[ ٥٩ ]
المبحث الأول: المناوئون لشيخ الإسلام
المطلب الأول: أقسام المناوئين
المناوأة: المعاداة والمناهضة، يقال: ناوأت الرجل نِواءً ومناوأةً إذا عاديته، وأصله من ناء إليك، ونؤتَ إليه: إذا نهضتما، ومنه حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم» (١)، وحديث الخيْل: «ورجلٌ ربطها فخرًا ورياءً ونواءً لأهل الإسلام» (٢)، وبهذا تكون المناوأة بمعنى العداوة والمناهضة (٣) .
وأعداء ابن تيمية ﵀ كُثرٌ، من عصره إلى هذا العصر، وغالبهم أعداء عقيدة السلف الصالح، ولذا نجد أكثر الدعاوى التي ينقمونها على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أمور الاعتقاد، وما يتصل بها مثل منهج التلقي والاستدلال عليها.
إن الناظر في أحوال المناوئين لابن تيمية ﵀ يجد صعوبة في تقسيمهم
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٢١٧ كتاب فرض الخمس، باب فإن لله خمسه، ومسلم في صحيحه ١/١٣٧ كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد و٣/١٥٢٤ كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة، واللفظ له.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٦٣٣ كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى، ومسلم كتاب الزكاة حديث (٢٤) .
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير ٥/١٢٣ مادة (نوأ)، لسان العرب لابن منظور ١/١٧٨ مادة (نوأ) . القاموس المحيط للفيروزآبادي ١/٣٢ مادة (ناء) .
[ ٦١ ]
إلى أقسام ينفصل بعضها عن البعض الآخر؛ ذلك أن بعض المناوئين يشترك في عدائه لابن تيمية ﵀ في أكثر من جهة وقسم، فيدخل تحت هذا القسم من المناوئين لأمر، ويدخل تحت قسم آخر من المناوئين لأمر آخر، فعلى سبيل المثال بعض الفقهاء الذين واجهوا ابن تيمية ﵀ وصارحوه بالعداء، يعتقدون مذهب الأشاعرة (١) .
وطوائف كثيرة من الأشاعرة يسلكون مسلك التصوف، فمن كانت هذه حاله من أعداء ابن تيمية فهو يدخل في هذه الأقسام الثلاثة كلها - أي الفقهاء، والأشاعرة، والصوفية -، ولكن التقسيم تقريبي، إذ المقصود وضع ترتيب فني لهم، ومعرفة الجهات التي كان يعاني منها ابن تيمية ﵀ ويكابد مشقة إصرارها وتعنتها أمام كلمة الحق.
وفي الجملة فإن أهل الباطل قد تناصروا على ابن تيمية ﵀، ورموه من قوس واحدة بالعداء، يبيّن ذلك تلميذ ابن تيمية ﵀ البار أبو حفص البزار (ت - ٧٤٩هـ) ﵀ عن معايشة وقرب، بكلام مؤثر نفيس إذ يقول:
(ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء، وآكلوا الدنيا بالدين، متعاضدين، متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم بالسعي في الفتك به، متخرصين عليه الكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له فيه تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في مجلس، أتراهم ما علموا أن الله سائلهم عن ذلك ومحاسبهم عليه؟ أو ما سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
_________________
(١) الأشاعرة: هم المنتسبون لأبي الحسن الأشعري في مذهبه الذي اتخذه بعد تركه الاعتزال وقبل تصريحه بانتسابه إلى مذهب الإمام أحمد، ومتأخروهم يثبتون سبع صفات فقط، وينكرون علو الذات، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٥٢ - ٥٥، الرد على الرافضة للمقدسي ص١٦٦، مذاهب الإسلاميين لبدوي ١/٤٨٧، الأشاعرة لأحمد صبحي.
[ ٦٢ ]
عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨]، بلى والله، ولكن غلب عليهم ما هم فيه من إيثار الدنيا على الآخرة، والعمل للعاجلة دون الآجلة، فلهذا حسدوه وأبغضوه، لكونه مباينهم ومخالفهم) (١) .
إن أعداء ابن تيمية ﵀ يمكن تصنيفهم وتقسيمهم إلى أقسام منها:
أولًا: الفقهاء والقضاة: فقد كان كثير من فقهاء المذاهب في عصره مقلدة، يرون الخروج عن أقوال أئمة مذاهبهم جرمًا يؤاخذ عليه فاعله، وقد أفتى ابن تيمية ﵀ في مسألة الطلاق بفتاوى لم يكن يُفتى بها في ذلك العصر ومن هذه الفتاوى:
مسألة الحلف بالطلاق: إذا قصد الحالف به اليمين فإنه لا يقع طلاقًا، ومسألة الطلاق بالثلاث وأنه لا يقع إلا طلقة واحدة، وأن الطلاق المحرم لا يقع، وقد ألف ﵀ في نصرة هذا القول مؤلفات عدة (٢)، وفتاوى متعددة (٣)، وعظم الأمر على بعض الفقهاء حين أفتى ابن تيمية ﵀ بهذه الفتوى التي سارت في البلدان سير النار في الهشيم، وذلك لجلالة قدر شيخ الإسلام ﵀ وقبوله لدى الناس (٤)، فكُلم أحد قضاة الحنابلة أن يقنع ابن تيمية ﵀ بالعدول عن هذه الفتوى، فكلّمه في يوم الخميس، منتصف شهر ربيع (٥)، من سنة (٧١٨هـ)، فقبل ابن تيمية ﵀ نصيحة القاضي؛ وذلك لعلمه أنه إنما قال له هذا القول يقصد به ترك ثوران فتنة وشر.
ولما كان يوم السبت، مستهل جمادى الأولى من السنة نفسها جاء بريد
_________________
(١) الأعلام العلية ص٦٦.
(٢) انظر: عناوينها في العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٢٤.
(٣) انظر هذه الفتاوى مجموعة في مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣/٧ - ٩٨.
(٤) انظر: الأعلام العلية للبزار ص٧٠.
(٥) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ١٤/٨٧ أنه ربيع الأول، وذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية ص٣٢٥ أنه ربيع الآخر.
[ ٦٣ ]
من السلطان يمنع الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق، ثم عقد مجلس يوم الاثنين إثر ذلك المرسوم، وانفصل الأمر على ما أمر به السلطان.
لكن ابن تيمية ﵀ عاد إلى الإفتاء بهذه المسألة تأثمًا، خشية كتمان العلم، واستمر ﵀ يفتي في هذه المسألة حتى كان يوم الثلاثاء منتهى رمضان سنة (٧١٩هـ) حيث جُمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة، وقُرئ عليهم كتاب السلطان، وأُحضر الشيخ وعوتب على فتياه بعد المنع، وأُكد عليه في المنع من ذلك.
ولما كان يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر رجب سنة (٧٢٠هـ) عُقد له ﵀ مجلس آخر في دار السعادة، حضره النائب، والقضاة، وجماعة من المفتين، وحضر الشيخ، وعاودوه في مسألة الطلاق والإفتاء فيها، وعاتبوه على ذلك، حتى صدر قرار بحبسه في القلعة، فحبس فيها خمسة أشهر، وثمانية عشر يومًا، أي إلى يوم عاشوراء من السنة التي تليها (٧٢١هـ) حيث ورد مرسوم بإخراجه، فخرج بهذا المرسوم وتوجه إلى داره (١)، فهذه الفتوى أوجدت متنفسًا لأصحاب الأغراض الشخصية، من حساد ابن تيمية ﵀ من الفقهاء في أن ينتقموا منه، ويحاكموه، وأن يسعوا في سجنه في مسألة علمية المرجع فيها إلى الدليل، وحسن الاستدلال.
وثمة حادثة أثارت حفيظة كثير من الفقهاء في عصره، وسببت من العداوات والحسد عليه أمورًا كثيرة؛ ذلك أنه كثير العلم، وصاحَبَ ذلك أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر، وجرأة في ذلك، فلا يخاف في الله لومة لائم. وقد حسده الفقهاء إذ لم ينالوا ولم يدركوا ما أدركه ووصل إليه، فقد أخبر ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ أن السلطان الملك الناصر (ت - ٧٤١هـ)، لما رجع إلى الملك مرة ثانية كان همه في طلب الشيخ ورؤيته، فلما تقابلا اعتنقا هنيهة، ثم أخذ معه
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٢٦، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٨٧، ٩٧، ٩٨.
[ ٦٤ ]
ساعة يتحدثان وكان من حديثهما: أن طلب الملك الناصر من ابن تيمية ﵀ أن يفتي في قتل بعض القضاة بسبب ما تكلموا فيه، وحثه على ذلك، إلا أن ابن تيمية ﵀ أخذ في تعظيم هؤلاء القضاة والعلماء، وبيان مكانتهم، وينكر أن ينال أحدًا منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، ومن آذاني فهو في حل وأنا لا أنتصر لنفسي (١) .
وبعد هذا الحوار انتقلا إلى المجلس العام حيث كان يجلس جمع كبير من الفقهاء والقضاة من مصر والشام فتكلم الوزير في أمر أهل الذمة، وطلبهم أن يعودوا إلى الزي الذي كانوا يلبسونه مثل سائر الناس، وترك الزي الذي أُلزموا به لتميزهم عن غيرهم، فسكت الملك كأنه يريد من الفقهاء والقضاة إبداء الرأي، وسكت الناس بما فيهم الفقهاء والقضاة فلم يتكلم أحد، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد. ثم جثى شيخ الإسلام على ركبتيه، وتكلم مع السلطان بكلام طويل، ورد على الوزير ما قاله ردًا عنيفًا، وتكلم بما لا يستطيع أحد في المجلس أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه (٢)، فهذه الحوادث وغيرها أثارت بعض من كان في قلبه غل وحسد على ابن تيمية ﵀، وتكدّرت عليهم حياتهم أن يروا ابن تيمية ﵀ تزداد مكانته بين الناس، ويرتفع شأنه عند السلطان، وتسمع كلمته فتقبل عند ولاة الأمور، نعوذ بالله من الغل والحسد.
ثانيًا: أهل الكلام (٣):
لقد كان ابن تيمية ﵀ مثالًا للعالم الذي كان همه
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٨٢، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية ١٤/٥٤ عن قاضي المالكية ابن مخلوف مقولة عنه هي قوله: (ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا، وحاجج عنا)، وهذا نص يؤكد تكالب بعض الفقهاء والقضاة عليه، وتحريض السلاطين عليه، ولكن الله ناصره.
(٢) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٧٨ - ٢٨١، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٥٤.
(٣) أهل الكلام: هم المشتغلون بعلم الكلام، وتعريف علم الكلام عند المتكلمين هو: (علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه)، وهو كلام في الله بما يخالف الكتاب والسنة، وفيه تقديم ما تدل عليه عقولهم على الكتاب والسنة. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/١٧٨، المواقف للإيجي ص٢٧، شرح المقاصد للتفتازاني ١/١٦٣ - ١٦٦، مذاهب الإسلاميين لبدوي ١/٧ - ٨ عوامل وأهداف نشأة علم الكلام في الإسلام ليحيى فرغل، أصالة علم الكلام لمحمد السيد ص١٤ - ١٧، المدخل إلى دراسة علم الكلام لحسن الشافعي ص١٣ - ٢٣، علم الكلام وبعض مشكلاته لأبي الوفاء التفتازاني ص٣ - ٦.
[ ٦٥ ]
هو الدفاع عن عقيدة السلف، والإجابة عن الشبهات الموجهة إليها، وقبل ذلك عرض معتقد السلف بأسلوب ميسر سهل التناول، عن طريق المصادر الأساسية للتلقي في الاعتقاد وهي الكتاب والسنة، ثم أقوال سلف الأمة الموافقة للوحي، الشارحة له.
ولكن لم يطب هذا الصنيع لمن كان ﵀ يهدم بنيانهم من القواعد من أهل الكلام، وأعداء عقيدة السلف، إذ كان يناقشهم مرة في منهجهم في التلقي، وموقفهم من مصادر الاستدلال الصحيحة، ويناقشهم في مصادرهم التي اعتمدوها بديلة أو أساسًا، يكون القرآن وتكون السنة تابعة لها كالعقل، ويناقشهم في منهجيتهم في الاستدلال كموقفهم من الأخذ بأخبار الآحاد في الاعتقاد، أو تأويل النصوص، أو تفويضها، ويناقشهم - أيضًا - في المسائل المخالفة لعقيدة السلف - عندهم - وهي المترتبة على الأساس الفاسد عندهم في التلقي، ويناقشهم في جزئيات كثيرة في عقائدهم أقول: لم يطب هذا الصنيع لهم، فما كان منهم إلا أن ألبوا عليه، وأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، ووشوا به عند السلاطين، وافتروا عليه الكذب، وسعوا في تغيير صورته عند الناس بتحميل كلامه ما لا يحتمل، حتى وقعت له ﵀ محن كثيرة، أوذي بسببها، وسجن، بعد ما عقدت له مجالس، ومناقشات تكون النصرة له ﵀ فيها، وكثرت المجالس وطالت سنوات عدة في النقاش بين مذهب السلف ويمثله ابن تيمية ﵀ ومذهب المتكلمين ويمثله بعض القضاة والفقهاء، يعود بعضهم إلى الحق، ويعاند آخرون ويصرون على الباطل بعد بيان الحجة، واتضاح المحجة.
[ ٦٦ ]
وقد امتحن ﵀، لأجل تأليفه (العقيدة الحموية)، وتحزب عليه أهل الكلام من المبتدعة، وذلك سنة (٦٩٨هـ) (١)، ويذكر ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ ما كان يعمله أهل الكلام من إيغار الصدور على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بسبب العقيدة الحموية، فيقول: (فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقًا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحدًا واحدًا، وأوغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم - حاشا من ذلك - وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك، ولم يقع من ذلك شيء، والعياذ بالله، وسعوا في ذلك سعيًا شديدًا) (٢) .
ثم طلب قاضي الحنفية من شيخ الإسلام أن يأتي إليه، فقال له ابن تيمية ﵀ إن العقائد ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي، ففرح أهل الضلال بهذا الجواب، فأوغروا صدر قاضي الحنفية حتى تم لهم ما يريدون، فأمر القاضي أن ينادي في البلد ببطلان عقيدة ابن تيمية، فنودي في بعض البلد، وما إن علم والي البلد بذلك حتى هب لنصرة ابن تيمية ﵀ فأرسل طائفة، فضربوا المنادي، ومن كان معه، وأمر بمتابعة من كان يسعى في هذه الفتنة، وقد كان مغضبًا من عملهم هذا، ويريد الانتقام منهم، فاختفى أكثرهم، واحتمى الآخرون ببعض كبار وأعيان البلد، ثم إن ابن تيمية ﵀ جلس على عادته يوم الجمعة في الدرس، وكان تفسيره في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فذكر الحلم، وما ينبغي استعماله، فكان ميعادًا جليلًا.
ثم اجتمع شيخ الإسلام ﵀ بقاضي الشافعية، وقرأ معه العقيدة الحموية، وأوضح ما أشكل على القاضي من بعض المواضع، فلم يحصل
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص١٩٨، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤.
(٢) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠٠.
[ ٦٧ ]
إنكار عليه من الحاكم، ولا ممن حضر المجلس وانتهى المجلس وقاضي الشافعية يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر (١)، قال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ بعد ذكره هذه المواقف: (والذين سعوا فيه معروفون عندنا، وعند كل أحد، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع - وكذلك - من ساعدهم بقول، أو تشنيع، أو إغراء، إو إرسال رسالة، أو إفتاء، أو شهادة ) (٢) .
