بسم الله الرحمن الرحيم
لقد جرت مناظرة بيننا وبين الأستاذ العلامة الإمام حضرة صاحب مجلة المنار الغراء، ونال كل منا صاحبه بما جرحه، فرأينا أن ذلك يحول دون الغرض الذي يؤمه أهل الدين والعقل من إحقاق الحق وجعله الضالة المنشودة لهم، فكتبت إليه راجيًا منه فتح باب في المجلة تذكر فيه المسائل الهامة بين الطائفتين ورأي كل منهما ودليله.
فحقق رجائي وكان عند حسن ظني وأتحفني بكتاب ملأه حنانًا وغيرة على الدين وأهله، ولا عجب إذا جاء الشيء على أصله وخرج الجوهر من معدنه.
وأرجو ببركة هذه المجلة ونية صاحبها أن نقف على فوائد جمة ونهتدي إلى كثير مما خفي علينا علمه ومعرفته، فنحن بلسان أهل الحق والفضل نشكره شكرًا جزيلًا.
[ ٢ / ١٣٧ ]
ودع عنك قول بعضهم: دعوا البحث فيما يتعلق بالدين والمذهب وهلم إلى التعاون على توحيد الكلمة وجمع الأمر قبالة المستعمرين.
فإن ذلك لغو من القول، وخطل من الرأي، وكأنها مقالة من لا يرى الإسلام دينًا، ولا يرى أن هناك حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة؛ وإنما يرى الإسلام رابطة قومية وجامعة سياسية، فهو يدعو إليها ويحض عليها.
وهذه الدعوى لا تجدي نفعًا عند من يرى الإسلام دينًا ويتقرب إلى الله سبحانه بنصرته ومعاداة من يمسه بسوء.
فالدواء الناجع إذًا لتوحيد كلمة المسلمين وضمهم تحت راية لواء واحد هو سعي عقلاء العلماء - أي علماء الدين - من كلتا الطائفتين إلى محل الخلاف وفحصه وإزالته بالبرهان، وإصغاء كل منهما لحجة الآخر، وتحكيم أهل الفضل والإنصاف، ولا ينبغي وضع هذا العبء على كاهل العلماء فحسب.
بل على العقلاء ممن يهمهم أمر المسلمين القيام مع العلماء مراقبين سيرهم في المناظرة؛ فإن الحق لا يخفى على طالبه، وإنني
[ ٢ / ١٣٨ ]
مقارنة بين مرويات أهل البيت في كتب أهل السنة وفي كتب الشيعة (حاشية)
لا أنكر أن يكون في علماء الطائفتين من تهمه نفسه، ولا يميل إلى الاتفاق لما اعتاده من التعصب الأعمى، فعلى العقلاء من كلتا الطائفتين رفض أولئك والتنبه لهم.
وليت شعري كيف يمكن الاتفاق بين هاتين الطائفتين قبل دفع سبب الخلاف.
إن الشيعة من المسلمين يرون أن من أرسى قواعد الإسلام وأقوى دعائمه موالاة أهل البيت والاهتداء بهديهم والعمل برأيهم وحديثهم، وأن المنحرف عنهم، النابذ لحديثهم، المهتدي بخلاف هديهم غير متبع سبيل المؤمنين، ويرون أن أبناء السنة من المسلمين منحرفون عنهم بنبذهم علمهم وحديثهم وإعراضهم عن مذهبهم فهم على غير سبيل المؤمنين. (١)
وإن المسلمين من أهل السنة يرون أن أرسى قواعد الإسلام وأوثق عراه موالاة أصحاب رسول الله جميعهم والعمل بكل ما حدَّثوا به؛ لأنهم حملة الدين وحفظة الوحي ومبلغوه إلى الأمم، فالمنحرف عنهم التارك لحديثهم غير متبع سبيل المؤمنين، ويرون أن الشيعة
_________________
(١) وهذه خلاصة بحث في كتب الأحاديث عند الشيعة والسنة لمعرفة عدد الروايات المروية عن طريق العترة، فعند الشيعة أول أربع كتب معتبرة هي: «الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار»، ومقارنة عند أهل السنة: «صحيحا البخاري وسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه وأحمد بن حنبل»:
(٢) مجموع ما روي عن النبي ﷺ يبلغ٦٤٤ رواية فقط من أصل٤٤ألف رواية موجودة في الكتب الأربعة عند الاثنا عشرية، فتأمل! وكتاب الكافي لوحده - بأجزائه الثمانية - يحتوى على أكثر من١٦الف رواية، وللنبي ﷺ منها ٩٢ حديثا فقط! وكلها فى اسانيدها اشكال بعتراف علمائهم، في حين أن جعفر الصادق ﵀ يبلغ عدد رواياته في كتاب الكافي٩٢١٩.
(٣) أما فاطمة ﵂ فلا يوجد لها رواية في جميع الكتب الاربعة بتاتًا، أما كتب أهل السنة فيوجد لديها ١١ رواية، وعند أحمد بن حنبل ٧ روايات.
(٤) أما علي بن أبي طالب ﵁ فرواياته في الكتب الأربعة الشيعية فتبلغ٦٩٠ رواية فقط، أما عند أهل السنة بالمصادر التي ذكرناها سابقا فعددها ١٥٨٣، وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل لوحده يوجد ٨١٨ رواية، أي أنه يغطي لوحده على مجموع ما ترويه أربع كتب شيعية معتبرة مجتمعة، فتأمل!
(٥) الحسن بن علي ﵄ روى عنه الشيعة في الكتب الأربعة ٢١رواية، أما في كتب أهل السنة فعددها ٣٥ رواية، وعند أحمد بن حنبل لوحده في مسنده بلغت١٨رواية.
