المطلب الأول: أقوال الصحابة في هذه المسألة
هذه المسألة هي التي وقع الكلام فيها مبكرًا بين الصحابة، ومن أهل العلم من يرى أنه لا خلاف بين أقوالهم في المسألة وأنها متوافقة١، وإنما مرجع الخلاف إلى فهم بعض المتأخرين لأقوالهم وطريقة توجيهها، وبعضهم الآخر يرى أن هناك خلافًا بين الصحابة في المسألة، وأن أقوالهم متباينة فيها، وبنى على هذا الفهم أمورًا وأحكامًا، ومن أجل ذلك أحببت أن أعرض أقوال الصحابة بشكل مستقل، ومن ثم أعرض لأقوال التابعين وتابعيهم، وبعد ذلك أعرض أقوال العلماء وما وجّه به كل فريق قوله في المسألة، فهذا المنهج هو الأسلم لكي يفهم القارئ أقوال السلف مستقلة عن طريقة توجيه كل طائفة لها، ومن ثم سيسهل بعد تصورها مستقلة معرفة توجيه كل صاحب قول لتلك الآثار، ومستنده في فهمه لها، وأي الأقوال أولى بالصواب.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه" انظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٤٨.
[ ٩ ]
المطلب الأول: أقوال الصحابة في هذه المسألة
القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا:
١ - قول ابن عباس ﵄:
أ - عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ"١.
ب - عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ٢.قال: "رأى ربه فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/١٩٢)، وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط البخاري". وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/٢٩٩) . والنسائي في الكبرى (تحفة الأشراف ٥/١٦٥) . وابن خزيمة في التوحيد (١/٤٧٩، ح٢٧٢) . والآجري في الشريعة (٣/١٥٤١، ح١٠٣١)، (٢/١٠٤٨، ح٦٢٧) . وأخرجه الدارقطني في الرؤية (ص٨٥، ح٧٧) بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "جبل الله الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ".وأورده السيوطي في الخصائص ٢/٣٣٠ من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - وعزاه لابن عساكر. وانظر كنز العمال ١٤/٤٤٧ رقم ٣٩٢٠٨. وابن منده في الإيمان (٣/٧٤٠)، وفي التوحيد (٣/١٤٦-١٤٧، برقم ٥٨١) . والحاكم في المستدرك (١/٦٥) وصححه ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٥١٥) . وأورده الهندي في كنز العمال (١٤/٤٤٧) وعزاه السيوطي لابن عساكر. وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/٤٥) . وأورده ابن حجر في الفتح (٧/٢١٨) وعزاه للطبراني في الأوسط، وقال في (٨/٦٠٨): (أخرجه النسائي بسند صحيح) .اهـ. ٢ الآيتان (١٣-١٤) من سورة النجم. ٣ أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب (٥٤) (٥/٣٩٥، ح٣٢٨٠)، وقال حديث حسن. وابن أبي عاصم في السنة (١/١٩١) وقال الألباني: "إسناده حسن موقوف". وابن جرير في تفسيره (٢٧/٥٢) . وابن خزيمة في التوحيد (١/٤٩٠) . وابن حبان في صحيحه (١/٢٥٣-٢٥٤، برقم٥٧) . والطبراني في الكبير (١٠/٣٦٣) . والآجري في الشريعة (٣/١٥٤١-١٥٤٢، ح١٠٣٢) . واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/٥١٨) . والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/٣٦٠، ح٩٣٣) . والذهبي في العرش برقم ٤٨.
[ ١٠ ]
ج - عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - قال: "رأى محمدٌ ربَّه". قلت: أليس الله يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]، قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقال: أُرِيَه مرتين"١.
د - عن عبد الله بن عمر أنه بَعَثَ إلى عبد الله بن عباس -﵃- يسأله: هل رأى محمدٌ ﷺ ربَّه؟ فبعث إليه: "أن نعم قد رآه"، فرد رسوله إليه وقال: كيف رآه؟ فقال: "رآه على كرسي من ذهب، تحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء، دونه فراش من ذهب"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه -كتاب التفسير، باب ٥٣ رقم ٣٢٧٩-. وابن أبي عاصم في السنة باب ٩٤ رقم ٤٣٥، ٤٣٦، ٤٣٧- وقال الألباني إسناده ضعيف واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥١٥، ٥٢١، رقم ٩٠٤، ٩٠٥، ٩٠٦، ٩١٠، ٩١١، ٩١٢، ٩١٣، ٩١٦، ٩١٧، ٩٢٠. وعبد الله بن أحمد في السنة ١/١٧٥، ١٧٦، رقم ٢١٧، ١/٢٩٢، ٢٩٣، رقم ٥٦٣، ٢/٤٦٠، ٤٦١، رقم ١٠٤٤، ١٠٤٥. وابن منده في الإيمان ٣/٥-٧، رقم ٧٥٤-٧٦١. وابن شاهين في الكتاب اللطيف ص٢٦٥، رقم ٨-٩٨، ٩-٩٩، ١٠-١٠٠. والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٥٣ رقم ٩٢٦ ٢ أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٣٩١ رقم ٣٨، وابن خزيمة في التوحيد ٢/٤٨٣ برقم ٢٧٥، وعبد الله بن أحمد في السنة ١/١٧٥ رقم ٢١٧، والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٣ رقم ١٠٣٤، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣١١ رقم ٩٣٤، وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٣ - ٢٤. وإسناده ضعيف قال البيهقي: هذا حديث تفرد به محمد بن إسحاق بن يسار، وقد مضى الكلام في ضعف ما يرويه إذا لم يبين سماعه فيه. وفي هذه الرواية انقطاع بين ابن عباس -﵄- وبين الراوي عنه وليس بشيء من هذه الألفاظ في الروايات الصحيحة عن ابن عباس ﵄.
[ ١١ ]
٢ - قول أنس بن مالك ﵁
عن قتادة أن أنسًا - ﵁ - قال: "رأى محمدٌ ربَّه"١.
٣ - قول أبي هريرة ﵁
قال داود بن حصين: سأل مروان أبا هريرة ﵁: هل رأى
محمدٌ ﷺ ربَّه ﷿؟ فقال: "نعم، قد رآه"٢.
القول الثاني: من قيدها بالرؤية القلبية:
وقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف؛ لإرساله وهو ما رواه محمد بن كعب القرظي قال: سئل النبي ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: "رأيته بفؤادي، ولم أره بعيني" ٣.
١ - قول ابن عباس ﵄:
أ - عن عطاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/١٨٨ رقم ٤٣٢ وقال الألباني إسناده ضعيف، وابن خزيمة في كتاب التوحيد ٢/٤٨٧، رقم ٢٨٠. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٥٩، ونسبه إلى ابن مردويه. ٢ أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ١/١٧٦، رقم ٢١٨.قال المحقق إسناده ضعيف واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥٧١، رقم ٩٠٨. ٣ أخرجه الطبري ٢٧/٤٦-٤٧، وابن أبي حاتم ١٠/٣٣١٩ رقم ١٨٦٩٩، والبستي في تفسيره ص ٤٦٢ رقم ١١٨٠. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٦٠ ونسبه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
[ ١٢ ]
أُخْرَى﴾ [النجم ١٣] قال: "إن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه"١.
ب - وعن أبي العالية عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده مرتين"٢.
٢ - قول أبي ذر ﵁
أ - عن إبراهيم التيمي أن أبا ذر - ﵁ - قال: "رآه بقلبه ولم تره عيناه". وفي رواية: "رآه بقلبه"٣.
