[ ٢١١ ]
المبحث الأول
معتقد أهل السنة في إمكان حوادث لا أول لها
المطلب الأول
التسلسل: تعريفه، أقسامه، حكم كل قسم
التسلسل لغة: اتصال بعض الأشياء ببعض إلى ما لا نهاية يقال: تسلسل الأمر: أي اتصل بعضه ببعض إلى ما لا نهاية، وشيء مسلسل: أي متصل بعضه ببعض، ومنه سلسلة الحديد (١) .
والتسلسل: لفظ مجمل لم يرد إثباته في الكتاب والسنة ولا نفيه فيهما وهو قسمان:
الأول: تسلسل في المؤثرين.
الثاني: تسلسل في الآثار.
أما القسم الأول وهو التسلسل في المؤثرين فيقصد به: أن يكون للحادث فاعل، وللفاعل فاعل وهكذا، أي أن يكون للمؤثر مؤثر معه لا يكون حال عدم المؤثر (٢) .
وهذا التسلسل في أصل التأثير والخلق باطل باتفاق العقلاء (٣)؛ ذلك أنه
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١١/٣٤٥ مادة (سلسل)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٣/٤٠٨ مادة (التسلسل)، نهاية القصد والتوسل لفهم كلمة الدور والتسلسل أحمد بن عبد الرحيم الطهطاوي (ل٣) مخطوط في دار الكتب المصرية برقم ٣٩٧٨٨.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٤٢، ٣٦٣.
(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٦/٣٧، الصفدية لابن تيمية ١/١١، ٢٤.
[ ٢١٣ ]
يقتضي أن لا يوجد شيء، وأن كل الأشياء الموجودة حادثة بعد العدم مفتقرة إلى من يوجدها، وليس فيها من يوجد نفسه أو يوجد شيئًا بنفسه، ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا النوع يستلزم تسلسل الممتنعات؛ لأن ما لا يوجد حتى يوجد ما لا يوجد ممتنع، وكذلك فإن تقدير أمور كلها مفعولات ليس فيها غير مفعول ومخلوق مع عدم وجود فاعل خالق مباين لها ممتنع ضرورة.
وكثرة الممتنعات المفتقرات لا تقتضي إمكان شيء فيها فضلًا عن وجوده (١) وقد حذر النبي محمد ﷺ أمته من الوقوع في الوسواس الذي يرد على النفوس حول التسلسل في الفاعل، فقد ورد في الصحيحين عن أبي هريرة (٢)
﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله» وفي لفظ: «آمنت بالله ورسله» (٣) . وفي لفظ آخر: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته» (٤) .
وعن أنس بن مالك (٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله ﷿: «إن
_________________
(١) انظر: النبوات لابن تيمية ١٣٢ - ١٣٣، الصفدية لابن تيمية ٢/٦٨ - ٦٩.
(٢) أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، مشهور بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه كثيرًا، كانت له هرة يلعب بها فكناه النبي ﷺ أبا هريرة، أكثر الصحابة حديثًا وأحفظهم له، ت سنة ٥٧هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٢٠٢، الإصابة لابن حجر ٤/٢٠٢.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/١١٩ كتاب الإيمان، باب الوسوسة في الإيمان، وأبو داود في سننه ٥/٩١ - ٩٢، كتاب السنة، باب في الجهمية.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٣٣٦ كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم في صحيحه ١/١٢٠ كتاب الإيمان، باب الوسوسة في الإيمان.
(٥) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، وأحد المكثرين من الرواية عنه، حضر بدرًا ولم يذكر من البدريين لصغره، أقام بعد وفاة النبي ﷺ بالمدينة ثم بالبصرة ومات بها سنة ٩٣هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٧١، الإصابة لابن حجر ١/٧١.
[ ٢١٤ ]
أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ وما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟» (١) .
وعنه عن النبي ﷺ قال: «لن يبرح الناس يتساءلون: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟» (٢) .
وقد أجاب شيخ الإسلام ﵀ عمن زعم أن طريقة العلاج النبوية بالاستعاذة لمن بلي بوسواس الفاعل ليست طريقة برهانية تقطع هذا الوسواس بأن المصطفى ﵊ أمر بطريقة البرهان حيث يؤمر بها، والذي أمر به في دفع هذا الوسواس ليس هو الاستعاذة فقط، بل أمر بالاستعاذة، وأمر بالانتهاء عنه، وأمر بالإيمان بالله ورسوله، ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما أمر به.
والشبهات القادحة في العلوم الضرورية لا يمكن الجواب عنها بالبرهان؛ لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها، فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق البحث والنظر، ولهذا كان من أنكر العلوم الحسية والضرورية لم يناظر، ومتى فكر العبد في الوساوس القادحة في العلوم الضرورية ونظر فيها ازداد ورودها على قلبه، وقد يغلبه الوسواس حتى يعجز عن دفعه عن نفسه والعياذ بالله.
ولهذا يزول بالاستعاذة بالله، فإن الله هو الذي يعيذ العبد ويجيره من الشبهات والوساوس قال ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] .
وأما الأمر بالانتهاء عن التفكير في الوسواس مع الاستعاذة فهو إخبار بأن
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٢٦٥، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، ومسلم في صحيحه ١/١٢١ كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان واللفظ له.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٢٦٥ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال.
[ ٢١٥ ]
وجود هذا السؤال هو نهاية الوسواس فيجب الانتهاء عنه، وليس هو من البدايات التي يزيلها ما بعدها. ولما كان بطلان هذا السؤال معلومًا بالفطرة والضرورة أمر النبي ﷺ أن ينتهي عنه، كما يؤمر أن ينتهي عن كل ما يعلم فساده من الأسئلة الفاسدة التي يُعلم فسادها كما لو قيل: متى حدث الله؟ أو متى يموت؟ ونحو ذلك (١) .
وأما الأمر بالإيمان بالله ورسوله فهو من باب دفع الضد الضار بالضد النافع فإن قوله: آمنت بالله، يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد، وهذا القول إيمان، وذكر الله يدفع به ما يضاده من الوسوسة القادحة في العلوم الضرورية الفطرية (٢) .
ويقترن بالتسلسل في المؤثرات والفاعلية تسلسل آخر وهو التسلسل في تمام الفعل والتأثير: ولهذا التسلسل نوعان:
النوع الأول: تسلسل في جنس الفعل.
النوع الثاني: تسلسل في الفعل المعين.
أما النوع الأول: وهو التسلسل في تمام الفعل والتأثير فهذا مثل أن يقال: لا يفعل الفاعل شيئًا أصلًا حتى يفعل شيئًا معينًا، أو لا يحدث شيئًا حتى يحدث شيئًا، أو لا يصدر عنه شيء حتى يصدر عنه شيء.
وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء (٣) .
أما النوع الثاني: وهو التسلسل: في حدوث الحادث المعين فصورته: أن يكون قد حدث مع الحادث تمامُ مؤثره، وحدث مع حدوث تمام المؤثر المؤثر وهكذا، فيلزم تسلسل الحوادث في الواحد.
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/٣١٥.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٦٣ - ٣٦٤، ٣/١١٧ - ١١٨، ٣٠٦ - ٣١٨، منهاج السنة النبوية ١/٤٣٦ - ٤٣٧.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٦٤، ٩/٢٣٩، الصفدية لابن تيمية ٢/١٢١.
[ ٢١٦ ]
وهذا - أيضًا - باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، وهو من جنس التسلسل في تمام التأثير (١) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رد عام على هذا القسم:
(التسلسل ممتنع في العلة، وفي تمام العلة، فكما لا يجوز أن يكون للعلة علة، وللعلة علة إلى غير غاية، فلا يجوز أن يكون لتمام العلة تمام، ولتمام العلة تمام إلى غير غاية، والتسلسل في العلل وفي تمامها متفق على امتناعه بين العقلاء، معلوم فساده بضرورة العقل) (٢) .
ولما كان التسلسل في المؤثرات ممتنعًا ظاهر الامتناع لم يكن المتقدمون من النظار يطيلون في تقرير فساده، لكن المتأخرون أخذوا يقررونه ويناقشونه مما سبب اشتباه التسلسل بالآثار بالتسلسل في المؤثرين عند كثير من المتكلمين (٣) .
ومن أقدم من نفى التسلسل في المؤثرات من الفلاسفة ابن سينا (ت - ٤٢٨هـ) ثم اتبعه من سلك طريقه كالسهروردي المقتول (ت - ٥٧٨هـ) وأمثاله، وكذلك الرازي (ت - ٦٠٦هـ) والآمدي (ت - ٦٣١) والطوسي (٤) وغيرهم (٥) .
لكنَّ متأخري المتكلمين زادوا في الحاجة إلى نفي التسلسل في المؤثرات الحاجة إلى نفي الدور (٦)
أيضًا، إلا أن الدور القبلي مما اتفق العقلاء على
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٦٥، ٩/٢٣٩.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ١/٣٤٤.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/١٥٧.
(٤) الطوسي: محمد بن محمد بن الحسن، أبو جعفر، نصير الدين الطوسي، رحل إلى نيسابور وطوس، له صلة بالإسماعيلية والفلاسفة، ت سنة ٦٧٢هـ. انظر في ترجمته: فوات الوفيات للكتبي ٣/٢٤٦، شذرات الذهب لابن العماد ٥/٣٣٩، الفيلسوف نصير الدين الطوسي للأعسم.
(٥) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/١٦١.
(٦) الدور في الأحكام العقلية قسمان: دور قبلي، ودور معي اقتراني. فأما الأول: وهو الدور القبلي: مثل أن يقال: لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلًا للآخر، وهو أن يكون هذا قبل ذاك، وذاك قبل هذا، وذاك فاعل لهذا، وهذا فاعل لذاك، فيكون الشيء فاعلًا لفاعله، ويكون قبل قبله. ويطلق عليه بأنه الدور (البعدي) كما في الدرء ٣/١٤٣ بأن يقال: لا يوجد هذا إلا بعد ذاك، ولا يوجد ذاك إلا بعد هذا، وهذا النوع من الدور ممتنع باتفاق العقلاء؛ لأن الشيء لا يكون قبل كونه، ولا يتأخر كونه عن كونه. فلو قيل: إن الشيء لا يوجد إلا بعد أن يوجد لكان هذا ممتنعًا، فكيف إذا قيل: إنه لا يكون إلا بعد ذاك؛ وقيل أيضًا: ذاك لا يكون إلا بعد هذا؟ فإنه يلزم أن يكون قبل قبل نفسه، وبعد بعد نفسه، فلزم الدور الممتنع أربع مرات. فيلزم من هذا الدور أن يكون الشيء موجودًا قبل أن يكون موجودًا، فيلزم اجتماع الوجود والعدم غير مرة. وأما الثاني: وهو الدور المعي الاقتراني: فيراد به أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، ولا هذا إلا مع هذا، كالأمور المتضايفة مثل البنوة والأبوة فيقال: لا تكون الأبوة إلا مع البنوة، ولا البنوة إلا مع الأبوة، ومثل صفات الخالق ﷾ مع ذاته فيقال: لا تكون صفات الرب إلا مع ذاته، ولا تكون ذاته إلا مع صفاته وهكذا، وهذا النوع ممكن وصحيح وجائز. وهناك أنواع من الدور لا تدخل فيما نحن فيه مثل الدور الحكمي في الفقه، والدور الحسابي في الجبر والمقابلة، انظرها في الرد على المنطقيين ص٢٥٧، وانظر في الدور عند ابن تيمية: بغية المرتاد ص٤٢٨، منهاج السنة النبوية ١/٤٣٨، الصفدية ١/١٢، ٢/٢١٨، درء تعارض العقل والنقل ٣/١٤٣، الأكملية (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٧٨) .
[ ٢١٧ ]
انتفائه، ولذلك لم يحتج عامة العقلاء إلى تقرير ذلك لوضوحه بما فيهم المتقدمون من المتكلمين، والفلاسفة.
وهذا الطريق الذي سلكه المتأخرون في إبطال التسلسل في المؤثرات والدور القبلي طريق صحيح، إلا أنه طريق طويل شاق لا حاجة إليه، وإن كان منهم من يورد شكوكًا يعجز بعضهم عن حلها (١) .
وأما القسم الثاني: وهو التسلسل في الآثار فيراد به أن يكون أثر بعد أثر، فلا يكون حادث إلا بعد حادث، ولا يكون حادث حتى يكون قبله غيره من الحوادث، فتتسلسل الحوادث (٢) المتعاقبة في الماضي والمستقبل.
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/١٥٧ - ١٦٢.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٤١، ٣٦٨.
[ ٢١٨ ]
والنزاع مشهور بين الطوائف في هذا القسم، وتعود الأقوال المشهورة فيه إلى ثلاثة أقوال (١):
القول الأول: لا يجوز تسلسل الحوادث المتعاقبة لا في الماضي، ولا في المستقبل، ويطلقون عليه - أحيانًا -: امتناع وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل، وقال بهذا الجهم بن صفوان (٢)،
وأبو الهذيل العلاف (٣) وعن هذا الأصل قال الجهم (ت - ١٢٨هـ) بفناء الجنة والنار، وقال أبو الهذيل (ت - ٢٣٥هـ) بفناء حركات أهلهما (٤) .
القول الثاني: يجوز تسلسل الحوادث في المستقبل دون الماضي، أو امتناع مالا يتناهى في الماضي دون المستقبل؛ لأن الماضي قد وجد، والمستقبل لم يوجد بعد، وهو قول أكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم.
_________________
(١) يذكر ابن تيمية ﵀ أقسام التسلسل في الآثار والشروط وأنها ثلاثة أقسام، لكنه ﵀ يذكر أحيانًا بعض التفصيلات والاختلافات الدقيقة فيعدها أقوالًا فذكر في درء تعارض العقل والنقل ٤/٢٩٣ أن الأقوال أربعة (مع الاتفاق بأن أحدًا من العقلاء لم يقل بدوام الحوادث في الماضي دون المستقبل)، وذكر في المصدر نفسه ٢/٣٥٩ أن أقوال الناس في وجود ما لا يتناهى ستة، وهذا - في نظري - من تنويع أساليب العرض عند شيخ الإسلام، وقوة فهمه لمذاهب الخصوم: فمرة يجمل، ومرة يبين ويفصل إذا استدعى المقام إلى ذلك والله أعلم.
(٢) الجهم بن صفوان: أبو محرز الراسبي، رأس الضلالة، كان ينكر الصفات، ويقول بخلق القرآن، ويعتقد الجبر، وأن الله في كل مكان، قتله سلم بن أحوز سنة ١٢٨هـ. انظر في ترجمته: الكامل لابن الأثير ٤/٢٩٣، ميزان الاعتدال للذهبي ١/٤٢٦.
(٣) أبو الهذيل العلاف: محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، المعروف بالعلاف، المتكلم، شيخ أهل البصرة في الاعتزال، وهو صاحب المقالات في مذهبهم، ذو فطنة ودهاء، ت سنة ٢٣٥هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٢/٨٥، المنية والأمل للقاضي عبد الجبار ص١٥٤.
(٤) انظر في مقالة الجهمية وأبي الهذيل: مقالات الإسلاميين للأشعري ٢/١٦٧، التبصير في الدين للإسفراييني ص١٠٨.
[ ٢١٩ ]
القول الثالث: جواز تسلسل الحوادث المتعاقبة في الماضي والمستقبل، وقال بهذا أئمة أهل الملل، ومنهم أئمة أهل الحديث، وقال به أئمة الفلاسفة (١) .
وأما امتناع دوام الحوادث في المستقبل وجوازها في الماضي فلم يقل به أحد من الناس.
ومن الملاحظ أن الجهمية انفردت بنفي تسلسل الحوادث في المستقبل، وأول من أظهر هذا القول في الإسلام: الجهم بن صفوان (ت - ١٢٨هـ)، وشبهته: أن ما كان له ابتداء فلا بد أن يكون له انتهاء، وأن الدليل الدال على امتناع ما لا يتناهى لا يفرق بين الماضي والمستقبل فقال بفناء الجنة والنار، بل وفناء العالم كله، حتى لا يبقى موجود إلا الله، كما كان الأمر في الابتداء كذلك.
وتبعه أبو الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥هـ) في ذلك لكنه يرى فناء الحركات فقال: إن الدليل إنما دل على انقطاع الحوادث فقط، فيمكن بقاء الجنة والنار، ولكن تنقطع الحركات فيبقى أهل الجنة والنار ساكنين ليس فيهما حركة أصلًا، ولا شيء يحدث، فيبقى أهل الجنة وأهل النار في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على الحركة (٢) .
وقد اشتد إنكار السلف - ﵏ - على الجهمية في هذه المسألة، بل كفروهم بهذه المسألة، لما قاله خارجة بن مصعب ﵀ (٣):
(كفرت الجهمية في غير موضع من كتاب الله، قولهم: إن الجنة تفنى،
_________________
(١) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/١٠ - ١١، منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٤٦ - ١٤٧.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ٢/٣١، ١٦٣، منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٣١٠ - ٣١١، الرد على من قال بفناء الجنة والنار لابن تيمية ص٤٤ - ٤٥، انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ٢/٤٧.
(٣) خارجة بن مصعب الضبعي السرخسي، أبو الحجاج، ت سنة ١٦٨هـ. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٢٦٢، الكاشف للذهبي ١/٢٦٦.
[ ٢٢٠ ]
وقال الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] فمن قال: إنها تنفد فقد كفر، وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، فمن قال: إنها لا تدوم فقد كفر، وقال: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، فمن قال: إنها تنقطع فقد كفر، وقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] (١)،
فمن قال: إنها تنقطع فقد كفر، وقال: أبلغوا الجهمية أنهم كفار، وأن نساءهم طوالق) (٢) .
ومما يدل على بقاء الجنة ودوامها غير ما ذكر من الآيات السابقة قول الله ﷾ عن أهل الجنة: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه» .
وعن أبي سعيد الخدري (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم
_________________
(١) أما الاستثناء في الآية ﴿إلا ما شآء ربك﴾، فقد ذكر ابن القيم ﵀ أن (ما) إن كانت بمعنى (من) فهم الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها، وإن كانت بمعنى الوقت فهو مدة احتباسهم في البرزخ والموقف. انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص٢٤٣. خلق أفعال العباد للبخاري (ضمن عقائد السلف للنشار وطالبي ص١٢١ - ١٢٢) .
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه ٤/٢١٨٩ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.
(٣) أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان الخدري الخزرجي الأنصاري، اشتهر بكنيته، واستصغره النبي ﷺ يوم أُحد، ثم غزا ما بعدها، من المكثرين في الرواية والحفظ، من أفاضل الصحابة، ت سنة ٧٤هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ٣/١٦٨، الإصابة لابن حجر ٢/٣٥.
[ ٢٢١ ]
هذا الموت.
ثم يقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا، فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]» (١) .
وقال ﵊: «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدًا» (٢) .
وأما مناقشة الجهمية في عدم فناء النار وذكر الأدلة على عدم فنائها فسيأتي في فصل مستقل - إن شاء الله -.
ويناقش الإمام ابن القيم (ت - ٧٥١هـ) ﵀ مذهب أبي الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥هـ) الذي يقضي بفناء حركات أهل الدارين، الجنة والنار في نونيته المشهورة، مبتدئًا بذكر مذهبهم ثم مناقشته قائلًا:
قال الفناء يكون في الحركات لا في الذات واعجبًا لذا الهذيان
أيصير أهل الخلد في جناتهم وجحيمهم كحجارة البنيان
ما حال من قد كان يغشى أهله عند انقضاء تحرك الحيوان
وكذاك ما حال الذي رفعت يدا هـ أُكلة من صحفة وخِوَان (٣)
فتناهت الحركات قبل وصولها للفم عند تفتح الأسنان
وكذاك ما حال الذي امتدت يد منه إلى قنو (٤) من القنوان
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، ومسلم في صحيحه ٤/٢١٨٨ كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء. واللفظ له.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٨٢ كتاب الجنة، باب في صفات الجنة وأهلها، والترمذي في سننه ٥/٣٧٤ كتاب التفسير، باب ومن سورة الزمر، وأحمد في مسنده ٢/٣١٩ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد.
(٣) الخوان: المائدة التي يؤكل عليها، معربة، وجمعها أخونة في القليل، وكثيرًا ما تجمع على خُون. انظر: لسان العرب لابن منظور ١٣/١٤٦ مادة (خون) .
(٤) القنو: العِذق بما فيه من الرطب، وجمعه: قِنوان، وأقنان، وقِنيان. انظر: لسان العرب لابن منظور ١٥/٢٠٤ مادة (قنا) .
