[تعريف الإسلام]
الفصل الثالث
معرفة دين الحق (الإسلام) إذا عرفت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - هو ربك الذي خلقك ورزقك، وأنه الإله الواحد الحق الذي لا شريك له، وأنه يجب عليك أن تعبده وحده، وعرفت أن محمدا رسول الله إليك، وإلى جميع الناس، فاعلم أنه لا يصح إيمانك بالله - تعالى - ورسوله محمد ﵊ إلا إذا عرفت دين الإسلام، وآمنت به، وعملت به، لأنه الدين الذي رضيه الله - تعالى -، وأمر به رسله، وبعث به خاتمهم، محمدا ﷺ، إلى جميع الناس، وأوجب عليهم العمل به.
[ ٣١ ]
تعريف الإسلام قال خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» . متفق عليه.
فالإسلام هو الدين العالمي الذي أمر الله به جميع الناس، وآمن به رسل الله، وأعلنوا إسلامهم لله، وأعلن الله - تعالى - بأنه الدين الحق، وأنه لا يقبل من أحد دينا سواه، فقال - تعالى -: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]
المعنى الإجمالي للآيتين: يخبر الله - تعالى - أن الدين لديه الإسلام فقط، وفي الآية الأخرى أخبر أنه لن يقبل من أحد دينا غير الإسلام، وأن السعداء بعد الموت هم
[ ٣٢ ]
المسلمون فقط، وأن الذين يموتون على غير الإسلام خاسرون في الدار الآخرة، ويُعذبون في النار.
ولهذا أعلن جميع الأنبياء إسلامهم لله، وأعلنوا براءتهم ممن لا يسلم، فمن أراد من اليهود والنصارى النجاة والسعادة فليدخل في الإسلام، وليتبع رسول الإسلام محمدا ﵊، حتى يكون تابعا حقًّا لموسى وعيسى، عليهما الصلاة والسلام، لأن موسى وعيسى ومحمدا وجميع رسل الله مسلمون، دعوا جميعا إلى الإسلام؛ لأنه دين الله الذي بعثهم به، ولا يصح لأحد ممن وُجد بعد بعثة خاتم المرسلين محمد - ﵊ - إلى نهاية الدنيا، لا يصح له أن يسمي نفسه مسلما لله، ولا يقبل الله منه هذا الادعاء إلا إذا آمن بمحمد رسولا من عند الله، واتبعه، وعمل بالقرآن الذي أنزله الله عليه، قال الله - تعالى - في القرآن العظيم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]
المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله رسوله محمدا أن يقول لمن يدعي محبة الله: إن كنتم تحبون الله حقًّا فاتبعوني
[ ٣٣ ]
يحُببكم الله، فإن الله لا يُحبكم ولا يغفر لكم ذنوبكم، إلا إذا آمنتم برسوله محمد واتبعتموه.
وهذا الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدا ﷺ إلى الناس جميعا هو الإسلام الكامل الشامل السمح، الذي كمّله الله ورضيه لعباده دينا لا يقبل منهم دينا غيره، وهو الذي بشر به الأنبياء وآمنوا به، قال الله - تعالى - في القرآن العظيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
المعنى الإجمالي: يخبر الله - تعالى - في هذه الآية الكريمة التي أنزلها على خاتم المرسلين محمد ﵊، وهو واقف مع المسلمين بعرفات بمكة في حجة الوداع، يناجون الله ويدعونه، وكان ذلك في آخر حياة الرسول محمد ﷺ، بعدما نصره الله، وانتشر الإسلام، وتكامل نزول القرآن.
يخبر الله - سبحانه - أنه أكمل للمسلمين دينهم، وأتم عليهم نعمته ببعثة الرسول محمد ﷺ، وإنزال القرآن العظيم
[ ٣٤ ]
عليه، ويخبر أنه رضي لهم الإسلام دينا، لا يسخطه أبدا، ولا يقبل من أحد دينا سواه أبدا.
ويُخبر - تعالى - أن الإسلام الذي بعث به رسوله محمدا إلى الناس جميعا هو الدين الكامل الشامل الصالح لكل زمان ومكان وأمة، فهو دين العلم واليسر والعدالة والخير، وهو المنهاج الواضح الكامل القويم لشتى مجالات الحياة، فهو دين ودولة؛ فيه المنهاج الحق للحكم والقضاء والسياسة والاجتماع والاقتصاد، ولكل ما يحتاجه البشر في حياتهم الدنيا، وهو الذي فيه سعادتهم في الحياة الآخرة بعد الموت.
[ ٣٥ ]
[أركان الإسلام]
[الركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله]
[أنواع العبادة]
[الدعاء]
أركان الإسلام والإسلام الكامل الذي بعث الله به رسوله محمدا ﵊ مبني على خمسة أركان، لا يكون الإنسان مسلما حقًّا حتى يُؤمن بها ويؤديها، وهي:
١ - أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
٢ - يقيم الصلاة.
٣ - يؤتي الزكاة.
٤ - يصوم رمضان.
٥ - يحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلا (١) .
الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله: وهذه الشهادة لها معنى يجب على المسلم معرفته والعمل
_________________
(١) قال رسول الله ﷺ: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان " متفق عليه، والأدلة من القرآن تأتي في ذكر الأركان على التفصيل.
[ ٣٦ ]
به، أما الذي يقولها بلسانه ولا يعرف معناها ولا يعمل به فإنه لا ينتفع بها، ومعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده، فهو الإله الحق، وكل إله غيره باطل، والإله معناه: المعبود.
والذي يعبد غير الله كافر بالله مشرك به، ولو كان معبوده نبيًّا أو وليًّا، ولو كان بحجة التقرب به إلى الله - تعالى - والتوسل إليه؛ لأن المشركين الذين قاتلهم الرسول ﷺ ما عبدوا الأنبياء والأولياء إلا بهذه الحجة، لكنها حجة باطلة مردودة؛ لأن التقرب إلى الله - تعالى - والتوسل إليه لا يكون بصرف العبادة لغيره، وإنما يكون بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة التي أمر بها كالصلاة والصدقة والذكر والصوم والجهاد والحج وبر الوالدين، ونحو ذلك، وبدعاء المؤمن الحي الحاضر لأخيه إذا دعا.
والعبادة أنواع كثيرة: منها الدعاء: وهو طلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله - تعالى - مثل إنزال المطر، وشفاء المريض، وتفريج الكربات التي لا يفرجها المخلوق، ومثل طلب الجنة،
[ ٣٧ ]
والنجاة من النار، وطلب الأولاد، والرزق، والسعادة، ونحو ذلك.
فهذا كله لا يطلب إلا من الله، فمن طلب من المخلوق حيًّا أو ميتا شيئا من ذلك فقد عبده، قال الله - تعالى - آمرا عباده بدعائه وحده، ومخبرا أن الدعاء عبادة، من صرفه لغيره فهو من أهل النار: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
وقال - تعالى - مخبرا أن من سواه من المدعوين لا يملكون لأحد نفعا ولا ضرًّا، ولو كانوا أنبياء أو أولياء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]
وقال الله - تعالى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]
[الذبح والنذر وتقريب القرابين]
ومن العبادة: الذبح والنذر وتقريب القرابين: فلا يصح أن يتقرب الإنسان بسفك الدم، أو بتقريب قربان، أو بنذر إلا لله وحده، ومن ذبح لغير الله كمن يذبح
[ ٣٨ ]
للقبر أو للجن، فقد عبد غير الله واستحق لعنة الله، قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]
وقال الرسول ﷺ: «لعن الله من ذبح لغير الله» حديث صحيح، رواه مسلم.