وامتحن ابن تيمية ﵀ في عقيدته من قبل أهل الكلام محنة أشد من سابقتها، وذلك في الرسالة التي ألفها بعنوان (العقيدة الواسطية)، فنوظر بسببها، وأوذي من أجلها سنة (٧٠٥هـ)، فقد ورد مرسوم من السلطان أن يجمع الفقهاء والقضاة ثم يسأل ابن تيمية ﵀ عن اعتقاده، وفعل الوالي ذلك، فأحضر الشيخ العقيدة الواسطية، وأخبر الحضور أنه كان قد كتبها قبل سبع سنين تقريبًا، فقرئت العقيدة في المجلس، وأخرت بعض المواضع إلى مجلس آخر، حضر فيه الشيخ صفي الدين الهندي (٣)،
فناقش ابن تيمية كثيرًا لكنه لم يفلح؛ لأنه كما يصف ابن كثير (٧٧٤هـ) ﵀ فقال: (ولكن ساقيته لاطمت بحرًا) (٤) .
ثم إنهم اصطلحوا على أن يناظر ابن تيمية، أحد الذين يعرفون عنه جودة الذهن، وحسن البحث، ألا وهو كمال الدين ابن الزملكاني (ت - ٧٢٧هـ)، حيث
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠١ - ٢٠٢، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤، وقد أثنى ابن كثير ﵀ على قاضي الشافعية وقال: (وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنًا، ومقصده صالحًا) .
(٢) العقود الدرية ص٢٠٢.
(٣) صفي الدين الهندي: محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي، أبو عبد الله الشافعي، المتكلم، ولد بالهند، سنة أربع وأربعين وستمائة، كان فاضلًا، خرج من دلهي فحج، وجاور بمكة ثم رحل إلى بلاد كثيرة، حتى استوطن دمشق، تصدى للإفتاء، ناصب العداء لابن تيمية، ت سنة ٧١٥هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٧٤، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٣٧.
(٤) البداية والنهاية ١٤/٣٦.
[ ٦٨ ]
طال البحث بينهما، حيث انفصل الحال على قبول الاعتقاد الذي قرأه ابن تيمية ﵀. وعاد الشيخ إلى منزله معظمًا مكرمًا (١)، ثم عُقد مجلس ثالث لابن تيمية ﵀ وكانت نهايته أن اجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة التي يعتقدها ابن تيمية ﵀، وكان الباعث على هذه المجالس هو تحريض من قاضي المالكية ابن مخلوف (٢)، ونصر المنبجي (٣)،
إلى السلطان على شيخ الإسلام ﵀ (٤)، فكانت نتائج المجلس السابقة لم ترض هذين الشيخين، ولم تشف غليليهما، فطلبا من السلطان أن يصدر مرسومًا يطلبه إلى مصر، ومحاكمته فيها، ففعل السلطان ذلك، وطُلب ابن تيمية ﵀ من دمشق إلى مصر، فخرج ابن تيمية ﵀ ممتثلًا من دمشق في يوم مشهود، ووصل يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان سنة (٧٠٥هـ) إلى القاهرة، ومن غد بعد صلاة الجمعة، جمع القضاة، وأكابر الدولة، وادعى عليه ابن مخلوف (ت - ٧١٨هـ) أنه يقول: إن الله فوق العرش حقيقة، وذكر بعض المسائل، ولما انتهى سأله القاضي جوابه، فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجب؛ ما جئنا بك لتخطب، فقال ابن تيمية ﵀ ومن الحاكم في؟ فقيل له: القاضي المالكي، قال: كيف يحكم فيّ وهو خصمي؟ فغضب ﵀ من ذلك، ثم أصدر فيه مرسوم بحبسه، فحبس في برج أيامًا، ثم نُقل بعد ذلك إلى الحبس
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠٣، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٦ - ٣٧.
(٢) ابن مخلوف: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري المالكي، قاضي المالكية بمصر، سمع الحديث، واشتغل وحصل، كان مشكور السيرة، غزير المروءة، له مواقف سيئة مع ابن تيمية، ت سنة ٧١٨هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٩٠، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٤٩.
(٣) نصر المنبجي: نصر بن سليمان المنبجي، صوفي حلولي، كان الجاشنكير يتفانى في حبه، كاد لابن تيمية كثيرًا، ت سنة ٧١٩هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٦/٥٢.
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٧.
[ ٦٩ ]
المعروف بالجب، وقد مكث فيه إلى شهر ربيع الأول من سنة (٧٠٧هـ) (١) .
وأما تفصيلات الحوار الذي دار بين شيخ الإسلام ﵀ ومخالفيه في العقيدة الواسطية، فقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على وجه التفصيل (٢) .
ثالثًا: الشيعة (٣):
الشيعة بجميع فرقها من رافضة وزيدية (٤)، وغيرها يبغضون شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ ذلك أنه ناقشهم نقاشًا مطولًا في كتابه (منهاج السنة النبوية) وفي غيره في بعض رسائله، ومن أمثلة أعدائه من الرافضة ابن المطهر الحلي (٥)، الذي ألف (منهاج الكرامة) فرد عليه شيخ الإسلام بمنهاج السنة النبوية، فرد عليه ابن المطهر ردًا هزيلًا ضعيفًا.
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٥٠ - ٢٥٣، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٨.
(٢) انظر: حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٠ - ١٩٤) .
(٣) الشيعة: هم الذين شايعوا عليًا ﵁ على وجه الخصوص، وأما غلاتهم فهم الذين غلوا في حبه، وقالوا بإمامته نصًا أو وصية، إما جليًا وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيرهم، أو بتقية منهم، وهم فرق كثيرة منهم الغالي الكافر، ومنهم دون ذلك. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١/٦٥ - ١٦٦، ذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين لليافعي ص٧١ - ٨٨، معجم الفرق الإسلامية لعارف تامر ١٠٨، فرق معاصرة لغالب عواجي ١/١٢٧ - ٢٦٩، المناهج والمذاهب الفكرية للعريبي ص٦٥ - ٧١.
(٤) الزيدية: أتباع زيد بن علي بن الحسين، إحدى فرق الشيعة، يقولون بتفضيل علي على سائر الصحابة، وبخلود أصحاب الكبائر في النار، وبالخروج على أئمة الجور، وهم فرق متعددة. انظر: التنبيه والرد للملطي ص٤٦ - ٤٨، مقالات الإسلاميين للأشعري ١/١٣٦ - ١٦٦، التبصير في الدين للإسفراييني ص٢٧ - ٣٤، الزيدية لأحمد صبحي، الزيدية للصاحب بن عباد، الزيدية لعلي شرف الدين، معتزلة اليمن لعلي زيد، الإمام زيد بن علي المفترى عليه للخطيب، تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن لأيمن سيد ص٢٠٩ - ٢١٨.
(٥) ابن المطهر الحلي: الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن المطهر الحلي العراقي الرافضي، رأس الشيعة وشيخهم في العراق، له تصانيف كثيرة جدًا في الفقه والنحو والأصول والفلسفة والرفض، منها منهاج الكرامة الذي نقضه شيخ الإسلام في منهاج السنة، ت سنة ٧٢٦هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/١٢٥، الدرر الكامنة لابن حجر ٢/١٥٨، النجوم الزاهرة للأتابكي ٩/٢٦٧، ابن تيمية حياته وعقائده لصائب عبد الحميد ص١٩٧ - ٢٢١.
[ ٧٠ ]
وقد كان الرافضة في جبل كسروان - قريب من دمشق -، سببًا للفتن، وإخافة للناس، ومعارضة المارين بهم بكل سوء، فاستأذن ابن تيمية ﵀ نائب السلطان على دمشق أن يجهز جيشًا، وأن يقاتل هؤلاء في جبلهم، فأذن له ولي الأمر وأمر بتكوين جيش لقتالهم، وصحبه في ذلك القتال، وما زال الجيش في حصارهم وقتالهم، حتى فتح الله الجبل، وأجلى أهله، وقد ذكر ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ أن فتح الجبل يعد من الكرامات المعدودة لشيخ الإسلام، ذلك أن أهله من البغاة الرافضة السبَّابة، ولكونهم أخافوا الناس، وقطعوا السبيل، فتعين قتالهم (١)، وقد كانت هذه الموقعة من أسباب أذية ابن تيمية ﵀ واضطهاده، وسجنه فيما بعد، وذكر ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ أن هذه الواقعة قد ملأت قلوب أعدائه حسدًا له وغمًا (٢) .
وأما الزيدية فلا يقلون بغضًا لابن تيمية ﵀ عن الرافضة، ومثال ذلك ما ألفه الحسن بن إسحاق (٣)، ردًا على ابن تيمية ﵀ فيما ذكره من مسائل في (منهاج السنة النبوية)، وقد افترى على ابن تيمية ﵀ في أمور كثيرة (٤) .
_________________
(١) انظر: العقود الدرية ص١٨٠، وقد ذكر ص١٨٢ - ١٩٤ رسالة مطولة من شيخ الإسلام إلى السلطان الملك الناصر يبين له ما حصل من نصر للمسلمين على الرافضة، ويبين له خطرهم على الأمة، وقد ذكر ابن عبد الهادي - أيضًا - ص١٨١ مناظرةً للشيخ مع أحد الرافضة في مسألة عصمة الأئمة.
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٤/٣٥.
(٣) الحسن بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن الحسني، من علماء الزيدية تفقه في مدينة ذمار، وتقلب في ولاياتها حتى صار عاملًا على بلاد تعز، سجن أكثر من عشرين سنة، ومات في سجنه، سنة ١١٦٠هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٢/١٩٨.
(٤) انظر: رسالته بعنوان (رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه فيما يتعلق بالإمامة والتفضيل) .
[ ٧١ ]
وتشترك الشيعة ومن وافقهم على الافتراء على ابن تيمية ﵀ في موقفه من الصحابة عمومًا، وموقفه من الخلفاء الأربعة، وبالذات علي بن أبي طالب (١) ﵁ إذ يرون أنه ما إن يمر بذكره إلا ويلمزه ويذمه، ويتبع بالذم أهل بيت رسول الله ﷺ، إلى غير ذلك من الدعاوى التي وضعت لها فصلًا مستقلًا لعرضها ونقدها.
رابعًا: الصوفية: كان من أبرز أعداء شيخ الإسلام ﵀ في عصره، رجل سعى في أنواع المكائد على ابن تيمية ﵀ لكن غيظه لم يزل يزداد ويتأجج. ذلكم هو نصر المنبجي (ت - ٧١٩هـ)، وذكر ابن حجر (٢)
﵀ مبلغ عداوة ذلك الرجل لابن تيمية ﵀ وسبب تلك العداوة بقوله: (وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر المنبجي؛ لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن عربي، فكتب إليه كتابًا يعاتبه على ذلك، فما أعجبه، لكونه بالغ في الحط على ابن عربي، وتكفيره، فصار هو يحط على ابن تيمية، ويغري به بيبرس الجاشنكير (٣)، وكان بيبرس يفرط في محبة نصر، ويعظمه، وقام القاضي زين
_________________
(١) علي بن أبي طالب: بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو الحسن، أول الناس إسلامًا، شهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، أحد أصحاب الشورى الستة، ولي خلافة المسلمين بعد عثمان بن عفان، ت سنة ٤٠هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٢٦، الإصابة لابن حجر ٢/٥٠٧.
(٢) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام الحافظ المحدث، شهد له أعيان عصره بالحفظ، من أعظم مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ت سنة ٨٥٢هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٧/٢٧٠، البدر الطالع للشوكاني ١/٨٧. ابن عربي: محمد بن علي بن محمد بن أحمد الطائي، كان ذكيًا، عالمًا، شاعرًا، كتب في التصوف والوحدة، ووجد في كتاباته الإلحاد، ت سنة ٦٣٨هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/١٥٦، شذرات الذهب لابن العماد ٥/١٩٠، الطبقات الكبرى للشعراني ١/١٨٨.
(٣) بيبرس الجاشنكير، ركن الدين، كان من أشد أعداء ابن تيمية، ويحرض عليه العلماء، ويؤذيه، كان يثيره نصر المنبجي لإيذاء ابن تيمية، حاصره قراسنقر المنصوري، وقبض عليه، قتل سنة ٧٠٩هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٥٥، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٨.
[ ٧٢ ]
الدين بن مخلوف قاضي المالكية مع الشيخ نصر) (١) .
وقد أثار نصر المنبجي (ت - ٧١٩هـ) وابن عطاء الله السكندري (٢)
مريديهما في أن يشكوا ابن تيمية على السلطة، ففعل مريدوهم ذلك. ورُد الأمر في هذه القضية إلى قاضي الشافعية، وعُقد المجلس بادعاءات من ابن عطاء الله (ت - ٧٠٩هـ) لم يثبت على ابن تيمية ﵀ منها شيء، وظهر من علم الشيخ في ذلك المجلس وشجاعته، وقوة قلبه، وصدق توكله، وبيان حجته، ما يتجاوز الوصف، ثم إن الدولة خيروه بين أن يرحل إلى دمشق أو إلى الإسكندرية، ولكن هذا الرحيل مشروط بشروط، وبين أن يدخل الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة من أصحابه وأتباعه فأشاروا بأن يقبل بالشروط لقاء سفره إلى دمشق، ونزل عند رغبتهم، وما إن تجاوز القاهرة حتى أرسلوا بريدًا يرده إلى دمشق للحبس، وكان ذلك كله من تدبير المنبجي (ت - ٧١٩هـ) (٣)، وبقي الشيخ في الحبس، وقد استفاد منه المسجونون، وجمع كبير من الناس يدخلون عليه في السجن، ويستفيدون من علمه ومواعظه، وفي سنة (٧٠٩هـ)، أراد أعداء ابن تيمية أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة، فما زاد ذلك الناس إلا محبة له، وقربًا منه، وانتفاعًا به، واتفق أنه وجد في الإسكندرية طوائف من المتصوفة تنتسب إلى ابن عربي (ت - ٦٣٨هـ) وابن سبعين (٤)، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم
_________________
(١) الدرر الكامنة ١/١٥٧، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٧.
(٢) ابن عطاء الله السكندري: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو الفضل، ابن عطاء الله السكندري، متصوف شاذلي، ومن أشد خصوم ابن تيمية، ت سنة ٧٠٩هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ١/٢٩١، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٩.
(٣) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٧١، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤٦.
(٤) ابن سبعين: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الإشبيلي، أبو محمد، صوفي مشهور، ومن القائلين بوحدة الوجود، ت سنة ٦٦٩هـ. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى للشعراني ١/٢٠٣، فوات الوفيات للكتبي ٢/٢٥٣، شذرات الذهب لابن العماد ٥/٣٢٩.
[ ٧٣ ]
شذر مذر، وهتك أستارهم وفضحهم (١) .
وهناك مواقف أخرى بين الصوفية وبين ابن تيمية ﵀، وذلك في مناظراته ﵀ مع طائفة الرفاعية (٢)، أهل الدجل والحيل والخرافة (٣) .
خامسًا: أصحاب العداوات الشخصية: من المتأثرة بالدعاوى الباطلة، أو المقلدة لشيوخهم من غير علم، أو أصحاب العواطف الذين تتقلب نظراتهم وآراؤهم من أي شبهة تعرض لهم، وذلك مثل ابن الزملكاني (ت - ٧٢٧هـ) حيث كان من مؤيدي الشيخ ومناصريه، ثم انقلب عليه، كما في البداية والنهاية، ومثل أبي حيان (٤)، فقد أثنى على ابن تيمية ﵀ وقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل، ومدحه بأبيات منها:
لما أتانا تقي الدين لاح لنا داع إلى الله فرد ماله وزر (٥)
على محياه من سيما الأُلى صحبوا خير البرية بدر دونه القمر (٦)
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤٩ - ٥٠.
