليها
أما المعتزلة الذين تحول إليهم مذهب الجهمية فيقولون: إن الكلام مخلوق، وإن الرب لا يتكلم بكلام هو صفة له قائمة بنفسه، بل إن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات تتعلق بقدرته ومشيئته، لكن الله خلق هذا الكلام خارجًا عن ذاته، بأن خلقه في الهواء أو في الجسم ثم نسبه وأضافه إليه تشريفًا وتكريمًا.
ولهم في هذا شبه عقلية وشبه شرعية، فمن شبههم العقلية أنهم يقولون: لو قلنا: إن الله يتكلم وإن الكلام صفة قائمة بذاته للزم من ذلك التشبيه بالمخلوقات والتجسيم، فيكون الله مشابهًا للمخلوقات التي تتكلم، والله ليس كمثله شيء، وللزم من ذلك أن يكون جسمًا كسائر الأجسام، والله ليس بجسم ولا مماثل للمخلوقات، فقالوا فرارًا من ذلك: إن الله لا يتكلم بكلام هو صفة له قائمة بذاته، وإنما يتكلم بكلام خارج عنه.
وأجاب أهل السنة عن هذه الشبهة بقولهم: إن الله يتكلم بكلام لا نعلم صفته ولا يشبه كلام المخلوقين، فلا يظن من ذلك التشبيه والتجسيم كما تقولون، بل إن الله يتكلم بكلام يليق بجلاله وعظمته لا يشبه كلام المخلوق، فالمخلوق له كلام يخصه والخالق له كلام يخصه، وبذلك تزول هذه الشبهة وتنتهي.
ثم نقول أيضًا: إننا نرى بعض المخلوقات تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم، والله تعالى أخبر أن الجلود تنطق يوم القيامة وتتكلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت:٢١]، فالجلد يتكلم بكلام لا نعرف كيفيته، وأخبر الصحابة أن الأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، وقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، فكيف تتكلم الأيدي والأرجل والجلود؟ وهل لها لسان وأضراس؟ وهل لها شفة عليا وشفة سفلى؟! فكيف تتكلم؟! لا نعلم كيف تتكلم.
وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إني لأعلم حجرًا يسلم علي)، وهذا من الكرامات، وثبت أيضًا أن الطعام سبح بين يدي النبي ﷺ وكذلك الحصى، وثبت أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي ﷺ صاح كما يصيح الصبي وكاد أن ينشق لما خطب النبي ﷺ على المنبر وتركه، فنزل النبي ﷺ وجعل يهدئه رويدًا رويدًا حتى سكت كالطفل الذي يُهدَّأ.
فإذا كان هناك بعض المخلوقات تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم، وكل ذلك بلا صوت ولا حروف ولا أضراس ولا شفه عليا ولا شفه سفلى، وليس الكلام معتمدًا على مقاطع الحروف؛ فالله تعالى أولى بأن يتكلم ولا نعلم كيفية كلامه.
وبهذا تبطل هذه الشبهة، وهي قولهم: إن الله إذا تكلم أشبه كلامه كلام المخلوقين.
وهم يقولون: إن الكلام مخلوق، فقال بعضهم: في محل، وقال بعضهم: مخلوق لا في محل، فنقول للذين قالوا: إنه مخلوق لا في محل: محال أن تقوم الصفة بنفسها! فهل رأيت علمًا يقوم بنفسه، أو كلامًا يقوم بنفسه؟! فهذا محال، ولا بد من أن تقوم الصفة بالموصوف.
ونقول للذين قالوا: إنه يتكلم في محل: محال أن تقوم الصفة بغير الموصوف، فكيف يتكلم الله تعالى بكلام يقوم بغيره ويكون صفة له؟! لا يمكن ذلك، فمحال أن تقوم الصفة بغير الموصوف، ولو جاز أن ينسب إليه الكلام وهو لم يقم به لجاز أن ينسب إلى الله وأن يضاف إليه ما في المخلوقات من الألوان والروائح والطعوم والطول والقصر، ولجاز أن تنسب هذه كلها إلى الله، وهذا باطل، ولو كان الكلام منسوبًا إلى الله وهو في غيره لجاز أن ينسب إلى الله أيضًا ما أحدثه من الكلام في الجمادات، وما خلقه من الكلام في الحيوانات، بل لجاز أن ينسب كل كلام إلى الله، كما قال بذلك الاتحادية، وهذا باطل.
ولو كان كلام الله قائمًا بغيره وينسب إليه لجاز أن يقال: إن كلام فرعون حينما قال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] حق وصدق؛ لأنه كلام الله قام بفرعون، وهذا من أبطل الباطل.