وإذا قال إنسان لفلان علي نذر إن حصل لي كذا أن أتصدق بكذا أو أفعل كذا، فهذا النذر شرك بالله؛ لأنه نذر لمخلوق، والنذر عبادة لا يكون إلا لله، والنذر المشروع هو أن يقول: لله علي نذر أن أتصدق بكذا، أو أفعل كذا من الطاعة إذا حصل لي كذا.
[الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة]
ومن أنواع العبادة: الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة: فلا يُستغاثُ ولا يُستعان ولا يُستعاذ إلا بالله وحده قال الله - تعالى - في القرآن الكريم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال الله - تعالى -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] وقال الرسول ﷺ: «إنه لا يُستغاث بي وإنما
[ ٣٩ ]
يُستغاث بالله» حديث صحيح، رواه الطبراني، وقال ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» حديث صحيح، رواه الترمذي.
والإنسان الحي الحاضر يصحّ أن يُستغاث به، ويُستعان به في الشيء الذي يقدر عليه فقط، أما الاستعاذة فلا يستعاذ إلا بالله وحده، والميت والغائب لا يُستغاث به، ولا يستعان به البتة؛ لأنه لا يملك شيئا، ولو كان نبيًّا أو وليًّا أو ملكا.
والغيب لا يعلمه إلا الله - تعالى -، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كافر يجب تكذيبه، ولو تكهن بشيء فوقع فهو من باب الموافقة، قال رسول الله ﷺ: «من أتى كاهنا أو عرَّافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» رواه الإمام أحمد والحاكم.
[التوكل والرجاء والخشوع]
ومن العبادة: التوكل والرجاء والخشوع: فلا يتوكل الإنسان إلا على الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخشع إلا لله وحده.
ومما يؤسف له أن كثيرا من المنتسبين للإسلام يشركون بالله، فيدعون غيره من الأحياء المعظمين، ومن أهل القبور،
[ ٤٠ ]
ويطوفون بقبورهم، ويطلبون منهم حوائجهم، وهذا عبادة لغير الله، فاعلها ليس مسلما وإن ادّعى الإسلام، وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى وصام وحج البيت، قال الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]
وقال الله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]
وأمر الله - تعالى - رسوله محمدا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]
وهؤلاء الجهَّال غرَّهم علماء السوء والضلال الذين عرفوا بعض الفروع، وجهلوا التوحيد الذي هو أساس الدين، فصاروا يدعون إلى الشرك، جهلًا منهم بمعناه باسم الشفاعة والوسيلة، وحجتهم في ذلك التأويلات الفاسدة لبعض النصوص والأحاديث المكذوبة قديما وحديثا على رسول الله ﷺ، والحكايات وأحلام المنام التي نسجها لهم
[ ٤١ ]
الشيطان، وما شابه ذلك من الضلالات التي جمعوها في كتبهم، ليؤيدوا بها عبادتهم لغير الله اتباعا للشيطان وللهوى، وتقليدا أعمى للآباء والأجداد، كحال المشركين الأولين.
والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها في قوله - ﷿ -: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] هي الأعمال الصالحة من توحيد الله والصلاة والصدقة والصيام والحج والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصلة الرحم، ونحو ذلك، أما دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند الشدائد والكربات فهذا عبادة لهم من دون الله.
وشفاعة الأنبياء والأولياء وغيرهم من المسلمين الذين يأذن الله لهم في الشفاعة حق نؤمن بها، ولكنها لا تُطلب من الأموات؛ لأنها حق لله لا تحصل لأحد إلا بإذنه - تعالى - فيطلبها الموحد لله من الله - تعالى - قائلًا: " اللهم شفع فيَّ رسولك وعبادك الصالحين "، ولا يقول: يا فلان اشفع لي لأنه ميت، والميت لا يطلب منه شيء أبدا، قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤]
[ ٤٢ ]
ومن البدع المحرمة المخالفة للإسلام والتي نهى عنها رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين والسنن: اتخاذ المساجد والسرج على القبور، والبناء عليها، وتجصيصهما والكتابة عليها، وإلقاء الستور عليها، والصلاة في المقبرة، كل هذا نهى عنه الرسول الكريم، ﷺ؛ لأنه من أعظم أسباب عبادة أصحابها.
وبهذا يتبين أن من الشرك بالله ما يفعله الجهال عند بعض القبور في كثير من البلدان، مثل قبر البدوي والسيدة زينب في مصر، وقبر الجيلاني في العراق، والقبور المنسوبة لآل البيت - ﵃ - في النجف وكربلاء في العراق، وقبور أخرى في كثير من البلدان من الطواف حولها، وطلب الحوائج من أهلها، واعتقاد النفع والضرّ فيهم.
ويتبين أن هؤلاء بفعلهم هذا مشركون ضالون، وإن ادّعوا الإسلام وصلّوا وصاموا وحجوا البيت، ونطقوا بلا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأن الناطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله لا يعتبر موحدا لله حتى يعرف معناها، ويعمل به كما تقدم بيان ذلك، أما غير المسلم فإنه يدخل في الإسلام
[ ٤٣ ]
ابتداءً بنطقه بها، ويسمى مسلما حتى يتبين منه ما ينافيها من بقائه على الشرك كهؤلاء الجهال، أو إنكاره لشيء من فرائض الإسلام بعد بيانها له، أو إيمانه بدين يُخالف دين الإسلام، والأنبياء والأولياء (١) بريئون ممن يدعوهم ويستغيث بهم؛ لأن الله - تعالى - أرسل رسله لدعوة الناس إلى عبادته وحده، وترك عبادة من سواه نبيًّا أو وليًّا أو غيرهما.
ومحبة الرسول ﷺ، والأولياء المقتدين به ليست في عبادتهم؛ لأن عبادتهم عداوة لهم، وإنما محبتهم في الاقتداء بهم والسير على طريقتهم، والمسلم الحقيقي يحب الأنبياء
_________________
(١) أولياء الله هم الموحدون لله المطيعون له، المتبعون لرسوله ﷺ، منهم من يعرف بسبب علمه وجهاده، ومنهم من لا يعرف، والمعروف منهم لا يرضى أن يقدسه الناس، والأولياء حقًّا لا يدعون أنهم أولياء بل يرون أنهم مقصرون، وليس لهم لباس مخصوص أو هيئة مخصوصة إلا التأسي بالرسول ﷺ في ذلك، وكل مسلم موحد لله متبع لرسوله فيه من الولاية لله بقدر صلاحه وطاعته، وبهذا يتبين أن الذين يدعون أنهم أولياء لله، ويلبسون لباسا خاصًّا لكي يعظمهم الناس ويقدسوهم، يتبين أنهم ليسوا أولياء لله ولكنهم كذَّابون.
[ ٤٤ ]
والأولياء، ولكنه لا يعبدهم، ونحن نؤمن بأن محبة الرسول ﷺ واجبة علينا فوق محبة النفس والأهل والولد والناس أجمعين.