(٦) الحسين بن علي ﵄ روي عنه في كتبهم الأربعة مجتمعة ٧ أحاديث فقط، في حين أنها بلغت عند أهل السنة ٤٣ وفي مسند احمد بن حنبل لوحده بلغت١٨يعني أكثر من ضعفي ما لدى الكتب الشيعية الأربعة مجتمعة تقريبًا، وهؤلاء صحابة من آل بيت النبي ﷺ. ولو جئنا لبعض ذرية الحسين ﵃ في بعض كتب أهل السنة فسنجد الآتي وهو بحث أتممت نقصه دون استقراء تام وإنما بحسب ما تيسر لي:
(٧) أحاديث زين العابدين في صحيح البخاري: (٢٥حديثا، وفي مسلم ١٥ حديثًا، وفي سنن أبي داود ١١ حديثًا، النسائي (الصغرى) ٨) .
(٨) أحاديث محمد الباقر ﵀: (في صحيح البخاري ١٢ حديثا، وفي مسلم ١٩، وفي الترمذي ٢٣، وفي النسائي ٥٦، وفي سنن أبي داود ١٧، وفي سنن ابن ماجه ٢٤، وفي مسند أحمد ٦٥) .
(٩) أحاديث جعفر الصادق ﵀: (في صحيح مسلم ١٧ حديثًا، وفي سنن أبي داود ١١ حديثًا، وسنن النسائي (الصغرى) ٤٣ حديثًا، وفي سنن الترمذي ٢٠ حديثًا، وفي سنن ابن ماجه ١٩ حديثاُ، وفي مسند أحمد ٣٥) . كما أن أهل السنة لم يُغفلوا ذلك الجزء العظيم من أهل البيت ممن قيل لهن ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ وهن نساء النبي ﷺ؛ فأهل لسنة يرون عن طريق زوجات الرسول بالسند الصحيح. كما أنهم - أعني أهل السنة - لم يُغفلوا بقية آل البيت وهم آل عقيل وآل طالب وآل علي وآل العباس؛ فقد جاء في كتب أهل السنة روايات لكل من: عقيل أخو علي بن ابي طالب، عبد الله بن محمد بن عقيل، عبد الله بن جعفر بن ابي طالب، وأم هانئ بنت أبي طالب، وأم عون بنت محمد بن جعفر، وإسحاق بن عبد الله بن جعفر، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، والعباس عم النبي ﷺ، وابنه عبد الله بن العباس المعروف بحبر الامة وترجمان القرآن، ومحمد بن الحنفيه أخو الحسن والحسين، وأبنائه كالحسن بن محمد وعبد الله بن محمد وإبراهيم بن محمد وعمر بن محمد. وكذلك رووا عن بقية أبناء علي بن أبي طالب كعمر بن علي بن أبي طالب، وحفيده محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وولده عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وأيضا عن بنات علي بن أبي طالب ومنهن: فاطمة بنت علي، وأم كلثوم بنت علي زوجة عمر بن الخطاب. وأيضا روى أهل السنة عن أبناء الحسن بن علي ﵄ وأبناء أبنائه، منهم: محمد بن عمرو بن الحسن، وعبد الله بن الحسن بن الحسن، والحسن بن الحسن بن الحسن، وإبراهيم بن الحسن بن الحسن، والحسين بن زيد بن الحسن، والحسن بن زيد بن الحسن. وأيضا روى أهل السنة عن أبناء الحسين بن علي ﵄ وأبناء أبنائه، منهم: فاطمة بنت الحسين بن علي، وزيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن علي بن الحسين، وعمر بن علي بن الحسين، والحسين بن علي بن الحسين، وعلي بن عمر بن علي بن الحسين، إسحاق بن جعفر بن محمد، وعلي بن جعفر بن محمد. وللعلم فإن الكثير من تلك الأسماء لا توجد لهم روايات في كتب الشيعة المعتبرة وهكذا تجد إن كتب أهل السنة تحتوى على الكثير من الروايات المروية عن طريق آل البيت ولا نختص فقط بـ ١٢ شخصا. علمًا بأن الذين يتشدقون من الغلاة فيقولون: أهل البيت أدرى بما فيه ونحن لا نثق في الصحابة! قد فاتهم أن روايات أهل البيت المنسوبة إليهم جاءتهم من طريق الواقفة وغيرهم من أمثال زرارة وجابر الجعفي وغيرهم ممن تقدم حالهم قبل قليل، ولا ندري كيف تُرد روايات أصحاب محمد - ﷺ -، الذين هم أفضل من ألئك الرواة من كل وجه وبكل اعتبار بحجة أنهم ليسوا من أهل البيت، وتقبل - في الوقت نفسه - روايات أصحاب جعفر وهم أدنى منزلة، وليسوا من أهل البيت!
[ ٢ / ١٣٩ ]
منحرفون عن أصحاب رسول الله ﷺ لتركهم حديثهم وانقطاعهم إلى أهل البيت، فهُم على غير سبيل المؤمنين.
فعلى هذا كيف يشترك المتمسكون بالدين منهما بالعمل بإخلاص ونصح ما لم يقع التفاهم بينهم؟
فلو أن شخصين متعاديين سارا في طريق واحدة لم يُجْدِهما نفعًا إظهارهما المجاملة، وقول كل واحد منهما لصاحبه: دع العداء بيننا جانبًا، وهلم فنلكن يدًا واحدة على من سوانا!
فإن ذلك غير مستطاع لهما، واعتمادهما في التعاون على ما أظهراه من المجاملة والاتفاق غرورٌ وأمانٍ باطلة، فلو ظفر بهما عدو لهما على هذا الحال، ثم استعان بكل واحد منهما على صاحبه لأعانه.
فعلى هذين الرفيقين أن يقتلعا سبب العداء من عروقه، ويعترف كل واحد منهما لصاحبه بما جناه ويعطيه بيده ليأخذ بحقه حتى يرضى، وعندها تذهب الشحناء، ويحل محلها الود والإخاء.