[ ١٧ / ١٧ ]
شبهة إضافة التشريف والرد عليها
من شبه المعتزلة أنهم يقولون: إن كلام الله مخلوق لكنه أضيف إلى الله إضافة تشريف وتكريم، كما أضيفت الناقة إلى الله، فقيل: ناقة الله، وكما أضيف البيت الحرام (الكعبة) إلى الله، فقيل: بيت الله، وكما أضيف العبد إلى الله، فقيل: عبد الله، وكما أضيف الرسول إلى الله، فقيل: رسول الله، وكما أضيف عيسى إلى الله، فقيل: روح الله، فهذه إضافة تشريف وتكريم.
ويجاب عن هذه الشبهة بأن هذا تلبيس من الجهمية والمعتزلة فإن الإضافة نوعان: النوع الأول: إضافة أعيان قائمة بنفسها، كالعبد والرسول والناقة، فهذه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ لأنها عين قائمة بنفسها، وتقتضي هذه الإضافة التشريف والتكريم، لما امتاز به ذلك المضاف من الصفات.
النوع الثاني: إضافة معان وصفات لا تقوم بنفسها، بل لا بد لها من شيء تقوم به، فهذه إضافة الصفة إلى موصوفها، وتقتضي هذه الإضافة قيام هذه المعاني بالمضاف إليه واختصاصه بها، وهذا فرق بدهي.
فهذه شبه المعتزلة العقلية، وهي موجودة الآن ومنتشرة في الكتب والمؤلفات.
[ ١٧ / ١٨ ]
الاستدلال بقوله تعالى: (الله خالق كل شيء) ونقضه
ومن شبه المعتزلة من ناحية الأدلة التي يستدلون بها على أن كلام الله مخلوق، قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، قالوا: ووجه الدلالة أن لفظة (كل) من صيغ العموم، فيدخل فيها كل شيء حتى صفات الله ومنها الكلام، فيقولون: كلام الله شيء من الأشياء فيكون مخلوقًا.
و
الجواب
أولًا: إن هذا الاستدلال استدلال باطل؛ فإن الخالق سبحانه بذاته وصفاته هو الخالق، ولا يتصور انفصال صفاته عن ذاته، فليست صفاته شيئًا غيره، بل هو الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق.
فكيف تجعلون صفات الله في المخلوقات وتخرجون أفعال العباد عن هذا العموم، وتقولون: إن أفعال العباد غير مخلوقة؟! وهذا يدل على الهوى والزيغ.
فهم يقولون: العقل هو الذي دلنا على أن أفعال العباد غير مخلوقة، أما كلام الرب الذي هو صفة من صفاته فأدخلوه في هذا العموم وقالوا: وهو مخلوق، وهذا يدل على الزيغ والعياذ بالله.
ثانيًا: أن كلام الله صفة من صفاته وبه تكون المخلوقات، فالله تعالى يخلق بالكلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فلو كان الكلام مخلوقًا لكان مخلوقًا بكلام آخر، ولكان ذلك الكلام مخلوقًا بأمر آخر إلى ما لا نهاية، وهذا يؤدي إلى الدور والتسلسل، وقد فرق الله بين الخلق والأمر بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ثالثًا: أن عموم (كل) في كل موضع بحسبه، ويعرف هذا من القرائن، ولذلك لما قال عن الريح التي أهلكت عادًا: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] علمنا أن مساكنهم لم تدمر وهي شيء من الأشياء، فالمراد بقوله: «تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ» يعني: تدمر كل شيء مما يستحق التدمير، فكذلك المراد هنا: الله خالق كل شيء مخلوق، وصفة الله ليست مخلوقة.
رابعًا: أن هذا المذهب في صفات الله يوصل إلى الكفر الصريح، فأنتم تقولون: إن كلام الله مخلوق، وكلام الله صفة من صفاته، فلو قلتم هذا في جميع الصفات لوصلتم إلى الكفر الصريح، فإذا قلتم: علم الله مخلوق وقدرته مخلوقة وحياته مخلوقة صار ذلك كفرًا صريحًا، فحياة الله صفة من صفاته، والكلام صفة من صفاته، فكيف تفرقون بينهما؟! فإن قلتم: كلها مخلوقة كفرتم، وإن قلتم: كلام الله مخلوق وحياته غير مخلوقة فرقتم بين الصفتين.
