زعم الرافضي العاملي المتعصب أن أول من زقا بهذه العقائد
[ ٧٢ ]
الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وأما القول بأنا نكفر بالعموم
أي صاح بها ودعا إليها هو ابن تيمية وتبعه بها تلميذاه ابن القيم وابن عبد الهادي؛ ولذلك حكم علماء عصره بضلاله وكفره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه إلخ.
أقول (أولًا): إن الوهابية يدعون بحق أنهم موحدون وحامون لحِمَى التوحيد من تَطَرُّقِ الشرك، وكان يدعي هذه الدعوى بحق من قبلهم شيخ الإسلام، وعلم أهل السنة الأعلام، وهادم أركان بدعة الروافض وغيرهم من المبتدعة أرباب الخرافات والأوهام، وماحق شبهات الفلاسفة وضلالات الكفرة. (ثانيًا): إن الوهابية لم يدعوا أنهم هم الموحدون وحدهم وأن غيرهم من جميع المسلمين مشركون كما افترى عليهم هذا الرافضي المتعصب وغيره (١)، بل لم يدعوا أنهم فرقة أو أهل مذهب مستقل حتى يصفوا أنفسهم بوصف من دون سائر المسلمين، وإنما يقولون كما يقول غيرهم من العلماء بتوحيد الله الذي دعت إليه جميع رسله: إن المسلمين قد صدق في بعضهم حديث نبيهم الثابت في الصحاح من اتباعهم سَنَن من قبلهم من أهل الكتاب
_________________
(١) يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وأما القول بأنّا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم) . مجموعة مؤلفات الشيخ ٥/١٠٠. ولما أرسل أحد علماء العراق وهو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي كتابًا للشيخ محمد ليسأله عما يقوله الناس فيه من تكفير الناس إلا من تبعه فأجابه الشيخ بجواب ذكر فيه كيد الأعداء ثم أعقبه برد فرية الخصوم: (وأجبلوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلًا عن أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من تبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون..) . مجموعة مؤلفات الشيخ (٥/٣٦) . وانظر: دعاوى المناوئين للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب للشيخ د. عبد العزيز العبد اللطيف، منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير للشيخ أحمد الرضيمان.
[ ٧٣ ]
ابن تيمية والوهابية أثبتوا بها -كسائر أهل السنة - ما أثبته الله تعالى في كتابه المعصوم، وفي سنة خاتم أنبيائه
زعم الروافض أن مهدي السرداب سيظهر في آخر الزمان
في البدع ومخالفة هداية دينهم كما يصدق في بعض آخر منهم قوله ﷺ بأنه: (لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) (١) .
ويقولون: إن الذين اتبعوا سنن من قبلهم هم أهل البدع من الجهمية والروافض وغيرهم، وإن القائمين بأمر الله هم المحافظون على الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على الهدْي الذي كان عليه السلف الصالح من قبل ظهور البدع، ومن قاوم البدع منذ ظهورها من علماء الأمصار، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل ﵃ أجمعين.
(ثالثًا): إن ما ذكره من العقائد التي زعم أن ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأمثالهم أباحوا لها حِمَى التوحيد وهتكوا ستوره بإثباتهم لله تعالى صفة العلو والاستواء على العرش إلخ، إنما أثبتوا بها -كسائر أهل السنة - ما أثبته الله تعالى في كتابه المعصوم، وفي سنة خاتم أنبيائه المعصوم المبينة له، ذلك الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خلافًا لغلاة الروافض المارقين عن الإسلام بزعمهم أن كتاب الله المنزل على
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٦٤١)، وصحيح مسلم (١٠٣٧)، والحديث مروي عن عدد من الصحابة بألفاظ متقاربة.