[الفرق الناجية]
الفرق الناجية: المسلمون كثيرون في العدد لكنهم قليلون في الحقيقة، والطوائف التي تنتسب إلى الإسلام كثيرة تصل إلى ٧٣ فرقة، عدد أفرادها ألف مليون وزيادة (١) ولكن الطائفة المسلمة حقًّا واحدة، وهي التي توحد الله - تعالى - وتسير على طريقة الرسول محمد ﷺ، وأصحابه في العقيدة والعمل الصالح، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ، بقوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قال الصحابة: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) أي وقت تأليف الكتاب.
[ ٤٥ ]
والذي عليه النبي ﷺ وأصحابه هو اعتقاد معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، والعمل به بدعاء الله وحده، والذبح والنذر لله وحده، والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة بالله وحده، واعتقاد النفع والضر فيه وحده، وأداء أركان الإسلام بإخلاص له - سبحانه - والتصديق بملائكته وكتبه ورسله، والبعث والحساب، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره كله من الله - تعالى -، وتحكيم القرآن والسنة في شتى المجالات، والرضى بحكمهما، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه، والدعوة إليه والجهاد في سبيله، والاجتماع على ذلك، والسمع والطاعة لولي الأمر المسلم إذا أمر بالمعروف، وقول كلمة الحق أينما كانوا، ومحبة أزواج النبي وآله وتوليهم، ومحبة أصحاب رسول الله وتقديمها على قدر فضلهم، والترضي عنهم جميعا، والكف عما شجر بينهم، وعدم التصديق بقدح المنافقين في بعضهم، ذلك القدح الذي قصدوا به تفريق المسلمين، وانخدع به بعض علمائهم ومؤرخيهم فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية، وهذا خطأ.
[ ٤٦ ]
والذين يدّعون أنهم من آل البيت، ويسمون بالسادة، عليم أن يتأكدوا من صحة نسبهم؛ لأن الله لعن من انتسب إلى غير أبيه، فإذا ثبت نسبهم فعليهم أن يقتدوا بالرسول وآله في إخلاص التوحيد لله، وترك المعاصي، وعدم الرضى بانحناء الناس لهم، وتقبيل ركبهم وأقدامهم، وأن لا يتميزوا عن إخوانهم المسلمين بزي خاص؛ لأن ذلك كله مخالف لما عليه الرسول، وهو منه بريء، والأكرم عند الله الأتقى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليما.
[ ٤٧ ]
[الحكم والتشريع حق لله وحده]
الحكم والتشريع حق لله وحده وحيث يكون الشرع تكون العدالة والرحمة والفضيلة: ومن معنى لا إله إلا الله الذي يجب اعتقاده والعمل به: أن الحكم والتشريع حق لله وحده، فلا يجوز لأحد من البشر أن يضع قانونا مخالفا لشريعة الله في أي أمر من الأمور، ولا يجوز للمسلم أن يحكم بغير ما أنزل الله، ولا يجوز له أن يرضى بحكم يخالف شريعة الله، ولا يجوز لأحد أن يحلّ ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، فمن فعل ذلك متعمدا المخالفة أو رضي به فهو كافر بالله، قال الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]
[وظيفة الرسل التي بعثهم الله بها]
ووظيفة الرسل التي بعثهم الله بها: هي دعوة الناس إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، والعمل بمدلولها وهو عبادة الله وحده، والخروج من عبادة المخلوق وشريعته إلى عبادة الخالق وشريعته وحده، لا شريك له.
[ ٤٨ ]
ومن قرأ القرآن العظيم بتدبر وبعد عن التقليد الأعمى أدرك تماما أن ذلك الذي بيناه هو الحق، وأدرك أن الله حدَّد علاقة الإنسان معه - سبحانه - ومع الخلق، فجعل علاقة عبده المؤمن به أن يعبده بجميع أنواع العبادة، فلا يصرف منها شيئا لغيره، وجعل علاقته بالأنبياء وعباد الله الصالحين محبتهم محبه تابعة لمحبته - سبحانه - والاقتداء بهم، وجعل علاقته بأعدائه الكافرين بغضهم؛ لأن الله يبغضهم، وأن يدعوهم مع هذا إلى الإسلام، ويبينه لهم لعلهم يهتدون، وأن يجاهدهم المسلمون إذا رفضوا الإسلام، ورفضوا الخضوع لحكم الله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فهذه المعاني لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يجب على المسلم أن يعرفها، وأن يعمل بها لكي يكون مسلما حقًّا.
[معنى شهادة أن محمدا رسول الله]
معنى شهادة أن محمدا رسول الله: ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: أن تعلم وتعتقد بأن محمدا رسول الله إلى الناس جميعا، وأنه عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وأن تعلم وتعتقد بأن تلقِّي التشريع
[ ٤٩ ]
سواء في شعائر العبادات التي أمر الله بها، أو في نظام الحكم والتشريع في شتى المجالات، أو في التحليل والتحريم، لا يكون إلا عن طريق هذا الرسول الكريم محمد ﷺ؛ لأنه رسول الله المبلغ عنه شريعته، فلا يجوز للمسلم أن يقبل تشريعا أتى من غير طريق الرسول ﷺ، قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال الله - تعالى -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
معنى الآيتين: يأمر الله في الآية الأولى المسلمين أن يطيعوا رسوله محمدا ﵊ في جميع ما أمرهم به، وأن ينتهوا عن جميع ما نهاهم عنه؛ لأنه إنما يأمر بأمر الله وينهى بنهيه، وفي الآية الأخرى يقسم الله - سبحانه - بنفسه المقدسة أنه لا يصح إيمان إنسان بالله وبرسوله حتى يحكم الرسول فيما شجر بينه وبين غيره، ثم يرضى بحكمه، ويسلم له أو عليه، وقال الرسول ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم وغيره.
[ ٥٠ ]
[نداء]
نداء: إذا عرفت - أيها العاقل - معنى: " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، وعرفت أن هذه الشهادة هي مفتاح الإسلام وأساسه الذي يبنى عليه، فقل من قلب مخلص: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله "، واعمل بمعنى هذه الشهادة لتنال السعادة في الدنيا وفي الآخرة، ولتنجو من عذاب الله بعد الموت.
واعلم أن من مقتضى شهادة " أن لا إله إلا الله محمد رسول الله " العمل ببقية أركان الإسلام، لأن الله فرض هذه الأركان على المسلم ليعبده بأدائها بصدق وإخلاص من أجله - تعالى -، ومن ترك ركنا منها بدون عذر مشروع فقد أخلّ بمعنى " لا إله إلا الله "، ولا تعتبر شهادته صحيحة.
[الركن الثاني من أركان الإسلام الصلاة]
[الصلوات الخمس]
الركن الثاني من أركان الإسلام: الصلاة: اعلم - أيها العاقل - أن الركن الثاني من أركان الإسلام هو الصلاة، وهي خمس صلوات في اليوم والليلة، شرعها الله - تعالى - لتكون صلة بينه وبين المسلم، يُناجيه فيها ويدعوه، ولتكون ناهية للمسلم عن الفحشاء والمنكر،
[ ٥١ ]
فيحصل له من الراحة النفسية والبدنية ما يسعده في الدنيا والآخرة.
