ثم انتهى أمره بالتنويه بالكتاب الجديد الذي لفَّقَه أشد علماء الروافض في هذا العصر تعصبًا وطعنًا في عقائد أهل السنة، وخداع عوامهم بما يبث من الدعوة إلى الرفض وما فيه من الخرافات والبدع، وهو الشيخ الملا السيد محسن أمين العاملي.
أظهر ملاحدة الترك معاداة الإسلام والبراءة منه والطعن فيه وإجبار قومهم على الارتداد عنه فلم يظهر من هذا الشيخ العاملي أدنى غيرة عليه ولا أقل دفاع عنه.
وظهر من ملاحدة إيران الشيعية وملاحدة الأفغان السنية بوادر الاقتداء بملاحدة الترك في شر ما عادوا به الإسلام وسعوا في هدمه، فلم نسمع عنه ولم نقرأ له كلمة إنكار ولا نصيحة
_________________
(١) هي نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب! ويراد من هذه الكلمة تنفير الناس عن هذه الدعوة فقالوا " وهابية " نسبة لوالد الشيخ وهو عبد الوهاب، فلم يسموها " محمدية " بغرض زيادة التنفير، وإلا فإن اسم الشيخ هو محمد وليس عبد الوهاب. وهذا شأن كل داعية إصلاحي، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب يدعو إلى ما دعا إليه السلف من إفراد الله ﷿ وحده بأنواع العبادات واتباع عقيدة السلف الصالح؛ ولهذا يقول أحد مؤسسي جمعية علماء المسلمين في الجزائر وهو العلامة محمد البشير الإبراهيمي ﵀: «إنَّهم موتورون لهذه الوهَّابيَّة التي هدمت أنصابهم، ومحت بدعهم فيما وقعَ تحتَ سلطانهم من أرضِ الله، وقَد ضجَّ مبتدعة الحجاز فضجَّ هؤلاء لضجيجهم والبدعة رحم ماسة، فليس ما نسمعهُ هنا من ترديد كلمة (وهابي) تُقذف في وجه كل داعٍ إلى الحقِّ إلاّ نواحًا مردَّدًا على البدع التي ذهبت صرعى هذه الوهَّابيَّة» . ويقول العلامة الكويتي الشيخ عبد العزيز الرشيد ﵀: «والحقيقة أن كل من تجنب التفرق والاختلاف، وأراد أن يتبع رسول الله - ﷺ - وخلفاءه والسلف الصالح من الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، فالقذيفة الشيطانية في أيدي الجاهلين معدة له. . ألا وهي قولهم: " وهابي ". .!» . ومن العجيب أن هذه الكلمة لم تطلق على المشايخ والعلماء فحسب، بل حتى الأمراء مثل الشيخ سالم المبارك ﵀ الذي يقول عنه ديكسون في كتابه الكويت وجاراتها ص ٢٤٩: «وكان سالم نسيجًا مختلفًا جدًا من الرجال، فهو مسلم متشدد، وعنيد في التمسك بعقيدته، وكانت شجاعته من نوع نادر» . كذلك قيل عنه في بعض الوثائق: «على الرغم من أن سالم صارم في إسلامه، متزمت بشدة تجعله وهابيًا كأي وهابي من عامة نجد» . الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية ٣ / ٦٤٤ (رقم: ٣٣٨٩) .
[ ٢٣ ]
الطريقة النقشبندية
لهؤلاء المغرورين الأغرار بأن يدعو لهذه الشعوب حريتها في دينها، وكذلك صاحب المجلة التي تنشر له دعوته وتنوه بكتابه (الشيخ عارف الزين) .
