بيان المنهج والأسلوب الصحيحين للأخذ بالسنة والدعوة إليها
المظاهر والأدلة
المنهج والأسلوب الصحيحان في الأخذ بالسنة والدعوة إليها
- المَظَاهِرُ والأدلة-
لكلٍ من المنهج والأسلوب ارتباطٌ وثيق بالفكرة -أيّ فكرة- وبطريقةِ عرْضها. ولأثر كلٍ منهما انعكاسٌ تلقائي على الفكرة، وكم من قضية كانت حقًا ولكن أساء إليها منهجُ أو أسلوبُ عرْضها.
ولا يكفي أن تكون الدعوى صحيحة لِيَقْبَلها الناس، حتى تُعْرَض عليهم بما يناسبها من المنهج والأسلوب الصحيحين.
وهذا هو الأمر الذي يَفْرِضه الإسلام على الداعية حين يدعو إلى شيء من هَدْي الدين؛ فأوجب أن يُدْعى إليه بمنهجٍ سديد وأسلوب صحيح، وإلا فلا يَسُوغ لغير القادر أن يسيء إلى هذا الدين بأخطائه الشخصية منهجًا أو أسلوبًا، وأنّ عليه -إذا كان غير متأهّلٍ للدعوة إليه-أن يتأهّل أَوّلًا، قبل أن يدعو إليه.
والأدلة الموجبة لاتّباع المنهج والأسلوب الصحيحين كثيرة، وسأقتصر هنا على ذكر بعض الآيات والأحاديث في الموضوع، ومن ذلك:
١- اتخاذ الرسول ﷺ أُسوةً حسنة:
قال الله تعالى آمرًا بالاقتداء برسوله ﷺ والأخذ بسنته والاهتداء بهدْيه:
[ ٤٠ ]
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ ١.
وقال ﷺ: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" ٢ وقال: "خذوا عنّي مناسككم فإني لا أدري، لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه" ٣.
٢- الدعوة على بَصيرةٍ:
قال تعالى في أهمية البصيرة في الدعوة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤.
وقال ﷺ: "من يُرِد الله به خيرًا يفقّهه في الدّين" ٥.
_________________
(١) ١ ٢١: الأحزاب: ٣٣. ٢ أخرجه البخاري: ١٠- الأذان، ١٨- باب الأذان للمسافر، فتح الباري:٢/١١١ من حديث مالك بن الحويرث، ﵁، وأخرجه أيضًا في كتاب الأدب، باب٢٧، وأخرجه أحمد في المسند: ٥/٥٣. ٣ أخرجه أحمد بن حنبل: ٣/٣٣٧، ٣٣٨، ومسلم: ١٥-الحج، ح٣١٠٢/٩٤٣، وأبو داود: ٥-المناسك، باب رقم٧٨،٢/٤٩٦، والنسائي: الحج، باب الركوب إلى الجمار ح٣٠٦٤، ٥/٢١٩. ٤ ١٠٨:يوسف:١٢. ٥ أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، منها: ٥٧-فرْض الخمس، ٧-باب قول الله تعالى: ﴿فأَنّ لله خُمُسَهُ وللرسول﴾، الفتح٦/٢١٧، و٩٦-الاعتصام بالكتاب والسنّة، ١٠- باب قول النبيّ ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين "، ١٣/٢٩٣، وأخرجه مسلم: ٣٣-كتاب الإمارة ح١٧٥، ٣/١٥٢٤، وأخرجه في الكتاب نفسه ح١٠٠، وأخرجه الترمذي وغيرهم.
[ ٤١ ]
٣- الحكمة والرفق في الدعوة:
قال سبحانه في أهمية: الحكمة١، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾ ٢.
وقال ﷺ: "من يُحْرم الرفق يُحْرم الخير" ٣.
وقال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنْزع من شيء إلا شانه" ٤.
وقال: "إن الله رفيق يُحِبُّ الرفْق في الأمر كله" ٥.
وقال: "يَسِّروا ولا تُعسّروا وَبشِّروا ولا تُنفّروا" ٦.