وقد شرع الله للصلاة طهارة البدن والثياب، والمكان الذي يصلى فيه، فيتنظف المسلم بالماء الطهور من النجاسات مثل: البول والبراز، لكي يطهر بدنه من النجاسة الحسية، وقلبه من النجاسة المعنوية.
والصلاة هي عمود الدين، وهي أهم أركانه بعد الشهادتين؛ يجب على المسلم أن يحافظ عليها منذ سن البلوغ حتى يموت، ويجب أن يأمر بها أهله وأولاده منذ سن السابعة، لكي يعتادوا عليها؛ قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقال الله - تعالى -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
المعنى الإجمالي للآيتين: يخبر الله - تعالى - في الآية الأولى أن الصلاة فرض محتّم على المؤمنين، وأن عليهم أن يؤدوها في أوقاتها المحددة لها، وفي الآية الأخرى: يخبر الله - عز
[ ٥٢ ]
وجل - أن الأمر الذي أمر به الناس وخلقهم من أجله هو أن يعبدوه وحده، وأن يخلصوا له عبادتهم، وأن يقيموا الصلاة، ويعطوا الزكاة للمستحقين.
والصلاة واجبة على المسلم في جميع أحواله حتى في حال الخوف والمرض، فإنه يصلي على قدر استطاعته قائما أو قاعدا أو مضطجعا، حتى لو لم يقدر إلا إشارة بعينه أو بقلبه، فإنه يصلي بالإشارة، وقد أخبر الرسول ﷺ أن تارك الصلاة ليس بمسلم رجلًا أو امرأة، فقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» . حديث صحيح.
والصلوات الخمس هي: صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.
ووقت صلاة الفجر يبدأ بظهور نور الصباح في المشرق، ويخرج عند بزوغ الشمس، ولا يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، ووقت صلاة الظهر يبدأ من زوال الشمس حتى يصير ظل الشيء طوله بعد ظل الزوال، ووقت صلاة العصر يبدأ بعد نهاية وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، ولا يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، بل تصلى ما دامت الشمس بيضاء
[ ٥٣ ]
نقية، ووقت المغرب يبدأ بعد غروب الشمس، وينتهي بمغيب الشفق الأحمر، ولا تؤخر إلى آخر وقتها، ووقت صلاة العشاء يبدأ بعد نهاية وقت صلاة المغرب إلى آخر الليل، لا تؤخر بعده.
ولو أخر المسلم صلاة واحدة عن وقتها حتى يخرج من غير مانع شرعي خارج عن إرادته؛ فإنه قد ارتكب ذنبا عظيما، عليه أن يتوب إلى الله ولا يعود، قال الله - تعالى -: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]
[أحكام الصلاة]
[أولا الطهارة]
أحكام الصلاة: أولا: الطهارة: قبل أن يدخل المسلم في الصلاة لا بد له من الطهارة؛ فينظف أولا المخرج، إن كان قد خرج منه بول أو براز ثم يتوضأ.
والوضوء: ينوي في قلبه الطهارة، ولا يتلفظ بالنية؛ لأن الله به عليم؛ ولأن الرسول ﷺ لم يتلفظ بها، ويقول: بسم الله ثم يتمضمض، ويستنشق الماء في أنفه وينثره، ويغسل جميع وجهه، ثم يغسل يديه مع الذراعين والمرفقين بادئا باليمنى،
[ ٥٤ ]
ثم يمسح جميع رأسه بيديه، ويمسح أذنيه، ثم يغسل رجليه مع الكعبين بادئا باليمنى.
وإذا خرج من الإنسان بعدما يتطهر بول أو براز أو ريح، أو زال عقله بنوم أو إغماء؛ فإنه يُعيد التطهر إذا أراد الصلاة، وإن كان المسلم جنبا قد خرج منه المني بشهوة ولو في المنام ذكرا أو أنثى، فإنه يتطهر بغسل جميع جسده من الجنابة، والمرأة إذا طهرت من الحيض أو النفاس وجب عليها أن تتطهر بغسل جميع جسدها؛ لأن الحائض والنفساء لا تصح صلاتهما، ولا تجب عليهما الصلاة حتى تطهرا، وقد خفف الله عنهما فأسقط عنهما قضاء ما فاتهما أيام الحيض والنفاس، أما ما عدا ذلك فيجب عليهما قضاء ما فاتهما كالرجل.
ومن عدم الماء، أو كان يضره استعماله كالمريض فإنه لأن يتطهر بالتيمم، وصفة التيمم: ينوي الطهارة في قلبه، ويسمي الله، ثم يضرب بيديه على التراب ضربة واحدة، ويمسح بهما وجهه، ثم يمسح ظهر اليد اليمنى ببطن اليد الشمال، ويمسح ظهر الشمال ببطن اليمنى، وبذا يكون قد
[ ٥٥ ]
تطهر، وهذا التيمم لكل من الحائض والنفساء إذا طهرتا، وللجنب، ولمن يريد الوضوء عند فقد الماء أو الخوف من استعماله.
[ثانيا صفة الصلاة]
ثانيا: صفة الصلاة: ١ - صلاة الفجر: ركعتان يتوجه المسلم ذكرا أو أنثى نحو القبلة، وهي الكعبة التي في المسجد الحرام في مكة، ينوي في قلبه أن يصلي صلاة الفجر (الصبح)، ولا يتلفظ بالنية، ثم يكبر قائلا: " الله أكبر "، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح ومنه: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "، ثم يقرأ فاتحة القرآن، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٤ - ٧]
[ ٥٦ ]
ولا بد أن يقرأ القرآن باللغة العربية (١) مع الاستطاعة، ثم يقول: " الله أكبر "، ويركع فيخفض رأسه وظهره، ويجعل باطن كفيه على ركبتيه ثم يقول: " سبحان ربي العظيم "، ثم يرفع قائلا: " سمع الله لمن حمده "، فإذا وقف قائما قال: " ربنا ولك الحمد "، ثم يقول: " الله أكبر "، ويسجد على الأرض على أطراف أصابع رجليه وركبتيه ويديه وجبهته وأنفه، ثم يقول في سجوده: " سبحان ربي الأعلى "، ثم يجلس قائلا: " الله أكبر "، ويقول إذا جلس: " رب اغفر لي "، ثم يقول: " الله أكبر "، ويسجد على الأرض ثانية ويقول: " سبحان ربي الأعلى "، ثم يقوم قائما قائلًا: " الله أكبر "، ثم يقرأ الفاتحة، وهي ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] إلى آخرها كما تقدم في الركعة الأولى، ثم يكبر ويركع، ثم يرفع، ثم يسجد، ثم يجلس، ثم يسجد ثانية، قائلًا في تلك المواضع مثل ما قاله في المرة الأولى.
ثم يجلس ويقول: " التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا
_________________
(١) لأنه لو قرأ القرآن بغير العربية ما صار قرآنا، ولذا فإن ألفاظ القرآن لا تترجم، وإنما تترجم معانيها، لأنه إذا ترجمت حروفه وكلماته ذهبت بلاغته وإعجازه، وسقطت بعض حروفه، ولم يكن قرآنا عربيا.
[ ٥٧ ]
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد "، ثم يلتفت إلى يمينه قائلًا: " السلام عليكم ورحمة الله "، ثم يلتفت عن شماله قائلًا: " السلام عليكم ورحمة الله "، وبذا تمت صلاة الصبح.
