(ثانيا): أنكم تزعمون أنه لا فضيلة للصديق الأكبر ﵁ في كونه مع الرسول الأعظم ﷺ ثاني اثنين بشهادة رب العزة، ولا في كون الله ﷿ ثالثهما؛ لأن العدد لا فضيلة فيه بزعمكم مهما تكن قيمة المعدود بذلك العدد.
وأنتم تعلمون أن المؤمنين بكتاب الله تعالى وبرسوله لا يقولون إن لفظ (اثنين)، أو لفظ: (ثاني)، أو: (ثالثهما) له فضيلة في حروفه أو تركيبها أو النطق به.
وإنما يقولون: إن الفضيلة للصديق الأكبر ﵁ في المعدود والمراد بلفظ: ﴿ثاني اثنين﴾ في الآية، وبلفظ: «ما قولك يا أبا بكر في اثنين الله ثالثهما» في الحديث.
فثلاثة رب العالمين أحدهم، وسيد ولد آدم وخاتم النبيين والمرسلين ثانيهم، يكون
[ ٢ / ٩٨ ]
لأبي بكر الصديق أعظم الشرف في أن يكون ثالثهم، أو كما قلتم متمما للعدد.
ويزيد هذا الشرف الذاتي قيمة: أنه ليس مما يحصل مثله بالمصادفة ولا بالكسب والسعي، وإنما الذي اختاره له هو رسول الله بإذن الله، والمخبر بذلك هو الله ورسوله.
ولو وردت هذه الآية وهذا الحديث في علي ﵁ وكرم وجهه لقلتم في الثلاثة حينئذ نحوًا مما قالت النصارى في ثالوثهم (الأب والابن وروح القدس) كما قلتم في كونه كرم الله وجهه أحد الذين ثبتوا معه ﷺ في حنين، فجعلتم هذا الثبات الذي يتفرد به ولم يثبت بنص القرآن، ولا بحديث متواتر مرفوع ولا مرسل، حجةً على كونه وحده دون من اعترفتم بثباتهم معه سببا للنصر، وإنقاذ الرسول من القتل، وبقاء الإسلام والمسلمين في الوجود! (١)
وكما فعلتم في حديث مؤاخاة النبي ﷺ له؛ إذ فضلتموه به على الصديق وغيره، على حين قد ثبتت تسمية النبي ﷺ الصِّدِّيقَ أخا له بأحاديث أصح من ذلك الحديث كقوله ﷺ: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلا دون ربي لاتخذت
_________________
(١) وهكذا لو كان من قام بإيصال الماء والطعام إلى النبي ﷺ فاطمة ﵂ بدلًا من أسماء ﵂ لقامت الدنيا ولم تقعد عند الشيعة، ولأصبح فعل فاطمة ﵂ هو الدين كله! ولولاها لما قام للإسلام عود! ولولاها لما تمكن النبي ﷺ من الوصول سالمًا إلى المدينة! ولولاها لما كان هناك مهاجرون ولا انصار، و. . و. . و. .! وهكذا ينتقصون من أفعال الصحابة وإن كانت عظيمة وكبيرة ويرفعون من شان أفعال أهل البيت وان كانت أهون من غيرها. فقللوا - كما أشار المؤلف ﵀ - من شأن هجرة أبي بكر مع النبي وتحمله المصاعب والأهوال وحطوا من شانه وأصبحت الآية النازلة في حقه والدالة على فضله وعلو منزلته دليلًا على كفره ونفاقه! لو كان في الهجرة مع النبي ﷺ علي بدلًا من أبي بكر وكان العكس هو الذي قد حصل فكان علي﵁ - هو الذي رافق النبي ﷺ في هجرته وكان معه في الغار ونزلت بحقه الآية لقالوا: والله لا احد يعرف سر هذا الثالوث المقدس!! ولتحولت هذه المنقصة التي حمّلوها - كذبًا وتدليسًا - هذه الآية، إلى منقبة ما بعدها منقبة، ولكتبوا عنها الكتب والمجلدات التي تسير بها الركبان، ولجعلوا لها من الأسماء الرنانة ما تندهش له العقول، ولكن المشكلة هي في اختلاف الأسماء فقط!
[ ٢ / ٩٩ ]
أبا بكر خليلًا، ولكن أخي وصاحبي» رواه البخاري [٣٦٥٦، ٣٦٥٨] من حديث ابن الزبير، وابن عباس وغيرهما.
وهو يدل على أن أبا بكر عند الرسول أعلى منزلة من جميع أمته.