(٢) الرفاعية: تنسب إلى الشيخ أحمد الرفاعي (ت ٥٧٨هـ) وهو منهم براء، فرقة من غلاة الصوفية، يزعمون في أشياخهم التصرف في الأكوان، والعروج إلى السماء، وتبديل اللوح المحفوظ، وعلم الغيب، ويستغيثون بهم من دون الله. انظر: مناظرة ابن تيمية لهم (ضمن مجموع الفتاوى ١١/٤٤٥ - ٤٧٦)، الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية.
(٣) انظر: حكاية المناظرة في مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٤٤٥ - ٤٧٦، العقود الدرية لابن عبد الهادي ص١٩٤، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٦.
(٤) أبو حيان: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الغرناطي الأندلسي، أبو حيان، من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث، تنقل في بلاد كثيرة إلى أن أقام بالقاهرة بعد أن كف بصره، ت سنة ٧٤٥هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٥/٧٠، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٤٥، بغية الوعاة للسيوطي ١/٢٨٠.
(٥) الوَزَر: المعين والمساعد، انظر: لسان العرب لابن منظور ٥/٢٨٣ مادة (وزر) .
(٦) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ١/١٦٢.
[ ٧٤ ]
ودار كلام بينهما فجرى ذكر سيبويه (ت - ١٨٠هـ)، فبين ابن تيمية ﵀ بعض أخطاء سيبويه (ت - ١٨٠هـ)، فنفر عن ذلك أبو حيان (ت - ٧٤٥هـ) ﵀ ولم يلتمس له العذر، ثم عاد ذامًا له في مجالسه وفي كتبه (١) .
هذان مثالان لأصحاب العداوات الشخصية، التي يكون الحادي لها التعصب والتقليد والهوى، وهذا هو دأب وديدن غالب أعداء ابن تيمية: أنهم يتناقلون ما يرونه خطأ من ابن تيمية ﵀ دون نقد ولا تمحيص، بل بغض لشخصه ﵀ فلا يقبلون منه شيئًا، وسيأتي - بحول الله وقوته - شيء من الأمثلة في منهج المناوئين.
وبهذا أكون قد استعرضت أبرز أقسام المناوئين لابن تيمية ﵀ وإن كان وكما ذكرت سلفًا بعضهم يشترك مع البعض الآخر في قسمين، أو أكثر، ولكن هذا التقسيم يبين نوعية التيارات التي واجهها ابن تيمية، ووجد منها عنتًا ومشقة، إضافة إلى إثارة كثير من القضايا العقدية التي انتقدوها عليه عند العامة، وعند من جاء بعدهم من الأجيال اللاحقة والتي يجمعها: البعد عن عقيدة السلف، والتعصب للأشياخ والمتبوعين، وتقليدهم في الحق والباطل على حد سواء.
_________________
(١) ذكر ذلك جمع من أعداء ابن تيمية مثل: حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص٨٥، المقالات السنية للحبشي ص٤٠، التوفيق الرباني لجماعة من العلماء ص٢١ - ٢٧.
[ ٧٥ ]
المطلب الثاني
المنهج العام للمناوئين
تحدثت في المطلب السابق عن أبرز التوجهات العقدية التي كان ابن تيمية ﵀ يواجهها، وتواجهه، أما هذا المطلب فسيكون في منهج المخالفين لابن تيمية في تعاملهم معه، ومع ما يحمله من توجه عقدي، ومواقفهم إزاء هذا التوجه، وسيكون هذا المطلب عرضًا لأبرز ملامح منهج المخالفين لابن تيمية ﵀ تجاهه، وتجاه مؤلفاته وتعاملهم معها: تحريفًا، وتشويهًا، وتزويرًا.
ولعل أبرز هذه الملامح كالتالي:
١ - التزوير على شيخ الإسلام والكذب عليه: فلقد بُلي ﵀ بأعداء لا يخافون الله ﷿ أوصلهم عداؤهم إلى الاجتراء على الكذب، بتقويله ما لم يقل، والتزوير عليه في كتابة مؤلفات باسمه، وادعاء أنها له، وهو منها براء.
ومن هذه الافتراءات والكذب عليه: دعوى أن ابن تيمية ﵀ يقول بالتشبيه في مسألة استواء الباري ﷿ على كرسيه، وممن ادعى ذلك ابن بطوطة (١) في رحلته المشهورة (٢) .
ومن الكذب عليه - أيضًا - ما ادعاه الكوثري (٣) في أن ابن تيمية ﵀
_________________
(١) ابن بطوطة: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، رحالة مؤرخ، طاف البلدان، واتصل بكثير من الملوك والأمراء، ت سنة ٧٧٩هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٤/١٠٠.
(٢) انظر: رحلة ابن بطوطة المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار) ص١١٢ - ١١٣.
(٣) الكوثري: محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري الجركسي، فقيه مؤرخ متكلم، اشتهر بعدائه لمذهب السلف، ت سنة ١٣٧١هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٦/٣٦٣، معجم المؤلفين لكحالة ١٠/٤.
[ ٧٦ ]
يقول بوحدة الوجود (١)، وأنه ينصر هذا المذهب ويؤيده (٢) .
ومن الافتراء عليه: الزعم بأنه ﵀ أعلن رجوعه إلى عقيدة الأشاعرة، وأنه تاب من عقيدة السلف الصالح، وأنه أقر بعقيدتهم في باب الصفات ونقلوا منها بعض النقولات، وادعوا أن ذلك كان سنة (٧٠٧هـ)، وأنه شهد عليه جمع من العلماء بذلك (٣) .
وذكر صفي الدين البخاري (٤)، نماذج من افتراءات أعداء ابن تيمية ﵀ عليه، ومنها: زعمهم أنه يقول بالتشبيه والتجسيم، وزعمهم أنه ﵀ ينتقص من منزلة بعض الصحابة، وقد أجاب عنها البخاري (ت - ١٢٠٠هـ) ﵀ بأجوبة طيبة (٥) .
وذكر ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ في حوادث سنة (٧٠٢هـ) أنه وقع في يد نائب السلطنة كتاب مزوّر، فيه أن الشيخ وجماعة معه كاتبوا التتار، ويرغبونهم في تغيير نائب السلطان على الشام، فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أنه
_________________
(١) وحدة الوجود: هي القول بأن العالم هو الله، والله هو العالم، وذلك مبني على أصلهم الفاسد، أن الله عين هذا الوجود، ومن أشهر زعماء أهل وحدة الوجود: ابن عربي، وابن سبعين. انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ٢/٥٢١ - ٥٥٧، وحدة الوجود لمحمد الراشد ٢٧ - ٦١، المعجم الفلسفي لصليبا ٢/٥٦٩ - ٥٧٠، معجم ألفاظ الصوفية للشرقاوي ص٢٥، أضواء على التصوف لطلعت غنام ص٢٠٠ - ٣٣٨.
(٢) انظر: مقالات الكوثري ص٤٤٦.
(٣) انظر: الدرر الكامنة ١/١٥٨، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص٨٣ - ٨٤.
(٤) صفي الدين البخاري: محمد بن أحمد بن خير الله الحنفي الحسيني، أبو الفضل، أصله من بخارى، تجول في البلدان إلى أن استقر في نابلس، ماتريدي المعتقد، محدث حافظ، ت سنة ١٢٠٠هـ. انظر في ترجمته: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي ١/٦٥٢، الأعلام للزركلي ٦/٢٤١، معجم المؤلفين لكحالة ٩/٥.
(٥) انظر: القول الجلي (ضمن مجلة كلية أصول الدين العدد الثاني ص٢٣٨ - ٢٤٧) .
[ ٧٧ ]
مفتعل، ففحص عن واضعه، فإذا هو فقير معروف بالشر والفضول، حيث وجد معه ومع من يعاونه مسودة الكتاب، فتحقق نائب السلطنة من ذلك، وعزره تعزيرًا عنيفًا (١) .
ومن الافتراء والكذب عليه: أن مخالفيه ادعوا أنه يحرم زيارة القبور مطلقًا، فحُرّف كلامه ﵀ ونُقل عنه ما لم يقله (٢)، وقد أجاب شيخ الإسلام ﵀ عن هذه الدعوى مبينًا خطر الكذب المتعمد، وبين أن من تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم (٣) .
وبعد استطراد عن خطر الكذب، وأنواعه، نقل ابن تيمية ﵀ كلام الأخنائي (ت - ٧٦٣هـ) ضده في أنه يحرم زيارة القبور مطلقًا، في جواب له كان قد كتبه قبل سنين، فأجاب ابن تيمية ﵀ بقوله: (هذا الكلام مع قلّته، فيه من الكذب الباطل، والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة، وكان له أن يحكي لفظ المجيب بعينه، ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد.
فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه، فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم؛ وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا) (٤) .
وحين نوظر ﵀ في العقيدة الواسطية، بيّن للحاضرين جميعًا أنه يعلم بما زوره عليه أعداؤه، وأنه لا يرتضي هذا التزوير، ولا يمثل هذا المكتوب المزوّر شيئًا من عقيدته حتى ينظر فيه هو ويقره، فقال: (وكان قد بلغني أنه زُوِّر عليّ كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير، أستاذ دار السلطان، يتضمن ذكر عقيدة محرفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أنه مكذوب) (٥) .
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ١٤/٢٢.
(٢) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٢٨.
(٣) انظر: الرد على الأخنائي ص٩ - ١٢.
(٤) الرد على الأخنائي ص١٢ - ١٣.
(٥) حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦١) .
[ ٧٨ ]
وبعد أن ذكر ﵀ للحاضرين شيئًا من معتقده قال: (أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليّ، كما قد كذبوا عليّ غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون كتم بعضه، أو داهن، أو دارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام) (١) .
٢ - التلبيس والتضليل: وهذا نوع آخر من أنواع الكذب والتزوير على ابن تيمية ﵀ يستخدمه بعض خصومه، وصورته: أن يتحدث المخالف لعقيدة السلف في مسألة من المسائل المبتدعة، ثم يستشهد لنصرة ما يقوله ويقرره من الابتداع بكلام شيخ الإسلام ﵀ فيظن الناظر أن ابن تيمية ﵀ يقول بهذا القول، ولا يظهر هذا التلبيس إلا عند التحقيق، وذلك بالرجوع إلى النص في الكتاب الأصلي لابن تيمية ﵀ ليجد الناظر أن المخالف قد اجتزأ النص، وبتره، فصار كلامًا آخر غير الكلام الذي يريده قائله، أو أن يستدل المخالف بنص مجمل مشتبه وليس هو موضع تقرير المسألة التي نقموا عليه فيها، ويترك النصوص المبينة المحكمة التي تفصل تلك المسألة وتقررها وفق القواعد العلمية المرعية عند أهل الشأن.
ومن الأمثلة على هذا التلبيس: دعوى أن شيخ الإسلام ﵀ لا يأخذ بخبر الواحد في أمور الاعتقاد، والاستشهاد لهذا بكلام له ﵀ (٢) .
ومنها النقل عن ابن تيمية ﵀ أنه يثني على الأشاعرة، وأنهم أنصار أصول الدين (٣) .
ومنها النقل عن ابن تيمية ﵀ أنه يجيز التوسل بالرسول ﷺ في حياته،
_________________
(١) حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٢)، وانظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠٠.
(٢) انظر: مقدمة السقاف لتحقيق دفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص٤٥.
(٣) انظر مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص٣٨، وقد رد عليه الشيخ صالح آل الشيخ: في هذه مفاهيمنا ص٢٣٠، وبين أن هذا نقل نقله ابن تيمية ﵀ عن العز بن عبد السلام.
[ ٧٩ ]
والتلبيس هو: أن المقصود - أيضًا - جوازه بعد مماته (١)، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي يدعيها أعداء ابن تيمية ﵀ (٢)، في أنه يوافقهم على عقائدهم الفاسدة، وهذا أسلوب آخر من أساليب تشويه الكلام الحق، حيث لما رأى أولئك أن ابن تيمية ﵀ له القبول في الأرض، وأن كلامه في المسائل العلمية يوافقه الصواب - غالبًا -، أرادوا أن يبثوا عقائدهم الفاسدة ببيان موافقة ابن تيمية ﵀ لما يعتقدونه ويقررونه، ولذا فإن هذا التلبيس يُلحظ في المتأخرين أكثر منه عند المتقدمين.
٣ - التحذير من الاغترار به علانية: حيث لم يتمكن أعداء ابن تيمية ﵀ أن يواجهوه في المسائل العلمية، ولم يستطيعوا أن يقفوا معه في مناظرة منطقية، وظنوا أنهم بحبسه وسجنه وإهانته يستطيعون النيل منه، ولكن الحق يعلو، ومنزلة ابن تيمية ﵀ في قلوب الناس تزيد، وقلوب الناس تخفق، وتلهج بالدعاء كلما سمعوا بإرادة الضر والوشاية بشيخ الإسلام ﵀، فاتخذ المناوئون أسلوبًا آخر في حربه، وحرب معتقد السلف الصالح - رضوان الله عليهم - ألا وهو التحذير من قراءة كتبه، والتحذير من الاغترار بعلمه، والمناداة بفساد عقيدته في المجالس والأسواق، وفي مؤلفاتهم، ولكن الحق يعلو وينتصر، والباطل يظهر عواره ويخمد ولو بعد حين، فأعز الله شيخ الإسلام، وخلّد ذكره، ونشر علمه، وأخزى الله أعداءه، وأذلهم، وأعمى أبصارهم.
ومن أوسع ما رأيت في التحذير من كتب ابن تيمية ﵀ ما كتبه يوسف
_________________
(١) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص٥٥، وانظر الرد عليه في: هذه مفاهيمنا لآل الشيخ ص٨٣ - ٨٥.
(٢) انظر من الأمثلة: المنح الوهبية لداود بن سليمان ص١٣، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص٢١٦، ٢٦٦، ٢٧٥، شفاء الفؤاد بزيارة خير العباد للمالكي ص٩٣، وغيرها.
[ ٨٠ ]
النبهاني (١)، فقد جاء بأسلوب ناصح مشفق، يحذّر من خداع الشيطان، ومن كلام ابن تيمية ﵀ في مسائل عقدية كالسفر لزيارة قبور الصالحين، والاستغاثة بهم (٢) .
٤ - نسبة الأولية له في ابتداع الضلالات: وهذا - أيضًا - من منهج خصوم شيخ الإسلام في التعامل مع ما يحمل من مبادئ وعقائد، فادعوا عليه بأنه أول من قال بإمكان حوادث لا أول لها، وبأنه أول من منع شد الرحل إلى زيارة قبور الصالحين، وأنه أول من أفتى بعدم جواز التوسل بالصالحين، وأنه أول من قال بالتجسيم، وغيرها من المسائل العقدية التي يرون أنه خالف فيها إجماع الأمة (٣) .
٥ - النقل من بعض، والاعتماد على المتقدمين دون التحقيق: فهذه الشبه التي يلوكها أعداء ابن تيمية ﵀ هي من نقل المتأخر عن المتقدم، دون الرجوع إلى كتب صاحب الشأن، وهي موجودة متوفرة، فينقلون في مواضع متعددة عن ابن تيمية ﵀ كلامًا هو ليس له، وإذا طولبوا بصحة النقل، وعزو الكلام إلى مصدره وقائله، سكتوا وفغروا أفواههم، ثم أحالوا إلى كتب أعدائه ومخالفيه، وهذا منهج عند التحقيق ليس بسوي ولا مرْضي.
ويعجب القارئ حين يقرأ كتب المخالفين، ويتأمل نسبتهم الكلام والمسائل إلى ابن تيمية ﵀ إذ لا تكاد تجد عند المتأخر جديدًا يذكر، فلا
_________________
(١) النبهاني: يوسف بن إسماعيل النبهاني، عالم معاصر، متصوف، رحل إلى مصر، وتولى القضاء، وله مؤلفات كثيرة، ت سنة ١٣٥٠هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٩/٢٨٩، معجم المؤلفين لكحالة ١٣/٢٧٥.