_________________
(١) ١ يُنظر الموضوع الآتي بعنوان: الحكمة في الدعوة إلى السنّة وصُوَرٌ مِن مظاهرها، ويُنظر تفنيد الشبهة المثارة حول هذا المبدأ في الموضوع الآتي بعنوان: أحاديث ظاهرها يُعارِض مبدأ الرفق والحكمة. ٢ ١٢٥: النحل: ١٦. ٣ أخرجه مسلم: ٤٥- كتاب البر والصلة والآداب، ح٧٤-٧٦ ٤/٢٠٠١، وأخرجه ابن ماجه: ٣٣- كتاب الأدب، ٩- باب الرفق ٢/١٢١٦، وأحمد في المسند: ٤/٣٦٢،٣٦٦. ٤ أخرجه مسلم، في الموضع السابق، ح٧٨ ٤/٢٠٠، وأخرجه أبو داود ٩- الجهاد، ١- باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو ٣/٧، وأخرجه أحمد ٦/٥٨ و١١٢، و١٢٥ و١٧١، و٢٠٦، و٢٢٢. ٥ أخرجه البخاري: ٨٨- استتابة المرتدين، ٤- إذا عرّض الذمي أو غيره بسبّ النبي ﷺ، الفتح ١٢/٢٨٠، وفي مواضع أُخَرَ. وأخرجه مسلم في مواضع متعددة، منها الموضع السابق، ح٧٧، وأخرجه ابن ماجه: ٣٣- كتاب الأدب، ٩- باب الرفق ٢/١٢١٦ وغيرهم. ٦ أخرجه البخاري عن أنس، ٣-كتاب العلم، ١١- باب ما كان النبي ﷺ يتخوّلهم بالموعظة والعلم كي لا يَنْفِرُوا، الفتح ١/١٦٣، وفي مواضع أخر. وأخرجه مسلم في: ٣٢- الجهاد، ح ٤، وفي مواضع أُخَرَ، وأحمد في مواضع متعددة منها: ١/٢٢٩و٢٨٣.
[ ٤٢ ]
وفي الآية الآتية إشارة إلى أهمية المنهج الصحيح في مجادلة المخالفين من الكافرين من أهل الكتاب، فهي تَنْهى المؤمنين عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، وليس هذا فحسب بل الآية تأمر المؤمنين بإعلان الحق الذي يؤمنون به ويدعوهم إليهم دِينُهم، ومِنْ ذلك ما يوافقهم عليه أهل الكتاب من أصول الإيمان، وفي هذا إشارة إلى عدم تحاشي إعلان الحق الذي يشاركنا في الإيمان به أهل الكتاب: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُم وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ ١.
بل تذهب الآية الآتية إلى أبعدَ مِنْ هذا، إذ تأمر المؤمنين أن يبتعدوا عن سبّ الآلهة الزائفة التي يعبدها المشركون من دون الله، ومع أن مثل هذا المسلك حق في ذاته إلا أنه قد يجرّ المشركين إلى أن يسبّوا الله عَدْوًا بغير علم، فلهذا نهى الله المؤمنين عن سبّ آلهة المشركين الزائفة، وفي هذا تفقيه للمؤمنين وأَمْر لهم أن ينظروا في عواقب الأمور وفي تحقيق المقاصد الشرعية: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًَا بِغَيْرِ عِلْم﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ٤٦: العنكبوت: ٢٩. ٢ ١٠٨: الأنعام: ٦.
[ ٤٣ ]
٤- تبليغ الدعوة البلاغ المبين:
قال تعالى مبيّنًا لعباده المؤمنين أهمية البلاغ والبيان وضرورة العناية بهما وبما يحققهما من الوسائل: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
٥- العناية بفقه الدين وفقه الدعوة إليه:
قال تعالى في أهمية الفقه في الدين والدعوة إليه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجُدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، وَإِذَا جَاءَهُم أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُم وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٣.
وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٤.
والفقه والبصيرة مما وصف الله به عباده الذين سمّاهم سبحانه: "عباد الرحمن" فَذَكَر أن مِنْ صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا
_________________
(١) ١ ٥٤: النور: ٢٤. ٢ ٤: إبراهيم: ١٤. ٣ ٨٢-٨٣: النساء: ٤. ٤ ٢٤: محمد: ٤٧.
