[أولا في العلم]
الفصل الرابع
منهاج الإسلام أولا: في العلم أول واجب أمر الله به الإنسان أن يتعلم العلم، قال الله - تعالى -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩] وقال الله - تعالى -: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال - تعالى -: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال - تعالى -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وقال خاتم المرسلين محمد ﵊ في الحديث الصحيح: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وقال: «فضل العالم على الجاهل كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .
والعلم في الإسلام ينقسم إلى أقسام من حيث لزومه:
[ ٨١ ]
فالقسم الأول: فرض لازم على كل إنسان، ذكرا أو أنثى، لا يعذر أحد في الجهل به، وهو معرفة الله - تعالى - ومعرفة رسوله محمد ﷺ، ومعرفة ما يلزم من دين الإسلام (١) .
القسم الثاني: فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وصار في حق الباقين مستحبًّا لا واجبا، وهو العلم بأحكام الشريعة الإسلامية التي تؤهل صاحبها للتدريس وللقضاء والإفتاء، وكذا العلم بما يحتاج إليه المسلمون من الصناعات والمهن اللازمة لشؤون حياتهم، فيلزم ولي أمر المسلمين إذا لم يوجد من يكفي أن يعمل على إيجاد علماء تحصل بهم كفاية المسلمين فيما هو ضروري لحياتهم.
[ثانيا في العقيدة]
ثانيا: في العقيدة أمر الله - سبحانه - رسوله محمدا ﵊ أن يعلن للناس جميعا أنهم عبيد الله وحده، يجب عليهم أن يعبدوه وحده، وأمرهم أن يرتبطوا بالله مباشرة وبدون واسطة في عبادتهم له، كما تقدم بيان ذلك في معنى: " لا إله إلا الله "، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وحده، وأن لا يخافوا إلا
_________________
(١) وقد تقدم تفصيل ذلك في الفصول الثلاثة المتقدمة.
[ ٨٢ ]
منه، ولا يرجوا إلا هو وحده؛ لأنه وحده النافع الضار، وأن يصفوه بصفات الكمال التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله، كما تقدم بيانه.
[ثالثا في الرابطة بين الناس]
ثالثا: في الرابطة بين الناس أمر الله المسلم أن يكون إنسانا صالحا، يسعى لإنقاذ البشرية من ظلام الكفر إلى نور الإسلام، ولهذا قمت بتأليف الكتاب ونشره تأدية لبعض الواجب.
وأمر الله أن تكون الرابطة التي تربط المسلم بغيره هي رابطة الإيمان بالله، فيحب عباد الله الصالحين المطيعين لله ولرسوله ولو كانوا من أبعد الناس، ويبغض الكفار بالله والعصاة لله ولرسوله ولو كانوا أقرب الناس، وهذه هي الرابطة التي تجمع بين المفترقين، وتؤلف بين المختلفين بخلاف رابطة النسب والوطن والمصالح المادية، فإنها سرعان ما تنفصم.
قال الله - تعالى -: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]
[ ٨٣ ]
وقال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] يخبر الله - سبحانه - في الآية الأولى: أن المؤمن بالله لا يحب أعداء الله وإن كانوا أقرب الناس، ويخبر في الآية الثانية: أن أكرم الناس عنده المحبوب لديه هو المطيع له من أي جنس كان ومن أي لون.
وقد أمر الله - تعالى - بالعدل مع العدو والصديق، وحرّم الظلم على نفسه، وجعله محرما بين عباده وأمر بالأمانة والصدق، وحرم الخيانة، وأمر ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء، والمشاركة في الأعمال الخيرية، وأمر بالإحسان إلى كل شيء حتى الحيوان، فقد حرم الله تعذيبه، وأمر بالإحسان إليه (١) أما الحيوانات الضارة كالكلب العقور والحية والعقرب والفأرة والحدأة والوزغ فإنها تقتل لمنع شرها، ولا تعذب.
_________________
(١) حتى في حال ذبح الحيوان الحلال فقد أمر الرسول ﷺ بحد السكين وإراحة الذبيحة، ومكان الذبح الحلق فيقطع المريء وعرقي الدم حتى يخرج دمها، والإبل تنحر بطعن لبتها أسفل الرقبة، أما قتل الحيوان بواسطة الصعق الكهربائي أو ضرب رأسه ونحو هذا فإنه حرام، ولا يجوز أكله.
[ ٨٤ ]
[رابعا في المراقبة والواعظ القلبي للإنسان المؤمن]
رابعا: في المراقبة والواعظ القلبي للإنسان المؤمن جاءت الآيات في القرآن العظيم تبين للناس أن الله يراهم أينما كانوا، وأنه يعلم جميع أعمالهم، ويعلم نواياهم، وأنه يحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم، وملائكته ملازمون لهم يكتبون كل ما يصدر منهم في السر والعلانية، وأن الله سوف يحاسبهم على كل ما يفعلون ويقولون، وحذرهم عقابه الأليم إذا عصوه في هذه الحياة وخالفوا أمره، فصار ذلك أكبر زاجر للمؤمنين بالله يمنعهم من الوقوع في معاصيه، فيتركون الجرائم والمخالفات خوفا من الله - تعالى -.