[ ١٧ / ١٩ ]
الاستدلال بقوله تعالى: (إنا جعلناه قرآنًا عربيًا) ونقضه
من أدلة المعتزلة على أن كلام الله مخلوق قول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، قالوا: الضمير في قوله: «جَعَلْنَاهُ» يعود على القرآن، فقالوا: إن (جعل) بمعنى (خلق)، والمعنى (خلقناه قرآنًا عربيًا)، وهذا يدل على أن القرآن مخلوق، وأجيب بأن هذا استدلال فاسد، لأن (جعل) هنا تعدت إلى مفعولين، فلا تكون بمعنى (خلق)، وإنما تكون (جعل) بمعنى خلق إذا تعدت إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، أي: خلق، ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١]، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢]، فهذه بمعنى (خلق)، أما إذا تعدت إلى مفعولين فلا تكون بمعنى خلق، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، وقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١]، وقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤]، فلا يصح أن تقول: وقد خلقتم الله كفيلًا! أو الذين خلقوا القرآن عضين! أو ولا تخلقوا الله عرضة لأيمانكم! فهذا يفسد المعنى.
فهذه الآية ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] تعدت إلى مفعولين، فلا تكون بمعنى (خلق).
[ ١٧ / ٢٠ ]
الاستدلال بقوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم) ونقضه
من أدلة المعتزلة على أن القرآن مخلوق وأن كلام الله مخلوق قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، فقوله: (إنه) يعني: القرآن (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، قالوا: هذا دليل على أن الرسول هو الذي أحدث نظم القرآن، فدل على أن القرآن مخلوق؛ لأنه قول رسول كريم، وهو الرسول ﵊.
وأجيب عن هذا بأجوبة: أولًا: أن الله قال: (قول رسول) والرسول هو الذي يبلغ كلام مرسله، ولا يأتي بشيء من عنده، وإنما هو يبلغ كلام مرسله والله هو الذي أرسله.
وهذه النكتة في التعبير بقوله: (رسول) ولم يقل: (إنه قول نبي)، ولا: (قول ملك)؛ لأن الرسول يبلغ كلام مرسله.
ثانيًا: أنه قال (أمين) والأمين: هو المؤتمن الذي لا يزيد على تبليغ ما أرسل به ولا ينقص.
ثالثًا: أن الرسول في هذه الآيات مختلف فيه، فقد جاء في بعض الآيات ذكر الرسول وأريد به جبريل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، فهذا المقصود به جبريل في سورة (التكوير)، أما قوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤٢]، فالمراد به الرسول محمد ﷺ.
فأخبر الله أن القرآن قول جبريل وقول محمد، فأيهما الذي أحدث نظم القرآن؟ فإن أحدثه محمد امتنع أن يحدثه جبريل، وإن أحدثه جبريل امتنع أن يحدثه محمد، وهذا يبطل قولكم: إن الرسول أحدث نظم القرآن، فدل على أنه كلام الله وإنما الرسول هو الذي يبلغ كلام الله.
رابعًا: أن الله تعالى توعد من قال: إن القرآن كلام البشر بأن يصليه سقر، فقال سبحانه عن الوليد بن المغيرة: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٢ - ٢٦]، ومحمد ﷺ من البشر، فمن قال: إن القرآن كلام محمد أحدثه فقد قال: إن القرآن كلام البشر، وله نصيب من هذا الوعيد الذي توعد به سبحانه، فنسأل الله السلامة والعافية.
[ ١٧ / ٢١ ]
الاستدلال بآيات إنزال بعض المخلوقات ونقضه
قال أهل السنة للمعتزلة: إن الله قد أخبر أن القرآن منزل، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤]، والمنزل غير مخلوق.
فاعترض المعتزلة على هذا فقالوا: إن الإخبار بأن القرآن منزل لا يمنع أن يكون مخلوقًا؛ لأننا نجد أن الله قد أخبر عن بعض المخلوقات بأنها منزلة، كما قال الله تعالى في الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، فأخبر بأن الحديد منزل وهو مخلوق، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦]، فأخبر أن الأنعام منزلة وهي مخلوقة، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون:١٨]، فأخبر أن المطر منزل من السماء وهو مخلوق، فكذلك القرآن أخبر الله أنه منزل وهو مخلوق، فإنزال القرآن نظير إنزال الحديد وإنزال الأنعام وإنزال المطر من السماء.