[ ٢٢٢ ]
فتناهت الحركات قبل الأخذ هل يبقى كذلك سائر الأزمان
تبًا لهاتيك العقول فإنها والله قد مسخت على الأبدان
تبًا لمن أضحى يقدمها على الـ آثار والأخبار والقرآن (١)
وقالت أكثر فرق المتكلمين بامتناع حوادث لا أول لها أي امتناع تسلسل الحوادث المتعاقبة في الماضي: وعمدتهم في نفي تسلسل الحوادث الماضية هو دليل (التطبيق) (٢)، وصورته: أننا لو افترضنا سلسلتين غير متناهيتين، إحداهما تزيد عن الأخرى، بأن نفرض أن الأولى بدأت من هذه السنة إلى غير بداية في الماضي، وأن الثانية بدأت من العام الماضي، إلى غير بداية في الماضي أيضًا، ثم نطابق بين هاتين السلسلتين، بأن نأخذ الحلقة الأولى من السلسلة الأولى، ونطبقها على الحلقة الثانية من السلسلة الثانية ثم نأخذ الحلقة الثانية من السلسلة الأولى، ونطبقها على الحلقة الثانية من السلسلة الثانية وهكذا، نطبق الثالثة بالثالثة، والرابعة بالرابعة، والخامسة بالخامسة، وهلم جرًا، ذاهبين بالتطبيق نحو الماضي.
حينئذٍ لا يخلو الأمر: إما أن يستمر التطبيق إلى غير نهاية، فيترتب على ذلك مساواة الزائد للناقص، وهذا ظاهر البطلان، أو تنتهي الناقصة، فيلزم أيضًا انتهاء الزائدة؛ لأنها قد زادت عليها بقدر متناهي، والزائد بالمتناهي متناهي. وبذلك ينقطع التسلسل، وهو المطلوب إثباته (٣) .
ويوضح ابن تيمية هذا الدليل ويلخصه بقوله: (إذا فرضنا الحوادث من الطوفان والحوادث من الهجرة، وطبقنا بينهما، فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص وهو محال.
_________________
(١) انظر: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (النونية) لابن القيم (ضمن شرحها للهراس ١/٣٦ - ٣٧) .
(٢) ويطلق عليه دليل القطع، والموازاة، والمسامتة، انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٣، شرح المقاصد للتفتازاني ٢/١٢٠.
(٣) انظره على وجه التقريب: المواقف في علم الكلام للإيجي ص٢٤٦، علم التوحيد عند خُلّص المتكلمين لعبد الحميد عز العرب ص١٤٠.
[ ٢٢٣ ]
وإن تفاضلا لزم فيما لا يتناهى أن يكون بعضه أزيد من بعض. قالوا: وهذا محال) (١) .
وأجيب عن دليلهم بعدة أجوبة منها:
١ - أنا لا نسلم إمكان التطبيق مع التفاضل، وإنما يمكن التطبيق بين المتماثلين لا بين المتفاضلين (٢) .
٢ - جواز وقوع التفاضل الذي منعوه وأحالوه، ذلك أن الحوادث من الطوفان إلى ما لا نهاية له في المستقبل أعظم من الحوادث من الهجرة إلى ما لا نهاية له في المستقبل، والعكس فإن من الهجرة إلى ما لا بداية له في الماضي، أعظم من الطوفان إلى ما لا بداية له في الماضي، وإن كان كل منهما لا بداية له، فإن ما لا نهاية له من هذا الطرف وهذا الطرف ليس محصورًا محدودًا موجودًا حتى يقال هما متماثلان في المقدار، فكيف يكون أحدهما أكثر؟ (٣) .
٣ - أن الاشتراك في عدم التناهي لا يقتضي التساوي في المقدار إلا إذا كان كل ما يقال عليه إنه لا يتناهى له قدر محدود، وهذا باطل (٤) .
٤ - أن التطبيق إنما يمكن في الموجود، أما التطبيق في المعدوم فممتنع، كما في تطبيق مراتب الأعداد من الواحد إلى ما لا يتناهى، فإنا نعلم أن عدد تضعيف الواحد أقل من عدد تضعيف العشرة، وعدد تضعيف العشرة أقل من عدد تضعيف المائة، وعدد تضعيف المائة أقل من عدد تضعيف الألف والجميع لا يتناهى.
_________________
(١) الصفدية ٢/٣٢، ويكرر ابن تيمية المثال نفسه على دليل التطبيق في عامة كتبه مثل منهاج السنة النبوية ١/٤٣٢، درء تعارض العقل والنقل ١/٣٠٤.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٤.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٤٣٢ - ٤٣٣، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٤.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٤٣٣.
[ ٢٢٤ ]
وهذه الحجة من جنس مقابلة دورات أحد الكوكبين بدورات الآخر، لكن هناك الدورات وجدت وعدمت، وهنا قُدرت الأزمنة والحركات الماضية ناقصة وزائدة (١) .
٥ - أنه يمكن أن يقال: إن دليل التطبيق شامل للماضي والمستقبل فيما لا يتناهى على حد سواء، والإشكال في الحوادث من الهجرة، ومن الطوفان إلى ما لا يتناهى: هل هما متفاضلان؟ أم متماثلان؟
فإن تماثلا فهو محال؛ لأن أحدهما أزيد من الآخر.
وإن تفاضلا فهو محال؛ لأن التفاضل في ما لا يتناهى محال.
ويورد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إشكالًا على لسانهم في نقاش هذه الحجة فيقول: (فإن قيل: هذا تقدير التفاضل والتماثل في ما لم يكن بعد) (٢)، ويجيب عنه بقوله: (قيل: نعم، لكن تقدير التفاضل والتماثل بتقدير وجوده لا في حال كونه معدومًا، كما أن الماضي قَدرتم فيه التماثل والتفاضل بعد عدمه لا في حال وجوده، لكن قدرتم تلك الحوادث الماضية التي عدمت كأنها موجودة، ففي كلا الموضعين إنما هو تقدير التفاضل والتماثل في ما هو معدوم. فإن صح في أحد الموضعين، صح في الآخر، وإن امتنع في أحدهما امتنع في الآخر) (٣) .
٦ - يقال لهم أيضًا: لا نسلم إمكان التطبيق، فإنه إذا كان كلاهما لا بداية له، وأحدهما انتهى أمس، والآخر انتهى اليوم، كان تطبيق الحوادث إلى اليوم على الحوادث إلى الأمس ممتنعًا لذاته، فإن الحوادث إلى اليوم أكثر، فكيف تكون إحداهما مطابقة للأخرى؟
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٤، ٢/٣٦٧، منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٤٣٣.
(٢) الرد على من قال بفناء الجنة والنار لابن تيمية ص٤٨.
(٣) انظر: الرد على من قال بفناء الجنة والنار لابن تيمية ص٤٨.
[ ٢٢٥ ]
فلما كان التطبيق ممتنعًا جاز أن يلزمه حكم ممتنع (١) .
٧ - أن يقال: كون الشيء ماضيًا ومستقبلًا أمر إضافي بالنسبة إلى المتكلم المخبر، فما مضى قبل كلامه كان ماضيًا، وما يكون بعده يكون مستقبلًا، وبنسبة أحدهما إلى الآخر: فالماضي ماض على ما يستقبل، والمستقبل مستقبلٌ لما قد مضى، وما من ماضٍ إلا وقد كان مستقبلًا، وما من مستقبل إلا وسيصير ماضيًا، فليس ذلك فرقًا يعود إلى صفات النوعين حتى يقال: إن أحدهما ممكن، والآخر ممتنع، بل هذا الماضي كان مستقبلًا، وهذا المستقبل يصير ماضيًا، فتتصف كل الحوادث بالمضي والاستقبال، فلم يكن في ذلك ما هو لازم للنوعين يوجب الفرق بينهما (٢) .
ويذكر أبو المعالي الجويني (ت - ٤٧٨هـ) مثالًا يوضح قول المفرقين بين الماضي والمستقبل في التسلسل فيقول: (وضرب المحصلون مثالين في الوجهين، فقالوا: مثال إثبات حوادث لا أول لها قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهمًا إلا وأعطيك قبله دينارًا، ولا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك قبله درهمًا، فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه دينارًا ولا درهمًا) (٣) .
ثم يقول: (ومثال ما ألزمونا أن يقول القائل: لا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك بعده درهمًا، ولا أعطيك درهمًا إلا وأعطيك بعده دينارًا ) (٤) .
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن القياس العقلي الذي اعتمدوا عليه في أصل أصول الدين عندهم الذي يبنون عليه نفي أفعال الرب وصفاته أن ذلك قياس باطل من وجوه:
أ - أن قوله: (لا أعطيك حتى أعطيك) نفي للمضارع المستقبل إذا وجد
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣٦٧ - ٣٦٨.
(٢) انظر: الرد على من قال بفناء الجنة والنار لابن تيمية ص٤٩.
(٣) الإرشاد إلى قواطع أدلة الاعتقاد ص٤٧.
(٤) الإرشاد إلى قواطع أدلة الاعتقاد ص٤٧.
[ ٢٢٦ ]
قبله ماض، وحق القياس الصحيح أن يقال: (ما أعطيتك درهمًا إلا أعطيتك قبله دينارًا، ولا أعطيتك دينار (١) إلا أعطيتك قبله درهمًا) فهذا إخبار أن كل ماض من الدراهم كان قبله دينار، وكل دينار كان قبله درهم، وهذا مثل الحوادث الماضية التي قبل كل حادث منها حادث (٢) .
ب - وأما قوله: (لا أعطيك درهمًا إلا أعطيتك بعده دينارًا، أو لا أعطيك دينارًا إلا وبعده درهم) فهذا مثل الحوادث في المستقبل وهو ما يقرون به، حيث يكون بعد كل حادث منها حادث، فإن أمكن أن يصدق في قوله في المستقبل، أمكن أن يصدق في قوله في الماضي، وعكسه بعكسه؛ لأن العقل لا يفرق بين هذا وهذا، ولكنه يفرق بين قوله: (لا أعطيك حتى أعطيك) وبين قوله: (ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك) (٣) .
جـ - أن قوله: (لا أعطيك حتى أعطيك)، مثل قوله: (ما أعطيتك حتى أعطيتك)، فالأول نفي المستقبل حتى يوجد المستقبل، والثاني نفي الماضي حتى يوجد الماضي، وكلاهما ممتنع، فإنه نفي للشيء حتى يوجد الشيء.
وحقيقته: الجمع بين النقيضين، إذ يجعل الشيء موجودًا معدومًا.
بخلاف قوله: (ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله، ولا أعطيك إلا وأعطيك بعده) فإنه إثبات بعد كل عطاء عطاء، وقبل كل عطاء عطاء، إذ هذا المثال يتضمن إثبات بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل، وقبل كل حادث ماض حادث ماض، وبهذا يتبين الفرق بين المثال الأخير وبين المثالين اللذين قبله (٤)، ولا يصح الاستدلال على منع الحوادث المتعاقبة في الماضي بقول الله ﷿: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] أو قوله ﷾: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ
_________________
(١) هكذا في المطبوعة والصواب: دينارًا.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٩/١٨٦.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣٥٨ - ٣٥٩، ٩/١٨٦ - ١٨٧.
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٩/١٨٧.
[ ٢٢٧ ]
شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]؛ لأن الباري ﷿ قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (١) ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء» (٢)
وأما قوله ﷾: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، فهذا يدل على أن الله قد أحصى وكتب ما يكون قبل أن يكون إلى أجل محدود، فإن الله ﷿ قد أحصى المستقبل المعدوم الذي لم يوجد بعد، كما أحصى الماضي الذي وجد ثم عدم، ولفظ الإحصاء لا يفرق بين الماضي والمستقبل (٣) .
ولما كان لازم قول المتكلمين في التسلسل: الترجيح بلا مرجح؛ لأنهم يرون أن الله كان معطلًا عن الفعل ثم فعل من غير تجدد أمر لهذا الحدوث، قالوا بعد ذلك: إن المرجح هو الإرادة القديمة، والإرادة لا تحتاج إلى تخصيص، وأن الله قادر على الفعل في الأزل لكنه لم يفعل ولا ينبغي له أن يفعل (٤)، وقد قالوا ذلك هروبًا من القول بقدم العالم الذي تقول به الفلاسفة، إذ فهموا أن القول بإمكان تسلسل الحوادث من الماضي إلى ما لا نهاية يستلزم
_________________
(١) عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو محمد، لم يكن بين مولده ومولد أبيه إلا اثنتا عشرة سنة، كان مواظبًا على قيام الليل وصيام النهار، وقد أمره النبي ﷺ أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، عمي في آخر عمره، ت سنة ٦٥هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٣٤٦، الإصابة لابن حجر ٢/٣٥١.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٤٤ كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى، والبغوي في شرح السنة ١/١٢٣.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/١٢٤.
(٤) انظر: تهافت الفلاسفة للغزالي ص٩٦ - ١٠٣، المواقف للإيجي ص١٤٨ - ١٥٦، شرح المقاصد للتفتازاني ٢/٢٣٧ - ٣٥٢.
[ ٢٢٨ ]
قول الفلاسفة، وليس ذلك لازمًا (١) .
ومن المعلوم أن القول بترجيح الممكن من عدمه بلا مرجح يقتضي ذلك، باطل في بديهة العقل، وهذا مناقض لما يستدل به المتكلمون أنفسهم على قدم الصانع، وحدوث العالم من أن المحدَث لا بد له من محدث، وذلك يستلزم أن ترجيح الحدوث على العدم لا بد له من مرجح، ولا بد أن يكون المحدث المرجح قد حدث منه ما يستلزم وجود المحدث، وكل ما أمكن حدوثه إن لم يحصل ما يستلزم حدوثه لم يحصل (٢) .
ويلزم من قول المتكلمين لوازم فاسدة منها:
١ - أن الله ﷿ لم يزل معطلًا عن الفعل: إما أن يكون غير قادر على الفعل ثم صار قادرًا عليه من غير تجدد سبب يوجب له القدرة على الفعل.
وإما أن يكون الفعل ممتنعًا في الأزل ثم صار ممكنًا من غير سبب اقتضى إمكانه، وهذا يستلزم الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي.
٢ - وصف الله بالعجز والتعطل عن الفعل مدة لا تقاس بها مدة فاعليته، وهذا نقص يجب تنزيه الله عنه.
٣ - أن الحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثًا فلا بد أن يكون ممكنًا، والإمكان ليس له وقت محدود، فما من وقت يقدّر إلا والإمكان ثابت قبله، فليس لإمكان الفعل وصحته مبدأ ينتهي إليه فيجب أنه لم يزل الفعل ممكنًا جائزًا فيلزم جواز حوادث لا نهاية لها (٣) .
_________________
(١) انظر: شرح حديث عمران بن الحصين (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٢ - ٢٢٣) .
(٢) انظر: المسألة المصرية في القرآن (ضمن مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٢/٢١٥ - ٢١٦) .
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٥٦، ١٦١ - ١٦٢، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/١١١، شرح النونية لهراس ١/٣٥.
[ ٢٢٩ ]
وأما القول بأن الإرادة لذاتها هي التي تقتضي التخصيص فهو قول باطل؛ ذلك أن الإرادة التي يعرفها الناس من أنفسهم لا توجب ترجيحًا إلا بمرجح، والإرادة إذا استوت نسبتها إلى جميع المرادات وأوقاتها وصفاتها وأشكالها، كان ترجيح الإرادة لمثلٍ على مثل ترجيحًا من غير مرجح، وهذا ممتنع لمن تصوره.
ويقال لهم أيضًا: إن إرادة الإنسان أحد الشيئين ليست هي إرادته للآخر، سواء ماثله أو خالفه، فضلًا عن أن تكون إرادة واحدة نسبتها إلى المثلين سواء، وهي ترجح أحدهما بلا مرجح.
والقادر المختار ذو القدرة التامة هو الذي إذا أراد الفعل إرادة جازمة: لزم من ذلك وجود الفعل، وصار واجبًا بغيره لا بنفسه، كما قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاءهُ سبحانه فهو قادر عليه، فإذا شاء شيئًا حصل مرادًا له - وهو مقدور عليه - فيلزم وجوده.
وما لم يشأ لم يكن، فإنه لم يرده - وإن كان قادرًا عليه - لم يحصل المقتضى التام لوجوده فلا يجوز وجوده (١) .
ويستدل أهل السنة على هذا بقوله ﷾: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٥ - ١٦]، وأن هذه الآية تدل على أمور:
١ - أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته.
٢ - أنه لم يزل كذلك، فقد ساق الله ذلك في معرض الثناء، وعدم فعله لما يريد في وقت من الأوقات نقص من ذلك الكمال وقد قال ﷿ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: [النحل: ١٧] .
٣ - أنه إذا أراد أي شيء فإنه يفعله؛ لأن (ما) موصولة عامة أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله.
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٦٣، الصفدية لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/١٤٤ - ١٤٧، ٢/١٠٥ - ١٠٧.
[ ٢٣٠ ]
٤ - أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعله فعله، وما فعله فقد أراده، بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لا يريد، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده.
٥ - إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة تخصه، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام، ويفعل ما يريد.
٦ - أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته، جاز أن يفعله، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، وأن يري عباده المؤمنين نفسه لم يمتنع عليه فعله فهو الفعال لما يريد، وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به (١) .
وبعد مناقشات طويلة من قبل شيخ الإسلام ﵀ تجاه القائلين بامتناع حوادث لا أول لها يأتي حكمه ﵀ على هذه الطريقة بقوله: (وامتناع حوادث لا أول لها، طريقة مبتدعة في الشرع باتفاق أهل العلم بالسنة، وطريقة مخطرة مخوفة في العقل، بل مذمومة عند طوائف كثيرة، وإن لم يعلم بطلانها لكثرة مقدماتها وخفائها وهي طريق باطلة في الشرع والعقل عند محققي الأئمة، العالمين بحقائق المعقول والمسموع) (٢) .
ومما له صلة بموضوع التسلسل في الآثار، مسألة (التأثير)، فالخلاف في هذه المسألة مرتبط بالخلاف في موضع تسلسل الآثار:
ويرى شيح الإسلام ﵀ أن لفظ (التأثير) لفظ مجمل لا يصح الحكم عليه بصحة أو خطأ قبل الاستفصال؛ لأن عامة اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء: فالتأثير في حق الله يراد به التأثير في كل ما سواه؛ وهو إبداعه لكل ما سواه. ويراد به التأثير في شيء معين وهو خلقه لذلك المعين، ويراد به مطلق التأثير وهو كونه مؤثرًا في شيء ما.
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/١١٠ - ١١١.
(٢) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٣٠٣ - ٣٠٤.
[ ٢٣١ ]
فإن أريد بالتأثير التام: إبداعه لكل شيء في الأزل فهذا ممتنع بضرورة الحس والعقل، فإن الحوادث مشهودة، وأيضًا فكون الشيء مبدعًا أزليًا ممتنع.
وإن أريد به التأثير في شيء معين: فمعلوم أن هذا التأثير حادث بحدوث أثره، فإحداث الأثر المعين لا يكون إلا حادثًا.
وإن أريد بالتأثير مطلق الفعل وهو كونه فاعلًا في الجملة، فهذا يوجب أنه لم يزل موصوفًا بمطلق الفاعلية (١) .
وقد اختلف الناس في مقارنة التأثير للمؤثر على حسب اختلافهم في التسلسل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجب أن يقارن الأثر للمؤثر ولتأثيره، بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير في الزمان، وهذا قول الفلاسفة بناء على قولهم بقدم العالم، وقدم الحوادث مع محدثها، ويلزم من قولهم لوازم:
١ - أن لا يحدث حادث بعد الحادث الأول إلا ويفتقر إلى علة تامة مقارنة له، فيلزم تسلسل علل، أو تمام علل ومعلولات في آن واحد، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.
٢ - أن لا يحدث في العالم شيء؛ فإن العلة التامة إذا كانت تستلزم مقارنة معلولها في الزمان، وكان الرب علة تامة في الأزل لزم أن يقارنه كل معلول وكل ما سواه معلول له: إما بواسطة، وإما بغير واسطة.
فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء.
القول الثاني: يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام، كما يقوله أكثر أهل الكلام بناء على قولهم بامتناع تسلسل الحوادث في الماضي، ويلزم من قولهم أن يصير المؤثر مؤثرًا تامًا بعد أن لم يكن مؤثرًا تامًا، بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام.
القول الثالث: أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان،
_________________
(١) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٥٣، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٨/٣٨٩.
[ ٢٣٢ ]
ولا متراخيًا عنه، وهذا قول أهل السنة استنادًا إلى قولهم بجواز تسلسل الحوادث في الماضي، لكنهم لا يقولون بقدم شيء من المحدثات المخلوقات.
وقد استدلوا بقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب؛ لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير كما تقول الفلاسفة، ولا متراخيًا عنه بحيث يعطل الرب عن الفعل فترة كما تقوله المتكلمة، ولهذا يقال: طلقتُ المرأة فطلقت، وأعتقتُ العبد فعتق، وكسرتُ الإناء فانكسر، فالطلاق والعتق والانكسار عقب التطليق والإعتاق والكسر. لا يقترن به، ولا يتأخر عنه (١) .
وبعد هذه الجولة السريعة في مبحث التسلسل: يتبين لنا أن التسلسل عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تسلسل واجب، وتسلسل ممكن، وتسلسل ممتنع:
فأما التسلسل الواجب فهو: ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الله تعالى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيمًا آخر لا نفاد له، وكذلك عذاب أهل النار.
