(عقيدة الشيعة في الاتفاق)
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد في السموات والأرض
لما جمعني المؤتمر الإسلامي العام المنعقد ليلة الإسراء في القدس الشريف بالعلامة الشهير، إمام السنة والحديث، الأستاذ الهمام، صاحب منار الإسلام، السيد محمد رشيد رضا نفع الله المسلمين بمنار علومه - دفع إليَّ كتابًا بخطه يتضمن السؤال عن عقيدة الشيعة في إخوانهم من أهل السنة، وأنه هل صحيح ما ربما يقال من أنه لا يمكن اتفاق الشيعة الإمامية معهم على شيء ولو كان لصالح الفريقين، إلا إذا رجعوا إلى رأي الشيعة فيما يخالفونه فيه؟ إلى أن قال دام تأييده:
«فأنت أيها الأستاذ أكبر مجتهدي الإمامية فيما قد اشتهر في بلادنا، وعلى
[ ٢ / ١٩٩ ]
دعاء الثغور وتعليق حول الصحيفة السجادية في الحاشية
قولك نعتمد » إلخ ما كتب.
ونحن نرغب إليه أن ينشر عنا في الجواب على صفحات مناره الأغر ما يلي:
إن إجماع الشيعة الإمامية من سلف إلى خلف - ولعله من ضروريات مذهبهم لا يخالف فيه أحد من فضلائهم فضلًا عن علمائهم - أن من دان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم ينصب العداوة والبغضاء لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم - فهو مسلم وسبيله سبيل المؤمنين، يحرم دمه وماله وعرضه، وتحل مسادرته (١)، ومصاهرته، ولا تحل غيبته ولا أذيته، وتلزم أخوته ومودته، أخوة جعلها الله في محكم كتابه، وعقدها في أعناق المسلمة من عباده، فأصبحتم بنعمته إخوانًا والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقد استفاض في السنة النبوية من طرق الفريقين أن المسلم أخو المسلم شاء أو أبى، والمسلم من المسلم كالعضو من الجسد إلى كثير من أمثال هذا.
وما سُعد الإسلام وصعد إلى أعلى ذروات العز والمجد إلا
_________________
(١) كذا في الأصل ولعل أصله مصحف أو محرف. (ر)
[ ٢ / ٢٠٠ ]
يوم كان محافظًا على تلك الأخوة، وما انحط إلى أسفل دركات السقوط والذلة إلا بعد أن أضاع تلك القوة، ويشهد الله سبحانه أن ما ذكرته من عقيدة الشيعة الإمامية في إخوانهم المسلمين هو الحقيقة الراهنة التي لا محاباة فيها ولا تقية، وإن ظهر من كلام بعض العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، ومن شاء الزيادة في اليقين فدونه الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين سلام الله عليه وهي زبور آل محمد ﷺ، فلينظر في دعائه لأهل الثغور الذي يقول في أوله:
«اللهم صل على محمد وآل محمد، وحَصّن ثغور المسلمين بعزتك، وأيد حماتها بقوتك، وأسبغ عطاياهم من جدتك » إلخ الدعاء على طوله. (١)
وهل يشك أحد أن حماة الثغور في عصر الإمام زين العابدين ﵇ - أعني عصر بني أمية - كانوا من جمهور المسلمين وأكثرهم بل كلهم من السنة، والصحيفة السجادية تالية القرآن عند الإمامية في الاعتبار وصحة السند. (٢)
والقصارى أني أعلن عني وعن جميع مجتهدي الشيعة
_________________
(١) وقد ورد كلام آخر منافٍ - بحسب الظاهر - لهذا الدعاء عن حفيد علي بن الحسين وهو جعفر بن محمد كما ورد عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله: جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون قتلة في الدنيا وقتله في الآخرة والله ما الشهيد إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم» انظر: الوافي للفيض الكاشاني (٩/١٥)، وسائل الشيعة للحر العاملي (١١/٢١)، جواهر الكلام لمحمد حسن النجفي (٢١/٤٠) . ولا توجد أي منافاة بين دعاء الجد وبين جواب الحفيد عند دعاة الفُرقة والبغضاء؛ إذ أن دعاء الجد متعلق بأمر دنيوي يتحقق معه الأمن في تلك الأرض، وأما دعاء الحفيد فهو يتعلق بمصير أولئك المجاهدين في الآخرة! هذا مع العلم بأن نفس هذه الصحيفة قد احتوت طعونًا على بني أمية بالعموم. انظر: الصحيفة السجادية الكاملة ص ١٥ - ١٦
(٢) جاء في كتبٍ شيعيةٍ تسميةُ هذه الصحيفة بـ (أخت!) القرآن، و(إنجيل أهل البيت)، و(زبور آل محمد)، وقد نُشرت هذه الصحيفة في هذا العصر بطبعات أنيقة تضاهي في شكلها طبعات القرآن الكريم، بل إن لها شروجًا سلكت في أسلوب شرحها للصحيفة طريقة بعض المفسرين، ومن هذا النوع -شرح الصحيفة- للشيخ الشيعي المعروف بالشيخ علي الصغير؛ حيث قال عنه صاحب كتاب -الذريعة-: -وهو شرح مبسوط، يشبه تفسير مجمع البيان في أسلوبه. وانظر: الذريعة للطهراني ١٥/١٨، معالم العلماء لشيخهم بان شهر آشوب ص (١٢٥، ١٣١) . وقد قال الخميني في كتابه "المكاسب المحرمة ج١، ص ٣٢٠" عن هذه الصحيفة: «سندها ضعيف» .
