للشيعة مجلة عربية اسمها (العرفان) كنا نَعُدُّ صاحبها من المعتدلين ونحسبه من أصدقائنا وأعواننا على جمع كلمة المسلمين، على ما نرى من احتذائه في تأييد مذهبه وأهل فرقته الإمامية، حذو مجلة المشرق اليسوعية في تأييد الكاثوليكية، وقد كان كتب إلينا في ٣٠ رمضان سنة ١٩٢٧ رسالة ينكر فيها ما عزوناه إلى الشيعة من إباحة الجمع بين تسع نسوة (١)، واستطرد فيها إلى الطعن في رسالة عالم من ثقات العلماء أرسلها إلينا من بغداد ذكر فيها بثَّ الشيعة لمذهبهم في بدو العراق، وهي الرسالة التي ذكرت في الفصل الأول من مقصد رسالتنا هذه، ولكنه
_________________
(١) لم أقف على إباحة ذلك في النكاح العادي المعروف مطلقًا بل إن الأقوال في كتب الشيعة الاثنا عشرية بخلاف ذلك، ولعل الأمر قد التبس على البعض بسبب كون الشيعة الاثنا عشرية يرون إباحة نكاح المتعة بأكثر من أربع، فيروون عن أبي بصير قال: سئل أبا عبد الله (ع) عن المتعة أهي من الأربع؟ فقال: «لا. ولا من السبعين!»، ويروون عن زرارة عن أبي عبد الله ﵇ قال: ذكرت له المتعة، أهي من الأربع؟ فقال: «تزوج منهن ألفًا فإنهن مستأجرات» . انظر: الفروع من الكافي ٢/٤٣، التهذيب ٢/١٨٨، الاستبصار ٣/١٤٧.
[ ٢٠ ]
تعريف موجز بما يسمى بالدعوة الوهابية في الحاشية
على شدة لهجته في الإنكار، لم يكن قد بلغ من شدة التعصب ما بلغه في هذه الأعوام، بل كان متحليًا بشيء يعتد به من الأدب والإنصاف، فقد افتتح رسالته بقوله:
(كتابي إلى مولاي الأستاذ الحكيم، بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كتاب معجب بما له من الأيادي البيضاء في إصلاح الأمة ورفع (منار) الإسلام وإرشاد المسلمين إلى الطريق الأقوم والصراط السوي، بيد أني أعتقد أنه لا بد لجواد أن يكبو، وللصارم أن ينبو) .
ثم ذكر المسألة التي أنكرها، وأحسن ما قاله في هذه الرسالة إنكاره نقل المخالف في المذهب، ووجوب أخذ أقوال كل طائفة من كتبها دون كتب المخالفين لها، وقوله في ذلك:
(فإني رأيت كثيرًا ما ينسب السنة إلى الشيعة ما يتبرءون منه وما لم يوجد في كتبهم المعتبرة، وكذلك يفعل علماء الشيعة، وخذ لذلك مثالًا ما ينسبه أكثر المسلمين إلى الوهابية من المقالات الشنيعة والاعتقادات الفاسدة، ولو راجعنا كتبهم لألفيناهم
[ ٢١ ]
يتبرءون منها ولم يكن علاقتهم بها إلا كقول الشاعر:
إنما أنت من سليمى كواو ألحقت في الهجاء ظلمًا بعمرو) .
ثم استطرد بمناسبة الخطأ في النقل إلى الإنكار على رسالة ذلك العالم السائح التي أرسلها إلينا من بغداد، وذكر ما نشره من الرد عليها في مجلته العرفان.
وقد نشرت رسالته هذه في (ج١١م١٢ من المنار) مع تعليق بدأته بالشكر له على بيانه وذكرت فيه شدة كراهتي لعصبية المذاهب وختمتها بأن نشري لرسالة ذلك العالم السائح من باب النقل، وإن الناقل عدل ثقة عندي، ولكنه قد يخطئ ويصدق بعض الروايات الباطلة.
فهكذا كنا وكان زميلنا وصديقنا من قبل صاحب مجلة العرفان المفيدة على عصبيتها في بث العلم والأدب، وهذا ما كان يصرح به من افتراء الناس على الوهابية وكذبهم في الطعن عليهم.
ثم اشتدت حماسة الرجل وغلا في الرفض فصار يطعن فينا كلما سنحت له فرصة ولا سيما بعد ظهور دولة السنة التي يلقبها هو
[ ٢٢ ]
وأمثاله بالوهابية ويجعلون الوهابية (١) (أي السنة) مما لا يتفق مع الإسلام في عقائده ولا في أحكامه ويقر ما كان أنكره من الطعن فيهم وبرأهم منه.
***