ب - وأخرج النسائي عن أبي ذر قال: "رأى رسول الله ﷺ ربَّه بقلبه ولم يره ببصره"٤.
القول الثالث: من نفى الرؤية مطلقا.
١ - قول عائشة ﵂
عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة -﵂- فقالت: "يا
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه (٣/٨) كتاب الإيمان -باب معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ برقم ٤٣٥، وأحمد في المسند ١/٢٢٣. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٣/٨) -كتاب الإيمان، باب معنى قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ . وأحمد في المسند ١/٢٢٣. والبستي في تفسيره ص٤٦١، رقم ١١٧٩. ٣ أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد ٢/٥١٦، ٥١٧، رقم ٣١٠، ٣١١.وقال المحقق: "إسناده صحيح". واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٥١٨، ٥١٩، رقم ٩١٤، ٩١٥. وابن شاهين في الكتاب اللطيف ص ٢٧٣، رقم ٤٠-٩١٥. وللدارقطني في الرؤية ص ١٨٣ رقم ٢٨٩-٢٩٠ وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٦٠، ونسبه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. ٤ أخرجه النسائي في تفسيره ٢/٣٤٥، رقم ٥٥٦، قال المحقق: "صحيح، تفرد به المصنف". وابن خزيمة في كتاب التوحيد ٢/٥١٦، رقم ٣١٠. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٥٧٤، رقم٩١٤. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٦٠
[ ١٣ ]
أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية، من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين: أنظريني ولا تعجليني: ألم يقل الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله ﷺ فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. فقالت: ألم تسمع أن الله يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام ١٠٣] . أو لم تسمع أن الله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١] "١.
٢ - قول ابن مسعود ﵁
عن زر بن عبد الله بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣]، قال: "رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته، له ستمائة جناح"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ: مسلم في صحيحه ٣/٩-١٣كتاب الإيمان باب معنى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ رقم ٤٢٨س، والترمذي في سننه ٥/٢٦٢-٢٦٣ كتاب التفسير باب ومن سورة الأنعام رقم ٣٠٦٨. وأحمد في المسند ٦/٤٩-٥٠. وأخرجه البخاري في صحيحه ٨/٤٧٢ كتاب التفسير باب من سورة النجم رقم ٤٨٥٥. والترمذي في سننه ٥/٣٩٤-٣٩٥ باب ومن سورة النجم رقم ٣٢٧٨ بلفظ مقارب. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٣٦٠ كتاب بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين إلخ رقم ٣٢٣٢، وفي ٨/٤٧٦ كتاب التفسير باب ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ رقم ٤٨٥٦،٤٨٥٧، ومسلم في صحيحه ٣/٦ كتاب الإيمان باب في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ رقم ٤٣١
[ ١٤ ]
٣ - قول أبي هريرة ﵁
عن عطاء عن أبي هريرة - ﵁ - في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: "رأى جبريل"١.
٤ - قول أبي ذر ﵁
عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، قال: عما كنت تسأله؟ قال: إذن لسألته هل رأى ربه؟ فقال: قد سألته أنا، قلت: فما قال؟ قال: "نور أنى أراه"، وفي رواية "رأيت نورًا" ٢
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/٧ كتاب الإيمان باب معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ رقم ٤٣٤ ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٥ كتاب الإيمان باب في قوله ﷺ: "نور أنى أراه" وفي قوله: "رأيت نورا" والترمذي ٥/٣٩٦ كتاب التفسير باب ومن سورة النجم رقم ٣٢٨٢. وقد أخرج الإمام أحمد في المسند ٥/١٤٧ من طريق عفان عن همام عن قتادة بلفظ "قد رأيته نور أنى أراه" وأخرجه أيضا عبد الله بن أحمد في السنة ١/٢٨٩-٢٩٠رقم ٥٥٦ وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٢ رقم ٦٥ من طريق عفان عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة بلفظ "قد رأيته" فقط. ونقل أبو عوانة ١/١٤٦-١٤٧ عقبه عن عثمان بن أبي شيبة أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "ما زلت منكرا لحديث يزيد بن إبراهيم حتى حدثنا عفان عن همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر " ونقل هذا الكلام كذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره ٧/٤٥٣ عن الخلال فقال: "وقد حكى الخلال في علله عن الإمام أحمد قد سئل عن هذا الحديث فقال: ما زلت منكرا له، وما أدري ما وجهه". وقال ابن القيم: "سمعت شيخ الإسلام أحمد بن تيمية يقول في قوله ﷺ: "نور أنى أراه" معناه كان ثَمّ نور، وحال دون رؤيته نور فأنى أراه؟ قال: ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح "هل رأيت ربك؟ فقال: "رأيت نورًا". وقد أعظل أمر هذا الحديث على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال: "نوراني أراه" على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم اعتقدوا أن الرسول رأى ربه، وكان قوله "أنى أراه" كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل" مجموع الفتاوى ٦/٥٠٧، اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٤٧ - ٤٨
[ ١٥ ]
التعليق على الأقوال السابقة:
الذي يلاحظ من الآثار السالفة الذكر أنها خلت من النص على رؤية العين فهي: إما أثبتت الرؤية مطلقًا، أو قيدتها بالرؤية القلبية أو نفتها مطلقًا.
ولذلك علق شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا بقوله: "ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني
[ ١٦ ]
رأسه١"٢.
وقال أيضًا: "وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك: فقال: "نور أنى أراه"" ٣.
وكذا جزم ابن كثير بأنه لم يصح أن أحدًا من الصحابة قال بالرؤية البصرية حيث قال: "وما روي في ذلك من إثبات الرؤية بالبصر فلا يصح من ذلك لا مرفوعًا، بل ولا موقوفًا، والله أعلم"٤.
وقال أيضًا: "وفي رواية عنه - يعني ابن عباس - أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃"٥.
ويجب الإشارة هنا إلى أنه يجب التفريق بين قضيتين، قضية الرؤية والكلام عليها، وقضية الآيات التي استدل بها ابن عباس على إثبات رؤية النبي ﷺ
_________________
(١) ١ يشار هنا إلى أن القاضي أبا يعلى أورد في إبطال التأويلات ١/١١٣ أن أبا حفص بن شاهين روى في سننه بإسناده عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: "رآى محمد ﷺربه ﷿- بعينيه مرتين" وكذلك البغوي نسب إلى ابن عباس أنه قال: "رأى ربه بعينه" انظر معالم التنزيل ٧/٤٠٥. لكن هذا اللفظ "بعينه" لم يرد في الروايات الثابتة عن ابن عباس وكتاب السنن لأبي حفص ابن شاهين غير موجود بين أيدينا حتى نحكم على الإسناد وقد أشار محقق الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين أنه لا يستبعد أن يكون كتاب السنن هو الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن وأن القاضي أبا يعلى ذكره باسم السنن اختصارا انطر الكتاب اللطيف هـ ١ ص ٣٥. والبغوي لم يذكر أيضا سندا لما ذكره عن ابن عباس فلا يمكن الحكم على قوله هذا. كما جاء عند الطبراني في الأوسط (٦/٥٠ رقم ٥٧٦١) عن ابن عباس أنه كان يقول: "إن محمدا رأى ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده" لكن إسناده ضعيف وسيأتي تخريجه كما روى الطبراني في الأوسط (٩/١٥٢-١٥٣، رقم ٩٣٩٦) عن عكرمة عن ابن عباس قال: "نظر محمد ﷺ إلى ربه ﵎" قال عكرمة فقلت لابن عباس: نظر محمد إلىربه؟ قال: "نعم، جعل الكلام لموسى والخلة لإبراهيم والنظر لمحمد ﷺ" قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ميمون القناد إلا موسى بن سعيد تفرد به حفص ابن عمر العدني". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/٧٩): "وفيه حفص بن عمر العدني روى ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي عبد الله الطهراني وقد ضعفه النسائي وغيره". وقال الحافظ في التقريب ص (٢٥٩): "ضعيف". وفيه أيضًا يزيد بن عمرو بن البراء الغنوي ذكره ابن حبان في الثقات (٩/٢٧٧) ولم يوثقه غيره. وموسى بن سعيد البصري ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/١٤٥) وسكت عنه ولفظة (نظر) لم تثبت في الطرق الأخرى التي جاءت عن عكرمة عن ابن عباس كما سبق تخريجه. ٢ اجتماع الجيوش الإسلامية ص (٤٨) ٣ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩-٥١٠.وانظر درء تعارض العقل والنقل ٨/٤١-٤٢. ٤ الفصول في سيرة الرسول ص (٢٦٨) . ٥ تفسير ابن كثير ٧ / ٤٤٨.