أما الذي لا يخاف الله، ويرتكب المعاصي إذا قدر عليها فقد جعل الله له حدًّا يردعه في هذه الحياة، وهو أمر الله المسلمين أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، فيشعر كل مسلم أنه مسئول أمام الله عن كل خطيئة يرى غيره يفعلها، حتى ينهاه عن فعلها بلسانه إذا لم يقدر على منعه بيده، وأمَر الله ولي أمر المسلمين أن يقيم حدود الله على المخالفين، وهي عقوبات على قدر جرائم أصحابها، بينها الله - تعالى - في القرآن، وبينها رسول الله ﷺ في أحاديثه، وأمر بتطبيقها
[ ٨٥ ]
على المجرمين، وبذا ينتشر العدل والأمن والرخاء.
[خامسا في التكافل والتعاون الاجتماعي]
خامسا: في التكافل والتعاون الاجتماعي أمر الله المسلمين بالتعاون فيما بينهم ماديًّا ومعنويا، كما تقدم بيان ذلك في باب الزكاة والصدقات، وحرم الله - تعالى - على المسلم أن يؤذي الناس بأي نوع من أنواع الأذى، حتى الأذى في الطريق حرمه الله، وأمر المسلم أن يزيله إذا رآه ولو كان الذي وضعه غيره، ووعده الأجر على ذلك، كما توعد المؤذي بالعقاب.
وفرض الله على المؤمن أن يحب لأخيه كما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه قال الله - تعالى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]
وقال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] قال - تعالى -: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
وقال الرسول محمد ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب
[ ٨٦ ]
لأخيه ما يحب لنفسه»، رواه مسلم، وقال ﷺ في خطبه العظيمة التي ألقاها في آخر حياته في حجة الوداع، مؤكدا بها ما أمر به من قبل: «يا أيها الناس إن ربكم واحد، وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: أبلغ رسول الله»، وقال - أيضا -: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، فرفع أصبعه إلى السماء، وقال: اللهم اشهد» (١) .
[سادسا في السياسة الداخلية]
سادسا: في السياسة الداخلية أمر الله المسلمين أن يُولّوا على أنفسهم إماما يُبايعونه بالإمارة، وأمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فيكونوا أمة واحدة، وأمرهم الله بطاعة إمامهم وأمرائهم إلا إذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأمر الله المسلم - إذا كان في بلد لا يقدر فيها على إظهار دين الإسلام والدعوة إليه - أمره أن يهاجر منها إلى بلاد
_________________
(١) وهي خطب عظيمة جامعة متفرقة في كتب الحديث النبوي.
[ ٨٧ ]
الإسلام، وهي التي يحكم فيها في جميع الأمور بالشريعة الإسلامية، ويحكمها إمام مسلم بما أنزل الله.
فالإسلام لا يعترف بالحدود الإقليمية والجنسيات القومية أو الشعوبية، وإنما جنسية المسلم هي الإسلام، والعباد عباد الله، والأرض أرض الله، يتنقل فيها المسلم بدون معارض، شريطة أن يلتزم شريعة الله، وإذا خالفها في شيء يجري عليه حكم الله، وفي العمل بشريعة الله، وإقامة حدوده استتباب الأمن واستقامة الناس، وحقن دمائهم وسلامة أعراضهم وأموالهم، والخير كله، كما أن في العدول عنها الشر كله.
وحمى الله - تعالى - العقول: بتحريم المسكرات والمخدرات والمفترات، وجعل حدًّا لشارب المسكر، وهو الجلد من ٤٠ - ٨٠ جلدة كلما فعل ذلك ردعا له وصيانة لعقله، وحماية للناس من شره.
وحمى دماء المسلمين: بالقصاص من المعتدي بغير حق، فيقتل القاتل، وشرع في الجروح القصاص، كما شرع للمسلم الدفاع عن نفسه وعرضه وماله، قال الله - تعالى -: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]
[ ٨٨ ]
[سورة البقرة، الآية: ١٩٧]، وقال رسول الله ﷺ: «من قُتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» .
وحمى الله أعراض المسلمين: بما شرعه من تحريم التكلم في غيبة المسلم بكلام يكرهه إلا بحق، وبما شرع من حدّ القاذف الذي يرمي المسلم بالجريمة الخلقية مثل الزنى واللواط دون أن يثبت ذلك إثباتا شرعيًّا.
وحمى الله الأنساب من الاختلاط غير المشروع، وحمى الأعراض أن تدنس بالجريمة الخلقية بتحريم الزنا تحريما كبيرا واعتباره من أكبر الكبائر: وجعل عقوبة رادعة على فاعله إذا توافرت شروط إقامة حد الزنى عليه.
