منهم مذاهب أخرى كالكشفية (١)
، ولهم في الدين فلسفة غريبة، ويرد عليهم الشهاب الآلوسي في تفسيره (روح المعاني) .
ولهذا الاستعداد في الإمامية للغلو وقرب الكثيرين منهم من زندقة الباطنية ظهرت منهم وراجت فيهم بدعة البابية ثم البهائية الذين يقولون بألوهية البهاء ونسخه لدين الإسلام وإبطاله لجميع مذاهبه.
وقد نقل الإمام (المقبلي) في العلم الشامخ (٢) عن بعض العلماء أنه قال:
ائتني بزيدي صغير أُخْرِج لك منه رافضيًّا كبيرًا، وائتني برافضي صغير أخرج لك منه زنديقًا كبيرًا، قال: يريد أن مذهب الزيدية يجر إلى الرفض، والرفض يجر إلى الزندقة. اهـ (٣)
والمقبلي سلم هذا في أفرادٍ من الزيدية رَدَّ عليهم، لا في جملتهم.
***
_________________
(١) أصل هذه الفرقة (الكشفية) هو أن الشيخ أحمد الأحسائي من شيوخ الاثنا عشرية (المتوفى سنة ١٢٤١هــ) أنشأ فرقة عرفت فيما بعد بالشيخيَّة، ثم جاء تلميذة كاظم الرشتي (المتوفى سنة ١٢٥٩هـ) فأنشأ فرقة الكشفية، وقال الشيخ المؤلف ﵀ في مجلة المنار (مج ١٧ ص ٢٢٤): «ما أفسد دين الشيخ أحمد الأحسائي وأصحابه وأثار في أدمغتهم هذه الخيالات إلا التشبع بما أثروه عن فرق الباطنية، وما رأوه من إقرار الناس لبعض زعماء الباطنية بالإمامة ولبعضهم بالألوهية، وعلمهم بأن أهل زمنهم أجدر من المتقدمين بالتقليد، للإعراض عن القرآن والسنة والجهل بهما وبلغتهما، ولما كان قبل من التمهيد. والظاهر أن كلا من الإحسائي والرشتي والكرماني كان يطمع أن يكون في شيعة العراق والفرس، كإمام بل إله الإسماعيلية في الهند، ولكن كان منتهى شوط أباطيلهم التمهيد للباب ثم للبهاء، اللذين كانا دونهم في الفلسفة والفصاحة والذكاء، وما سبب رواج كفر الباطنية وشركهم المخترع - على اختلاف فرقهم من إسماعيلية ودروز ونصيرية وبكداشية وبابية وبهائية - إلا الغلو في تعظيم آل البيت (وكذا غيرهم من العلماء والصالحين)، والتقليد في الدين، فهذان السببان هما اللذان أعدا الأذهان لقبول هذا الكفر والطغيان، ولما كانت فرقة الشيعة الإمامية أشد غلوًّا من سائر فرق المسلمين في تعظيم آل البيت جعلها واضعو هذه الأضاليل مباءة لها، وسلمًا لمقاصدهم منها» . ولكل من هذه الفرق صراع مرير مع بقية المرجعيات لا يكاد ينتهي. انظر: الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها - محمد الطالقاني، أصول مذهب الشيعة للقفاري ١/١٣٦.
(٢) قال الشيخ المؤلف ﵀ في مجلة المنار ١٦ / ٦٥: «الشيخ صالح مهدي المقبلي المتوفى سنة ١١٠٨، وكان في الأصل على مذهب الزيدية ولكنه قرأ كتب الكلام والأصول وعرف مذاهب الفرق كلها وكتب التفسير والحديث وسائر العلوم، وطلب بذلك الحق ومرضاة الله تعالى، فانتهى به ذلك إلى ترك التمذهب وقبول الحق الذي يقوم عليه الدليل، وقد شهد له الإمام الشوكاني بالاجتهاد المطلق، وهو يشرح في هذا الكتاب أمهات المسائل التي وقع الخلاف فيها بين المذاهب الشهيرة كالأشعرية والمعتزلة وأهل السنة والشيعة الزيدية والإمامية وكذا الصوفية. ويبين ما يظهر له أنه هو الحق ولا يتعصب لمذهب على مذهب، وهذا هو مراده الذي يدل عليه اسم كتابه. فيخالف كل مذهب من المذاهب في بعض المسائل، وإن لم يخرج عن مجموعها في شيء، وهو شديد الحملة على ما يعتقد بطلانه، قوي الإنكار لا يتحامى التشنيع والنبذ بالألقاب المنكرة. . .» .