[ ١٧ ]
لربه، بينما استدلت بها عائشة وغيرها على أنها تتعلق برؤية جبريل.
قال ابن القيم: "وأما قول ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها١"٢.
وعلى العموم فإن الكلام على تفسير الآيات ليس هذا مجاله٣ وسيأتي الحديث عنه.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ زاد المعاد ٣/٣٨. ٣ انظر أقوال أهل العلم في تفسيرها في تفسير الطبري ٢٧ /٥٠ - ٥٢.
[ ١٨ ]
المطلب الثاني: أقوال التابعين وتابعي التابعين
لو نظرنا في أقوال التابعين وتابعي التابعين لوجدناها لم تخرج عن أقوال الصحابة السابق ذكرها إلا أنه لم يرد عن أحد منهم نفي الرؤية مطلقًا اللهم إلا من توقف في المسألة وإليك أقوالهم:
القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا
١ - قول كعب الأحبار:
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قال لي كعب: "إن الله ﷿ قسَّم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد ﷺ فكلَّمه موسى مرتين ورآه محمد مرتين"١.
٢ - قول عكرمة (١٠٦ هـ)
أ - عن عيسى بن عبيد وسالم مولى معاوية قالا: "سمعنا عكرمة، وسئل: هل رأى محمد ربه؟. قال: "نعم، قد رأى ربَّه"٢.
ب - عن عباد بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، قال: "أتريد أن أقول لك: قد رآه. نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه ٥/٣٩٤ كتاب التفسير باب ومن سورة النجم رقم٣٢٧٨ وابن خزيمة في التوحيد ٢/٤٩٦ قال المحقق إسناده حسن. والدارقطني في الرؤية ص ١٦٤-١٦٥ رقم ٢٥١. والرافعي في التدوين في أخبار قزوين ٢/٢٠٧ ٢ أخرجه ابن جرير في تفسيره٢٧/٤٨. وابن أبي حاتم في تفسيره ١٠/٣٣١٨ رقم ١٨٦٩٧. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٥٩. وانظر: الشفا ١/٢٥٨ وتفسير البغوي ٧/٤٠٣.
[ ١٩ ]
قد رآه، حتى ينقطع النفس"١.
٣ - قول الحسن البصري (١١٠هـ)
وعن المبارك بن فضالة قال: "كان الحسن يحلف ثلاثة لقد رأى محمد ربه"٢.
٤ - قول الزهري (١٢٥ هـ)
الإمام الزهري ممن نسب إليه القول بأن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج كما ذكر ذلك ابن حجر٣.
٥ - قول معمر (١٥٤ هـ)
روى ابن خزيمة في التوحيد أن عبد الرزاق قال بعد أن روى حديث مسروق مع عائشة: "فذكرت هذا الحديث لمعمر، فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس"٤.
٦ - قول إبراهيم بن طهمان (١٦٨ هـ)
قال حفص بن عبد الله سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: "والله الذي لا
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٧/٤٨. وعبد الله بن أحمد في السنة ١/١٧٨ رقم ٢٢١. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/٥٧١ رقم ٩٠٧. ٢ أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ٢/٤٨٨ رقم ٢٨١. وانظر تفسير الحسن البصري ٥/٨٥ رقم ١٥٧٢. وتفسير عبد الرزاق ٢/٢٠٤. والشفا للقاضي عياض ١/٢٥٨. وقد ذكر البغوي في تفسيره ٧/٤٠٣ عن الحسن أنه قال: "رآه بعينه" ولم يعزه. وذكر هذا الأثر جامع تفسير الحسن وعزاه للبغوي فقط انظر تفسير الحسن البصري ٥/٨٥ رقم ١٥٧١. ٣ انظر فتح الباري ٨/٤٧٤ ٤ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٦٢
[ ٢٠ ]
إله إلا هو لقد رأى محمد ربه"١.
القول الثاني: من قيدها بالرؤية القلبية
١ - قول كعب الأحبار
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: "اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم أو نقول إن محمدًا رأى ربه مرتين. قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ثم قال (أي كعب): إن الله قسَّم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلى الله عليهم وسلم فرآه محمد بقلبه وكلمه موسى"٢.
٢ - قول مجاهد بن جبر (١٠٤ هـ)
عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم ١٦] قال: "كان أغصان السدرة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، فرآه محمد ﷺ بقلبه ورأى ربه"٣.
٣ - قول أبي العالية رفيع بن مهران (٩٣ هـ)
عن أبي العالية في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، قال: "محمدٌ رآه بفؤاده ولم يره بعينه"٤.
_________________
(١) ١ أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٧/٣٨١. ٢ أخرجه الترمذي في سننه ٥/٣٦١ كتاب التفسير - باب من سورة النجم - رقم٣٢٧٨ وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٦٠ برقم ٣٢٢،والدارقطني في الرؤية ص ١٦٥ رقم ٢٥٢. ٣ أخرجه الطبري في تفسيره ٢٧/٥٦ والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٥٣ رقم ٩٢٧ وقال المحقق إسناده ضعيف. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٦١ ونسبه إلى البيهقي وآدم بن أبي إياس. ٤ أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٦٠، ونسبه إلى عبد بن حميد وابن جرير.
[ ٢١ ]
٤ - قول أبي صالح مولى أم هانئ (بعد المائة)
عن أبي صالح في قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، قال: "رآه مرتين بفؤاده"١.
٥ - قول الربيع بن أنس (١٤٠ هـ)
عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس في قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾: "فلم يكذبه" ﴿مَا رَأَى﴾ قال: "رأى ربَّه" وفي رواية قال: "رأى محمدٌ ربَّه بفؤاده"٢.
القول الثالث: من رجح التوقف في المسألة
٦ - قول سعيد بن جبير (٩٥ هـ)
عن سعيد بن جبير قال: "لا أقول رآه ولا لم يره"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري في تفسيره ٢٧/٤٨. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٦٠، ونسبه إلى عبد بن حميد وابن جرير. وانظر: البحر المحيط ٨/١٥٦. ٢ أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٧/٤٨. ٣ أخرجه أبو يعلى في الروايتين والوجهين (مسائل من أصول الديانات ص٦٦) . والقاضي عياض في الشفا ١/٢٥٩. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٦٠، ونسبه إلى عبد بن حميد.