وقد قرأنا وسمعنا عنكم أنكم تفخرون بعدد آخر لم تثبت روايته بمثل ما ثبتت به رواية هذا العدد، ولا تبلغ درجته في عظمة المعدود.
قال الفخر الرازي: «وأعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول ﷺ وعليا وفاطمة والحسن والحسين كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادسًا لهم.
فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون فقال ﵀: لكم ما هو خير منه بقوله ﷺ: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل» . اهـ
وأقول: إن من أكبر جنايات الروافض على الإسلام والمسلمين أنهم جعلوا أبا بكر وعليا ﵄ خصمين،
[ ٢ / ١٠٠ ]
وما ورد في مناقبهما معارضا بعضه ببعض، وكل هذا باطل.
فما كانا إلا أخوين في الله وفي نصر رسوله وإقامة الإسلام، ولكل منهما مقام معلوم، وما ورد في مناقب علي أعلى الله مقامه أكثر مما ورد في مناقب غيره، كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وقد غلط الرازي في نقله أن مسألة العباء أو الكساء وردت في قصة المباهلة؛ فإن المعروف أنها وردت في إثبات جعل علي وزوجه وولديهما من أهل البيت النبوي ﵈ داخلين في معنى قوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجل أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ والآية واردة في الأزواج الطاهرات ﵅؛ إذ روي أنه ﷺ جمعهم معه في الكساء ودعا الله بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا، والمقام لا يسمح بالبحث في هذه المسألة هنا. (١)
***
تفنيد شبهتهم على نهيه عن الحزن
(ثالثا): أنكم زعمتم أن نهي رسول الله ﷺ للصديق عن الحزن يدل على أنه ﵁ كان عاصيا بذلك الحزن ومتصفا
_________________
(١) للمؤلف ﵀ كلام مطول حول هذا الحديث في مجلة المنار (مج ٩ ص ٣٠٠)، (مج ٢١ ص٣٨)
[ ٢ / ١٠١ ]
بالجبن.
وهذا الزعم دليل على جهلكم بالقرآن وبمقام الرسول ﷺ وباللغة وبطباع البشر.
وإنما أوقعكم في هذه الجهالات التعصب الذميم وسوء النية فيه.
وحسبي في إثبات جهلكم ما بينته في تفسر الجملة من معنى الحزن والنهي عنه، وأن جملة ﴿لا تحزن﴾ لم ترد في غير هذه الآية من القرآن إلا في خطاب الله لرسوله ﷺ، وفي خطاب الملائكة للوط ﵇.
فإن كنتم تقولون: أنها تدل على العصيان والجبن!
يلزمكم من الطعن في الرسول الأعظم وفي نبي الله لوط ما هو صريح الكفر، بل أثبت الله تعالى عروض الحزن للنبي ﷺ بالفعل في قوله ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذين يقولون﴾ .
ومن المتواتر: أنه ﷺ كان أشجع الناس، وحسب الصديق شرفًا أن ينهاه رسول الله ﷺ عما نهاه ربه عنه، وأي شرف أعلى من هذا؟
تفنيد تحريفهم لقوله ﴿إن الله معنا﴾ .
(رابعا) أن ما زعمتموه من احتمال أن يكون المراد من جملة ﴿إن الله معنا﴾ إثبات المعية للنبي ﷺ وحده لا يصدر مثله
[ ٢ / ١٠٢ ]
إلا عنكم بالتبع لملاحدة سلفكم الباطنية الذين قالوا مثل هذا في الصلاة والصيام، وغيرهما من العقائد وشرائع الإسلام؛ فإنه مما يأباه اللفظ والأسلوب والسياق والمقام، وإنما يُقصد بالكلام الإفهام، وما زعمتموه صريح في أنه ﷺ أفهم صاحبه غير الحق، وأنه أراد أن يغشه ويوهمه بالباطل أن الله معهما؟
حاش لله وحاش لرسوله، ما هذا إلا من نوع تحريف اليهود والباطنية لكلام الله، بما لا يليق بالله ولا برسوله.
وهذه الجملة بعيدة أشد البعد عن جملة ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ المراد بها استمالة الكفار المعاندين لاستماع حجج القرآن، وكانوا ﴿ينهون عنه وينأون عنه﴾ والترديد فيها حق؛ فإن أحد الفريقين على هدى أو في ضلال مبين، لا مفر من ذلك في نظر العقل، وهو لا يمنع أن يكون الواقع بالفعل: أن المخاطب لهم وهم الرسول ﷺ على الهدى وأن يكونوا هم في ضلال مبين.