وحمى الله الأموال: بتحريم السرقة والغش والقمار والرشوة وغير ذلك من المكاسب المحرمة، وبما شرعه من عقوبة السارق وقاطع الطريق العقوبة الرادعة، وهي القطع إذا توافرت شروطه أو عقابه بما يردعه إذا لم تتوافر الشروط مع ثبوت السرقة.
والذي شرع هذه الحدود هو الله العليم الحكيم، وهو
[ ٨٩ ]
أعلم بما يصلح أحوال خلقه، وهو بهم أرحم، وقد جعل هذه الحدود كفارة لذنوب المجرمين من المسلمين، وحماية للمجتمع من شرهم وشر غيرهم، والذين يعيبون قتل القاتل وقطع يد السارق من أعداء الإسلام وأدعيائه إنما يعيبون قطع عضو مريض فاسد إذا لم يقطع سرى فساده في المجتمع بأسره (١) وفي الوقت نفسه يستحسنون قتل الأبرياء من أجل أغراضهم الظالمة.
[سابعا في السياسة الخارجية]
سابعا: في السياسة الخارجية أمر الله المسلمين وولاة أمورهم أن يدعو غير المسلمين إلى الإسلام، لينقذوهم به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بالله، ومن شقاء الانغماس في ماديات هذه الحياة الدنيا، والحرمان من السعادة الروحية التي ينعم بها المسلمون حقًّا.
فأمر الله هذا للمسلم هو أن يكون إنسانا صالحا ينفع جميع بني الإنسان بصلاحه، ويسعى لإنقاذ البشر جميعا، بخلاف المناهج البشرية، فإنها تطلب من الإنسان أن يكون مواطنا
_________________
(١) وهذا أولى من قطع العضو المريض الفاسد باختيار المريض وأهله لسلامة جسده.
[ ٩٠ ]
صالحا فقط، وهذا من الأدلة على فسادها ونقصها، وعلى صلاح الإسلام وكماله.
وأمر الله المسلمين أن يُعدّوا لأعداء الله ما استطاعوا من قوة، ليحموا بها الإسلام والمسلمين، وليرهبوا بها عدو الله وعدوهم، كما أباح الله للمسلمين أن يعقدوا المعاهدات مع غير المسلمين إذا دعا الأمر إلى ذلك على ضوء الشريعة الإسلامية، وحرم الله على المسلمين نقض العهد الذي يبرمونه مع عدوهم إلا إذا بدأ العدو بنقضه، أو فعل ما يوجب ذلك، فإنهم يشعرونه بالنقض.
وقبل بدء القتال مع غير المسلمين أمر الله المسلمين أن يدعوا أعداءهم إلى الدخول في الإسلام أولا، فإن أبوا طلبوا منهم الجزية والخضوع لحكم الله، فإن أبوا كان القتال حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.
وفي حال القتال حرم الله على المسلمين قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان الذين في معابدهم، إلا من يشترك مع المقاتلين برأي أو فعل، وأمرهم أن يُعاملوا الأسرى بالإحسان، ومن هذا نفهم أن الغزو في الإسلام لا يراد به
[ ٩١ ]
السيطرة والاستغلال، وإنما يراد به نشر الحق ورحمة الخلق، وإخراج الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الله الخالق.
[ثامنا في الحرية]
[حرية العقيدة]
ثامنا: في الحرية (أ) حرية العقيدة: أعطى الله - تعالى - في دين الإسلام لمن يدخل تحت حكمه من غير المسلمين حرية العقيدة بعدما يتم بيان الإسلام له، وبعدما يدعى إليه، فإن اختار الإسلام ففيه سعادته ونجاته، وإن اختار البقاء على دينه فقد اختار لنفسه الكفر والشقاء والعذاب في النار، ويكون بهذا قد قامت عليه الحجة وليس له عذر أمام الله - تعالى -، وحينئذ يتركه المسلمون على عقيدته على شرط أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، ويخضع لأحكام الإسلام، ولا يتظاهر بشعائر كفره أمام المسلمين.
أما المسلم فلا يقبل منه بعد الدخول في الإسلام الردة عنه، فلو ارتد فإنما جزاؤه القتل، وذلك لأنه قد أصبح بردته عن الحق بعد معرفته غير صالح للبقاء، إلا أن يتوب إلى الله - تعالى - ويرجع إلى الإسلام، وإن كانت ردته بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام فيتوب من ذلك الناقض بتركه وبغضه واستغفاره الله - تعالى -.
[ ٩٢ ]
[نواقض الإسلام]
ونواقض الإسلام كثيرة: أشهرها: ١ - الشرك بالله - تعالى - وهو أن يجعل العبد مع الله إلها، ولو باتخاذه واسطة بينه وبين الله يدعوه ويقرب له، سواء اعترف بألوهيته اسما ومعنى لمعرفته بمعنى الإله والعبادة - كمشركي الجاهلية الذين عبدوا أصناما ترمز لأناس صالحين بغية شفاعتهم - أم لم يعترف بأنه إله مع الله، وأن عبادته إياه عبادة له كالمشركين المنتسبين للإسلام الذين لا يقبلون ممن دعاهم إلى التوحيد، زاعمين أن الشرك هو السجود للصنم فقط، أو أن يقول العبد لشيء غير الله: هذا إلهي.