[ ٢٢ ]
المطلب الثالث: أقوال العلماء في المسألة.
بعد استعراض أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم نعرض لأقوال من بعدهم في المسألة وهي خمسة أقوال:
القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا.
وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول ابن خزيمة، والآجري، والألوسي.
١ - قول الإمام أحمد (٢٤١هـ)
حكى أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين اختلاف الروايات عن الإمام أحمد في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه على ثلاث روايات أحدها أنه رآه مطلقا١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده""٢.
وقال ابن كثير: "وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل ﵄"٣.
٢ - قول ابن خزيمة (٣١١هـ)
الإمام ابن خزيمة نصر في كتابه التوحيد القول بأن النبي ﷺ رأى ربه ليلة
_________________
(١) ١ الروايتين والوجهين مسائل في أصول الديانات ص ٦٣-٦٤ ٢ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩ ٣ البداية والنهاية ٣/١١٢
[ ٢٣ ]
المعراج، وأطال في سرد الحجج على ذلك١.
ولكن ابن كثير - ﵀ - نسب إليه بأنه يقول بالرؤية البصرية كما سيأتي ذكر قوله.
٣ - قول الإمام الآجري (٣٦٠ هـ)
بوب الإمام الآجري في كتابه الشريعة بابًا بعنوان "باب ذكر ما خصَّ الله ﷿ النبي ﷺ من الرؤية لربه ﷿".
ثم ساق مجموعة من الأحاديث والأثار التي تدل على أنه ينصر القول بأنه ﷺ رأى ربه -﷿- ليلة المعراج٢.
٤ - قول الألوسي
قال الألوسي في تفسيره: "وأنا أقول برؤيته ﷺ ربَّه سبحانه وبدنوه على الوجه اللائق".
ونسبه إلى معظم الصوفية فقال: "ومعظم الصوفية على هذا، فيقولون بدنو الله - ﷿ - من النبي ﷺ، ودنوه - سبحانه - على الوجه اللائق، وكذا يقولون بالرؤية كذلك"٣.
القول الثاني: من قيد الرؤية بالعين
نسب القول بتقييد الرؤية بالعين إلى بعض العلماء، ومن بينهم بعض الصحابة والتابعين، وفي نسبة ذلك إلى بعضهم نظر، وممن نسب لهم القول
_________________
(١) ١ انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ٢/٤٧٧-٥٦٢ ٢ الشريعة اللآجري ٣/١٥٤١-١٥٥١. ٣ روح المعاني للألوسي ٢٧/٥٤.
[ ٢٤ ]
بذلك: ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وعكرمة، ورواية عن الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن جرير، وأبو الحسن الأشعري وعامة أتباعه، وأبو عبد الله بن حامد وأبو بكر النجاد والقاضي أبو يعلى، وعبد القادر الجيلاني، وجماعة من المتأخرين.
فقد نسب البغوي هذا القول إلى ابن عباس فقال في تفسيره: "وعن ابن عباس أنه قال رأى ربه بعينه"١.
وقد سبق الرد على ذلك عند عرض أقوال الصحابة، وأن هذا التقييد بالعين لم يثبت عن ابن عباس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين"٢.
وقال البغوي أيضًا:"وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة"٣.
وبالنسبة لما نسبه البغوي إلى أنس وعكرمة من تقييد الرؤية بالعين فإن الروايات السابق ذكرها عنهما جاءت مطلقة، وكذا ما أوردناه عن الحسن البصري فإن الرواية جاءت مطلقة، وقد سبق كذلك الإشارة إلى ما ورد في تفسير البغوي عن الحسن البصري أنه قال: "رآه بعينه" ولكن البغوي لم يسندها فلا يعدل عن الرواية التي سبق إيرادها عن الحسن من إطلاق الرؤية وعدم تقييدها بالعين، والله أعلم.
_________________
(١) ١ معالم التنزيل ٧/٤٠٥. ٢ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩-٥١٠. ٣ معالم التنزيل ٧/٤٠٣
[ ٢٥ ]
قال ابن كثير: "وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر والله أعلم"١.
وقال ابن كثير: "ورأى، أي: النبي ﷺ ربه -﷿- ببصره على قول بعضهم، وهو اختيار الإمام أبي بكر بن خزيمة من أهل الحديث، وتبعه في ذلك جماعة من المتأخرين"٢.
وقال أيضًا: "وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابن جرير، وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين، وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه"٣.
وحمل القاضي أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين٤ وفي إبطال
التأويلات٥ الرواية التي عن الإمام أحمد بأنها نص على الرؤية بالعين، فقال في كتاب الروايتين: "فظاهر هذا أنه أثبت رؤيا عين" وقال في إبطال التأويلات: "والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينيه".
وقد اعترض شيخ الإسلام على هذا التوجيه من القاضي فقال: "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده"، ولم يقل أحد: أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٧/٤٢٣. ٢ الفصول في سيرة الرسول ﷺ ص (٢٦٨) ٣ البداية والنهاية ٣ / ١١٢ ٤ الروايتين والوجهين مسائل من أصول الديانات ص ٦١. ٥ إبطال التأويلات ١/١١١
[ ٢٦ ]
بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين.
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك: فقال: "نور أنى آراه"" ١.
وقال فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وليس قول ابن عباس إنه رآه مناقضا لهذا ولا قوله رآه بفؤاده وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي ﵎"٢ ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربه -﵎- تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وقال: نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد، ولكن لم يقل أحمد -رحمه الله تعالى- إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك"٣.
وكذلك اعترض ابن القيم على توجيه القاضي أبي يعلى -أيضا- فقال: "وقد جعلها القاضي مختلفة، وجعل المسألة على ثلاث روايات، ثم احتج للرواية
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩-٥١٠. ٢ سيأتي تخريجه. ٣ زاد المعاد ٣/٣٧.
[ ٢٧ ]
الأولى بحديث أم الطفيل، وحديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ولا دلالة فيهما، لأنها رؤية منام فقط، واحتج لها بما لا يرضى أحمد أن يحتج به، وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " ١ وذكر الحديث وهذا غلط قطعًا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل: "احتبس عنا رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " ٢ وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة وليس عن الإمام أحمد، ولا عن النبي ﷺ نص أنه رآه بعينه يقظة، وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله، واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه، وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا، والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه، وإنما قال: رآه. واتبع في ذلك قول ابن عباس: رأى محمد ربه. ولفظ الحديث "رأيت ربي" وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر.
ولكن في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي ﷺ إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة، وهي لم تنكر رؤية المنام، ولم تقل من زعم أن محمدًا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية، وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالفة للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه، وهذا
_________________
(١) ١ سيأتي تخريجه. ٢ سيأتي تخريجه.
[ ٢٨ ]
تقييد منه للرؤية، وأطلق عنه بأنه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية، واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه. وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد: "بعيني رأسه يقظة" ولم يجد ذلك في حديث قط، فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم» ١.
قول الأشعري (٣٢٤هـ) وعامة أتباعه:
ممن نسب هذا القول إلى أبي الحسن الأشعري وأكثر أتباعه القاضي عياض، والقرطبي في تفسيره، والنووي وابن كثير وابن حجر٢.