٢ - أما صلاة الظهر والعصر والعشاء الآخرة: فإن كل واحدة منها أربع ركعات، يصلي الركعتين الأوليين مثلما صلى ركعتي الفجر، ولكنه إذا جلس بعدهما للتشهد وقال مثل ما قاله في جلوسه قبل السلام لا يسلم، بل يقوم ويأتي بركعتين مثل الأوليين، ثم يجلس مرة ثانية للتشهد، ويقول ما قاله في جلوسه الأول، ويصلي على النبي محمد، ثم يسلم على يمينه، ثم على شماله، كما سلّم في صلاة الفجر.
٣ - أما صلاة المغرب: فهي ثلاث ركعات، يصلي الركعتين الأوليين مثلما تقدم، ثم يجلس ويقول ما قاله في جلوسه للصلوات الأخرى، ولكنه لا يسلم، بل يقوم ويأتي بركعة ثالثة، يقول ويفعل فيها مثلما قاله وفعله فيما قبلها، ثم
[ ٥٨ ]
يجلس بعدما يسجد السجدة الثانية، ويقول في جلوسه ما قاله في جلوس كل صلاة، ثم يسلم على يمينه، ثم على شماله، وإذا كرر المصلي ما يقوله في ركوعه وسجوده فهو أفضل.
والرجال يجب عليهم أن يصلُّوا هذه الفرائض الخمس جماعة في المساجد يتقدمهم إمام، يكون أحسنهم قراءة للقرآن، وأعرفهم بالصلاة، وأصلحهم في دينه، ويجهر الإمام بالقراءة في قيامه قبل الركوع في صلاة الفجر، وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، ويستمع له من خلفه.
والنساء تصليها في البيوت بتستر وتحفظ، تستر جميع جسمها حتى اليدين والقدمين، لأنها كلها عورة إلا وجهها، وتؤمر بتغطيته عن الرجال، لأنه فتنة تعرف به فتؤذى، وإذا رغبت المسلمة أن تصلي في المسجد فلا مانع على شرط أن تخرج مستترة وغير متطيبة، وتصلي خلف الرجال لكي لا تفتنهم، ولا تفتتن بهم.
وعلى المسلم أن يصلي لله بخشوع وخضوع وقلب حاضر، ويطمئن في قيامه ورفعه وسجوده، ولا يسرع، ولا
[ ٥٩ ]
يعبث، ولا يرفع بصره إلى السماء، ولا يتكلم بغير القرآن وأذكار الصلاة، كل شيء في موضعه (١) لأن الله - تعالى - أمر بالصلاة لذكره.
وفي يوم الجمعة يصلي المسلمون صلاة الجمعة ركعتين، يجهر الإمام فيهما بالقراءة مثل صلاة الفجر، ويخطب قبلها خطبتين يُذكِّر فيهما المسلمين، ويعلمهم أمور دينهم، ويجب على الرجال حضورها مع الإمام، وهي صلاة ظهر يوم الجمعة.
[الركن الثالث من أركان الإسلام الزكاة]
الركن الثالث من أركان الإسلام (الزكاة): وقد أمر الله كل مسلم يملك مالا يبلغ النصاب أن يخرج زكاة ماله كل عام، فيعطيها لمستحقيها من الفقراء وغيره ممن يجوز دفع الزكاة لهم، كما هو مبين في القرآن.
ونصاب الذهب عشرون مثقالا، ونصاب الفضة مائتا درهم أو ما يعادل ذلك من عملة الورق، وعروض التجارة،
_________________
(١) إلا إذا أراد أن ينبه أحدا أو يرد عليه، فإنه يقول: " سبحان الله "، يقولها المأموم للإمام إذا أخطأ في فعل أو زاد أو نقص، لكي ينتبه، ويقولها المصلي لمن يناديه - مثلًا -، والمرأة تنبه بالتصفيق، ولا تتكلم لأن صوتها فتنة.
[ ٦٠ ]
وهي البضائع بأنواعها إذا بلغت قيمتها نصابا وجب على مالكها أن يخرج زكاتها إذا مضى عليها سنة، ونصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والعقار المعد للبيع تزكى قيمته، والمعد للأجرة فقط تزكى أجرته، ومقدار الزكاة في الذهاب والفضة وعروض التجارة ربع العشر ٢. ٥% في كل عام، وفي الحبوب والثمار ١٠% فيما سقي بدون مشقة كالذي يسقى بماء الأنهار أو العيون الجارية أو الأمطار، ونصف العشر ٥% فيما سقي بمشقة كالذي يسقى بالروافع.
ووقت إخراج زكاة الحبوب والثمار حصادها، فلو حصدها في السنة مرتين أو ثلاثا لوجب عليه أن يزكيها كل مرة، وفي الإبل والبقر والغنم زكاة مبينة مقاديرها في كتب أحكام الإسلام فلتراجع، قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفي إخراج الزكاة تطييب لنفوس الفقراء وسد لحاجتهم، وتقوية لروابط المحبة بينهم وبين الأغنياء.
ولم يقف الدين الإسلامي في مسألة التكافل الاجتماعي
[ ٦١ ]
والتعاون المالي بين المسلمين عند حد الزكاة، بل أوجب الله على الأغنياء إعالة الفقراء في حالة المجاعة، وحرم على المسلم أن يشبع وجاره جائع، وأوجب على المسلم زكاة الفطر، يخرجها يوم عيد الفطر، وهي صاع من الطعام المأكول في البلد عن كل نفس حتى الطفل والخادم يخرج عنه وليه، وأوجب الله على المسلم أن يدفع كفارة اليمين (١) إذا حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله، وأوجب الله على المسلم أن يفي بالنذر المشروع، وحثّ الله المسلم على صدقة التطوع، ووعد المنفقين في سبيله في أوجه البر بأفضل الجزاء، ووعدهم بأن يُضاعف لهم الأجر أضعافا كثيرة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
[الركن الرابع من أركان الإسلام الصيام]
الركن الرابع من أركان الإسلام (الصيام): صيام شهر رمضان، وهو الشهر التاسع من أشهر السنة الهجرية.
وصفة الصيام:
_________________
(١) كفارة اليمين يخير بين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام.
[ ٦٢ ]
ينوي المسلم الصيام قبل أن يتبين الصبح، ثم يُمسك عن الأكل والشرب والجماع (الاتصال الجنسي) حتى تغيب الشمس، ثم يفطر، يفعل ذلك مدة أيام شهر رمضان، يريد بذلك رضى الله - تعالى - وعبادته.
وفي الصوم من المنافع ما لا يُحصى، فأهم منافعه:
١ - أنه عبادة لله وامتثال لأمره، يترك العبد شهوته وطعامه وشرابه من أجل الله، فهو من أعظم أسباب تقوى الله - تعالى -.
٢ - وأما منافع الصيام الصحية والاقتصادية والاجتماعية فكثيرة جدًّا، لا يدركها إلا الصائمون عن عقيدة وإيمان، قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
[ ٦٣ ]
ومن أحكام الصيام التي بينها الله - تعالى - في القرآن، وبينها رسوله محمد - ﵊ - في الأحاديث:
١ - أن المريض والمسافر يفطران ويقضيان الأيام التي أفطراها من أيام أخر بعد رمضان.