بل فشا الكفر البواح، والفسق الصراح، وتهتك النساء وذهاب الأعراض أدراج الرياح، وكثر دعاتهما في سائر الأقطار الإسلامية، إلا نجد والحجاز واليمن، ولم نر منهم غيرة على الدين، ولا على أعراض المسلمين، وإنما ظهرت غيرتهما على الدين - بل الرفض المبين - لَمَّا أيد الله إمام السنة في هذا العصر (عبد العزيز آل سعود) ورأيا أن السنة تنفذ بالفعل وهياكل البدعة تُهْدَم في مهد الإسلام؛ فإن أكثر البدع والخرافات إنما جاءت من غلاة الشيعة وهم حُمَاتها ودُعَاتها وهي مرتزق زعمائها، وعليها مدار جاههم العريض، ومنهم سرت عدواها إلى طرق الصوفية الذين ينتسبون كلهم إلى آل البيت بالباطل إلا طريقتين من الطرق المشهورة وهي المَوْلَوِيَّة التي أيدها الترك مباراة للروافض، والطريقة النقشبندية الخفية التي ليس لها تقاليد ولا مظاهر بدعية، وإنما ينكر عليها
[ ٢٤ ]
المجلسي: كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية! (حاشية)
المعتصمون بهَدْي السلف مسألة الرابطة والتزام الذكر غير المأثور. (١)
***
سعينا للتأليف بين الوهابية والشيعة
أَمَا - والله - إنني لم أكن أرى في طريق الدعوة إلى التأليف بين المسلمين عقبة يعسر اقتحامها إلا التقريب بين الشيعة ولا سيما غلاة الإمامية وأهل السنة السلفيين الملقبين بالوهابية وقد جرى بيني وبين جلالة الملك فيصل حديث طويل في هذه المسألة لما كنا في دمشق، وكان أهم غرض لي في مقابلته المعروفة بمصر سؤاله عن مبلغ خبرته في ذلك، وأما البحث في هذا بيني وبين أصحابي من عقلاء الشيعة والسنة في مصر وسورية وغيرهما فكثير، ومن ذلك ما كان من سعيي للتأليف بين الفريقين عندما سافر سفير دولة إيران السابق إلى مكة المكرمة للقاء ابن السعود وقد زودته بكتاب إليه في ذلك وحمل هو إليَّ من ابن السعود كتابًا بل كتبًا أخرى تتعلق بالمؤتمر الإسلامي العام، ولكن هذا السعي لم يثمر الثمرة المَرْجُوَّة، كما أثمر من قبله السعي إلى التأليف بين الإمامين الجليلين يحيى وعبد العزيز أحياهما الله وأعز بهما
_________________
(١) لقد طُبعت دراسات مُفردة حول الطريقة النقشبندية، ومن أهمها وأنفعها ما كتبه الشيخ فريد الدين آيدن الذي بذل جهدًا بالغًا في دراسته التي احتوت معلومات تفصيلية موثقة مع الاتصال بصناديد تلك الطريقة حتى أتمها بعد ثلاثة وعشرين عامًا، ووقف في أثناء ذلك على مسائل كثيرة تفوق بكثير ما أشار إليه السيد رشيد رضا ﵀، فلتراجع
[ ٢٥ ]
كلمة لأمير دولة الكويت صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الصباح ﵀
الإسلام والعرب.
ذلك بأنه ليس بين مذهب الزيدية ومذهب السنة من البُعْد كما بين الروافض وأهل السنة (١)
، وقد كتبت إلى كل من الإمامين أدعوه إلى الاتفاق مع الآخر قبل فتح الحجاز بسنين، فأجاب كل منهما إلى ذلك بالارتياح والقبول، ودارت بينهما المكاتبات الودية في ذلك على ما طرأ من أسباب الخلاف، وما كان من سعي أهل الفساد لإلقاء العداوة والبغضاء بينهما وإغراء كل منهما بقتال الآخر، ونسأل الله تعالى أن يتم النعمة بنجاح ما نسعى له ويسعى له غيرنا من عقلاء المسلمين وأهل الغيرة منهم بعقد المحالفة التي تكون أقوى الوسائل لحفظ جزيرة العرب من التعدي على استقلالها، ولبلوغها أقصى ما هي مستعدة له من العمران وإحياء حضارة الإسلام.