وأجاب أهل السنة عن هذه الشبهة بالفرق، فقالوا: هناك فرق بين إنزال القرآن وإنزال الحديد والأنعام والمطر، فإن الله صرح بأن القرآن نزل من عنده، كما قال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، وقال سبحانه: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، وقال ﷿: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١١٤]، فهذه الآيات صريحة في أنه منزل من عند الله، أما إنزال الحديد والأنعام فليس فيه إخبار بأن الله أنزلهما من عنده، فلم يقل: وأنزلت الحديد مني أو من عندي، بل قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد:٢٥] فهو مطلق، وذلك أن الحديد إنما يؤخذ من المعادن التي تكون في الجبال وينزل، وكلما كان الحديد في مكان أعلى كان معدنه أجود، فيتنزل الحديد من الجبال، فهذا هو المراد بالإنزال، وكذلك الأنعام إنما تخلق بالتوالد، والتوالد يستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها في أرحام الإناث، ثم تنزل الأجنة من بطون الأمهات على وجه الأرض، هذا هو معنى الإنزال، وأما المطر فقد أخبر الله بأنه منزل من السحاب، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ:١٤] والمعصرات: هي السحاب، وفي الآية الأخرى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ [الواقعة:٦٩]، والمزن هو السحاب، فتبين بهذا الفرق بين إنزال المطر والأنعام والحديد وبين إنزال القرآن.
[ ١٧ / ٢٢ ]
أدلة الأشاعرة وشبههم في صفة كلام الله تعالى
أما الأشاعرة -وهم الذين انتشر مذهبهم انتشارًا واسعًا في الكتب والمؤلفات، والذين يسمون أنفسهم بأهل السنة- فلهم شبه قوية، وبعضهم يكفر أهل السنة والجماعة.
فالأشاعرة يقولون: إن كلام الرب معنى قائم بنفسه، فهو لازم لذات الرب كلزوم العلم والحياة والسمع والبصر، لا يُسمع أبدًا، لكن هذا القرآن الموجود في المصاحف عبارة عن كلام الله، ويسمونه أحيانًا كلام الله فيقولون: هذه التسمية من باب المجاز، فإذا جئت إلى الأشعري وقلت له: المصحف كلام الله؟ يقول: نعم كلام الله، وعند المناظرة والتبين يقول: لا، فأنا مرادي أنه مجاز عن كلام الله، فأنا أسميه كلام الله؛ لأن كلام الله تأدى به، ولأنه عبارة عن كلام الله، أما كلام الله فهو معنى قائم بنفسه لا يسمع، فليس بحرف ولا صوت، وهذا هو مذهب الأشاعرة.
ومذهب الأشاعرة منتشر انتشارًا واسعًا، وهو أقرب المذاهب إلى أهل السنة، لكن خلافه خلافٌ قوي.
[ ١٧ / ٢٣ ]
الاستدلال بقوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم) ونقضه
من أدلة الأشاعرة على أن الكلام معنى قائم بالنفس: قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨]، ووجه الدلالة أنهم قالوا: إن الله أخبر أن القول إنما يكون في النفس، فدل على أن الحرف والصوت ليس من القول، وهذا يدل على أن كلام الله معنى قائم بنفسه لا يسمع.
وأجاب أهل الحق عن استدلالهم بهذه الآية بجوابين: الجواب الأول: جواب بالمنع، والجواب الثاني: جواب بالتفنيد.
فالجواب الأول: أننا نمنع أن يكون المراد بالقول في الآية هو القول في النفس، بل المراد بقوله تعالى: «وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ» أي: يتكلمون بألسنتهم سرًا، وهذا هو الذي عليه أكثر المفسرين؛ فإن اليهود كانوا يأتون إلى النبي ﷺ فيقولون: (السام عليك) بدل أن يقولوا: السلام عليك، ويعنون بالسام الموت، فهم يوهمون بأنهم يقولون السلام عليك، وهم يقولون: السام.
ثم إذا خرجوا من عنده يقول بعضهم لبعض سرًا: لو كان نبيًا لعذبنا الله بقولنا له ما نقول.
فأنزل الله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨]، وهذا هو الذي عليه أكثر المفسرين، ويؤيد ذلك الحديث القدسي الذي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال عن ربه ﷿: (إن الله سبحانه قال: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)، فقوله: (من ذكرني في نفسه) يعني: سرًا، وليس المراد ذكر القلب دون اللسان، بل المراد: ذكرني بلسانه سرًا.
والجواب الثاني: جواب بالتفنيد، فنقول: سلمنا أن القول في الآية: «وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ» هو القول في النفس والقلب من دون تكلم باللسان، لكن القول في هذه الآية مقيد بأنه في النفس، حيث قيده الله فقال: «وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ» وإذا قيد تقيد، ومثله قول النبي ﷺ: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل)، فقوله: (عما حدثت به أنفسها) قيد بأنه في النفس، وإذا قُيد تقيد، لكن النصوص الكثيرة التي جاءت بإثبات صفة الكلام ليس فيها تقييد بأنه في النفس، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فلم يقل: وكلمه في نفسه، وقال: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولم يقل: وكلمه في نفسه، فكيف تقيدونها؟!