[ ٤٤ ]
عَلَيْهاصُمًّا وَعُمْيانًا﴾ ١.
٦- الوسطية في الدعوة:
قال سبحانه في وصْف عباد الرحمن أيضًا منبّهًا على أهمية التوسط وعدم الإفراط والتفريط: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٢.
وقال ﷿ محذّرًا من الغلوّ: ﴿يا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاّ الْحَقَّ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُم غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيل﴾ ٤.
٧- سلامة القلب للمؤمنين:
ذَكَر اللهُ ﷿ أَنّ من وصْف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِم يَقُولُون رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ ٧٣: الفرقان: ٢٥. ٢ ٦٧: الفرقان: ٢٥. ٣ ١٧١: النساء: ٤. ٤ ٧٧: المائدة: ٥. ٥ ١٠: الحشر: ٥٩.
[ ٤٥ ]
٨- تحاشي ما يَصْرف الناس عن الهداية:
قال سبحانه على لسان فئة من المؤمنين المفلحين: ﴿وَقَالَ مُوسَى يا قَوْمِ إِن كُنْتُمْ آمُنْتُم باللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظّالِمينَ﴾ ١.
وقال على لسان إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢.
٩- بَذْل الوسع في الاستمساك بالدِّين:
قال تعالى في الاستمساك بأحكام الإسلام وتعاليمه بقَدْر الاستطاعة من غير تقصير: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ﴾ ٣.
وقال ﷺ: "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ٤.
وقال ﷺ: "إنّ هذا الدين يُسْر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا" ٥.
_________________
(١) ١ ٨٤-٨٥: يونس: ١٠. ٢ ٥: الممتحنة: ٦٠. ٣ ١٦: التغابن: ٦٤. ٤ أخرجه مسلم: ١٥- الحج، ح ٤١٢، باب فرض الحج مرة في العمر ٢/٩٧٥، وأخرجه غيره. ٥ أخرجه البخاري: ٢- الإيمان، ٢٩- باب الدّين يسر ، الفتح ١/٩٣، وفي مواضع أخرى، وأخرجه النسائي، ٤٧- كتاب الإيمان، ٢٨- باب الدّين يُسْرّ، ٨/١٠٦، وأحمد بن حنبل: ٥/٦٩. ١ ١٢٥: النحل: ١٦.
[ ٤٦ ]
الحكمة في الدعوة إلى السنة وصور من مظاهرها
مدخل
الحكمة في الدعوة إلى السنّة وصُوَرٌ من مظاهرها
الحكمة في الدعوة إلى السنّة-وإلى سائر أحكام هذا الدين-علاجٌ لكثيرٍ مِن الأخطاء الواقعة في هذا الباب. ولا يَخفى أيضًا أنّ الحكمةَ في منهج الدعوة إلى هذا الدين تُمَثِّل جانبًا كبيرًا مِن ذلك المنهج، ويكفي أنه تعالى قد أَمر بها فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
إنّ نصوص الوحْي أمثال هذه الآية تدل بعمومها على أن الحكمة في أغلب الأحوال تقضي بالأخذ بالرفق واللين والتيسير، على أن الحكمة كلمة عامّةٌ جميلة المعنى، تقضي بوضع الشيء في موضعه المناسب، وباختيار التصرف الأنسب، والوسيلة والأسلوب المناسبين كذلك للدعوة إلى الخير والمعاني الفاضلة، حتى تشملَ الشدة في موضعها الشرعي المطلوبة فيه، لكنّ الواقع شاهدٌ بأنّ موضعها المطلوبة فيه- في مجال الإصلاح -في بعض الأحيان نادر جدًا، وأنه مِن الندرة بحيث تبدو الشدة، مِن عموم هذه النصوص، غير ملتفَتٍ إليها، ذلك لأن هذه الشدة ليست هي المبدأ الأصل في التعامل
[ ٤٧ ]
الشرعي، وإنما يُلجأ إليها بعد وجود أسبابها ودواعيها الشرعية النادرة.