فهم كمن يشرب الخمر ويسميها بغير اسمها، وقد تقدم بيان حالهم، قال الله - تعالى -: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]
[ ٩٣ ]
[سورة فاطر، الآيتان: ١٣، ١٤] .
٢ - عدم تكفير المشركين وغيرهم من الكفار: كاليهود والنصارى والملحدين والمجوس والطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ولا يرضون بحكم الله، فمن لم يكفرهم بعد علمه بتكفير الله لهم كفر.
٣ - السحر المستلزم للشرك الأكبر فمن فعله أو رضي به بعد علمه بكفر فاعله، ومن رضي به كفر.
٤ - اعتقاد أن شريعة أو نظاما غير الإسلام أحسن من شريعة الإسلام، أو أن حكم غير النبي ﷺ أحسن من حكمه، أو أنه يجوز الحكم بغير حكم الله.
٥ - بغض الرسول ﷺ، أو شيء يعلم أنه من شريعته.
٦ - الاستهزاء بشيء يعلم أنه من دين الإسلام.
٧ - الكراهة لانتصار الإسلام أو المسرة لانخفاضه.
٨ - تولي الكفار بمحبتهم ونصرتهم وهو يعلم أن متوليهم منهم.
[ ٩٤ ]
٩ - اعتقاد أن الخروج يسعه عن شريعة محمد ﷺ، وهو أنه لا يصح لأحد الخروج عنها في أي أمر من الأمور.
١٠ - الإعراض عن دين الله، فمن أعرض عن الإسلام بعد تذكيره، لا يتعلمه ولا يعمل به كفر.
١١ - إنكار حكم من أحكام الإسلام المجمع عليها، ومثله لا يجهل ذلك. . والأدلة على هذه النواقض كثيرة في القرآن والسنة.
[حرية الرأي]
(ب) حرية الرأي: وأعطى الله الحرية في الرأي في الإسلام على شرط ألا يتنافى ذلك الرأي مع تعاليم الإسلام، فأمر المسلم أن يقول كلمة الحق أمام كل أحد لا تأخذه في الله لومة لائم، وجعل ذلك من أفضل الجهاد، وأمره أن يناصح ولاة الأمور المسلمين، وينهاهم عن المخالفات، وأمره أن يرد على من يدعو إلى الباطل وينهاه، وهذا أعظم وأجمل نظام لاحترام الرأي، أما الرأي المخالف لشريعة الله فلا يسمح لصاحبه بإظهاره؛ لأنه هدم وفساد ومحاربة للحق.
[حرية الشخصية]
(ج) حرية الشخصية: وأعطى الله في الإسلام الحرية
[ ٩٥ ]
الشخصية في حدود الشريعة الإسلامية المطهرة، فجعل للإنسان - رجلًا أم امرأة - الحرية في تصرفاته فيما بينه وبين الآخرين، كالبيع والشراء، والهبة والوقف والعفو، وجعل لكل من الرجل والمرأة حرية اختيار الزوج، فلا يكره أحدهما بمن لا يرضاه، وفي حال اختيار المرأة رجلًا ليس مكافئا لها في الدين، فإنه لا يسمح لها في ذلك حفاظا على عقيدتها وشرفها، فهو منع لصالحها هي وأسرتها.
وولي المرأة (وهو أقرب الرجال إليها نسبا أو وكيله) هو الذي يتولى عقد زواجها؛ لأن المرأة لا تزوج نفسها لما في ذلك من التشبه بالزانية، فيقول للزوج: زوجتك فلانة، ويجيبه الزوج بقوله: قبلت هذا الزواج، ويحضر العقد شاهدان.
ولا يسمح الإسلام للمسلم أن يتجاوز الحد الذي شرعه الله له، حيث إنه وجميع ما يملك ملك لله، فيجب عليه أن يكون تصرفه في حدود شريعة الله التي شرعها رحمة بعباده، من تمسك بها اهتدى وسعد، ومن خالفها شقي وهلك، ولذا حرم الله الزنا واللواط أشد التحريم، وحرم على المسلم الانتحار وتغيير خلق الله الذي خلقه الله عليه، أما قص
[ ٩٦ ]
الشارب وتقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط والختان، فإن الله أمر بذلك.
وحرم الله على المسلم أن يتشبه بأعداء الله في الأمور التي من خصائصهم؛ لأن التشبه بهم ومحبتهم في الأمور الظاهرة يؤدي إلى التشبه بهم ومحبتهم في القلب، والله يريد من المسلم أن يكون مصدرا للفكر الإسلامي الصحيح، وليس مستوردا لأفكار البشر وآرائهم، والله يريد للمسلم أن يكون قدوة حسنة لا مقلدا.
