زعم الرافضي العاملي أن ابن تيمية أول من أثبت ما ذكر من صفات الله تعالى بدون تأويل، وتبعه بعض تلاميذه ثم الوهابية، وأنهم خالفوا في ذلك جميع المسلمين، وهذا كذب وافتراء وتضليل لعوام أهل السنة، وتمهيد إلى جذبهم إلى الرفض الذي من أصوله تعطيل صفات الله تعالى بالتأويل وجعله ﷿ كالعدم (١)
، تعالى الله عما يقول المبتدعون علوًّا كبيرًا، فما من صفة من تلك الصفات إلا وهي منصوصة في القرآن أو في الأحاديث النبوية الصحيحة، ولعل كل قارئ للقرآن أو سامع له من المسلمين قد قرأ أو سمع قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠) وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: ٧٥) (٢)
وزعم الرافضي أن ابن تيمية يثبت لله تعالى يمينًا وشمالًا، ونصوصه تدل على أنه يتبع نصوص الكتاب والسنة، وإنما ثبت فيهما لفظ اليدين، ولفظ اليمين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر: ٦٧)
_________________
(١) إذا نظرنا إلي أبرز علماء الاثنا عشرية فسنجد أن أبرز المتقدمين يُعتبرون من المشبهة الذين يُشبهون الخالق بالمخلوق، وقد سبقت الإشارة إلى أقوال أبرزهم مثل زرارة وهشام بن الحكم وهشام بن سالم وغيرهم، ويقول الشريف المرتضى في رسائله (٣ / ٣١٠): «معظم الفقه وجمهوره لا يخلو مستنده ممن يذهب مذهب الواقفة اما أن يكون أصلا في الخبر، أو فرعا، راويا عن غيره، ومرويا عنه والى غلاة، وخطابية، ومخمسه، وأصحاب حلول كفلان وفلان ومن لا يحصى أيضا ذكره، والى قمي مشبه مجبر، وأن القميين كلهم من غير استثناء أحد منهم إلا أبا جعفر بن بابويه بالأمس كانوا مشبهة، مجبرة وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك وتنطق به، فليت شعري أي رواية تخلص وتسلم من أن يكون في أصلها وفرعها، واقف، أو غال، أو قمي مشبه مجبر» . وتقول رواية في "التوحيد لابن بابويه ص١٠١-١٠٢" عن سهل قال: «كتبت إلى أبي محمد - يعني إمامهم المنتظر - قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد؛ منهم من يقول: هو جسم، ومنهم من يقول: هو صورة» . وبدأ تغير المذهب في أواخر المائة الثالثة؛ حيث تأثر بمذهب المعتزلة في تعطيل البارئ سبحانه من صفاته الثابتة له في الكتاب والسنة، وكثر الاتجاه إلى التعطيل عندهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي الملقب بالشريف المرتضى، وأبي جعفر الطوسي، واعتمدوا في ذلك على كتب المعتزلة، ولهذا لا يكاد القارئ لكتب متأخري الشيعة يلمس بينها وبين كتب المعتزلة في باب الأسماء والصفات فرقًا، إلا في ناحية مهمة وهي: أنه بعد نفي صفات الله سبحانه تم إلصاق أسماء الله تعالى وصفاته بالأئمة، وهذا الإلصاق يتفقون فيه مع متقدمي أصحابهم الإمامية، وقد ذكر المجلسي في بحار الأنوار٢٤/١٩١-٢٠٣ستًا وثلاثين رواية تقول إن الأئمة هم وجه الله ويد الله ولسان الله وعين الله ونحو ذلك، ويروون عن أبي جعفر في قوله تعالى " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" قال: إن الله خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته" (الكافي ١/١١٣ كتاب التوحيد: باب النوادر)، ولا ندري ما الفرق بين من يقول كما في رجال الكشي ص١٨٤: «وأنا الأول وأنا الآخر وأنا الظاهر وأنا الباطن» وبين فرعون الذي قال: «أنا ربكم الأعلى»؟! ثم كذلك فعلوا مع أسماء الله الحسنى فنفوها وما تستلزمه من الصفات العلى وردوا جميعها إلى معنى العلم والإدراك فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. . . إلخ أسمائه سبحانه التي أرجعوها إلى معنى العلم والإدراك، ثم لم يكتفوا بذلك حتى نقلوا عن الأئمة أنهم يقولون: إن الأسماء الحسنى الواردة في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف، آية: ١٨٠.] هي الأئمة، ويروون عن أبي عبد الله أنه قال: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا، قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ تفسير العياشي: ٢/٤٢، تفسير الصافي: ٢/٢٥٤-٢٥٥، البرهان: ٢/٥١. ويلزم من وصف الأئمة بأنهم أسماء الله الحسنى بأن يكون الحسين متكبرا لأن المتكبر من أسماء الله. فهل وصفهم بأنهم أسماء الله الحسنى فيه مدح لهم أم فيه طعن فيهم؟ كما أن الله هو الخالق فيلزم منه أن يكون الإمام هو الخالق، الله هو الإله فيلزم أن يكون الإمام هو الإله، وقد قالها الغلاة في قوله تعالى ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد﴾ أي لا تتخذوا إمامين اثنين إنما هو إمام واحد» (تفسير العياشي٢/٢٦١ بحار الأنوار٢٣/٣٥٧ و٢٧/٣٣ مستدرك سفينة البحار١/١٧١) مرآة الأنوار للعاملي ص٢٠٢، فانظر كيف بلغ بهم الغلو حتى صار معنى الإله هو الإمام! والخلاصة: أن قولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلون الله تعالى بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات ويجعلونها للأئمة. انظر: الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) أولًا: إن المتقرر عند أهل السنة والجماعة - بل وعند عامة العقلاء - أن أي صفة أُضيفت إلى أي شيء فإنها