ولما رأيت ما رأيت من سوء أمر مؤتمر النجف لشيعة العراق، ومن أمارات نشر الإلحاد في إيران والأفغان، ومن تجديد الشيخ العاملي في تواليفه والشيخ عارف الزين في مجلته
_________________
(١) الزيدية أيضًا فيهم طوائف متفاوتة، إلا أنهم أقرب - بالنسبة إلى غيرهم من طوائف الشيعة - إلى أهل السنة والجماعة خاصة في ما يتعلق بالصحابة ﵃، ولا عجب أن يقول فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة ٨ / ٢٤٧: «والزيدية وهم أعقل الشيعة وأعلمهم وخيارهم» . ولأجل هذا الأمر - الذي كانوا فيه أقرب لأهل السنة - نجد أن علماءً من الإمامية الاثنا عشرية قد أطلقوا فيهم الأحكام الجائرة من التكفير والاتهام بأنهم نواصب، فيروون عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵀ أنه قال: «الزيدية هم النصاب»، ويروون عنه أنه قال: «الزيدية والواقفة والنصاب بمنزلة واحدة» رجال الكشي ص (١٩٩، ٤٥٦) . ويروون عن عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن - وهو موسى الكاظم بن جعفر ﵀ -: إنّ لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي ولا بدّ من معاشرتهما فمن أعاشر؟ فقال: هما سيان » ثم قال: «إنّ هذا نصب لك، وهذا الزّيدي نصب لنا» . الكافي/ كتاب الرّوضة: ١٢/٣٠٤ (مع شرحه للمازندراني) . والخلاصة من ناحية الروايات هي كما قال المجلسي في بحار الأنوار ٣٧/٣٤: «كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم» . وقد وقع خلاف (فقهي!) في طهارة المخالفين، فبينما يقول البحراني في الحدائق الناظرة: «ينبغي أن يعلم أن جميع من خرج عن الفرقة الإثنى عشرية من أفراد الشيعة كالزيدية والواقفية والفطحية ونحوها إن حكمهم حكم النواصب فيما ذكرنا» ثم بعد أن أشار إلى روايات في هذه المسألة قال: «ولهذا نقل شيخنا البهائي (قدس سره) في مشرق الشمسين أن متقدمي أصحابنا كانوا يسمون تلك الفرق بالكلاب الممطورة أي الكلاب التي أصابها المطر مبالغة في نجاستهم والبعد عنهم» . بينما يخالفه أبو القاسم الخوئي في كتاب الطهارة (٢ / ٨٧) فيقول: «فالصحيح الحكم بطهارة جميع المخالفين للشيعة الاثنى عشرية وإسلامهم ظاهرا بلا فرق في ذلك بين أهل الخلاف وبين غيرهم وان كان جميعهم في الحقيقة كافرين وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة» . ..
[ ٢٦ ]
الطعن في السنة وتنفير المسلمين من دولتها الوحيدة في إقامتها ونصرها (١)، ومن بث الرفض والخرافات بين المسلمين، رأيت من الواجب عليَّ أن أظهر للمسلمين ما يخفى على جمهورهم من الحقائق التي لم يكن العاملي ولا الزين يعلمان بوقوفي عليها لعلهما يفيئان إلى أمر الله، فكتبت الفصول التالية بهذه النية و(إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) .
وكنت عند البدء بالكتابة عقب اطلاعي على كتاب العاملي الجديد وما فيه الطعن الباطل في السنة باسم الوهابية، وفي شيخ الإسلام المصلح الكبير ابن تيمية، ومن تشريفي بطعنه فيَّ وبهتانه عليَّ، كنت عند البدء بذلك عازمًا على الاختصار، والاكتفاء بما ينشر في المنار، ثم جاءتني مجلة العرفان، فإذا هي بعد اطلاعها على الفصل الأول في المنار قد أسرفت في البهتان، والبغي والعدوان، والشتم والسب والكذب والإفك فرأيت من الواجب في نصر السنة ودفع البدعة، أن أتوسع في الكتابة، ونشر ما أكتبه في رسالة أو رسائل مستقلة.