وهناك صُوَرٌ كثيرة من مظاهر الحكمة في الأخذ بالسنة سواء في مجال التطبيق العملي لها أو في الدعوة إليها، التي إذا أخذَ بها الإنسان كان متَّبعًا للكتاب والسنّة في هذا الباب؛ فمن ذلك:
[ ٤٨ ]
١ - السماحة في الدعوة:
السماحة في الدعوة إلى السنة سِمَةٌ للدعوة الصحيحة المُلْتَزِمة بأحكام هذا الدين، والسماحة تقتضي حُسْنَ الخُلُق وتقدير ظروف الناس، وتتجلى السماحة في مظاهر متعددة، في سلوك الداعية وتصرفاته، وفي أسلوب دعوته الناس، فينبغي للمسلم العناية بهذا الخلق الإسلامي الرفيع. وبما أن السماحة صفة من الصفات التي تميّز بها هذا الدين تتجلى في جميع أحكامه، فكذلك ينبغي أن تَظْهَرَ هذه السماحة في أسلوب الدعوة إليه ومنهجها، فهو دينٌ سمْحٌ يجب أن يُدْعى إليه بالسماحة، وقد قال ﷺ: "بُعثتُ بالحنيفية السمحة" ١.
وقال ﷺ: "أحبُّ الدِّين إلى الله الحنيفية السمحة" ٢.
_________________
(١) ١ علّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، كتاب الإيمان، باب: الدين يسْر. بلفظ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ، وأخرجه أحمد في المسند، برقم: ٢١٠٨، بسندٍ فيه محمد ابن إسحاق، وقد عنعنه، وهو مدلِّسٌ، ولفظه: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ: "الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ". وشواهد معناه في طبيعة هذا الدين مِن المعلوم مِن الدين بالضرورة. ٢ سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني: ٢/٥٦٩، وقد علَّقه البخاري في الإيمان "باب الدِّين يُسْرٌ".
[ ٤٨ ]
وهذا هو الأسلوب المؤثر في الناس، ويشهد بهذا الحكمِ: الشرعُ والعقلُ والفطرةُ والواقعُ، وقد قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم وَلَو كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِك﴾ ١، فاللين في موضعه الشرعي من السماحة المطلوبة شرعًا.
وليس من السماحة حَمْل الناس على رأي واحدٍ إذا كان في المسألة رأيان صحيحان، أو على صورةٍ واحدة إذا كان في المسألة صورتان مشروعتان.
وليس من السماحة حمْل الناس على الأشد دائمًا.
وليس من السماحة حمْل الناس على الأَوْلى دون مراعاةٍ لظروف الناس التي يراعيها الشرع، أو دون مراعاة لطبيعة الحكم الشرعيّ في المسألة.
وليس من السماحة عدم عُذْرِ من عَذَره الله.
إنه ليس مِن السنّة الدعوة إلى السنّة بالغِلظة والتضييق اللذين لا مجال للسماحة معهما، وهذا يخالف طريقة النبي ﷺ في الدعوة إلى أحكام الدين وهدْيه؛ فكيف ندعو إلى السنّة متنكِّبين هدْي النبي ﷺ!.
_________________
(١) ١ ١٥٩: آل عمران: ٣.
[ ٤٩ ]
٢- الرفق في الدعوة:
الرفق في الدعوة إلى الله تعالى بعامّة والدعوة إلى السنّة بخاصة مبدأٌ شرعيّ، ولاسيما في مجال الدعوة إلى الله تعالى، والمراد به التلطف في إيصال الدعوة إلى الآخرين، وليس المراد المداهنة والتنازل عن شيء من هدْي
[ ٤٩ ]
الإسلام، وقد قال النبي ﷺ قولًا عامًّا في الرفق وعاقبته، فقال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" ١. فأراد النبي ﷺ هذا العموم "لا يكون في شيء ولا ينزع من شيء"، وقال ﷺ: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" ٢. فلا يستطيع أحد، بعد هذا البيان النبوي الواضح، أن يُخْرِج الدعوة من هذا الحكم العام.
والرفق المشروع في الدعوة إلى الله تعالى فرعٌ من فروع السماحة، ومَظْهَرٌ من مظاهرها، ودليل على التخلُّقِ بها.
وليس من الرفق تجاهل ظروف الناس وأعذارهم.
وليس من الرفق العجلة المذمومة.
