المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه عيانا في الدنيا
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه عيانًا في الدنيا.
ينبغي - هنا - التفريق، وعدم الخلط بين مسألتين، المسألة الأولى: رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، وهذه هي التي حصل الكلام فيها بين أهل السنة، وقد تقدم بسط ذلك في المبحث الأول؛ والمسألة الثانية: رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانًا وهذه لم يختلف فيها قول أهل السنة، فهم مجمعون على أن النبي ﷺ لم ير ربه في الدنيا عيانًا، وأن ما ذكر من أحاديث في هذه المسألة فهو في عداد الموضوعات التي لا يصح نسبتها إلى النبي ﷺ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينه في الأرض، وأن الله ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي ﷺ قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: "أن الله يدنو عشية عرفة" ١
_________________
(١) ١ أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢/٢٨) من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر. وابن حبان في صحيحه (٢٤٨) - موارد -. وأخرجه أبو يعلى في المسند (٤/٦٩-٧٠)، كلاهما من طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر. وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح (٤/٢٦٣) . والبغوي في شرح السنة (٧/١٥٩) . واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٤٣٩ برقم٧٥١-٧٥٢) . وابن عبد البر في التمهيد (١/١٢٠) . جميعهم من طريق مرزوق الباهلي، عن أبي الزبير عن جابر. ولفظه "إذا كان يوم عرفة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا " الحديث. وقال الألباني: "إسناده ضعيف لضعف أبي الزبير"، انظر صحيح ابن خزيمة (٤/٢٦٣) .
[ ٧٧ ]
وفي رواية "إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ " ١"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/٢١٤) . والإمام أحمد في المسند (٢/٢٦٤) . ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر (١/٥٢١، ح٧٥٨) . وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب أي الليل أفضل (٢/٧٦ ح١٣٥) . والترمذي في سننه، كتاب الدعوات (٥/٥٢٦ ح٣٤٩٨) عن أبي هريرة. والحديث متواتر عن أكثر من عشرين صحابيا. ٢ مجموع الفتاوى ٣/٣٨٦-٣٨٨
[ ٧٨ ]
المطلب الثاني: الأحاديث الموضوعة في المسألة.
علم في المطلب السابق أنه لم يصح حديث في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانًا، وقد ذكر العلماء أن ما يروى في هذا الشأن فهو كذب على النبي ﷺ، وليس له أصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل حديث فيه "أن محمدًا ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض"، فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم.
وقال أيضًا: "وبالجملة أن كل حديث فيه أن النبي ﷺ رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه أنه نزل له إلى الأرض، وفيه أن رياض الجنة خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين، من أهل الحديث وغيرهم"١.
ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الشأن ما يلي:
١- الحديث الأول.
عن أسماء بنت أبي بكر - ﵂ - مرفوعا: "رأيت ربي ﷿ على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم، فإذا كان ليلة المزدلفة، ثم يصعد إلى السماء، وينصرف الناس إلى منى".
أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/١٨٠) وقال عنه: "هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع، محال".
_________________
(١) ١مجموع الفتاوى ٣/٣٨٩.
[ ٧٩ ]
والسيوطي في اللآلي المصنوعة ١/٢٧.
وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١٣٩ رقم ١٧ وقال: "أخرجه الأهوازي في الصفات من حديث أسماء فقبح الله واضعه".
٢- الحديث الثاني.
عن أبي رزين العقيلي - ﵁ - مرفوعا: "رأيت ربي بمنى يوم النفر، على جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس".
أورده الذهبي في ميزان الاعتدال ١/٥١٣ وفي السير ١٨/١٦-١٧.
والقاضي الفتني في تذكرة الموضوعات ص ١٢-١٣.
والقاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٢.
واتفقوا على أنه موضوع باطل، وأن المتهم به هو أبوعلي الأهوازي، كما قال ابن عساكر.
[ ٨٠ ]