٢ - وكذا الحائض والنفساء لا يصح صومهما، بل تفطران أيام الحيض والنفاس، وتقضيان الأيام التي أفطرتاها.
٣ - وكذا الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما فإنهما تفطران وتقضيان.
ولو أكل الصائم أو شرب ناسيا ثم ذكر فإن صيامه صحيح، لأن النسيان والخطأ والإكراه قد عفا الله عنه لأمة محمد - ﷺ -، ويجب أن يخرج ما في فمه.
[الركن الخامس من أركان الإسلام الحج]
[تعريف الحج]
الركن الخامس من أركان الإسلام (الحج): وهو حج بيت الله الحرام مرة في العمر، وما زاد فهو تطوع، وفي الحج من المنافع ما لا يحصى:
فأولها: أنه عبادة لله - تعالى - بالروح والجسم والمال.
وثانيها: أن فيه اجتماع المسلمين من كل مكان، يلتقون
[ ٦٤ ]
في مكان واحد، ويلبسون زيًّا واحدا، ويعبدون ربًّا واحدا في وقت واحد، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وغني وفقير، وأبيض وأسود، الكل خلق الله وعباده، فيحصل للمسلمين التعارف والتعاون، ويتذكرون يوم يبعثهم الله جميعا ويحشرهم في صعيد واحد للحساب، فيستعدون لما بعد الموت بطاعة الله - تعالى -.
والقصد من الطواف حول الكعبة (قبلة المسلمين) التي أمرهم الله بالتوجه إليها في كل صلاة أينما كانوا، والقصد من الوقوف بالأماكن الأخرى في مكة في أوقاتها المحددة لها، وهي: عرفات ومزدلفة والإقامة بمنى، القصد من ذلك هو عبادة الله - تعالى - في تلك الأماكن المقدسة على الهيئة التي أمر الله بها.
أما الكعبة نفسها وتلك الأماكن وجميع المخلوقات فإنها لا تعبد، ولا تنفع ولا تضر، وإنما العبادة لله وحده، والنافع الضار هو الله وحده، ولو لم يأمر الله بحج البيت لما صح للمسلم أن يحج، لأن العبادة لا تكون بالرأي والهوى، وإنما بموجب أمر الله - تعالى - في كتابه، أو سنة رسوله ﷺ، قال
[ ٦٥ ]
الله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] (١) [سورة آل عمران، الآية: ٩٧] .
والعمرة واجبة على المسلم مرة في العمر سواء مع الحج أو في أي وقت، وزيارة مسجد النبي ﷺ في المدينة ليست واجبة مع الحج ولا في أي وقت، وإنما هي مستحبة يُثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها، وأما حديث: «من حج فلم يزرني فقد جفاني» فليس بصحيح بل هو مكذوب على رسول الله ﷺ، (٢) .
والزيارة التي يسافر من أجلها تشرع للمسجد، فإذا وصل إليه الزائر وصلى فيه التحية، شرع له حينئذ زيارة قبر النبي
_________________
(١) وأما حج الجهال إلى قبور الأولياء والمشاهد فإنه ضلال ومخالفة لأمر الله - تعالى - وأمر رسوله ﷺ، قال الرسول ﷺ: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.
(٢) ومثله حديث: توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض، وحديث: من حسن ظنه في حجر نفعه، فإنها جميعها أحاديث موضوعة لا صحة لها، ولا توجد في شيء من كتب الحديث المعتبرة، وإنما توجه هي وأشباهها في كتب المضللين الذين يدعون إلى الشرك والبدع من حيث لا يشعرون.
[ ٦٦ ]
ﷺ، ويسلم عليه قائلًا: " السلام عليك يا رسول الله " بأدب وخفض صوت، ولا يطلب منه شيئا بل يسلم وينصرف، كما أمر أمته بذلك، وكما هو فعل الصحابة - رضوان الله عليهم.
أما الذين يقفون عند قبر النبي ﷺ بخشوع كحال وقوفهم في الصلاة، ويطلبون منه حوائجهم، أو يستغيثون به، أو يتوسطون به عند الله، فهؤلاء مشركون بالله - تعالى - والنبي بريء منهم، فليحذر كل مسلم أن يفعل ذلك مع النبي ﷺ أو مع غيره، ثم يزور قبري صاحبيه (أبي بكر وعمر) - ﵄ -، ثم يزور أهل البقيع والشهداء، الزيارة الشرعية لأهل القبور المسلمين، وهي التي يسلم فيها الزائر على الأموات، ويدعو الله لهم ويتذكر الموت وينصرف.
وهذه صفة الحج والعمرة: يختار الحاج أولا النفقة الطيبة الحلال، ويتجنب المسلم المكاسب المحرمة؛ لأن النفقة الحرام سبب لرد حج صاحبها ودعائه، وقد جاء في حديث الرسول ﷺ: «كل لحم نبت من نبت فالنار أولى به»، ويختار الرفقة الصالحة أهل التوحيد والإيمان.
[ ٦٧ ]
[المواقيت]
المواقيت: فإذا وصل إلى الميقات أحرم منه إن كان في سيارة ونحوها، وإن كان في الطائرة أحرم إذا قرب منه قبل أن يتجاوزه، والمواقيت التي أمر النبي ﷺ الناس أن يحرموا منها خمسة، وهي:
١ - ذو الحليفة (أبيار علي) لأهل المدينة.
٢ - الجحفة (قرب رابغ) وهو لأهل الشام ومصر والمغرب.
٣ - قرن المنازل (السيل أو وادي محرم) لأهل نجد والطائف ومن في جهتهم.
٤ - ذات عرق (لأهل العراق) .
٥ - يلملم لأهل اليمن.
ومن مر على هذه المواقيت من غير أهلها فهي ميقات لا يُحرم منها، وأهل مكة والذين منازلهم دون المواقيت يُحرمون من منازلهم.
[وصفة الإحرام]
وصفة الإحرام: يستحب أن يتنظف ويتطهر ويتطيب قبل الإحرام، ثم يلبس لباس الإحرام في الميقات، وراكب
[ ٦٨ ]
الطائرة يتهيأ في بلده ثم يعقد النية، ويلبي إذا قرب من الميقات أو حاذاه، ولباس الإحرام بالنسبة للرجل إزار ورداء غير مخيطين يلفهما على جسده، ولا يغطي رأسه، أما المرأة فليس لإحرامها لباس مُعين، وإنما يجب عليها دائما أن تلبس الثياب الواسعة الساترة التي لا فتنة فيها في أي حال يراها الناس، ولا تلبس إذا أحرمت مخيطا على وجهها ويديها كالبرقع والقفازين، وإنما تغطي وجهها إذا رأت الرجال بطرف خمارها الذي على رأسها، كما هو فعل أمهات المؤمنين ونساء أصحاب الرسول ﷺ.
ثم بعدما يلبس الحاج لباس الإحرام ينوي في قلبه العمرة، ثم يلبي بها قائلًا: " اللهم لبيك عمرة "، ويتمتع بها إلى الحج، والتمتع هو الأفضل لأن الرسول ﷺ أمر به أصحابه وألزمهم به، وغضب على من تردد في تنفيذ أمره، إلا الذي معه هدي فإنه يبقى قارنا كفعله ﷺ، والقارن: هو الذي يقول في تلبيته: " اللهم لبيك عمرة وحجًّا "، ولا يحل إحرامه حتى ينحر هديه يوم عيد النحر، والُمْفرِد ينوي الحج فقط ويقول: " اللهم لبيك حجًّا ".