أما أنا فهذه يدي رهن بما أقوله معطاة لمن يريدها وما توفيقي إلا بالله.
[ ٢ / ١٤٠ ]
عِلْمُ علي وعمر ﵄ بالدين والقضاء
ذكرت مجلة الشبان مقالًا، وهو أن عمر كان أعلم الصحابة بالدين وأفقههم فيه (١)، وردته مجلة العرفان بقولها: إن هذا منافٍ لقول النبي ﷺ: (أقضاكم علي) وقوله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ولقول عمر: (لولا علي لهلك عمر، ولا بقيت القضية ليس لها أبو الحسن) .
وحاصل الرد أن ما روي عنه ﷺ من الحديثين غير صالح للاستدلال به لعدم صحة ما روي، وعلى فرض صحته لا دلالة فيه على المطلوب؛ إذ كون علي أقضى لا يمنع أن يكون عمر أعلم؛ لأن القضاء - أعني فصل الخصومة - لا يحتاج إلى كثير علم (٢)؛ وإنما يحتاج إلى ذكاء وفطنة، فبين الأعلم والأقضى عموم وخصوص من وجه.
_________________
(١) المنار: الصواب أن مجلة الشبان المسلمين نشرت مقالًا في عمر ﵁ فيه كلمة بهذا المعنى، ولم يكن هذا موضوع المقال. (ر) وقد ردَّ الأستاذ العلامة صاحب المنار في الجزء الرابع من المجلد (٣١ ص٢٩٥) هذه الأدلة وعنون المسألة بهذا العنوان.
(٢) لم نقل أنه لا يحتاج إلى كثير علم. (ر)
[ ٢ / ١٤١ ]
وكذلك جعل علي ﵇ باب مدينة العلم لا يوجب الحصر؛ لجواز أن يكون للمدينة أبواب كثيرة منها علي ﵇، ومنها عمر ﵁ ومنها غيرهما، وكذلك قول عمر إنما جاء على نحو التواضع.
ثم أطال البحث في أحوال الرواة لهذين الحديثين وتضعيفهما.
أقول: ما أحسن المناظرة إذا كانت بآدابها، وصحت نية أربابها، وكان الحق ضالتهم، والبرهان قائدهم.
ولنغضي عما في هذا الجزء من الشتم والتجهيل كما تضمنته رسالة ابن تيمية، ومقالة الأستاذ التي عنوانها (السنة والشيعة وضرورة اتفاقهما) فإنها كتبت قبل الصلح والمسالمة.
وقبل الخوض في البحث نقدم بيانًا يعلم منه مناظرنا كيف يسير معنا في المناظرة:
رأي الشيعة في الخلافة:
إن المسلمين من الشيعة يرون أن الخلافة أصل من أصول الدين كالنبوة، وأن نصب الخليفة واجب على الله عقلًا من باب اللطف كوجوب إرسال الرسول (١)
، ويرون أن الخليفة لا بد أن يكون أكمل أهل زمانه في جميع فنون الفضل كالنبي، وإن امتاز النبي ﷺ
_________________
(١) أي أنهم يقولون: كما أن إرسال الرسل هو لطف من الله بعباده، فكذلك نصب الله للخليفة وتعيينه له هو لطف أيضا، واللطف واجب على الله كما يقولون. ثم بعد أن وضعوا هذا الأصل وخالفوا فيه جميع المسلمين - وهو أن الإمام لا يتعين إلا بنص من الله تعالى - وأخذوا يدافعون عنه قالوا: يجب أن يكون هذا النص صريحًا كي يسهل التعرف من خلاله على الإمام ويزول النزاع. ولكنهم بعد أن اشترطوا النص الصريح على الإمام، يتفاجأ القارئ ويعجب عندما يراهم ينقضون قولهم هذا بالجملة من خلال منعهم وجوب ذكر اسم الامام صراحة في القرآن، فكيف يجتمع قولهم بوجوب النص الصريح على الإمام، مع قولهم بعدم وجوب ذكر اسم الإمام في القرآن، فتراهم يتأرجحون ويتذبذبون في جوابهم؟! فعندما قال لهم أهل السنة إنه لا يجب على الله تعالى أن ينص على الإمام. قالوا: هذا غير صحيح، بل يجب عليه ذلك وأن يكون نصًا صريحًا. وعندما سلمنا لهم جدلًا بقولهم ذاك وبينا لهم النتبجة المترتبة عليه: وهي أن ذكر اسم الإمام في القرآن لطف، واللطف واجب على الله، فيجب أن يُذكر اسم الإمام في القرآن. فإما أن تقولوا: بأن الله تعالى لم يفعل اللطف المذكور. أو تقولوا: بأن الله تعالى قد فعله. ولا يوجد أمامهم خيار ثالث بحسب القسمة العقلية، وفي كلا الخيارين خطر عظيم. انظر حول هذا الإلزام: كتاب " إمامة الشيعة توجب القول بتحريف القرآن " للشيخ عبد الملك الشافعي.
[ ٢ / ١٤٢ ]
عندهم بأمور كثيرة (١)، ويرون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ هو علي أمير المؤمنين ﵇ فهو أفضل أهل زمانه.
رأي السنة في الخلافة:
إن المسلمين من السنة لا يرون الخليفة بهذه العظمة، فهي عندهم فرع من فروع الدين (٢)
، فيجب على المسلمين أن يختاروا من بينهم خليفة ولا يشترطون امتيازه عن غيره في الفضل والصلاح، ولعل أكثرهم لا يشترط فيه الصلاح والعدالة.
فإذا عرفت ذلك ظهر لك أن الشيعة حين ينكرون أن يكون أحد من الصحابة أفضل من علي ﵇ أو مساويًا له إنما هو لمنافاته لأصل الدين (٣) وقاعدة المذهب عندهم، وقد فرغوا من إثباته بالحجج القاطعة والبراهين العقلية والنقلية، وألَّفوا في ذلك الكتب المطولة، فمن يجهل رأيهم في الخلافة ولم يطالع ما كتبوه في ذلك مع وفوره وقرب مناله، يظن أن ذلك منهم غلو في علي وانحراف عن غيره، وليس كذلك.