وكذلك التسلسل في أفعاله - سبحانه - من جهة الأولية والأزل، وأن كل فعل له - سبحانه - فهو مسبوق بفعل آخر قبله.
وأما التسلسل الممكن: فهو في مفعولاته في طرف الأزل كما تتسلسل في طرف الأبد، فإن الله إذا لم يزل حيًّا قادرًا مريدًا متكلمًا - وذلك من لوازم ذاته - فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له.
وأما التسلسل الممتنع فهو مثل التسلسل في المؤثرين وهو أن يكون مؤثرون كثر، كل واحد منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية (٢) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/٦٢ - ٦٤، ٦٧ - ٦٨، ٤/٢٩٠ - ٢٩٥، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/١٠٧.
[ ٢٣٣ ]
المطلب الثاني
الصفات الاختيارية
يراد بالصفات الاختيارية: الصفات المتعلقة بمشيئة الله وقدرته.
مثل الكلام والسمع والبصر والإرادة والمحبة والرضى والرحمة والغضب والسخط والخلق والإحسان والعدل والاستواء وغيرها (١) .
وكل ما وجد وكان من أفعال الله بعد عدمه فإنما يكون بمشيئته وقدرته، وهو - سبحانه - ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاءه وجب كونه، وهو يجب بمشيئة الرب وقدرته، وما لم يشأه امتنع كونه مع قدرته عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]
ولذلك يقول ابن تيمية ﵀:
(كون الشيء واجب الوقوع لكونه قد سبق به القضاء، وعلم أنه لا بد من كونه لا يمتنع أن يكون واقعًا بمشيئته وقدرته وإرادته - وإن كانت من لوازم ذاته كحياته وعلمه - فإن إرادته للمستقبلات هي مسبوقة بإرادته للماضي: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهو إنما أراد هذا الثاني بعد أن أراد قبله ما يقتضي إرادته، فكان حصول الإرادة اللاحقة بالإرادة السابقة) (٢) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣، رسالة في الصفات الاختيارية لابن تيمية (ضمن جامع الرسائل ٢/٣) .
(٢) رسالة في الصفات الاختيارية (ضمن جامع الرسائل ٢/٣٩) .
[ ٢٣٤ ]
والفعل من الله قسمان: متعدٍ ولازم، فالمتعدي مثل: الخلق والإعطاء، واللازم مثل: الاستواء والنزول، ويُمثل لهما بقول الحق ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، فذكر فعلين متعدٍ ولازم، فالخلق متعدي، والاستواء لازم، وكلاهما حاصل بقدرته ومشيئته وهو متصف به.
والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم؛ لأن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعديًا إلى مفعول أو لم يكن، والفاعل لا بد له من فعل، سواء كان فعله مقتصرًا عليه أو متعديًا إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله.
ويذكر شيخ الإسلام ﵀ أن ذلك معلوم بالسمع والعقل:
أما السمع: فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد)، وقال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب)، فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول.
وأما من جهة العقل: فمن جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له كالمجيء والاستواء ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء، كما أن من جَوّز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير كالعلم والقدرة والسمع والبصر.
ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر، بل قد يثبت الأفعال المتعدية القائمة به كالتخليق من ينازع في الأفعال اللازمة كالمجيء والإتيان، وأما العكس فلا يعلم له قائل (١) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/٣ - ٥، رسالة في الصفات الاختيارية (ضمن جامع الرسائل ٢/٢٢) .
[ ٢٣٥ ]
وقد تنوعت وكثرت الأدلة المثبتة للأفعال الاختيارية من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة حتى لا تكاد تحصى كثرة:
أما الأدلة من القرآن الكريم فتبلغ المئين ومنها على سبيل المثال:
قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
وقال سبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] .
وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] .
وقال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] .
وقال - سبحانه -: ﴿) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] .
وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] .
وقال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى* إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى* إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١١ - ١٤] .
وقال - سبحانه -: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤] .
وقال: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠] .
وقد ذكر ﷿ عن النداء قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] .
[ ٢٣٦ ]
وذكر عن الحكم والإرادة والمحبة قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] .
وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] .
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
وقال عن السخط والرضى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] .
وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] .
وقال: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢] .
والآيات في هذا كثيرة جدًّا تفوق الحصر (١) .
أما الأحاديث فمنها:
قول الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله:
_________________
(١) انظر الأدلة من القرآن على الأفعال الاختيارية عند ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ٢/١١٥ - ١٢٤، مجموع فتاواه (الواسطية ٣/١٣١ - ١٣٨)، ٦/٢٢٢ - ٢٢٤، شرح العقيدة الأصفهانية ص٤٠ - ٤٣.
[ ٢٣٧ ]
حَمِدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم: قال: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي» (١) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد» (٢) .
وقال ﵊: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» (٣) .
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان قاعدًا في أصحابه إذ جاء ثلاثة نفر، فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس، وأما رجل فجلس، يعني خلفهم، وأما رجل فانطلق.
فقال النبي ﷺ: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟
أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله.
وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه.
وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (٤) .
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٢٩٦ كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة، والترمذي في سننه ٥/٢٠١ كتاب التفسير، باب سورة الفاتحة.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٣٩ كتاب الجهاد، باب الكافر يقتل المسلم، ومسلم في صحيحه ٣/١٥٠٤، كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر، وابن ماجه في سننه ١/٦٨ المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٩٨ كتاب الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء واللفظ له، وابن ماجه في سننه ٢/١٣٢٥ كتاب الفتن باب فتنة النساء، وأحمد في مسنده ٣/٦١ من حديث أبي سعيد ﵁.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/١٥٦ كتاب العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومسلم في صحيحه ٤/١٧١٣ كتاب السلام، باب من أتى مجلسًا فوجد فرجة.
[ ٢٣٨ ]
وفي الصحيح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه - ﵎ -: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي (١) عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته ولا بد له منه» (٢) .
وعن عبادة بن الصامت (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة: إنا لنكره الموت؟ قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يُبَشّر برضوان الله وكرامته، وإذا بشر بذلك أحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه
وإن الكافر إذا حضره الموت بُشر بعذاب الله وسخطه فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه» (٤)
وعن أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله
_________________
(١) حقيقة التردد في هذا الحديث: أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه، مكروهًا من وجه، وإن كان لا بد من ترجيح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة العبد، فصار الموت مرادًا للحق من جهة أنه قضاه فهو يريده ولا بد منه، مكروهًا من جهة مساءة العبد التي تحصل له بالموت، انظر تفصيل ذلك في: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/١٢٩ - ١٣٥.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٣٤٠ - ٣٤١ كتاب الرقاق، باب التواضع، وأحمد في مسنده ٦/٢٥٦ من حديث عائشة ﵂.
(٣) عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم السالمي الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد، شهد العقبة، وآخى الرسول ﷺ بينه وبين أبي مرثد الغنوي، شهد بدرًا والمشاهد كلها، توفي في الرملة سنة ٣٤هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٤٥٠، الإصابة لابن حجر ٢/٢٦٨.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٤٦٦ كتاب التوحيد باب يريدون أن يبدلوا كلام الله، ومسلم في صحيحه ٤/٢٠٦٥ كتاب الذكر والدعاء باب من أحب لقاء الله، والترمذي في سننه ٣/٣٧٠ كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن أحب لقاء الله بنحوه.
[ ٢٣٩ ]
يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك.. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» (١) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأما معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن اقترب إليَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٢) .
وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب أصبت ذنبًا فاغفر لي، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي» (٣) .
وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٤١٥ كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه ٤/٢١٧٦ كتاب الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٣٨٤ كتاب التوحيد، باب ويحذركم الله نفسه، ومسلم في صحيحه ٤/٢٠٦٧ كتاب الذكر، باب فضل الذكر والدعاء واللفظ له.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٤٦٦ - ٤٦٧ كتاب التوحيد، باب يريدون أن يبدلوا كلام الله، ومسلم في صحيحه ٤/٢١١٢ كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب.
[ ٢٤٠ ]
ويقول: يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني فيقول: أي رب، وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول ﵎: أما علمت أن عبدي فلانًا استسقاك فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟
قال: ويقول: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: أي رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي» (١) .
وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله ينادون: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك. قال: فيقول: وكيف لو رأوني. قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا. قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها. قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها. قال: يقولون: لا والله ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها. قال يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» (٢) .
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٩٩٠ كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض، وأحمد في مسنده ٢/٤٠٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله ﷿ حديث رقم (٥٩٢٩)، ومسلم في صحيحه ٤/٢٠٦٩ كتاب الذكر والدعاء، باب فضل مجالس الذكر.
[ ٢٤١ ]
والأحاديث كثيرة في هذا الباب يصعب إحصاؤها واستقصاؤها (١) .
وأما المنقول من أقوال سلف الأمة الموافق للكتاب والسنة فكثير جدًّا:
فمنهم البخاري (٢) ﵀ فقد ذكر عن الفضيل بن عياض (٣) ﵀ قوله: (إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء) (٤) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي (٥) ﵀: «من زعم أن الله لم يكلم موسى فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل) (٦) .
وروى البخاري (ت - ٢٥٦هـ) حديث عبد الله بن أنيس (٧)
﵁ قال: سمعت
_________________
(١) انظر الأدلة من السنة على الأفعال الاختيارية عند ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٢٤ - ١٤٦، شرح العقيدة الأصفهانية ٤٣ - ٤٨، الواسطية (ضمن مجموع الفتاوى ٣/١٣٨ - ١٤١) .
(٢) البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، صاحب الجامع الصحيح، ولد في بخارى ونشأ يتيمًا، رحل في طلب الحديث طويلًا، وسمع من نحو ألف شيخ، ت سنة ٢٥٦هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ٢/٤، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/٢٦٧، طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/٢٧١.
(٣) الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، فقيه فاضل، عابد ورع، كثير الحديث، ت سنة ١٨٧هـ. انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢٤٥، شذرات الذهب لابن العماد ١/٣١٦.
(٤) خلق أفعال العباد (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص١٢٦ - ١٢٧) .
(٥) ابن مهدي: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري. أبو سعيد، الإمام الحافظ العلم، ثقة ثبت، عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: (ما رأيت أعلم منه)، ت سنة ١٩٨هـ. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب لابن حجر ٦/٢٧٩.
(٦) خلق أفعال العباد (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص١٢٩) .
(٧) عبد الله بن أنيس الجهني، أبو يحيى المدني، صحابي جليل، حليف بني سلمة من الأنصار، كان أحد من كسر أصنام بني سلمة من الأنصار، ت سنة ٥٤هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٢٥٨، الإصابة لابن حجر ٢/٢٧٨.
[ ٢٤٢ ]
النبي ﷺ يقول: «إن الله يحشر العباد يوم القيامة، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب «أنا الملك وأنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه مظلمة»» (١) .
وروي عن النبي ﷺ أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت، وأن الله ﷿ ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله.
قال البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀: (وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصواتب الخلق؛ لأن صوت الله - جل ذكره - يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال ﷿: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٢] فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين) (٢) .
ومنهم الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ حيث رد على المريسي (ت - ٢١٨هـ) إنكاره نزول الباري ﷿ وتأويله النزول بنزول أمره ورحمته لا بنفسه بقوله: «وهذا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان؛ لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي ﷺ يحدد لنزوله الليل دون النهار، ويؤقت من الليل شطره أو الأسحار؟. فبرحمته وأمره يدعو العباد
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا ١٣/٤٥٣، كتاب التوحيد، وأحمد في مسنده ٣/٤٩٥ من حديث عبد الله بن أنيس ﵁ واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص٣٧١.
(٢) خلق أفعال العباد (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص١٩٢) .
[ ٢٤٣ ]
إلى الاستغفار، أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا: هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر؟ هل من سائل فأعطي؟ وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل، ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر ثم يرفعان؟ » (١) .
وقال ﵀: (الله المتكلم أولًا وآخرًا، لم يزل له الكلام، إذ لا متكلم غيره ولا يزال له الكلام، إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] . - ثم ذكر آيات إلى أن قال: - وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] . وقال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] .
قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرناه تحقيق كلام الله وتثبيته نصًا بلا تأويل، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام بيانٌ بين أن الله غير عاجز عنه، وأنه متكلم، وقائل؛ لأنه لم يكن يعيب العجل بشيء وهو موجود فيه) (٢) .
ومنهم الآجري (ت - ٣٦٠هـ) ﵀ حيث ذكر حديث أبي موسى الأشعري (٣) ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بأربع قال: إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - أو النار - لو كشفه
_________________
(١) رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد ص١٩ - ٢٠.
(٢) الرد على الجهمية (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص٣٢٤ - ٣٢٥) .
(٣) أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري، أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل: رجع إلى بلاده بعد أن أسلم، قدم المدينة بعد فتح خيبر، استعمله النبي على بعض اليمن، كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، كان حسن الصوت بقراءة القرآن، ت سنة ٤٢هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٣٧١، الإصابة لابن حجر ٢/٣٦٠.
[ ٢٤٤ ]
لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) (١) .
وقال ﵀ عن النزول: (الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يَحذَرونه، ويحذرون منه) (٢) .
ومنهم: الإمام الإسماعيلي (ت - ٣٧١هـ) حيث قال في عقيدته: (ويعتقدون أن الله.. مالك خلقه وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق، ولا لمعنى دعاه إلى أن خلقهم، لكنه فعال لما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل، والخلق مسؤولون عما يفعلون) (٣) .
وقال ﵀: (ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]
ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق وإنه لا خالق على الحقيقة إلا الله ﷿ وإنه ﷿ ينزل إلى السماء على ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ بلا اعتقاد كيف فيه) (٤) .
ومنهم ابن أبي زمنين (ت - ٣٩٩هـ) ﵀ حيث قال: (ومن قول أهل السنة: أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وفي قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤]) (٥) .
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٦٢ كتاب الإيمان، باب قوله ﵇ إن الله لا ينام، وابن ماجه في سننه ١/٧٠ - ٧١ المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية.
(٢) الشريعة ص٣٠٦.
(٣) اعتقاد أهل السنة ص٣٢.
(٤) اعتقاد أهل السنة ص٣٥ - ٣٨.
(٥) أصول السنة ص٨٨.
[ ٢٤٥ ]
وقال: (ومن قول أهل السنة: أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا، ويؤمنون بذلك) (١) .
ومنهم الإمام الصابوني (٤٤٩هـ) حيث قال في عقيدته: (ويعتقد أصحاب الحديث أن الله - سبحانه - فوق سبع سماواته، على عرشه مستو، كما نطق به كتابه في قوله ﷿ في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]) (٢) .
وقال ﵀: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ، وينتهون فيه إليه) (٣) .
وبعد: فهذه جملة مختصرة من أقوال سلف الأمة في بيان المعتقد الحق في أفعال الله وصفاته التي تكون بمشيئته وقدرته، وأقوالهم - ﵏ - تفوق الحصر في بيان هذا المعتقد عرضًا له، وردًا على مخالفيه من الجهمية ومن وافقهم (٤) . وقد كان الناس على قول واحد في صفات الله وأفعاله الاختيارية وهو الإيمان بها، وأنها متعلقة بمشيئة الله وقدرته، وأن الله متصف بها وهي قائمة بذاته ﷾.
_________________
(١) أصول السنة ص١١٠.
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص١٧٥.
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص١٩١.
(٤) انظر للاستزادة في أقوال السلف: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٢٠ - ١١٥، شرح العقيدة الأصفهانية له ص٢٨ - ٣٠، إضافة إلى كتب السلف أنفسهم في الاعتقاد، كما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الدرء ٢/٢٠، ٢٢، إلى أن أقوال السلف توجد في كتب التفسير والأصول، والكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبي ﷺ والصحابة والتابعين.
[ ٢٤٦ ]
حتى جاءت الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم فنفوا الصفات الاختيارية عن الله نفيًا مطلقًا فلا يقوم بالرب - عندهم - شيء من الأمور الاختيارية، فلا يرضى على أحد بعد أن لم يكن راضيًا عنه، ولا يغضب عليه بعد أن لم يكن غضبان، ولا يفرح بالتوبة بعد التوبة؛ ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن الكلام قائم بذاته. ويجعلون هذه الأمور الاختيارية مخلوقًا منفصلًا عن الله - تعالى -.
وكان الناس بعد ظهور الجهمية والمعتزلة فريقين حتى ظهرت الكلابية ومن وافقهم كأبي الحسن الأشعري (١) وأبي العباس القلانسي (٢)، ومن وافقهم من السالمية (٣)
وغيرهم، فأثبتوا بعض الصفات لكنهم لم يثبتوا الصفات الاختيارية التي تكون بمشيئة الله وقدرته، فالصفات التي أثبتوها هي قديمة بأعيانها لازمة لذات الله كالعلم والقدرة، وأما ما يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون إلا مخلوقًا منفصلًا عنه، فلا تقوم الصفات الاختيارية - عندهم - بذات
_________________
(١) الأشعري: علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري، ويتصل نسبه بالصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ﵁، أبو الحسن، كان معتزليًا فترك الاعتزال ورد عليه حتى حشر المعتزلة في أقماع السمسم، ثم قال بقول الكلابية، وتفرد بآراء بعد ذلك، وينسب إليه مذهب الأشاعرة، من كتبه: مقالات الإسلاميين، ت سنة ٣٢٤هـ، وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٤٦، طبقات الشافعية للسبكي ٣/٣٤٧.
(٢) القلانسي: أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من معاصري أبي الحسن الأشعري، وهو موافق لاعتقاد الأشعري، ومن العلماء الكبار. انظر في ترجمته: الملل والنحل للشهرستاني تحقيق بدران ١/٨٥، تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص٣٩٨.
(٣) السالمية: أتباع أبي عبد الله محمد بن سالم (ت٢٩٧هـ)، وابنه أبي الحسن أحمد (ت٣٥٠هـ) وقد تتلمذ الأب على سهل التستري، ومن أشهر رجال السالمية: أبو طالب المكي (ت٣٨٦هـ) ويجمع السالمية في مذهبهم بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة، مع ميل إلى التشبيه، ونزعة صوفية. انظر: اللمع للطوسي ص٤٧٢ - ٤٧٧، طبقات الصوفية للسلمي ص٤١٤ - ٤١٦، نشأة الفكر الفلسفي للنشار ١/٢٩٤ - ٢٩٦.
[ ٢٤٧ ]
الرب - جل وعلا (١) -.
ومنشأ الخلاف بين الكلابية ومن وافقهم وبين أهل السنة: في مسألة الخلق: هل هو المخلوق أم غيره؟ والفعل هل هو المفعول أم غيره؟
وقد ذكر الإمام البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن نزاع الناس في أفعال الله اللازمة كالمجيء والإتيان والاستواء، والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان والعدل ناشئ عن النزاع في هذه المسألة (٢) .
فالمأثور عن السلف أن الخلق غير المخلوق، وأن الفعل غير المفعول، فالفعل إنما هو إحداث الشيء، والمفعول هو الحدث، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:٧٣] فالسماوات والأرض مفعول، وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول، فتخليق السماوات فعله؛ لأنه لا يمكن أن تقوم سماء بنفسها من غير فعل الفاعل، وإنما تنسب السماء إليه لحال فعله، ففعله من ربوبيته حيث يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
والفعل صفة، والمفعول غيره، ويدل على هذا قول الله - ﵎ - ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، ولم يرد بخلق السماوات نفسها، وقد ميز فعل السماوات عن السماوات، وكذلك فعل جملة الخلق.
قال البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀: (قال أهل العلم: التخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقة لقوله - تعالى -: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
_________________
(١) انظر في عرض الأقوال عند ابن تيمية: رسالة في الصفات الاختيارية (ضمن جامع الرسائل ٢/٣ - ٤، ١٢)، شرح حديث النزول ص٤٥٦ - ٤٥٧، الفرقان بين الحق والباطل ص٨٦، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٤٧، وانظر في أقوال الناس على وجه التفصيل: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٦٨، ودرء تعارض العقل والنقل ٢/١٨ - ٢٠.
(٢) انظر: خلق أفعال العباد للبخاري (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص٢٠٩ - ٢١٣) شرح حديث النزول لابن تيمية ص٤٠١.
[ ٢٤٨ ]
الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٣، ١٤] يعني السر والجهر من القول، ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق) (١) .
وقد استدل السلف على هذا بكلام الله ﷿ وأنه غير مخلوق، حيث استعاذ النبي ﷺ بكلمات الله، ولا يستعاذ بالمخلوق كما ذكر ذلك نعيم بن حماد (ت - ٢٢٨هـ) ﵁ وغيره (٢) .