تكون صفة مناسبة لحال هذا الشيء الذي أضيفت إليه. ولذلك فإن أضيفت اليد إلى الباب مثلًا أو إلى إنس أو جن كانت يدًا مناسبة بحال الباب أو بحال الإنس أو الجن مثلًا، وأما إذا أضيفت الصفة إلى من ﴿ليس كمثله شيء﴾ كانت كذلك صفة ليس كمثلها صفة. ثانيًا: إن دلالات القرآن والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى قد تنوعت بما يمتنع معه حمل اليدين على المجاز، كصيغة التثنية في قوله تعالى ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ والتي هي صيغة دقيقة؛ لأنها تدل على العدد والنوع دلالة قطعية فلا يجوز أن يُعبَّر باليدين وهي صيغة تثنية عن القدرة التي هي صفة واحدة. انظر: مجموع الفتاوى ٦ / ٢١٩، دراسات في اللغة والنحو د. عدنان محمد ص ٨٨. وكدلالة وقوع اليد في هذا السياق الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وهي اليد ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه من الوجوه. وانظر: الإيضاح لأبي الحسن الزاغوني ص ٢٨٦، مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ٣ / ٩٥١ ط: أضواء السلف، الإبانة لأبي الحسن الأشعري ص ١٠٦. ومن الدلالات جعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر كما قال أبو إسحاق ابن شاقلا لمناظره المعطل: «سويت بين آدم وسواه، فأسقطت فضيلته» . انظر: طبقات الحنابلة تحقيق العثيمين، والمصادر السابقة. إضافة للنصوص الأخرى التي فيها استعمال لفظ اليمين ووصفها بالقبض والطي [سورة الزمر: ٦٧]، ووصفها بالبسط [المائدة: ٦٤] وصحيح مسلم (٢٧٥٩)، ووصفها بالكف والأخذ كما في مسلم (١٠١٤): «ما تصدق أحد بصدقة من طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه ، فتربو في كف الرحمن » إلخ، ووصفها بالنضح كما في حديث عند أحمد في المسند (٤ / ١٣): «فيأخذ ربك بيده غرفة من ماء فينضح بها قِبَلَكم»، وصفها بأنها ملأى وبأنها أخرى كما في البخاري (٧٤١١) ومسلم (٩٩٣): «يد الله ملأى وبيده الأخرى الميزان» . وانظر: مختصر الصواعق المرسلة ٣ / ٩٤٦ - ٩٥٠. ثالثًا: إن من القواعد المهمة في الرد على المعطلة لهذه الصفة الجليلة أن القول في الذاات كالقول في الصفات، وأن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر ولذلك جاء في الإبانة لأبي الحسن الأشعري ردًا على المعتزلة قائلًا: «لم نجد حيًا من الخلق، إلا جسمًا لحمًا ودمًا، فاقضوا بذلك على الله ﷿، وإلا فأنتم لقولكم متأولون ولاعتلالكم ناقضون، وإن أثبتم حيًا لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله ﷿ عنهما، يدين ليستا نعمتين لا جارحتين ولا كالأيدي؟»، وقد ناقشت بعض الأشاعرة فلم يجدوا من هذه القاعدة بإلزامهم بصفة السمع التي يقول الأشاعرة إنهم يثبتونها لله؛ فإننا لا نتصور سمعًا إلا بآلة تكون محلًا يصل إليه الصوت المسموع، فلم يستطع أحد منهم الفكاك من هذا الإلزام بحمد الله. وانظر: اعتقاد أهل السنة للحافظ أبي بكر الإسماعيلي ص ٧٤ (بتحقيق: جمال عزون)، مختصر العلو للذهبي (مقدمة الشيخ الألباني ص ٤٥ - ٤٦ فصل من كلام الخطيب البغدادي)، الرسالة التدمرية (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣ / ١٧) . فهذا هو موقف أهل السنة، أما الجهمية ومن سار خلفهم من الفِرق فعطلوا الصفة وقالوا بما حكاه الترمذي عنهم ونقلناه في حاشية سابقة، وأما الغلاة الاثني عشرية فيروون أن علي بن أبي طالب ﵁ هو يد الله (الكافي ١/١٤٥)، مع أن الله سبحانه هو الذي يقول ﴿يا أبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ فعلى هذا من يكون الذي خلق آدم إذن؟! كما يلزم من وصفهم هذا لعلي ﵁ وصف يد الله بالضعف؛ لأنه يقال لهم: ماذا فعلت يد الله عندما ضُربت فاطمة حسب ما يعتقد أغلب الاثنا عشرية؟!
[ ٨٢ ]
صفة الاستواء والمجئ والقرب والنزول
صفة الصوت
وثبت في حديث مسلم [رقم: ٤٧٤٨]، والنسائي [رقم: ٥٣٧٩]: ( وكلتا يديه يمين) والحديث في إثبات الشمال لا يصح كما بيَّنَه الحافظ ابن حجر في الفتح والحافظ البيهقي قبله في كتابه (الأسماء والصفات) . (١)
وكأن الرافضي لم يره وسمع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥)، وما في معناها (٢) وقوله تعالى في الملائكة ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًاّ صَفًاّ﴾ (الفجر: ٢٢) (٤)
وقوله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ١٨٦) (٥) إلخ.
وليعلم القارئ أن ما عزاه هذا الرافضي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه الأعلام ثم إلى الوهابية مما ليس في القرآن فهو في الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ في حديث البخاري [١١٤٥] ومسلم [٧٥٨] وغيرهما: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا» إلخ. (٦)
وأما الصوت (٧) فقد ذكر فيه البخاري عن ابن مسعود ﵁: (إذا تكلم الله بوحي سمع أهل السموات شيئًا فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم وسكن الصوت وعرفوا أنه الحق من ربهم ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: (الحق) .