أما فيما يتعلق بالصناعات والخبرات الفنية الصحيحة فإن الإسلام يأمر بتعلمها، والأخذ بها، ولو كان السابق إليها غير مسلم، لأن الله هو المعلم للإنسان، قال الله - تعالى -: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] وهذا أعلى مقامات النصح والإصلاح للإنسان في الاستفادة من حريته، وحفظ كرامته وحمايتها من شر نفسه وشر غيره.
[حرية المأوى]
(د) حرية المأوى: وأعطى الله - تعالى - للمسلم حرية المأوى، فلا يجوز لأحد أن يدخل عليه بغير إذنه، ولا ينظر إليه في مأواه بغير إذنه.
[ ٩٧ ]
[حرية الكسب]
(هـ) حرية الكسب: وأعطى الله للمسلم حرية الكسب والإنفاق في حدود ما شرع له، فأمره أن يعمل ويكتسب لكي يكفي نفسه وأسرته، ولكي ينفق في وجوه البر والإحسان، وفي الوقت نفسه حرم الله عليه المكاسب المحرمة مثل الربا والقمار والرشوة والسرقة وأجرة الكهانة والسحر والزنا واللواط، وحرم الله أثمان المحرمات كثمن صور ذوات الأرواح، والخمر والخنزير وآلات اللهو المحرمة، والأجرة على الغناء والرقص، وكما أن الكسب من هذه المصادر محرم فكذلك الإنفاق فيها محرم، فلا يصح للمسلم أن ينفق شيئا إلا في وجه مشروع، وهذا أعلى مقامات النصح والهداية والإصلاح للإنسان في كسبه وإنفاقه، لكي يعيش غنيًّا بالكسب الحلال سعيدا.
[تاسعا في الأسرة]
[حقوق الوالدين]
تاسعا: في الأسرة نظم الله تعالى الأسرة في الشريعة الإسلامية أكمل نظام، تتحقق للآخذين به أسباب السعادة، فشرع الإحسان إلى الوالدين (الأم والأب) بالكلام الطيب والزيارة المستمرة إن كان بعيدا عنهما، وخدمتهما وقضاء حوائجهما، والإنفاق عليهما وإسكانهما إن كانا فقيرين أو أحدهما، وتوعَّد الله بالعقاب من أهمل والديه، ووعد
[ ٩٨ ]
المحسن إليهما بالسعادة.
[الحكمة في مشروعية الزواج]
وشرع الزواج وبين الحكمة في مشروعيته في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وهي:
١ - أن بالزواج يتوافر سبب من أكبر أسباب العفة، وحفظ الفرج عن الحرام (الزنا)، وحفظ العين عن النظر إلى الحرام.
٢ - وبالزواج تحصل السكينة والاطمئنان لكل من الزوجين بصاحبه؛ لأن الله جعل بينهما مودة ورحمة.
٣ - وبالزواج يكثر عدد المسلمين تكاثرا شرعيًّا فيه الطهر والصلاح.
٤ - وبالزواج يخدم كل من الزوجين صاحبه حينما يقوم كل منهما بوظيفته التي تلائم طبيعته كما جعلها الله - سبحانه -.
فالرجل يعمل خارج البيت ويكتسب المال لينفق على زوجته وأولاده، والزوجة تعمل داخل البيت، فهي تحمل وترضع، وتربي الأطفال، وتهيئ الطعام لزوجها والبيت والفراش، فإذا دخل متعبا مهموما ذهب عنه التعب والهموم، واستأنس بزوجته وأولاده، وعاش الجميع في راحة وسرور.
ولا مانع أن تقوم بجانب زوجها - إذا تراضيا - ببعض الأعمال
[ ٩٩ ]
التي تكتسب منها لنفسها أو لتساعد زوجها بكسبها، ولكن ذلك مشروط بأن يكون العمل الذي تقوم به بعيدا عن الرجال بحيث لا تختلط بهم، وذلك كأن يكون في بيتها أو في مزرعتها هي أو مزرعة زوجها أو أهلها، أما العمل الذي يعرضها للاختلاط بالرجال في المصنع أو المكتب أو المتجر أو نحو ذلك فإن هذا لا يجوز للمرأة، ولا يجوز لزوجها، ولا لوالديها وأقاربها السماح لها لو رضيته لنفسها، لما في ذلك من تعريضها وتعريض المجتمع للفساد، فالمرأة ما دامت محفوظة مصونة في بيتها غير معرضة للرجال في أمان لا تمتد إليها الأيدي الآثمة، ولا تنظر إليها الأعين الخائنة، أما إذا خرجت بين الناس فإنها حينئذ قد ضاعت، وصارت كالشاة بين الذئاب، لا تلبث وقتا قصيرا إلا وقد مزق أولئك الأشرار شرفها وكرامتها.