قال القاضي عياض: "وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري -﵁- وجماعة من أصحابه: أنه رأى الله -تعالى- ببصره وعيني رأسه، وقال: كلُّ آية أوتيها نبيٌّ من الأنبياء -﵈- فقد أوتي مثلها نبيُّنا، وخُصَّ من بينهم بتفضيل الرُّؤية".
وهذا ما ذكره شارح جوهرة التوحيد -وهو من الأشاعرة- في شرحه فقال: "والراجح عند أكثر العلماء أنه ﷺ رأى ربه ﷾ بعيني رأسه وهما في محلهما، خلافا لمن قال: حولا إلى قلبه لحديث ابن عباس وغيره"٣.
قول أبي بكر النجاد أحمد بن سليمان (٣٤٨ هـ)
حكى القاضي أبو علي بن أبي موسى عن أبي بكر النجاد قال: "رآى
_________________
(١) ١التبيان في أقسام القرآن ص ٢٦٠-٢٦١ ٢ الشفا ١/٢٦١، تفسير القرطبي،شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٩. البداية والنهاية ٣/١١٢. فتح الباري ٨/٤٧٤ ٣ شرح جوهرة التوحيد ص ١١٨
[ ٢٩ ]
محمد ربه إحدى عشرة مرة، منها بالسنة تسع مرات في ليلة المعراج، حين كان يتردد بين موسى وبين الله -﷿- يسأل أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسة وأربعين صلاة في تسع مقامات ومرتين بالكتاب"١.
قول أبي عبد الله الحسن بن حامد (٤٠٣ هـ)
نقل أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين أن اختيار شيخه أبي عبد الله ابن حامد أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة الإسراء بعينه٢.
وقال القاضي أبو يعلى -بعد أن أورد الرواية الأولى عن الإمام أحمد- بأنه ﷺ رأى ربه ليلة المعراج بعينه، وجعلها هي الصحيحة قال: "وهذه الرواية اختيار أبي بكر النجاد"٣.
قول القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)
رجح القول بالرؤية البصرية فقال -في معرض ذكره للروايات الواردة عن الإمام أحمد-: "والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينه"٤.
وقال: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة؛ لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ أثبت رؤيته في تلك الليلة؛ ولأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي، ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للقياس في ذلك"٥.
_________________
(١) ١ إبطال التأويلات ١/١١٤ ٢ الروايتين والوجهين مسائل في أصول الديانات ص ٦٤ ٣ إبطال التأويلات ١/١١١. ٤ أبطال التأويلات ١ / ١١١ ٥ إبطال التأويلات ١ / ١١٤
[ ٣٠ ]
قول عبد القادر الجيلاني (٤٧١ هـ)
وهذا القول قال به أيضًا - عبد القادر - الجيلاني في كتابه الغنية، حيث قال: "ونؤمن بأن النبي ﷺ رأى ربه - ﷿ - ليلة الإسراء بعيني رأسه لا بفؤاده ولا في المنام"١.
قول النووي (٦٧٦ هـ)
قال الإمام النووي -﵀- في شرحه على صحيح مسلم: "فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه ثم عائشة -﵂- لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات"٢.
قول الحافظ مغلطاي (٧٦٢ هـ)
قال ﵀: "والصحيح أن الإسراء كان يقظة بجسده، وأنه مرات متعددة، وأنه رأى ربه - ﷿ - بعيني رأسه صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه وسلم"٣.
قول السيوطي (٩١١ هـ)
قال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج٤: "الراجح عند أكثر
_________________
(١) ١ الغنية لطالبي طريق الحق ١/٦٦ ٢ صحيح مسلم بشرح النووي٣/٩ ٣ الإشارة إلى سيرة المصطفى ص ١٣٩. ٤ ١/٢٢١.
[ ٣١ ]
العلماء أنه ﷺ رأى ربَّه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره، وإثبات هذا لا يكون إلا بالسماع من رسول الله ﷺ، ولم تعتمد عائشة في نفي الرؤية على حديث رسول الله ﷺ، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات".
قول القسطلاني (٩٢٣ هـ)
قال ﵀: " ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات ورأى ربه بعيني رأسه وأوحى إليه ما أوحى"١.
قول محمد بن أحمد الصاوي (١٢٤١ هـ)
قال في حاشيته على تفسير الجلالين: " واختلف في تلك الرؤية، فقيل: رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأنس ابن مالك، والحسن، وغيرهم، وقيل: لم يره بعينه وهو قول عائشة ﵂، والصحيح الأول؛ لأن المثبت مقدم على النافي؛ أو لأن عائشة لم يبلغها حديث الرؤية لكونها كانت حديثة السن٢"٣.
القول الثالث: من قيدها بالرؤية القلبية
قول الإمام أحمد (٢٤١هـ)
ذكر أبو يعلى في الروايتين والوجهين أن للإمام أحمد رواية أخرى أثبت فيها أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه كما جاء ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس٤.
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ١/٣٧٣. ٢ قلت: لا يصح الاحتجاج بصغر سن عائشة فإن ابن عباس كان أصغر منها سنًا. ٣ حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ٤/١٣٧. ٤ الروايتين والوجهين مسائل في أصول الديانات ص ٦٣
[ ٣٢ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده""١.
قول القرطبي المفسر. (٦٧١ هـ)
قال في تفسير قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: "أي لم يكذب قلب محمد ﷺ ليلة المعراج، وذلك أن الله – تعالى - جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى وجعل الله تلك رؤية"٢.
قول أبي المظفر السمعاني (٤٨٩هـ)
قال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: "وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال رأى محمد ربه بفؤاده فإن قال قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به فما معنى تخصيص النبي ﷺ؟.
والجواب أنهم قالوا: إن الله – تعالى - خلق رؤية لفؤاده فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه"٣.
قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨هـ)
قال - ﵀ - في مجموع الفتاوى: "وأما الرؤية، فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين" وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابثة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد"،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩ ٢ الجامع لأحكام القرأن ١٧/٩٢. ٣ تفسير القرآن للسمعاني ٥/٢٨٨.
[ ٣٣ ]
ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى آراه"" ١.
وقد قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء ١]، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وكذلك قوله ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء ٦٠]، قال: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به"٢، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شئ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه"٣.
قال ابن القيم ﵀: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-:
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ص ٩٨٩ رقم ٤٧١٦. (ط دار السلام) . ٣ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩ - ٥١٠
[ ٣٤ ]
وليس قول ابن عباس: إنه رآه مناقضا لهذا، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي ﵎" ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه - ﵎ - تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد، ولكن لم يقل أحمد - رحمه الله تعالى -: إنه رآه بعيني رأسه يقظة. ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه. وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك.
وأما قول ابن عباس: أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله - تعالى - ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها، وقول ابن عباس هو مستند الإمام أحمد في قوله رآه بفؤاده والله أعلم"١.
قول ابن كثير (٧٠٤ هـ)
قال ابن كثير بعد ذكر الروايات عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين:
" وقد خالفه ابن مسعود، وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شئ عن الصحابة -﵃- وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٣٧-٣٨.
[ ٣٥ ]
رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر والله أعلم"١.
وقال ﵀ في البداية والنهاية:
"واختلفوا في الرؤية فقال بعضهم: رآه بفؤاده مرتين، قاله ابن عباس
وطائفة، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد. وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل - ﵄ -. وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابن جرير وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه. وقالت طائفة: لم يقع ذلك لحديث أبي ذر وقالوا: لم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف والله أعلم"٢.