قال البخاري: ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أُنَيْس سمعت رسول الله ﷺ
_________________
(١) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢ / ١٦٠ بتحقيق: الحاشدي)، فتح الباري ١٣ / ٣٩٦، وكذلك حكم الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (مج ٧ ح: ٣١٣٦) على زيادة بـ (شماله) بأنها منكرة.
(٢) تكرر معنى هذه الآية في ستة مواضع أخرى عدا هذه الآية، وهي: سورة الأعراف: ٥٤، سورة يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، سورة السجدة: ٤، سورة الحديد: ٤، قال ابن عبد البر في التمهيد ٧ / ١٣١: «والاستواء معلوم في اللغة مفهوم وهو العلو والارتفاع على شيء» ولذلك قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة - التي تلقاها العلماء بالقبول - الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
(٣) والجهمية ومن وافقهم يقولون: لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل إلخ، والآية حجة عليهم، وزعم بعضهم أن الفوقية هنا هي فوقية الرتبة وهو زعم باطال؛ لأن الظروف لها أحوال ومنها (فوق، وتحت)، فإذا دخل عليها حرف الجر (من) تعين فيها وجه واحد كقوله تعالى ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها﴾ وقوله ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ . انظر: إثبات علو الله على خلقه للشيخ أسامة القصاص ﵀ وتقبله في الشهداء ص ٨٦، موسوعة أهل السنة للشيخ د. عبد الرحمن الدمشقية ص ٦٣٤.
(٤) صفة المجيء لله تعالى يُثبتها أهل السنة على ما يليق بجلاله وعظمته كغيرها من الصفات العليا دون التعرض لها بتحريف لمعناها أو تمثيل بصفات المخلوقين أو تكييفها، قال محمد بن الحسن الشيباني: «قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء - يعني الجهمية -: أرأيتم قول الله ﷿ ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه. فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفا صفا ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب» . عقيدة السلف للصابوني ١ / ١١٨، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣٠ / ١١٨ - ٢٢٠ والتبصير له أيضًا ص ١٤٨ - ١٤٩ ففيه مناقشة مفيدة لمن عطل هذه الصفة.
(٥) إن الله سبحانه قريب في علوه، عالٍ في قربه، وقربه سبحانه ليس كقرب الأجسام أو المخلوقات بعضها من بعض تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإذا فُهم معنى اسم الجلالة (القريب) كما ينبغي، عُلم أنه لا منافاة بينه وبين أسماء الجلالة الدالة على علوه سبحانه وكمال مباينته لخلقه واستوائه على عرشه، بل إن ذلك يجامعه ويلازمه، والذي يسهل عليك هذا معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه فهو سبحانه يقول: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾، مع الأخذ بعين الاعتبار بذلك الأصل الثابت في الكتاب السنة وإجماع الأمة، وهو أن اللهّ تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته سبحانه. وانظر: مدارج السالكين ٢ / ٢٦٥.
(٦) وهو حديث متواتر كما نص عليه العلماء كابن عبد البر في التمهيد ٧ / ١٢٨ والحافظ عبد الغني المقدسي كما في اعتقادات أئمة السلف ص ٨٠، أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا - كما نص عليه حديث من لا ينطق عن الهوى - بلا تكييف ولا تمثيل، فكما أنهم يؤمنون أن لله سبحانه إرادة ليست كإرادة المخلوقين وكلام ليس ككلامهم، فكذلك يؤمنون باستواء ونزول لا يشبه نزول المخلوقين، ومن أفضل ومن أوعب ما كتب عن صفة النزول لله ﷿ كتاب (صفة النزول الإلهي ورد الشبهات حولها) للشيخ عبد القادر بن محمد الغامدي. وبالمناسبة: فقد ورد في بعض الكتب الشيعية عن زيد عن عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: «إن الله ينزل في يوم عرفة في أول الزوال إلى الارض على جملٍ أفرقٍ، يصال بفخديه أهل عرفات يمينا وشمالا ولا يزال كذلك حتى إذا كان عند المغرب. . .» إلخ، وهذا الأثر رواه زيد النرسي في أصله المطبوع ضمن الأصول الـ ١٦ بتحقيق المصطفوي، ومراد علماء الإمامية بـ (الأصل) أنه كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم مباشرة أو عمن سمع المعصوم، وأصل زيد النرسي قال المامقاني في تنقيح المقال (١ / ٥٩) عنه وعن مؤلفه: «معتمد هو وأصله» وكذلك النوري الطبرسي في مستدرك الوسائل ج ١ / ٦٢ - ٧٤، ونقل التوثيق لزيد النرسي والتصحيح لأصله هذا أيضًا عن بعض علماء الإمامية كالطباطبائي والغضائري مع الرد على من طعن فيه، وانظر الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم (٢ / ٣٧٠ وما يليها)، أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق لحجة الإسلام والمسلمين (٢ / ٣٢) .
(٧) أهل السنة متفقون على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله ﵎ يتكلم متى وكيف شاء بحرف وصوت مسموع، وبما أن القول في الصفات كالقول في الذات، فيكون كلامه صفةً له كذاته العلية سبحانه ﴿ليس كمثله شيء﴾ . قال ابن قدامة ﵀ في المناظرة في القرآن ص ٧٠: «قد ورد الكتاب والسنة وإجماع أهل الحق» يعني على إثبات كلامه تعالى بصوت.
[ ٨٣ ]
استدلال علماء الشيعة برواية مفادها أن الله خاطب النبي ﷺ بصوت علي ﵁ (حاشية)
يقول: (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك أنا الديان) .