[مفاسد الإلزام بالاقتصار على زوجة واحدة]
وإذا لم يكتف الزوج بالزوجة الواحدة فقد أباح الله له التعدد إلى أربع فقط، على شرط العدل بينهن فيما يقدر عليه من المسكن والنفقة والمبيت، أما محبة القلب فليس العدل فيها شرطا؛ لأنها أمر لا يملكه الإنسان ولا يلام عليه،
[ ١٠٠ ]
والعدل الذي نفى الله استطاعته بقوله سبحانه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] هو المحبة وما يلحق بها، فهذا عدل لم يجعل الله - سبحانه - عدم تحققه مانعا من التعدد؛ لأنه غير مستطاع، وقد شرع الله التعدد لرسله ولمن يعدل العدل المستطاع؛ لأنه - سبحانه - أعلم بما يصلحهم فهو خير للرجال والنساء.
وذلك لأن الرجل السليم لديه استعداد في الناحية الجنسية يستطيع بسببه أن يسد الحاجة الجنسية لدى أربع نسوة وأن يعفهن، فإذا قُصر على امرأة واحدة كما هي الحال عند النصارى (١) وغيرهم، وكما ينادي بذلك أدعياء الإسلام إذا قُصر على واحدة حصلت المفاسد الآتية:
الأولى: إن كان مؤمنا مطيعا لله يخاف الله فإنه قد يعيش حياته يشعر بشيء من الحرمان، وكبت حاجة النفس الحلال؛ لأن الواحدة يمنع الحمل في الأشهر الأخيرة والنفاس والحيض والمرض زوجها من التمتع بها، فيعيش بعض حياته
_________________
(١) نبي الله عيسى ﵇ لم يحرم التعدد، وإنما الذي منعه النصارى اتباعا لأهوائهم.
[ ١٠١ ]
كأنه بدون زوجة، هذا إذا كانت تعجبه ويحبها وتحبه، أما إذا كانت لا تعجبه فالأمر أضر من ذلك.
الثانية: وإن كان الزوج عاصيا لله خائنا فإنه يرتكب فاحشة الزنا، وينصرف عن زوجته، وكثير ممن لا يرى التعدد يرتكب جرائم الزنا والخيانة في تعدد غير محدود، وأعظم من هذا أنه محكوم بكفره إذا كان يحارب التعدد المشروع، ويعيبه وهو يعلم أن الله أباحه.
الثالثة: أن كثيرا من النساء يحرمن من الزواج والذرية إذا منع التعدد، فتعيش الصالحة العفيفة منهن أيِّما مسكينة محرومة، وتعيش الأخرى فاجرة عاهرة يتلاعب المجرمون بعرضها.
ومن المعلوم أن النساء أكثر من الرجال بسبب تعرض الرجال للموت بصفة أكثر بسبب الحروب والأعمال الخطرة التي يقومون بها، كما أنه من المعلوم أن المرأة مستعدة للزواج منذ البلوغ، أما الرجال فليسوا كلهم مستعدين؛ لأن كثيرا منهم لا يستطيع الزواج لعجزه عن المهر، وعن تكاليف الحياة الزوجية إلخ، وبهذا يعلم أن الإسلام أنصف المرأة ورحمها، أما الذين يحاربون التعدد المشروع فإنهم أعداء
[ ١٠٢ ]
للمرأة وللفضيلة وللأنبياء، فالتعدد سنّة أنبياء الله، عليهم الصلاة والسلام، إذ إنهم يتزوجون النساء، ويجمعون بينهن في حدود ما شرع الله لهم.
وأما الغيرة والحزن الذي تحس به الزوجة حينما يأخذ زوجها الأخرى فهو أمر عاطفي، والعاطفة لا يصح أن تقدم في أي أمر من الأمور على الشرع، ويمكن للمرأة أن تشترط لنفسها قبل عقد الزواج أن لا يتزوج عليها زوجها، فإذا قبل لزمه الشرط، وإذا قرر الزواج عليها فلها الخيار في البقاء أو الفسخ، ولا يأخذ شيئا مما أعطاها.
وشرع الله الطلاق، وبوجه أخص في حال الخلاف والشقاق بين الزوجين، وفي حال عدم محبة أحد الزوجين للآخر، لكي لا يعيشا في شقاء وخلاف، ولكي يجد كل منهما زوجا يرضاه يسعد به بقية حياته وفي آخرته (١) إذا مات كل منهما على الإسلام.
_________________
(١) النساء المسلمات الصالحات إذا أدخلهن الله الجنة بعد البعث والحساب، يخيرهن في أهل الجنة من الرجال المسلمين، فيتزوجن من يرضينه، والزوجة المسلمة إذا ماتت وقد تزوجت أكثر من مرة تختار أحب أزواجها إليها في الدنيا إذا كان من أهل الجنة.