_________________
(١) وقد يُستذكر هنا قول أمير دولة الكويت صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الصباح ﵀: «وستنعم المملكة وشعبها في ظل كلمة التوحيد وهدي السنة النبوية المشرفة. . . وستبقى كما كانت الحصن الحصين للإسلام وعقيدته السمحاء» المصدر: جريدة الوطن الكويتية، في عددها الصادر بتاريخ: ٤ أغسطس ٢٠٠٥ م.
[ ٢٧ ]
نبأ عقد المؤتمر الإسلامي في الرياض عاصمة نجد
ثم جاءتني بعد ذلك جريدة أم القرى حاملة تفصيل ذلك النبأ العظيم، نبأ عقد المؤتمر الإسلامي في الرياض عاصمة نجد، الذي هو الحجة الكبرى على انفراد حكومة ابن السعود بإحياء حكومة الخلفاء الراشدين في الأرض، فشحذ ذلك غرار عزمي على نصرها وشد أزرها، ومجاهدة أعداء الله ورسوله من الطاعنين فيها، وفي هذا العصر الذي نرى الحكومات الأعجمية تفضل شرائع أعدائهما على شريعتهما، وفسادهم على إصلاحها والإلحاد على دين الله وهو الإسلام، والعصبية العمية على الوحدة وجماعة ملة محمد ﵊.
وإنني أعتقد اعتقادًا جازمًا بما تيسر لي من الاختبار الطويل بأن هذه الخرافات والبدع التي كان التشيع مثارها الأعظم ستقضي على الإسلام إن لم يقض المصلحون عليها، وإن سيرة ملاحدة الترك في الصد عنه برهان على ذلك فإنهم يصورون لعامة أهل بلادهم تلك الخرافات الفاشية في الأولياء والصالحين بأقبح الصور المنفرة.
ومن ذلك: أنهم نبشوا بعض قبورهم وأروا الناس بأعينهم رميم عظامهم، وعجزهم على
[ ٢٨ ]
ما يدعيه فقهاء الشيعة الجامدين، من تلقي الدين والفتوى من سرداب سامرا
الدفاع عن أنفسهم وعن مراقدهم وطالما صرَّح المنار بإثبات فنائهم وأكل الأرض لأجسادهم وشرك الذين يدعونهم كما يدعون الله تعالى لجلب النفع لهم ورفع الضر عنهم.
وإنني أدعو عقلاء المسلمين كافةً، والمخلصين في إسلامهم من عقلاء الشيعة المعتدلين خاصةً:
أن ينهضوا معنا نهضة جريئة لإحياء عقيدة التوحيد الخالص، والقضاء على عبادة الميتين، من أئمة أهل البيت الطاهرين، من سائر الأولياء الصالحين. (١)
وعن التمسك بما يدعيه فقهاء الشيعة الجامدين، من تلقي الدين والفتوى من سرداب سامرا حيث اختبأ المهدي المنتظر (٢)؛ فإن هذا التشريع لا يقبله أحد من عقلاء البشر، ومن بيَّن لي أنني على خطأ فيما دعوت إليه بالدليل فإنني أرجع إلى قوله من قريب ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨) .
_________________
(١) جمع بعض الباحثين الأقوالَ الواردةَ في كتب الشيعة الاثنا عشرية التي تؤيد عقيدة التوحيد الخالص وتُسهم في القضاء على عبادة الميتين، ومنها على سبيل المثال: "الوصية الخالدة" للشيخ محمد سالم الخضر، وكتاب "عقيدة أهل البيت" لعبد الله بن جوران الخضير.