أما حديث ابن مسعود فقد رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًَا موقوفًا عليه، ووصله البيهقي في الأسماء والصفات وغيره كما فصَّله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١)
، وأما حديث عبد الله بن أُنَيْس (بالتصغير) فذكر الحافظ في شرحه من فتح الباري مَن أخرجه مسندًا (٢) .
وروى البخاري بعده بسنده المتصل إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يقول الله يا آدم فيقول: لبيك وسعديك: فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) (٣)
وذكر الحافظ في شرحه له أن (ينادي) وقع مضبوطًا للأكثر بكسر الدال وفي رواية أبي ذر بفتحها، أي والثانية تحتمل من التأويل ما لا تحتمل الأولى.
وذكر الحافظ في شرح الحديث الأول تأويل من أوَّله من الأشعرية ثم قال ما نصه (ص٣٨٣ج١٣): (وهذا حاصل
_________________
(١) ذُكر معلقًا في كتاب التوحيد من صحيح البخاري (فتح الباري ١٢ / ٤٥٣ - ٤٥٤)، باب رقم (٣٢)، وأخرجه موقوفًا البخاري في خلق أفعال العباد (برقم: ٤٨٢، ٤٨٤ بتحقيق د. الفهيد)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٥٣٦ - ٥٣٧)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٥١) . وانظر: تغليق التعليق للحافظ ابن حجر (٥ / ٣٥٣ - ٣٥٤) . وأخرجه مرفوعًا أخرجه أبو داود (٤٧٣٨) وابن خزيمة في التوحيد (١ / ٣٥١) بإسناد على شرط الشيخين، وقال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٣ / ٢٨٣): «والموقوف وإن كان أصح من المرفوع فإنه لا يعل المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي كما هو ظاهر، لاسيما وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا نحوه» .
(٢) ذُكر معلقًا في كتاب التوحيد من صحيح البخاري (فتح الباري ١٢ / ٤٥٣ - ٤٥٤)، باب رقم (٣٢)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (رقم: ٧٥٠، صحيح الأدب المفرد للألباني) وفي خلق أفعال العباد (٢ / ٢٤١ رقم ٤٨٠ بتحقيق د. الفهيد)، والإمام أحمد في المسند (٣ / ٤٩٥)، والحاكم في المستدرك (٤ / ٥٧٤ - ٥٧٥) .
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٤١)، ومسلم (٢٢٢)، وأحمد (٣/ ٣٢- ٣٣)، والسياق المذكور هو للبخاري كما أشار المؤلف ﵀، وهذا الحديث موافق- من حيث دلالته على هذه الصفة - لقوله تعالى ﴿هل أتاك حديث موسى. إذ ناداه ربه﴾ والنداء لا يصح على ما ليس بحرف ولا صوت، يقول السجزي في رسالته إلى أهل زبيد ص ١٦٦: «والنداء عند العرب صوت لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ أنه من الله غير صوت»، كما أنه يلزم من قول من ينفي الصوت أن الله لم يُسمع أحدًا من ملائكته أو من رسله كلامه بل ألهمهم إياه، وحينئذ فأي فضل يكون لموسى على غيره من الرسل في وصفه كليم الله؟! والعجيب أن الشيعة الاثني عشرية يرروون أن النبي ﷺ سئل: «بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج؟ قال: خاطبني بلغة علي بن أبي طالب، حتى قلت: أنت خاطبتني أم علي؟» فالنبي ﷺ يشتبه عليه من الذي يخاطبه: الله أم علي؟! ثم جاء في تكملة الرواية أن الله قال: «يا أحمد أنا شيء لا كالأشياء، لا أقاس بالناس..» وهذا جواب في غاية السقوط والتهافت فخطاب علي ولغته وصوته أليس من الأشياء؟! الجواب: بلى قطعًا، فإذن صار خطاب الله كخطاب علي ﵁، فما صنعت هذه العبارة شيئًا سوى ذر الرماد في العيون وبيان تهافتها وكذبها. انظر الرواية في: كشف الغمة للأربلي١ / ١٠٦، بحار الأنوار ٣٨ / ٣١٢، منهاج الكرامة لابن مطهر الحلي ص ١٢٥ ذاكرًا إياها ضمن البراهين على الإمامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٨٤ ]
الخلاف بين الأشاعرة وبين المعتزلة في صفة الكلام خلاف لفظي "حاشية"
كلام من ينفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أن الله تعالى لم يُسْمِع أحدًا من ملائكته ورسله كلامه بل ألهمهم إياه (١)، وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنها التي عُهِدَ أنها ذات مخارج ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق، سلمنا لكن نمنع القياس المذكور وصفات الخالق لا تُقَاس على صفات المخلوق، وإذا ثبت الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة (وكان الحافظ قد بيَّن غير ما في البخاري منها) وجب الإيمان بها؛ ثم إما التفويض وإما التأويل وبالله التوفيق) اهـ، وظاهر كلامه أنه يختار التفويض اتباعًا للسلف. (٢)
ثم قال الحافظ في شرح حديث أبي سعيد ما نصه (ص ٣٨٦ ج ١٣):
(واختلف أهل الكلام في أن كلام الله تعالى هل هو بحرف وصوت أو لا؟ فقالت المعتزلة: لا يكون الكلام إلا بحرف وصوت والكلام المنسوب إلى الله تعالى قائم بالشجرة، وقالت الأشاعرة: كلام الله ليس بحرف ولا صوت وأثبتت الكلام
_________________
(١) وهذا اللازم يلتزم به نفاة هذه الصفة، ويلزم منه نفي منقبة موسى علي غيره من الأنبياء باختصاصه بأنه كليم الرحمن، فلا تكون لموسى ميزة على غيره في التكليم؛ لأن الإلهام والإفهام للمعنى يشترك فيه الجميع.