(٣) جاء في مجلة المنار ١٦ / ٧٤٥ ضمن مقالة للعلامة جمال الدين القاسمي ﵀ يقول فيها عن الزيدية: «هم إلى أهل السنة أقرب منهم إلى الرافضة؛ لأنهم ينازعون الرافضة في إمامة الشيخين وعدلهما وموالاتهما، وينازعون أهل السنة في فضلهما على علي، والنزاع الأول أعظم، ولكن هم المرقاة التي تصعد منه الرافضة، فهم لهم باب» .
[ ١٣ ]
سعينا للتأليف بين أهل السنة والشيعة
كان من قواعد الإصلاح التي وضعها حكيم الإسلام في هذا العصر وموقظ الشرق السيد جمال الدين الأفغاني رحمه الله تعالى وجوب السعي لجميع المسلمين والتأليف بين فِرَقهم التي يجمعها الإيمان بالقرآن المجيد المعصوم ورسالة محمد خاتم النبيين ﷺ، والاستعانة على ذلك بالسياسة التي كانت السبب الأول لهذا التفرق الذي ألبس بعد ذلك لباس الدين، ولكن كما يلبس الفرو مقلوبًا (١)، فكانت سبب ضعف جميع الفرق، ومن أهم أسباب ضعفهم وسلب الأجانب لملكهم.
ولا أعرف أحدًا عُني بعد السيد المصلح ﵀ بهذا السعي كما عُنِيَ به هذا العاجز (منشئ المنار) في أسفاره ومقامه في هذه البلاد الحرة أدام الله عمرانها، وأتم لها استقلالها،
_________________
(١) هذا التشبيه مروي عن أمير المؤمنين علي كرَّم الله وجهه. (ر)
[ ١٤ ]
أقوال العلماء الشيعة وساستهم في المنار
وفي المنار كثير من الدلائل والشواهد على هذا، منها تقريظ له من أحد علماء الشيعة الفضلاء في سورية نشر في الجزء الثاني من مجلده السابع الذي صدر في ١٦المحرم سنة ١٣٢٢ ص ٦٦ - ٦٨ كتم اسمه في ذلك الوقت لتشديد الدولة في منع المنار من بلادها وعقاب من يوجد عنده، ومما قال في المنار:
***
أقوال العلماء الشيعة وساستهم في المنار وصاحبه حسنة هذه الأيام، ونتيجة سعد هذا الدور (منار الإسلام) بل الساطع في كافة الأنام، والماحي بلألائه حنادس الظلام، ولا بدع إذا انبثق من فرع زيتونة يكاد زيتها يضيء ولو لم يمسسه نار، وغصن شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ومن طابت أرومته، وزكت جرثومته فهو الجدير بأن يحلو جناه، وتعرب عن طيب أصله أقواله وسجاياه.
ومما استعذبته منه - وكله عذب سائغ - تأليفكم بين فرق
[ ١٥ ]
ترجمة ذكاء الملك مقالة للمؤلف باللغة الفارسية
الإسلام ورفع الوحشة التي نشأت عليها أحداث الأمة في الأعصر الأواخر وفشت بين العامة والخاصة حتى فتت في عضد الاجتماع وحلت عرى الارتباط..» إلخ.
ثم قال في آخره: «وحقيق بحملة العلم في كل قطر أن ترفع أيدي الابتهال إلى ذي العزة والجلال بالدعاء لكم بدوام التأييد والمجد، والتوفيق لنصر الدين وإيضاح الحق ودَحْض الباطل وإرشاد الضال، وجمع الكلمة وإحكام الألفة بين المسلمين إنه على ذلك قدير بالإجابة جدير، آمين آمين» .
ولما أعلن الشاه مظفر الدين حكومة الشورى النيابية في إيران نوَّهْنَا بعمله في (م٧، ٨ من المنار) وفضلناه بها على سائر ملوك المسلمين، وإن عارض ذلك بعض علمائهم المتعصبين الجامدين (١)
، إذ بيَّنا أن حكومة الشورى هي حكومة القرآن، فإذا نفذتها حكومة إيران تكون هي الحكومة الإسلامية الوحيدة.