(٢) الذي وقفت عليه هو التقاء علمائهم بالإمام الغائب - كما يصفونه - مطلقًا دون تقييد الأخذ في سرداب سامراء فقط، وهو أمر مشهور - عندهم - في القديم والحديث، ولهم فيه مصنفات منها: "جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة ﵇ أو معجزته في الغيبة الكبرى" للنوري الطبرسي، وهو مُوْدّعٌ في الجزء ٥٣ من بحار الأنوار للمجلسي
[ ٢٩ ]
المنار مج ٣٢ ص ٦٨٣: «الاتفاق والتعاون يتعذر مع سوء ظن كل منا بالآخر»
دعاية الرفض والخرافات والتفريق بين المسلمين
ومُوقِدُ نارها الشيخ محسن الأمين العاملي
خطة المنار في التأليف بين المسلمين يعلم جميع قراء المنار والمطلعين، وكذا الواقفون على النهضة الإصلاحية التي قام بها منشئه على أساس الوحدة الإسلامية منذ ثلاثين سنة أو أكثر أنه كان من سيرته في مجاهدة البدع والخرافات التمثيل لها بما فشا منها بين أهل المذاهب المنسوبة إلى السنة دون ذكر أهل مذاهب الشيعة وغيرهم؛ لئلا يتهمه المتعصبون من هؤلاء بالتعصب، وإن كان يصرح دائمًا ببناء دعايته على أساس نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف
[ ٣٠ ]
نشر رسالة (سنة ١٣٢٦) للشيخ محمد كامل الرافعي حول قيام الشيعة بدعوة الأعراب للتشيع بإحلال المتعة النكاح لمشايخ قبائلهم
الصالح وعدم التقيد فيها بمذهب من المذاهب، بل مع تصريحه بما يعتقده من أن التعصب لأي مذهب منها مناف للوحدة الإسلامية ومخالف لنصوص القرآن.
وقد اشتهرت قاعدته الذهبية التي دعا إليها علماء المذاهب كلها، وهي نتعاون فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما تختلف فيه، وندعو علماء كل طائفة وأهل كل مذهب لمقاومة البدع الفاشية فيهم؛ لتكون دعوتهم أقرب إلى القبول. (١)
وقد وافقنا على دعوتنا هذه كثيرون من أهل السنة المستقلين والمقلدين للمذاهب ولكننا لم نر أحدًا من علماء الشيعة نصرنا عليها بالكتابة، وإنما استحسنها بعض المنصفين فيما شافهونا به (كالسيد الشهرستاني النجفي والسيد عبد الحسين العاملي والمرحوم الشيخ محي الدين عسيران) على أننا لم نسلم من شر متعصبيهم، فقد نشرنا مرة رسالة في أول المجلد ١٦ من المنار (سنة ١٣٢٦) لصديقنا العلامة المرحوم الشيخ محمد كامل الرافعي من بغداد كتبها في أثناء سياحته
_________________
(١) وقد تكلم الشيخ ﵀ كثيرًا عن هذه القاعدة في مجلته، إلا أن تجاربه الواقعية تذكر لها تقييدات لا يسع الباحث إغفالها، فمن ذلك موقفه مع أحد شيوخ الأزهر واسمه يوسف الدجوي في اجتماع به مع ثلة من المشايخ والعلماء حيث أنه بعد أن فرغ الدجوي من طعنه بالسلفيين قال ﵀: (أما وقد قال الأستاذ الدجوي ما سمعتم فلا مندوحة لي عن جوابه؛ لأن الاتفاق والتعاون يتعذر مع سوء ظن كل منا بالآخر) . اهـ مج ٣٢ ص ٦٨٣ ..
[ ٣١ ]
يذكر فيها قيام علماء الشيعة بدعوة الأعراب إلى التشيع، واستعانتهم على ذلك بإحلال متعة النكاح لمشايخ قبائلهم الذين يرغبون في الاستمتاع بكثير من النساء في كل وقت.
ولما نشرنا تلك الرسالة في المنار علقنا عليها تعليقًا رجونا أن يحول دون تعصب الشيعة واحتمائهم علينا ورمينا بضد ما نقوم به من التأليف والتوحيد، فقلنا:
«إن تعليم الإعراب الجاهلين مذهب الشيعة في العبادات والحلال والحرام خير من بقائهم على جهلهم المعهود، وحصرنا توجيه انتقاد الكاتب في وجهته السياسية، وهي ما كان يشوب تلك الدعاية من التنفير من الدولة العثمانية والتحبيب في الدولة الإيرانية إلخ ولم ننشر اسم الكاتب يومئذ لئلا توذيه الحكومة الحميدية لما هو معلوم من حالها» .