وليس من الرفق عدم مراعاة سنّة التدرج في الدعوة والبيان والتعليم المتآخية مع سنة الله في الخَلْق.
وليس من الرفق الفُحْشُ والبذاء.
وليس من الرفق والسماحة العدول عن هدي النبي المصطفى ﷺ بصفة عامة.
وليس من الرفق والسماحة مُجَانَبَةُ هدْي النبي ﷺ في أنه ما خُيّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
إنه لا يَصحّ أن ندعو إلى السنّة بما ينافي طبيعتها وطبيعة هذا الدين
_________________
(١) ١ مسلم، برقم: ٢٥٩٤، البر والصلة والآداب. ٢ البخاري، برقم: ٦٩٢٧، استتابة المرتدين، ومسلم، برقم: ٢٥٩٣، البر والصلة والآداب.
[ ٥٠ ]
مِن الشدة والجفاء، على الرغم مِن تأكيد الرسول ﷺ على الرفق بعامّةٍ في الأمور كلها.
[ ٥١ ]
٣- اتّباع السنّة شكلًا وروحًا:
من الطرق والأساليب التي يَظْلم بها المسلم السنُّة ويَظْلم بها هَدْي هذا الدين أن لا يأخذ بالسنُّة شكلًا وروحًا، صورةً وحقيقةً، ظاهرًا وباطنًا، أسلوبًا ومضمونًا، طريقةً وهَدْيًا، وإن من صُوَرِ الإساءة إلى أحكام هذا الدين، وإلى سننه، أن ترى المرء يحرص فيها على الشكل ويزهد في روحها، وفي حقيقتها، وفي مضمونها، وكم يكون الظلم جائرًا حينما يتصوّر المسلم ويصوِّر أنّ هَدْي السنن النبويّة إنما هو في الشكل والصورة فقط، وينسى أو يتجاهل الغاية منها، والمعنى فيها، والسرّ الذي شُرِع من أجله الأخذ بالشكل والصورة.
ومما يُؤْسَفُ له أن ترى بعض الناس إذا أوضحت له خطأَ هذا المسلك في طريقة اتّباع هَدْي الإسلام وسننه يأخذ بالمبادرة باتهامك بأنك تكره السنة واتّباعها، وربما أَلقى عليك درسًا في بدهيةٍ من البدهيات، وهي أن الصورة والشكل أمرٌ ملازم للسنة، وأنه جزء من السنة، أو أَلقى عليك درسًا في أهمية اتّباع السنة!!. وكل ذلك خروج عن الموضوع المختلف فيه إلى موضوع لا خلاف فيه، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف بين مسلمَيْن.
[ ٥١ ]
٤- التفريق بين مَوَاطن التصريح ومَوَاطن التلميح:
مِن الفقه أن يُراعِي الإنسان التفريق بين مواطِن كلٍ من التصريح والتلميح، ومواطن كلٍ مِن التفصيل والإجمال؛ فلا يجعل التصريح في مكان
[ ٥١ ]
التلميح، ولا يجعل التفصيل في مكان الإجمال، ولا العكس؛ وتظهر أهميّة هذا عند التعرض لبعض الموضوعات، والتعرّض لبعض النصوص وشرحها، والاستدلال بها، فكم يُخالِف الداعي الهدي النبوي حينما يأخذ في تفصيل الإجمال المقصود في بعض أحاديث النبي ﷺ، في دروس أو ظروف أو حالاتٍ ليس من المقبول فيها عقلًا أو شرعًا أنْ يتجشّم الداعي والمتحدث ذلك التصريح وذلك التفصيل الذي لم يراعِ فيه حال المخاطبين.
[ ٥٢ ]
٥- مراعاة التدرّج في الدعوة:
مِن الحكمة والاتّباع أن يراعي الداعية مبدأ التدرج في الدعوة إلى السنّة؛ فلقد استقر في المنهج الشرعي النظرُ إلى المقاصد والغايات ورعايتها؛ ومما يوصِلُ إلى تحقيق الغايات والمقاصد الأخذ بسنّة التدرج؛ لئلا تُثْمِرَ الخطوة نتائجَ عكسيّة غير مرغوبٍ فيها؛ وتطبيقًا لهذا المعنى ينبغي أن يكون معلومًا لدى الداعية أنّ تحصيل الأصول مقدَّمٌ على تحصيل الفروع، ولا ما نع مِن تحصيل شيءٍ مِن الفروع قبل الأصول، إذا كانت في الطريق، ولم يكن ذلك على حساب تحصيل الأصول، أمّا إذا كان تحصيل الفروع على حساب الأصول فإن الحكمة، وإنّ مراعاة سنّة التدرج تقتضي تأجيل هذا المقصد إلى وقته المناسب.