[ ١٧ / ٢٤ ]
الاستدلال ببيت الأخطل النصراني ونقضه
ومن أدلة الأشاعرة على أن الكلام معنى قائم بالنفس بيت من الشعر منسوب إلى الأخطل، وهم يعتمدون على هذا البيت، وهو قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا قالوا: وجه الدلالة أن هذا البيت قاله الأخطل، وهو عربي، والقرآن نزل بلغة العرب، وقد أثبت في البيت أن الكلام في الفؤاد، فدل على أن الكلام إنما يكون في النفس، وأما ما يقوله اللسان فهو دليل عليه، ولهذا قال: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا وهذا يدل على أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأما الحروف والأصوات والقرآن الذي بأيدينا فإنما هو دلالة وعبارة تدل على كلام الله وليس هو كلام الله.
وأجاب العلماء عن استدلال الأشاعرة بهذا البيت بأجوبة: الجواب الأول: أن هذا البيت مصنوع مختلق لا يعرف له قائل، فهو منسوب إلى الأخطل ولا يوجد في ديوانه، فكيف تستدلون ببيت من الشعر لا يعرف له قائل، وكثير من العلماء والأدباء أنكروا نسبته إلى الأخطل.
والإنسان إذا أراد أن يستدل فعليه أن يستدل بدليل واضح معروف قائله، فهذا لا يؤمن من أن يكون قد اختلقه واحد من الأشاعرة أو من غيرهم حتى يستدل به على مذهبه.
الثاني: سلمنا جدلًا أن هذا البيت قاله الأخطل، فـ الأخطل واحد من الناس، فهو خبر واحد، ولا يقبل قوله حتى يوافقه أهل اللغة، وإذا كان حديث رسول الله ﷺ لا يقبل حتى يصح سنده وتثبت عدالة رواته، ولا يكون شاذًا ولا معلًا؛ فكيف يستدل بقول واحد من الناس يخالفه أهل اللغة جميعًا ولا يوافقونه على هذا القول؟! الثالث: سلمنا أن البيت قاله الأخطل وأنه صحيح، وسلمنا أنه يستدل بقول الواحد، لكن ليس المراد بقوله: (إن الكلام لفي الفؤاد): المعاني العارية عن الحروف والألفاظ، وإنما مراد الشاعر: الكلام الحقيقي الذي له تأثير، فهو الذي يقدره الإنسان في نفسه ويهيئه ويزنه بعقله قبل أن يتلفظ به، وهذا هو الكلام الذي له تأثير، بخلاف الكلام الذي يجري على اللسان من دون ترو وتقدير، فإنه يشبه كلام النائم والهازل، ولهذا روي البيت برواية أصح من هذه الرواية: إن البيان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا وهذا هو الأصوب، فالبيان يكون في الفؤاد، ولهذا ثبت أن النبي ﷺ عندما توفي أسرع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة للبيعة، وأسرع إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فأراد عمر أن يتكلم وقال: زَوَّرت -يعني: هيأت- في نفسي كلامًا خشيت ألا يبلغه أبو بكر، فأسكته أبو بكر وتكلم بأبلغ منه، فقال: أتى على ما في نفسي وزيادة.
فالشاهد قول عمر: (وزورت في نفسي كلامًا خشيت ألا يبلغه أبو بكر)، فالكلام المهيأ في النفس ليس كالكلام الذي يجري على اللسان من دون تقدير ومن دون ترو.
الرابع: سلمنا صحة البيت وأنه قول الأخطل، وسلمنا قبول خبر الواحد، وسلمنا أن مراد الشاعر الكلام العاري عن الحروف والألفاظ، لكن الأخطل نصراني، فكيف يستدل بقول نصراني؟! والنصارى قد ضلوا في نفس معنى الكلام، وقالوا: إن عيسى نفس كلمة الله، وإن فيه جزءًا من الله وجزءًا من البشر اتحدا وصارا شيئًا يقال له: المسيح، فالمسلمون يقولون: إن عيسى خلق بكلمة (كن)، لكن النصارى يقولون: عيسى هو نفس الكلمة، فكيف يستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعرف من معنى الكلام من كتاب الله وسنة رسوله ولغة العرب؟! الخامس: سلمنا صحة البيت، وأن الأخطل قاله، وسلمنا قبول خبر الواحد، وسلمنا أن مراده الكلام العاري عن الحروف والألفاظ، وسلمنا الاستدلال بقول النصارى، لكن يلزم منه معنى فاسد، وهو أن يسمى الأخرس متكلمًا؛ لقيام الكلام بنفسه وإن لم ينطق به، وتسمية الأخرس متكلمًا باطل شرعًا وعقلًا وعرفًا؛ لأنه لا توجد لديه آلة للنطق أصلًا.