[ ٧٤ ]
محمد ﷺ، لم يكتبه كما نزل إلا عليٌّ كرَّم الله وجهه وأنه كتمه عن المسلمين إلا أئمة أهل بيته، وأنه انتهى أخيرًا إلى مهدي السرداب، وأنه سيظهر في آخر الزمان (١)
وزعم الكثيرين منهم أن القرآن الذي تواتر بين المسلمين من عهد النبي وخلفائه الراشدين إلى اليوم قد حرَّفه الصحابة رضوان الله عليهم وكتموا بعضه، وأن عليًّا وسائر أئمة البيت المعصومين عندهم قد وافقوهم على ذلك ظاهرًا من باب التقية التي لا تنافي العصمة عندهم، بل يباح بها الكذب وكذا الكفر كاستباحة كتمان القرآن، ولكن منهم مَن بيَّن الحقيقة سرًّا لبعض أتباعهم فظلوا يتناقلونها إلى أن أذاعها بعضهم وجمع نصوصها عنهم صاحب كتاب (فصل الخطاب) المطبوع في إيران، بَرَّأَ اللهُ كتابَه وأهل بيت نبيه من هذا الكفر والضلال.
وأما كونهم يثبتون تلك النصوص بمعانيها الحقيقية بدون تأويل ولكن مع إثبات التنزيه فهم متبعون في ذلك لسلف الأمة الصالح غير مبتدعين له، وإنما ابتدع التأويل الجهمية والمعتزلة
_________________
(١) وينص على ذلك روايات عدة، منها: أنه لما توفي رسول الله ﷺ جمع علي القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله ﷺ، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر، وقال: يا علي، اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت -وكان قارئًا للقرآن- فقال له عمر: إن عليًا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فضيحة وهتكًا للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه قد بطل كل عملكم. قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك، فلما استخلف عمر، سأل عليًا أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم؟ فقال: نعم، إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به صلوات الله عليه. الاحتجاج: (١٥٥)، البحار: (٩٢/٤٢) (٩٣/٤٢)، مرآة الأنوار: (٣٨) . وفي رواية: إن المهدي عند ظهوره يتلو القرآن، فيقول المسلمون: هذا والله القرآن حقًا الذي أنزله الله على محمد، وما أسقط وبدل وحرَّف لعن الله من أسقطه وبدَّله وحرَّفه. فصل الخطاب: (٩٩، ٢٣٩)، محجة العلماء: (١٤٠)، البحار: (٥٣/٩)، حق اليقين: (٢/٣٦) . ويقول عالم الشيعة الملقب بـ (المفيد): «غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا ﵈ أنهم قد أمروا بقرائة ما بين الدفتين وأن لا نتعداه إلى زيادة فيه ولا إلى نقصان منه إلى أن يقوم القائم ﵇ فيقرأ الناس على ما أنزل الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين ﵇ وإنما نهونا عن قرائة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف لأنها لم تأت على التواتر وإنما جاء بها الأخبار والواحد قد يغلطه فيما ينقله ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه من أهل الخلاف وأغرى به الجبارين وعرض نفسه للهلاك فمنعونا من قراءة القرآن بخلاف ما أثبت بين الدفتين» نقلا عن آراء حول القرآن لآية الله الفاني الاصفهاني ص ١٣٥، وانظر المسائل السروية للمفيد ص ٧٨- ٨١، ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار ٩٢/٧٤- ٧٥. ويقول آية الشيعة حسين الخراساني: «على أننا معاشر الشيعة نعترف بأن هناك قرآنا كتبه الإمام على - ﵁ - بيده الشريفة، ولم يزل كل إمام يحتفظ به كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظا عند الإمام المهدي القائم عجل الله فرجه» . الإسلام على ضوء التشيع للخرساني ص٢٠٤.
[ ٧٥ ]
إشارة لما جرى للإمام الجويني
كان أبو الحسن الأشعري من المعتزلة المتأولين ثم رجع عن أشهر قواعد الاعتزال
الإمام الغزالي
وأتباعهم من الروافض بشبهة تنزيه الله تعالى عن التجسيم والتشبيه.
وكان أبو الحسن الأشعري من المعتزلة المتأولين ثم رجع عن أشهر قواعد الاعتزال واتبع فيها أهل السنة، وظل على ما اعتاد من بعض تأويلات الاعتزال حتى صفا له مذهب أهل السنة من الشوائب ورجع إلى مذهب السلف كما صرَّح به في آخر كتابه المسمى بالإبانة (١)، ولكن عدوى التأويل المبتدع سرت إلى كبار النظار من أتباعه فجرى لبعض أساطينهم ما جرى له من رجوعهم إلى مذهب السلف في أواخر أعمارهم، أو قبل ذلك كما جرى للإمام الجويني (٢)
والإمام الغزالي (٣) وغيرهما من المتقدمين ولشيخنا الأستاذ الإمام من المتأخرين.