(٢) انظر: شواهد الحق ص٦٥ - ٦٦، رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله له - أيضًا - ص٢٢٤، التوفيق الرباني لجماعة من العلماء ص٦.
(٣) انظر: السيف الصقيل للسبكي ص٦٣، دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٤٥، سعادة الدارين للسمنودي ١/٨٢، كشف النقاب للطباطبائي ص١٥، محق التقول للكوثري (ضمن مقالاته ص٤٦٨)، وقد أجبت عنها في مواضعها من البحث.
[ ٨١ ]
يعدو الأمر إما زيادة في كذب، أو سوء فهم، أو سوء قصد، أو الإسفاف والإغراق في السباب والشتائم.
وقد ينقل الواحد منهم كلامًا للمتقدمين لم يفهمه، وقد أُتي من سوء فهمه، فيعرضه عرضًا يتبين معه قلة علمه، مثال ذلك ما حصل للنبهاني (ت - ١٣٥٠هـ) من خلط حين ظن أن القصيدة النونية التي رد عليها السبكي (ت - ٧٥٦هـ) غير القصيدة النونية المشهورة لابن القيم (١)، فهي قصيدة أخرى حسب ظنه (٢) .
ويظهر نقلهم من بعض، سواء كان ذلك النقل بعزو أو ليس بعزو، وسواء كان ذلك النقل حرفيًا، أو كان نقلًا بالمعنى، إذا تتبع المنصف كلام أوائل المخالفين لابن تيمية ﵀ ثم من جاء بعدهم، ثم من جاء بعدهم إلى هذا العصر، فلا يجد - مع كثرة الكتابات - وزنًا علميًا لها، سوى التشويش، وكلمات الإثارة، البعيدة عن الوزن العلمي للعلوم والمعارف.
٦ - كثرة الإلزامات الباطلة: لما كان المخالفون لابن تيمية ﵀ يبحثون عن زلات كبار في صلب المعتقد من كلامه ولم يجدوا، اضطروا بعد ذلك إلى استخدام أسلوب الإلزام الفاسد، وذلك يكون:
إما بالقول بأن لازم القول قول، ويلزمون ما ليس لازمًا، لكنها الأهواء، فيجعلون على سبيل المثال: لازم القول بإمكان حوادث لا أول لها: القول بقدم العالم، ولازم القول بمنع جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد مماته: القول بعدم محبته ﷺ، وهكذا (٣) .
_________________
(١) ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، العلامة الفقيه الأصولي المجتهد المحدث، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وحبس معه في قلعة دمشق، ت سنة ٧٥١هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٦٨، البدر الطالع للشوكاني ٢/١٤٣، ابن قيم الجوزية لعبد العظيم شرف الدين ص٦٧ - ٧٤، ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف لعبد الله بن محمد ص٥٩ - ٧٩.
(٢) انظر: شواهد الحق ص٢٠٦.
(٣) قد أجبت عن كل في موضعه من البحث.
[ ٨٢ ]
وإما بالقول بأن لازم قول التلميذ قول الشيخ، فكل قول يقول به أحد تلامذة شيخ الإسلام ﵀ فإنه يقول به لا محالة، وهذا ليس بصحيح، إذ بعض تلاميذه ﵀ قد وصل إلى مرحلة الاجتهاد، فلا يقلده فيما وقع فيه من أخطاء وقد يزل التلميذ في أخطاء لا يقره عليها شيخه، ولم يأخذها عن شيخه.
وإما بذم ما لزم منه ذم ابن تيمية ﵀ فكل ما يترتب على ذم ابن تيمية ﵀ فهو مذموم عندهم، مثال ذلك أن ابن تيمية ﵀ كان يذكر كثيرًا الكتب التي يعتمد عليها في باب الاعتقاد، التي ألفها أئمة السلف، فلما كان لازم القدح بعقيدة ابن تيمية ﵀ القدح في عقائد السلف، فعلوا ذلك غير مبالين، ولهم في ذلك طرق. إما أن يقدحوا في صحة نسبة الكتب إلى مؤلفيها، ويرون أنها كذب مختلق على من اشتهر أنهم ألفوها (١) .
وإما أن يذموا الكتاب ويقدحوا في الكتاب من أساسه، كما فعلوا في كتاب (التوحيد) للحافظ ابن خزيمة (ت - ٣١١هـ)، حيث أطلقوا عليه كتاب الشرك (٢) .
وإما أن يرموا مؤلفيه بأنهم كانوا من السلف، ثم اختلطوا وتأثروا فلا يقبل منهم ما أُلف بعد تغيرهم، ويقولون ذلك احترازًا من القدح بهذا الشخص؛ لأنه إذا ذكر السلف فهو في عدادهم، كما فعلوا مع الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ إذ زعموا أنه كان على معتقد أهل السنة والجماعة، ثم أصبح مختل العقل عند تأليفه النقض (٣) .
٧ - التناقض والاضطراب: وذلك أن هدف المناوئين لابن تيمية ﵀ هو
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٠٨ - ١١٠، المقالات للكوثري ص٣٩١ - ٣٩٩.
(٢) انظر: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٥١، مقالات الكوثري ص٣٩٩ - ٤٠٦، وقد كان أول من أطلق عليه ذلك الرازي في تفسيره ٢٧/١٥٠.
(٣) انظر: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٧٢.
[ ٨٣ ]
النيل منه، والحط من مكانته، وانتقاصه بأي أسلوب، فقد كانت هذه النتيجة، وهي التناقض بين بعضهم البعض، فبعضهم يدّعي أن ابن تيمية ﵀ يقول بقول، والآخر يدعي أنه يقول بخلافه، والاختلاف بين ما يدّعونه على شيخ الإسلام ﵀ وبين ما هو موجود ومقرر في كتبه ورسائله وفتاواه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] .
ومن الأمثلة على ذلك: ما رمي به من أنه يقول بقول الرافضة، مع أنه ﵀ له من الكتابات ما يعد من أقوى ما رُد عليهم كمنهاج السنة النبوية، وفي مقابل ذلك ما ادعي عليه أنه يبالغ في توهين كلام الشيعة (١) .
ومن الأمثلة: قول بعض مخالفيه بأنه يأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد، ذاكرًا ذلك على سبيل الذم والتنقص، وفي مقابل ذلك ما قاله بعضهم أنه لا يحتج بخبر الآحاد في الاعتقاد (٢) .
ومن الأمثلة أيضًا: رميه ﵀ بالقول بوحدة الوجود (٣)، مع أنه ﵀ كان يرد عليهم، كرده على نصر المنبجي (ت - ٧١٩هـ)، وقبله ابن عربي (ت - ٦٣٨هـ) .
ومن أوسع ما كتبه ﵀ في الرد على هذه العقيدة الفاسدة ما ذكره في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في مواضع كثيرة جدًا متفرقة من الكتاب.
٨ - كثرة السب والشتم:
وهذه بضاعة المفاليس الذين لا يملكون علمًا تقف عنده الأذهان، وتعترف له النفوس المنصفة، فيعوضون نقصهم هذا بأنواع من السباب والشتائم، تتأذى منه أفئدة المؤمنين، فمنها: رميه بالخداع والمكر والنفاق،
_________________
(١) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٦٣.
(٢) انظر: شواهد الحق للنبهاني ص٢٣٢، مقدمة تحقيق السقاف لدفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص٤٥.
(٣) انظر: مقالات الكوثري ص٤٤٦.
[ ٨٤ ]
والزندقة (١)، ووصفه بالخبث، والدعاء عليه، ورميه بالجهل، وسوء الفهم، والحقد الدفين في قلبه (٢) .
ومنها - أيضًا -: رميه بقلة العقل، وضعفه، كما ذكر ذلك ابن بطوطة (ت - ٧٧٩هـ) في رحلته (٣) وغيره (٤) .
وقد أجاب عنها الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨) ﵀ وهو المنصف في موقفه من ابن تيمية ﵀ قائلًا: (وقد تعبت بين الفريقين، فأنا عند محبيه مقصر، وعند عدوه مسرف مكثر) (٥)، قال ﵀ وكأنه يرد على هذه المقولة: (لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخّار، بصير بالكتاب والسنة) (٦) .
وحين عاتب الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ أبا الحسن السبكي (ت - ٧٥٦) على ما
_________________
(١) الزندقة: كلمة فارسية معربة، ومعناها: النفاق الأكبر، والإلحاد الأعظم، والزنادقة هم الذين لا يؤمنون بالآخرة، ووحدانية الخالق، وتطلق الزندقة على القائلين بدوام الدهر، وقد كانت المانوية المزدكية تسمى الزنادقة أو الزنديقية، وأصل هذه الكلمة بالفارسية نسبة إلى (زند وبازند) وهما كتابان وضعهما المجوس في مصالح الدنيا وعمارة العالم. انظر: المقالات والفرق للقمي ص٦٤، ١٩٣، بغية المرتاد لابن تيمية ٣٣٨، الإيمان له ص ٢٠٣، الرد على الرافضة للمقدسي ص١٣٤ - ١٣٥، لسان العرب لابن منظور ١٠/١٤٧ مادة (زندق) .
(٢) انظر: دفع شبه من شبه للحصني ص٤٥ - ٦٣، ٩٤، ١٠٧، ١٢١، مقدمة تحقيق أحمد محمد مرسي للبرهان الجلي لأحمد الغماري ص٢٥، والبرهان الجلي ص٥٦، ٥٧، ٥٨، ٧٦.
(٣) انظر: تحفة النظار في غرائب الأمصار ص١١٢.
(٤) انظر: السيف الصقيل للسبكي ص٢١، الجوهر المنظم للهيتمي ص٢٨، فيض الوهاب للقليوبي ٤/١٢٠، الرد المحكم المبين لعبد الله الغماري ص٥٠.
(٥) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص٢٧) .
(٦) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص٢٥)، وانظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص٧٠.
[ ٨٥ ]
صدر منه تجاه ابن تيمية ﵀ كتب أبو الحسن السبكي (ت - ٧٥٦هـ) جوابًا يعتذر فيه، ومما قاله في الاعتراف بذكائه قوله: (أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف..) (١) .
٩ - إطلاق ألفاظ الكفر: وقد كثرت مقولات السب والشتم على ابن تيمية ﵀ من قبل مناوئيه ومخالفيه، حتى تجاوزوا فأطلقوا أن ألفاظه كفرية، وأنه لا يقول بها إلا كافر، وتمادوا فأطلقوا عليه أحكامًا بالكفر، وأنه لا دين له، وأنه من المشركين، والملاحدة، واتهامه بالخروج من الدين (٢) .
هذه أبرز معالم منهج المخالفين لابن تيمية ﵀ تجاهه، وإذا أردنا تتبع أسباب هذا الهجوم المتواصل منذ وفاة شيخ الإسلام إلى هذا العصر، فيمكننا معرفة أهم هذه الأسباب وأشهرها، وهي كالتالي:
أ - الخلاف العقدي: وهذا - في نظري - أبرز الأسباب وأقواها، فشيخ الإسلام ﵀ جاهد البدعة، وقمعها، ونصر السنة وأيّدها، بكل ما يملك من إمكانات: بالفتوى، والرسالة، والكتب الكبار التي تبين خطر المذاهب البدعية، وترد على أعلامها، وبالمناظرة والحوار، وجاهدهم بالنفس - أيضًا -، وذلك لمعرفته ﵀ بخطرهم، ونخرهم في جسم الأمة، فجاهد أهل الكلام بجميع طوائفهم وفرقهم، ورد على المتصوفة وجميع فرق الباطنية (٣)، وهدم
_________________
(١) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٢ - ٣٩٣، الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١٠٠.
(٢) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ٣٨، ٤٥، ١٠٧، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص١٦٧، تحقيق السقاف لدفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص٢٤٥، البرهان الجلي لأحمد الغماري ص٥٥ - ٥٦، المقالات السنية للحبشي ص٧٠ - ٧١.
(٣) الباطنية: تيار يضم مجموعة من الفرق، ينظمها القول بأن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وأن المقصود هو علم الباطن، وكان من أول من قال بهذا في الإسلام: عبد الله بن ميمون القداح، ومحمد بن الحسين الملقب بدندان. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٨١ - ٣١٢، التبصير في الدين للإسفراييني ص١٤٠ - ١٤٧، الملل والنحل للشهرستاني تحقيق بدران ١/١٧٠ - ١٧٨.
[ ٨٦ ]
أصول الفلاسفة بالأدلة النقلية والعقلية، وأوذي لأجل وقوفه وبيانه الحق في مسألة التوسل، ومسألة شد الرحل فكانت هذه الوقفات الشجاعة سببًا في أن يقف المستفيدون من هذه البدع التي هدمها شيخ الإسلام في وجهه ويعادوه، ويكيدوا له المكائد بجميع صنوفها وأشكالها.
ب - الحسد: وهذا هو الذي أحرق قلوب ضعاف الإيمان من أعداء ابن تيمية ﵀ من الفقهاء، والقضاة؛ ذلك أن مما يُعجب من ابن تيمية ﵀ أن الناس تتجه إلى فتاواه، وتقبلها وتأخذ بها، فأثار هذا الأمر حفيظة ضعاف الإيمان لينالوا منه، ويحطوا من قدره، وينزلوا من مكانته في قلوب الناس، أو قلوب بعض الولاة الذين لا يقبلون إلا قوله.
ولقد تنبه الحافظ ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ إلى هذا السبب، فكان يجعله سببًا لكثير من الفتن والبلايا التي تعرض لها ابن تيمية ﵀ (١) .
وقال الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀: (برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحره العذب النمير، يرتعون من ريع فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد ) (٢) .
وفي تقريظ لكتاب (الرد الوافر) جعل البلقيني (٣) داء الحسد أهم وأبرز
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: البداية والنهاية ١٤/٣٥، ٣٧، ٤٩.
(٢) الدرر الكامنة ١/١٦٧.
(٣) البلقيني: صالح بن عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، شيخ الإسلام، من العلماء الكبار، ولي قضاء الديار المصرية، وعزل وأعيد ست مرات، توفي وهو على القضاء، ت سنة ٨٦٨هـ. انظر في ترجمته: النجوم الزاهرة للأتابكي ١٦/٣٣٣، شذرات الذهب لابن العماد ٧/٣٠٧.
[ ٨٧ ]
الأسباب في عداوة من عادى ابن تيمية ﵀ وأطال في ذلك (١) .
جـ - الجهل بعقيدة السلف، واتباع الهوى:
ومن أفضل ما قيل في هذا، قول بهاء الدين السبكي (ت - ٧٧٧هـ): (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل، أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) (٢) .
وقال الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ في وصف أعداء الشيخ: (الذم والمقت لأحد رجلين: رجل أفتى في مسألة بالهوى، ولم يبد حجة، ورجل تكلم في مسألة بلا خميرة من علم، ولا توسع في نقل، فنعوذ بالله من الهوى والجهل، ولا ريب أنه لا اعتبار بذم أعداء العالم، فإن الهوى والغضب يحملهم على عدم الإنصاف) (٣) .
د - التعصب: سواء كان لمذهب أو شيخ، أو التعصب ضد مذهب، أو عالم برد كل ما جاء عنه سواء كان حقًا أو باطلًا، والتعصب دليل على الجهل ونتيجة له، فصاحبه بعيد عن الإنصاف والحق، وسأعرض مثالين من أمثلة التعصب الممقوت ضد ابن تيمية ﵀.