(٢) الصحيح في منهج أهل السنة في الصفات هو إثباتها كما جاءت بلا تفويض في المعنى بل في الكيفية. انظر: منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة ص ٦٩٠.
[ ٨٥ ]
النقول من أحفظ الحفاظ صريحة في أن إثبات الصوت
النفسي، وحقيقته معنًى قائم بنفسه، وإن اختلفت عنه العبارة كالعربية والعجمية، واختلافها لا يدل على اختلاف المُعَبَّر عنه، والكلام النفسي هو ذلك المُعَبَّر عنه. (١)
وأثبتت الحنابلة أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت: أما الحروف فللتصريح بها في ظاهر القرآن، وأما الصوت فمن منع قال: إن الصوت هو الهواء المنقطع المسموع من الحنجرة، وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر، وصفات الرب بخلاف ذلك، فلا يلزم المحذور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه، وأن يجوز أن يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه.
وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة سألت أبي عن قوم يقولون: لمَّا كلم الله موسى ولم يتكلم بصوت؟ فقال لي أبي: بل تكلم بصوت، هذه الأحاديث تروى كما جاءت (٢)، وذكر حديث ابن مسعود وغيره) اهـ.
فهذه النُّقُول من أحفظ الحفاظ صريحة في أن إثبات هذا الصوت لكلام الله المُنَزَّه عن مشابهة أصوات الخلق هو مذهب
_________________
(١) الخلاف بين الأشاعرة وبين المعتزلة في هذه المسألة خلاف لفظي، فإن المعتزلة لم يتطرقوا إلى الكلام النفسي حتى يقولوا إنه مخلوق، وإنما أطلقوا القول بأن «القرآن مخلوق»، وعلى من قال خلاف ذلك أن يدلنا أين قالت المعتزلة إن كلام الله -الذي يسميه الأشاعرة (الكلام النفسي) - مخلوق؟! فالأشاعرة يقولون إن القرآن الذي بين أيدينا هو عبارة ومعنى عن القرآن وأما ألفاظ القرآن المتلوة فهي من جبريل وليست من الله، إلا أنه قد يكون من الفروق بين المعتزلة وبين الأشاعرة في هذه المسألة أن الأشاعرة ينصحون بكتمان هذا القول عن عوام الناس فيقول البيجوري في جوهرة التوحيد ص ٧٢: «يمتنع أن يقال: إن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم» .
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١ / ٢٨٠ - ٢٨١) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (١ / ٣٠٣) .
[ ٨٦ ]
الإمام أحمد بن حنبل وأتباعه، وأن دعوى الرافضي العاملي أن أول من زقا به هو ابن تيمية وخالفه فيه جميع المسلمين إلا الوهابية كذب وافتراء ولا يزال جمهور أهل الحديث إلى اليوم يتبعون الإمام أحمد في هذا، ولا أقول يقلدونه بل يتبعون رسول الله ﷺ فيما صح من حديثه فيه كغيره (١)، وأي فرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت، وكل منهما ثابت للبشر؟ وكذلك السمع والبصر وسائر الصفات، وهل على المؤمن الذي لا يحكم هواه ولا شبهاته النظرية ولا يقلد رجال مذهبه في عقيدته إلا أن يُثْبِتَ لله تعالى جميع ما أثبته له كتابه ورسوله من تنزيه وصفات لم يكن من وسيلة لتبليغها للبشر إلا لغاتهم التي وضعوها لصفاتهم مع نفي التشبيه والتمثيل؟
على أننا لسنا هنا بصدد ترجيح مذهب الحنابلة وسائر أئمة السلف بل نحن في صدد تكذيب الرافضي المتعصب في زعمه أن هذا شيء افتجره ابن تيمية (فحكم علماء المسلمين بكفره) وقلده فيه بعض تلاميذه، ثم الوهابية وخالفهم سائر المسلمين.
ولا يبعد أن يعني الرافضي بالمسلمين الشيعة وحدهم (٢) أو مع
_________________
(١) فرَّق بعض أهل العلم بين التقليد وبين الاتباع فكل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢ / ٢٣٣، إعلام الموقعين لابن القيم ٢ /١٣٠
(٢) الظاهر أنه لا يعني ذلك؛ فإنهم قد يُطلقون على غيرهم وصف الإسلام، ولكن وصف الإيمان هو وصف خاص بالاثني عشرية وحدهم! كما يقول الخميني في " المكاسب المحرمة ١/٢٥٠: «المراد بالمؤمن الشيعة الإمامية الاثنى عشرية» وانظر في النص على هذه النقطة: الحدائق الناضرة للبحراني ١٠/٣٥٩، مفتاح الكرامة لمحمد جواد العاملي ٤/١٨٢، جواهر الكلام لمحمد حسن النجفي ٤/٨٠، المسائل المنتخبة للسيستاني ص١٣، مصباح الفقاهة للخوئي ١/٣٢٣، وصراط النجاة للخوئي أيضًا ٢/٤٣٨ سؤال رقم (١٣٧٥)، وقال - أعني الخوئي- في كتاب الطهارة ٢/٨٧ وهو يتكلم عن طهارة مخالفيهم: «فالصحيح الحكم بطهارة جميع المخالفين للشيعة الاثنى عشرية وإسلامهم ظاهرا بلا فرق في ذلك بين أهل الخلاف وبين غيرهم وان كان جميعهم في الحقيقة كافرين وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة» .