وأما شبهة المبتدعة المتأولين فهي تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه التي يعبرون عنها في تأويل بعض الصفات بالتجسيم والتحيز وغيرهما من لوازم الأجسام فبهذه الشبهة عطَّلوا أكثر صفات الله تعالى حتى صارت عندهم في حكم العدم.
والسلف الصالح أعلم منهم بمعاني النصوص، وبما يجب الإيمان به وأشد
_________________
(١) وتقريرات أبي الحسن الأشعري ﵀ والمسائل التي أوردها وسياق الحجج في هذا الكتاب - أعني الإبانة - مطابق لما هو موجود في كتابيه " مقالات الإسلاميين " و"رسالة إلى أهل الثغر ". وانظر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة للشيخ فيصل قزار الجاسم.
(٢) قال أبو جعفر بن أبي علي الحافظ: «سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فقال: (كان الله ولا عرش ) وجعل يتخبط في الكلام، فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟ وبكيت وبكى الخلق فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: ياللحيرة وخرق ما كان عليه وانخلع وصارت قيامة في المسجد ونزل ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة! والدهشة الدهشة! فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني» . انظر: العلو للعلي الغفار للحافظ الذهبي ﵀، وقد نقل العالم العامل أحمد بن إبراهيم الواسطي - تلميذ شيخ الإسلام رحمهما الله - في (النصيحة في صفات الرب جل وعلا) رسالة الإمام الجويني التي وصف فيها وصفا دقيقا تحيره وتردده في مرحلة من مراحل حياته العلمية بين اتباع السلف وبين اتباع علماء الكلام في عصره وهي من مطبوعات المكتب الإسلامي.
(٣) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والمقصود هنا أن كتب أبى حامد وإن كان يذكر فيها كثيرا من كلامهم الباطل - يعني الفلاسفة -، أما بعبارتهم أو بعبارة أخرى فهو في آخر أمره يبالغ في ذمهم، ويبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريقة المتكلمين، ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم» . الرد على المنطقيين ص ١٩٨ وهناك من أهل العلم من يشكك في تراجعه، لذا أحب أن أنقل كلمة للشيخ المربي محمد إسماعيل المقدم حيث يقول حفظه الله معلقا على هذه المسألة: «إن تذوق العلم وحده هو الذي يستطيع أن يعودنا الاحترام الواجب لأهل العلم، بحيث نصل معه لدرجة نقدر فيها العلم الذي عندهم، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه دون أن يعتبر خطأهم غلًا في أعناقهم، نأخذ ما أصابوا فيه، ونتجنب ما أخطأوا فيه، دون أن نجعل خطأهم انتقاصًا لهم ودون أن نجعل صوابهم عصمة لهم» .
[ ٧٦ ]
منهم تنزيهًا للرب ﵎، وقد كاد ذلك يخفى على أهل القرون الوسطى لقصر هِمَم علماء السنة السلفيين على علوم القرآن والسنة وإعراضهم عن علم الكلام وعلم الفلسفة المبتدع ونظرياته الجدلية الخلابة، حتى ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية فنظر بعد الإحاطة بعلوم السنة والنقل المروية والمدونة في الكلام والفلسفة والمنطق وأظهر كثيرًا من فساد نظرياتها وأثبت صحة مذهب السلف من طريق النقل وطريق العقل جميعًا.