[ ١٠٣ ]
[عاشرا في الصحة]
عاشرا: في الصحة جاءت الشريعة الإسلامية بأصول الطب كلها، ففي القرآن العظيم، وأحاديث الرسول محمد ﷺ بيان كثير من الأمراض النفسية والجسمية، وبيان علاجها المادي والروحي، قال الله - تعالى -: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال الرسول محمد ﵊: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علم وجهله من جهل»، وقال: «تداووا عباد الله ولا تداووا بحرام»، وفي كتاب " زاد المعاد في هدي خير العباد " للعلامة الإمام ابن القيم تفصيل ذلك، فليراجع ذلك الكتاب، فإنه من أنفع الكتب الإسلامية وأصحها وأشملها لبيان الإسلام، وسيرة خاتم المرسلين محمد ﵊.
[أحد عشر الاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة]
أحد عشر: الاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة وما يحتاج إليه الناس من الماء والطعام والمرافق العامة، والتنظيم الذي يضمن لهم صيانة مدنهم وقراهم، ونظافتها وتنظيم السير فيها، ومكافحة الغش والكذب إلى غير ذلك، كل هذا قد جاء في الإسلام بيانه مفصلًا على أكمل وجه.
[ ١٠٤ ]
[اثنا عشر في بيان الأعداء الخفيين وطريق الخلاص منهم]
[العدو الأول الشيطان]
اثنا عشر: في بيان الأعداء الخفيين وطريق الخلاص منهم بين الله - سبحانه - في القرآن الكريم لعبده المسلم أن له أعداء تجره إلى الهلاك في الدنيا والآخرة إذا انقاد لها واتبعها، فحذره إياها، وبين له طريق الخلاص منها، وهؤلاء الأعداء:
أولهم: الشيطان اللعين: الذي يدفع بقية الأعداء ويحركها ضد الإنسان، فهو عدو أبينا آدم، وأمِّنا حواء، الذي أخرجهما من الجنة، وهو العدو الدائم لذرية آدم إلى نهاية الدنيا، يعمل جاهدا على إيقاعهم في الكفر بالله حتى يخلدهم الله معه في النار - والعياذ بالله -، ومن عجز عن إيقاعه في الكفر عمل على إيقاعه في المعاصي التي تعرضه لغضب الله وعذابه.
والشيطان روح يجري من الإنسان مجرى الدم، يُوسوس صدره، ويزين له الشر حتى يوقعه فيه إذا أطاعه، وطريق الخلاص منه كما بينه الله - سبحانه - هو أن يقول المسلم إذا غضب أو همَّ بارتكاب معصية: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "، ولا يعمل غضبه ولا يقدم على المعصية، وأن يعلم أن دافع الشر الذي يحس به في نفسه إنما هو من الشيطان، لكي يوقعه في الهلاك، ثم يتبرأ منه بعد ذلك، قال الله
[ ١٠٥ ]
- تعالى -: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]
[العدو الثاني الهوى]
العدو الثاني: الهوى: ومنه ما قد يشعر به الإنسان من رغبة في رفض الحق، ورده إذا جاء به غيره، ومن رغبة في رفض حكم الله - تعالى - ورده؛ لأنه خلاف ما يريد، ومن الهوى تقديم العاطفة على الحق والعدل، وطريق الخلاص من هذا العدو هو أن يستعيذ العبد بالله - تعالى - من اتباع هواه، وأن لا يستجيب لدافع الهوى فلا يتبعه، بل يقوله الحق ويقبله ولو كان مُرَّا، ويستعيذ بالله من الشيطان.
[العدو الثالث النفس الأمارة بالسوء]
العدو الثالث: النفس الأمارة بالسوء: ومن أمرها بالسوء ما يشعر به الإنسان في نفسه من رغبة في فعل شهوة محرمة كالزنا وشرب الخمر، والفطر في رمضان بدون عذر مشروع، ونحو ذلك مما حرم الله، وطريق الخلاص من هذا العدو هو أن يستعيذ بالله - تعالى - من شر نفسه، ومن الشيطان، ويصبر عن فعل هذه الشهوة المحرمة، ويكف عنها ابتغاء مرضاة الله، كما يصبر نفسه عن الأكل أو الشرب الذي يشتهيه، لكنه يضره لو أكله أو شربه، ويتذكر أن هذه الشهوة
[ ١٠٦ ]
المحرمة سريعة الزوال تعقبها حسرة وطول ندامة.
[العدو الرابع شياطين الإنس]
العدو الرابع: شياطين الإنس: وهم عصاة بني آدم الذين لعب بهم الشيطان، وصاروا يفعلون المنكر ويزينونه لمن يجالسهم، وطريق الخلاص من هذا العدو هو الحذر منه والبعد عنه وعدم مجالسته.
[ثالث عشر في الهدف السامي والحياة السعيدة]
ثالث عشر: في الهدف السامي والحياة السعيدة: والهدف السامي الذي وجه الله - سبحانه - عباده المسلمين إليه ليس هذه الحياة الدنيا وما فيها من المغريات الفانية، وإنما هو الاستعداد للمستقبل الحقيقي الخالد، وهو الحياة الآخرة بعد الموت، فيعمل المسلم الصادق في هذه الحياة باعتبار أنها وسيلة للحياة الآخرة ومزرعة لها، وليست غاية في ذاتها.
