المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة
المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة.
الاعتماد في هذه المسألة على بعض الأحاديث من بينها:
١- الحديث الأول.
عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: "احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة في صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله ﷺ سريعا فثوّب١ بالصلاة، وصلى وتجوّز٢ في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت٣ فإذا أنا بربي - ﷿ - في أحسن صورة. فقال: يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ ٤. قلت: لا أدري رب. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ر. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: في الكفارات والدرجات. قال وما الكفارات؟ قلت نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد
_________________
(١) ١ ثوّب من التثويب: وهو إقامة الصلاة. ٢ تجوّز في صلاته، أي: خففها. ٣ استثقلت، أي: نمت. ٤ المراد بهم الملائكة.
[ ٥٧ ]
بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات.
قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله ﷺ: إنها حق فادرسوها وتعلموها".
هذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة -﵃- من عدة طرق إليك تفصيلها:
الأول: عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل - ﵁ - مرفوعا..
أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٤٣. والترمذي في السنن ٥/٣٦٨ كتاب التفسير باب ومن سورة (ص) رقم ٣٢٣٥ وقال: "هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٠ رقم ٣٢٠ وقال عن هذه الرواية: أنها "أشبه بالصواب". والحاكم في المستدرك ١/٥٢١. والطبراني في المعجم الكبير ٢٠/١٠٩. والدارقطني في الرؤية ص ١٦٧ رقم ٢٥٣ وص ١٧٠ رقم ٢٥٩. وأورد هذا الحديث بمختلف طرقه في كتابه العلل (٦/٥٤-٥٧ رقم ٩٧٣) وتكلم عليها بكلام طويل ثم حكم عليها في نهاية كلامه بقوله: "ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة". والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٢٥. وابن عدي في الكامل ٦/٢٣٤٤
[ ٥٨ ]
والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٥-٥٦ رقم ٧٤-٧٥.
وحديث معاذ هذا صححه الإمام أحمد كما في الكامل لابن عدي ٦/٢٣٤٤ وتهذيب التهذيب٦/٢٠٥.
الثاني: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مرفوعا.
أخرجه الدارمي في السنن ٢/١٢٦ كتاب الرؤية باب في رؤية النبي ﷺ الرب تعالى في النوم. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٤ رقم ٣١٨. وابن أبي عاصم في السنة ١/١٦٩ رقم ٣٨٨ وفي ١/٢٠٤ رقم ٤٦٧-٤٦٨ وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٩-١٥٥١ رقم ١٠٤١. والحاكم في المستدرك ١/٥٢٠ وصححه ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥١٤ رقم ٩٠١-٩٠٢ مختصرا. والدراقطني في الرؤية ص ١٧٠ رقم ٢٦٠. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٧ رقم ٧٧ وص ٥٨ رقم ٨٠-٨١. والبغوي في تفسيره ٧/١٠١ وفي شرح السنة ٤/٣٥-٣٦ رقم ٩٢٤. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٧. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٦-١٧٧ وقال رجاله ثقات.
وانظر الكلام حول أسانيد هذا الطريق في الميزان ٢/٥٧١ والإصابة ٢/٤٠٥ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٤.
الثالث: عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعا.
أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٣٧٨.وعبد الله بن أحمد في السنة ٢/٤٨٩ رقم ١١٢١. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٧.
[ ٥٩ ]
الرابع: عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعا.
أخرجه الترمذي في السنن ٥/٣٦٦ كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم ٣٢٣٤ وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٨ رقم ٣١٩. وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٤ رقم ٤٦٩ وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٧-١٥٤٩رقم ١٠٣٩-١٠٤٠. والدارقطني في الرؤية ص ١٧٥-١٧٦ رقم ٢٦٨-٢٦٩. كلهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس مرفوعا مطولا.
وجاء من طريق أيوب عن أبي قلابة، عن ابن عباس مرفوعا دون ذكر خالد بن اللجلاج.