[ ٨٧ ]
الرافضي أراد الطعن في السنة من خلال دعوى الرد على الوهابية صفة الاستواء
من سبقهم في التأويل من مبتدعة الجهمية والمعتزلة الذين صارت الشيعة عيالًا عليهم في مخالفة النصوص بالتأويل كما تقدم عن بعض متعصبيهم في تفسير حديث افتراق هذه الأمة إلى ٧٣ فرقة؛ إذ حاول جعل هذه الفرق كلها من الشيعة؛ ليخرج أهل السنة عن عداد أمة محمد ﷺ.
وجملة القول: أن ما طعن به الرافضي العاملي على ابن تيمية والوهابية من إثبات ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى بدون تأويل هو أصل مذهب أهل السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار كما ثبت في كتب السنة التي صُنِّفَت قبل ابن تيمية وفي عصره وبعده، ومنها كتب خاصة في إثبات علو الله على خلقه.
وهذا الرافضي أراد أن يطعن في أهل السنة ويُبْطل عقائدهم، وأن يَرُوج طعنه عند عوام المسلمين فحصر مذهب السنة في الوهابية (١)، وزعم أنه لا سلف لهم فيه إلا ابن تيمية وتلاميذه، وأن علماء المسلمين كفروه لقوله بها، والصحيح أن هؤلاء كانوا أظهر أنصار السنة كل في عصره، وهذا عصر الوهابية منذ ظهروا إلى اليوم.
_________________
(١) إن أولئك المتعصبين المتلونين من الاثني عشرية لا يستطيعون التصريح بمهاجمة عامة المسلمين، فكان المخرج الوحيد الذي يجدونه هو مهاجمة أهل السنة والجماعة من خلال استغلال اسم الوهابية، فنراهم يحتقرون التاريخ الإسلامي العظيم الذي صنعه أهل السنّة باسم الرد على الوهابية، ويطعنون في الصحابة باسم الرد على الوهابية، ويقتلون أهل السنة في العراق وفي غيرها باسم محاربة البعثيين والوهابية، ويطعنون في أئمة أهل السنة من محدثين وفقهاء وبالمرويات الصحيحة باسم الوهابية!
[ ٨٨ ]
وإننا ننقل هنا صفوة ما أورد الحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري الذي هو عمدة المحدثين وجميع أهل السنة من عصره إلى اليوم في مذهب أهل السنة في صفات الله، وهو ما كتبه في شرح قول البخاري (باب وكان عرشه على الماء) إلخ، وذلك قوله بعد ذكر كثير من أقوال السلف وغيرهم وأقوال أهل اللغة في معنى الاستواء على العرش وغيره وهذا نصه (ص ٣٤٢ و٣٤٣ج ١٣):
(وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب الفاروق بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال: كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) فقال: هو على العرش كما أخبر، قال: يا أبا عبد الله إنما معناه استولى فقال: اسكت لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مُضَادٌّ.
ومن طريق محمد بن أحمد بن النضر الأزدي سمعت ابن الأعرابي يقول أرادني أحمد بن أبي دؤاد أن أجد له في لغة العرب ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) بمعنى استولى فقلت: والله ما أصبت هذا،
[ ٨٩ ]
وقال غيره: لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش؛ لأنه غالب على جميع المخلوقات. (١)
ونقل محيي السنة البغوي في تفسيره [١ / ٧٨ ط: طيبة] عن ابن عباسٍ وأكثرِ المفسرين أن معناه ارتفع، وقال أبو عبيدة والفراء (٢) وغيرهما بنحوه، وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر) . (٣)
ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سُئِلَ كيف استوى على العرش؟ فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم) (٤)، وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» (٥)، وأخرج الثعلبي [٤ / ٢٣٩] من وجه آخر عن الأوزاعي أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ (الأعراف: ٥٤) فقال: هو كما وصف نفسه.
وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥)
_________________
(١) بيَّن أهل العلم بطلان تفسير الاستواء بالاستيلاء وردوا على الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم، فانظر: العلو للذهبي (مختصر ص ٢٩، ٧٥)، تفسير أبي المظفر السمعاني ٢ / ١٨٨، ٣٦٦، ٣ / ٣٢٠ وحتى أبو الحسن الأشعري الذي تنتسب له الأشاعرة في الإبانة ص ٩٧ - ١٠٣ وفي المقالات ١ / ٢٨٤، وفي رسالته لأهل الثغر ص ٢٣٢ - ٢٣٦ وبين ابن القيم بطلان تفسير الاستواء بالاستيلاء من اثنين وأربعين وجهًا في كتابه الصواعق المرسلة كما في مختصره (٣ / ٨٨٨ - ٩٤٦)
(٢) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢ / ١٥): «﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أي علا، يقال: استويت فوق الدابة وعلى البعير وعلى الجبل وفوق البيت، أي علوت عليه وفوقه»، وقال الفراء: «وقد قال ابن عباس في ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ صعد وهو كقولك للرجل كان قاعدا فاستوى قائما وكان قائما فاستوى قاعدا وكل في كلام العرب جائز» مختصر العلو ص ٧٥.
(٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦٦٣)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٥ / ٣٦٥: «ولكن ليس إسناده مما يُعتمد عليه» .
(٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦٦٥)، وابن قدامة في العلو (٧٤)، والذهبي في العلو (مختصره ص ٧٥)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٥ / ٣٦٥: «هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك» .
(٥) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٠٨ بإسناد صحيح، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك. انظر: مجموع الفتاوى (٥ / ٣٩) .
[ ٩٠ ]
د بن
كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرُّحَضَاء ثم رفع رأسه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) كما وصف به نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه، ومن طريق يحيى بن يحيى عن مالك نحو المنقول عن أم سلمة لكن قال فيه: والإقرار به واجب، والسؤال عنه بدعة. (١)
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا [يحددون] (٢) ولا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون (كيف) قال أبو داود وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرنا. (٣)
وأسند اللالكائي [٣ / ٤٣٢] عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير (٤)، فمن فسر شيئًا منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وفارق الجماعة؛ لأنه وصف الرب بصفة لا شيء.
ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيّ ومالكا والثوري والليث بن سعد عن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص٤٠٨، ولصابوني في اعتقاد أهل الحديث ص ٤٥، وهذا الأثر مشهور مستفيض لا تكاد تخلو منه كتب أهل السنة في المعتقد، وهذا الجواب من الإمام مالك وغيره من الأئمة ﵃ شافٍ، عامّ في جميع مسائل الصفات، فمن سأل عن قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأرَى﴾ كيف يسمع ويرى؟، أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول، وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرضى، والرحمة، والضحك، وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقُّل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟! كما أن هذا الكلام فيه أنَّ نفس الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية الاستواء مجهولة، وهذا بعينه قول أهل الإثبات، وأما نفاة الاستواء فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته، خاصة عند المفوضة من الأشاعرة وأمثالهم أنَّ الاستواء مجهول غير معلوم، وإذا كان الاستواء مجهولًا لم يحتج أن يُقال: الكيف مجهول، لا سيما إذا كان الاستواء منتفيًا، فالمنتفي المعدوم لا كيفية له حتى يُقال: هي مجهولة أو معلومة، وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء، وأنَّه معلوم، وأنَّ له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن. انظر: مجموع الفتاوى (٥ / ١٨١) .
(٢) في مصادر التخريج: «ولا يحدون» ونفي الحد الذي ذكره السلف هنا حق، لكن حدث بعدهم من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو: أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا، وأنهم لا يحدون شيئا من صفاته، ومرادهم أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده، فهذا الحد المنفي. وأما الحد بمعنى أنه متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم، فهو الحد المُثبَت، سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش، بائن من خلقه، قيل: بحد؟ قال: بحد. وأقره الإمام أحمد، انظر: السنة لعبد الله بن أحمد ١ / ١٧٥، الإبانة لابن بطة (١ / ١٥٩، ١٦١) . ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حال في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه. فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلا. انظر: بيان تلبيس الجهمية (٣ / ٧ - ٥٢ ط: مجمع الملك فهد)، شرح الطحاوية لابن أبي العز، فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٧ / ١٩٣) وقال ﵀: «وبذلك تعرف أن نفي الحد وإثباته على وجه الإطلاق لا ينبغي، على أن السلامة هي أن يقال: إن الحد لا يضاف إلى الله إطلاقًا لا على سبيل وجه النفي ولا على وجه الإثبات، لكن معناه يستفصل فيه، ويثبت الحق منه ويبطل الباطل، والله أعلم» .
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣ / ٣) وفي الأسماء والصفات (٢ /٣٣٤ ط: الحاشدي) .
(٤) للسلف عدة نصوص تبين التفسير المنفي هنا، فمنها ما قال أبو عبيد: «إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا»، وقال سفيان بن عيينة: «كل ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل»، وقال الأثرم: «قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث «يضع الرحمن فيها قدمه..» وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: إن لهذا تفسيرا. فقال أبو عبد الله: انظر إليه، كما تقول الجهمية سواء»، وسئل أبو زرعة الرازي عن تفسير ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فغضب وقال: تفسيره كما تقرأ، هو على عرشه وعلمه في كل مكان» . انظر: الصفات للدارقطني ص ٤٠، ٤١، إبطال التأويلات ص ٧٥، مجموع الفتاوى ٥ / ٥٠ - ٥١، العلو للذهبي (١ / ١٧٧، ١٨٨، ٢٥١، ٢٦٤ ط: أضواء السلف) .
[ ٩١ ]
قول السلف: «أمروها بلا كيف» أو «أمروها كما جاءت» يقتضي إبقاء دلالتها "حاشية"
الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا: (أَمِرُّوهَا كما جاءت بلا كيف) . (١)
(وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردُّهَا ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يُدْرَك بالعقل ولا الرَّوِيَّة والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) .
وأسند البيهقي [٢ / ٣٠٧] بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال: (كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه) (٢) .
ومن طريق أبي بكر الضبعي قال: مذهب أهل السنة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) قال: بلا كيف. (٣)
والآثار فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل وقال الترمذي في الجامع عقب حديث [برقم: ٣٢٩٨] أبي هريرة في النزول: «وهو على العرش كما وصف به نفسه في كتابه» كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.
وقال في باب فضل الصدقة [حديث: ٦٦٢]: «قد ثبتت هذه
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣ / ٥٠٣، ٥٢٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢ / ٣٧٧) .
(٢) وأخرجه عنه اللالكائي (٣ / ٤٣١) بلفظ: «كل ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» . وقال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني عن قول ابن عيينة فقراءته تفسيره: «أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل» قال الحافظ الذهبي: «وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها. يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف» . وانظر: العلو للذهبي (١ / ٢٥١، ٢٦٣) .
(٣) الأسماء والصفات للبيهقي (٢ / ٣٠٨) .
[ ٩٢ ]
من أقوال العلماء حول إجماع أهل السنة على حل نصوص الصفات على الحقيقة لا المجاز.
الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال (كيف)، كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم أَمَرُّوهَا بلا كيف (١)، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكروها وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد وسمع كسمع (٢») .
وقال في تفسير المائدة [٣٠٤٥] «قال الأئمة: نؤمن بهذا الحديث من غير تفسير، منهم الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك» .