[ ١٧ / ٢٥ ]
حقيقة مذهب الأشاعرة في كلام الله ووجه شبهه بقول النصارى
حقيقة مذهب الأشاعرة: أن كلام الله مكون من شيئين: معنى قائم بالنفس.
وهذا هو الكلام الحقيقي، وحروف وأصوات وهذه عبارة دالة عليه، فنصف الكلام مخلوق وهو الحروف والأصوات، ونصفه غير مخلوق، وهو المعنى القائم بالنفس، وهذا هو نصف مذهب المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: الكلام بحروفه وألفاظه مخلوق، والأشاعرة يقولون: الكلام حروفه وألفاظه مخلوقة ومعانيه غير مخلوقة.
فقول الأشاعرة: إن الكلام معنى قائم بالنفس والحروف والأصوات مخلوقة له شبه بقول النصارى الذين عبدوا المسيح، وقالوا: إن عيسى نفس كلمة الله، وقالوا: إن عيسى مكون من جزأين: جزء إلهي وهو كلمة (كن)، وجزء من الناس وهو عيسى، فاتحدا وامتزجا وصارا شيئًا يقال له: المسيح، ولهذا عبدوه من دون الله، ومذهب الأشاعرة في كلام الله فيه شبه بمذهب النصارى؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه لا يسمع إلا بواسطة الألفاظ والحروف، فالنظم الموجود في المصاحف مخلوق والمعنى القائم بنفس الرب غير مخلوق، ولا يمكن أن يفهم المعنى القائم بنفس الرب إلا بواسطة النظم المخلوق، فإفهام المعنى القائم بنفس الرب بواسطة النظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه! كما أن قول الأشاعرة: إن القرآن الموجود عبارة عبّر به محمد ﷺ له شبه بقول الوليد بن المغيرة، حينما قال عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فمن قال: إن محمدًا ﷺ عبر بهذا القرآن فله نصيب من الوعيد الذي توعد الله به الوليد بن المغيرة، فالأشاعرة يقولون: إن كلام الرب معنى قائم بنفسه، وقال بعضهم: إن الله تعالى اضطر جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر عنه، وقال آخرون: إن التعبير إنما هو من محمد ﷺ، وقال بعضهم: إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ.
[ ١٧ / ٢٦ ]
جملة من الردود تتضمن بطلان مذهب الأشاعرة في صفة كلام الله
من المناقشات التي يناقش بها الأشاعرة في قولهم: إن الكلام معنى قائم بنفس الرب لا يتبعض ولا يتجزأ ولا يتعدد ولا يتكثر أن يقال لهم: أنتم مسلمون تقرون بأن الله كلم موسى وأن موسى سمع كلام الله، وأنتم تقولون: إن المعنى واحد قائم بنفس الرب لا يتجزأ ولا يتعدد، فهل سمع موسى جميع المعنى أم بعض المعنى؟ فإن قلتم: سمع موسى جميع المعنى فقد زعمتم أنه سمع جميع كلام الله وهذا ظاهر الفساد، وإن قلتم: سمع بعض المعنى فقد قلتم بالتبعيض وهذا خلاف مذهبكم.
ويلزم أيضًا على قول الأشاعرة أن يكون الكلام معنى وإنما الاختلاف في العبارات والدلالات، لأنهم يقولون: الكلام معنى قائم بالنفس، وكونه أمرًا ونهيًا وخبرًا واستفهامًا هذه صفات إضافية، وكونه قرآنًا أو توراة أو إنجيلًا هذا تقسيم للعبارات، ويلزم على هذا أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ويلزم أن يكون معنى (آية الدين) هو معنى (آية الربا)، وأن يكون معنى (سورة الإخلاص) هو معنى سورة (تبت يدا أبي لهب)، وهذا باطل.
ولو كان ما في المصحف ليس هو كلام الله -كما يقوله الأشاعرة- لما حرم على المحدث مس المصحف ووجب عليه الوضوء، ولو كان القارئ لا يقرأ كلام الله وإنما يقرأ عبارة عن كلام الله؛ لما حرُم على الجنب قراءة كلام الله، وكذلك الحائض عند كثير من الفقهاء.