إن العالِم الشيعي ينظر إلى التفاضل بين علي ﵇ وعمر
_________________
(١) أقول: ليته استطاع أن يذكر من هذه الأمور الكثيرة فرقًا واحدًا جوهريًا بين النبوة وبين الإمامة غير الفرق السطحي جدًا والذي وردت به رواية في "الكافي" تحصر الفرق بين النبوة والإمامة في كون الإمام يسمع الملك ولا يراه بينما النبي يسمعه ويراه، فالناس حينما تتبع نبيًا أو رسولًا أو حتى إمامًا لا تهتم بالطريقة التي جاء بها الوحي بل بكونه وحيًا من الله والناس ملزمة باتباعه؛ ولذلك لم يكن بوسع العلامة المجلسي في بحار الأنوار (٢٦/٨٢) إلا أن يصرّح بقوله: (ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية جلالة خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا إلى فرق بين النبوة والإمامة)، وهنا يقول هذا الشيعي في المناظرة: إن النبي يمتاز بأمور كثيرة!! انظر للاستزادة كتاب " إمامة الشيعة دعوة باطنية لاستمرار النبوة " للشيخ عبد الملك الشافعي.
(٢) الخلاف السني الشيعي حول قضية الإمامة ليس منصبًا على ضرورة وجود إمام يقود الأمة أو عدم وجوده؛ إذ أن كلا الفريقين يرى أن وجود إمام وقائد للأمة الإسلامية أمرًا لا بد منه، لكن مفترق الطريق بين الفريقين منصبّ على نمط هذه الإمامة.. هل لها القدسية التي أعطاها الله ﷿ للنبوة بحيث يكون أمر الحاكم تمامًا كما لو كان هو النبي ﵊ الذي لا يخالف، أو لا يُتصور فيه الخطأ ولا حتى النسيان؟ أم أنها لا تعدو أن تكون ضرورة دينية واجتماعية لحفظ نظام المجتمع الإسلامي؟ وهل تنحصر باثني عشر رجلًا فقط منذ وفاة رسول الله ﵌ إلى قيام الساعة أم أنها غير محددة الحكام وإنما بحسب حاجة الأمة والتغيرات السياسية التي تحوطها وتتجدد معها؟ وهل تنعقد بالنص الإلهي على أشخاص محددين؟ أم بنظام الشورى الإسلامي وبضوابط شرعية تكفل أن لا يتصدر الحكم إلا من هو أهل له؟ فهنا يكمن الخلاف، فهنا تتشعب القضية بل وتصل إلى طريق مسدود يوم أن تنتقل القضية المتنازع عليها من إطار الخلاف الفقهي إلى إطار الخلاف العقائدي بحيث تصير الإمامة أصلًا لقبول أعمال العباد عند خالقهم، وأصلًا في معرفة الدين، وأصلًا في تقييم صحابة النبي ﷺ وزوجاته وخلفاء المسلمين وحكامهم وعلماء الأمة والفتوحات الإسلامية!! انظر: ثم أبصرت الحقيقة للشيخ محمد الخضر.
(٣) هذه النظرة الشيعية - التي ينص عليها عبد الحسين هنا - وبرواياتها التي تسندها في كتب الشيعة ساهمت بشكل مباشر في جعل مسألة الإمامة النصية مسألة إيمان أو كفر، فبات المسلم معرضًا للاتهام بالكفر لمجرد اختلافه مع الشيعة الإمامية في عقيدة الإمامة التي يعتقدونها؛ ولذا رأينا بعض كبار علماء الشيعة الإمامية السابقين واللاحقين يصرّحون بهذه الحقيقة المرّة بكل جرأة واندفاع.
[ ٢ / ١٤٣ ]
مشاربه
﵁ كأهم مسألة دينية، والعالم السني ينظر إلى التفاضل بينهما كمسألة تاريخية، وحيث كان البحث في التفاضل من الوجهة الدينية يحتاج إلى البحث في أصل الإمامة (١)، وهي مسألة ضافية الذيل، فسيحة الأرجاء لا تسعها هذه العجالة - فلنبحث الآن عنها من الوجهة التاريخية، ونعرض ما عندنا في ذلك على أهل الفضل والإنصاف.
إنني وأيم الحق لم يكن يختلج في صدري أن أحدًا من أهل الفضل يقدم أحدًا من الصحابة على علي ﵇ في العلم أو يساويه فيه، وكنت أرى أن هاتين الصفتين - أعني الشجاعة والعلم - قد كملتا فيه وامتاز بهما عند أوليائه وأعدائه، وأن صفة العلم فيه أظهر من صفة الشجاعة لسبقه فيها سبقًا بعيدًا.
هذا كتابه قرآن العارفين (٢) وفرقان السالكين تتجلى آياته وتتلألأ أسراره، وما أخال حضرة الأستاذ يرتاب فيه كغيره بعدما أورده أستاذه - ذلك الحبر الكبير النمير - العذب من مشاربه، وأوقفه على تلك الإلهيات عن عجائبه.