أخرجه أحمد في المسند ١/٣٦٨ وقال الشيخ أحمد شاكر - في تعليقه على المسند - ٥/١٦٢: "إسناده صحيح". والترمذي في السنن ٥/٣٦٦ كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم ٣٢٣٣. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٠ رقم ٣٢٠. والدراقطني في الرؤية ص ١٧٦ رقم ٢٧١-٢٧٣. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٦ رقم ٧٦. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢١.
وقال الترمذي بعد الحديث: "وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس".
الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ.
أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٣. وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٤
[ ٦٠ ]
رقم ٤٧٠ وقال الألباني: "حديث صحيح بما تقدم له من الشواهد". والدارقطني في الرؤية ص ١٨١ رقم ٢٨٤-٢٨٧. والبزار كما في كشف الأستار ٣/١٣-١٤ رقم ٢١٢٨. والبغوي في شرح السنة ٤/٣٨-٣٩ رقم ٩٢٥. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٦٠ رقم ٨٣. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٧-١٧٨ وقال: "رواه البزار من طريق أبي يحيى عن أبي أسماء الرحبي، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" وكذا قال الألباني في تخريج السنة ١/٢٠٥: "أنه لا يعرف أبا يحي". وعرفه ابن خزيمة كما في التوحيد ٢/٥٤٣ فقال: "هو عندي سليمان أو سليم ابن عامر". وجزم بذلك البغوي في شرح السنة ٤/٣٩ فقال: "هو سليم بن عامر الخبارائي تابعي سمع أبا أمامة". وهو ثقة. انظر التقريب ص ٤٠٤.
وفيه أبو يزيد الشامي لا يعرف بجرح ولا تعديل "التوحيد ٢/٥٤٤ وشرح السنة ٤/٣٩" وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/٤٥٩ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
السادس: عن أبي أمامة - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/١٧٠ رقم ٣٧٩ وفي ١/٢٠٣ رقم ٤٦٦ وقال الألباني: "حديث صحيح". والطبراني في الكبير ٨/٣٤٩ رقم ٨١١٧. والدارقطني في الرؤية ص ١٧٨-١٨٠ رقم ٢٧٧-٢٨٠. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٨ رقم ٧٨. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى ابن مردويه. وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٧٩: "رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو حسن
[ ٦١ ]
الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات". قال الحافظ في التقريب ص ٨١٧-٨١٨ عن ليث: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك".
السابع: عن جابر بن سمرة - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٣ رقم ٤٦٥ وقال الألباني: "إسناده حسن". وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
الثامن: عن ابن عمر - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٠ رقم ٢٨٣. والبزار كما في كشف الأستار ٣/١٤-١٥ رقم ٢١٢٩. وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٧٨: "رواه البزار وفيه سعيد بن سنان وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم، ولم يلتفت إليه في ذلك".
وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٠/٤٩٥ وقال عنه الحافظ في التقريب ص ٣٨١: "متروك".
التاسع: عن أبي رافع - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الطبراني في الكبير ١/٣١٧ رقم ٩٣٨. وقال الهيثمي في المجمع ١/٢٣٧: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن إبراهيم بن الحسين عن أبيه لم أر من ترجمهما". وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٧ رقم ١١٥١.
العاشر: عن أبي هريرة مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٢ رقم ٢٨٨. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٩ رقم ٨٢. واللالكائي في شرح أصول
[ ٦٢ ]
الاعتقاد٣/٥٢٠ رقم ٩١٩. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
وفيه عبد الله بن أبي حميد قال عنه الحافظ في التقريب ص ٦٣٧: "متروك الحديث".
الحادي عشر: عن أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٧٨ رقم ٢٧٦ وص ١٨٩ رقم ٣١٥. وابن حبان في المجروحين ٣/١٣٥. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٨ رقم ٧٩. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠.والسيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة والشيرازي في الألقاب. وابن حجر في الإصابة ٢/٤٠٦ ونسبه إلى الطبراني في السنة.
وفيه يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب ص ١٠٩٤: "متروك".
الثاني عشر: عن عمران بن حصين - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٠ رقم.