والقاعدة في ذلك أن تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه قد ثبت بدليل العقل والنصوص القطعية من النقل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) وإن السلف يجمعون بين الأمرين: تنزيه الرب سبحانه ووصفه بما وصف به نفسه من الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغير ذلك وعدم التحكم في التفرقة بين هذه الصفات وصفات العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، فيقولون: إن رحمته تعالى رحمة حقيقية ليست كرحمة البشر كما أن علمه ليس كعلم البشر وسمعه ليس كسمع البشر وبصره ليس كبصر البشر إلخ، وكذلك
[ ٧٧ ]
مبتدعة التأويل يقيسون الخالق على المخلوق
يقول السلف في استوائه تعالى على عرشه: إنه استواء يليق بجلاله وَتَنَزُّهِهِ عن مشابهة خلقه، ليس كاستواء الملوك على عروشها، ولا نتحكم بعقولنا بتأويل ذلك كزعم من قالوا: الاستواء بمعنى الاستيلاء مثلا، وستأتي أقوالهم في ذلك.
ذلك بأن مبتدعة التأويل يقيسون الخالق على المخلوق فيزعمون أن المعاني الحقيقية لتلك الصفات الإلهية تستلزم التشبيه الممنوع عقلًا ونقلًا، فوجب إخراج الألفاظ الدالة عليها من مدلولها، وحملها على معانٍ مجازية؛ ليتفق العقل مع النقل، وفاتهم أن تلك المعاني المجازية هي مستعملة في المخلوقات كالمعاني الحقيقية فالذين أَوَّلُوا رحمة الله تعالى بإحسانه إلى خلقه فاتهم أن الإحسان المستعمل في اللغة تعبيرًا عن صفات المخلوقين وأعمالهم مُحَال على الله تعالى أيضًا؛ إذ هو عبارة عن بسط يد بعطاء أو إنقاذ غريق من البحر مثلًا، وهذا لا يكون إلا بحركات الأعضاء فهو يستلزم التشبيه أيضًا.
كما يلزم ذلك متكلمي الأشعرية الذين وافقوا المعتزلة والجهمية
[ ٧٨ ]
والرافضة في تأويل ما عدا الصفات الثمانية التي يسمونها صفات المعاني، فإن العلم الذي هو أبعد هذه الصفات عن الحاجة إلى التأويل عندهم هو عبارة في اللغة المستعملة في البشر عن انطباع صور المعلومات في ذهن العالم بها، والله تعالى منزه عن ذلك، وعلمه أزلي ليس صورة ذهنية للمعلومات التي تثبت الحدوث لما عدا ذاته وصفاته الذاتية ﷾ منها، وفي صفات الأفعال خلاف معروف. فوصفه تعالى بالعلم بمعناه الحقيقي المعروف في لغة البشر يستلزم تشبيهه بالبشر أيضًا، ولذلك أنكر أئمة النار من المبتدعة جميع صفات الله تعالى وعطلوها عن معانيها، ومنهم هذا الرافضي وأمثاله.
ومذهب سلف الأمة يهدم هذه البدعة وشبهتها من أساسها بما بيَّنه به شيخ الإسلام ابن تيمية أوضح بيان كما نقلناه عنه وعن غيره مرارًا، وخلاصته:
أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من صفاته وأفعاله بمعانيها الصحيحة المتبادرة من اللغة مع القول بالتنزيه ككون محبة الله لأنبيائه وأوليائه ورحمته بعباده ليستا كمحبة المخلوقين
[ ٧٩ ]
تنبيه مهم حول إطلاق أهل السنة عندما يطلقون لفظ التعطيل
ورحمتهم فيما بينهم كما أن علمه تعالى ليس كعلمهم - فهذا هو اعتقاد المسلمين المؤمنين الذين يتلقون دينهم من كتاب ربهم ومما صح عن رسوله إليهم ﷺ إثباتًا ونفيًا، من غير تحكيم للأهواء والبدع بشبهة قياس الخالق على المخلوق والرب على العبد.