وقال - ﵀ - في الفصول في سيرة الرسول ﷺ: "ورأى النبي ﷺ ربه - ﷿ - ببصره على قول بعضهم، وهو اختيار الإمام أبي بكر بن خزيمة من أهل الحديث، وتبعه على ذلك جماعة من المتأخرين. وروى مسلم عن ابن عباس - ﵄ -: أنه رآه بفؤاده مرتين، وأنكرت عائشة أم المؤمنين - ﵂ - رؤية البصر، وروى مسلم عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله رأيت ربك فقال: "نور أنى أراه" وإلى هذا مال جماعة من الأئمة قديما وحديثا اعتمادًا على هذا الحديث، واتباعًا لقول عائشة -﵂ - قالوا: هذا مشهور عنها، ولم يعرف لها مخالف من الصحابة إلا ما روي عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده، ونحن
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٧/٤٢٣. ٢ البداية والنهاية ٣/١١٢.
[ ٣٦ ]
نقول به، وما روي في ذلك من إثبات الرؤية بالبصر فلا يصح شيء من ذلك لا مرفوعا بل ولا موقوفا والله أعلم"١.
قول ابن أبي العز (٧٩٢ هـ)
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا محمد ﷺ خاصة، منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له ﷺ"٢.
وقال في موضع آخر: " وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربَّه - ﷿ - بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه. وقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها"٣.
قول ابن حجر (٨٥٢ هـ)
قال ﵀: "جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة فيجب حمل مطلقها على مقيدها وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي
_________________
(١) ١ الفصول في سيرة الرسول ص ٢٦٨. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ١/٢٢٢. ٣ شرح العقيدة الطحاوية ١/٢٧٥.
[ ٣٧ ]
حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا، ولو جرت العادة خلقها في العين"١.
قول السفاريني (١١١٨هـ)
قال -﵀- في لوامع الأنوار:
" وإذاعلم ما حررناه فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة - ﵃ - بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب كما قاله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري"٢.
قول محمد الأمين الشنقيطي (١٣٩٣ هـ)
الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - ممن يرجح الرؤية القلبية فقد قال ﵀: "التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع أنه ﷺ لم يره بعين رأسه، وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه، فالمراد به الرؤية بالقلب، كما في صحيح مسلم أنه رآه بفؤاده مرتين، لا بعين الرأس"٣.
القول الرابع: من قال رآه مرة بفؤاده ومرة بعينه.
وبه قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني، وأنور شاه الكشميري.
١ - قول أبي القاسم الأضبهاني (٥٣٥ هـ)
قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة: "ومن مذهب أهل السنة أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، وكان رؤيا يقظة لا رؤيا منام.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٧٤ ٢ لوامع الأنوار البهية ٢/٢٥٤-٢٥٥.وقد بحث مسألة الرؤية من ٢/٢٥٠ إلى ٢/٢٥٦. ٣ أضواء البيان ٣/٣٩٩.
[ ٣٨ ]
وروي عن أحمد بن حنبل - ﵀ - قال: رآه بعين رأسه، وروي عنه أنه رآه بعين قلبه، والصحيح أنه رآه بعين رأسه، وعين قلبه.
قيل في التفسير ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ رآه في المرة الأولى بعيني قلبه، وفي المرة الأخرى بعيني رأسه"١.
٢ - قول أنور شاه الكشميري
قال أنور شاه الكشميري - فيما نقله عنه صاحب فتح الملهم -:
"إن الراجح في آية النجم أن الرؤية في قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ أن الرؤية هنا للفؤاد، والرؤية في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أن الرؤية هنا بالعين.
وقال: وعن ابن عباس أنه كان يقول أن محمدًا ﷺ رأى ربَّه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده٢، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، خلا جهور بن منصور الكوفي وجهور بن منصور ذكره ابن حبان في الثقات
_________________
(١) ١ الحجة في بيان المحجة ٢/٢٥٢-٢٥٣. ٢ أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/٥٠ رقم ٥٧٦١) وقال: لم يروه عن مجالد إلا ابنه إسماعيل. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/٧٩) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا جهور بن منصور الكوفي، وجهور بن منصور ذكره ابن حبان في الثقات انظر الثقات لابن حبان ٨/١٦٧، وسماه جمهور بن منصور وقال: يروي عن يوسف بن الماجشون، وهشيم، روى عنه الحضرمي. وفيه أيضًا مجالد وهو ابن سعيد بن عمير الهمذاني الكوفي قال عنه الحافظ في التقريب ص (٩٢٠): ليس بالقوي وقد تغير في آخره وفيه ابنه إسماعيل بن مجالد قال عنه الحافظ في التقريب ص (١٤٣): صدوق يهم وقال محقق مجمع البحرين في زوائد المعجمين (١/١٠٢، رقم ٦٣): إسناده ضعيف فلا تغتر بقول الهيثمي في المجمع: ورجاله رجال الصحيح وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/١٥٩ ونسبه إلى الطبراني وابن مردويه.
[ ٣٩ ]
كذا في الزوائد"١.
القول الخامس: من نفى الرؤية مطلقا
وقال بهذا القول: الدارمي، وابن عطية، وأبو حيان.
قول الإمام الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - في رده على بشر الريسي -:"ويلك، إن تأويل هذا الحديث٢ على غير ما ذهبت إليه لما أن رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذر: إنه لم ير ربه، وقال رسول الله ﷺ: "لن تروا ربكم حتى تموتوا" وقالت عائشة ﵂: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يعنون أبصار أهل الدنيا، وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة"٣.
قول ابن عطية (٥٤٦ هـ)
ذهب ابن عطية في تفسيره إلى ترجيح مذهب عائشة - ﵂ - ومن معها في أنه ﷺ لم ير ربَّه، ونسبه إلى الجمهور٤.
قول أبي حيان الأندلسي (٧٥٦ هـ)
كما ذهب أبو حيان إلى ترجيح مذهب عائشة ومن معها٥.
_________________
(١) ١ فتح الملهم ١/٢٢٨. ٢ يشير إلى حديث "رأيت ربي في أحسن صورة" وسيأتي تخريجه. ٣ الرد على بشر الريسي ص٥٢٣ (ضمن عقائد السلف) . ٤ المحرر الوجيز لابن عطية ١٥/٢٦٠، ٢٦١. ٥ البحر المحيط لأبي حيان ٨/١٥٦.
[ ٤٠ ]
القول السادس: من توقف في المسألة.
قول القاضي عياض (٥٤٤ هـ)
قال القاضي عياض: "ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز أن يكون.
قال القاضي أبو الفضل: الحق الذي لاامتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلًا، وليس في العقل ما يحيلها"١.
وقال أيضا: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضا، ولا نص، إذ المعول فيه على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك.
وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي ﷺ فيجب العلم باعتقاد مضمنه.
ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية، وحديث معاذ محتمل للتأويل، وهو مضطرب الإسناد والمتن.
وحديث أبي ذر الآخر محتمل مشكل فروي: "نور أنى أراه" وحكى بعض شيوخنا أنه روي: "نَورَاني أراه".
وفي حديثه الآخر: سألته فقال: "رأيت نورا" وليس ممكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله، وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله.