[ ٥٢ ]
٦- تقديم الأهم على المهم:
مِن الحكمة والاتّباع مراعاة: تقديم الأهم على المهم في تطبيق السنّة والدعوة إليها؛ وهذا مطلب شرعيّ ينبغي أن يكون واضحًا في ذهن الداعية
[ ٥٢ ]
وفي همّه، وهو أنه متى ما تزاحمت الفضائل والأحكام؛ فإنّ عليه أن يُقَدِّم الأهمّ على المهم؛ ليكون دائرًا مع هذه القاعدة الشرعية الحكيمة؛ وليكون سائرًا على الطريق السديد لتحقيق ما يريد.
ومتى ما تزاحمت أبواب الدعوة أو مجالاتها في موقفٍ ما، أو في ظرفٍ ما، أو مع شخصٍ ما؛ فإنّ عليه أن يُقدِّم الأَولى أو الأَجدى في مقاصد الدعوة وغاياتها.
[ ٥٣ ]
٧- دفْع المفسدتين بأخفهما:
من الحكمة والاتّباع أيضًا: مراعاة دَفْع المفسدتين بأخفهما في تطبيق السنّة والدعوة إليها، وهذه قاعدة شرعيّة أُخرى يقال فيها ما يقال في القاعدة السابقة؛ إذْ كلاهما مِن مَعينٍ واحدٍ إلا أنّ هذه في باب دفْع المفاسد، وتلك في باب تحصيل المصالح.
[ ٥٣ ]
٨- ترْك الأَوْلى لمصلحةٍ راجحة:
مِن الحكمة: الأخذ بمبدأِ تَرْك الأَولى لمصلحة شرعية في تطبيق السنّة والدعوة إليها، وهذه قاعدةٌ شرعيةٌ أيضًا ينبغي للداعية أن يراعيها في الدعوة إلى الله تعالى، ولا سيما في باب الدعوة إلى السنن؛ وفي هذا رعاية للغايةِ مِن الدعوة، وهي هداية المدعوّ والوصول معه إلى قناعة بالإسلام وهدْيه كله، فإذا تعارضت مصلحتان قُدِّم تحصيل أَوْلاهما في منهج هذا الدين؛ فالأَولى يُقَدَّم على ما دونه.
[ ٥٣ ]
٩- الأَخْذ بالرخَص الشرعية:
مِن علامات الاتّباع: الأخْذُ بالرّخص في تطبيق السنّة والدعوة إليها في مواضعها المشروعة، وهذا وجْهٌ مِن أَوْجُهِ اتِّباع أحكام هذا الدين وحِكَمِهِ، ولا فرق بين اتِّباعه في هذا وبين اتّباعه في الأخذ بالسنّة؛ فكلٌ شرْعٌ، وإنما يفرِّق بينهما من لم يفقه الدين.
[ ٥٤ ]
١٠- البعد عن نزعة التكفير والتفسيق والتبديع:
من الحكمة والسماحة الأخذ بجانب الورع فيما يتعلق بالحكم على بواطن الناس، وعلى ما في طويات أنفسهم، أو استسهال الحكم عليهم بالكفر ونحوه؛ فإنّ إصدار هذه الأحكام منزلَقٌ خَطِرٌ، ومِثْل هذا إنما هو حقٌّ لله ورسوله ﷺ، وليس لأحدٍ دونهما القول في هذا إلا بحكم الله ورسوله. ولا تخفى نصوص الوعيد الشديد الثابتة عن رسول الله ﷺ في حق مَن أقدم على هذا الأمر بغير أمر الله ورسوله.