فهو يتذكر قول الله - تعالى -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ١٨ - ٢٠] وقول الله - تعالى -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]
يتذكر المسلم الصادق هذه الآيات العظيمة وما ماثلها من كلام الله - تعالى - الذي يوجه به عباده للغاية التي خلقهم من أجلها، والمستقبل الذي ينتظرهم لا محالة، فيستعد لذلك المستقبل الحقيقي الخالد بإخلاص العبادة لله وحده، والعمل بما يرضه راجيا ﵁، وإكرامه له في هذه الحياة بطاعته وبعد الممات بإدخاله في دار كرامته، فيكرمه الله في هذه الحياة بأن يُحييه حياة طيبة، فيعيش في ولاية الله وحفظه، ينظر بنور الله، يؤدي العبادات التي أمره الله بها، فيتلذذ فيها بمناجاة الله - تعالى -، ويذكر الله في قلبه وبلسانه فيطمئن بذلك قلبه.
ويحسن إلى الناس بقوله وفعله، فيسمع من الكرام منهم من الاعتراف بإحسانه، والدعاء له ما يسره ويشرح صدره، ويرى من الحساد اللئام نكران جميله، فلا يمنع الإحسان إليهم؛ لأنه إنما يريد به وجه الله وثوابه، ويسمع ويرى من
[ ١٠٧ ]
الأشرار المبغضين للدين وأهله من الاستهزاء والأذى ما يذكره برسل الله، فيعلم أن هذا في سبيل الله فيزداد حبًّا للإسلام وثباتا عليه، ويعمل بيده في المكتب أو المزرعة أو المتجر أو المصنع؛ لينفع الإسلام والمسلمين بإنتاجه؛ وليحصل له الأجر من الله يوم يلقاه على إخلاصه ونيته الصالحة، وليتحصل على الكسب الطيب الذي ينفقه على نفسه وأسرته، ويتصدق منه فيعيش غني القلب، شريفا قانعا، يرجو الأجر من الله تعالى، لأن الله يحب المؤمن القوي المحترف، ويأكل ويشرب وينام بدون إسراف، لكي بتقوى بذلك على طاعة الله، ويعاشر زوجته لكي يعفها ويعف نفسه عما حرم الله، ولكي ينجب أولادا يعبدون الله، ويدعون له حيًّا وميتا فيستمر عمله الصالح، ويكثر بهم عدد المسلمين، فيحصل له بذلك الأجر من الله، ويشكر الله - تعالى - على كل نعمة تحصل له بالاستعانة بها على طاعته، والاعتراف بأنها من الله وحده، فيحصل له الأجر من الله، ويعلم أن ما يُصيبه أحيانا من الجوع والخوف والمرض والمصائب إنما هو اختبار من الله له، ليرى الله - وهو به
[ ١٠٩ ]
أعلم (١) - مدى صبره ورضاه بقدر الله - فيصبر ويرضى ويحمد الله تعالى - على كل حال رجاءً في ثوابه الذي أعده للصابرين، فتهون عليه المصيبة ويتقبلها، كما يتقبل المريض مرارة الدواء طمعا في الشفاء.
فإذا عاش المسلم في هذه الحياة كما أمره الله بهذه الروح العالية يعمل للمستقبل الحقيقي الخالد؛ ليسعد السعادة الخالدة التي لا تكدرها مكدرات هذه الحياة، ولا يقطعها الموت، فهو بلا شك السعيد في هذه الحياة الدنيا، والسعيد في الحياة الآخرة بعد الموت، قال الله - تعالى -: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]
_________________
(١) يأمر الله عباده وينهاهم وهو يعلم من سيطيع ومن سيعصي قبل ذلك، ولكن لكي يظهر هذا العلم حتى يجازى العبد بعمله فلا يقول المسيء: ظلمني ربي حيث عاقبني بذنب لم أفعله، قال الله تعالى: وما ربك بظلام للعبيد.
[ ١١٠ ]
في الآية الكريمة السابقة وما ماثلها يخبر الله - تعالى -: أنه يجازي الرجل الصالح والمرأة الصالحة اللذين يعملان في هذه الحياة بطاعة الله ابتغاء مرضاته بجزاء عاجل في هذه الحياة، وهو الحياة الطيبة السعيدة التي قدمنا ذكرها، وجزاء آجل بعد الموت، وهو نعيم الجنة الخالد، وفي هذا يقول الرسول ﵊: «عجبا للمؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرا له» .
وبهذا يتبين أن في الإسلام وحده الفكر السليم، والمقياس الصحيح للحسن والقبيح والمنهاج الكامل العادل، وأن كل الآراء والنظريات في علم النفس والمجتمع والتربية والسياسة والاقتصاد، وكل النظم والمناهج البشرية يجب أن تصحح على ضوء الإسلام، وأن تُستمد منه، وإلا فمن المحال نجاح ما خالفه منها، بل إنها مصدر شقاء الآخذين بها في الدنيا والآخرة.
[ ١١١ ]