وأما دليل السلف العقلي على أن الخلق غير المخلوق فقد ذكره ابن تيمية ﵀ بقوله: (إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، وأن الله انفرد بالقدم والأزلية، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩] . فهو حين خلق السماوات ابتداءً: إما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقًا للسماوات والأرض، وإما أن لا يحصل منه فعل، بل وجدت المخلوقات بلا فعل، ومعلوم أنه إذا كان الخالق قبل خلقها ومع خلقها سواء، وبعده سواء، لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت بلا سبب يوجب التخصيص) (٣) .
وأما القول الثاني: وهو أن الخلق هو نفس المخلوق، والفعل هو المفعول، وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ولا خلق ولا إبداع إلا المخلوقات نفسها.
وشبهتهم هي قولهم: (لو كان خلق المخلوقات بخلق: لكان ذلك الخلق: إما قديمًا، وإما حادثًا، فإن كان قديمًا: لزم قدم كل مخلوق، وهذا مكابرة.
وإن كان حادثًا: فإن قام بالرب لزم قيام الحوادث به.
_________________
(١) خلق أفعال العباد (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص٢١٢) .
(٢) انظر خلق أفعال العباد للبخاري (ضمن عقائد السلف للنشار وطالبي ص١٩٠)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٣٠.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٣٠.
[ ٢٤٩ ]
وإن لم يقم به كان الخلق قائمًا بغير الخالق وهذا ممتنع.
وسواء قام به أو لم يقم به يفتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر، ويلزم التسلسل) (١) .
وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بجواب السلف والجمهور عن كل مقدمة من مقدمات هذا الدليل:
فالمقدمة الأولى: قولهم: (بلزوم قدم كل مخلوق) بأن من يوافقونه على قدم الإرادة مع تأخر المراد يلزمونهم بأن الخلق قديم أزلي، وإن كان المخلوق متأخرًا، ومهما قالوه في الإرادة ألزموا بنظيره في الخلق، وهذا جواب إلزامي لا حيلة لهم فيه ألزمهم به الحنفية والكرامية وكثير من الحنبلية، والشافعية، والمالكية، والصوفية، وأهل الحديث.
وأما المقدمة الثانية: وهي قولهم: لو كان حادثًا قائمًا بالرب لزم قيام الحوادث به وهو ممتنع: فقد منعهم ذلك السلف وأئمة أهل الحديث وغيرهم وقالوا: لا نسلم انتفاء اللازم، وقالوا: بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلماته لا نهاية لها، وأن الله لم يزل فعالًا. وهذه المسألة: - أي امتناع دوام الحوادث من عدمه - من الأصول الكبار الفارقة بين أهل السنة ومخالفيهم في صفات الله وفي خلقه.
وأما المقدمة الثالثة: وهي: إن لم يقم الخلق بالله كان الخلق قائمًا بغير الخالق وهذا محال، وهذه المقدمة صحيحة، ولم يمنعهم ويخالفهم إلا بعض المتكلمين من المعتزلة وغيرهم. فمنهم من يقول: الخلق يقوم بالمخلوق، ومنهم من يقول: خلق وفعل بإرادة لا في مكان ومحل (٢) . وهذا القول ممتنع لا يعرف عن أحد من السلف.
_________________
(١) ذكره شيخ الإسلام في شرح حديث النزول ص٤٠٣.
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ٢/٥١.
[ ٢٥٠ ]
وأما المقدمة الرابعة: وهي قولهم: الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر: فقد منعهم من ذلك عامة الناس ممن يقول بحدوث الخلق من أهل الحديث والسلف وأهل الكلام والفلسفة والفقه والتصوف وغيرهم.
وقالوا: إذا خلق السماوات والأرض بخلق لم يلزم أن يحتاج ذلك الخلق إلى خلق آخر، ولكن ذلك الخلق يحصل بقدرته ومشيئته، وإن كان ذلك الخلق حادثًا. ثم إنهم يسلمون أن المخلوقات محدثة منفصلة بدون حدوث (خلق)، فإذا جاز هذا في الحادث المنفصل عن المحدِث، فلأن يجوز حدوث الحادث المتصل به بدون (خلق) بطريق الأولى والأحرى.
وأما المقدمة الخامسة: وهي قولهم: إن ذلك يفضي إلى التسلسل، فيجاب عنهم بأن التسلسل هنا هو التسلسل في الآثار، وهذا قد اتفق السلف على جوازه، والبرهان إنما دل على امتناع التسلسل في المؤثرين، فإن هذا يعلم فساده بصريح المعقول، وهو مما اتفق العقلاء على امتناعه (١) .
وصلة مسألة الخلق هل هو المخلوق أم غيره؟ بالصفات الاختيارية هي في بدء خلق السماوات والأرض حين خلقها الله ﷿ ولم تكن قبل ذلك، وقد تجددت له صفة الخلق وهي ما يسميه المتكلمون (حلول الحوادث بالرب)، فيقولون: إن الصفة (الخلق) هي مخلوق منفصل عن الله ﷿ لا يقوم بذات الرب، فالخلق هو المخلوق، والصفة مخلوقة، وقال بعضهم: إن الصفة قديمة بأعيانها لازمة لذات الرب كما تقدم بيانه (٢) .
ومن منشأ الخلاف - أيضًا - بين أهل السنة ومخالفيهم في الصفات
_________________
(١) انظر للتفصيل: الرد على المنطقيين لابن تيمية ص٢٣٠ - ٢٣١، شرح حديث النزول لابن تيمية ٤٠٣ - ٤١٣.
(٢) انظر: مناقشة المتكلمين حول مسألة (التجدد) في صفات الله عند ابن تيمية: رسالة في الصفات الاختيارية (ضمن جامع الرسائل ٢/١٧ - ١٨)، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٢٢، ٢٣٨، ٣٩٥.
[ ٢٥١ ]
والأفعال الاختيارية: مسألة المضافات إلى الله ﷾ في الكتاب والسنة والتفريق بينها، وأنها ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف فهي: إما إضافة اسمية، كقوله - تعالى -: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] .
وإما بصيغة الفعل كقوله تعالى: ﴿) عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا﴾ [المزمل: ٢٠] .
القسم الثاني: إضافة المخلوقات والأعيان: كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقوله - تعالى -: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
وهذه الأعيان إذا أضيفت إلى الله - تعالى - فإما أن تضاف بالجهة العامة التي يشترك فيها المخلوق مثل كونها مخلوقة ومملوكة له ومقدرة، ونحو ذلك، فهذه إضافة عامة مشتركة كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .
وقد تضاف الأعيان لمعنى يختص بها ليميز به المضاف عن غيره مثل: بيت الله، ناقة الله، عبد الله، روح الله، فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة وهكذا، فإن المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره، وهذه الإضافة لا اختصاص فيها، ولا فضيلة للمضاف على غيره.
وامتاز بعضها بأن الله يحبه ويرضاه ويصطفيه ويقربه إليه، فهذه الإضافة يختص بها بعض المخلوقات كإضافة البيت، والناقة، والروح: مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] .
القسم الثالث: ما فيه معنى الصفة والفعل مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] .
[ ٢٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]،
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]
ومن الأحاديث قول الرسول ﷺ في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» (١) .
وقوله ﵊: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» (٢) .
والخلاف في الصفات الاختيارية هو في القسم الثالث الذي فيه معنى الصفة والفعل؛ لأن القسم الأول قد اتفق أهل السنة على إثباته وأنه قديم غير مخلوق، خلافًا للجهمية الذين نفوا الصفات جملة.
وأما القسم الثاني فلم يخالف أحد في مخلوقيته.
وأما القسم الثالث: فهو موضع الخلاف ومنشأ النزاع والناس فيه على أقوال:
أحدها: أن الجميع إضافته إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به، ولا علم قائم به، ولا قدرة قائمة به، ولا كلام قائم به، ولا حب، ولا بغض، ولا غضب، ولا رضى، بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته، وهذا قول المعطلة نفاة الصفات.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٨/٣٩٥ كتاب التفسير، باب ذرية من حملنا مع نوح، ومسلم في صحيحه ١/١٨٥ كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٢) سبق تخريجه ص٢٣٨.
[ ٢٥٣ ]
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن أول من ابتدع هذا القول في الإسلام الجهمية، وقد ابتدعوه بعد انقراض عصر الصحابة وأكابر التابعين (١) .
الثاني: أن كل ما يضاف إلى الله هو صفة لله وإن كان بائنًا عنه، وقال كثير منهم: إن أرواح بني آدم قديمة أزلية وهي صفة لله، وأن ما يسمعه الناس من أصوات القراء ومداد المصاحف قديم أزلي، وهو صفة لله، وقال بهذا القول الحلولية.
الثالث: أن صفات الله وأفعاله الاختيارية من الغضب والرضى والمحبة والبغض والإرادة وغيرها: إما أن تكون قديمة قائمة بالرب بأعيانها عند من يجوز ذلك وهم الكلابية، وإما مخلوقًا منفصلًا عنه فهو يلحق بأحد القسمين السابقين، فيمتنع أن يقوم به نعت أو حال أو فعل، أو شيء ليس بقديم، ويسمون هذه المسألة (مسألة حلول الحوادث بذاته) (٢) .
وقال بهذا المعتزلة وبعض الكلابية والأشعرية، وكثير من الحنبلية ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وغيرهم.
الرابع: أن صفات الله وأفعاله الاختيارية قسم ثالث: فهي ليست من المخلوقات المنفصلة عن الله، وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة التي لا تتعلق بها مشيئته، لا بأنواعها، ولا بأعيانها، وهذا قول سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورين بالإمامة، وهو القول الصحيح.
وبهذا التفصيل في مسألة المضاف إلى الله والتفريق بين ما يضاف إلى الله من صفاته، وبين مخلوقاته يتضح لنا صلة هذه المسألة بالخلاف الدائر في
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/١٦١.
(٢) ذكر شيخ الإسلام أن المعتزلة والكلابية تطلق على صفات الله وأفعاله الاختيارية مسألة حلول الحوادث، انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/١٤٧، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٠، رسالة في الصفات الاختيارية (ضمن جامع الرسائل ٢/٧) .
[ ٢٥٤ ]
صفات الله وأفعاله الاختيارية بين فرق المسلمين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن المضاف إلى الله في نصوص الكتاب والسنة أصل عظيم ضل فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلهم (١) .
ويستدل نفاة الصفات والأفعال الاختيارية بأدلة عقلية (٢) منها:
الأول: قولهم: (أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، فلو جاز اتصافه بها لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث) . وهذا الدليل مبني على مقدمتين، وفي كل من المقدمتين نزاع معروف بين طوائف المسلمين.
أما الأولى: وهي أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده. فأكثر العقلاء على خلافها حتى المتكلمين أنفسهم لم يذكروا لها حجة عقلية صحيحة (٣) .
وأما المقدمة الثانية: وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهذه - أيضًا - قد نازع فيها طوائف من أهل الكلام والفلسفة والفقه والحديث والتصوف وغيرهم، وقالوا: التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل، فأما التسلسل في الآثار المتعاقبة والشروط المتعاقبة فلا دليل على بطلانه، فلا يمكن حدوث شيء من الحوادث إلا على هذا الأصل، ومن لم يجوز ذلك لزمه القول بحدوث الحوادث بلا سبب حادث، وذلك يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح.
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/١٦١، درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٦٣، وانظر: في مسألة المضاف إلى الله: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/١٤٤ - ١٤٨، ٩/٢٩٠، ١٧/١٥١ - ١٥٢، شرح العقيدة الأصفهانية ٦٦، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/١٥٥ - ١٦٤، درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٦٣ - ٢٦٨.
(٢) ذكر هذه الأدلة المختصرة الرازي في الأربعين في أصول الدين ١/١٧١ - ١٧٣، ونقلها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع متعددة مثل: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٧٧ - ٢١٦، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٤٧ - ٢٥٢.
(٣) انظر للتفصيل: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/١٧٨ - ١٨٠.
[ ٢٥٥ ]
الثاني: هو قولهم: (لو كان قابلًا لها لكان قابلًا لها في الأزل، وذلك فرع إمكان وجودها ووجودها في الأزل محال) .
وهذا الدليل أبطلوه هم بالمعارضة بالقدرة: بأنه - سبحانه - قادر على إحداث الحوادث، والقدرة تستدعي إمكان المقدور، ووجود المقدور وهو الحوادث في الأزل محال.
وهذا الدليل باطل من وجوه:
أولًا: أن يقال: وجود الحوادث: إما أن يكون ممتنعًا، وإما أن يكون ممكنًا.
فإن كان ممكنًا أمكن قبولها والقدرة عليها دائمًا، وحينئذٍ فلا يكون وجود جنسها في الأزل ممتنعًا، بل يمكن أن يكون جنسها مقدورًا مقبولًا.
وإن كان ممتنعًا فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى، وحينئذٍ فلا تكون في الأزل ممكنة، لا مقدورة ولا مقبولة، وحينئذٍ فلا يلزم امتناعها بعد ذلك، فإن الحوادث موجودة فلا يجوز أن يقال بدوام امتناعها، وهذا تقسيم حاصر يبين فساد هذا الدليل.
ثانيًا: أن يقال: لا ريب أن الله تعالى قادر: فإما أن يقال: إنه لم يزل قادرًا. وهذا هو الصواب. وإما أن يقال: بل صار قادرًا بعد أن لم يكن.
فإن قيل: لم يزل قادرًا، فقال: إذا كان لم يزل قادرًا: فإن كان المقدور لم يزل ممكنًا أمكن دوام وجود الممكنات، فأمكن دوام وجود الحوادث، وحينئذٍ فلا يمتنع كونه قابلًا لها في الأزل.
ثالثًا: إذا قيل: هو قابل لما في الأزل، فإنما هو قابل لما هو قادر عليه يمكن وجوده، فأما ما يكون ممتنعًا لا يدخل تحت القدرة فهذا ليس بقابل له.
رابعًا: أن يقال هو قادر على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات، ومعلوم أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له، وإذا كان الفعل لا مانع منه إلا ما يمنع مثله لوجود المقدور المباين، ثم ثبت أن
[ ٢٥٦ ]
المقدور المباين هو ممكن وهو قادر عليه، فالفعل أن يكون ممكنًا مقدورًا أولى (١) .
الثالث: قولهم: إن قيام الحوادث به تغيّر، والله منزه عن التغير.
والجواب: أن لفظ (التغير) لفظ مجمل، فالتغير في اللغة لا يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث، فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب إذا تحركت إنها قد تغيرت، ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى إنه تغير، ولا يقولون إذا طاف وصلى، وأمر ونهى، وركب إنه تغير إذا كان ذلك عادته، بل إنما يقولون تغير لمن استحال من صفة إلى صفة، كالشمس إذا زال نورها ظاهرًا لا يقال إنها تغيرت، فإذا اصفرت قيل: تغيرت.
وإذا جرى أحد على عادته في أقواله وأفعاله فلا يقال إنه قد تغير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ومعلوم أنهم إذا كانوا على عادتهم الموجودة يقولون ويفعلون ما هو خير لم يكونوا قد غيروا ما بأنفسهم، فإذا انتقلوا عن ذلك فاستبدلوا بقصد الخير قصد الشر، وباعتقاد الحق اعتقاد الباطل قيل: قد غيروا ما بأنفسهم.
وإذا كان هذا معنى التغير: فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، وكماله من لوازم ذاته، فيمتنع أن يزول عنه شيء من صفات كماله، ويمتنع أن يصير ناقصًا بعد كماله (٢) .
الرابع: قولهم: حلول الحوادث أفول، والخليل قد قال: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] والآفل هو المتحرك الذي تقوم به الحوادث، والخليل قد نفى محبة من تقوم به الحوادث فلا يكون إلهًا (٣) .
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٤٧ - ٢٤٩، وانظر: ردودًا أخرى في درء تعارض العقل والنقل ٢/١٨١ - ١٨٥، ٤/٦٢.
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٤٩ - ٢٥٢، درء تعارض العقل والنقل ٢/٢٨٥، ٤/٧١.
(٣) انظر: أساس التقديس للرازي ص٣٥.
[ ٢٥٧ ]
وهذا الدليل حجة عليهم لا لهم، ذلك أن الله ﷿ قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨]، فقد أخبر الله في كتابه أنه حين بزغ الكوكب، والقمر، والشمس إلى حين أفولها لم يقل الخليل: لا أحب البازغين، ولا المتحركين، ولا المتحولين، ولا أحب من تقوم به الحركات ولا الحوادث.
والأفول في اللغة هو المغيب والاحتجاب (١) . وهذا باتفاق العلماء.
ولم يقل إبراهيم: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] إلا حين أفل وغاب عن الأبصار، وهذا يقتضي أن كونه متحركًا منتقلًا وجسمًا تقوم به الحوادث لم يكن دليلًا عند إبراهيم على نفي محبته، ثم إن قول إبراهيم له حين بزغ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦، ٧٧، ٧٨] ولم ينف عنه الربوبية من حين بزوغه إلى حال أفوله دل ذلك على أنه لم يجعل حركته منافية لذلك، وإنما جعل المنافي الأفول، وإن كان الخليل إنما احتج بالأفول على أنه لا يصلح أن يتخذ ربًا يشرك، ويدعى من دون الله، فليس فيه تعرض لأفعال الله تعالى، فقصة الخليل حجة عليهم لا لهم.
وأما قولهم: إن الأفول هو التغير: فإن أريد بالتغير الاستحالة: فالشمس والقمر والكواكب لم تستحل بالمغيب.
وإن أراد به التحرك: فهو لا يزال متحركًا، ولفظ التغير والتحرك مجمل: إن أريد به التحرك أو حلول الحوادث: فليس هو معنى التغير في اللغة، وليس الأفول هو التحرك، ولا التحرك هو التغير، بل الأفول أخص من التحرك، والتغير أخص من التحرك. وبين التغير والأفول عموم وخصوص، فقد يكون
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١١/١٨ مادة (أفل)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٣/٣٣٩ مادة (أفل) .
[ ٢٥٨ ]
الشيء متغيرًا غير آفل، وقد يكون آفلًا غير متغير، وقد يكون متحركًا غير متغير، ومتحركًا غير آفل (١) .
وبعد ذلك ذكر شيخ الإسلام أن نفي النفاة للصفات الاختيارية - التي يسمونها حلول الحوادث (٢) - ليس لهم دليل عقلي عليه، وأما السمع فلا ريب أنه مملوء بما يناقض هذا القول. وقد احتال متأخروهم حين لم يكن معهم حجة عقلية ولا سمعية، فاحتجوا بما يسمونه بحجة الكمال والنقصان وهي: أن الصفات إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها، وإن كانت صفات كمال فقد كان فاقدًا لها قبل حدوثها، وعدم الكمال نقص، فيلزم أن يكون كان ناقصًا، وتنزيهه عن النقص واجب بالإجماع (٣) .
وهذه الحجة فاسدة من وجوه:
أحدها: لا نسلم أن عدم هذه الأمور قبل وجودها نقص، بل لو وجدت قبل وجودها لكان نقصًا، مثال ذلك: تكليم الله لموسى ﵇ ونداؤه له، فنداؤه حين ناداه صفة كمال، ولو ناداه قبل أن يجيء لكان ذلك نقصًا، فكل منها كمال حين وجوده، ليس بكمال قبل وجوده.
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٢١٦، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٥٢، ٢٨٤، بغية المرتاد لابن تيمية ٣٦٠.
(٢) يبين شيخ الإسلام أن لفظ (حلول الحوادث) لفظ مجمل يحتاج إلى استفصال: فإن أريد به أنه لا يكون محلًا للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم فهذا المعنى صحيح، وإن أريد به أنه ليس لله فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل ونحو ذلك، فهذا معنى فاسد، والنفاة يوهمون الناس أن مقصودهم المعنى الأول، وهم يقصدون المعنى الثاني. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٢، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٢/١٤٢.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/١٥٦، رسالة في الصفات الاختيارية لابن تيمية (ضمن جامع الرسائل) ٢/٣٤.
[ ٢٥٩ ]
الثاني: لا نسلم أن عدم ذلك نقص، فإن ما كان حادثًا امتنع أن يكون قديمًا، وما كان ممتنعًا لم يكن عدمه نقصًا، إنما النقص فوات ما يمكن من صفات الكمال.
الثالث: أن هذا يرد في كل ما فعله الرب وخلقه فيقال: إن كان نقصًا فقد اتصف بالنقص، وإن كان كمالًا فقد كان فاقدًا له.
فإن قال المخالف: صفات الأفعال عندنا ليست بنقص ولا كمال.
قيل: إذا قلتم ذلك أمكن المنازع أن يقول: هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال.
الرابع: أن يقال: إذا عُرض على العقل الصريح ذاتٌ يمكنها أن تتكلم بقدرتها وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف بنفسها ألبتة بل هي بمنزلة العاجز الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره: فإن العقل الصريح يقضي بأن هذه الذات أكمل، وحينئذٍ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص. والكمال باتصافه بهذه الصفات، لا في نفي اتصافه بها.