ويقال للأشاعرة: أنتم تقولون: إن الكلام معنى قائم بنفسه وأما القرآن الذي بين أيدينا فليس فيه كلام الله، فنقول: إن الله تعالى تحدى البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، فالإشارة بقوله: (أن يأتوا بمثل هذا القرآن)، هل هي إلى ما في نفس الله أو إلى هذا المتلو المسموع المقروء؟! لاشك في أنها إلى هذا المتلو المسموع المقروء، وأما ما في نفس الله فغير مشار إليه، وكذلك قوله «لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ»، فالضمير يعود إلى ما بين أيدينا من كلام الله.
فما في نفس الله غير متلو ولا مشار إليه ولا مسموع، وما في نفس الله لا حيلة إلى الوصول إليه، فكيف يتحدى بأن يؤتى بمثله؟! ومن الأدلة على بطلان مذهب الأشاعرة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فقال: «فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ» ولم يقل: فأجره حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله.
ومن الأدلة على بطلان مذهب الأشاعرة: ما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا نتكلم في الصلاة)، وقوله ﵊: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله)، وقد أجمع العلماء على أن الإنسان لو تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحة بطلت صلاته، وأجمعوا على أن ما يقوم في قلب الإنسان من تحدث بأمور دنيوية أو غيرها لا يبطل الصلاة، فأنت تصدق وتكذِّب وتطلب وتأمر وتنهى في نفسك، فهذا لا يبطل الصلاة، فدل على أن الكلام هو الذي يكون بحرف وصوت.
ومن الأدلة في الرد عليهم: ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل)، ووجه الرد أن النبي ﷺ فرق بين حديث النفس وبين الكلام، فأخبر أن حديث النفس معفو عنه، وأن الكلام والعمل غير معفو عنه، فدل على أن الكلام هو ما يقوم باللسان وينطق به ويتكلم به.
ومن الردود: ما ثبت أيضًا في السنن أن النبي ﷺ لما قال لـ معاذ: (يا معاذ! كف عليك هذا -وأشار إلى لسانه- فقال معاذ: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال النبي ﷺ: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!)، فأخبره بأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يتكلم به بلسانه وينطق به، فدل على أن الكلام لفظ ومعنى، وحرف وصوت، وأن كلام الله معانٍ وحروف وأصوات قائمة بذاته ﷾.
والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلها من كلام الله، وكلام الله لا يتناهى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]، فلو كان هذا البحر مدادًا يكتب به ومد بسبعة أبحر وكانت الأشجار كلها أقلامًا يكتب بها؛ لتكسرت الأقلام ونفد الماء ولم ينفذ كلام الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩].
[ ١٧ / ٢٧ ]
واجب المسلم تجاه بدعتي الأشاعرة والمعتزلة
إن بدعة الأشاعرة وبدعة المعتزلة في كلام الله من أقوى البدع في باب الأسماء والصفات، وهما بدعتان عظيمتان منتشرتان، ولهما من يروج لهما في الكتب والمؤلفات والمحاضرات والندوات، خاصة بدعة الأشاعرة، فقد عمت الأرض، ولها من يروج لها ويدافع عنها ويسمون أنفسهم أهل السنة، ويقولون: إن هذا هو الحق، ويكفرون أهل السنة والجماعة، فحين قال أهل السنة: إن الرب يتكلم وإن كلامه بحرف وصوت، قالوا: أنتم تتنقصون الله وتجعلونه جسمًا، وتحلون الحوادث في ذاته، كما أن إثباتكم العلو تنقص للرب وإثبات بأنه جسم وأنه متحيز.
فينبغي للمسلم وطالب العلم خاصة أن يكون على إلمام بهذه الشبه، وأن يعرف حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة ومعتقدهم في هذا الباب، وأن يعرف حقيقة مذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة في هذا الباب حتى يكون على حذر.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.
[ ١٧ / ٢٨ ]
الأسئلة
[ ١٧ / ٢٩ ]
نتيجة الخلاف في القول بخلق القرآن
السؤال
ما هي نتيجة الخلاف في القول بخلق القرآن؟
الجواب
نتيجة الخلاف واضحة، فالقول بخلق القرآن إنكار لأن يكون الله متكلمًا بالكلام، وإنكار صفة من صفات الله واعتقاد أن صفاته مخلوقة، وهذا كلام عظيم وباطل، فالله تعالى أثبت صفاته وأثبت أنه يتكلم ونسب الكلام إلى نفسه، وأثبته له رسوله ﷺ.