نشرنا هذا في المنار فلم نجد أحدًا منهم هاجه واحتمى عليه إلا هذا المتعصب الجامد على الرفض (١)
الشيخ محسن
_________________
(١) الرفض يراد به الغلو في التشيع فالشيعة منهم المعتدلون ومنهم الغلاة ومنهم الباطنية الملاحدة أعداء الإسلام كالعبيديين والشيخ العاملي متعصب للجميع. (ر)
[ ٣٢ ]
تفاوت موقف الشيعة الاثنى عشرية من قضية الاجتهاد
الأمين العاملي على خلاف ما نَقَلَ لنا بعض الناس عنه من إظهار الإنصاف في مجالسه مع علماء السنة من باب التقية، فألف رسالة سماها (الحصون المنيعة، في الرد على ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة) لم يكن في تأليفها محسنًا في الرد، ولا أمينًا في النقل، ولكنها فرصة اغتنمها لبث أمرين:
(أحدهما) فيما ارتأيت في ذلك التاريخ صَدّ نابتة الشيعة في جبل عامل وغيره عن المنار؛ إذ كانت قد أثرت فيهم خطته الإصلاحية ودعوته إلى الاستقلال في فهم الدين من الكتاب والسنة وترك التقليد وعصبية المذاهب فيه، والشيعة أشد الفرق في ذلك حتى الذين يسمونهم المجتهدين منهم، ويفتخرون على أهل السنة بأنهم هم الذين يأخذون بالاجتهاد الذي أقفل بابه أهل السنة، ومن المعلوم ببداهة العقل أن الاجتهاد الحقيقي الذي هو الاستقلال بأخذ الدين من ينابيعه ينافي التمذهب بمذهب معين. (١)
_________________
(١) يتفاوت موقف الشيعة الاثنى عشرية من قضية الاجتهاد، فالإخباريون حَرَّموا الاجتهادَ على الفقيه لأنه غير معصوم، وحصروا القول في المستجدات في شخص المعصوم فقط، لكن ضغط الواقع أثبت لهم قصور نظريتهم فخرج على الأصل قسم منهم سبقت الإشارة إليهم وهم من يسمون بالأصوليين - الذين هم جمهور الشيعة اليوم- وأجازوا لغير المعصوم أن يجتهد، ومنحوه صلاحيات المعصوم بحيث جعلوا الرد عليه كالرد على المعصوم، فيقول محمد رضا المظفر في كتابه "عقائد الإمامية" المقرر للتدريس في مدارس الحوزة في النجف تحت عنوان: عقيدتنا في المجتهد ص٣٤/ ط. قم ٢٠٠٢: «وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشروط أنه: نائب للإمام ﵇ في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله!!» .
[ ٣٣ ]
بعض شبه الشيعة لنكاح المتعة
) الأمر الثاني) بث مذهب الشيعة بين أهل السنة وترجيحه على مذهب السنة، وجعل مسألة متعة النكاح حجة على هذا الترجيح، فأطال فيها بغير طائل.
أرسلت إليَّ هذه الرسالة عقب صدورها فلم أشأ أن أرد على أباطيلها لسببين:
(أحدهما) مخالفة ذلك لخطتي في التأليف بين فرق المسلمين؛ لأن المجادلات في الانتصار للمذاهب تذكي نار التعصب والشقاق بين أهلها.
(وثانيهما) أن صاحبها لا يستحق أن يرد على مثله؛ لأنه لا يطلب الحق في المناظرة كما هو شأن المقلدين، ولا سيما المتعصبين الغلاة مثله، فمناظرتهم تضر ضررًا لا يقابله منفعة استبانة الحق لهم فيرجى رجوعهم إليه.