الثالث عشر: عن أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٨/١٥١-١٥٢. وبإسناده ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٦ من طريقين. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٨ ونسبه إلى الطبراني في السنة والخطيب.
وقد ورد في بعض ألفاظ حديث أبي عبيدة زيادة قوله ﷺ: "لما كانت ليلة أسري بي إلخ" كما أوردها السيوطي في الدر إلا أن هذه الزيادة لم ترد في رواية الخطيب للحديث وعنه ابن الجوزي.
وقد جزم الإمام ابن القيم بأنها خطأ فقال ﵀: "وهو حديث لا
[ ٦٣ ]
يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث ثم قال: "وهذا غلط قطعا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل: "احتبس عنا رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة".التبيان في أقسام القرآن ص٢٦٠-٢٦١.
الرابع عشر: عن عدي بن حاتم - ﵁ - مرفوعا.
أورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٨ ونسبه إلى ابن مردويه. وفي اللفظ الذي أورده السيوطي الزيادة نفسها التي في حديث أبي عبيدة وقد سبق الكلام عليها والله أعلم.
وللحافظ ابن رجب الحنبلي - ﵀ - رسالة في شرح هذا الحديث تحت عنوان (اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) طبعت بتحقيق حسين الجمل في مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان ط١-١٤٠٧هـ.
وهناك اختلاف في بعض ألفاظ الحديث، وذلك في مختلف الروايات التي جاءت من طرق أخرى عن أربعة عشر صحابيا، كما هو مبين في تخريج الحديث، إلا أني لم أتعرض لاختلاف ألفاظه؛ لأن جميع من رووه اتفقوا على الجملة الأولى وهي قوله ﷺ "رأيت ربي في أحسن صورة" وهي موطن الشاهد في هذه المسألة.
وقد وردت أحاديث أخرى فيها إثبات الرؤية المنامية، لكن في تصحيحها وتضعيفها نزاع كبير بين أهل العلم وهي:
[ ٦٤ ]
٢- الحديث الثاني:
عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: " رأيت ربي ﷿".
أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند ١/٢٨٥،٢٩٠. وعبد الله بن أحمد في السنة ٢/٤٨٤ رقم ١١١٧، وفي٢/٥٠٣ رقم١١٦٧. وابن أبي عاصم في السنة ١/١٨٨ رقم ٤٣٣، وفي ١/١٩١-١٩٢ رقم ٤٤٠. والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٢ رقم ١٠٣٣. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/٥١٢-٥١٣ رقم ٨٩٧. والذهبي في السير ١٠/١١٣-١١٤. وأورده الهيثمي في المجمع /٧٨ وقال: "رجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير في تفسيره ٧/٤٢٥: "إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث الرؤية". وقال الألباني في تخريج السنة ١/١٨٨: "حديث صحيح مختصر من حديث الرؤية". وقال: "أخرجه – أيضا - الضياء في المختارة ٦٦/٧٩/١" ثم قال: "وروى الضياء في المختارة عن أبي زرعة الرازي: "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في الرؤية صحيح ولا ينكره إلا معتزلي".
وجاء من طرق أخرى بلفظ آخر أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٦٣-٣٦٤ رقم ٩٣٨، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٣٣-١٣٦، ١٤٣، والخطيب في تاريخ بغداد ١١/٢١٤، وابن عدي في الكامل ٢/٦٧٧، وأبو بكر بن أبي داود والطبراني في السنة كما في اللالئ المصنوعة ١/٢٩، وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٢-٢٣، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٨ رقم ١١٥٢.
[ ٦٥ ]
كلهم من طرق عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا لكن بلفظ: "رأيت ربي - ﷿ - جعدا أمرد عليه حلة خضراء" أو نحو ذلك.
قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٣: "هذا الحديث لا يثبت وطرقه كلها على حماد بن سلمة قال ابن عدي: قد قيل: أن ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث".