الخامس: أن يقال: الحوادث التي يمتنع كون كل منها أزليًا، ولا يمكن وجودها إلا شيئًا فشيئًا إذا قيل: أيهما أكمل: أن يقدر على فعلها شيئًا فشيئًا أو لا يقدر على ذلك؟، كان معلومًا بصريح العقل أن القادر على فعلها شيئًا فشيئًا أكمل ممن لا يقدر على ذلك، وهم يقولون: إن الرب لا يقدر على شيء من هذه الأمور، ويقولون: إنه يقدر على أمور مباينة له (١) .
_________________
(١) انظر للتفصيل: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣٤٢ وما بعدها، رسالة في الصفات الاختيارية لابن تيمية (ضمن جامع الرسائل ٢/٣٤ - ٣٦)، وانظر: أمثلة لتأويلات المتكلمين للصفات الاختيارية والإجابة عنها في مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/١١٧ - ١٣٠.
[ ٢٦٠ ]
المطلب الثالث
شرح حديث عمران بن حصين ﵁
حدّث عمران بن حصين (١)
﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا (مرتين)، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شيء قبله، وفي لفظ (غيره) وفي لفظ (معه) وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض، وفي لفظ: ثم خلق السماوات والأرض، فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن حصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها) (٢) .
قوله ﵊: اقبلوا البشرى: المراد بهذه البشارة أن من أسلم نجا من الخلود في النار، فبشرهم رسول الله ﷺ بما يقتضي دخول الجنة.
_________________
(١) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، من فضلاء الصحابة وفقهائهم، سكن البصرة ومات بها في خلافة معاوية سنة ٥٢هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٢٢، الإصابة لابن حجر ٣/٢٦.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق حديث ٢٩٥٣، انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٦، وفي كتاب التوحيد باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم حديث ٧٤١٨، انظر: فتح الباري لابن حجر ١٣/٤٠٣، وأحمد في مسنده ٤/٤٣١ - ٤٣٢ من حديث عمران بن حصين ﵁، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/٢ - ٣، وفي الأسماء والصفات ٢/١٥١، والدارمي في رده على الجهمية (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص٢٦٥)، وفي رده على بشر المريسي ص٨٦ - ٨٧، والآجري في الشريعة ١٧٦ - ١٧٧، وغيرهم، وانظر رسالة: شرح الصدر في السؤال عن أول هذا الأمر لمنصور السماري فقد توسع في تخريجه.
[ ٢٦١ ]
قالوا: بشرتنا فأعطنا في هذا دليل إسلامهم حيث بشرهم الرسول ﷺ، لكنهم طلبوا العاجل من أمر الدنيا على التفقه في الدين وطلب الآخرة، فتغير وجه رسول الله ﷺ، وذكر الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ في الفتح سبب غضب الرسول ﷺ بقوله: (سبب غضبه ﷺ استشعاره بقلة علمهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية، وقدموا ذلك على التفقه في الدين الذي يحصل لهم ثواب الآخرة الباقية) (١) ولذلك كان هذا الإقبال على الدنيا بمنزلة عدم قبول البشرى حيث قال ﵊ بعد ذلك: إذ لم يقبلها بنو تميم.
ويؤخذ من هذا أنه يجب قبول ما جاء عن الله ﷿ أو عن رسول الله ﷺ، بدون توقف أو استفسار أو طلب للعلة، بيان ذلك من الحديث أن قول بني تميم: قد بشرتنا فأعطنا لا يدل ظاهره على أنهم لم يقبلوها، ومع ذلك جعل طلبهم للعاجل بمنزلة عدم قبول البشرى (٢) .
قولهم: نسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ المراد بالأمر هنا: الشيء المشاهد الموجود وهو خلق السماوات والأرض وما بينهما على الصحيح، فالسؤال عن بدء الخلق المشاهد المعهود بـ (أل) العهدية (الأمر) .
والأمر يطلق ويراد به المأمور المفعول، ويراد به المصدر والشأن والحكم، والمراد بالأمر في هذا الحديث المعنى الأول (٣) .
قوله: كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية (غيره) وفي رواية (معه):
الحديث روي بهذه الألفاظ الثلاثة فلفظ قبله ولفظ غيره وردا في البخاري، وأما لفظة (معه) فقد بين شيخ الإسلام أن هذه اللفظة ثابتة في
_________________
(١) فتح الباري ١٣/٤٠٩.
(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٧٦ - ٣٧٧.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٨ - ٢٨٩، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٥.
[ ٢٦٢ ]
الصحيح لكنها ليست في صحيح البخاري (١) ولما كانت الألفاظ المروية ثلاثة، وكانت القصة متحدة بمجلس واحد، وسؤالهم وجوابه كان في المجلس نفسه دل على أن لفظة واحدة هي التي قالها الرسول ﷺ، وأن لفظتين وقعتا بالمعنى. والراجح أن لفظة (قبله) هي التي قالها الرسول ﷺ لأمور:
الأول: أن أكثر أهل الحديث يروون هذا الحديث بلفظة قبله فيروونه: كان الله ولم يكن شيء قبله. وكثرة رواية الحفاظ والأئمة لهذه اللفظة مرجح لها على غيرها.
الثاني: أن لفظ (القبل) هو الموافق للنصوص الأخرى مثل قول الرسول ﷺ في دعائه: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) (٢) .
قوله: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء: هذه الجمل الثلاث ورد الوصل بينها بالواو، ثم جاءت الجملة الرابعة موصولة بما قبلها بثم وهي (ثم خلق السماوات والأرض)، وهذا يدل على أن الحديث ليس مقصوده بيان أول المخلوقات؛ لأن الواو لا تفيد الترتيب على الصحيح. لكن المقصود هو إجابة أهل اليمن عن أول خلق السماوات والأرض، فجاء بثم التي تفيد الترتيب والتراخي ليبين أن خلق
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٥١، لكنه ﵀ وهم وعزاها إلى البخاري في موضعين: الأول في مجموع الفتاوى ١٨/٢١٦، والثاني في الصفدية ٢/٢٢٤، ولذلك تعقبه من تعقبه مثل محقق شرح العقيدة الطحاوية شعيب الأرناؤوط ١/١١٤، ومحمد رشاد سالم في تحقيق الصفدية لشيخ الإسلام ١/١٥ - ١٦، وذكر ابن حجر في فتح الباري ٦/٢٨٩ أن لفظة (معه) ليست في البخاري، وقد بحث هذه المسألة وبين المواضع الثلاثة د. عبد الرحمن المحمود في موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/١٠٠٩.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٨٤ كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، والبيهقي في الأسماء والصفات ١/٣٦. باب ذكر الأسماء التي تتبع إثبات الباري جل ثناؤه.
[ ٢٦٣ ]
السماوات والأرض لم يكن هو أول مخلوقات الله، فقد سبقه مخلوقات لله ﷾ والله أعلم (١) .
وقوله: كان الله: أي فيما مضى من الزمان وهي تنبئ - هنا - عن الأزلية، والأزل ليس وقتًا بعينه مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وقوله: وكان عرشه على الماء معناه: أنه خلق الماء سابقًا ثم خلق العرش على الماء، فوقت خلق السماوات والأرض كان عرشه على الماء، وتبين الأحاديث الأخرى أن القلم خلق بعد العرش، ثم خلق السماوات والأرض وما فيهن (٢)، ومطلق قوله: (وكان عرشه على الماء) يقيد بقوله: (ولم يكن شيء قبله) والمراد بكان في الأول: الأزلية، وفي الثاني: الحدوث بعد العدم (٣) .
قوله: كتب في الذكر: يعني اللوح المحفوظ كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي من بعد اللوح المحفوظ (٤) .
وأضيفت الكتابة إلى الله تعالى، ولا يلزم أنه - سبحانه - هو الذي يباشر الكتابة بنفسه بل يجوز أن يأمر بذلك ما يشاء، ودليل ذلك حديث عبادة بن الصامت (ت - ٣٤هـ) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» (٥) فالمأمور بالكتابة في هذا الحديث هو القلم وهو من مخلوقات الله.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٧.
(٢) انظر: في ذكر الخلاف: أيهما خلقه أولًا: العرش أم القلم؟: الصفدية لابن تيمية ٢/٧٩، بغية المرتاد له ص٢٧٦، منهاج السنة له ١/٣٦١، فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٩.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٩.
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١١.
(٥) الحديث أخرجه الترمذي في سننه ٤/٤٥٧ كتاب القدر باب ١٧، وأبو داود في سننه ٥/٧٦ كتاب السنة، باب في القدر، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٢٨ - ٢٢٩، ٣/١٢٣.
[ ٢٦٤ ]
ولفظة (كل شيء) أي: من الكائنات، وهي تعم كل موضع بحسب ما سيقت له، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] .
قوله: فإذا هي يُقطع دونها السراب: أي يحول بيني وبينها السراب، والسراب هو: ما يُرى نهارًا في الفلاة كأنه ماء (١)، وهذا كناية عن بُعدها.
قوله: فوالله لوددت أني كنت تركتها: وفي رواية (لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم) . قال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ (الود المذكور تسلط على مجموع ذهابها وعدم قيامه لا على أحدهما فقط؛ لأن ذهابها كان قد تحقق بانفلاتها، والمراد بالذهاب: الفقد الكلي) (٢) .
فكانت رغبته في بقائه في مجلس رسول الله ﷺ يتعلم العلم والإيمان، ولا يفوته آخر الحديث، فهو تأسف على أنه قد فاته آخر حديث رسول الله ﷺ، وفي هذا بيان حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على تحصيل العلم، والبحث عن الخير.
وقد بحث ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ عن تتمة الحديث التي تأسف عليها عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ فقال: (وقد كنت كثير التطلب لتحصيل ما ظن عمران أنه فاته من هذه القصة إلى أن وقفت على قصة نافع بن زيد الحميري (٣) فقوي في ظني أنه لم يفته شيء من هذه القصة بخصوصها، لخلو قصة نافع بن
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٤٦٥ مادة (سرب)، وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٩٠.
(٢) فتح الباري ١٣/٤١٠.
(٣) نافع بن زيد الحميري، صحابي جليل، قدم وافدًا على رسول الله ﷺ في نفر من حمير، وسألوه عن أول هذا الأمر، فقال ﵊: كان الله ولم يكن شيء قبله. انظر في ترجمته: الإصابة لابن حجر ٣/٥٤٤.
[ ٢٦٥ ]
زيد ﵁ عن قدر زائد على حديث عمران) (١) وقد نبه ابن تيمية ﵀ إلى أن بعض الناس يزيد في آخر الحديث قوله: (وهو الآن على ما عليه كان) وينسبون هذه الجملة إلى رسول الله ﷺ، وبين أن هذا كذب مفترى على رسول الله ﷺ، وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن هذه الزيادة كذب موضوع مختلق، وليس هو في شيء من دواوين الحديث، لا كبارها ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف، ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة بعض متأخري الجهمية، فتلقاها منهم أهل وحدة الوجود الذين يقولون: وجوده عين وجود المخلوقات (٢) .
وصلة حديث عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ بموضوع إمكان حوادث لا أول لها: أن المتكلمين الذين يرون امتناع دوام الحوادث في الماضي استدلوا بهذا الحديث ظنًا منهم أن سؤال أهل اليمن وجواب الرسول ﷺ لهم إنما كان عن بدء المخلوقات كلها، لا عن بدء خلق السماوات والأرض، فمقصود الحديث عندهم هو إخبار الرسول ﷺ أن الله كان موجودًا وحده، معطلًا عن الفعل، غير قادر عليه، ثم إنه ابتدأ إحداث جميع أنواع الحوادث، وانتقل الفعل من الامتناع إلى الإمكان بلا سبب، وصار قادرًا بعد أن لم يكن بلا سبب (٣) .
والذي عليه سلف الأمة ومن وافقهم أن مراد الرسول ﷺ هو الإخبار عن خلق الله لهذا العالم المشهود الذي خلقه في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] .
_________________
(١) فتح الباري ٦/٢٩٠.
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢/٢٧٢، ١٨/٢٢١، وانظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٩.
(٣) انظر: الإنصاف للباقلاني ص٤٣، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١١، ٢٤٢.
[ ٢٦٦ ]
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت - ٦٥هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (١)، فأخبر عن تقدير خلق هذا العالم، وأنه قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.
وقد ناقش ابن تيمية ﵀ المخالفين الذين يرون أن المقصود في حديث عمران ﵁ (ت - ٥٢هـ) هو الإخبار عن أول المخلوقات مطلقًا بأجوبة عديدة منها:
١ - أن قول أهل اليمن: (جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر) إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم، أو جنس المخلوقات.
فإن كان المراد: خلق العالم المشاهد فيكون النبي ﷺ قد أجابهم؛ لأنه أخبرهم عن أول خلق هذا العالم.
وإن كان المراد بالأمر جنس المخلوقات، فإن النبي ﷺ لم يجبهم في الحديث؛ ذلك أنه لم يذكر أول الخلق مطلقًا. بل قال: (كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض) فلم يذكر إلا خلق السماوات والأرض، وإذا كان قد أجابهم عن خلق السماوات والأرض ولم يجبهم عن أول الخلق مطلقًا علم أنهم سألوه عما أجابهم. والرسول ﷺ منزه عن أن يجيبهم عما لم يسألوه، ويترك إجابة ما سألوه عنه.
٢ - أن قولهم: (هذا الأمر) الإشارة إلى الحاضر المشهود، ولو سألوه عن أول الخلق مطلقًا لما أشاروا إليه بهذا، فإن ذاك لم يشهدوه، فلا يشيرون إليه بهذا، بل لم يعلموه أيضًا، فإن ذاك لا يعلم إلا بخبر الأنبياء، والرسول ﷺ
_________________
(١) سبق تخريجه ص٢٢٨.
[ ٢٦٧ ]
لم يخبرهم بذلك، فلو كان أخبرهم به لما سألوه عنه، فعلم أن سؤالهم كان عن أول هذا العالم المشهود.
٣ - أن الثابت عن المصطفى ﷺ أنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله) - كما سبق بيانه - وإذا كان إنما قال هذا اللفظ: فلم يكن فيه تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق.
٤ - أن الرسول ﷺ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض» . فلم يذكر في الجمل الثلاث الأول ترتيبًا، لكنه رتب الجملة الرابعة بـ (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي على ما قبلها من الجمل.
وعليه: فلا يفيد الحديث بيان أول المخلوقات مطلقًا، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء، وإن كان ذلك كله مخلوقًا، لكن القصد هو إخبار أهل اليمن عن بدء خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء ما خلقه الله قبل ذلك.
٥ - أن الرسول ﷺ حين أخبر عن العرش والماء والكتابة: أخبر عن كونها ووجودها، ولم يتعرض لابتداء خلقها، ولما ذكر السماوات والأرض أخبر بما يدل على خلقها، وسواء أكان قول الرسول ﷺ: (وخلق السماوات والأرض) أم (ثم خلق السماوات والأرض) فعلى التقديرين يكون قد أخبر بخلقهما، فلم يكن المقصود الإخبار بخلق العرش ولا الماء، فضلًا عن أن يقصد أن خلق ذلك كان مقارنًا لخلق السماوات والأرض.
٦ - أن النبي ﷺ لو كان قال: (ولم يكن شيء معه) فليس فيه ما يدل على ذكر أول المخلوقات وترتيبها، بل المقصود: أنه لا شيء معه من هذا الأمر المسؤول عنه، وهم سألوه عن أول الأمر، وسياق الحديث يدل على أنه أخبرهم بأول هذا العالم الذي خلق في ستة أيام، ولم يخبرهم بما قبل ذلك (١) .
_________________
(١) انظر: الصفدية لابن تيمية ٢/٢٢٤ - ٢٢٥، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٩.
[ ٢٦٨ ]
٧ - أن كثيرًا من الناس يجعلون هذا الحديث عمدتهم من جهة السمع في أن الحوادث لها ابتداء وأن جنس الحوادث مسبوق بالعدم، إذ لم يجدوا في الكتاب والسنة ما ينطق به، وجعلوا هذا معنى حدوث العالم الذي هو أول مسائل أصول الدين عندهم، فيبقى أصل الدين الذي هو دين الرسل عندهم، ليس عندهم ما يعلمون به أن الرسول ﷺ قاله، ولا في العقل ما يدل عليه، بل العقل والسمع يدل على خلافه.
ومن كان أصل دينه الذي هو عنده دين الله ورسوله لا يعلم أن الرسول ﷺ جاء به كان من أضل الناس في دينه.
٨ - أن المتكلمين لما اعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم.
وعمدتهم التي هي أعظم الحجج مبناها على امتناع حوادث لا أول لها، وبها أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة، وسموا ذلك إثباتًا لحدوث الأجسام. فلزمهم على ذلك نفي صفات الرب ﷿ وأن الله لا يرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، وكان حقيقة قولهم تكذيبًا لما جاء به الرسول ﷺ، وتسلط أهل العقول من الفلاسفة وغيرهم على تلك الحجج التي لهم فبينوا فسادها.
٩ - أن الغلط في فهم معنى هذا الحديث سببه عدم المعرفة بنصوص الكتاب والسنة، بل والمعقول الصريح، فإنه أوقع كثيرًا من المتكلمين وأتباعهم في الحيرة والضلال، فإنهم لم يعرفوا إلا قولين: قول الدهرية (١) القائلين بالقدم، وقول الجهمية القائلين بأنه: لم يزل معطلًا عن أن يفعل أو يتكلم
_________________
(١) الدهرية: هم الذين ينكرون الربوبية، ويعدون الأمر والنهي والرسالة من الله تعالى مستحيلًا في العقول، ويقولون بقدم العالم، وينكرون الثواب والعقاب، وينسبون النفع والضرر إلى الدهر. انظر: الملل والنحل للشهرستاني تحقيق بدران ٢/٢٤٤ - ٢٤٥، البرهان للسكسكي ص٨٨، المقالات والفرق للأشعري القمي ص١٩٤ - ١٩٥.
[ ٢٦٩ ]
بقدرته ومشيئته، ورأوا لوازم كل قول تقتضي فساده وتناقضه، فبقوا حائرين مرتابين جاهلين، وهذه حال من لا يحصى منهم، نسأل الله السلامة.
١٠ - أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له، وذلك يتضمن معرفته لما أبدعه من مخلوقاته، وهي المخلوقات المشهورة الموجودة من السماوات والأرض وما بينهما، فأخبر في الكتاب الذي لم يأت من عنده كتاب أهدى منه بأنه خلق أصول هذه المخلوقات الموجودة المشهودة في ستة أيام ثم استوى على العرش، فهذا إخبار عن العالم الموجود وابتداء خلقه، وأما ما خلقه قبل ذلك شيئًا بعد شيء فهذا بمنزلة ما سيخلقه بعد قيام القيامة، ودخول أهل الجنة وأهل النار منازلهما، وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته تفصيلًا.
١١ - أن الإقرار بأن الله لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء هو وصف الكمال الذي يليق به - سبحانه - وما سوى ذلك نقص يجب أن ينزه عنه، فإن كونه لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا على الفعل فإنه يقتضي أنه كان ناقصًا فاقدًا صفة القدرة التي هي من لوازم ذاته وهذا ممتنع: فإنه إذا لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا فلا بد من أمر جعله قادرًا بعد أن لم يكن، فإذا لم يكن هناك إلا العدم المحض امتنع أن يصير قادرًا بعد أن لم يكن، وكذلك يمتنع أن يصير عالمًا بعد أن لم يكن قبل هذا.
بخلاف الإنسان فإنه كان غير عالم وغير قادر ثم صار عالمًا قادرًا (١) .
وقد ناقش الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ الجهمية بقوله:
(ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم، حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلامًا، وقد جمعتم بين كفر وتشبيه، وتعالى الله عن هذه الصفة.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٧.
[ ٢٧٠ ]
بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم، حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة له، حتى خلق لنفسه القدرة، ولا نقول: إنه كان ولا نور له، حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه كان ولا عظمة له، حتى خلق لنفسه عظمة.
فقالت الجهمية - لما وصفنا الله بهذه الصفات -: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى، حين زعموا أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته.
قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته، ونوره، لا متى قدر ولا كيف.
فقالوا: لا تكونوا موحدين أبدًا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء، ولكنا إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟) (١) .
ثم ضرب للجهمية مثلًا بالنخلة لها جذع، وكرب، وليف، وسعف، وخوص، وجمّار، واسمها اسم شيء واحد، سميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله - وله المثل الأعلى بجميع صفاته - إله واحد.
وقال الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀:
(والله - تعالى وتقدس اسمه - كل أسمائه سواء. لم يزل كذلك، ولا يزال، لم تحدث له صفة، ولا اسم لم يكن كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة) (٢) .
_________________
(١) الرد على الجهمية والزنادقة (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص٩٠ - ٩٢) .
(٢) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ص٩.
[ ٢٧١ ]
والنفاة يزعمون أن الفعل ممتنع في الأزل، والأزل ليس شيئًا محدودًا يقف عنده العقل، بل ما من غاية ينتهي إليها تقدير الفعل إلا والأزل قبل ذلك بلا غاية محدودة.