ولما كان أبو جعفر محمد بن علي الطبرسي من علماء العربية ومعتدلي الشيعة أبت عليه كرامة العلم أن يسفه نفسه بنقل
[ ٢ / ١٠٣ ]
ت ف
جهالتهم التي نقلها الرازي والألوسي للرد عليها، فكان كل ما ضعف به مناقب الصديق ﵁ في الآية: ترجيح القول بأن الضمير في قوله تعالى ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ راجع إلى النبي ﷺ واحتج عليه بما احتج غيره ممن رجحوا هذا القول من اتساق مرجع الضمائر- وقد علمت ما فيه - وأشار بعده إلى ما للشيعة من الكلام في ذلك. وقال: إنه أبى أن ينقله لئلا يتهم بما لا يحب أن يتهم به. (١)
(خامسا) زعمكم أن عليا كرم الله وجهه هو المجهز لهم بشراء الإبل: لم يثبت برواية صحيحة، بل الثابت في الصحيح ما تقدم في حديث الهجرة الذي سردناه آنفا من شراء الصديق للراحلتين وأخذه ﷺ لأحداهما بالثمن.
ولو ثبت قولكم لم يكن دالا على ما زعمتموه كما هو ظاهر.
هذا وإنني اعتقد أن قائلي ما ذكره المفسرون من تحريف الرافضة للآية الكريمة وللأحاديث الشريفة في مناقب الصديق ليسوا من الجهلة باللغة العربية بحيث يعتقدون صحة ما قالوا وما
_________________
(١) لقد تفاوتت أنظار كثير من الناس في تقييم الطبرسي بين الغلو والاعتدال، إلا أن من أجمع وأوضح وأهم ما كتب في هذا الصدد: أطروحة بعنوان " كشف الاتجاه الرافضي في تفسير الطبرسي الموسوم بمجمع البيان لعلوم القرآن " للشيخ أحمد طاهر أويس علي.
[ ٢ / ١٠٤ ]
عبارة بشعة لميرزا الحائري الأحقاقي "حاشية"
كتبوا، وإنما هم قوم بهت، يجحدون ما يعتقدون، ويفترون الكذب وهم يعلمون، ويحرفون الكلم عن مواضعه، كاليهود الأولين الذين حرفوا البشارات بمحمد ﷺ، وكدعاة النصرانية في هذا العصر.
والذين وضعوا لهم قواعد الرفض وخطط التأويل والتحريف هم ملاحدة الشيعة الباطنية أعداء الإسلام الذين كانوا يتوسلون بها إلى هدم هذا الدين وإزالة ملك العرب تمهيدًا لإعادة الديانة المجوسية والسلطة الكسروية.
وقد وضعوا لهم من الأحاديث والآثار عن أئمة آل البيت في تحريف القرآن والغلو فيهم، ومن قواعد البدع ما كانوا به شر فرق المبتدعة في هذه الأمة.
وقد برعوا في تربية عوامهم على بدعهم بما فيها من الغلو في تعظيم على وآله بما هو وراء محيط الدين والعقل واللغة، والغلو في بغض الصديق والفاروق وذى النورين وأكابر المهاجرين وجمهور الصحابة والطعن فيهم بما هو وراء محيط الدين والعقل واللغة أيضا.
وإنما خصوا الخليفتين الأولين منهم بمزيد البغض والذم لأنهما هما اللذان جهزا الجيوش وسيراها إلى بلاد الفرس ففتحوها (١) وأزالوا
_________________
(١) قال ميرزا الحائري الأحقاقي في رسالة الإيمان ص ٣٢٣ عن أصحاب النبي ﷺ لما فتحوا بلاد فارس: «أولئك العرب الأعراب الأوباش عُبَّاد الشهوات الذين يتعطشون إلى عفة نساء فارس» .
[ ٢ / ١٠٥ ]
دينها وملكها من الوجود.