إننا لعمر الحق أبعد المسلمين عن العصبية وأقربهم
_________________
(١) النقاش في المفاضلة قد يكون مُجدِيا لو كان الحديث بين فئتين متفقتين على فضل وصلاح من تتم المفاضلة بينهما، بينما يعتقد الشيعة الإثنا عشرية أنّ الإمام عليًا معصوم وأنه منصوب من الله تعالى إمامًا على خلقه أما عمر فناصبي ومرتد ومنقلب على عقبيه أو في أحسن أحواله ضال مغتصب للخلافة، فما فائدة الحديث عن المفاضلة بين عمر وعليّ حينئذ؟! فالخلاف بين أهل السنة والشيعة الإثني عشرية أكبر من أن يُحصر في المفاضلة بين عمر وعلي، والأولى أن يُبدأ بجوهر الخلاف الذي أعرض عنه عبد الحسين بدل الانهماك في مثل هذه المسائل، فليس من المهم من كان أفضل ومن كان أقل فضلًا إذا كنا نعترف بفضل الاثنين، فكلاهما قد مات، والخلافة قد انتهت، ومن غير المعقول أن نبقى بعدهم مئات السنين ونحن ندندن حول مسألة من الأحق بالخلافة أو من الأفضل بينهما ما دام الذين نتكلم عنهما قد فارقوا الدنيا ولاقوا ربهما ﷿ منذ أكثر من ألف وثلثمائة سنة!!
(٢) يعني كتاب " نهج البلاغة " وما فيه من خطب وأقوال منسوبة إلى أمير المؤمنين علي ﵁، وهذا الكتاب لا يمكن بحال أن ينسب لأمير المؤمنين علي ﵁ انطلاقًا من واقع علي ﵁، ومن ضوابط العلم المتبعة عادة في إثبات المنقولات إلى قائلها، حيث يفتقد إلى إسناد متصل إليه، فجامعه (الشريف الرضّي) من القرن الرابع الهجري، وبينه وبين علي ﵁ قرون. انظر للاستزادة: أسطورة الخطبة الشقشقية للشيخ علاء الدين البصير ص ٤٧ - ٨٢
[ ٢ / ١٤٤ ]
للاتفاق، وأحبهم للإنصاف، وما الحيلة في ترك ولاء هذا الرجل - أعني أمير المؤمنين عليًّا - وقد تجلى لنا تقدمه في الفضل على كافة أصحاب رسول الله ﷺ وسبقه لهم فيه سبقًا بعيدًا، وإننا لنعجب لبعض العلماء من إخواننا السنيين كيف لا ينصفوننا في علي ﵇ ولا يرون رأينا فيه، وما لنا لا نعجب، وإنما هذا الفضل له أخذناه منهم، ورويناه عنهم. (١)
فمن عدم إنصافهم ما ذكره هذا البعض من أن عمر أعلم الصحابة ومنهم علي ﵇، وهنا موقف الحيرة، فإن سكتنا كان ذلك إقرارًا منا بالخطأ وفساد المذهب، وإن أوضحنا الحق في المسألة ونصرنا رأينا قامت القيامة علينا ورُمينا بالرفض والغلو والتعصب على أكابر الصحابة.
لكننا نؤثر إحقاق الحق ونحتمل في سبيله كل مكروه، ولعلنا لا نعدم من أهل الفضل والإنصاف أنصارًا ومحكِّمين.
اعلم أيها الأخ المنصف أن لنا على تفضيل علي على عمر ﵁ وعلى كافة الصحابة ﵃ براهين قاطعة من طريق العقل ومن
_________________
(١) إن مما أكرم الله به أهل السنة حفظ فضائل أهل البيت وضبطها، حتى صار أهل التشيع عالة على مصنفاتهم، وإن مذهبا يعجز أتباعه عن أن يثبتوا حديثا واحدا - ولو في فضائل من يزعمون أنهم أئمتهم - بسند صحيح إلى نبي هذه الأمة أحق أن يجتنب، ولاشك أيضًا بأن المذهب يعجز أتباعه أن يثبتوا دينهم إلا من خلال أحاديث خصومهم أحق أن يجتنب.
[ ٢ / ١٤٥ ]
طريق الرواية.
أما من طريق العقل فيحتاج ذلك إلى معرفة الزمان الذي تلقيا فيه ذانك التلميذان العظيمان - أعني عليًّا ﵇ وعمر ﵁ - العلم عن معلمهما أعني رسول الله ﷺ ومقداره، ومنزلة كل واحد منهما من الفطنة والذكاء، وعندها تصدر الحكم غير مرتاب:
زمن إسلام عمر ﵁:
أسلم عمر ﵁ في السنة السادسة من بعثته ﷺ وعمره ست وعشرون سنة، فعليه يكون قد قطع مرحلة من عمره في غير طلب العلم لا يُستهان بها، فإذا أضفت إليها ثلاث سنوات لم يلق عمر فيها رسول الله ﷺ إلا نادرًا، وذلك عند حصار قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب في شعب أبي طالب ﵁، تراه قد خسر أكثر رأس ماله الذي يتجر به الإنسان في كسب العلوم والمعارف وذلك ظاهر.
لأن الزمان الذي يستفيد منه المرء ويتعلم به هو زمان الصبا
[ ٢ / ١٤٦ ]
والشبيبة، وبها تكون القوة الذاكرة والحافظة في منتهى النمو والنشاط والاستعداد لتلقي العلوم والمعارف.
وما سمعنا بمن طلب العلم عند بلوغ هذا السن - أعني تسعًا وعشرين سنة - وبرع فيه، وإن كان ثمة أحد فهو من شواذ الطبيعة، ومنكر ذلك مكابر وحائد عن طريق الإنصاف.
خصوصًا في الصدر الأول أعني زمن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، فقد كان الاعتماد على الحفظ والذاكرة، ولم تكن يومئذ المعلومات تُدوَّن ليؤمَن تفلتها وضياعها، فكان أعلمهم أكثرهم حفظًا وأقواهم ذاكرة، ولولا حرص التابعين على حفظ الحديث وتدوينه لما وصل إلينا من علمهم شيء.
ولقد كنت زمن شبيبتي أتعجب من كل من يقول: نسيت، فإني لم أكن لأنسى شيئًا سمعته أو قرأته، وبعد بلوغي الثلاثين انقلب الأمر وأصبحت أعجب ممن يحفظ ولا ينسى، ولم يبق في ذاكرتي غير ما استُودع بها زمن الصبا والشبيبة، وما شكوت هذا الداء لأحد من أبناء جيلي إلا وشكا لي نفس ذلك الداء الذي أشتكيه.