فالمثال الأول: ذم التقي الحصني (٤) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهذا الرجل ممن اشتهر بالتعصب، وقد شهد عليه بهذا عدد كبير من العلماء
_________________
(١) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص٢٤٩ - ٢٥٢.
(٢) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص٩٩، الشهادة الزكية لمرعي الحنبلي ص٢٤.
(٣) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه، ومنها ترجمة شيخ الإسلام ص٢٦)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣٠٧، ٣٠٩، ٣١٣.
(٤) التقي الحصني: أبو بكر محمد بن عبد المؤمن الحصني، نسبة إلى الحصن قرية من قرى حوران، الدمشقي الفقيه الشافعي، حط على ابن تيمية وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة، ت سنة ٨٢٩هـ. انظر في ترجمته: الضوء اللامع للسخاوي ٦/٨٣، شذرات الذهب لابن العماد ٧/١٨٨.
[ ٨٨ ]
والمؤرخين، فقد كان شديد التعصب للأشاعرة، منحرفًا عن أهل السنة، وتفحش في ابن تيمية - كما يقول مترجموه - وتجهر بتكفيره من غير احتشام (١)، ومثل هذا لا يؤخذ عنه قول فيمن أبغضه، فتعصبه قد أعماه عن قول الحق والعمل به، إلى ظلم الناس، وبخسهم حقوقهم.
وأما المثال الثاني: فهو العلاء البخاري (٢)، الذي يعرف بشدة التعصب لمذهبه الحنفي، ووُصف بضيق الصدر، وسرعة الغضب، وكان لجوجًا في المخاصمة، وذكر مترجموه - أنه إذا أبغض غلا فيه وزاد، فيه حدّة وتهوّر في الألفاظ، ومن تعصبه الذي ذم لأجله أنه حكم على من أطلق على ابن تيمية ﵀ لقب شيخ الإسلام (٣) بأنه كافر (٤) .
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع للسخاوي ٦/٨٣، إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر ٨/١١٠ - ١١١.
(٢) العلاء البخاري: محمد بن محمد، (سبعة من آبائه اسمهم محمد)، البخاري العجمي الحنفي، العلامة، نشأ ببخارى، ورحل إلى الأقطار، واجتهد في الأخذ عن العلماء، ممن غلا في بغض ابن تيمية، كان ملازمًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ت سنة ٨٤١هـ. انظر في ترجمته: الضوء اللامع للسخاوي ١/٢٨٤، النجوم الزاهرة للأتابكي ١٥/٣١٤، شذرات الذهب لابن العماد ٧/٢٤١.
(٣) ذكر ابن ناصر الدين في الرد الوافر ص٥١ - ٥٦ معاني شيخ الإسلام التي منها: أنه شاب على الإسلام، ومنها: أنه سمي بذلك لسلوكه طريقة أهله، ومنها: أنه شيخ وأكبر المشايخ في ذلك العصر، وغيرها، وهذا المصطلح إطلاق يعرف عند المتقدمين مثل إطلاق قاضي القضاة، ثم عدّد بعض من أطلق هذا اللقب من التابعين ومن بعدهم، وأما العلماء الذين لقبوا ابن تيمية بهذا اللقب فهم كُثر اعتنى بجمعهم ابن ناصر الدين في كتابه الرد الوافر، وانظر: تقريظات الكتاب - أيضًا - في آخره، وقد أطلق أعداء ابن تيمية ﵀ هذا المصطلح على غيره انظر على سبيل المثال: المقالات للكوثري ص٥٤٦، ٥٧٨ - ٥٨٢، ٦٠٨، شواهد الحق للنبهاني ص٢٨٩.
(٤) ولذا رد عليه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢هـ) بمصنف نفيس سماه: (الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) .
[ ٨٩ ]
والأمثلة كثيرة في هذا الباب على التعصب ضد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) .
هـ - قوة ابن تيمية في الحق: فقد كان ﵀ جريئًا في قول الحق، والهجوم على أعدائه، والدفاع عنه، لا يخاف في الله لومة لائم، وكثيرًا ما وصفه مترجموه في مناظراته مع الخصوم بقوة القلب، وبالشجاعة.
وقد كان - أيضًا - لا يحابي، ولا يداهن في دين الله ﷿، ولا يطلب ود أحد من الناس في ترك إنكار المناكر والبدع، سواء كانت تلك صغيرة أم كبيرة، ويغضب إذا انتهكت محارم الله ﷿ ولا يقف أمام غضبه أحد، حتى يُغير ذلك المنكر ويُصلح.
وقد كان لهذه الطريقة أثرها الطيب في عصره، إذا اتضح الحق، وانكشفت البدعة، وزال لبسها عن أذهان الناس، وكان من نتائج هذه الطريقة أن كثر أعداؤه، بل وعاد بعض مادحيه ذامًا، يقول الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀.
(.. وإلا والله فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم، ولزم المجاملة، وحسَّن المكالمة، لكان كلمة إجماع، فإن كبارهم وأئمتهم خاضعون لعلومه وفقهه ) (٢) .
يقول البزار (ت - ٧٤٩هـ) ﵀ حول أسباب عداوة المناوئين لابن تيمية ﵀: (كان إذا وضح له الحق يعض عليه بالنواجذ، ولا يلتفت إلى معاند، فاتفق غالب الناس على معاداته، وجُلّ من عاداه قد تستروا باسم العلماء والزمرة الفاخرة، وهم أقبل الناس في الإقبال على الدنيا، والإعراض
_________________
(١) انظر: ما كتبه الكوثري والحبشي والسقاف حول ابن تيمية، فلا يقبلون منه خيرًا مطلقًا، وكل كلامهم حوله إنما هو ذم له.
(٢) انظر: ترجمة ابن تيمية من ذيل تاريخ الإسلام للذهبي (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص٢٤)، وانظر حول هذا المعنى: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٤، ٣٩٥، الدرر الكامنة لابن حجر ١/١٦١.
[ ٩٠ ]
عن الآخرة، وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرياسة، وإقبال الخلق وراءه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى لا يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع فيه خصوصًا عند الأمراء والحكام ) (١) .
﵀، وغفر له، وأسكننا وإياه الفردوس الأعلى من الجنة (٢) .
_________________
(١) الأعلام العلية ص٦٧.
(٢) يرى بعض الباحثين أن الأسباب الحقيقية هي: حسد الأقران، ورغبة بعض المتآمرين على تصفية عناصر القوة، وما يسببه ابن تيمية من حرج للسلاطين، وأما غيرها من الأسباب كالخلافات العقدية فهي ذرائع معلنة للعامة لتبرر إبعاد ابن تيمية وسجنه، انظر: الفكر التربوي عند ابن تيمية لماجد كيلاني ص٧٥ - ٨٠.
[ ٩١ ]
المطلب الثالث
اعتراف خصومه بقدره
من سنة الله ﷿ أن يجري الحق على ألسنة أعدائه ومخالفيه؛ وذلك بيانًا له، وتطمينًا لقلوب المؤمنين، وإقامةً للحجة على أعدائه ومناوئيه، وفي هذا المطلب سأستعرض شيئًا من قول أعداء ابن تيمية ﵀ وهي من باب قول الله ﷿: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، ولسنا في حاجة في كل موضع من المواضع أن نذكر شهادة الأعداء والمخالفين، ولكنها إذا وجدت وذكرت كانت شهادة بالفضل لأهل الفضل، كما قال الشاعر:
وشمائل شهد العدو بفضلها والفضل ما شهدت به الأعداء (١)
وليس القصد من ذكر هذه النماذج هو الحصر، بل يكفينا من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن الأمثلة ما يقرر القاعدة.
ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان - ولا يزال - له من المكانة في نفوس أهل السنة مما لا يحتاج فيه إلى ذكر ثناء القادحين فيه، وفي عقيدته، ولو كان - أيضًا - ﵀ من أهل المداراة، والملاينة مع المبتدعة في مقابل عدم إظهار امتعاضه، وبغضه لبدعهم، ولما هم عليه؛ لكان موضع قبول بإجماعهم، فهم مقرون في حقائق نفوسهم أنه إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم البارزين (٢) .
_________________
(١) البيت للسري الرفاء، انظر: ديوانه ص٩.
(٢) انظر: ترجمة ابن تيمية في ذيل تاريخ الإسلام للذهبي (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص٢٤)، الدرر الكامنة لابن حجر ١/١٦١.
[ ٩٢ ]
ومن مناوئيه: من أثنى عليه في أول أمره، ثم انقلب عليه وصار عدوًا بعد أن كان صديقًا، بسبب الأهواء، والتأثر بما كان ينقل عن ابن تيمية ﵀ من وشايات مضللة، ودعايات مغرضة: أو لتعصب، وغيره - كما سبق بيانه - ومن أمثلة هؤلاء ابن دقيق العيد (ت - ٧٠٢هـ) ﵀ حيث قال: (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) (١) .
ومنها كلام ابن الزملكاني (ت - ٧٢٧هـ) في ابن تيمية، وهو كثير، ومنه قوله عن ابن تيمية ﵀: (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله) (٢) .
وقال عنه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وله اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب، والتقسيم والتبيين) (٣) .
وقال عنه: (هو بارع في فنون عديدة من الفقه والنحو والأصول، ملازم لأنواع الخير وتعليم العلم، حَسَن العبارة، قوي في دينه، صحيح الذهن، قوي الفهم) (٤) .
وأثنى عليه كثيرًا ثم أنشأ يقول:
هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة أنوارها أربت على الفجر (٥)
ومن الأمثلة: كلام أبي حيان النحوي (ت - ٧٤٥هـ) في ابن تيمية ﵀ ومن قوله فيه: ما رأت عيناي مثل ابن تيمية، ثم أنشأ يقول:
لما أتينا تقي الدين لاح لنا داع إلى الله فرد ماله وَزَر
_________________
(١) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١١١، الشهادة الزكية لمرعي الحنبلي ص٢٩.
(٢) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١٠٧، الشهادة الزكية لمرعي الحنبلي ص٣٦.
(٣) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١٠٩.
(٤) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١٠٩.
(٥) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/١٣٧، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٢.
[ ٩٣ ]
على محياه من سيما الألى صحبوا خير البرية نور دونه القمر (١)
ومن خصوم ابن تيمية ﵀ من يعترف بفضله وقدره، في حالة ضعف، واستسلام، كما حصل للقاضي المالكي ابن مخلوف (ت - ٧١٨هـ) حيث قال: (ما رأينا مثل ابن تيمية حرّضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا، وحاجج عنا) (٢)، وذلك حين طلب الملك الناصر (ت - ٧٤١هـ) من ابن تيمية ﵀ أن يفتي في قتل بعض العلماء من الفقهاء، والقضاة، فدافع عنهم ﵀ وأثنى عليهم، وقد كان ابن مخلوف (ت - ٧١٨هـ) في مقابل ذلك يحرض السلاطين هو ونصر المنبجي (ت - ٧١٩هـ) على ابن تيمية - ﵀ رحمة واسعة -.
ومن مناوئيه: ما يحملهم الإنصاف، وكثرة المحامد والمناقب التي يتميز بها ابن تيمية ﵀ على مدحه، والثناء عليه، وإن كان ذلك في لحن القول، مع بغضهم له، والقدح فيه، والنيل منه كلما أمكنهم ذلك: وهؤلاء كثير (٣) .
فمن الأمثلة قول تقي الدين السبكي (ت - ٧٥٦هـ) حين عاتبه الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ في ابن تيمية ﵀: (أما قول سيدي في الشيخ فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه، واجتهاده، وبلوغه في كل ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان) (٤) .
_________________
(١) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٢، الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١١٩ في قصيدة طويلة.
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٥٤.
(٣) أما الذين تحملهم الأهواء على الذم المطلق فهم - أيضًا - كثير مثل: الحصني، الكوثري، الحبشي، السقاف وغيرهم.
(٤) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٢ - ٣٩٣، الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١٠٠.
[ ٩٤ ]
وقال في موضع آخر: (له فضل وذكاء واطلاع) (١) .
وقال في ثنائه على رد شيخ الإسلام على الرافضة:
ولابن تيمية ردّ عليه وفى بمقصد الرد واستيفاء أضربه (٢)
ومن الأمثلة أقوال الحسن بن إسحاق (ت - ١١٦٠هـ) في ابن تيمية ﵀ وهو يرد عليه فذكر عنه أنه العلامة المحقق، وأنه علمه كالبحر المتلاطم الأمواج، المتشعب الفجاج، كثير الطرائق، وإذا تكلم في مسألة فإنه يأتي على ما يتحير عنده العقل ويذهب، من تحقيق للحق وتدقيق (٣) .
وذكر عنه أنه بلغ الغاية في حسن الصناعة، لترصيف الكلام وتنميقه، وترقيق ما يسرده من الكلام وتدقيقه، يتصرف في كل مقام تصرف عارف متقن، بارع في معرفة أساليب الخطاب متمكن (٤) .
وقال عن منهاج السنة النبوية: (ومع هذا فإننا لا ننكر أنه بتصديه للرد على الرافضي مصيب مأجور، وأن سعيه في ذلك سعي مشكور) (٥) .
ومن الأمثلة: - أيضًا - بعض مقولات يوسف النبهاني (ت - ١٣٥٠هـ) فقد قال عنه:
(وابن تيمية هذا هو إمام كبير، وعَلَم عِلمٍ شهير من أفراد أئمة الأمة المحمدية الذين تفتخر بهم على سائر الأمم، ولكنه مع ذلك غير معصوم من الخطأ والزلل وابن تيمية وإن أخطأ في هذه المسائل المعدودة، فقد أصاب في مسائل لا تعد ولا تحد، نصر بها الدين المبين، وخدم بها شريعة سيد المرسلين ﷺ، على أن بعض ما نسب إليه من تلك المسائل أنكر صحة نسبتها
_________________
(١) انظر: السيف الصقيل ص١٦.
(٢) انظر: هذه القصيدة في ترجمته في الطبقات الكبرى للشافعية لابن السبكي ١٠/١٧٦.
(٣) انظر: رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه ص٢٢١.
(٤) انظر: رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه ص٢٢٢.
(٥) رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه ص٢٣١.
[ ٩٥ ]
إليه بعض العلماء الأثبات ) (١) .
وقال: (اعلم أن الإمام ابن تيمية هو في العلم كالبحر العجاج، المتلاطم بالأمواج، فهو تارة يلقي باللؤلؤ والمرجان، وتارة يلقي الأحجار والصدف ) (٢) .
وقال: (اعلم أني أعتقد في ابن تيمية، وتلميذيه ابن القيم، وابن عبد الهادي، أنهم من أئمة الدين، وأكابر علماء المسلمين، وقد نفعوا الأمة المحمدية بعلمهم نفعًا عظيمًا) (٣) .
ومن الأمثلة - أيضًا - ما وصفه به أحد المناوئين المعاصرين (٤) بأنه أحد علماء السلف المتأخرين، ومفكر من أكبر مفكري الإسلام (٥) .
وإذا استعرضنا بعض كلمات الاعتراف بفضل ابن تيمية، وإنصافه، سواء كانت بقصد، أو بغير قصد، فيحسن أن نستعرض الطرف الآخر، وهو موقفه ﵀ من مخالفيه ومناوئيه وإنصافه لهم، وسيكون هذا العرض من استقراء مؤلفات ابن تيمية ﵀ ومناظراته مع خصومه، ودراستها لنتمكن من معرفة منهجه في رده على خصومه، ومناقشته لهم:
لقد كان ابن تيمية ﵀ ينظر إلى خصومات أعدائه، وكيد مناوئيه على أنها نعمة من الله ﷿ يظهر بها الحق، ويدمغ الباطل فإذا هو زاهق، فهذه العداوات، وإن كانت في ظاهرها شرًا، وهي نوع من الابتلاء للمؤمنين، إلا أنها تحمل في طياتها مصالح للمؤمنين الصابرين، قال ﵀: (إن ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان، ما كان يجري بدمشق، ومما جرى الآن بمصر، فليس ذلك غضاضة، ولا نقصًا في حق
_________________
(١) شواهد الحق ص٥٢.