ويضرب ابن تيمية ﵀ مثلًا لذلك بأنه لو فرض وجود مدائن أضعاف مدائن الأرض، في كل مدينة من الخردل ما يملؤها، وقدر أنه كلما مضت ألف ألف سنة فنيت خردلة: فني الخردل كله، والأزل لم ينته (١) .
فما من وقت يقدر إلا والأزل قبل ذلك؛ لأن الأزل يعني عدم الأولية، فهو ليس شيئًا محدودًا (٢) .
وما من وقت صدر فيه الفعل بالنسبة إلى الله ﷿ إلا وقد كان قبل ذلك ممكنًا وإذا كان ممكنًا فما الموجب لتخصيص حال الفعل بالخلق دون ما قبل ذلك فيما لا يتناهى؟ (٣) .
وبهذا يتضح أن المراد في حديث عمران (ت - ٥٢هـ) ﵁ هو الإخبار عن حدوث العالم المشهود الموجود؛ ولذا فإن أهل السنة يجعلون هذا الحديث من أدلتهم على حدوث العالم، ولهم أدلة أخرى نقلية، وعقلية متعددة:
أما الأدلة النقلية فمنها:
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] .
وقال - سبحانه -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١١، ١٢] .
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٨، وانظر: مثالًا قريبًا منه في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٨٤.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٧١، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٩.
(٣) انظر: هذه الردود بتفصيل في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٣ - ٢٤٣.
[ ٢٧٢ ]
والذي عليه سلف الأمة وأئمتها مع أهل الكتاب أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله وهي الدخان والبخار، وقد كان قبل خلق السماوات مخلوقات كالعرش والماء.
وقال الله -سبحانه-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٣٣] .
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] .
وقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١] .
وأما الأحاديث فمنها قوله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» (١) .
وثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت - ٦٥هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (٢) .
إضافة إلى حديث عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ وحديث القلم الذي مر ذكرهما قبل قليل.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٤٢٤ كتاب التوحيد باب وجوه يومئذ ناضرة، ومسلم في صحيحه ٣/١٣٠٥ كتاب القسامة باب تغليظ تحريم الدماء، وأبو داود في سننه ٢/٤٨٣ - ٤٨٥ كتاب المناسك، باب الأشهر الحرم، قال الخطابي في معالم السنن ٢/٤٨٤: (إنما أضاف الشهر إلى مضر؛ لأنها كانت تشدد في تحريم رجب، وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل، فأضيف الشهر إليهم لهذا المعنى) .
(٢) تقدم تخريجه ص٢٢٨.
[ ٢٧٣ ]
وأما الأدلة العقلية لإثبات حدوث العالم عند أهل السنة فيمكن أن نذكر بعضًا منها:
١ - أن يقال: إن كان حدوث الحوادث بلا سبب حادث جائزًا: أمكن حدوث العالم، وبطل القول بوجوب قدمه.
وإن كان ممتنعًا بطل القول بقدمه لامتناع حدوث الحوادث عن الموجب الأزلي، وبعبارة أخرى: إن كان تسلسل الحوادث ممتنعًا لزم حدوث العالم، وإن كان ممكنًا أمكن حدوث كل شيء منه بحادث قبله (١) .
٢ - أن يقال: إن العالم لو كان قديمًا: لكان إما واجبًا بنفسه وهذا باطل، فكل جزء من أجزاء العالم مفتقر إلى غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه.
وإما واجبًا بغيره: فيكون المقتضي له موجبًا بذاته، بمعنى: أنه مستلزم لمقتضاه، سواء كان شاعرًا مريدًا أم لم يكن، فإن القديم الأزلي إذا قُدِّر أنه معلول مفعول فلا بد له من علة تامة مقتضية له في الأزل، وهذا هو الموجب بذاته.
ولو كان مبدعه موجبًا بذاته علة تامة لم يتأخر عنه شيء من معلوله ومقتضاه. والحوادث مشهودة في العالم: فعلم أن فاعله ليس علة تامة، وإذا لم يكن علة تامة لم يكن قديمًا. (٢)
٣ - أن العالم ممكن الوجود، والممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثًا، وأما القديم الذي يمتنع عدمه فلا يقبل العدم (٣) .
٤ - أن العالم إذا كان تحله الحوادث من غيره دل على أن غيره متصرف فيه قاهر له تحدث فيه الحوادث ولا يمكنه دفعها عن نفسه.
_________________
(١) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٨١.
(٢) انظر: منهاج السنة لابن تيمية ٢/٢٧٣ - ٢٨٠.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٣٣١.
[ ٢٧٤ ]
وما كان مقهورًا مع غيره لم يكن موجودًا بنفسه، ولا مستغنيًا بنفسه، ولا عزيزًا ولا مستقلًا بنفسه، وما كان كذلك لم يكن إلا مصنوعًا مربوبًا فيكون محدثًا (١) .
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ إجماع أهل الملل والأديان على أن كل ما سوى الله فهو مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن (٢) .
وذكر أنه قد استقر في فطر الناس أن السماوات مخلوقة مفعولة، وقد أحدثها خالقها بعد أن لم تكن، ولم يخطر بالفطر السليمة أن السماوات والأرض قد خلقتا مع الله أزلًا (٣) .
وأما المتكلمون فلهم طرق متعددة في إثبات حدوث العالم (٤) . إلا أن أقواها عندهم هو دليل حدوث الأجسام، وهو ما سأذكره وأناقشه بشيء من الاختصار - بعد قليل -؛ ذلك أن الأدلة الأخرى قد زيفها أكثر متأخريهم وعقلائهم.
ومما له صلة بحدوث العالم عند المتكلمين مسألة (الجوهر الفرد) التي خاضوا فيها كثيرًا في كتبهم المتقدمة، وفي دراساتهم المتأخرة؛ ذلك أن إثبات الجوهر الفرد مرتبط بالقول بتناهي الأجسام، فهو يؤيد قولهم بحدوث العالم حين يردون على الفلاسفة، إذ هذا المصطلح مقابل مصطلح الهيولي والصورة (٥) عند الفلاسفة.
_________________
(١) انظر: الأدلة العقلية لأهل السنة. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٣٣١، الصفدية له ١/٧٤، ٨١، منهاج السنة النبوية ٢/٢٧٣.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/١٠، ١٣٠.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٦.
(٤) انظر: من كتب المتكلمين: الإنصاف للباقلاني ص٢٧، نهاية الإقدام للشهرستاني ص١١ - ٥٣، التوحيد لأبي منصور الماتريدي ص١٢، الأربعين في أصول الدين للرازي ١/٢٩، الإرشاد للجويني ص٣٩ - ٤٢، وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣٤٤ إلى نهاية الجزء، ٣/٣ - ٢٣، ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٥) الهيولى: كلمة يونانية الأصل، ويراد بها المادة الأولى، وهو كل ما يقبل الصورة، أي هو جوهر وجوده بالفعل إنما يحصل بقبول الصورة الجسمانية كقوة قابلة للصور، وليس لها وجود بالفعل بنفسها دون الصورة. انظر: مقاصد الفلاسفة للغزالي ٢/١٩، معيار العلم له ص٢٨٧ - ٢٨٨، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ٢/٥٣٦ - ٥٣٧، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة ص٢٠٨، فكرة الجوهر للطف ١٤٣ - ١٨١.
[ ٢٧٥ ]
وتأتي فكرة الجوهر الفرد في مقابل ما ذهب إليه النظام (١) من القول بإمكان تجزؤ الأجسام إلى ما لا نهاية، مما يؤدي إلى تقرير القول بقدم العالم (٢) .
فعلى مذهب المتكلمين أن الله أزلي قديم، وأن العالم مكون من جواهر وأعراض حادثة، وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ولا بد لهذه الجواهر والأعراض من محدث، وهو الله، والله يخلق هذه الأجزاء، ثم تفنى، ويعيد خلقها (٣) .
والجوهر الفرد هو المتحيز الذي لا ينقسم، والجزء الذي لا يتجزأ (٤) .
_________________
(١) النظام: إبراهيم بن سيار بن هاني البصري، أبو إسحاق النظام، من أئمة المعتزلة، وانفرد بآراء خاصة تبعه فيها جماعة أطلق عليهم (النظامية)، ت سنة ٢٣١هـ. انظر في ترجمته: لسان الميزان لابن حجر ١/٦٧، الفهرست لابن النديم الملحق ص٢، المنية والأمل للقاضي عبد الجبار ص٥٩.
(٢) انظر: قراءة في علم الكلام للجزيري ص٣٦ - ٤١.
(٣) انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للنشار ١/٤٧٦.
(٤) انظر: في تعريف الجوهر الفرد: المعجم الفلسفي إعداد مجمع اللغة ص٨٨ مادة (ذرة)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ١/٤٠٠ مادة (جزء)، ١/٤٢٤ - ٤٢٧ مادة (الجوهر)، ١/٥٨٨ مادة (الذرة) . وأما تعريف الجوهر المقابل للعرض عند المتكلمين والتفصيل فيه، فهذا كثير عند المتكلمين، وفي كتب التعريفات المنطقية، انظر على سبيل المثال: إثبات الجوهر الفرد للشهرستاني ملحق نهاية الإقدام ص٥٠٥ - ٥١٤، الأربعين في أصول الدين للرازي ٢/٣ - ١٨، والمباحث المشرقية له ١/٢٤٠ - ٢٥١، المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي (ضمن الفيلسوف الآمدي دراسة وتحقيق للأعسم ص١٠٩ - ١١١)، وانظر: حاشية تحقيق (المباحث المشرقية للرازي) للبغدادي ١/٢٤٠- ٢٤٢، فقد= = فصل وذكر مراجع كثيرة، وانظر: فكرة الجوهر في الفكر الفلسفي الإسلامي لسامي لطف، التصور الذري في الفكر الفلسفي الإسلامي لمنى أبو زيد.
[ ٢٧٦ ]
والجوهر الفرد أصوله يونانية، وأول من قال به من الإسلاميين أبو الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥هـ) من المعتزلة.
والكلام في الجوهر الفرد مقدماته طويلة، وهي من الكلام المذموم شرعًا، حتى حذّاق النظار، وأذكياء الطوائف حار كثير منهم في مسألة الجوهر الفرد، فتوقفوا فيها تارة، وجزموا أخرى (١) .
وإثبات حدوث العالم عن طريق الجوهر الفرد لا حاجة لنا به، ويتضح ذلك من أمور:
١ - أن العلم بحدوث ما يحدث، والاستدلال على ثبوت الصانع ليس مفتقرًا إلى أن يُعلم: هل في النطفة جواهر منفردة أو مادة؟ وهل ذلك قديم أو حادث؟. بل مجرد حدوث ما شُهد حدوثه يدل على أن له مُحدثًا، كما يدل حدوث سائر الحوادث على أن لها محدثًا.
٢ - أن الشك في حدوث الحيوان والنبات - عندهم - مبني على كونها من الجواهر المفردة أو المادة والصورة، وإمكان قدم الجواهر المفردة أو المادة. ومعلوم أن هذا لو كان صحيحًا، لكان من الدقيق الذي يحتاج إلى بيان، وهم لم يثبتوا ذلك، فذلك موضع اضطراب بين المتكلمين والفلاسفة.
٣ - أن حدوث ما يشهد حدوثه من الثمار والزروع والحيوان وغير ذلك أمر مشهود، فإن الإنسان إذا تأمل في خلق الله، وما يخرجه الله من الأرض من الزروع، وما يخرجه من الحيوان من النطفة والبيض أيقن بحدوث هذه الأعيان (٢) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/١٥٨، ٧/١٢٥ - ١٢٦، منهاج السنة النبوية له ٢/١٤١.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٨/٣١٨ - ٣٢٢.
[ ٢٧٧ ]
ويبين شيخ الإسلام ﵀ أن القول بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة قول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين (١) .
وذكر مضمون كلام القائلين بالجوهر الفرد وهو: (أن الله لم يخلق منذ خلق الجواهر المفردة شيئًا قائمًا بنفسه، لا سماءً، ولا أرضًا، ولا حيوانًا، ولا نباتًا، بل إنما يحدث تركيب تلك الجواهر القديمة فيجمعها ويفرقها، والحوادث المتتابعة أعراض قائمة بتلك الجواهر، لا أعيان قائمة بنفسها) (٢)، وقال بعد ذلك: إن (هذا خلاف ما دل عليه السمع والعقل والعيان، ووجود جواهر لا تقبل القسمة منفردة عن الأجسام مما يعلم بطلانه بالعقل والحس، فضلًا عن أن يكون الله تعالى لم يخلق عينًا قائمة بنفسها إلا ذلك) (٣) .
وذكر ﵀ جانبًا آخر من جوانب إثبات المتكلمين للجوهر الفرد وهو أن الأجسام لا يستحيل بعضها إلى بعض، بل الجواهر التي كانت مثلًا في الأول، هي بعينها باقية في الثاني، وإنما تغيرت أعراضها، وقال بعد ذلك: (هذا خلاف ما أجمع عليه العلماء - أئمة الدين وغيرهم من العقلاء - من استحالة بعض الأجسام إلى بعض، كاستحالة الإنسان وغيره من الحيوان بالموت ترابًا، واستحالة الدم والميتة والخنزير وغيرها من الأجسام النجسة ملحًا أو رمادًا، واستحالة العذرات ترابًا، واستحالة العصير خمرًا، ثم استحالة الخمر خلًا، واستحالة ما يأكله الإنسان ويشربه بولًا ودمًا وغائطًا ونحو ذلك) (٤) .
إن الأجسام إذا صغرت أجزاؤها فإنها تستحيل كما هو موجود في أجزاء الماء إذا تصغّر فإنه يستحيل هواء، فلا يبقى موجود ممتنع من القسمة، بل يقبل
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢/١٣٩.
(٢) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢/١٣٩.
(٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢/١٣٩.
(٤) منهاج السنة النبوية ٢/١٤٠.
[ ٢٧٨ ]
القسمة إلى حد ثم يستحيل إذا كان صغيرًا، وليس استحالة الأجسام في صغرها محدودًا بحد واحد، بل قد يستحيل الصغير، وله قدر يقبل نوعًا من القسمة، وغيره لا يستحيل حتى يكون أصغر منه (١) .
ودليل حدوث الأجسام عند المتكلمين يقوم على أربع دعاوى:
أ - إثبات الأعراض.
ب - إثبات حدوث الأعراض.
ج - استحالة تعري الأجسام عن الأعراض.
د - ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، لاستحالة حوادث لا أول لها، أو: كل ما لا يخلو من الحوادث وهو لا يسبقها فهو إذًا حادث (٢) .
ويمكن أن يجاب عن دليل حدوث الأجسام عند المتكلمين بأجوبة عديدة منها:
١ - أن الاستدلال بحدوث الأعراض ليس من أصول الدين، ولم يثبت أن النبي ﷺ دعا الناس إلى الالتزام بها؛ لذا ذم سلف الأمة وأئمتهم الاستدلال به وبغيره مما لم يثبت عن النبي ﷺ، ثم أعرضوا عنه لطول مقدماته، وللخوف على سالكيه من الشك والارتياب (٣) .
٢ - أن العقل يعلم بطلان هذا الدليل: يقول ابن تيمية ﵀: (انظر في هذا الأصل الذي اتبع فيه متأخروهم لمتقدميهم من إثباتهم حدوث العالم
_________________
(١) انظر: في مناقشة فكرة الجوهر الفرد عند ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٥، شرح حديث النزول ص٢٤٤ - ٢٥٢، الصفدية ٢/٢٢٩، وانظر: في مناقشة القائلين بأن الجزء يتجزأ إلى ما لا نهاية: الصفدية ١/١١٨، بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٥.
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني ٢٧ - ٢٨، نهاية الإقدام للشهرستاني ٢٧ - ٢٨، المواقف للإيجي ٢٤٤ - ٢٤٨، الأربعين في أصول الدين للرازي ١/٣٢ - ٨١، التوحيد للماتريدي ١١ - ١٧، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ١١٣ - ١١٥، وانظر: مذاهب الإسلاميين لبدوي ١/١٧٤.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٩، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٣٩، منهاج السنة النبوية له ١/٣٠٣.
[ ٢٧٩ ]
والأجسام بهذه الطريق: هل هي طريقة صحيحة في العقل أم لا؟ وهل هي موافقة للشرع أم لا؟ فاعرضها على الكتاب والميزان، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فأعرض عما يذكرونه (١) بما ثبت من كتاب الله وسنة رسوله، وما ثبت عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين.
وزنه أيضًا بالميزان الصحيحة العادلة العقلية، واستعن على ذلك بما يذكره كل من النظار في هذه الطريقة وأمثالها، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، ولا تتبع الظن فإنه لا يغني من الحق شيئًا) (٢) .
٣ - أنه يلزم من هذا الدليل لوازم فاسدة كنفي الصفات عن الله ﷿ مطلقًا، أو نفي بعضها، والقول بخلق القرآن، وإنكار العلو، ونفي القدرة على الفعل قبل بدء الخلق - على مذهبهم - والترجيح بلا مرجح وغيرها، وكل هذا خلاف الكتاب والسنة (٣) .
٤ - أن إثبات المتكلمين حدوث العالم من طريق حدوث الأجسام هو سبب تسلط الفلاسفة عليهم، فحين استدل المتكلمون بالأدلة السمعية والعقلية استدلالًا خاطئًا، تسلط عليهم الفلاسفة لما ظن الفلاسفة أنه ليس في إثبات حدوث العالم أو قدمه إلا قولان: قول المتكلمين، وقولهم، وقد رأوا أن قول المتكلمين باطل، فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، وظنوا أنهم إذا قدحوا في أدلة المتكلمين يكونون قد قدحوا في أدلة الشرع، فالمتكلمون - كما يقول شيخ الإسلام عنهم -: لا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، بل سلطوا الفلاسفة عليهم، وعلى الإسلام (٤) .
_________________
(١) في نسخة: فاعرض ما يذكرونه، ولعل هذا هو الأصوب.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٧٦.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٩ - ٤٠، شرح حديث النزول ص٤١٦ - ٤١٨.
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٤٠، ١٨/٢٢٤ - ٢٢٥.
[ ٢٨٠ ]
٥ - أن المتكلمين المقرين بهذا الدليل قد اختلفوا في كثير من جزئياته وتفاصيله، فالبعض يقر ببعض المقدمات، والبعض يرد على هذه المقدمات التي يترتب بعضها على بعض. (١)
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن طريقة إثبات الصانع التي لا تكون إلا بإثبات حدوث العالم، ولا يكون إثبات حدوث العالم إلا بإثبات حدوث الأجسام هي أساس الكلام الذي اشتهر ذم السلف والأئمة له.
والذامون لهذه الطريقة نوعان:
منهم من يذمها؛ لأنها بدعة في الإسلام، فإنا نعلم أن النبي ﷺ لم يدع الناس بها ولا الصحابة؛ لأنها طويلة مخطرة كثيرة الممانعات والمعارضات، فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه، وهذه طريقة الأشعري (ت - ٣٢٤هـ) في ذمه لها، فبعد أن بين أن طريقة الرسول ﷺ أوضح من طريقة المتكلمين، بيّن ﵀ بعض أوجه القصور في دليل المتكلمين إذ يقول عن طريقة المتكلمين إنه: (لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها، فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها، والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها وليس يحتاج - أرشدكم الله - في الاستدلال بخبر الرسول ﵊ على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك؛ لأن آياته، والأدلة على صدقه محسوسة مشاهدة، قد أزعجت القلوب، وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه) (٢) .
وإن كان الأشعري (ت - ٣٢٤هـ) والخطابي (٣)،
_________________
(١) انظر: بيان ذلك في عرض أدلة حدوث العالم عند المتكلمين على سبيل المثال: درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٤٤، ٣/٣ - ١٨، ٣٥٠، ٤٤٨، الأربعين في أصول الدين للرازي ١/٢٩ - ٨١، انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ٣/٩٨٦ - ٩٩٠.
(٢) رسالة الثغر ص٥٣ - ٥٤.
(٣) الخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، أبو سليمان الخطابي، إمام علامة حافظ لغوي، له مصنفات كثيرة، ت سنة ٣٨٨هـ. انظر في ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي ٣/٢٨٢، بغية الوعاة للسيوطي ١/٥٤٦.
[ ٢٨١ ]
والغزالي (١) وغيرهم لا يفصحون ببطلانها.
ومنهم من ذمها؛ لأنها مشتملة على مقدمات باطلة لا تحصل المقصود بل تناقضه (٢) .
_________________
(١) الغزالي: محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد، أصولي فيلسوف أشعري متصوف، أكثر من التصنيف، رحل لطلب العلم، واعتزل الناس مدة، وقد تاب في آخر عمره، ت سنة ٥٠٥هـ. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٩/٣٢٢، شذرات الذهب لابن العماد ٤/١٠.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٢٧٥، وقد فصل شيخ الإسلام ﵀ في الرد على دليل حدوث الأجسام في كثير من كتبه، وفي مواضع متعددة من الكتاب الواحد، وناقش هذا الدليل من جوانب متعددة، انظر على سبيل المثال من كتبه: الصفدية ١/٣٣، ٢٧٥، ٢/١٢، ١١٤ - ١١٧، درء تعارض العقل والنقل ١/٣٩ - ٤٥، ٢/٩٩ - ١٨٨، ٣/٣١ - ٦٧، ٤٤٨، ٨/٣٢٥، ٣٣٦، منهاج السنة النبوية ١/٣٠٠ - ٣٠٤، بيان تلبيس الجهمية ١/١١٧، ١٧٦ - ١٨٢، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٠٣ - ٣٠٤، ٥/٥٤٣ - ٥٤٤، وغيرها.