وقال ابن عبد البر [التمهيد ٧ / ١٤٥ ط: المغرب، بتصرف]: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئًا منها، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج (٣) فقالوا: من أقر بها فهو مشبه، فسماهم من أقر بها معطلة» . (٤)
(وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية [ص ٣٢-٣٤]: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف
_________________
(١) إن قول السلف: «أمروها بلا كيف» أو «أمروها كما جاءت» يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه؛ فلو كانت دلالتها منتفية، كما يقول المفوضة من الأشاعرة وغيرهم، لكان الواجب أن يقال ما معناه: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد؛ أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، كما هو قول المفوضة من الأشاعرة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت يعتبر من لغو القول. انظر: مجموع الفتاوى (٥ / ٤١ - ٤٢)
(٢) المراد بالتشبيه الذي يُنفى ويُذم أصحابه عند أهل السنة: أن يثبت لله تعالى في ذاته أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من تلك الخصائص، كما قال ابن البنا الحنبلي ﵀ في المختار في أصول السنة ص ٨١: «المشبهة والمجسمة هم الذين يجعلون صفات الله - ﷿ - مثل صفات المخلوقين. . قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: المشبهة تقول بصر كبصري ويد كيدي ومن قال هذا فقد شبه الله تعالى بخلقه» . وانظر: مجموع الفتاوى (٦ / ٣٥ - ٣٦)، بيان تلبيس الجهمية (١ / ٣٧٨، ٣٨٧ ط: المَجْمَع)، فتح رب البرية في تلخيص الحموية لابن عثيمين (٤ / ٩ ضمن مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ﵀) .
(٣) أي: ومثلهم الشيعة فإنهم أخذوا التأويل عن الجهمية والمعتزلة. (ر)
(٤) العبارة منقولة بتصرف، وعبارة ابن عبد البر هي: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه) . اهـ التمهيد ٧ / ١٤٥ ط: المغرب. والمقصود بـ (الظاهر) هنا كما يقول الحافظ الذهبي في السير ١٩ / ٤٨٨: بأن (نُمِرَّه على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك) . اهـ
[ ٩٣ ]
نقل المؤلف عبارات ابن تيمية في الفتوى الحموية لبيان كذب الرافضي
عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة فلو كان تأويل هذه الظواهر حتمًا لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع اهـ. (١)
وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار كالثوري
والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة فكيف لا يُوثَق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة.
فهذا بعض نصوص أئمة أهل السنة من علماء السلف قبل وجود ابن تيمية بعدة قرون.
وإننا ننقل بعض ما قاله ابن تيمية نفسه في العقيدة الحموية نفسها التي زعم الرافضي أنه خالف فيها جميع المسلمين بإثبات الصفات الواردة بغير تأويل؛ ليظهر للناس مقدار جرأته على الكذب في سبيل إثبات الرفض والتعطيل،
_________________
(١) انظر: الرسالة النظامية ص ٣٢-٣٤. وقال الخطابي ﵀: (فأما ما سألت عنه من الكلام في الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنن الصحيحة: فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها)، وقال الخطيب البغدادي ﵀: (أما الكلام في الصفات فأما ما روي منها في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها) . اهـ انظر: العلو للذهبي (٢ / ٢٣٧، ٢٥٤)
[ ٩٤ ]
ولإزاغة المسلمين عن الكتاب والسنة بالإفك والتضليل، قال شيخ الإسلام كما في (ص ٤٢٧ وما بعدها من مجموعة الرسائل الكبرى المطبوعة بمصر) بعد سرد بعض النصوص وأقوال أهل السنة والمبتدعة فيها ما نصه:
(ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث) اهـ.
(قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث)، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك هو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي بل معناه يُعْرَف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه وهو سبحانه مع ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله
[ ٩٥ ]
وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، وأنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم ولافتقار المُحْدَث إلى مُحْدِث ولوجوب وجوده بنفسه ﷾.
(ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى، وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته، وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل) .
(وأما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثَّلوا أولًا وعطَّلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاته، وتعطيل ما يستحقه هو سبحانه من الأسماء
[ ٩٦ ]
والصفات اللائقة بالله ﷾، فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا وكل ذلك مُحَال، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، أما استواء يليق بجلال ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الثلاثة كما يلزم سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل:
إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا؛ إذ لا يُعْقَل موجود إلا هذان، أو قوله إذا كان مستويًا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كلاهما مثَّل وكلاهما عطَّل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل مسمى للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين) .
(والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف
[ ٩٧ ]
بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، ولا يجوز أن نثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا نثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها) .
(واعلم أن ليس في العقل الصريح ولا في النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلًا، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الورادة عن الحق فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير) .
(ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين هذا الباب في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق
[ ٩٨ ]
العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.
(ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم مَن يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله) .
(يا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة فرضي الله عن مالك بن أنس الإمام حيث قال: (أَوَكُلَّمَا جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هذا؟) وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خُصِمَ به الآخر وهو من وجوه:
(أحدها): بيان أن العقل لا يحيل ذلك.
(والثاني): أن النصوص الورادة لا تحتمل التأويل.
(والثالث): أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول جاء بها بالاضطرار كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والعمرة والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات، على أن
[ ٩٩ ]
الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه، ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم) .
ثم شرع بعد هذا في أقوال أئمة السلف في ذلك بنصوصها، وحسبنا الخلاصة التي نقلناها منها عن شرح البخاري للحافظ ابن حجر، فهي تلقم الرافضي الحجر، وتبين لأهل السنة ولذي العقل والإخلاص من الشيعة كذبه وافتراءه، وهذا التحقيق من شيخ الإسلام في مسألة الصفات الجامع بين العقل والنقل يهدم كل شبهات المبتدعة والمتكلمين المخالفة لها، ومزاعم من رماه بالتجسيم والتشبيه.
[ ١٠٠ ]