(٢) شواهد الحق ص٥٦.
(٣) شواهد الحق ص٦٢، وانظر: ص١٨١، ١٨٣، ٢٨٩، ٢٩٢، الأساليب البديعة له ص٤٥٦، ٤٧٠ - ٤٧٢.
(٤) وهو الدكتور علي سامي النشار.
(٥) انظر: نشأة الفكر الفلسفي ١/٣١١.
[ ٩٦ ]
صاحبه ولا حصل بسبب ذلك تغير منا، ولا بغض، بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين، أرفع قدرًا، وأنبه ذكرًا، وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من صالح المؤمنين، التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى) (١) .
وقد كان ﵀ يملك تصورًا عجيبًا عن الفرق، ومذاهب الرجال، والفروقات بين مذاهبهم، وهذا يدل على أنه إذا تكلم في مسألة عند فرقة فإنما يتحدث بها، وهو عالم بها، مدرك لمعناها، بل هو - أيضًا - يعرف لوازم قول المخالف أكثر من المخالف نفسه، حتى إنه يظهر تناقضات القول الواحد في نفسه مما لم يتنبه له صاحب القول (٢) .
وقد كانت مصادره ﵀ في معرفة أقوال المخالفين له مصادر موثوقة، عالية الإسناد، فمصادره تكون: إما بقراءة كتبهم، وإما بملاقاتهم ومناظرتهم، وإما عن طريق أقوال الثقات عنده عنهم (٣) .
ويهمنا في هذا المطلب: بيان إنصاف ابن تيمية ﵀ لخصومه، وعدم ظلمهم، لا في فعل، ولا قول، ولا كتابة: فمن أبرز ما تجلى: إنصافه يوم لقياه الملك الناصر (ت - ٧٤١هـ) وطلب الملك منه أن يفتي في قتل بعض حساده من الفقهاء، والقضاة، وأمْر ابن تيمية له بالعدول عن ذلك (٤) .
وقد كان ﵀ يطلب إقامة المناظرة: بيانًا للحق، وإقامة للحجة، فيستعفي الخصم بلفظ أو بخط (٥)، فلم يطلب حظًا لنفسه ولا نفعًا، بل كان
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/٥٣.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢/٥٤، ٥٧، ٥٨، ٩٢، ١٠٦، ١٧٥، ٢٤٣، ٣٧٩، ٤٧١، ٤٧٦، ٤/١٨، ٦/٥١، ١٧/٤٤٦، ٢٠/٣٠١ - ٣٢٠، وغيرها.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٤٦٩، ١٨/٥٧، درء تعارض العقل والنقل ٥/٦١، ٣١٧، ٣٢٣.
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٥٤.
(٥) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٥/٢١.
[ ٩٧ ]
يعفو عمن ظلمه، وكان قصده بيان الحق، وإن أدى ذلك إلى ظلم الناس له، وهضمهم بعض حقه.
قال ﵀: (على أي شيء أخاف: إن قتلت كنت من أفضل الشهداء ) (١) .
وقال: (هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله فيّ بتكفير، أو تفسيق، أو افتراء، أو عصبية جاهلية: فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتمًا بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكمًا فيما اختلفوا فيه ) (٢) .
وقد كان ﵀ حريصًا على تأليف القلوب، وجمعها على الحق، لا أن تتفرق وتختلف، أو أن تجتمع على منكر وضلالة، قال ﵀: (والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومناظرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين، وطلبًا لاتفاق كلمتهم، واتباعًا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله) (٣) .
ومن إنصافه ﵀ لخصومه أنه يناقشهم في المصطلحات حسب فهمهم لها، ثم يبين هذا الفهم هل هو صواب أم لا؟، ويستدل على قوله وحجته بأقوال المختصين في الفن، فإذا بحث مسألة في التفسير نقل عن أئمة التفسير، وإذا بحث مسألة في الفقه ذكر أقوال الفقهاء، وكذلك الأمر في بقية العلوم الشرعية، وأما إذا وافق خصمه الحق فإنه ﵀ يوافقه عى ذلك ويؤيده ويثني على الحق الذي عنده، وإذا احتاج الأمر إلى تفصيل فإنه يفصل بأن يقول في كلام المخالف: قوله في هذه المسألة صواب، وأما قوله في المسألة الأخرى فخطأ (٤)، ويصف بعض مناوئيه بأن فيهم نوع دين مع نوع جهل كما قال ذلك
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٢١٥، ٢٥٩.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٢٤٥.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٢٢٧، ٦/٤٨٥، ٥٠٢، ٥٠٣، ٥٠٦.
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٦/٢٣، ٤٣، ١٥١.
[ ٩٨ ]
في الأخنائي (ت - ٧٦٣هـ) الذي أساء الأدب مع شيخ الإسلام، ورد عليه بألفاظ نابية، ومع ذلك كان ﵀ عادلًا معه في الحكم (١) .
ويعمم الحكم، والكلام المنصف على جميع من تكلم فيهم من علماء الإسلام، فذكر ﵀ أنه ما منهم إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف ، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه ، ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابًا بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم، أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقلّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين؛ لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبُعد الناس عن نور النبوة، وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب (٢) .
ويركز ابن تيمية ﵀ على أهمية لين الخطاب مع المخالف، ومخاطبته بالتي هي أحسن، حتى وإن أغلظ المخالف عليه القول؛ لأن الغرض هو بيان الحق، وإزالة الشبهة، ومع هذا ينبه إلى أن مقامات الخطاب للمخالف تختلف فلها أحوال: فقد تنفع المخاطبة بالتي هي أحسن وقد لا تنفع، ولذا يقول ﵀: (ما ذكرتم من لين الكلام، والمخاطبة بالتي هي أحسن، فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالًا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة، فنحن مأمورون بمقابلته، ولم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن، ومن المعلوم أن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل
_________________
(١) انظر: الرد على الأخنائي ص٩، وقارن بين هذا وبين ما في ص١٥٠ - ١٥١.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٠٢ - ١٠٣، ٣١١، ٣١٥.
[ ٩٩ ]
عمران: ١٣٩]، فمن كان مؤمنًا فإنه الأعلى بنص القرآن) (١)، وقد عمل بهذه القاعدة في مناقشاته مع الغلاة، فقد رفع صوته في مناظرته مع الرفاعية لما يرى من الوقع العظيم في القلوب لرفع الصوت في المناظرة (٢) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٢٣٢.
(٢) انظر: مناظرة ابن تيمية لدجاجلة البطائحية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٤٦٥، ٤٦٦)، ومن أراد التفصيل في بيان منهج ابن تيمية ﵀ في رده على الخصوم فليرجع إلى موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ١/٢٨٤ - ٣١٧، ومقدمة تحقيق بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/٤٠ - ٦٧ للغفيص، وهي في الأصل رسالة دكتوراه مقدمة إلى قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض.
[ ١٠٠ ]
المبحث الثاني
دعاوى المناوئين حول منهج شيخ الإسلام ابن تيمية ومناقشتها
المطلب الأول
دعاوى المناوئين حول منهج شيخ الإسلام ابن تيمية
حاول المناوئون لابن تيمية ﵀ القدح في ابن تيمية ﵀ وفي عقيدته، وذلك للتحذير منه، ومن كتبه، حتى لا يستفيد منها الناس، فجعلوا بينها وبين الناس حاجزًا كثيفًا من الشبهات، والتلبيسات، والافتراءات، وقد كان التشويه موجهًا إليه وإلى كتبه على مستويات مختلفة، فادعوا دعاوى على منهجه العام، كما ادعوا عليه في بعض الجزئيات والتفصيلات في باب الاعتقاد، ومن دعاواهم على المنهج العام لابن تيمية ﵀: ما ادعوا عليه بأنه على خلاف منهج السلف الصالح، وأن انتسابه إليهم إنما هو دعوى يدعيها، ويرون أن الذي في كتبه إنما هو من ابتداعه هو، ويرون - أيضًا - أنه يعتمد على بعض الكتب، والمصنفات المنحولة والمختلقة على بعض السلف (١) .
ومما ادعوا عليه ﵀ في منهجه: أنه يقول بالتأويل، ويأخذ به، وإن كان في ظاهر الأمر يرده ويحذر منه، لكنه يؤول بعض النصوص، ويبعد بها عن المقصود الأساسي لها إلى مقصد آخر يراه ويؤيده (٢) .
_________________
(١) انظر: حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص١٠٧، المقالات السنية للحبشي ص٩، ابن تيمية ليس سلفيًا لعويس أغلب الكتاب.
(٢) انظر: شواهد الحق للنبهاني ص٢٢٧، مقدمة الدسوقي في تحقيقه الاعتبار للسبكي ص٨، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص١٣٢، ١٣٦، المقالات السنية للحبشي ص٨٠، الحقائق الجلية لابن جهبل ص٧٢، ٧٨.
[ ١٠١ ]
ومما ادعو عليه - أيضًا - أنه متبع لهواه، يتلاعب بالنصوص، فيأخذ منها ما يوافق بدعته وقوله، ويترك ما لا يوافق بدعته، ولو أمكنه الطعن في الآيات والأحاديث لفعل، وفي هذا يقول عنه الحصني (ت - ٨٢٩هـ): (فإن هذا شأنه إذا وجد شيئًا لا مساس فيه لما ابتدعه قال به وقبله ولم يطعن، وإذا وجد شيئًا على خلاف بدعته طعن فيه، وإن اتُفق على صحته، ولا يذكر شيئًا على خلاف هواه، وإن اتفق على صحته ) (١) .
وقال - أيضًا -: (وهذا شأنه إن وجد شيئًا يوافق هواه، وخبث طويته ذكره ووسع الكلام فيه وزخرفه، وإن وجد شيئًا عليه أهمله أو حمله على محمل يعرف به أهل النقل حمله وتدليسه عند تأمله ) (٢) .
ومما ادعوا عليه ﵀ في منهجه بأنه يأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد، وخبر الواحد عندهم لا يبنى عليه شيء من المسائل العقدية، وإنما يؤخذ به في أمور الأحكام (٣) .
ومما ادعوا عليه في منهجه - أيضًا - أنه مسارع في تكفير من خالفه، سواء أقام الدليل على التكفير أم لم يقم عليه دليل، وأن كل من خالفه ولم ينقد إلى رأيه وقوله فمآله إلى التكفير والتشهير والتحقير (٤) .
_________________
(١) دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٧٤.
(٢) دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص١١٣، وانظر: المقالات السنية للحبشي ص٢٠٥ - ٢٠٦.
(٣) انظر: الحقائق الجلية لابن جهبل ص٨٧، رفع الاشتباه للنبهاني ص٢٣٢، شروط الأئمة الستة للكوثري ص١٣.
(٤) انظر: شفاء السقام للسبكي ص١٣٢، براءة الأشعريين لأبي حامد بن مرزوق ص٢٥٤، التوسل بالنبي له ص١٨١، المقالات السنية للحبشي ص١٣٣.
[ ١٠٢ ]
المطلب الثاني
مناقشة دعاوى المناوئين حول منهج ابن تيمية
حرص المناوئون لابن تيمية ﵀ على إضعاف ثقة الناس به وبكلامه، فأقاموا الشُبه على منهجه ﵀ كما أقاموها على بعض تفصيلات المعتقد، ومع اختلاف كثير منهم معه في المعتقد كالأشاعرة والمتصوفة وغيرهم، إلا أنهم جميعًا لا يصمدون أمام الحقائق، فالمُدعي يطالَب بإثبات صدق دعواه، وذلك بإيراد كلام الخصم، ليكون حجة على صدق الدعوى، وهم إذا طولبوا بذلك ولّوا على أدبارهم هاربين.
وقد يجد الناظر المحقق أن عندهم بعض النصوص التي ينقلونها عن ابن تيمية ﵀ ولكن هذه النصوص إما أن تكون مبتورة فلا ينقلونها كاملة فيقع اللبس، أو أن ينقلوها وهم لا يفهمونها على حقيقتها، بسبب الجهل بمذهب السلف، وبما تحمله المصطلحات والألفاظ من معان.
وأما دعوى أن ابن تيمية ﵀ على خلاف مذهب السلف ، فيجاب عن أصحاب الدعوى بأن يقال لهم: ماذا تريدون بمصطلح السلف: إن كان المراد سلف الأشاعرة والمتصوفة وغيرهم من المبتدعة فإن ابن تيمية ﵀ لم ينتسب إلى أحد منهم، ولم يقل بقولهم، بل كان يرد عليهم ويناقشهم.
وأما إذا كان المراد بالسلف: سلف الأمة وأئمتها، وأن ابن تيمية على خلاف ما كانوا عليه، فهذا من أعجب العجب، أن يكون الشارح لمعتقد السلف، والمستدل له، والمدافع عنه على خلافه، ثم يكون أصحاب الدعوى من أهل الأهواء هم حملة هذا المعتقد الحق، والمدافعون عنه.
[ ١٠٣ ]
وإذا كان المتهمون لابن تيمية بهذه التهمة، والقائلون بها ليسوا على معتقد السلف الصالح، فلم يفهموه، أو فهموه ولم يطبقوه فكيف تقبل منهم مثل هذه الدعاوى والتهم المزيفة.
وإذا أردنا تحقيق الأمر من جهة ابن تيمية ﵀ فإنه سيتضح من فعله ومن قوله: فهو الذي أوذي وطرد؛ لأجل كلمة الحق وعقيدة السلف، وهو الذي نوظر وحوقق لأجلها، وهو الذي سُجن وأُبعد عن أهله ووطنه لأجلها، وهو الذي ذاق المتاعب والآلام لأجلها، وليست هذه علائم من ينتسب ويدعي الانتماء إلى عقيدة السلف دون وعي وقناعة، بل هذه دلائل إيمانه بهذا المعتقد، وتصديقه الجازم به.
وأما ما يؤيد ارتباط ابن تيمية ﵀ بمذهب السلف، وقناعته به، وتطبيقه له من أقواله في مؤلفاته فهو كثير جدًا، فمن منهجه ﵀ ربط الناس بمذهب السلف، وتقرير هذا المذهب كلما سنحت فرصة، سواء أكان عن طريق الإجمال، أم عن طريق التفصيل.
وقد أعلن وأخبر بمصادره في الاعتقاد من كتب السلف، وكرّرها مرارًا، فهي عن أئمة معروفين من السلف كالإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ)، والخلال (ت - ٣١١هـ)، وابن خزيمة (ت - ٣١١هـ)، والآجري (ت - ٣٦٠هـ)، وابن بطة (ت - ٣٨٧هـ)، وابن مندة (ت - ٣٩٥هـ) وابن أبي زمنين (ت - ٣٩٩هـ)، وغيرهم من أئمة السلف - ﵏ أجمعين - (١)، وكتب هؤلاء وغيرهم ثابتة لهم، وذلك بصحة نقلها إلينا.
فقد ذكر مترجموهم كتبهم التي ألفوها في الاعتقاد في عداد كتبهم، وكتبهم قد طبع أكثرها محققًا، وقد بين محققوها صحة نسبة هذه الكتب إلى مؤلفيها، إضافة إلى توافق ما في هذه الكتب مع اعتقاد السلف الذي هو اعتقاد
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: الحموية ص٢٨ - ٣٠، منهاج السنة النبوية ٢/٣٦٣ - ٣٦٧، شرح حديث النزول ص٢٢٨ - ٢٣٠.