ثم نشرنا في ج١٢م٩ رسالة جاءتنا من طهران فيما كان من تأثير ما كتبه المنار في تلك العاصمة ذكر فيها مرسلها
_________________
(١) للاستزادة حول تلك الحقبة انظر ما كتبه طلال مجذوب في كتاب "إيران من الثورة الدستورية إلى الثورة الإسلامية" ص ٨٠، وكذلك ما كتبه الشيعي أحمد الكاتب في المبحث السادس من الفصل الثالث في كتابه "تطور الفكر السياسي الشيعي ". وقد ذكر الأخير - أعني أحمد الكاتب - أن الفكر السياسي الشيعي في هذه المرحلة كان أكثر واقعية وتطلعا نحو الأفضل بعد تخليه عن نظرية (الإمامة الإلهية) المثالية التي لم يكن لها وجود في الخارج، ورفضه لوليدتها ولازمتها وهي: نظرية (الانتظار للإمام الغائب) مما فتح الطريق أمام الأخذ بالنظام الشوري.
[ ١٦ ]
أن الجرائد الفارسية ترجمت مقالتنا (الشورى في بلاد إيران) فاعترض عليها سفير الدولة العثمانية الأمير شمس الدين بك وكتب بذلك إلى وزير الخارجية (علاء السلطنة) كتابًا أغلظ فيه، وزعم أن ما نقلته الجرائد عن المنار أسباب يلقيها أعداء الدولة لإيقاع النفاق بين الدولتين، وإحداث الشقاق بين الفريقين إلخ، وذكر أن وزير خارجية إيران أجاب السفير التركي بأن كاتب المقالة ليس من رعيتهم حتى يؤاخذوه إلخ.
ومما قاله صاحب هذه الرسالة في أولها: إن أول من ترجم مقالة المنار هو ذكاء الملك في جريدته (تربيت) فنبه علماء الفرس وسواسهم وذكر لهم بعد الترجمة (أن منزلة ومقام حضرة حكيم الإسلام وفيلسوفه السيد محمد رشيد رضا عند جميع أهل الأقطار من المسلمين وخصوصًا العرب الكرام بمنزلة مائة عالم مجتهد من أهل التشيع، فاغتنموا الفرص وفكروا أيها السواس في مقالة هذا الحبر واقرءوها على المنابر وفي المعابر) .
[ ١٧ ]
وذكر صاحب الرسالة أن صاحب جريدة (مجلس) نقل الترجمة وما قالته جريدة (تربيت) في جريدته، وإنها جريدة يقرؤها في طهران وسائر إيران الكبير والصغير والذكر والأنثى، وإن مديرها السيد محمد صادق نجل السيد محمد الطباطبائي المجتهد الشهير.
وذكر أيضًا أنه حضر في إثر ذلك مجلسًا غاصًّا بطلاب العلوم الدينية في طهران فتذاكروا في المسألة وما جرى بين السفير التركي ووزير خارجيتهم فقام أحدهم خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه وكان مما قاله:
(انفتحت علينا أوربة وأتانا أهلها من كل حَدَب ينسلون: هذا تاجر وهذا سائح وهذا حكيم والآخر داعٍ إلى دينه والقصد من الكل ابتلاعنا معاشر أهل الإسلام، فإن تيقظتم وإلا فأنتم صبوحهم ونحن غبوقهم لا سمح الله بذلك.
أيها الترك! تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا نتخذ المستبدين أربابًا من دون الله طاعتهم كطاعته ومعصيتهم كمعصيته، بل نجادلهم بالسيف
[ ١٨ ]
والسنان، والقلب واللسان، فإن توليتم فنشهدكم بأنا مسلمون ونبرأ إلى الله من المستبدين الخائنين، ومستمسكون بقوله عز من قائل في وصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ٣٨) وهم الذين قال فيهم: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]» . اهـ
هذا مثال مما كنا ندعو إليه ونسعى له سعيه من جمع كلمة المسلمين، وتأييد المحسنين منهم وتفنيد المسيئين، ولا نزال كذلك إن شاء الله تعالى حتى يأتينا اليقين، ولكن هذا الذي أرضى عنا جماعة المسلمين المنصفين، قد أغضب علينا المتعصبين المفرقين، وإنما اشتد علينا غضبهم في هذه السنين، بعد أن أظهر الله تعالى دولة السنة باستيلاء إمامها عبد العزيز آل سعود على مهد الإسلام، وقيامه بإحياء السنن، وهدم مباني البدع، فأيدناه ودافعنا عنه كما يجب علينا شرعًا، وكما شرعنا من قبل في تأييد دولة الشاه مظفر الدين الشيعية فيما كنا ندعو إليه الدولة العثمانية،
[ ١٩ ]
هل أباح الشيعة الزواج بتسع نسوة
من إقامة حكومة الشورى الإسلامية، على ما بين الحكومتين من البَوْن البَيِّن، وما بين الشعبين من الفرقان المبين وليس بهين، فكان خصومنا في تأييد دولة السنة فريقين: دعاة الإلحاد وغلاة الروافض.
***