[ ٢٨٢ ]
المبحث الثاني
دعوى أن قول شيخ الإسلام بإمكان حوادث لا أول لها
يستلزم القول بقدم العالم ومناقشتها
المطلب الأول
دعوى أن قول شيخ الإسلام بإمكان حوادث لا أول لها يستلزم القول بقدم العالم
ادعى المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يقول بقدم العالم بناء على قوله ﵀ بإمكان حوادث لا أول لها، ظنًا منهم أنه ليس في المسألة إلا قولان: قول المتكلمين الذين يرون امتناع حوادث لا أول لها ردًا على القائلين بقدم العالم، وقول الفلاسفة الذين يرون قدم العالم، فقال أبو بكر الحصني (ت - ٨٢٩هـ) في رده على ابن تيمية ﵀ (مبحث الرد عليه في القول بقدم العالم) (١) .
وقال آخر عن ابن تيمية ﵀: (أنه أثبت قدم الزمان) (٢) .
ويدّعون أن ابن تيمية ﵀ هو أوّل من قال بإمكان حوادث لا أول لها، كما يقول علي السبكي (ت - ٧٥٦هـ): (هذا هو الذي ابتدعه ابن تيمية والتزم به حوادث لا أول لها) (٣) . وحين يجدون ابن تيمية ﵀ يستدل بأقوال السلف، يبدأون بالإجابة عن هذه النصوص واحدًا تلو الآخر، ولا يجدون لها مخرجًا،
_________________
(١) دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد ص٦٠.
(٢) انظر: المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية للحبشي ص٦٨.
(٣) السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل ص٦٣.
[ ٢٨٣ ]
إلا أن يقولوا عن الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ إنه كان فيما سبق لا يخوض في صفات الله - سبحانه - ويصفون هذه بطريقة السلف، ثم انخدع بالكرامية، وأصبح مجسمًا مختل العقل عند تأليفه النقض (١) .
ويزعم المناوئون أن ابن تيمية ﵀ قد استفاد هذا القول من الفلاسفة، وبالأخص من متأخريهم، قال أحدهم: (اتفقت فرق المسلمين - سوى الكرامية وصنوف المجسمة - على أن الله - سبحانه - منزه من أن تقوم به الحوادث، وأن تحل به الحوادث، وأن يحل في شيء من الحوادث، بل ذلك مما علم من الدين بالضرورة، ودعوى أن الله لم يزل فاعلًا متابعة منه للفلاسفة القائلين بسلب الاختيار عن الله - سبحانه -) (٢) .
وقال آخر: (ابن تيمية قد أخذ هذه المسألة - أعني قوله بقدم نوع العالم - عن متأخري الفلاسفة؛ لأنه اشتغل بالفلسفة) (٣) .
وانتقدوا عليه ﵀ قوله بقدم النوع، وحدوث الأفراد فقالوا: إنه يقول بـ (القدم النوعي في الكلام، مع أنه لا وجود للكلي إلا في ضمن الأفراد، فلا معنى لوصف النوع بالقدم، بعد الاعتراف بحدوث كل فرد من أفراده) (٤) .
وقال: (عدم فناء النوع في الأزل بمعنى قدمه، وأين قدم النوع من حدوث أفراده؟ وهذا لا يصدر إلا ممن به مس بخلاف المستقبل) (٥) .
ويقولون: إنه يرى أن جنس الحوادث أزلي كما أن الله أزلي، أي لم يسبق الله - تعالى - بالوجود (٦) .
_________________
(١) انظر: حاشية السيف الصقيل للكوثري ص٧١ - ٧٢.
(٢) السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٦.
(٣) المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية للحبشي ص٧٢، وانظر: ص٦٨.
(٤) السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٦٣.
(٥) السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٧٤، وانظر: المقالات للكوثري ص٣٩٦، ٤١٥، المقالات السنية للحبشي ص٦٥، ٦٦، ٧٤، التنبيه والرد للسقاف ص٦ - ٢٣.
(٦) انظر: المقالات السنية للحبشي ص٦٥.
[ ٢٨٤ ]
ولذلك قالوا عنه بأنه يقول بالقدم الجنسي للعرش، أي أن الله لا يزال يعدم عرشًا ويحدث آخر من الأزل إلى الأبد حتى يكون له الاستواء أزلًا وأبدًا (١) .
قال علي السبكي (ت - ٧٥٦هـ) في ابن تيمية ﵀:
يرى حوادث لا مبدا لأولها في الله - سبحانه - عما يظن به (٢)
وقد قال ابن حجر العسقلاني (ت - ٨٥٢هـ) عن مسألة إمكان حوادث لا أول لها: (وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية) (٣) .
وتتلخص الدعاوى في الآتي:
١ - استشناع القول بإمكان حوادث لا أول لها، وأنه أول من قال بهذا القول.
٢ - رد القول بالقدم النوعي، وحدوث الأفراد، وهذه تابعة للتي قبلها.
٣ - قولهم بأنه يرى قدم جنس العرش، وهذه تابعة للتي قبلها.
٤ - قولهم بأنه موافق للفلاسفة في هذا القول (٤) .
_________________
(١) انظر: المقالات السنية للحبشي ص٦٧، ٦٨، وانظر: حاشية الكوثري على السيف الصقيل ص٧٥، ابن تيمية ليس سلفيًا لمنصور عويس ص٢٤٢.
(٢) انظر: المقالات السنية للحبشي ص٦١، وانظرها في تحقيق صلاح الدين مقبول أحمد للحمية الإسلامية ص٣٢، ١٠٧.
(٣) فتح الباري ١٣/٤١٠.
(٤) ومن العجب أن يفهم الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ من ابن تيمية أنه يقول بأن العرش أول مخلوق، فقال في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٢٠٧ ضمن فوائد حديث: (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم)، قال: (وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن رسول الله ﷺ وإنما يقول به من قال كابن تيمية وغيره استنباطًا واجتهادًا) . وذكر - أيضًا - في ص٢٠٨: أن من فوائد الحديث: الرد على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق إلا ومسبوق بمخلوق قبله، وأن ابن تيمية أطال في رده على الفلاسفة بإثبات حوادث لا أول لها، وأنه جاء بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، وذكر أن ذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض، وود الألباني أن لم يلج ابن تيمية هذا المولج، وهذا عجيب من الألباني ﵀.
[ ٢٨٥ ]
المطلب الثاني
مناقشة الدعوى
الدعاوى الباطلة التي تثار إما أن تكون كذبًا من أصلها، بحيث لا يكون في كلام المدعى عليه شيء منها أصلًا، فالإجابة عن هذا سهلة، وهي بأن يقال له: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] .
وإما أن يكون في كلام المدعى عليه شيء من الدعوى، وأصل لها، لكن يدخل في ذلك:
إما اختلاف المعتقد بين صاحب الدعوى، وبين المدعى عليه، وإما سوء القصد من صاحب الدعوى، وإما سوء الفهم والجهل بقضية الدعوى، وقد تأتي إحدى هذه الاحتمالات منفردة، وقد تكون مجتمعة - أحيانًا - وقد وقعت هذه الاحتمالات في هذه الدعوى على ابن تيمية ﵀.
فأما استشناع المخالفين لابن تيمية ﵀ قول ابن تيمية بإمكان حوادث لا أول لها فإنما هو استشناع مذهب السلف الذي أقروا به وقرروه في كتبهم، وهذا ما قرره البحث في هذا الفصل بكل تفاصيله وتشعباته، فلسنا في حاجة إلى إعادة الكلام عنها، إذ بيّن البحث قول السلف في التسلسل وأنه يجوز في الماضي والمستقبل، وأن الله يفعل ما يشاء كما اتضح من كلام الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀، والإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀، وإنما كان بسط شيخ الإسلام ﵀ هذه المسائل أكثر ممن قبله؛ لكثرة المخالفة، ولاشتباه الحق بالباطل عند كثير من الناس (١) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٢٠٦، ٣/١٥٨.
[ ٢٨٦ ]
ويمكن بيان ما قرره ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة إجمالًا بأنه يرى جواز وإمكان حوادث لا أول لها - وليس بوجوب حوادث لا أول لها - فإن الواجب هو فعل الرب الذي هو صفته، فلم يزل - سبحانه - فعالًا، فالله - سبحانه - لا يزال يفعل - متى شاء كيف شاء، لم يكن الفعل ممتنعًا عليه فعله حتى فعله، بل كان ولا زال قادرًا على الفعل، وأنه لا دليل للمتكلمين على التفريق بين جواز دوام الحوادث في المستقبل، وفي الماضي، وأن الله قد أخبرنا عن بعض المخلوقات الموجودة قبل خلق السماوات والأرض وما بينهما، لكنه لم يخبرنا عن وقت خلقها، ولم يخبرنا هل هي أول المخلوقات أم لا؟، لأن ما خلقه الله قبل خلق السماوات والأرض شيئًا بعد شيء إنما هو بمنزلة ما سيخلق بعد قيام القيامة، ودخول أهل الجنة، وأهل النار منازلهما وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته تفصيلًا.
وأما استشناع ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فلأنه ﵀ لم يكن متخصصًا في دقائق المسائل العقدية، فقد كان جل اشتغاله بعلم الحديث وعلم الرجال، وإلا فإن هذا هو مذهب أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية من أهل البدع القائلين بامتناع حوادث لا أول لها والله أعلم (١) .
وأما قصيدة السبكي (ت - ٧٥٦هـ) التي نقم فيها على ابن تيمية ﵀ أنه يرى جواز حوادث لا أول لها، فقد عارضه يوسف السرمري (٢) بقصيدة طويلة ذكر
_________________
(١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٨٢، دفع الشبه الغوية لمراد شكري ص٥٦ - ٥٨، دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية لصلاح مقبول ٢/٤١٢ - ٤١٣.
(٢) السرمري: يوسف بن محمد بن سعود العبادي الدمشقي الحنبلي، أبو المظفر، الإمام العلامة الحافظ، كان كثير الرحلة في طلب العلم، مكثر من التصنيف وزادت مصنفاته عن مائة مصنف، ت سنة ٧٧٦هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٥/٢٤٩، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٢٤٩، بغية الوعاة للسيوطي ٢/٣٦٠.
[ ٢٨٧ ]
فيها مؤاخذات السبكي على ابن تيمية في قصيدته، ورد عليها واحدة واحدة، فكان رده على مسألة إمكان حوادث لا أول لها قوله:
أما حوادث لا مبدا لأولها فذاك من أغرب المحكي وأعجبه
قصّرت في الفهم فاقصر في الكلام فما ذا عشك ادرج فما صقر كعنظبه (١)
لو قلت قال كذا ثم الجواب كذا لبان مخطئ قول من مصوِّبه (٢)
أجملت قولًا فأجملت الجواب ولو فصلتَ فصلتُ تبيانًا لأغربه
إن قلت كان ولا علم لديه ولا كلام لا قدرة أصلًا كفرت به
أو قلت أحدثها بعد استحالتها في حقه سَمْتُ نقصٍ ما احتججتَ به
وكيف يوجدها بعد استحالتها فيه أيقدر ميت رفع منكبه
أو قلت فعل اختيار منه ممتنع ضاهيت قول امرئ مغوِ بأنصبه (٣)
ولم يزل بصفات الفعل متصفا وبالكلام بعيدًا في تقربه
سبحانه لم يزل ما شاء يفعله في كل ما زمن مامن معقبه
نوع الكلام كذا نوع الفعال قديـ ـم لا المعيّن منه في ترتبه
وليس يفهم ذو عقل مقارنة الـ ـمفعول مع فاعل في نفس منصبه
يحب يبغض يرضى ثم يغضب ذا من وصفه، أرضِهِ بُعدًا لمغضبه
والخلق ليس هو المخلوق تحسبه بل مصدر قائم بالنفس فادر به
وقول كن ليس بالشيء المكوَّن والصـ ـغير يعرف هذا مع تلعبه
فالمصطفى قال كان الله قبل ولا شيء سواه تعالى في تحجبه (٤)
_________________
(١) العنظب: هو الذكر من الجراد، انظر لسان العرب لابن منظور ١/٦٣١ مادة (عنظب) .
(٢) يبين ﵀ منهج المناوئين وهو الإجمال وعدم استطاعة التفصيل في عرض الدعاوى.
(٣) النصب: هو ما عبد من دون الله من الأحجار، وقد كانت حجارة تنصب حول الكعبة فيهل عليها، ويذبح لها من دون الله تعالى. انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٧٥٩ مادة (نصب) . القاموس المحيط للفيروزآبادي ١/١٣٧ مادة (نصب) .
(٤) انظر: الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية للسرمري تحقيق صلاح الدين مقبول ص٦٨ - ٧٥.
[ ٢٨٨ ]
وقد عارضت قصيدة السبكي (ت - ٧٥٦هـ) قصيدة أخرى (١) جاء فيها:
وخالق قبل مخلوق يكوّنه وقاهر قبل مقهور يكون به
وراحم قبل مرحوم فيرحمه ورازق قبل مرزوق بأضربه
عن أمره صدر المخلوق أجمعه والأمر ويحك لا شك يقوم به
وقد تكلم رب العرش بالكتب الـ ـمنزلات كلامًا لا شبيه به
ولم يزل فاعلًا أو قائلًا أزلًا إذا يشاء هذا الحق فارض به
هذي حوادث لا مبدا لأولها بالنص فافهمه يا نومان وانتبه
إذ هي صفات لموصوف تقوم به قديمة مثله من غير ما شُبه
ومذهب القوم مروها كما وردت من غير شائبة التكييف والشبه (٢)
وأما دعوى قول شيخ الإسلام بقدم النوع، وأن هذا يستلزم القول بقدم العالم، فيحتاج المجيب عن هذه الدعوى إلى بسط قول شيخ الإسلام حول هذه المسألة، ليُعرف هل قوله يستلزم ما ألزموه أم لا؟
إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أهمية مسألة التفريق بين دوام النوع، وحدوث الأفراد والأعيان، وبيّن أن من اهتدى إلى الفرق بين النوع والعين تبين له فصل الخطأ من الصواب في مسألة الأفعال، ومسألة الكلام والخطاب، وكشف له الحجاب عن الصواب في هذا الباب، الذي اضطرب فيه أولوا الألباب، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٣) .
وبين ﵀ أن التفريق بين النوع والعين هو الذي نطق به الكتاب والسنة والآثار، وأن الرب أوجد كل حادث بعد أن لم يكن موجدًا له، وأن كل ما
_________________
(١) قائلها: أبو عبد الله محمد بن يوسف الشافعي اليمني، لم يعثر له على ترجمة انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية مقدمة التحقيق ١/١٠٩، وتحقيق القصيدة لصلاح الدين مقبول ص٩٩.
(٢) انظر: تحقيق القصيدة مع تحقيق قصيدة الحمية الإسلامية لصلاح الدين مقبول ص١١٥ - ١١٦.
(٣) انظر: الصفدية ١/٦٥، ٢/١٤٠.
[ ٢٨٩ ]
سواه فهو حادث بعد أن لم يكن حادثًا، ولا يلزم أن يكون نفس كماله الذي يستحق متجددًا، بل لم يزل عالمًا قادرًا مالكًا غفورًا متكلمًا كما شاء، كما نطق بهذه الألفاظ ونحوها الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) وغيره من أئمة السلف (١) . وذكر أن أكثر أهل الحديث ومن وافقهم لا يجعلون النوع حادثًا، بل قديمًا، ويفرقون بين حدوث النوع، وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه، فإن نعيم أهل الجنة يدوم نوعه، ولا يدوم كل واحد من الأعيان الفانية.
ومن الأعيان الحادثة ما لا يفنى بعد حدوثه كأرواح الآدميين، فإنها مبدعة، كانت بعد أن لم تكن، ومع هذا فهي باقية دائمة (٢) .
والقول بقدم النوع لا ينفيه شرع ولا عقل، بل هو من لوازم كماله، كما قال - سبحانه - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] . والخلق لا يزالون معه، وليس في كونهم لا يزالون معه في المستقبل ما ينافي كماله، والعقل يفرق بين كون الفاعل يفعل شيئًا بعد شيء دائمًا، وبين آحاد الفعل والكلام، فيقول: كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون مسبوقًا بالفاعل وأن يكون مسبوقًا بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلًا وأبدًا.
وأما كون الفاعل لم يزل يفعل فعلًا بعد فعل فهذا من كمال الفاعل (٣)، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثًا، فلا بد أن يكون ممكنًا، والإمكان ليس له وقت محدود، فما من وقت يُقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فليس لإمكان الفعل وجواز ذلك وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكنًا جائزًا صحيحًا، فيلزم أنه لم يزل الرب قادرًا عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها (٤) . ولا يلزم من دوام النوع دوام كل واحد من أعيانه
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٤٠، الصفدية له ١/٦٥.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٤٨.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٧، ٢٣٩.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٥٩.
[ ٢٩٠ ]
وأشخاصه، ولذلك يفرق ابن تيمية ﵀ بين فعل الحوادث في الأزل، وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث.
فإن الأول يقتضي أن فعلًا قديمًا معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء.
والثاني يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئًا بعد شيء: فهذا يقتضي قدم نوع الفعل ودوامه، وذاك يقتضي قدم فعل معين (١) .
إن قول ابن تيمية ﵀ بقدم النوع، لا يعني مشاركة الخالق - سبحانه - في القدم، بل كل فعل فهو مسبوق بالعدم، وهو مسبوق بفاعله - أيضًا - كما قال ﵀:
(قولكم: الحادث - من حيث هو - يقتضي أنه مسبوق بغيره، أو الحركة من حيث هي، تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير.
يقال لكم: الحادث المطلق لا وجود له إلا في الذهن لا في الخارج (٢)، وإنما في الخارج موجودات متعاقبة، ليست مجتمعة في وقت واحد، كما تجتمع الممكنات والمحدثات المحدودة، والموجودات والمعدومات، فليس في الخارج إلا حادث بعد حادث، فالحكم: إما على كل فرد فرد، وإما على جملة محصورة، وإما على الجنس الدائم المتعاقب.
فيقال لكم: أتريدون بذلك أن كل حادث فلا بد أن يكون مسبوقًا بغيره، أو أن الحوادث المحدودة لا بد أن تكون مسبوقة، أو أن الجنس لا بد أن يكون مسبوقًا؟
أما الأول والثاني فلا نزاع فيهما، وأما الثالث فيقال: أتريدون به أن الجنس مسبوق بعدم، أم مسبوق بفاعله، بمعنى أن لا بد له من محدث؟
_________________
(١) انظر: الصفدية ٢/٤٩.
(٢) ذكر ابن تيمية ﵀ أن لفظ (الحادث) لفظ مجمل: يراد به النوع، ويراد به الشخص، انظر: درء تعارض العقل والنقل له ٤/١٦٠.
[ ٢٩١ ]
الثاني: مسلّم، والأول محل النزاع) (١) .
فقوله ﵀ الثاني مسلّم: أي جنس الحوادث مسبوق بفاعله.
وقال ﵀: (كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون مسبوقًا بالفاعل، وأن يكون مسبوقًا بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلًا وأبدًا فالفاعل يتقدم على كل فعل من أفعاله، وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق) (٢) .
وحين يناقش المتكلمين الذين يفرقون بين الماضي والمستقبل، يبين ﵀ أن لا فرق بينهما، فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها، فهي الآن معدومة، كما أن الحوادث المستقبلة الآن معدومة، فلا هذا موجود، ولا هذا موجود الآن، فكلاهما له وجود في غير هذا الوقت، ذاك في الماضي وهذا في المستقبل، وكون الشيء ماضيًا أو مستقبلًا أمر نسبي (٣)، وناقشهم في رأيهم بأن إمكان جنس الحوادث له بداية، بأنهم إذا أقروا بأن جنس الحوادث ممكن بعد أن لم يكن ممكنًا، فهذا دليل على ضعف حجتهم؛ لأن الإمكان ليس له وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الإمكان إلى الامتناع من غير حدوث شيء، ولا تجدد شيء، وهذا ممتنع في صريح العقل (٤) .
وأما اشتراطهم على دوام إمكان جنس الفعل والحوادث بكونها مسبوقة بالعدم، فهذا يتضمن الجمع بين النقيضين؛ لأن كون هذا لم يزل، يقتضي أنه لا بداية لإمكانه، وأن إمكانه قديم أزلي. وكونه مسبوقًا بالعدم يقتضي أن له بداية، وأنه ليس بقديم أزلي، فصار مضمون كلامهم: أن ماله بداية ليس له
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٩/١٥٣.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٧ - ٢٢٨.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/٥١ - ٥٢.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٥٩ - ١٦٠.