ومثل ذلك إثبات صفة العلو والفوقية له تعالى فقد سمى الله تعالى نفسه:
﴿العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ (الحج: ٦٢) فيقول سلف الأمة الصالح: إن علوه تعالى على جميع خلقه ليس كعلو رأس الإنسان على جثته ولا علو من في الغرفة على من في أسفل الدار، كما يقولون مثل ذلك في اسمه الكبير والعظيم أي أنه ليس بمعنى كبر الأجسام وعظمتها ككون الجبل أكبر من الصخرة مثلًا، وقد شرحنا هذه المسألة عن طريق العقل والنقل والعلم الكوني مرارًا، وأثبتنا أن العلو الحسي بين الأجسام أمر نسبي ليس له حقيقة ثابتة، فكيف نستنبط من لوازمه ما نعطل به صفة الله التي وصف بها نفسه في الآيات والأحاديث الصحيحة التي أخذها السلف الصالح فالتسليم من غير جدل ولا تعطيل (١) ولا تأويل، وقد سبق إلى ذلك شيخ
_________________
(١) تنبيه مهم: إن أهل السنة عندما يطلقون لفظ التعطيل فإنهم لا يريدون أنه تعطيل اللفظ عن معنى؛ لأنه لا بُد أن يُحمل على معنى ما فلا يكون عطله عن جميع المعاني، وإنما عطَّل الصفة التي دل عليها النص، وعطله عن معناه المفضول المفهوم. " جامع المسائل لشيخ الإسلام، مجموعة ٥ ص ٧٠ " فمثلًا قد وردت صفة " اليد " في غير ما موضع من الكتاب والسنة، يقول الترمذي صاحب السنن في سننه: (فتأولت الجهمية هذه الآيات - التي وردت في صفة اليد لله تعالى - ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة) . ووجه الدلالة من كلامه ههنا: أن الجهمية لم يعطلوا اللفظ عن معنى، وإنما عطلوا الصفة التي دل عليها النص، ومع ذلك فإنهم يوصفون بأنهم معطلة.
[ ٨٠ ]
تعليق في الحاشية على قول المؤلف: سلف يفوضون حقيقة تلك الصفات
لو كان السلف متفقين على كون الحقيقة غير مرادة فعلى ماذا يكون الصراع بينهم وبين الجهمية والمعتزلة إذن؟!
تناقض عبارة: (مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم)
نقل عن المؤلف في الحاشية حول حدوث علم الكلام وحكمه
الإسلام في كتابه العرش وغيره فبيَّن أن العلو الحقيقي المطلق لا يثبت إلا لله العلي الكبير القاهر فوق عباده، وما عداه فعلو نسبي، ولا سيما على القول بكروية العالم.
وقد اشتهر في كتب العقائد وعلم الكلام القديمة والحديثة للأشاعرة أن أهل السنة انقسموا فيما عدا صفات المعاني الذاتية إلى:
سلف يفوضون حقيقة تلك الصفات (١) إلى الله تعالى ويرونها كما جاءت في الكتاب والسنة مع تنزيه الرب تعالى عن الشبيه والمثل. (٢)
وخلف يؤولونها تأويلًا يوافق قواعد اللغة التي وردت بها، وقال بعضهم: (إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم) . (٣)
ولكن المحققين المنصفين منهم قالوا: إن مذهب السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، بل قال أبو حامد الغزالي: إن علم الكلام ليس من علوم الدين الأصلية، وإنما هو ضرورة ألجأ العلماءَ إليها الردُّ على المبتدعة والفلاسفة فيما خالفوا فيه ما جاء في نصوص الدين القطعية (٤) فهو كحرس الحجيج الذي يحرسهم من قطاع الطريق إنما يجب ما وجد المعتدون على الحجيج، فإذا لم يوجد من يعتدي
_________________
(١) هذه العبارة من الشيخ ﵀: (سلف يفوضون حقيقة تلك الصفات) - تبدو لي - عبارة مجملة؛ فتفويض حقيقة الصفات: إما أن يكون تفويضًا لحقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها فيكون صحيحًا، وإما أن يكون تفويضًا لمعانيها أي أن المعاني المرادة من هذه النصوصة مجهولة عند السلف وهذا باطل، لأن السلف أثبتوا المعاني لتلك الصفات الواردة في الكتاب والسنة، «وكذلك قال ابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن علمنا تفسيره ومعناه» . انظر: درء تعارض العقل والنقل ١ / ٢٠٧. ويكفي في هذا مطالعة الكتب التي تعتني بنقل أقوال السلف والتي يضيق المقام عن مجرد استقصاء أسمائها فضلًا عن الإشارة إلى متونها في هذا الباب، وانظر حول تأصيل الموضوع: الأشاعرة في ميزان أهل السنة للشيخ فيصل قزار الجاسم ص ١٦١ وما يليها، مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات للشيخ د. أحمد القاضي ص ٩٦ وما يليها.