وإلى هذا يرجع قوله: "نور أنى أراه" أي كيف أراه مع حجاب النور
_________________
(١) ١ الشفا ١/ ٢٦١
[ ٤١ ]
المغشي للبصر، وهذا مثل ما في الحديث الآخر: "حجابه النور" وفي الحديث الآخر: "لم أره بعيني ولكن رأيته بقلبي مرتين" وتلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ والله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب، أو كيف شاء لا إله غيره.
فإن ورد حديث نص بين في الباب وجب المصير إليه، إذ لا استحالة فيه، ولا مانع قطعي يرده والله الموفق" ١.
قول أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي (٦٥٦هـ)
قال ﵀: "وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف، وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلًا وهذا هو الصحيح".
وقال في موضع آخر: " ثم هل وقعت رؤية الله -تعالى- لمحمد ﷺ ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية ما للمستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات ولا مدخل للظنون فيها"٢.
قول الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال ﵀: "والذي دلَّ عليه الدليل عدم الرؤية مع إمكانها، فنقف عن هذه المسألة، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإثبات ذلك أو نفيه صعب، والوقوف سبيل السلامة والله أعلم، ولا نعنف من أثبت الرؤية
_________________
(١) ١ الشفا ١/٢٦٥. ٢ المفهم ١/٤٠١-٤٠٣.
[ ٤٢ ]
لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول الله ورسوله أعلم، بل نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة؛ إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوافرة.. "١.
ولكن ورد في كتابه العرش ما يناقض ذلك حيث صرح بإثبات الرؤية فقال: "وأكثر الصحابة على أنه ﷺ رأى ربهقلت: لأنه رآه في عالم البقاء حين خرج من عالم الفناء، وارتقى فوق السموات السبع فهذا الحديث أيضًا دال على أنه - ﷾ - فوق السموات وفوق جميع المخلوقات، ولولا ذلك لكان معراج النبي ﷺ إلى فوق السماء السابعة إلى السدرة المنتهى، ودنو الجبار منه، وتدليه - ﷾ - بلا كيف حتى كان من النبي ﷺ قاب قوسين أو أدنى، وأنه رآه تلك الليلة، وأن جبريل علا به حتى أتى به إلى الله تعالى"٢.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١٠/١١٤ ٢ العرش للذهبي ٢/٣٠١
[ ٤٣ ]
المطلب الرابع: وقفات في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج.
بعد استعرض الأقوال الواردة في المسألة يمكن استخلاص الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: بالنظر إلى الآيات القرآنية التي استدل بها كل فريق فإنها لا تدل دلالة صريحة على إثبات الرؤية ولاعلى نفيها.
فنفاة الرؤية استدلوا بقوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فعائشة - ﵂ - استدلت بهاتين الآيتين فقالت: "من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ والله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ". وقد أجاب ابن عباس على الاستدلال بقوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لما سئل عنها بقوله: "ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره".
قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي ﷺ أنه خبرها أنه لم ير ربه ﷿، وإنما تلت قوله ﷿ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا﴾ تدبر الآيتين ووفق لإدراك الصواب علم أنه ليس في واحدة من الآيتين ما يستحق من قال: أن محمدًا رأى ربه الرمي بالفرية على الله كيف بأن يقول "قد أعظم الفرية على الله؟ "".
لأن قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ قد يحتمل معنين على مذهب من يثبت رؤية النبي ﷺ خالقه ﷿، قد يحتمل بأن يكون معنى قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ
[ ٤٤ ]
الأَبْصَارُ﴾ على ما قال ترجمان القرآن لمولاه عكرمة: ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء.
والمعنى الثاني، أي: لا تدركه الأبصار أبصار الناس لأن الأعم والأظهر من لغة العرب أن الأبصار إنما يقع على أبصار جماعة، لا أحسب عربيا يجيء من طريق اللغة يقول لبصر امرئ واحد أبصار، وإنما يقال لبصر امرئ واحد بصر، ولا سمعنا عربيا يقول لعين امرئ واحد بصرين فكيف أبصار.
ولو قلنا: إن الأبصار ترى ربنا في الدنيا لكنا قد قلنا الباطل والبهتان، فأما من قال: إن النبي ﷺ قد رأى ربه دون سائر الخلق فلم يقل: إن الأبصار قد رأت ربها في الدنيا فكيف يكون يا ذوي الحجى من يثبت أن النبي ﷺ قد رأى ربه دون سائر الخلق مثبتا أن الأبصار قد رأت ربها فتفهموا يا ذوي الحجى هذه النكتة تعلموا أن ابن عباس -﵄- وأبو ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله، ولا خالفوا حرفا من كتاب الله في هذه المسألة.
فأما ذكرها ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ فلم يقل أبو ذر وابن عباس - ﵄ - وأنس بن مالك ولا واحد منهم ولا أحد ممن يثبت رؤية النبي ﷺ خالقه ﷿ أن الله كلمه في ذلك الوقت الذي كان يرى ربه فيه، فيلزم أن يقال: قد خالفتم هذه الآية. ومن قال إن النبي ﷺ قد رأى ربه لم يخالف قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ ﴾ وإنما يكون مخالفا لهذه الآية من يقول رأى النبي ﷺ ربه فكلمه الله في ذلك الوقت"١.
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٧-٥٥٩.
[ ٤٥ ]
وأما الآيات التي استدل بها على إثبات الرؤية فهي:
قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ١١-١٤] .
وقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨] .
فهذه الآيات كما ذكر أهل العلم لاتدل دلالة صريحة على إثبات رؤية النبي ﷺ لربه وإليك أقوالهم:
قال الإمام ابن خزيمة عن الاستدلال بقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: "وليس هذا التأويل الذي تأولوه لهذه الآية بالبيِّن، وفيه نظر؛ لأن الله إنما أخبر في هذه الآية أنه رأى من أيات ربه الكبرى. ولم يُعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربه - جل وعلا - وآيات ربنا ليس هو ربنا - جل وعلا - فتفهموا لا تغالطوا في تأويل هذه الآية"١.
قال القاضي عياض: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول: إنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص، إذ المعول على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك"٣.
وقال أيضًا: "وقد قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء ١]، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٤٩٢. ٢ الشفا (١/٢٦١) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/٥٠٩-٥١٠) .
[ ٤٦ ]
وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء ٦٠]، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شئ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه"١.
وقال ابن القيم "وأما قول ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها٢"٣.
وقال أيضًا: "والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل، وأما قول ابن عباس: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين" فالظاهر أن مستنده هذه الآية، وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس"٤.
وقال شارح الطحاوية: "وقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩ - ٥١٠ ٢ تقدم تخريجه ٣ زاد المعاد ٣/٣٨ ٤ التبيان في أقسام القرآن ص (٢٥٦)
[ ٤٧ ]
جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها"١.
وقال ابن كثير: "وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني صار بينه وبين محمد ﷺ إنما هو جبريل - ﵇ - هو قول أم المؤمنين عائشة، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريبًا إن شاء الله.
وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، فجعل هذه إحداهما. وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء "ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى" ٢، ولهذا تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية، وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صح فهو محمول على وقت آخر، وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض"٣.
الوقفة الثانية: وبالنسبة للسنة ليس هناك دليل صريح قاطع -أيضًا- لأحد الفريقين.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ١/٢٧٥. ٢ جزء من حديث الإسراء الطويل أخرجه البخاري ص١٥٧٧ كتاب التوحيد باب ما جاء في قوله ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ رقم ٧٥١٧. وقد ناقش الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/٤٨٣-٤٨٦) أقوال العلماء في هذه الرواية وتفرد شريك بن عبد الله بن أبي نمر ببعض الألفاظ بالتفصيل وانتهى إلى قوله: "والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها: إما بدفع تفرده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة". ٣ تفسير ابن كثير ٧/٤٢٢.
