التفريق بين المسلمين بعصبية المذاهب أصحاب أهواء وطلاب مال وجاه، وأن دسائس الأجانب والمتعصبين تعبث بهم من حيث يدرون ومن حيث لا يدرون، وهذا مما لا يشك فيه أحد من المختبرين الواقفين على الحقائق.
وإنني على هذا العلم لأجرأ على تبرئة السيد عبد الحسين نور الدين من سوء النية، أو خدمة دسائس بعض الإيرانيين أو المستعمرين الذين يستفيدون من غلوه، ولا زال على رأيي السابق فيه وهو أنه ذو وجدان خيالي ديني مستحوذ عليه فهو يعتقد ما يقول.
* * *
الرد على السيد عبد الحسين نور الدين
لا على الشيعة في المفاضلة بين الخليفتين
لا مندوحة لي وقد نشرت هذه الرسالة على منكراتها من الرد عليها، ليرى صاحبها قيمة حججه في مسألة التفاضل بين عمر وعلي رضوان الله عليهما، وأن بعض ما سماه براهين قطعية، لا يعدو أن يكون شبهات خطابية، وتخيلات شعرية، لا يصح
[ ٢ / ١٧٧ ]
في الشرع ولا العقل أن تُجعل من عقائد الدين، ويجعل الخلاف فيها سببًا للشقاق بين المسلمين، وأن من أكبر الخذلان، واتباع خطوات الشيطان، أن يجعل الخلف الطالح مسألة المفاضلة بين الخليفتين من أصول الدين (١)، التي يُقذَف فيها المخالف بأنه (غير متبع سبيل المؤمنين) مع العلم القطعي بأن عليًّا كان وليًّا ونصيرًا وظهيرًا وقاضيًا ووزيرًا لعمر، وأنه فضله هو وأبو بكر على نفسه وسائر أصحاب رسول الله ﷺ كما رواه أحمد [١/ ١٠٦، ١١٠، ١١٤، ١٢٧] والبخاري [٣٤٦٨] وغيره بالأسانيد الصحيحة.
يقابله ما علم واشتهر من تقديم عمر له في التعظيم والشورى والقضاء، ومن تفضيله على نفسه ما قاله عمر لابنه عبد الله حين عاتبه على تفضيل الحسن والحسين ﵉ عليه في العطاء فقال له: (ألك أب كأبيهما أو جد كجدهما؟) كما نقله الرضي في نهج البلاغة. (٢)
أليس أمير المؤمنين علي ﵇ هو القدوة الأكبر بعد رسول الله ﷺ المعصوم عند إخواننا الشيعة، فلماذا لا يتبعونه في إجلال أبي بكر وعمر وكذا عثمان لأجل جمع كلمة المسلمين، وإعلاء
_________________
(١) قال ابن عبد البر ﵀ في الاستذكار (١٤/٢٤١): «وقد أجمع علماء المسلمين أنّ الله تعالى لا يسأل عباده يوم الحساب: من أفضل عبادي؟ ولا هل فلانٌ أفضل مَنْ فلان؟ ولا ذلك مما يُسأل عنه أحدٌ في القبر، ولكنّ رسول الله ﵌ قد مدح خصالًا وحمد أوصافًا، من اهتدى إليها حاز الفضائل، وبقدر ما فيه منها كان فضله في ظاهر أمرِه على من لم يَنَلها، ومن قصر عنها لم يبلغ في الفضل منزلة من ناله»، ولم يكن هاجس الصحابة ﵃ في زمانهم إثبات من الأفضل على الآخر.
(٢) ومن المواقف المروية عن عمر ﵁ في هذا الباب أنه: عندما أراد أن يفرض للناس بعدما فتح الله عليه، وجمع الناس من أصحاب النبي ﵌ كما في كتاب الخراج لأبي يوسف (ص ٤٤ ط: المعرفة) وتاريخ ابن عساكر (١٤/٨٦) فقال عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: ابدأ بنفسك. فقال: لا والله، بالأقرب من رسول الله ﷺ ومن بني هاشم رهطِ رسول الله ﵌ وألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بدر ﵃ أجمعين لقرابتهما من رسول الله ﷺ، وجاء في سير أعلام النبلاء للذهبي (٣/٢٨٥) أنّ عمر - ﵁ - كسا أبناء الصحابة، ولم يكن في ذلك مايصلح للحسن والحسين، فبعث إلى اليمن، فأُتي بكسوة لهما فقال: «الآن طابت نفسي» . وهكذا كل رجل منهم كان يدفع الفضل عن نفسه، وينسبه إلى صاحبه؛ إذ كان هاجسهم العمل وخدمة هذا الدين لا المفاضلة والافتخار على بعضهم البعض، وإني أقول هذا وأنا أعلم أنّ من الناس من سيقرأ كلام المؤلف هذا غير آبه به، فالقضايا الهامشية التي ننتقد التركيز عليها وإثارتها هي أكبر قضايا الإسلام عنده!
[ ٢ / ١٧٨ ]
العلم الذي دعا إليه النبي ﷺ لم يكن في شيء من الفنون الخاصة بالأطفال
كلمة الدين؟ وإن كان أحق بالخلافة منه عندهم، أو ليس هو وعمر عند أهل السنة في درجة واحدة من الخلافة الراشدة؟ وقد قال النبي ﷺ: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) (١) فما لنا في هذا العصر لا نقتدي بهما في الولاية والتعاون على مصلحة المسلمين، ونتسلق إلى ما لا نبلغه من التفاضل بين علميهما؟ ألا إننا سنفعل ذلك رغم أنوف المتعصبين الخياليين والمأجورين.