(٢) بل إنهم ينسبون إلى السلف أنهم يفوضون معناها لكون حقيقة معنى الصفة غير مرادة، ونسبة هذا القول إلى السلف باطلة؛ فإن صراع السلف مع الجهمية والمعتزلة لم يكن إلا على إثبات حقائق الصفات، إذ لو كان السلف متفقين على كون الحقيقة غير مرادة فعلى ماذا يكون الصراع والنزاع إذن بينهم وبين الجهمية والمعتزلة إذن؟!
(٣) وهذا القول متناقض مردود من عدة أوجه من أهمها: أولًا: سبب تعليلهم لكون طريقة السلف أنها أسلم والخلف أعلم وأحكم تعليل خاطئ؛ فإن هؤلاء إنما أُتوا من حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير تدبر معانيها وفقهها وعقلها، أو أنهم تأولوها تأويلًا إجماليًا باعتقاد أن ظاهر النص غير مراد إلا أنهم أمسكوا عن تحديده بالكف عن التأويل! أو أن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات! وهذا تعليل خاطئ؛ كما أُشير إليه فيما سبق وفيما سيأتي أيضًا. ثانيًا: أن وصفهم طريقة الخلف بأنها (أعلم وأحكم) يناقض قولهم: (إن طريقة السلف أسلم) فإن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم، إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة، العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب وبهذا يتبين أن طريقة السلف أسلم، وأعلم، وأحكم. انظر: تلخيص الفتوى الحموية (ضمن مجموع وفتاوى رسائل الشيخ محمد العثيمين ﵀ ٤ / ١١) . ثالثًا: أنهم - أعني المتكلمين - ومع كونهم متفقين فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فلم يُعهد في طريقتهم إلا الشك والاضطراب والتعارض، فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض بعضهم بعضًا في الأدلة النقلية، وكان غاية ما ظفروا به من هذه (الأعلمية) بطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم كالرازي وغيره في آخر أمرهم دينَ العجائز، قال الشوكاني: «فإن هذا ينادي بأعلى صوت يدل بأوضح دلالة، على أن هذه الأعلمية التي طلبوها الجهلُ خير منها بكثير. فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه، ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته، أن يكون جاهلًا به عاطلًا عنه؟» . اهـ
(٤) يقول المؤلف ﵀ في مجلة المنار: «وأما علم الكلام فقد حدث في الملة على عهد الأئمة، فحرَّموه وذمَّوه»، وقد نقل أقوالهم في ذلك في المسألة (٥٢) من الدرس السابع عشر من الأمالي الدينية المنشور في الجزء الأخير من مجلد المنار الثالث ص ٨٤٠ - ٨٤٥، وقال في آخره عن علم الكلام: إنه «يطلب لضرورة إقناع الخصوم وردّ شبه المنكرين، والضرورة تقدر بقدرها وتختلف باختلاف الزمان وأنواع الشبهات» . أقول: إن التعبير بـ (علم الكلام) قد صار فيه إجمال أيضًا، قال ابن حمدان في المفتي والمستفتي: «وعلم الكلام المذموم هو أصول الدين إذا تكلم فيه بالمعقول المحض، أو المخالف للمنقول الصريح الصحيح، فإن تكلم فيه بالنقل فقط، أو بالنقل والعقل الموافق له فهو أصول الدين، وطريقة أهل السنة» . فلم يذم السلف والأئمة الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات.. فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات وزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفى الباطل الذي نفاه الكتاب. انظر: مجموع الفتاوى ٣ / ٣٠٧.
[ ٨١ ]
من أصول الرفض جعل صفات الله كالعدم وتعليق في الحاشية حول مبدأ التعطيل لدى الرافضة من مصادرهم
صفة اليد لله تعالى وفي الحاشية وصف الشيعة لعلي رضي الله أنه هو يد الله
عليهم يُسْتَغْنَى عن الحرس؛ لأنه ليس من أركان الحج ولا من واجباته ولا من سننه.