[ ٦٩ ]
[الأمور المحرمة على المحرم]
الأمور المحرمة على المحرم: وإذا عقد المسلم النية بالإحرام حَرُم عليه:
١ - الجماع ودواعيه كالقبلة واللمس بشهوة، والكلام بذلك، وخطبة المرأة، وعقد النكاح، فالمحرم لا يتزوَّج ولا يُزوِّج.
٢ - حلق الشعر أو أخذ شيء منه.
٣ - تقليم الأظافر.
٤ - تغطية رأس الرجل بملاصق، أما الاستظلال بالشمسية والخيمة والسيارة فلا مانع.
٥ - التطيب وشم الطيب.
٦ - صيد البر فلا يصيده ولا يدل عليه.
٧ - لبس الرجل الشيء المخيط، ولبس المرأة لشيء مخيط على وجهها ويديها، ويلبس الرجل النعلين، فإن لم يجد يلبس الخفين، ولو فعل شيئا من هذه المحظورات جاهلًا أو ناسيا أزاله ولا شيء عليه. فإذا وصل المحرم إلى الكعبة طاف بها طواف القدوم سبعة أشواط، يبدأ من محاذاة الحجر الأسود (المحب)،
[ ٧٠ ]
وهذا هو طواف عمرته، وليس للطواف دعاء مخصوص، بل يذكر الله ويدعو بما تيسر له (١) ثم يصلي ركعتي الطواف خلف المقام إن تيسر وإلا في أي مكان من الحرم، ثم يخرج إلى المسعى فيبدأ بالصفا ويرقى عليه، ويتوجه إلى القبلة، ويكبر ويهلل ويدعو، ثم يسعى إلى المروة ويرقى عليها، ويتوجه إلى القبلة ويكبر، ويذكر الله ويدعو، ثم يعود إلى الصفا حتى يكمل سبعة أشواط، ذهابه شوط ورجوعه شوط، ثم يقصر شعر رأسه، والمرأة تأخذ من أطراف شعرها بقدر طرف الأصبع، وبهذا انتهى المتمتع من عمرته وحل إحرامه، وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام.
ولو حاضت المرأة أو ولدت قبل الإحرام أو بعده فإنها تصير قارنة، تلبي بعمرة وحج بعدما تحرم كغيرها من الحجاج؛ لأن الحيض والنفاس لا يمنعان الإحرام، ولا الوقوف بالمشاعر، إنما يمنعان الطواف بالبيت فقط، فتعمل كل ما يفعله الحجاج إلا الطواف، فإنها تؤخره حتى تطهر،
_________________
(١) إلا بين الركنين فإنه يقول ما ورد: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ".
[ ٧١ ]
فإن طهرت قبل إحرام الناس بالحج وخروجهم إلى منى فإنها تغتسل وتطوف وتسعى، وتقصر شعرها، وتحل إحرام عمرتها، ثم تُحرم مع الناس بالحج إذا أحرموا في اليوم الثامن، وإن أحرم الناس بالحج قبل أن تطهر، فإنها تصير قارنة، تلبي معهم وهي على إحرامها، وتفعل كل ما يفعله الحجاج من الخروج إلى منى، والوقوف بعرفات ومزدلفة، والرمي والنحر والتقصير من رأسها يوم عيد النحر، فإذا طهرت اغتلست وطافت طواف الحج، وسعت سعي الحج.
وهذا الطواف والسعي كافيان لحجها وعمرتها، كما حصل ذلك لعائشة أم المؤمنين - ﵂ - وأخبرها النبي ﷺ أن طوافها وسعيها بعد الطهر يكفيانها لحجها وعمرتها لما طافت مع الناس طواف الإفاضة وسعت، لأن القارن بين العمرة والحج كالمفرد ليس عليه إلا طواف واحد (١) وسعي واحد، لتصريح الرسول ﷺ لها بذلك، ولفعله
_________________
(١) يطوفه يوم العيد أو بعده، أما طوافه الأول قبل الحج المسمى طواف القدوم فإنه نافلة، وأما السعي فهو واحد للمفرد والقارن إن قدمه مع طواف القدوم كفى، وإن لم يسعَ سعى مع طواف الإفاضة يوم العيد أو بعده.
[ ٧٢ ]
، ولقوله في الحديث الآخر: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، والله أعلم.
فإذا جاء اليوم الثامن من شهر ذي الحجة أحرم الحجاج من منازلهم بمكة بالحج، مثلما أحرموا من الميقات يتنظفون، ثم يلبسون لباس الإحرام، ثم ينوي الحاج رجلًا أو امرأة الحج، ثم يلبي به قائلًا: " اللهم لبيك حجًّا "، ويجتنب محظورات الإحرام المتقدمة حتى يرجع من مزدلفة إلى منى في يوم النحر، ويرمي جمرة العقبة، ويحلق الرجل رأسه والمرأة تقصره.
فإذا أحرم الحاج في اليوم الثامن خرج مع الحجاج إلى منى، وبات فيها وصلى فيها كل صلاة في وقتها قصرا بدون جمع، فإذا طلعت شمس يوم عرفة توجه مع الحجاج إلى نمرة، وجلس بها حتى يصلي مع الإمام أو في المكان الذي هو فيه جماعة الظهر والعصر جمعا وقصرا، ثم يتوجه بعد الزوال إلى عرفة، فإن توجه من منى إلى عرفة رأسا وجلس بها جاز، وعرفة كلها موقف.
ويُكثر الحاج في عرفة من ذكر الله - تعالى - والدعاء والاستغفار، ويتوجه إلى القبلة لا إلى الجبل؛ لأن الجبل ما
[ ٧٣ ]
هو إلا جزء من عرفات لا يصح صعوده تعبدا، ولا يجوز التمسح بأحجاره، فإن هذا بدعة محرمة.
ولا ينِصرف الحاج من عرفة حتى تغيب الشمس، ثم بعد مغيب الشمس ينصرف الحجاج إلى مزدلفة، فإذا وصلوا إليه صلوا فيها المغرب والعشاء جمع تأخير وقصروا العشاء، وباتوا بها، فإذا طلع الفجر صلوا الفجر وذكروا الله، ثم توجهوا إلى منى قبل طلوع الشمس، فإذا وصلوا إلى منى رموا جمرة العقبة بعد طلوع الشمس بسبع حصيات تشبه الحمص لا كبيرة ولا صغيرة، ولا يجوز رميها بالنعال، لأن هذا تلاعب يزينه الشيطان، وإرغام الشيطان في اتباع أمر الرسول ﷺ، وهديه، وترك ما نهى الله عنه ورسوله.
ثم بعد الرمي ينحر الحاج هديه، ثم يحلق رأسه، والمرأة تقصره، وإن قصر الرجل جاز، لكن الحلق أفضل ثلاث مرات، ثم يلبس ثيابه وقد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ثم يفيض إلى مكة ويطوف طواف الحج ويسعى، وبهذا قد حل له كل شيء حتى الزوجة، ثم يرجع إلى منى فيقيم بها باقي يوم العيد ويومين بعده مع ليلتيهما يبيت في منى وجوبا، ويرمي الجمار
[ ٧٤ ]
الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر بعد زوال الشمس، يبدأ بالصغرى التي تلي منى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة التي رماها يوم العيد، كل واحدة يرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، وحصى الجمار يأخذه من منزله في منى، ومن لم يجد مكانا في منى نزل حيث تنتهي الخيام.
