وتجدون مع هذا الكتاب جواب الرقيم الذي تفضلتم به وأرجو أن تجدوه كافيًا شافيًا، وتنشروه على صفحات مناركم الزاهر ليعم النفع به، ويكون إحدى همزات الوصل بين المسلمين وتمزيق ما نسجته عناكب الأوهام على ذلك الصرح المشيد، وهي الغاية التي نتوخاها في جميع جهودنا ومساعينا، ولعلكم أحرص عليها منا، وما التوفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وقد تجافيت عن ذكر القائل بتلك المقالة الغريبة والتي لا يوافقه عليها أحد نظرًا لبعد الملاحظات التي لا تخفى عليكم: إن تجد عيبًا فسد الخللا» . اهـ المراد منه.
(المنار)
إن عبارة هذا الكتاب، تكشف لنا الغطاء عما خفي في ذلك الجواب، مما تنطوي عليه جوانح كاتبهما من أريحية إسلامية، تأتلف بها معارفه العقلية وعوارفه القلبية، وعما رأى أنه مضطر إليه في مقامه من الرياسة في علماء المذهب من مداراة المدارك المتفاوتة، والوجدانات الموروثة، واكتفائه من صدق لقبه (كاشف الغطاء) أن يبلغ غاياته في الدروس الفقهية،
[ ٢ / ٢٠٧ ]
والفنون العقلية واللغوية، ويقف دونها من مهاب الأهواء الطائفية والمذهبية، التي تختلف فيها الأفهام وتتزاحم الأوهام، موقف مراعاة الجامدين ومداراة المتعصبين، اهتداء بما روي في الصحيح [صحيح البخاري (١٢٧)] عن أمير المؤمنين علي ﵇: (حدِّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله) .
وروي عنه أنه كان يقول: (إن هنا لعلمًا جمًّا لا أجد له حملة) وأشار إلى صدره، نقله صاحب نهج البلاغة [١٨ / ٣٤٦ شرح ابن أبي الحديد] . (١)
فهذا ما أشرحه من عذر صديقي في إجماله في الجواب على ما فيه من موضع النظر، ووصفه إياي بالتحريش والطعن المر بالشيعة، ومطالبتي بالكف عن العودة إلى ذلك معبرًا عنه بلفظ الرجاء واجتنابه الإنكار على هؤلاء المهاجمين، وما هو بالعذر الذي يرضاه منه جميع القارئين.
سيجدني صديقي العلامة المصلح عند رجائه إن شاء الله تعالى، بيد أنني أرى أن ما نسعى إليه من جمع الكلمة، ووحدة الأمة، لا يرجى نجاحه من طريق الدين إلا بسعي علماء الطائفتين له على القاعدتين اللتين رفعنا بنيانهما في المنار:
(الأولى): (نتعاون
_________________
(١) روي بألفاظ متقاربة وأسانيد مختلفة، وقد أخرحه الآجري في الشريعة (برقم: ١١٩٢، ١٨٢٥ ط: دار الوطن)، والطبراني في المعجم الكبير (٦ / ٢١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧ / ١٩٩، ٥٠ / ٢٥٢) .
[ ٢ / ٢٠٨ ]
حسن الظن عند المؤلف في البداية لم يلق موضعا مناسبا (حاشية)
على ما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه) .
(والثانية): من اقترف سيئة من التفريق والعداء أو غير ذلك من إحدى الطائفتين بقول أو كتابة فالواجب أن يتولى الرد عليه العلماء والكتاب من طائفته، وإذا لم يكن صديقنا الأستاذ الكبير آل كاشف الغطاء هو الإمام القدوة لمن ينهضون بهذا الإصلاح وهو هو في رياسته العلمية وثقة الطائفة بإخلاصه ونصحه، فمن ذا الذي يتصدى له من دونه؟
إن المبالغة في مداراة القاصرين (١)
، تقف بصاحبها دون ما هو أهل له من زعامة المصلحين، كان أستاذنا العلامة الشيخ حسين الجسر نسيج وحده في علماء سورية الجامعين بين علوم الشرع والوقوف على حالة هذا العصر، ولولا مبالغته في مداراة الجامدين من المعممين وكذا العوام أيضًا لكان ثالث السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في زعامة الإصلاح، وإنني قد صارحته باستنكار هذه المبالغة في المداراة مشافهة له وهو ما انتقدته على كتاب الرسالة الحميدية له من إيراد المسائل العلمية التي لا شك فيها بعبارات تدل على الشك فيها
_________________
(١) هذا الكلام من الشيخ المؤلف ﵀ لعله صادر عن حسن الظن الذي لم يلق موضعًا مناسبًا؛ فإن علماء الشيعة حتى لو نص أحدهم قائلًا: (لا فرق بين شيعي وسني) وأمثالها من العبارات، فإن هذا ليس له تأثير في الوسط الشيعي لسببين: الأول: هو مبدأ (التقية) الذي به يعرف الشيعي أن مرجعه لا يعني ما يقول، وأن هذا الكلام التقريبي خرج مخرج (التقية المداراتية) لا أكثر. والثاني: هو التعبئة النفسية لدى الشيعي، التي تقف حاجزًا بين هذه العبارات وبين حصول أثرها في نفسه. هذا بالإضافة إلى أسلوب يستخدمونه وهو: (تعدد الأدوار.. ووحدة الهدف) فإن من السياسة أن لا يوضع العنب كله في سلة واحدة. فكلما تلفت سلة حولوا العنب إلى سلة أخرى، فينتج عن ذلك ما يظهرونه من (الاعتدال) ودعوى (التقريب) ونحوها من الدعاوى التي يخادعون بها عوام الأمة ونخبها غير المطلعة على تلك العقليات وطرق أصحابها وحيلهم بحيث يصدرون أنفسهم وأفكارهم إلى داخل الصف السني غير المحصن عن طريق فريقين من متصدري العلم وهما: المتسايسون من الذين يعرفون، والمسيسون ممن لا يعرفون، ولا يعرفون أنهم لا يعرفون!
[ ٢ / ٢٠٩ ]
واحتمال صحتها بالفرض والتسليم الجدلي، ثم قلت له وقد اعتذر بمداراة الجامدين: إذا لم يكن مثل مولاي الأستاذ في مكانته من سعة العلم والصلاح يجرئ المسلمين على الجزم بالمسائل العلمية التي يستنكرها أو يجهلها الجمهور، فمن ذا الذي يجرئهم على هذا ولا يخشى اعتراض الجاهلين؟
فأرجو من الأستاذ الكبير كاشف الغطاء أن يتأمل ما ذكرته من توقف التوفيق والتأليف على بنائه على القاعدتين المناريتين عسى أن يجد عنده قبولًا.
ولا يخفى عليه أن علماء الدين إذا لم يجمعوا كلمة المسلمين بهدايته على القيام بمصالحهم المشتركة فقد يغلبهم الملاحدة المتفرنجون على أكثرهم، ويقنعونهم بأن الدين أكبر المصائب عليهم!
[ ٢ / ٢١٠ ]