[ ١٠٤ ]
مؤلفيها، فلا يبقين مكان لتشكيك من شكك في صحة نسبة بعض كتب السلف إلى مؤلفيها، إذ لا يملك المشكك دليلًا يعتمد عليه في تقوية تشكيكه، إضافة إلى أن المشكك من خارج الدائرة فهو على غير معتقد هؤلاء الأئمة، وتشكيكه في صحة نسبة هذه الكتب إنما هو لهدف وهوى في نفسه وهو التشكيك في صحة المعتقد كله والله المستعان.
ومع هذا فيدعو ابن تيمية ﵀ إلى تقليب كتبه، والبحث عن أي قول يخالف فيه مذهب السلف الصالح، وقد أمهل مخالفه ليبحث في كتبه ثلاث سنوات، ومع هذا فلم يستطع المخالفون له - ومنهم بعض العلماء والقضاة - أن يجدوا نصًا يستندون إليه، يقول ﵀: (وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ، حيث قال: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)، يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك ) (٢)، وهو ﵀ يقر بما أقر به السلف من وجوب اتباع الكتاب والسنة، قال ﵀: (من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار) (٣) .
وقال - أيضًا -: (أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله، ورسوله ﷺ، وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة) (٤) .
وقال - أيضًا -: (وأنتم تعلمون - أصلحكم الله - أن السنة التي يجب
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٣ كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ واللفظ له، ومسلم في صحيحه ٤/١٩٦٢ كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، وورد بألفاظ مختلفة.
(٢) انظر: مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٩) .
(٣) الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٥٧) .
(٤) مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦١) .
[ ١٠٥ ]
اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها: هي سنة رسول الله ﷺ: في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان) (١) .
وجعل ﵀ منهج أهل السنة والجماعة أنهم: (يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقًا، وما خالفه كان باطلًا) (٢) .
إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان يدعو إلى مذهب السلف الصالح، فلم يكن يدعو إلى مذهب غيره، ولذا أنكر ﵀ على من زعم أنه يدعو إلى المذهب الحنبلي بقوله: (ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاءه به النبي ﷺ، ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجيء به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد ﷺ) (٣) .
وبين - أيضًا - أن الاعتقاد الحق ليس مختصًا بالإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ (٤) .
وأن الاعتقاد الحق والسنة إنما أضيفت له، وجعله إمام أهل السنة؛ لكونه أظهر السنة وبينها في وقت فتنة القول بخلق القرآن، لا أنه أنشأها وابتدأها، وإلا فالسنة سنة النبي ﷺ، فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ، وكل ما قاله الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) فهو قول الأئمة قبله، كمالك (٥)،
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٣٧٨، وانظر: ١٢/٢٣٧.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧٧.
(٣) مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٩) .
(٤) انظر: مناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٨٩) .
(٥) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني، أبو عبد الله، شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة، سمع من الزهري ونافع وغيرهما، صاحب الموطأ، وإليه ينسب المذهب المالكي، ت سنة ١٧٩هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٢٨٤، سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/٤٨.
[ ١٠٦ ]
والثوري (١)، والأوزاعي (٢)، وحماد بن زيد (٣)، وحماد بن سلمة (٤)،
وهو قول التابعين وقول الصحابة قبل هؤلاء الذي أخذوه عن النبي ﷺ (٥)، وذكر ابن تيمية ﵀ أن جعل الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ إمامًا في السنة، لا يعني جواز تقليده في أصول الدين، فإن التقليد في أصول الدين مذموم بإطلاق، وأنه هو نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء.
وأن أصحابه كإبراهيم الحربي (٦)، وبقي بن مخلد (٧)، وغيرهما لا يقبلون
_________________
(١) الثوري: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، أحد الأئمة المجتهدين، إمام أهل العراق في زمانه، وصف بالورع والزهد والعلم، ت سنة ١٦١هـ. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/١١١، شذرات الذهب لابن العماد ١/٢٥٠.
(٢) الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي الأوزاعي، الفقيه، صاحب سنة واتباع، وزهد وورع، وهو من أفضل أهل زمانه، ت سنة ١٥٧هـ. انظر في ترجمته: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/١٨٤، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٧٨.
(٣) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، مولاهم البصري، أبو إسماعيل، شيخ العراق في عصره، من الحفاظ، كان ضريرًا طرأ عليه العمى، وخرج حديثه الأئمة الستة، ت سنة ١٧٩هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٦/٢٥٧، تهذيب التهذيب لابن حجر ٣/٩.
(٤) حماد بن سلمة بن دينار البصري الربعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، محدث نحوي، حافظ ثقة، ساء حفظه لما كبر، ت سنة ١٦٧هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٦/٢٤٩، تهذيب التهذيب لابن حجر ٣/١١.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٢١٥، بيان تلبيس الجهمية له ٢/٩١.
(٦) إبراهيم الحربي: إبراهيم بن إسحاق الحربي، الإمام الزاهد، كان عالمًا بالفقه، حافظًا للحديث، طلب العلم على الإمام أحمد، وصنف كتبًا كثيرة، ت سنة ٢٨٥هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ٦/٢٧، طبقات الشافعية للسبكي ٢/٢٥٦، شذرات الذهب لابن العماد ٢/١٩٠.
(٧) بقي بن مخلد بن يزيد الأندلسي القرطبي، أبو عبد الرحمن، حافظ مفسر محقق، إمام مجتهد، ت سنة ٢٧٦هـ. انظر في ترجمته: الصلة لابن بشكوال ١/١١٨، طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/١٢٠.
[ ١٠٧ ]
كلام الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) إلا بحجة يبينها لهم (١) .
وبهذا يتضح أن ابن تيمية ﵀ موافق لما عليه السلف من الاعتقاد الحق، وأنه وإياهم يأخذون من مصادر واحدة هي الكتاب والسنة، وأنه ﵀ لم يدع إلى مذهب أو طريق غير الطريق والصراط السوي الذي سار عليه العلماء والأئمة الذين يقتدى بفعالهم.
وأما دعوى أن ابن تيمية ﵀ يأخذ بالتأويل الفاسد في تعامله مع النصوص الشرعية: فهذه دعوى باطلة، ذلك أنه ﵀ كان من أكثر الناس بيانًا في كتبه لمسألة التأويل، ولبيان خطرها، ويذكر ﵀ أنه تتبع كلام السلف - رضوان الله عليهم - هل لهم في تأويل النصوص، وخاصة نصوص الصفات كلام ومقال؟، فلم يجد لهم شيئًا من ذلك، وهو الذي أخبر ﵀ أنه متبع لهدي السلف الصالح، مقتف أثرهم، يقول ﵀ بعد أن ذكر أن بعض التأويلات مكذوبة عليه:
(وأما الذي أقوله الآن وأكتبه، وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس: أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ) (٢) .
وقد بين ﵀ أن التأويل عند السلف له معنيان (٣):
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٢١٦.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٩٤.
(٣) التأويل عند أهل اللغة يعود إلى هذين المعنيين - أيضًا -، وأما المعنى الثالث الذي قاله المتكلمون، - وهو ما سيأتي بيانه - فلم يرد في معاجم اللغة المعتمدة المتقدمة، ولم يرد - أيضًا - عن السلف. انظر في كتب اللغة: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/٨٦ - ٨٧، الصحاح للجوهري ٤/١٦٢٧ - ١٦٢٨، مجمل اللغة لابن فارس ١/١٠٧، وانظر: الإكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية ص٢٨ - ٣١، التدمرية له ص٩١ - ٩٢.
[ ١٠٨ ]
المعنى الأول: بمعنى التفسير، وبيان المعنى، ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] .
ومنه قول جابر بن عبد الله (١) ﵁: (ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به) (٢) .
ومعنى التأويل هنا التفسير.
المعنى الثاني: بمعنى الحقيقة وهي: ما يؤول إليه الكلام ويرجع إليه، فإن كان الكلام خبرًا كان تأويله بهذا المعنى: نفس الشيء المخبر به، وإن كان الكلام طلبًا كان تأويله بهذا المعنى هو: فعل هذا الشيء المطلوب.
ومن تأويل الخبر قوله ﷿ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل الخبر هذا هو حدوث الشيء المخبر به.
وقول الله ﷿: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]، فالسجود هو الذي آلت إليه رؤيا يوسف ﵇.
وأما الاستدلال على الكلام إن كان طلبًا، فمنه قول عائشة (٣) ﵂:
(كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا
_________________
(١) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، أبو عبد الله، أحد المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ، له ولأبيه صحبة، كان ممن شهد العقبة، شهد المشاهد غير بدر وأحد منعه أبوه عن حضورها، ت سنة ٧٤هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٢٢١، الإصابة لابن حجر ١/٢١٣.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٨٨٧، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
(٣) عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين تزوجت النبي ﷺ وقد أكملت ست سنوات، كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة، ت سنة ٥٨هـ. انظر في ترجمتها: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣٥٦، الإصابة لابن حجر ٤/٣٦١.
[ ١٠٩ ]
وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن) (١) أي يعمل به.
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ الفرق بين نوعي التأويل عند السلف: بأن المعنى الأول يكون التأويل فيه بمعنى العلم والكلام كالتفسير والشرح والإيضاح.
ويكون وجود التأويل - أيضًا - في القلب، وهو وجود ذهني لفظي رسمي في اللسان والكتاب.
وأما المعنى الثاني: فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو مستقبلة، ويكون التأويل من باب الوجود العيني الخارجي، فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة في الخارج (٢) .
وهذان المعنيان لا يذم ابن تيمية ﵀ إذا أقر بهما، كما يقر بهما السلف الصالح - ﵏ أجمعين -.
وقد حدث عند المتكلمين تعريف ثالث للتأويل لم يكن معروفًا عند السلف، ولا في معاجم اللغة المتقدمة، وقد نقل هذا المعنى عن ابن الأثير (ت - ٦٣٠هـ)، وابن الكمال (٣)، وغيرهما من المتأخرين.
وهذا المعنى للتأويل عند المتكلمين له تعريفات عدة أشهرها تعريفه بأنه:
صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به (٤) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٢٩٩ كتاب الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود، ومسلم في صحيحه ١/٣٥٠ كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود.
(٢) انظر: الإكليل في المتشابه والتأويل ص٢٦.
(٣) ابن الكمال: محمد بن أحمد بن داود بن موسى اللخمي، ابن الكمال، أبو عبد الله، فقيه مقريء، له حظ في اللغة والأدب، تجول في بلاد الأندلس، وقرأ بمرسية، ت سنة ٧١٢هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٣/٤٠٥، معجم المؤلفين لكحالة ٨/٢٥٩.
(٤) انظر: أساس التقديس للرازي ص٢٣٥.
[ ١١٠ ]
وقد عرّفه الآمدي (١) بقوله: (أما التأويل - من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة والبطلان - هو: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له) (٢) .
ويذكر ابن تيمية ﵀ أن هذا المعنى للتأويل لم يكن معروفًا عند السلف فيقول: (وأن التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال إنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هو التفسير؛ لكونه تفسيرًا للكلام، وبيانًا لمراد المتكلم به، أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها؛ لكونه مندرجًا في ذلك، لا لكونه مخالفًا للظاهر) (٣) .
ثم بين ﵀ أن السلف كانوا ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله ﷺ، فهي من تحريف الكلم عن مواضعه (٤)، ولذا قال ﵀ في موضع آخر: (إنا لا نذم كل ما يسمى تأويلًا مما فيه كفاية، وإنما نذم تحريف الكلم عن مواضعه، ومخالفة الكتاب والسنة، والقول في القرآن بالرأي) (٥) .
وقال ﵀: (الخلاف في لفظ (التأويل) على المعنى المرجوح، وأنه حمل اللفظ على الاحتمال المرجوح دون الراجح لدليل يقترن به، فهذا اصطلاح متأخر، وهو التأويل الذي أنكره السلف والأئمة) (٦) .
وذكر ﵀ أن المتكلمين ليس لهم ضابط دقيق يُرجع إليه فيما يصلح
_________________
(١) الآمدي: علي بن محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن الآمدي، أصولي متكلم، كان حنبليًا، ثم انتقل إلى المذهب الشافعي، ت سنة ٦٣١هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٥٥، طبقات الشافعية للسبكي ٨/٣٠٦.
(٢) الإحكام للآمدي ١/٥٣.
(٣) الصفدية ١/٢٩١.
(٤) انظر: الصفدية ١/٢٩١.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٢٠ - ٢١.
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦/٤٠٨.
[ ١١١ ]
للتأويل وما لا يصلح له، ولذا وقعوا في الاضطراب والاختلاف، يقول في ذلك: (فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونًا فيما يتأول وما لا يتأول، بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع، فلا يقرون إلا بما يُعلم ثبوته بدليل منفصل عن السمع، وهم لا يجوّزون مثل ذلك، ولا يمكنهم أن يقولوا مثل ذلك) (١) .
وفي الجملة فإن التأويل المقبول هو ما دل على مراد المتكلم، وأما تأويلات المتكلمين التي يحرفون بها نصوص الصفات وغيرها، فلا يعلم أن الرسول ﷺ أراد ذلك، ولم تأت قرينة تدل على ما يريدون، بل مما يعلم بالاضطرار في عامة النصوص الشرعية أن مراد أهل التأويل في تأويلهم يخالف مراد الله في كلامه، ومراد الرسول ﷺ في سنته.
ومما يعلم - أيضًا - من رد ابن تيمية ﵀ على المتكلمين في تأويلاتهم الباطلة في عامة كتبه ورسائله في المعتقد أنه لا يقر بهذا التأويل الباطل، إذ بيّن ﵀ دوافع تأويلاتهم الباطلة، ونتائجه، وفي المقابل بيّن معنى التأويل الصحيح، وأقسامه، وشروطه في كلام له طويل مبثوث في كتبه، فلا يتهم ﵀ بأنه من أهل التأويل الباطل المذموم، وقد فصّل كل هذا التفصيل (٢) .
وأما دعوى أن ابن تيمية ﵀ متبع للهوى في أموره: في نظرته للأشخاص، وفي تعامله مع النصوص، فالجواب عن هذه الدعوى أن ننظر في موقف ابن تيمية ﵀ من الهوى.
فالهوى أصله: محبة الإنسان الشيء، وغلبته على قلبه، كما قال الله ﷿
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٥/٣٤٤.
(٢) فصل ﵀ في موضوع التأويل؛ لأنه يرى خطره العظيم، وخاصة في كتابيه: درء تعارض العقل والنقل، وبيان تلبيس الجهمية، وانظر: الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل لمحمد الجليند، موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ٣/١١٤٤ - ١١٦٩، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة لسليمان الغصن ص٤٧٩ - ٨٢٦.
[ ١١٢ ]
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾ [النازعات: ٤٠]، واستهوته الشياطين: ذهبت بهواه وعقله، كما قال تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الأنعام: ٧١]، أي زينت له الشياطين هواه (١) .
وأما تعريف الهوى في الاصطلاح الشرعي فهو ميل النفس إلى ما ترغبه، إذا خرج عن حد الشرع والاعتدال، كما يقول شيخ الإسلام ﵀:
(اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه، ورد القول والفعل الذي يبغضه بلا هدى من الله) (٢)، وقال - أيضًا - ﵀:
(من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء والعباد يُجعل من أهل الأهواء، كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه) (٣)، ثم ذكر قول الله ﷿ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
والهوى نوعان: هوى في الشبهة، وهوى في الشهوة، وهوى الشبهة أخطر من هوى الشهوة، ولذا قال ابن تيمية ﵀: (واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات) (٤) .