[ ٢٩٢ ]
بداية، فإن المشروط بسبق العدم له بداية، وإن قدر أنه لا بداية له كان جمعًا بين النقيضين (١) .
وفي مقابل رأي المتكلمين الذين يرون حدوث النوع وحدوث الأفراد، فقد ناقش ابن تيمية ﵀ رأي الفلاسفة الذين يرون قدم النوع وقدم الأعيان والأفراد: فذكر أولًا سبب قولهم وهو: أنهم لما اعتقدوا أن الفاعل يمتنع أن يصير فاعلًا بعد أن لم يكن، ويمتنع أن يحدث حادثًا لا في وقت، وأن الوقت يمتنع في العدم المحض ظنوا أنه يلزم قدم عين المفعول، فالتزموا مفعولًا قديمًا أزليًا لفاعل، وذكر أن هذا القول باطل (٢)، فليس شيء من أعيان الآثار قديمًا، لا الفلك، ولا غيره، ولا ما يسمى عقولًا ولا نفوسًا ولا غير ذلك، كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثرًا في مجموع الحوادث. بل التأثير الدائم الذي يكون شيئًا بعد شيء، وهذا من لوازم ذاته، فيكون مؤثرًا في حادث بعد حادث، وفي وقت بعد وقت (٣) .
وبعد مناقشاته ﵀ المتكلمين والفلاسفة بيّن منشأ غلط الطائفتين، في عدم تفريقها بين قدم النوع، وحدوث الأفراد، وأن هذا راجع إلى غلطهم في الحركة والحدوث ومسمى ذلك فقال:
(ومما يعرف به منشأ غلط هاتين الطائفتين غلطهم في الحركة والحدوث ومسمى ذلك. فطائفة - كأرسطو وأتباعه - قالت: لا يعقل أن يكون جنس الحركة والزمان والحوادث حادثًا، وأن يكون مبدأ كل حركة وحادث صار فاعلًا لذلك بعد أن لم يكن، وأن يكون الزمان حادثًا بعد أن لم يكن حادثًا فضلوا ضلالًا مبينًا مخالفًا لصريح المنقول المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، مع مخالفته لصريح المعقول.
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٦٠ - ١٦١، الصفدية له ١/٦٥.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٢٠٨.
(٣) انظر: الصفدية لاين تيمية ٢/٤٧.
[ ٢٩٣ ]
وطائفة ظنوا أنه لا يمكن أن يكون جنس الحركة والحوادث والفعل إلا بعد أن لم يكن شيء من ذلك، أو أنه يجب أن يكون لا على الجميع لم يزل معطلًا، ثم حدثت الحوادث بلا سبب أصلًا) (١) .
وذكر أن القول الأخير لم ينقل عن الأنبياء ولا عن أصحابهم، وهو - أيضًا - يخالف صريح العقل (٢) .
وبعد هذا: تبين واتضح أن شيخ الإسلام لا يقول بقدم العالم ولا بقدم شيء منه، وأن كل فعل فهو مسبوق بفاعله.
ومن ظن أن القول بقدم النوع يستلزم القول بقدم العالم، فإن هذا الظن راجع إلى أن هذا لم يعلم في المسألة إلا قولين: قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم إما صورته وإما مادته.. وقول من رد على هؤلاء من أهل الكلام.. الذين يقولون: إن الرب لم يزل لا يفعل شيئًا ثم أحدث الفعل بلا سبب أصلًا (٣) .
فالقول بقدم النوع لا يستلزم القول بقدم العالم (٤)، ولذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀ يقرر حدوث العالم في مواضع متعددة:
فقال ﵀: (وأما أهل الملل وأئمة الفلاسفة وجماهيرهم فيقولون: إن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وأن ما قامت به الحوادث من
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٤٢ - ٢٤٣، وانظر: في مناقشات الفلاسفة والمتكلمين حول الزمان والحدوث، والطروء والتغير: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٥، ٢٤٢، منهاج السنة له ١/١٥٤، ١٧٢، تهافت الفلاسفة للغزالي ص١٠٧ - ١١٦، ١٢٥، شرح المقاصد للتفتازاني ٢/١٨٤، قراءة في علم الكلام للجزيري ص٤٧ - ٦٥.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٢، منهاج السنة النبوية له ٢/١٣٨.
(٤) انظر: الصفدية لابن تيمية ٢/٥٠ - ٥١، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٩.
[ ٢٩٤ ]
الممكنات فهو مخلوق محدث) (١)
وقال: (كل ما سوى الرب حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو - سبحانه - المختص بالقدم والأزلية، فليس في مفعولاته قديم، وإن قدر أنه لم يزل فاعلًا، وليس معه شيء قديم بقدمه، بل ليس في المفعولات قديم ألبته، بل لا قديم إلا هو - سبحانه - وهو وحده الخالق لكل ما سواه، وكل ما سواه مخلوق كما قال - سبحانه - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]) (٢) .
وقال ﵀ (اتفق سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله كل ما سوى الله مخلوق، حادث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي، ليس معه شيء قديم تقدمه، بل كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن، فهو المختص بالقدم، كما اختص بالخلق والإبداع والإلهية والربوبية، وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له) (٣) .
وبهذا يتبين أن شيخ الإسلام يقرر حدوث العالم، وأن قدم النوع لا يستلزم قدم العالم، ما دام الفعل مسبوقًا بفاعله، كما عليه السلف والأئمة.
ويتبع القول بقدم النوع: ما افتراه المناوئون لابن تيمية أن يقول بقدم جنس العرش، وأنه لا زال يخلق عرشًا ويفني آخر، وهذا ادعاء لا أساس له من كلام شيخ الإسلام ﵀ (٤) .
_________________
(١) الصفدية ١/١٣٠.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٧٢.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/١٢٣ - ١٢٥، وانظر: في إثبات حدوث العالم عند ابن تيمية: الصفدية ١/٧٤، ٨١، درء تعارض العقل والنقل ١/٣٤٣، ٣٤٨، ٨/٢٨٧، ٢٩٠، منهاج السنة النبوية ١/٣٦٠ - ٣٦٤، ٢/٢٧٢ - ٢٧٣.
(٤) لم يذكر المناوئون نصًا عن ابن تيمية، وغاية ما هنالك أن جلال الدين الدواني ذكر في شرح العضدية أنه وقف على كلام لابن تيمية يقول فيه بقدم جنس العرش، ولم ينقله وهذا غير كاف، وانظر: المقالات السنية للحبشي ص٦٧، ابن تيمية ليس سلفيًا لعويس ص٢٤٢.
[ ٢٩٥ ]
بل المنقول عنه أن كل ما في العالم فهو محدث مخلوق، وليس مع الله قديم من مخلوقاته - كما تقدم بيانه قريبًا -.
ولا يزال ابن تيمية ﵀ يقرر هذه المسألة بعد أخرى، حتى لا يفهم منه أنه يقول بقدم شيء من العالم لا العرش ولا غيره.
وتحدث عن العرش - في مواضع متعددة - مبينًا أنه مخلوق بعد أن لم يكن، وأنه ليس بقديم، ومن هذا قوله ﵀:
(في الآثار المنقولة عن الأنبياء أنه كان موجودًا قبل خلق هذا العالم أرض وماء وهواء، وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام أخر، فإن العرش - أيضًا - مخلوق، كما أخبرتنا بذلك النصوص، واتفق على ذلك المسلمون) .
ففي هذا النص يصرح ابن تيمية ﵀ أن العرش مخلوق محدث بعد أن لم يكن، ويقرر أن هذا هو ما أخبرت به النصوص، واتفق عليه المسلمون (١) .
وقال في شرح حديث عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ عن الحديث إنه: (لم يذكر خلق العرش، مع أن العرش مخلوق أيضًا، فإنه يقول: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، وهو خالق كل شيء: العرش وغيره، ورب كل شيء: العرش وغيره) (٢) .
وقال عن الحديث - أيضًا -: (ليس في هذا ذكر أول المخلوقات مطلقًا، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء، وإن كان ذلك كله مخلوقًا كما أخبر به في مواضع أخر) (٣) .
وعلى هذا (فليس مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، لا بل هو خالق
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٤.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٧، ٢٣٢.
[ ٢٩٦ ]
كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن) (١) .
وأما القول بأن ابن تيمية يرى أن العرش أول المخلوقات فهذا غير صحيح، فترجيح ابن تيمية ﵀ كون العرش خلق قبل القلم، لا يعني أنه أول المخلوقات، ولم يتعرض لذلك ابن تيمية ﵀ لا من قريب ولا من بعيد، بل كان كثيرًا ما ينبه إلى أن النصوص لم تصرح ولم تدل على إثبات أول المخلوقات، فقال ﵀: (وأما في حديث عمران فلم يخبر بخلقه - أي العرش -، بل أخبر بخلق السماوات والأرض، فعلم أنه أخبرنا بأول خلق هذا العالم، لا بأول الخلق مطلقًا) (٢) .
وقال: (وإذا كان إنما قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله) لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق) (٣) .
وقال عن حديث عمران (ت - ٥٢هـ): (وليس في هذا ذكر أول المخلوقات مطلقًا) (٤) .
وقال عن الحديث السابق: (إن النبي ﷺ لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده قبل كل شيء، وبابتداء المخلوقات بعد ذلك) (٥) .
وأما الزعم بأن مذهب ابن تيمية ﵀ في قدم النوع موافق لرأي الفلاسفة، فهذا غير صحيح من وجهين:
الوجه الأول: أن شيخ الإسلام ﵀ وافق السلف في إثبات الصفات، وأن الله يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء ﷾.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٢٨.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٤.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٦.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢١٧.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٢٠، وبهذا يتبين خلط الشيخ الألباني ﵀ حين ذكر الخلاف في خلق العرش والقلم أيهما أولًا؟ ورجح أن القلم خلق أولًا، وظن أن القول بأن العرش خلق أولًا معناه أن العرش أول المخلوقات، واتضح خلطه ﵀ حين قال بأن ابن تيمية يرى أن العرش أول المخلوقات، ثم قال في الصفحة التي تليها بأن ابن تيمية يرى حوادث لا أول لها، فكيف يكون هذا؟
[ ٢٩٧ ]
وأما الفلاسفة فهم وإن أثبتوا دوام الفاعلية للرب لا عن اختيار ومشيئة، وأثبتوا وجود الله، فهم في الحقيقة معطلة لا يؤمنون بصفات الله ﷿ ولا بأسمائه، وقالوا: إن المخلوقات لازمة لله أزلًا وأبدًا.
الوجه الثاني: أن لازم مذهب الفلاسفة في قدم النوع، وقدم العين والفرد، هو التعطيل عن الفعل، إذ على قولهم: لم يزل الفلك مقارنًا له أزلًا وأبدًا فيمتنع أن يكون شيء مفعولًا له؛ لأن الفاعل لا بد أن يتقدم على فعله.
فهم عطلوا الرب عن الفاعلية التي هي أظهر صفات الرب - تعالى - ولهذا وقع الإخبار بها في أول ما نزل على الرسول ﷺ: ﴿قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١- ٥] فالخلق يتضمن فعل الله، وخلق الإنسان يعني خلق الله الأشياء شيئًا بعد شيء.
والتعليم يتضمن قول الله وتعليم الإنسان يعني دوام هذه الصفة وتكرارها شيئًا بعد شيء، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقال: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ١ - ٥] .
وترتب على هذا قول الفلاسفة بعدم علم الله بالجزئيات، وعلم الله إنما هو بالكليات، والكليات أمر ذهني لا وجود له في الخارج، وإذا لم يعلم شيئًا من الجزئيات لم يعلم شيئًا من الموجودات، فامتنع أن يعلّم غيره شيئًا من العلم بالموجودات المعينة؛ لأن من لا يعلم شيئًا يمتنع أن يعلم غيره (١) .
ويرى ابن تيمية أن قول الفلاسفة أردأ الأقوال في المسألة، ويفضل قول
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٩ - ٢٣٠.
[ ٢٩٨ ]
المتكلمين على قول الفلاسفة، فالمتكلمون أقرب إلى الإسلام والسنة من الفلاسفة، وإن كانوا ضالين فيما خالفوا به السنة، وذلك من وجوه:
أحدها: أن يقول المتكلمون للمتفلسفة: أنتم ادعيتم قدم العالم، بناء على قدم الزمان - عندكم -، ووجوب دوام فاعلية الرب، ونحو ذلك، مما غايتكم فيه إثبات دوام الحوادث، إذ ليس في حججكم هذه وأمثالها ما يدل على قدم شيء من العالم لا السماوات التي أخبرنا الله أنه خلقها والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا غير ذلك.
الثاني: أن يقال: دوام فاعلية الرب - تعالى - ودوام الحوادث، يمكن معه أن تدوم الأفعال التي تقوم بالرب بمشيئته وقدرته، وتحدث شيئًا بعد شيء، وأن تحدث حوادث منفصلة شيئًا بعد شيء، وعلى كل من التقديرين فلا يكون شيء من العالم قديمًا.
الثالث: أن يقال للفلاسفة: ما ذكرتموه من الأدلة العقلية الموجبة لدوام فاعلية الرب ودوام الحوادث يدل على نقيض قولكم لا على وفقه، فإن هذا يقتضي أن واجب الوجود لم يزل يفعل ويحدث الحوادث، وأنتم على قولكم يلزم ألا يكون أحدث شيئًا من الحوادث (١) .
وقد رد شيخ الإسلام ﵀ على القائلين بقدم العالم، وأطال النفس في ذلك. وبين أن جماهير العقلاء، وأهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس (٢)، وأصناف المشركين، وجماهير أساطين الفلاسفة لا يقولون بقدم العالم، وهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، وأن هذا
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩/٢١١ - ٢١٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٤.
(٢) المجوس: هم الذين أثبتوا أصلين للعالم، جعلوهما خالقين معبودين: هما النور والظلمة، يعبدون النار ويستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وهم لهم شبهة كتاب. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١٢٠ - ١٢١، البرهان للسكسكي ص٩٠ - ٩١، رسالة في الرد على الرافضة للمقدسي ص١٣٤.
[ ٢٩٩ ]
العالم كله مخلوق والله خالقه وربه (١) .
وذكر أن الفلاسفة الأوائل كانوا مقرين بحدوث العالم، وأن أول من اشتهر عنه القول بقدم العالم هو أرسطو (ت - ٣٢٢ق. م) (٢) .
وليس مع الفلاسفة دليل على قدم العالم، أو قدم شيء منه، وعامة حججهم إنما تدل على قدم نوع الفعل، وليس في شيء من أدلتهم ما يدل على قدم الفلك، أو شيء من حركاته، ولا قدم الزمان الذي هو مقدار حركة الفلك (٣) .
وكل ما يحتج به الفلاسفة في إثبات قدم العالم فإنه يلزم من القول به من المحذور أعظم مما فرّ منه، ويدل على نقيض ما يقصد، حتى يؤول الأمر إلى أن يعترف المبطل ببطلان قوله، وبطلان كل ما يدل على قوله، أو ينكر الوجود بالكلية. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] (٤) .
ولازم القول بقدم العالم هو التسلسل في المؤثرات وهذا مما اتفق على بطلانه حتى الفلاسفة أنفسهم، ويلزم أيضًا من القول بقدم العالم أن يكون الفاعل مستلزمًا لمفعوله، لا يجوز أن يتراخى عنه مفعوله. فإن الفاعل لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يجب اقتران مفعوله به.
وإما أن يجب تأخر مفعوله عنه.
وإما أن يجوز فيه الأمران.
فلو كان العالم قديمًا لم يجز أن يكون فاعله ممن يجب أن يتراخى عنه مفعوله؛ لأن ذلك جمع بين النقيضين: كيف يكون مفعوله قديمًا أزليًا، ويكون متأخرًا عنه حادثًا بعد أن لم يكن؟
_________________
(١) انظر: شرح حديث النزول ص٤٤٤ - ٤٤٥.
(٢) انظر: الصفدية ١/١٣٠، ٢٣٦، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٦٧.
(٣) انظر: الصفدية ١/٥٩، ١٣١، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٤ - ٢٣٥.
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/١٤٨.
[ ٣٠٠ ]
وأما الاحتمال الثالث وهو جواز الأمرين فهو باطل؛ لأنه يجعل وجود المفعول ممكنا، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، والقول في المرجح كالقول في غيره إذ لا يخلو من الأقسام الثلاثة المذكورة.
فتبين أن العالم لو كان قديمًا للزم أن يكون مبدعه مستلزمًا له، ووجود المؤثر التام في الأزل ممتنع، ذلك أن أثره إن كان خاليًا من الحوادث لزم أن لا يكون في العالم شيء من الحوادث، وهذا خلاف الحس.
وأما إن كان أثره متضمنًا للحوادث، فهذا ممتنع؛ لأنه يلزم منه صدور ما فيه الحوادث عما لا حوادث فيه، فالحوادث هي - أيضًا - من الصادر عنه.
وفي الجملة: فقدم العالم لا يكون إلا مع كون المبدع واجبًا بذاته (١)، وصدور الحوادث عن الموجب بذاته ممتنع، فصدور العالم عن الموجب بذاته ممتنع، فقدم العالم ممتنع (٢)
وقول الفلاسفة في قدم العالم باطل من وجوه كثيرة منها:
١ - أن عمدة رأي الفلاسفة في قدم العالم هو امتناع حدوث الحوادث بلا سبب حادث، فيمتنع تقدير ذات معطلة عن الفعل لم تفعل، ثم فعلت من غير حدوث سبب. وهذا لا يدل على قدم العالم ولا قدم شيء منه، وإنما يدل على قدم نوع الفعل، وأن الله لا زال فعالًا (٣) .
٢ - أن يقال: دوام الحوادث في الماضي: إما أن يكون ممتنعًا، وإما أن يكون ممكنًا، فلو كان ممتنعًا بطل قولهم، وعلم أن الحوادث لها ابتداء.
وإن كان ممكنًا: أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة مسبوقة بحوادث
_________________
(١) الموجب بذاته: هو الذي يكون وجوده من ذاته، لا يحتاج إلى شيء أصلًا، وهو الموجود الذي يمتنع عدمه امتناعًا تامًا، وليس الوجود له من غيره، بل من ذاته. انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا ٢/٥٤١ - ٥٤٢.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٢٧، ٧٥ - ٧٧.
(٣) انظر: منهاج السنة لابن تيمية ١/١٤٨ - ١٤٩، الصفدية له ١/١٣٢.
[ ٣٠١ ]
قبلها، كما قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وعلى التقديرين فلا يلزم قدم العالم (١) .
٣ - أن القول بقدم العالم يتضمن وجود حوادث لا تتناهى في آنٍ واحد، وهذا محال باتفاقهم مع جماهير العقلاء، بل يتضمن وجود تمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد، ووجود ممكنات لا تتناهى في آن واحد، وهذا مما يصرحون بامتناعه، مع قيام الدليل على امتناعه، ويتضمن امتناع وجود حادث، ويتضمن وجود الحوادث بلا مؤثر تام، وكل هذا ممتنع.
٤ - أن وجود حوادث لا أول لها إنما يمكن في القديم الواحد، فإذا قدّر قديمان: كل منهما تقوم به حوادث لا تتناهى، كما يقولونه في الأفلاك، فهذا ممتنع؛ لأن كلًا منهما لا بداية لحركاته ولا نهاية، مع أن أحدهما أكثر من الآخر، وما كان أكثر من غيره كان ما دونه أقل منه، فيلزم أن يكون ما لا أول له ولا آخر يقبل أن يُزاد عليه ويكون شيء آخر أكثر منه، وهذا ممتنع (٢) .
وبهذا يتضح أن ابن تيمية ﵀ لم يكن يقول بقول الفلاسفة، ولم يكن يرتضيه، بل كان رده عليهم كثيرًا وصريحًا في بيان خطئهم.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/١٣١.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨/١٦١ - ١٦٣، وقد فصل شيخ الإسلام الرد على الفلاسفة في قولهم بقدم العالم في كثير من كتبه، إلا أن حديثه عن هذه المسألة تركز في ثلاثة من كتبه تقريبًا وهي: الصفدية، ودرء تعارض العقل والنقل وخاصة الجزء الثامن، ومنهاج السنة النبوية الجزء الأول والثاني، وانظر على سبيل المثال: الصفدية ١/٢٠، ٢٧، ٤١، ٥٩، ٧٥، ١٢٨، ١٣٠ - ١٣٤، ٢٣٦، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢/١٧٤، منهاج السنة النبوية ١/١٤٨ - ٢١٣، درء تعارض العقل والنقل ٢/١٦٧، ٢٨٢، ٨/١٦١، ٢٩٣، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٨/٢٣٤. وانظر بعد ذلك: تهافت الفلاسفة للغزالي ص٨٩، لباب العقول للمكلاتي ص١٥٤، الذخيرة للطوسي ص١٣ - ٧١.
[ ٣٠٢ ]