[ ٤٨ ]
قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي ﷺ أنه أخبرها أنه لم ير ربه ﷿"١.
قال القاضي عياض: "ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم ترو عائشة - ﵂ - في ذلك عن النبي ﷺ شيئًا، ولا سألته عن ذلك. ولا نُقل في ذلك عن الصديق - ﵁ -، كما يروونه ناس من الجهال: "أن أباها سأل النبي ﷺ فقال: نعم، وقال لعائشة: لا" فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء"٣.
قال النووي: "ثم عائشة - ﵂ - لم تنف الرؤية بحديث عن رسول ﷺ ولو كان معها حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات"٤.
وقال السيوطي: "ولم تعتمد عائشة في نفي الرؤية على حديث رسول الله ﷺ، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات"٥.
ومع كون الأدلة من السنة لا تنص على نفي الرؤية مطلقًا إلا أنها تنفي الرؤية البصرية.
قال ابن أبي العز: "لكن لم يرد نص بأنه ﷺ رأى ربَّه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر - رضي الله
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٧ ٢ الشفا (١/٢٦١) ٣ مجموع الفتاوى ٣/٣٨٦ ٤ صحيح مسلم بشرح النوووي (٣/٩) ٥ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج (١/٢٢١)
[ ٤٩ ]
عنه - قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" وفي رواية "رأيت نورًا"، وقد روى مسلم – أيضًا - عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي رواية - النار، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ١، فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر: "رأيت نورًا" أنه رأى الحجاب، أي: فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته، فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم.
وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك"٢.
الوقفة الثالثة: إن قول ابن عباس لا يمكن أن يقال من قبيل الاجتهاد.
قال ابن خزيمة: "..فقد ثبت عن ابن عباس إثباته أن النبي ﷺ قد رأى ربه وبيقين يعلم كل عالم أن هذا من الجنس الذي لا يدرك بالعقول والأراء والجنان والظنون، ولا يدرك مثل هذا العلم إلا من طريق النبوة إما بكتاب أو بقول نبي مصطفى، ولا أظن أحدا من أهل العلم يتوهم أن ابن عباس قال رأى النبي ﷺ ربه برأي وظن، لا ولا أبو ذر، لا ولا أنس بن مالك، نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة - ﵂ - وابن عباس - ﵄ - في هذه المسألة: "ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس"
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم -كتاب الإيمان، باب قوله ﷺ "إن الله لا ينام". وابن ماجه رقم ١٩٥. والإمام أحمد في مسنده ٤/٤٠٥. ٢ شرح العقيدة الطحاوية (١/٢٢٢)
[ ٥٠ ]
نقول عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عالمة فقيهة كذلك ابن عباس - ﵄ - ابن عم النبي ﷺ قد دعا له النبي ﷺ له أن يرزق الحكمة والعلم وهذا المعنى من الدعاء وهو المسمى بترجمان القرآن، ومن كان الفاروق - ﵁ - يسأله عن بعض معاني القرآن فيقبل منه"١.
قال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للقياس في ذلك"٢.
وقال النووي: "وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه"٣.
وقال السيوطي: "وإثبات هذا لا يكون إلا بالسماع"٤.
الوقفة الرابعة: المثبت مقدم على النافي.
مع عدم وجود النص القاطع من الكتاب أو السنة، ومع ثبوت الرواية عن ابن عباس وأن ذلك لا يمكن اعتباره من باب الاجتهاد منه، فإن بعض من رجح قول ابن عباس احتج لقوله: بأن ابن عباس مثبت، وعائشة تنفي، والقاعدة تقول في مثل هذا الحال: قول المثبت مقدم على قول النافي وممن احتج بذلك:
ابن خزيمة حيث قال: "وقال أبو ذر وابن عباس - ﵄ - قد رأى النبي ﷺ ربه، وقد أعلمت في مواضع في كتبنا
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٩-٥٦٠. ٢ إبطال التأويلات (١ / ١١٤) ٣ صحيح مسلم بشرح النووي (٣/٩) ٤ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج (١/٢٢١)
[ ٥١ ]
أن النفي لا يوجب علما، والإثبات هو الذي يوجب العلم"١.
وقال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة. لأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي"٢
وقال البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد: "وقد نفت السيدة عائشة - ﵂ - وقوعها له ﷺ لكن قدم عليها ابن عباس؛ لأنه مثبت والقاعدة: أن المثبت مقدم على النافي"٣.
قال الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين: " واختلف في تلك الرؤية، فقيل رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن، وغيرهم وقيل: لم يره بعينه، وهو قول عائشة ﵂، والصحيح الأول، لأن المثبت مقدم على النافي"٤.
الوقفة الخامسة: الجمع مقدم في حال التعارض.
في حال وجود الخلاف فإن الجمع أولى من الترجيح في حال التعارض إذا كان ممكنًا، وهذا ما دعى بعض العلماء إلى حمل نفي عائشة على الرؤية البصرية، وإثبات ابن عباس على الرؤية القلبية، وبهذا يزول التعارض بين القولين. وممن أخذ بهذا الجمع شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن أبي العز، وابن كثير، وابن حجر، والسفاريني، والشنقيطي وغيرهم، وقد تقدم ذكر أقوالهم.
_________________
(١) ١ التوحيد لابن خزيمة ٢/٥٥٦. ٢ إبطال التأويلات (١ / ١١٤) ٣ شرح جوهرة التوحيد ص ١١٨ ٤ حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ٤/١٣٧.
[ ٥٢ ]
الوقفة السادسة: المقصود بالرؤية القلبية.
وضح القائلون بالرؤية القلبية المقصود بذلك، ومن أقوالهم في معنى الرؤية القلبية:
ما قاله القرطبي - صاحب التفسير - في تفسير قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: "أي: لم يكذب قلب محمد ﷺ ليلة المعراج، وذلك أن - الله تعالى - جعل بصره في فؤاده حتى رأى - ربه تعالى - وجعل الله تلك رؤية"١.
وقال أبو العباس القرطبي ﵀ في المفهم: "وقول ابن عباس: أنه ﵇ رآه بفؤاده مرتين. الفؤاد القلب ولا يريد بالرؤية – هنا - العلم، فإنه ﵊ كان عالمًا بالله على الدوام، وإنما أراد أن الرؤية التي تخلق في العين خلقت للنبي ﷺ في القلب، وهذا على ما يقوله أئمتنا: إن الرؤية لا يشترط لها محل مخصوص عقلًا، بل يجوز أن يخلق في أي محل كان، وإنما العادة جارية بخلقها في العين"٢.
وقال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: "وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده، فإن قال قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به فما معنى تخصيص النبي ﷺ.
والجواب أنهم قالوا: إن الله - تعالى - خلق رؤية لفؤاده فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه"٣.
وقال ابن حجر ﵀: "ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرأن ١٧/٩٢. ٢ المفهم ١/٤٠٧ ٣ تفسير القرآن للسمعاني ٥/٢٨٨.
[ ٥٣ ]
حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا ولو جرت العادة خلقها في العين"١.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٧٤
[ ٥٤ ]