فإذا أراد الانصراف من منى بعدما يرمي في اليوم الثاني عشر فله ذلك، وإن تأخر إلى اليوم الثالث عشر، فهو أفضل، ويرمي بعد الزوال، فإذا أراد السفر طاف طواف الوداع بالبيت، ثم سافر بعده مباشرة، والمرأة الحائض والنفساءُ إذا كانت قد طافت طواف الحج وسعت ليس عليها طواف وداع.
ولو أخر الحاج ذبح الهدي إلى اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر جاز له ذلك، ولو أخر طواف الحج والسعي حتى ينزل من منى جاز له ذلك، ولكن الأفضل ما تقدم بيانه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
[ ٧٥ ]
[الإيمان]
الإيمان لقد أوجب الله - تعالى - على المسلم أن يؤمن إلى جانب الإيمان به وبرسوله وبأركان الإسلام، أوجب عليه أن يؤمن بملائكته (١) وكتبه (٢) التي أنزلها على رسله، والتي ختمها بالقرآن، ونسخها به، وجعله مهيمنا عليها، وأن يؤمن برسل الله من أولهم إلى آخرهم محمد ﷺ؛ لأن رسالتهم واحدة، ودينهم واحد، وهو الإسلام، ومرسلهم واحد وهو الله رب العالمين، فيلزم المسلم أن يؤمن بأن الرسل الذين ذكرهم الله في القرآن رسل الله إلى أممهم الماضية، ويؤمن بأن محمدا خاتمهم، ورسول الله إلى الناس أجمعين، وأن الناس بعد بعثته
_________________
(١) الملائكة: أرواح خلقهم الله - تعالى - من النور، وهم كثيرون لا يحصيهم إلا الله، منهم من في السماوات، ومنهم الموكلون ببني آدم.
(٢) أي يؤمن المسلم بأن الكتب التي أنزلها الله على رسله حق، وهي لم يبق منها إلا القرآن، أما التوراة والأناجيل التي بأيدي اليهود والنصارى فهي من تأليفهم بدليل اختلافها، وقولهم فيها: الآلهة ثلاثة، وعيسى ابن الله، والحق أن الإله واحد، وهو الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله كما في القرآن، والمذكور فيها من كلام الله منسوخ بالقرآن، وقد رأى النبي ﵇ ورقة من التوراة في يد عمر فغضب، وقال: " أفي شك يا ابن الخطاب، والله لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي "، فألقى عمر الورقة، وقال: استغفر لي يا رسول الله.
[ ٧٦ ]
كلهم أمة له حتى اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الديانات الأخرى؛ لأن جميع من في الأرض أمة لمحمد ملزمون من عند الله باتباعه.
وموسى وعيسى وجميع الرسل بريئون ممن لا يتبع محمدا، ويدخل في الإسلام، لأن المسلم مؤمن بجميع الرسل، ومتبع لهم، ومن لم يؤمن بمحمد ويتبعه ويدخل في دين الإسلام فهو كافر بجميع الرسل، مُكذّب لهم، ولو ادعى أنه متبع لأحدهم، وقد تقدمت الأدلة على ذلك من كلام الله - تعالى - في الفصل الثاني، وقال الرسول محمد ﷺ في حديثه: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، رواه مسلم، ويجب على المسلم أن يؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والجزاء والجنة والنار، ويجب عليه أن يؤمن بقدر الله - تعالى -.
ومعنى الإيمان بالقدر: أن يعتقد المسلم بأن الله - تعالى - قد علم كل شيء، وعلم أفعال العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب ذلك العلم في اللوح المحفوظ عنده،
[ ٧٧ ]
ويعلم المسلم بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله - تعالى - خلق العباد لطاعته وبيّنها لهم، وأمرهم بها ونهاهم عن معصيته، وبينها لهم، وجعل لهم القدرة والمشيئة التي يتمكنون بها من فعل أوامر الله، فيحصل لهم الثواب، ومن فعل معاصيه فيستحقون العقاب.
ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله - تعالى - وأما الأقدار التي لم يجعل الله لعباده فيها مشيئة ولا اختيارا، وإنما يجريها عليهم على الرغم من إرادتهم مثل الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ومثل الفقر والمرض والمصائب ونحو هذا، فإن الله لا يؤاخذ على ذلك ولا يعاقب عليه الإنسان، بل يأجره على المصائب والفقر والمرض إذا صبر ورضي بقدر الله أجرا عظيما، كل هذا الذي تقدم يجب على المسلم أن يؤمن به.
وأعظم المسلمين إيمانا بالله وأقربهم منه وأعلاهم منزلا في الجنة (المحسنون)، الذين يعبدون الله ويعظمونه ويخشعون له كأنهم يرونه، ولا يعصونه في سرهم وعلانيتهم، ويعتقدون أنه يراهم أينما كانوا، ولا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأقوالهم ونياتهم، فيطيعون أمره،
[ ٧٨ ]
ويتركون معصيته، وإذا وقع من أحدهم خطيئة (مخالفة لأمر الله) تاب إلى الله منها توبة صادقة وعاجلة، وندم على خطيئته واستغفر الله، ولم يعد، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
[كمال دين الإسلام]
كمال دين الإسلام قال الله - تعالى - في القرآن العظيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] وقال الله - ﷿ - عن القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]
وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»، وقال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي» .
وفي الآيات المتقدمة: يخبر الله - تعالى - في الآية الأولى أنه أكمل للمسلمين دينهم الإسلام، فلا نقص فيه أبدا، ولا
[ ٧٩ ]
يحتاج إلى زيادة أبدا، فهو صالح لكل زمان ومكان وأمة، ويخبر أنه أتم نعمته على المسلمين بهذا الدين العظيم الكامل السمح، وبرسالة خاتم المرسلين محمد ﷺ، وبإظهار الإسلام، ونصر أهله على من عاداهم، ويخبر أنه رضي الإسلام للناس دينا، فلا يسخطه أبدا، ولا يقبل من أحد دينا سواه أبدا.
وفي الآية الثانية يخبر الله - تعالى - أن القرآن العظيم منهاج كامل، فيه البيان الحق الشافي لأمور الدين والدنيا، فلا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذر منه، وكل مسألة وكل مشكلة قديمة أو حاضرة أو مستقبلة فإن الحل الصحيح العادل لها في القرآن، وكل حل لها يُخالف حل القرآن فهو جهل وظلم.
فالعلم والعقيدة والسياسة ونظام الحكم والقضاء وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد ونظام العقوبات وغير ذلك مما يحتاج إليه البشر، كل ذلك قد بينه الله في القرآن، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ أكمل بيان، كما أخبر الله - تعالى - بذلك في الآية المذكورة حيث أخبر أن: القرآن تبيانا لكل شيء، وفي الفصل الآتي بيان مفصل موجز لكمال دين الإسلام، ولمنهجه الشامل الكامل القويم.
[ ٨٠ ]