وقد ذكر هذه الحكاية ابن عدي في الكامل لكن من طريق محمد بن شجاع الثلجي وابن الثلجي هذا له ترجمة مظلمة انظرها في ميزان الاعتدال ٣/٥٧٧-٥٧٩، وابن عدي نفسه قال في الكامل: "إنه كان يضع الحديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك". وانظر التنكيل ١/٢٤٣-٢٤٤.
وقال الذهبي في السير ١٠/١١٣-١١٤: "وهو خبر منكر نسأل الله السلامة في الدين، فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم ورواته، وإن كانوا غير متهمين فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان فأول الخبر قال "رأيت ربي" وما قيده بالنوم وبعض من يقول: إن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج يحتج بظاهر الحديث".
ونقل السيوطي في اللالئ المصنوعة ١/٣١ عن ابن أبي داود قوله بعد الحديث: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".
فإن كان الحمل في هذا الحديث على حماد بن سلمة فقد قال ابن عدي في الكامل: "إن الأحاديث التي رويت عن حماد بن سلمة في الرؤية قد رواها
[ ٦٦ ]
غير حماد بن سلمة".
وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في التنكيل ١/٢٤٤ على الكوثري الذي زعم أن حماد بن سلمة روى أحاديث طامات من بينها هذا فقال: "والجواب: أن لهذا الحديث طرقا معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف".
وقد أطال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات في الكلام على طرق
الحديث وذكر من صححه من أهل العلم وبخاصة كلام الإمام أحمد بما ملخصه أن الحديث صحيح والله أعلم انظر: إبطال التأويلات ١/١٣٩-١٤٥.
٣- الحديث الثالث:
عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب - ﵄ - قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يذكر أنه رأى ربه - ﷿ - في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب، في رجليه نعلان من ذهب".
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٥ رقم ٤٧١. والطبراني في المعجم الكبير ٢٥/١٤٣ رقم ٣٤٦. والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٦٧-٣٦٩ رقم ٩٤٢. والدارقطني في الرؤية ص ١٩٠ رقم ٣١٦. والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٤١. والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣١١. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٥ وفي الموضوعات ١/١٨١ من طريق الخطيب. والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٩. والسيوطي في اللالئ المصنوعة ١/٣٠. وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١٤٥. والشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٤٤٧-٤٤٨. والمتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٨ رقم ١١٥٣
[ ٦٧ ]
وقال ابن حبان في الثقات ٥/٢٤٥: "عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: "رأيت ربي" حديثا منكرا لم يسمع عمارة من أم الطفيل وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه، فيحتج به من حديث أهل مصر".
وقال البخاري في التاريخ الكبير ٦/٣١١١: "لا يعرف سماع عمارة من أم الطفيل" وقال في التاريخ الأوسط ١/٤٣٥ "ولايعرف عمارة ولا سماعه من أم الطفيل".
وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وقال: "أما نعيم فقد وثقه قوم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، وكان يحيى بن معين يهجنه في رواية حديث أم الطفيل، وكان يقول ما كان ينبغي به أن يحدث بمثل هذا الحديث" وانظر: تاريخ بغداد ١٣/٣١١.
ثم قال: "وأما مروان فقال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله ﷿. قال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث، فحوّل وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول: يعني مروان" اهـ. انظر إبطال التأويلات ١/١٤٠.ثم قال: "ولا يعرف – أيضا - عمارة".
وتبعه في ذلك الشوكاني كما في الفوائد المجموعة ص ٤٤٧، ٤٤٨ وقال: "موضوع، وفي إسناده وضاع وكذاب ومجهول".
لكن تعقبه المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - ﵀ - بقوله: "يريد بالأول نعيم بن حماد بناء على قول ابن الجوزي، قال ابن عدي: يضع الحديث. وهذا وهم قبيح من ابن الجوزي، وإنما حكى ابن عدي، عن
[ ٦٨ ]
الدولابي، عن بعضهم لا يدرى من هو ورده ابن عدي، وحمل على الدولابي". راجع ترجمة نعيم في تهذيب التهذيب ومقدمة الفتح.