ولقد انتشر في المسلمين منذ سنوات داء التكفير والتبديع على غير هدْي الدين وحُكْمه، وإنما على منهج الخوارج، ولكنه للأسف، قد انتشر باسم منهج أهل السنّة والجماعة، وباسم اتّباع الكتاب والسنّة؛ فأصبح الإنسان يُشاهد في المسلمين مَن يتقرَّب إلى الله تعالى بهذا المنهج وهذا الخُلق؛ فيُصبِح الحكم العامّ في المسلمين -عنده-هو البدعة؛ ويُرَتِّب على ذلك وجوب الهجْر، وهو حكمه عنده الذي ينتهجه في حقِّ صاحب البدعة!.
لقد انتشر الحقد والبغضاء بين المسلمين بسبب هذه الوجهة، بل الحقد
[ ٥٤ ]
الدينيّ، للأسف، وهو أمرٌ ليس عليه مَسْحةٌ مِن دينٍ، ولا مَسْحةٌ مِن خُلُقٍ، ولا مَسْحةٌ مِن عقْل١. وهذا الداء ينبغي أن يتصدى له عباد الله المخلصون العالمون بشرعه الداعون إليه، وأن يُحِلُّوا محله الالتزام بأحكام الإسلام، والأخوّة والمحبة، وحُسْن الظن، والوَرَع والحذر مِن الحيلولة بين الناس وبين رحمة الله وفضله، ويُحِلُّوا محله، أيضًا، منهج أهل السنّة والجماعة، والتعاون والتكافل، وسائر ما جاء به الإسلام لإسعاد البشرية وهدايتها. نسأله تعالى التوفيق والسداد.
_________________
(١) ١ وقد بحثتُ هذه النزعة في السلوك والفهم، وناقشتها في كتاب: الأخلاق الفاضلة: قواعد ومنطلقات لاكتسابها"، في الفصل السابع منه: خُلُق التعامل مع المخالف، ط. الأُولى، الرياض، ١٤١٧هـ. وقد توصَّلتُ فيه إلى نتائج أَحَمَدُ الله عليها، وأَتمنى أن يُفِيد منها الراغب في الحق في هذا الباب.
[ ٥٥ ]
١١- البعد عن منهجِ تعميق نقاط الاختلاف وتضخيمها مهما صَغُرتْ:
من الحكمة والسماحة البعد عن نزعة المشاكسة بالحق وبالباطل، وإغفال النظر إلى نقاط الاتفاق مع الطرف الآخَر، والبعد عن نزعة تضخيم نقاط الاختلاف؛ حتى تصبح كأنها هي الوحيدة في نقاط التعامل مع الطرف الآخَر!.
والمسلمون مهما كان الخلاف بينهم، فإنّهم يتفقون في أصْل الأصول: شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله؛ فالغفلة عن هذا والتنبّه لنقاط الاختلاف الفرعية أو الاجتهادية، ليس صوابًا ولا حكمةً، بل هذه ظاهرةٌ غالبًا ما تَنِمُّ عن عدم الفقه أو عدم الإخلاص، وكثيرًا ما تَدُلّ هذه الظاهرة
[ ٥٥ ]
على نزعةٍ تجاريةٍ في تصدير الدين واستيراده، وإنْ شئتَ فقلْ: وتحريفه. نسأل الله السلامة والعافية.
أمّا الإسلام فإنّه لا يُقِرُّ هذا الاتجاه الخلافيّ المَعْرَكِيّ [نسبةً إلى المعركة] في أسلوب الدعوة، وإنما يُشيع أُسلوب السماحة، والعذر في مواطن الاجتهاد السائغ، والرفق في معالجة نقاط الخلاف، وإقرار الاجتهاد المشروع-ولو كان صاحبه مخالفًا في اجتهاده١.
_________________
(١) ١ للدكتور يوسف القرضاوي كتاب قيِّمٌ في معالجة فقْه الاختلاف في هذا الباب، عنوانه: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، دراسةٌ في فقه الاختلاف في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية، د. يوسف القرضاوي، القاهرة، دار الصحوة، ط. الثالثة، ١٤١٢هـ-١٩٩١م.