[ ٢ / ١٤٧ ]
تطرق عبد الحسين إلى زمن تعلم علي ﵁
ويؤيد ذلك ما روي في سيرة عمر ﵁ أنه لبث في حفظ سورة البقرة وتعلمها اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا (١) .
ولم يكن عمر ﵁ يُعرف بالصحبة لرسول الله ﷺ والاتصال به قبل إسلامه ليستفيد من علومه.
زمن تعلم علي ﵇:
لا يرتاب أحد ممن راجع أحوال الصحابة وقرأ تاريخ حياتهم في أن رسول الله ﷺ ضم عليًّا إليه وأخذه من أبيه وهو ابن
_________________
(١) قال عبد الحسين في حاشية هذه المقالة: «روى ذلك العلامة المتبحر عز الدين بن أبي الحديد في شرح النهج جزء ٣ صفحة ١١١، وهذا الكتاب جليل القدر جم الفوائد يدل على غزارة علم صاحبه وتقدمه في كثير من فنون الفضل، ولا سيما الحكمة والكلام والتاريخ والحديث والأدب، وهو شديد الولاء لعمر ﵁، طُبع هذا الكتاب في مصر سنة ١٣٢٩» . اهـ أقول: الأثر أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان (٣ / ٣٤٦ ط: الرشد) بإسناد ضعيف فيه مرداس بن محمد أبو بلال الأشعري ضعفه الدارقطني في سننه. ولو سلمنا جدلًا بمدلول هذا الأثر وبأن الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة كعمر ﵁ كان لا يحفظ من القرآن بسهولة ويُسر، إلا أنهم رزقوا العمل بالقرآن، فالحفظ ما هو إلا سبب من أسباب العلم وليس هو كل العلم، وقد جاء في الأثر: إن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به، وفي هذا المعنى قال ابن مسعود: «إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به» وسيأتي رد قيم للمصنف على كلام عبد الحسين في حينه، والله المستعان.
[ ٢ / ١٤٨ ]
أربع سنوات. (١)
وهذا هو أول الزمن الذي يتأهل الغلام فيه لتعلم مبادئ العلوم وتلقي بذور الأخلاق الطيبة والطباع الفاضلة، ويا ما أسعد ذلك الغلام الذي يظفر بمثل ذلك المعلم في مثل ذلك الزمان، وينقطع
_________________
(١) قال عبد الحسين في الحاشية: «ذكر الإمام الحافظ ابن حجر في الإصابة صفحة ٥٠٤ أن عليًّا رُبي في حجر النبي ﷺ ولم يفارقه، وكذلك كافة المؤرخين ممن عرفناهم كالطبري وابن الأثير وأبي الفداء، وقد أشار ﵇ إلى ذلك بخطبته التي تسمى بالقاصعة بقوله: (وقد تعلمون موضعي من رسول الله ﷺ بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ويكنفني فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ شيئًا ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل، وكنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه عَلَمًا ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري إلخ) وقد أشبعنا ذلك بيانًا في الجزء الأول من كتاب (الكلمات، ص ٤١) فمن شاء فليراجعه، ويُطلب من إدارة العرفان من صيدا بقيمة زهيدة» .
[ ٢ / ١٤٩ ]
إليه عن أبيه وأمه وإخوته وكل أبناء جيله، ثم لا يفارقه مدة حياته بخ بخ لهذا الغلام.
ومن يستطيع تحديد ما استفاده ووعاه قلبه وطبعت عليه نفسه من العلوم والأخلاق؟
وقف القلم ههنا بعد نخوته معترفًا بالعجز عن هذه المهمة من التحديد، فأين ربانيو هذه الأمة والراسخون في العلم منهم عن تحديدها وبيان مقدارها؟
مِل بنا نحو تلك الخلوات التي كان يكون بها مع معلمه ﷺ قبل بعثته.
كان رسول الله ﷺ قبل بعثته قد تيمه الوجد وأورثه ذلك وحشة من الناس وأنسًا بالخلوات والانقطاع عن هذا الخلق المتعوس المتردد في دياميم الجهل والشقاء، النائي عن الخير والسعادة، فكان يجاور في كل سنة بحراء ومعه هذا الغلام الشهرين والثلاثة، يريض تلك النفس الزكية ويؤهلها لوصل ذلك الحبيب الذي هام به.
وكان علي ﵇ يهيم بذلك الحبيب كهيام معلمه،
[ ٢ / ١٥٠ ]
ويشاركه في خلواته به وأنسه بقربه وتلقي فيوضاته وألطافه لا ثالث لهما. (١)
فأين الأصحاب ﵃ عن تلك المراتب السامية من هذه المكاشفات والمشاهدات لخالقهما التي كانت تتجلى في قلبيهما وتتلألأ على (طور سينا نفسيهما) ولا نعجب بعدها من أمر هذا الغلام كيف فارق أهله وإخوته وأترابه وانقطع إلى معلمه ولم تمل به الحداثة إلى الأخذ بنصيبه من اللعب واللهو وهو منتهى لذة الأحداث وقصارى رغبتهم.
فلقد ملئ قلبه بحب خالقه ولم يبق فيه فراغ لسواه، فسبحان واهب العطاء يختص بكرامته من يشاء، أتظن رعاك الله أن ساعة من الزمن كانت تمر على هذا التلميذ بغير فائدة من ذلك المعلم الحريص (٢) على التعليم.