وقد صارت هذه التقاليد راسخة بالتربية والوراثة حتى صار من يسمونهم العلماء المجتهدين يكتبون مثل ما نقلناه عن بعض المعاصرين منهم في الكلام على غزوة حنين، وهو أعرق في الغلو وأرسخ في الجهل مما نقله الرازي والألوسي هنا عن بعض متقدميهم. فإذا كان هذا حال من يسمونهم العلماء المجتهدين فكيف يكون حال من وطنوا أنفسهم على التقليد في طلب العلم؟
ثم كيف حال عوامهم الذين يلقنونهم هذه الأضاليل ويربونهم على بغض من أقام الله بهم هذا الدين، وصرح في كتابه العزيز بأنه رضي الله عنهم ورضوا عنه، وعلى لعن من فضله الله ورسوله عليهم كلهم؟ وناهيك بهذه الآية تفضيلا، ومن أصدق من الله قليلا؟
ألا إن هؤلاء الروافض شر مبتدعة هذه الملة وأشدهم بلاء عليها وتفريقا لكلمتها، وقد سكنت رياح التفريق التي أثارها غيرهم من الفرق في الإسلام وبقيت ريحهم عاصفة وحدها.
فهؤلاء الإباضية لا يزال فيهم كثرة وإمارة، ولا نراهم يثيرون بها
[ ٢ / ١٠٦ ]
الشيعة ينتظرون إسلاما جديدا إقامته بظهور المهدي
مثل هذه العداوة.
ولو كانوا يقفون عند حد تفضيل علي على أبي بكر والقول بأنه كان أحق بالخلافة منه لهان الأمر، وأمكن أن يتحدوا مع أهل السنة الذين يعذرونهم باعتقادهم هذا إذا لم يترتب عليه ضرر، ويعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا هذا التفرق ولا يتعادوا هذا التعادي اللذين أضعفا الإسلام وأهله ومزقا ملكه كل ممزق، حتى استذل الأجانب أكثر أهله، وهم لا يزالوان يشغلون المسلمين بالتعادي على ما مضي من التنازع في مسألة الخلافة، ويؤلفون الكتب والرسائل في القدح في الصحابة. وياليتهم يطلبون إعادة الخلافة لأهل البيت وتجديدها لإقامة دين الله وإعادة مجد الإسلام وسيادته، فإن أهل السنة لا يختلفون في أن آلَ البيتِ على أصحِّ بطونِ قريشٍ أنسابا، وأكرمها أحسابا وأن الخلافة في قريش، فإن وجد فيهم من تجتمع فيه سائر شروطها ويرضاه أهل الحل والعقد من الأمة فهو أولى من غيره.
كلا إنهم ينتظرون تجديد الإسلام وإقامته بظهور المهدي (١)، وعامة المسلمين ينتظرونه معهم، فليكتفوا بهذا ويكفوا عن تأليف الكتب في
_________________
(١) تقدم في موضع سابق ذكر ما نقله القوم عن أبي جعفر ﵇ أنه قال: (يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد) (البحار ٥٢/٣٥٤)، (غيبة النعماني ١٥٤)، وقال أبو عبد الله ﵇: (لكأني انظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد) (البحار ٥٢/١٣٥)، (الغيبة ١٧٦) . وانظر: تاريخ ما بعد الظهور لمحمد الصدر ص٦٣٧، ٦٣٨. وقد جَمَعَ الكليني خمس روايات في كتابه "الكافي" وصاغ لها بابًا مستقلا سماه بالنص: (باب في الأئمة ﵈ أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود، ولا يسألون البينة ﵈ والرحمة. ٩٥ - والرضوان) . الأصول / كتاب الحجة. الشافي / الحجة / رقم الباب ١٥٤، وثلاث روايات منها موثقة أو حسنة كما قال محقق الكتاب، وكل روايات الباب تفيد أن مهدي الاثنى عشرية المنتظر يحكم بحكم آل داود! وهذا مما يثير الاستنكار الشديد؛ إذ كيف يؤمر اليهود بأمر من الله تعالى في القرآن باتباع رسول الله، ثم يأتي الكليني ويجعل الإمام الثاني عشر فيما إذا حكم وهو من أتباع رسول الله تابعًا لنبي من أنبياء اليهود؟!
[ ٢ / ١٠٧ ]
الطعن في الصحابة الكرام، وبحمله السنة وحفاظها الإعلام، وإثارة الأحقاد والأضغان، التي لا فائدة لهم منها في هذا الزمان إلا التقرب إلى غلاتهم من العوام، طمعا في الجاه الباطل والحطام وإنما فائدتها الحقيقية للأجانب من أعداء الإسلام، ومن العجائب أن شيعة الأعاجم في إيران قد شعروا بضرر الغلو وبالحاجة إلى الوحدة دون شيعة العرب في العراق وسورية. فقد بلغنا عنهم ما نرجو أن يكونوا به خير قدوة لهم والله الموفق.
[ ٢ / ١٠٨ ]