وكيف يرد مثلنا من المستقلين ودعاة التأليف على من يستدل على صحة المتعة بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (النساء: ٢٤) (١)
فيزعم أن لفظ الأجور لا يصح أن
_________________
(١) بعد أن ذكر جل وعلا المحرمات من النساء جاءت هذه الآية، فقال تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ فالآية تتحدث عن وجوب المهر وفريضته في النكاح الشرعي الصحيح وهو الدائم - وليس المؤقت - وتبين أن ذلك الوجوب يقع بمجرد حصول الاستمتاع بالمرأة أي كالجماع ونحو ذلك، وتفسير لفظ (استمتعتم) في الآية بنكاح المتعة ليس له استناد إلا الظن وما تهواه الأنفس باتباع المتشابه. ومما يُبطل الاستدلال بهذه الآية على إباحة المتعة: قوله تعالى ﴿محصنين﴾ فإن مجيزي نكاح المتعة من الاثنا عشرية أنفسهم يقولون إن نكاح المتعة لا يحصن، ويروون عن أبي عبد الله (ع) في رجل يتزوج المتعة أتحصنه؟ قال: «لا إنما ذاك على الشيء الدائم عنده»، وعنه أيضًا قال: «لا يرجم الغائب عن أهله ولا المملوك الذي لم يبن بأهله، ولا صاحب المتعة» . انظر الوسائل ١٨/ ٣٥١-٣٥٥ أبواب حد الزنا باب ٢ باب ثبوت الاحصان الموجب للرجم في الزنا بأن يكون له فرج حرة أو يغدو عليه ويروح بعقد دائم أو ملك يمين مع الدخول وعدم ثبوت الاحصان بالمتعة
[ ٣٤ ]
إرسال القاسمي كتاب العاملي إلى الألوسي
يكون بمعنى المهور؛ لأنه لم يرد في لغة القرآن بهذا المعنى وإنما سماها القرآن الصدقات (بضم الدال) وزعمه هذا يدل على أحد أمرين:
إما الجهل بالقرآن ولغته، وإما تعمد تحريفه وقد يجتمعان، فقد قال الله تعالى في سورة الممتحنة في المؤمنات اللواتي يتركن أزواجهن المشركين ويهاجرن إلى المدينة ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الممتحنة: ١٠) .
وقال تعالى بعد ذكر حل طعام أهل الكتاب من سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (المائدة: ٥) . (١)
وإنني لما حررت الدلائل في مسائل متعة النكاح في تفسير سورة النساء من جزء التفسير الخامس وتعرضت لخلاف الشيعة فيها قلت في آخر البحث ما نصه (وهو قد كتب بعد تأليف تلك الرسالة):
«ولا سعة في هذا التفسير لهذه المباحث بل أخشى أن
_________________
(١) أقول: هذا الاستدلال الذي أشار إليه المؤلف ﵀ يعلمُ الشيعةُ أنفسهم ضعفه وبُعْدَه عن لغة القرآن حتى قال الطوسي في تفسيره " التبيان " ٣/١٦٦ إن من قال به «كان مرتكبًا لما يعلم خلافه» . كما من الآيات التي ورد فيها تسمية المهر أجرًا قوله تعالى ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾، والمراد بالأجور هنا: المهور، وهذا ما يُقرُّ به علماء الاثنى عشرية، فيقول الطبرسي - وهو من علماء الشيعة البارزين - عند تفسيره لهذه الآية: ﴿أجورهن﴾ «أي: مهورهن لأن المهر أجر على البضع»، وقال أحمد الجزائري من علماءهم عند تفسيره لهذه الآية ما نصه: «والأجور هي المهور لأن المهر أجر البضع» . انظر: جوامع الجامع ٢/٣٣٠ وتفسير قلائد الدرر ٣/٢٠٤.