والهوى - بحد ذاته - ليس محرمًا، ولا مذمومًا، وإنما الذم في اتباعه، فأصل الهوى محبة النفس، وبغضها، ولا يلام عليه صاحبه؛ لأنه قد لا يملكه صاحبه، وإنما يلام على اتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١٥/٣٧٢ - ٣٧٣ مادة (هوا) .
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/١٨٩.
(٣) الاستقامة ٢/٢٢٤ - ٢٢٥، وهو في مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/١٣٣، وهما فصل واحد بعنوان (في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وانظر: الاعتصام للشاطبي ٢/١٧٦، مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع للعقل ص٢١ - ٢٥.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/١٣٢، الاستقامة ٢/٢٢٣.
[ ١١٣ ]
وقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال ﵊: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا» (١) .
ومن اتبع غير أمر الله ورسوله ﷺ فهو متبع لهواه بغير هدى من الله (٢) .
قال الحسن البصري (٣) ﵀: (اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم) (٤)، وقال مالك بن دينار (٥)
﵀: (بئس العبد عبد همه هواه وبطنه) (٦)، وقال ابن تيمية ﵀: (المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه) (٧)، وقد ذكر الشعبي (٨) ﵀ سبب تسمية
_________________
(١) أخرج الحديث أبو نعيم في الحلية ٢/٣٤٣، والمنذري في الترغيب والترهيب ١/٨٦، باب الترهيب من ترك السنة، وصححه الألباني انظر: صحيح الجامع الصغير ١/٥٨٣، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٤١٢ - ٤١٦.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/١٣٢، الاستقامة ٢/٢٢١ - ٢٢٣.
(٣) الحسن البصري: الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، إمام أهل البصرة، أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان، أشبه الناس بكلام الأنبياء، ت سنة ١١٠هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/١٣١، وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٣٥٤.
(٤) انظر: الإبانة لابن بطة ١/٣٨٩.
(٥) مالك بن دينار البصري بن لؤي القرشي، كان عالمًا زاهدًا، كثير الورع، من ثقات التابعين، ومن أعيان كتبة المصاحف، ت سنة ١٢٧هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٢٨٧، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥/٣٦٣.
(٦) انظر: ذم الهوى لابن الجوزي ص٢٥.
(٧) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٤٠٢.
(٨) الشعبي: عامر بن شراحيل بن ذي كبار الهمذاني الشعبي، أبو عمرو، الإمام، كان فقيهًا محدثًا، حدث عن عدد من الصحابة، يروي له الجماعة، ت سنة ١٠٤هـ. انظر في ترجمته: أخبار القضاة لوكيع ٢/٤١٣، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٢٢٧. الشعبي: عامر بن شراحيل بن ذي كبار الهمذاني الشعبي، أبو عمرو، الإمام، كان فقيهًا محدثًا، حدث عن عدد من الصحابة، يروي له الجماعة، ت سنة ١٠٤هـ. انظر في ترجمته: أخبار القضاة لوكيع ٢/٤١٣، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٢٢٧.
[ ١١٤ ]
الهوى فقال: (إنما سمي الهوى، لأنه يهوي بصاحبه) (١) .
وقد بين ابن تيمية ﵀ خطر الهوى، وضرره على المسلم بقوله:
(وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه..) (٢) .
ومن خطره أنه من الأسباب الجالبة لأنواع من الفساد على الأمة، فبعد أن ذكر شيخ الإسلام ﵀ الجهل والظلم قال: (الثالث: اتباع الظن وما تهوى الأنفس حتى يصير كثير منهم مدينًا باتباع الأهواء في هذه الأمور المشروعة) (٣) .
وبيّن أن اتباع الهوى في النصوص: مبدأ البدع، فقال ﵀: (فكان مبدأ البدع هو: الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه) (٤) .
ومن خطره - أيضًا - ما نبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أنه مجلبة للهم والحزن، وضيق الصدر، فقال: (من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة، أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبر عنه، وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى، ولا يحصل له ما يسره، بل هو في خوف وحزن دائمًا، إن كان طالبًا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين متألم حيث لم يحصل، فإذا أدركه كان خائفًا من زواله وفراقه) (٥) .
_________________
(١) رواه الدارمي في سننه ١/١٠٩، باب اجتناب أهل الأهواء والبدع والخصوم.
(٢) منهاج السنة النبوية ٥/٢٥٦.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٣٥٧.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٣٥٠.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/٦٥١.
[ ١١٥ ]
ومن بيان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لخطر الهوى أن ذكر أن المحبة لهوى النفس أو لأمر دنيوي، ليست محبة لله، فقال: (وأما من أحب شخصًا لهواه، مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه، أو لحاجة يقوم له بها، أو لمال يتآكله به، أو بعصبية فيه، ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله، بل هذه محبة لهوى النفس، وهذه المحبة هي التي توقع أصحابها في الكفر والفسوق والعصيان) (١) .
وينبه ابن تيمية ﵀ إلى أن خشية الله ﷿ هي أهم علاج لمريض الهوى، فصاحب الهوى يحتاج معه إلى الخوف الذي ينهى النفس عن الهوى، وإلى الخشية المانعة من اتباع الهوى إذ هي سبب لصلاح حال الإنسان.
وكذلك يعالَج الهوى بالعلم، وبالذكر، وهذه الثلاثة مستلزمة لبعض، فإذا قوي العلم والتذكر دفع الهوى، وإذا اندفع الهوى بالخشية أبصر القلب وعلم (٢) .
وأما اتهام ابن تيمية ﵀ بأنه يأخذ بخبر الواحد في أمور الاعتقاد، فهذا في حقيقة الأمر تزكية له، واعتراف له بالفضل، إذ قال بما يقوله السلف - رضوان الله عليهم - من أن خبر الواحد يفيد العلم، بل لا يعلم مخالف من السلف قال بغير هذا القول، وأما من جاء بعد السلف من العلماء؛ فأئمتهم من الفقهاء، وأكثر المتكلمين على هذا وهذا أن خبر الواحد يفيد العلم.
ولما ذكر شيخ الإسلام ﵀ خبر الواحد العدل، الذي تلقته الأمة بالقبول، قال (هذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد ﷺ من الأولين والآخرين، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة) (٣) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٥٢٠.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٥/٢٤٣ - ٢٤٤، وانظر: أدب الدنيا والدين للماوردي ص١٣ - ١٩.
(٣) انظر: كلام شيخ الإسلام في مختصر الصواعق المرسلة للموصلي ٢/٣٧٣.
[ ١١٦ ]
فخبر الواحد: إما أن لا يقوم دليل على صدقه، فهذا لا يفيد العلم، كما قال ابن تيمية ﵀: (ولا ريب أن مجرد خبر الواحد الذي لا دليل على صدقه لا يفيد العلم) (١) .
وإما أن تقوم به أدلة، أو تحفه قرائن تدل على صدقه، فهذا الخبر يفيد العلم اليقيني، يقول شيخ الإسلام ﵀: (ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به أنه يوجب العلم، وهذا الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه) (٢)، ثم ذكر جمهرة كبيرة من العلماء القائلين بهذا القول وقال ﵀: (الخبر الذي تلقاه الأمة بالقبول تصديقًا له، أو عملًا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف) (٣) .
ويمثل خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول: أحاديث الصحيحين، يقول في ذلك ابن تيمية ﵀: (جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علمًا قطعيًا أن النبي ﷺ قالها) (٤) .
وإذا أفاد خبر الواحد العلم فإنه يوجب العمل، وهذا هو المقرر عند الأئمة، ولذا قال ابن تيمية ﵀: (ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به فهذا يفيد العلم، ويجزم بأنه صدق؛ لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقًا وعملًا بموجبه) (٥) .
وعن الأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد، قال ﵀: (مذهب أصحابنا أن
_________________
(١) الرد على المنطقيين ص٣٨.
(٢) مقدمة في التفسير (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٣/٣٥١) .
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٤٨، وانظر: المسودة لآل تيمية ص٢٤٢.
(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٧٤.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/١٦، رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص٥٤ - ٥٥.
[ ١١٧ ]
أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات) (١) .
وأما القول بأن شيخ الإسلام ﵀ يكفّر المسلمين، وخاصة المخالفين: فإن هذه دعوى لا بينة لها، والبينة قائمة على خلافها، فنصوص ابن تيمية ﵀ متوافرة على النهي عن تكفير المسلمين، والتحذير منه ما لم تتوافر الشروط، وتنتفي الموانع؛ لأن التكفير حكم شرعي يترتب على الحكم على أحد به أحكام شرعية أخرى. لكن ابن تيمية ﵀ يذكر أن أهل الأهواء يكذبون عليه، ويقوّلونه ما لم يقله، أو يعتقده، فأهل الأهواء أهون شيء عليهم الكذب المختلق وهذا منه (٢)، ونبّه ﵀ إلى أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم (٣) .
ويعرّف ابن تيمية ﵀ الكفر بقوله: (الكفر: عدم الإيمان، باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئًا ولم يتكلم) (٤) .
ويفصل - في موضع آخر - في تعريفه بأن (الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كبرًا، أو اتباعًا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة، وإن كان الكافر المكذب أعظم كفرًا، وكذلك الجاحد المكذب حسدًا مع استيقان صدق الرسل) (٥) .
ويحذر ابن تيمية ﵀ من تكفير أهل القبلة من المسلمين الذين يرتكبون الذنوب والخطايا، مبينًا أن هذه الذنوب لا تخرجهم من دائرة المسلمين، قال ﵀ (ومذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد
_________________
(١) المسودة لآل تيمية ص٢٤٨.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٤٧٩.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ٤/٣٣٧.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٨٦.
(٥) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٣٣٥)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل له ١/٤٢، الرد على البكري له ص٢٥٨.
[ ١١٨ ]
الذنوب، ولا بمجرد التأويل، بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله) (١)، وحين حكى ﵀ تكفير بعض الفرق الضالة لمخالفيهم قال: (والذي نختاره أن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة) (٢) .
ويفرق ﵀ بين تكفير المطلق وتكفير المعين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويذكر أن الأئمة - كالإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ كانوا يكفرون بعض أهل الأهواء كالجهمية، لكنهم لم يكفروا أعيانهم، وكذلك الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ لما قال لحفص الفرد (٣):
كفرت بالله العظيم؛ لاعتقاده خلق القرآن، لم يحكم بردته، بل بين له أن هذا القول كفر، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وهكذا بقية الأئمة (٤) .
ويذكر ﵀ أنه لا يصح إطلاق تكفير المعين، والتساهل فيه، بل لا بد من توافر أسباب التكفير من عمل أو اعتقاد أو قول المكفر، وانتفاء موانع التكفير كالجهل، أو التأويل، أو وجود الشبهة، وعدم قيام الحجة، يقول ﵀: (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع) (٥)، ويقول ﵀: (لا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة) (٦)، ثم ذكر قول الباري ﷿: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]،
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٤٧٨، وانظر: الفرقان بين الحق والباطل ص١٩.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ١/٩٥.
(٣) حفص الفرد البصري، أبو عمرو، مبتدع ضال، من أئمة الجبرية، صاحب كلام، له مناظرات مع الإمام الشافعي، كفره الشافعي فيها. انظر في ترجمته: الفهرست لابن النديم ص٢٥٥، ميزان الاعتدال للذهبي ١/٥٦٤، لسان الميزان لابن حجر ٢/٣٣٠.
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٣/٣٤٨ - ٣٤٩، وانظر: ذم الكلام للهروي ص٢٥٤.
(٥) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٤٨٧ - ٤٨٨) .
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٤٠٦.
[ ١١٩ ]
وقوله ﷾: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال ﵀ في توضيح هذه القاعدة: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (١) .
وينبه ابن تيمية ﵀ إلى أن الكفر لا يطلق على كل من عمل الكفر، بل يقال: من عمل هذا العمل فهو كافر، أو هذا العمل كفر، أو يقال لمن عمله: من عمل عملك فهو كافر، وهكذا من الألفاظ المجملة (٢) .
ومعنى قيام الحجة عند ابن تيمية ﵀ يكون بشيئين، كما قال: (والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين، أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا ) (٣)، وأطال في ذكر الأمثلة لهذه القاعدة ثم قال: (وهذا باب واسع جدًا فتدبره) (٤) .
وبيّن ﵀ أن أهل السنة لا يكفرون المخالف لهم، وإن كان مخالفهم يكفرهم - أحيانًا - يقول ﵀: (وأئمة السنة والجماعة، وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها، ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] . ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير
_________________
(١) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٤٦٦) .
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/١٦٧.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٥٩.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٦١، وانظر: ٣/٢٣١.
[ ١٢٠ ]
والهدى والعلم، لا يقصدون لهم الشر ، فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي) (١) .
وقد كان منهج ابن تيمية ﵀ واضحًا في مسألة تكفير المعين، فلا يحكم على الأعيان إلا بعد قيام الحجة، وانتفاء الموانع والعوارض كالجهل، أو التأويل، أو الشبهة، وقد ذكر ذلك ﵀ بقوله: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية (٢)، والنفاة الذين نفوا أن الله - تعالى - فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال ) (٣) .
وقد قال ﵀ هذا القول تجاه الجهمية الذين كفرهم جمهور أئمة أهل السنة والجماعة، والحال فيمن دونهم أولى (٤) .
وقال ﵀ عنهم أيضًا: (وإذا عرف هذا، فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم - بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر) (٥) .
وبهذا يتضح أن ابن تيمية ﵀ كغيره من أئمة السلف، وأهل السنة
_________________
(١) الرد على البكري ص٢٥٦ - ٢٥٨.
(٢) الحلولية: هم الذين يزعمون أن الله ﷿ يحل بذاته في أجسام المخلوقات، وقد يكون الحلول جزئيًا أو كليًا، وهو مذهب قديم موجود في معظم الديانات السابقة، وقال به بعض الشيعة والصوفية ممن ينتسب إلى الإسلام. انظر: التنبيه والرد للملطي ص٣٤، مقالات الإسلاميين للأشعري ١/٨١ - ٨٢، الغلو والفرق الغالية للسامرائي ص١٢٦، معجم الفرق الإسلامية لعارف تامر ص٥٩.
(٣) الرد على البكري ص٢٥٩.
(٤) انظر الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٤٨٥)، الكافية الشاقية لابن القيم مع شرحها للهراس ١/١٢٦ - ١٢٧.
(٥) الكيلانية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/٥٠٠) .
[ ١٢١ ]
والجماعة، إذ منهجه في التكفير وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين: فلا هو يحكم بكفر أحد بالظن، وبغير علم، أو على أية معصية، أو خطأ يرتكبه صاحبه، ولا هو - أيضًا - يلغي جانب البراءة من الكافرين، ومجاهدتهم، واتخاذهم ظهريًا، فلا يكفر الكفار، أو يشك في كفرهم، أو يصحح مذهبهم، كلا فهو ﵀ يقول بكفر الكافر الأصلي، ومن قامت عليه الحجة، ولم يكن هناك تأويل، أو جهل، أو شبهة (١) .
_________________
(١) مسألة التكفير مسألة حساسة ومتشعبة، وأنصح لمن أراد الاستزادة في هذا الموضوع بالكتب التالية: نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز العبد اللطيف (في الأصل رسالة دكتوراه)، نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (في الأصل رسالة دكتوراه)، ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة للقرني (في الأصل رسالة ماجستير)، الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لمعاش (في الأصل رسالة ماجستير)، أهل الفترة ومن في حكمهم لشكري (في الأصل رسالة ماجستير)، وانظر - أيضًا - براءة أهل السنة من تكفير عصاة الأمة للجنيدي، العذر بالجهل عقيدة السلف لهزاع، قواعد وضوابط التكفير لخالد عبد الحميد، وغيرها كثير من الكتب والرسائل.
[ ١٢٢ ]