فلو ادَّعى مدعٍ كهذا التلميذ بعد وفاة معلمه أنه وارث علمه،
_________________
(١) لم أقف على رواية بهذا المعنى في كتب السير والتراجم المتداولة عند أهل السنة، إلا أنني قد وقفت على ما تضمنته - وأشار إليه عبد الحسين في الحاشية السابقة - في كتاب نهج البلاغة ج٢ ص ١٥٧-١٥٨ خطبة ٢٣٤وهذا نصها: «ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله، فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: «هذا الشيطان أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير» . أقول: وهذه الرواية من كتب الشيعة تؤكد أن مفهوم النبوة والوحي متحقق في علي ﵁ حيث إنه قد وصل كما يقول ميثم البحراني: «إلى مقام سماع الوحي وكلام الملك وسائر ما يراه ﷺ ويسمعه»، ولم ينفَ عنه إلا اسمها، وقد نص على ذلك أيضًا من شرح نهج البلاغة من علماء الإمامية مثل: المصباح (الشرح الكبير) لميثم البحراني (٤/٣١٨)، حبيب الله الخوئي في منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (١٢/٤٢)، وعباس علي الموسوي شرح نهج البلاغة (٣/٣٤٨)، ومحمد الحسيني الشيرازي في توضيح نهج البلاغة (٣/٢٤٤) .
(٢) قال عبد الحسين في الحاشية: «روي في كنز الأعمال على هامش مسند أحمد ص ٤٣ أن عليًّا سُئل عن كثرة ما يرويه عن رسول الله ﷺ فقال: " كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكتُّ ابتدأني"» . اهـ أقول: ورد هذا الأثر في كنز العمال في عدة مواضع أوعبها ما ورد عن أبي البختري، قال: «أتينا عليا، فسألناه عن أصحاب محمد ﷺ. قال: عن أيهم تسألوني؟ قلنا: عن ابن مسعود. قال: علم القرآن والسنة، ثم انتهى، وكفى به علما. قلنا: أبو موسى؟ قال: صبغ في العلم صبغة ثم خرج منه. قلنا: حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالوا: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول، والعلم الآخر ; بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت. قالوا: أبو ذر؟ قال: وعى علما عجز عنه. فسئل عن نفسه؟ قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت» . أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤ / ٨٥ - ٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧ / ٥٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (١ / ١٨٧) وهو أثر صحيح ثابت.
[ ٢ / ١٥١ ]
أتكون دعوى غلو ومجازفة أم دعوى حق وإنصاف؟
وقد تبين مما ذكرنا أن عليًّا ﵇ تعلم العلم من رسول الله ﷺ زمن الصبا والشبيبة بخلاف عمر ﵁، وأن عمر ابتدأ بالتعلم من رسول الله ﷺ مع علي بعد أن سبقه وتعلم قبله بخمس عشرة سنة على أقل ما روي من عمره يوم بعثته وهو عشر سنين، وأما على ما روي من أن عمره يوم البعثة كان خمس عشرة (١) سنة فيكون قد سبقه بعشرين سنة، فما يقال لهذا التلميذ الذي دخل المدرسة وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسع وعشرين سنة، ولم يكن (٢)
معروفًا بحدة الذهن وتوقد
_________________
(١) اختلفت الروايات وتعددت في تحديد عمر علي ﵁ وقت إسلامه بناء على الاختلاف في سنة ولادته ﵁، والقول الذي أشار إليه عبد الحسين مذكور عن الحسن البصري كما في المعجم الكبير للطبراني (١/٥٤)، وذكر ابن إسحاق أن ولادته قبل البعثة بعشر سنين، ورجح ابن حجر قوله، وورد عن محمد الباقر ﵀ قولان: الأول: كالذي ذكره بن إسحاق وهو عشر سنين كما المعجم الكبير اللطبراني (١/٥٣) بإسناد حسنٍ إليه، ورجحه ابن حجر، وأما الثاني: فيذكر أنه ولد قبل البعثة بخمس سنين كما في المصدر السابق، والأقرب هو ما اتفق عليه قولٌ لأبي جعفر الباقر ﵀ مع قول ابن إسحاق واختيار الحافظ ابن حجر فيكون مولد علي ﵁ قبل البعثة بعشر سنين.
(٢) قال عبد الحسين في الحاشية: «روى المحدث الجليل الموثق عند إخواننا وهو محمد بن سعد في الطبقات جزء ٣ صفحة ٢٧٣ بإسناده عن أبي هريرة قال: (قدمت على عمر ﵁ من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم فقال لي: بما قدمت؟ قلت: بثمانمائة ألف درهم، فقال لي: ألم أقل لك: إنك يمانيٌّ أحمق، إنك قدمت بثمانين ألفًا، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما قدمت بثمانمائة ألف درهم، فجعل يعجب ويكررها، فقال: ويحك وكم ثمانمائة ألف درهم؟ فعددت مائة ألف ومائة ألف حتى عددت ثمانية) وروى أيضًا أنه قرأ قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) (عبس: ٣١) فقال: ما الأب؟ هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب؟ وروى أحمد في مسنده أن عمر ﵁ لم يعرف حكم الشك في الصلاة صفحة ١٩٠ وروي فيه أيضًا أنه أمر برجم مجنونة زنت فانتزعها منه علي ﵇ وأخبر عمر بقول رسول الله ﷺ: (رُفع القلم عن الصبي حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يعقل) فرجع إلى قوله، وروى أبو الفرج في الجزء الثاني من كتابه (الأغاني صفحة ٥٣) أن الزبرقان بن بدر شكا إلى عمر ﵁ الحطيئة الشاعر حين هجاه فقال: ما قال؟ فأنشده: دع المكارم لا تنهض لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فقال: ما أراه هجاء، فقال: بل هجاني يا أمير المؤمنين، فسأل حسان فقال: بل سلح عليه» . اهـ أقول: سيأتي الجواب على ما نقله عبد الحسين عن طبقات ابن سعد عن أبي هريرة ﵁ في موضع لاحق، وأما الأثر الوارد حول قوله تعالى ﴿وفاكهة وأبا﴾ فقد ذكره ابن كثير ٨/٣٤٨ بسند الطبري ثم قال: «فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس، به، وهو محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾» . وذكر الطاهر ابن عاشور ﵀ في التحرير والتنوير ٣٠ / ١٣٨ إن ذلك القول من عمر ﵁ قد يرجع لأحد سببين:
(٣) إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسي من استعمالهم فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتُنسى في بعضها مثل اسم السِّكين عندَ الأوس والخزرج، فقد قال أنس بن مالك: (ما كُنَّا نَقول إلا المُدْية حتى سمعت قول رسول الله (ﷺ) يذكر أن سليمان ﵇ قال: «ائيتوني بالسكين أقْسِمْ الطفْلَ بينهما نصفين»، وكما في كلمة ﴿فاطر﴾ وعدم علم ابن عباس ﵄ حتى سمع استعمال أعرابي لها في سياق أوضح معناها.