[ ١٧ / ٣٠ ]
الرد على شبهة سبق القرآن حدوث أفعال العباد
السؤال
عندما خلق الله القلم أمره بكتابة كل شيء كائن إلى يوم القيامة، أي أنه علم أفعال العباد قبل خلقهم، والقرآن في اللوح المحفوظ قبل حدوث أفعال العباد، فعلى هذا كيف يكون كلام الله ﷿ حادثًا بعد حدوث الفعل كما أخبرتم؟
الجواب
الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، لكن أفعال العباد خلقها في الوقت الذي قدر أن تنزل فيه، ومن يقول: إنه خلقها في الوقت الذي كتب فيه القلم؟! فالقلم كتب المقادير، والله تعالى علم الأشياء قبل كونها، وعلم ما كان وعلم ما يكون في المستقبل، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، وكتب كل شيء في اللوح المحفوظ، وأما كلام الله فهو يتكلم به في وقته، وهو قديم النوع حادث الآحاد كما في النصوص، فلما جاءت المجادِلة وجادلت النبي ﷺ تكلم الله، وأفعال العباد خلقها الله في الوقت الذي قدر أن توجد فيه، فأفعال العباد خلقها الله في وقتها، وإلا فهل تخلق أفعالك قبل أن تخلق أنت؟! إن الأفعال لا تكون إلا بعد خلق العباد.
[ ١٧ / ٣١ ]
بيان أوجه القربة بالقرآن
السؤال
قرأت كلامًا في كتاب (معارج القبول) للشيخ حافظ الحكمي ﵀ ينقل فيه كلامًا للإمام أحمد رحمه الله تعالى، يقول فيه الإمام أحمد ﵀: يتوجه العبد إلى الله بالقرآن على خمسة أوجه: تلاوة بلسان، وكتابة بيد، وسماعًا بأذن، ونظرًا بعين، وتدبرًا بقلب، فالمتلو غير مخلوق والتلاوة مخلوقة، والمسموع غير مخلوق والسمع مخلوق، والمكتوب غير مخلوق والكتابة مخلوقة، والمنظور غير مخلوق، والنظر مخلوق، والتدبر مخلوق، والمتدبر غير مخلوق، فما صحة نسبة هذا الكلام إلى الإمام أحمد؟
الجواب
النقل والكلام صحيح، وقد ذكرناه في شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة، فالقرآن محفوظ في الصدور، فهو محفوظ في صدرك وصدرك مخلوق، ومكتوب في المصاحف، فالأوراق مخلوقة وكلام الله غير مخلوق، وكذلك تكتب القرآن وأنت مخلوق فكتابتك ومخلوقة والقرآن المكتوب كلام الله غير مخلوق.
فالمقصود أنه يتوجه الإنسان إلى الله بهذه الأشياء، فالقرآن محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف، ومنظور في المصاحف، فأما الصدر والأوراق والمداد والكاتب فهذه كلها ليست كلام الله، فالمصحف به أوراق مخلوقة، وفيه خط فلان، وفيه مداد كتب به، وفيه كلام الله، كما بينا هذا.
[ ١٧ / ٣٢ ]
معنى تسلسل الحوادث
السؤال
ما معنى تسلسل الحوادث؟
الجواب
معناه الاستمرار، فكل حادث يسبقه حادث في الماضي، وكل مخلوق يسبقه مخلوق، وفي المستقبل كذلك، فتسلسلها يعني: استمرار حادث بعد حادث.
[ ١٧ / ٣٣ ]
أزلية صفات الله تعالى الذاتية والفعلية وحدوث أفراد الصفات الفعلية
السؤال
من المعلوم أن كلام الله أزلي أبدي، وهذا ينطبق على جميع الصفات التي تليق بالله سبحانه بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، فهل هناك دليل يمكن أن نستدل به على ذلك، أم أننا نلتزم بما ورد عن السلف؟
الجواب
كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، وقد ذكرنا الأدلة في هذا، وصفات الله أزلية وأبدية، وصفات الله تتجدد، ولم يحدثها له أحد من المخلوقين، والكلام من الصفات الذاتية؛ لاتصاف الله بها أزلًا وأبدًا، ومن صفاته الفعلية؛ لكون أفراده حادثة، فهو أزلي أبدي وأفراده حادثة، فلا منافاة بينهما وقد سبقت الأدلة.
[ ١٧ / ٣٤ ]