[ ٥٦ ]
١٢- السلام والتبسّم في وجْهِ أخيك:
من السماحة والحكمة الحرص على السلام على أخيك المسلم، أيًّا كان حاله، والتبسّم في وجْهه، وطلاقة الوجْه، وإظهار الأُخوّة والمودّة؛ لأنّ هذا هو هدْي الإسلام، لا ما يَنْتهجه بعض الناس اليوم مِن: الهجر، وترْك السلام، والاكفهرار وعبوس الوجْه؛ حتى يبدوَ الواحد وكأنه حاقدٌ على الدنيا كلها، أو كأنه بَيْن فئةٍ من الكافرين المحارِبين له!.
ويَجْهل أو يتجاهل مِثْلُ هذا أن السنّة هي السلام، وردُّ السلام، والتبسّم والبِشْر، على ما تشهد به سنّةُ رسول الله ﷺ وسيرته!.
[ ٥٦ ]
١٣ - السماحة فيما يتعلق باختلاف تخصصات الدعاة:
فمِن الحكمة والفقه السماحة في مجال اختلاف الأساليب والطرائق الدعوية، وفي مجال اختلاف تخصصات الدعاة، وتنوِّع الجهود الدعوية، طالما أنها سائرة في الطريق الدعويّ الشرعيّ؛ وليس في شيء مِن نصوص الشرع ما يوجب أن تكون الدعوة على نمطٍ واحدٍ أو مجالٍ واحدٍ، وإنما الذي جاءت به النصوص هو رسْم المنهج، وتحديد الغاية والهدف؛ فإذا تحققَ لداعيةٍ ما هذا وذاك كان سائرًا في طريق الدعوة إلى الله تعالى؛ فلا يصحّ التحجير عليه بتحليلٍ أو تحريمٍ لم يأذن به الله تعالى.
وبناءً على هذا فإنّ اختلاف تخصصات الدعاة ومجالاتهم، لا يصحّ أن يُنظر ‘إليه على أنه مِن قبيل الخلاف، وإنما هو مِن قبيل اختلاف التنوّع المطلوب لتحقيق الغاية الواحدة، وهي دعوة الناس إلى الله سبحانه، وإلى الأخذ بدينه الذي بعث به رسوله محمدًا ﷺ. وعلى النهج كان المحققون أئمة السلف الصالح أئمة الهدى.
وإنْ شئتَ فاقرأ شاهدًا على هذا جواب الإمام مالك للعُمري العابد: فقد كتب هذا الثاني رسالةً إلى الإمام مالك يحضّه فيها على العزلة والانفراد والانقطاع للعبادة، ويُرغِّب مالكًا عن اجتماع الناس إليه لأخذ العلم؛ فكتب الإمام مالك له بقوله:
إنّ الله تعالى قسّمَ الأعمال كما قسّم الأرزاق؛ فرُبَّ رجلٍ فتُح له في الصلاة، ولم يُفتَح له في الصوم، وآخَر فتُح له في الصدقة ولم يُفتَح له في
[ ٥٧ ]
الصيام، وآخر فُتِح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصلاة. ونشْرُ العلم وتعليمه مِن أشرفِ أعمال البر، وقد رضيتُ بما فتح الله ﷿ فيه مِن ذلك، وما أظن ما أنا فيه بِدُونِ [أيْ أَقَلَّ] مما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خيرٍ وبِرٍّ، ويجب على كلٍ منّا أن يَرضى بما قُسِمَ له. والسلام١.
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته أيها الإمام، وَلَيْتَك تعلم ما أصاب كثيرًا مِن المسلمين مِن البعد عن هذا الهدْي، وهذا الفقه النفيس!.
وما أسعدَ مَن أَخذَ بقولة هذا الإمام هذه، في قضايا التخصص في الدعوة، وتنوِّعِ الجهود الدعوية؛ فقال لأخيه: كلانا على خيرٍ وبِرٍّ، ويجب على كلٍ منّا أن يَرضى بما قُسِمَ له. والسلام!.
_________________
(١) ١ مختصر منهاج القاصدين، ٤٦، الحاشية، وهو في "سير أعلام النبلاء، للذهبي، كما في تهذيبه: نزهة الفضلاء، لمحمد حسن عقيل موسى، ٢/٦٢٥، وفي سِواهما بألفاظٍ، هذا واحدٌ منها.
[ ٥٨ ]