(٤) وإما لأن كلمة الأبّ تطلق على أشياء كثيرة منها النبت الذي ترعاه الأنعام، ومنها التبن، ومنها يابس الفاكهة، فكان إمساك أبي بكر وعمر عن بيان معناه لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين، وهل الأبّ مما يرجع إلى قوله ﴿متاعًا لكم﴾ أو إلى قوله ﴿ولأنعامكم﴾ في جمْع ما قُسِّم قبله» . اهـ بتصرف وأما الأثران اللذان يليان هذا الأثر وهما: رجم المجنونة التي زنت، وأثر هجاء الحطيئة للزبرقان، فإنهما لا يثبتان سندًا.
[ ٢ / ١٥٢ ]
القريحة، ثم صحب تلميذًا شابًّا قد تعلم قبله
بخمس عشرة سنة وداما يتعلمان مدة حياة معلمهما، فهل يجوز في أحكام العقول عند أهل الفضل والإنصاف أن يلحق الكهل بذلك الشاب ويفوقه بالعلم والمعرفة، خصوصًا إذا كان الشاب أقوى فطنة وأكثر ملازمة وانقطاعًا إلى المعلم؟ كلا ثم كلا،
[ ٢ / ١٥٣ ]
وهذا لعمري من البديهيات الأولية.
واعلم - رعاك الله أيها الأخ المنصف - أننا هنا لا نعتمد في تفضيل علي ﵇ على كافة الصحابة ﵃ إلا على أمثال هذه البراهين القاطعة والأمور المحسوسة، التي سجلها التاريخ وأوضحها البحث والتنقيب والتدبر، أما الأحاديث التي وردت في فضله ﵇ فإنما تذكر تأييدًا واستظهارًا قبالة الخصم، وهذه طريقتنا في الأصحاب رضوان الله عليهم، لا نعتمد في فضلهم وصلاحهم على ما روي فيهم حتى نرى ما دُوِّن لهم في التاريخ من الأعمال، فإن كان ثمة عمل يؤيد ما روي فيهم آمنا وصدقنا، وإلا اتَّهَمْنا الراوي ولم نؤمن بحديثه.
ولسنا بحمد الله ممن يبخس الناس أشياءهم، بل نعطي كل ذي حق حقه، وننعت المرء بما هو فيه، إن لعمر بن الخطاب ﵁ وجهة كان يؤمها، وغاية كان يسعى إليها هي من أشرف الغايات وأعلى المقاصد. (١)
ألا وهي إعزاز الإسلام وإظهار أبهته وعظمته وتفخيم سلطانه،
_________________
(١) بما أن طبيعة ملتوية تغلب على مشاعر القوم؛ لذا فستجد أنهم يتسللون خفية لينالوا من عمر، ولو عن طريق الإيحاء، فترى الواحد فيهم كيف أنه محترف يتقن استعمال الألفاظ الموهمة للوصول إلى ما يريد عن طريق الكناية والإيحاء، واستخدام ظلال العبارات والألفاظ، دون أن يترك أثرًا ماديًا يمكِّن الباحث في (كشف الدلالة) من تجريمه دون قيام شبهة معترضة! وعبد الحسين نور الدين له كتاب بعنوان " عمر والإسلام " قائم على هذا بل مقاله هنا قائم على ذلك! وقد أورد وسيورد بعض الروايات التي يعلم أن قومه لا يوردونها إلا طعنًا في عمر بن الخطاب، وتشكيكًا في علمه وكفاءته.
[ ٢ / ١٥٤ ]
فمن ذلك يوم أسلم قال: (لا يُعبد الله بعد اليوم سرًّا) فكان المسلمون بعدها يصلون ظاهرين.
ومنها: أنه أشار بأن يتخذ لرسول الله ﷺ مكانًا يمتاز به عن أصحابه ليعرفه الغريب والوافد، ولا يحتاج إلى أن يسأل عنه؛ فإن في السؤال عن العظيم ما لا يخفى.
ومنها: أنه أشار بأن تحجب نساؤه ﷺ ليكون لها الميزة عن سائر النساء، ولقد قال لبعض نساء رسول الله ﷺ، وقد رأى شخصها في ملأ من الناس: (لو أُطَعْتُ فيكن ما رأتكن عين) .
ومنها: أنه أشار بقتل الأسرى يوم بدر حتى لا تقوم لقريش بعدها قائمة؛ فإن الأسرى كانوا هم الرؤساء والقادة، وكان يسأل رسول الله ﷺ أن يأذن له بقتل كل من يداهن في دين الله، وكان شديد الحرص على قتل أبي سفيان لما رآه من شدة كيده للإسلام، وكان يوم الحديبية شديد الإنكار للصلح قال: يا رسول الله، ألسنا بالمؤمنين؟ فقال: نعم، فقال: أليسوا بالمشركين؟ فقال: نعم، فقال: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ حتى سكَّن أبو بكر من
[ ٢ / ١٥٥ ]