[ ٢ / ٢٠١ ]
الإمامية في النجف الأشرف وغيرها، أن اتفاق المسلمين واشتراكهم في السعي لصالح الإسلام والمحافظة عليه من كيد الأغيار، لم يزل ولا يزال من أهم أركان الإسلام وأعظم فرائضه وأهم وظائفه، أما النزاعات المذهبية، والنزعات الجدلية فهي عقيمة الفائدة في الدين، عظيمة الضرر على الإسلام والمسلمين، وهي أكبر آلات المستعمرين.
فرجائي إلى الأستاذ صاحب المنار أن لا يعود إلى ما فرط منه كثيرًا من التحريش بالشيعة، ونشر الأبحاث والمجادلات مع بعض علماء الإمامية، والطعن المر على مذهبهم الذي لا يثمر سوى تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين الأخوين، ولا يعود إلا ببلاء الضعف والتفرقة بين الفريقين، ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى جمع الكلمة، وتوحيد إرادة الأمة، وإصلاح ذات البين.
والأستاذ الرشيد - أرشد الله أمره - ممن يعد في طليعة المصلحين، وكبار رجال الدين، فبالحري أن يقصر (مناره
[ ٢ / ٢٠٢ ]
تعقيب المنار على جواب كاشف العظاء
الإسلامي) على الدعوة إلى الوفاق والوئام، وجمع كلمة الإسلام، ويتجافى في كل مؤلفاته - سيما في تفسيره الخطير- عن كل ما يمس كرامة، أو يثير عصبية أو حمية، أو يهيج عاطفة، وأن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فإن ذلك أنجع وأنفع، وأعلى درجة عند الله وأرفع، وعلى هذه خطاي وخطتي، وهي ديني وديدني، عليه أحيا وعليه أموت إن شاء الله.
وإليه تعالى أرغب وأبتهل في أن يجمع كلمتنا على الحق والهدى حتى نكون يدًا واحدة في نصرة هذا الدين الحنيف، إنه أرحم الراحمين.
حرره في زاوية النجف الأشرف المقدسة
يوم النصف من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٥٠
محمد الحسين آل كاشف الغطاء
(المنار)
هذا نص الجواب الموعود من سماحة العلامة الواسع الصدر، الجليل القدر، وهو على حسنه ولطفه دون ما سمعت منه بالمشافهة، ودون ما كنت أتوقع من الصراحة، جاء مجملًا ليس حزًّا في المفاصل، لم يذكر فيه كلمة الخصم الشنعاء؛ وإنما أشار إليها
[ ٢ / ٢٠٣ ]
(بربما يقال) وحصر كلامه في رأي الشيعة الإمامية في (إخوانهم المسلمين) .
وقال إنها مجمع عليها بالشرط الذي ذكره، وإنه إن ظهر من كلام بعض العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان. فتضمن قوله هذا الاعتذار عن الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين بأنه ليس فيه إلا قصور التعبير عن مذهبهم وعدم وفاء البيان به، وهذا السيد ليس ضعيف البيان بل هو فصيح العبارة قلما يوجد في معاصريه مثله في حسن بيانه وصراحته، وهو يرى أن أكثر الصحابة والسواد الأعظم من المسلمين من بعدهم قد نصبوا العداوة والبغضاء لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم، من عهد أبيهم علي كرم الله وجهه إلى الآن، وكذلك الأمة العربية في جملتها كما يُعلم من كلمته الأولى من كلماته الثلاث، وحجته الكبرى على ذلك تقديم غيره عليه بالخلافة ويليها من الحجج مخالفة أهل السنة لما يفهمه هو بوجدانه من الروايات الصحيحة في مناقبه ولما يذكره من الروايات الباطلة فيها، ويطعن في حفاظ السنة حتى البخاري ومسلم لعدم روايتها، فهو يعدهم كلهم
[ ٢ / ٢٠٤ ]