ويريد بالكذاب مروان بن عثمان بناء على ما روى عن النسائي أنه قال: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله، وهذا لا يعطي أنه كذاب، وعدم التصديق لا يستلزم التكذيب، فإنه يحتمل التوقف، ويحتمل قوله على أنه أخطأ.
ويدل على هذا أن النسائي أخرج لمروان هذا في سننه.
ويريد بالمجهول عمارة بن عامر بن حزم، ويقال: عمارة بن عمير، وذكره البخاري في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر هذا الحديث وقال: منكر لم يسمعه عمارة من أم الطفيل، وله شواهد ذكرها في اللآلئ، وحاصله رؤيا المنام تجيء - غالبا - على وجه التمثيل المفتقر إلى التأويل، والله أعلم.
وقال الألباني في تخريج السنة ١/٢٠٥ رقم ٤٧١: "حديث صحيح بما قبله وإسناده ضعيف مظلم".
[ ٦٩ ]
المطلب الثاني: القول في رؤية النبي ﷺ لربه في المنام.
أثبت العلماء رؤية النبي ﷺ المنامية لربه - ﷿ -، واعتمدوا في ذلك على الأحاديث الواردة بهذا الشأن، والتي تقدم ذكرها في المطلب الأول، وهذه الرؤيا ليست محل خلاف، وقد وقعت بالمدينة النبوية، وهناك فرق بينها وبين الرؤية التي وقعت ليلة الإسراء بمكة، والتي دار الخلاف عليها حسب ما تقدم ذكره في المبحث الأول، وهذه الرؤيا التي وقعت في المنام داخلة في عموم أن رؤيا الأنبياء وحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي ﵎" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه - ﵎ - تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد"١.
وقال أيضًا: "وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: "رأيت ربي في صورة كذا وكذا"، يروى من طريق ابن عباس، ومن طريق أم الطفيل، وغيرهما وفيه "أنه وضع يده بين كتفيَّ حتى وجدت برد أنامله على صدري"، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: أن النبي نام عن صلاة الصبح، ثم خرج إليهم، وقال: "رأيت كذا وكذا" وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها،
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٣٧
[ ٧٠ ]
والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم، وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء ١] .
فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج"١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/٣٨٧ - ٣٨٨
[ ٧١ ]
المطلب الثالث: أقوال أهل العلم في الرؤية المنامية عمومًا
ذكر غير واحد من أهل العلم أن رؤية الله في المنام جائزة، وهذه الرؤية شأنها شأن سائر الرؤى المنامية تعبر، فإن النائم لا يرى الله حقيقة، فرؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير، وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق، وإليك بعض أقوال العلماء في هذه المسألة.
قال الإمام الدارمي: "وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة"١.
قال الإمام البغوي: "رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي ﷺ: "إني نعست فرأيت ربي" وتكون رؤيته - جلّت قدرته - ظهور العدل، والفرج، والخصب، والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه، فهو رحمته، وإن رآه معرضا عنه فهو تحذير من الذنوب، لقوله ﷾ ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧] وإن أعطاه شيئا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن، وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره، لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحا لم ير إلا صورة حسنة،
_________________
(١) ١ الرد على المريسي (ضمن عقائد السلف) ص (٥٢٣) ٢ شرح السنة للبغوي ١٢/٢٢٧-٢٢٨.
[ ٧٢ ]
وإذا كان في إيمانه، نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق"١.
وقال - ﵀ - في بيان تلبيس الجهمية: "فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه. فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلًا، ولكن لابد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة، ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.
قال بعض المشايخ: "إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلًا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه، إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين.
وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل، مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به ﷾، وإنما ذلك بحسب حال الرائي،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/٣٩٠.
[ ٧٣ ]
وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه، وقول من يقول: ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك [بياض بمقدار أربع كلمات] إذا حمل على مثل هذا كان محملًا صحيحًا، فلا نعتقد ما يتخيله الإنسان في منامه أويقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف مايتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها، فالله -تعالى- أجل وأعظم"١.
_________________
(١) ١نقض تأسيس الجهمية (١/٧٣-٧٤)
[ ٧٤ ]