[ ٣٥ ]
أكون خرجت بهذا البحث عن منهاجي فيه وهو الإعراض عن مسائل الخلاف التي لا علاقة لها بفهم القرآن والاهتداء به، وعن الترجيح بين المذاهب الذي هو مثار تفرق المسلمين وتعاديهم، على أنني أبرأ إلى الله من التعصب والتحيز إلى غير ما يظهر لي أنه الحق، والله عليم بذات الصدور»
إلى أن قلت: «فإن اطلعنا بعد ذلك على روايات أخرى للشيعة بأسانيدها فربما نكتب في ذلك مقالًا تمحص فيه ما ورد من الطريقين ونحكم فيه بما نعتقد من قواعد التعارض والترجيح وننشر ذلك في المنار» . اهـ
وقد أرسل علامة الشام المستقل الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى رسالة العاملي في أثناء نشرها إلى علامة العراق المستقل السيد محمود شكري الألوسي رحمه الله تعالى وسأله عن رأيه فيها فأجابه برسالة تتضمن الرد الشديد عليها وتجهيل مؤلفها، وقد اطلعنا على هذا الرد، ولم نشأ أن ننشره لما تقدم بيانه. (١)
ولكن العاملي الرافضي المتعصب عاد في هذه الأيام إلى
_________________
(١) سينقل المؤلف ﵀ نص تلك المراسلة فيما يأتي، ولم أقف عليها فيما طُبع من المراسلات بين العلامتين القاسمي والآلوسي رحم الله الجميع، سوى أن الآلوسي قال في أحدى مراسلاته للقاسمي ما نصه: «وفي أوائل الصيف أحب بعض الأصحاب الكرام - وهو محمد بن مانع النجدي المقيم الآن في بغداد - أن يرد على كتاب الرافضي المسمى بـ "الحصون المنيعة"، فكتب عليه في أيام معدودات مجلدًا ضخمًا مَحَّصَ فيه الحق من الباطل، وأبرز ما فيه من الكلام العاطل، وسمى ما كتبه " صواعق الشريعة في هدم الحصون المنيعة "، وفي عزم مؤلفه أن يرسل منه نسخة مع ابن العم الحاج علي أفندي أحد مبعوثي بغداد عند عوده إلى المجلس إلى الأخ في الله السيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، فلعله إن راقت لديه يطبعها إن شاء الله» . الرسائل المتبادلة بين القاسمي والآلوسي ص ١٣٧.
[ ٣٦ ]
تفسير الكاظم ﴿وأن المساجد لله﴾ أي الإمام لله
كلام المؤلف السيد رشيد رضا عن شخصية الشريف حسين
ما هو شر مما كتبه في تلك الرسالة؛ لأن حرية الطعن والتفريق في ظل الحكومة الفرنسية أوسع مما كان في عهد دستور الدولة العثمانية، فألف كتابًا كبيرًا استغرق خمسمائة صفحة في هذا الموضوع جعل عنوانه الرد على الوهابية، ودس فيه ما يبغي من الدعاية الرافضية، وإثبات الخرافات القبورية، والطعن في صاحب المنار لا فيما نشره مما يخالف مذهبه وتقاليده فقط، بل طعن في شخصه ونقل ما كتبه شاب إيراني فرمسوبي (١) متعصب للدولة الإيرانية ولمذهبها لأنه مذهبها!! في بعض الجرائد من الطعن الشخصي فيه والافتراء عليه بضد الواقع، ولا سيما في مسألة الشريف حسين وأولاده والاتحاديين فقد زعم أننا كنا نمدح الشريف في وقت عزه وملكه، وزهدناه بعد فقده (٢)، وهذا كذب وبهتان، كما يعلم جميع المطلعين على المنار، كزعمه أن فيصلا هو الذي عين صاحب المنار رئيسًا للمؤتمر السوري العام في دمشق وكل الناس يعلمون كالشيخ العاملي
أن المؤتمر انتخب صاحب المنار لرياسته انتخابًا، وأنه ما كان لفيصل أن يعينه تعيينًا.
_________________
(١) لم يتبين لي معنى هذه الفظة إلا أنه من المحتمل أن تكون مصحفة عن لفظة (فرثوي) نسبة إلى سلالة من سلالات الفرس.
(٢) إن كلام المؤلف السيد رشيد رضا عن شخصية الشريف حسين ﵀ وغفر له وعن الاتحاديين ووصفه التأريخي لما وقع آنذاك من حوادث مبثوث في مجلة المنار في عدة مقالات منها: (آراء الخواص في المسألة العربية واستقلال الشريف في الحجاز مج ١٩ ص ١٤٤)، (الوثائق الرسمية للمسألة العربية، تطرق فيها إلى المكاتبات بين أمير مكة بالأمس وملك الحجاز اليوم وبين نائب ملك الإنكليز بمصر مج ٢٣ ص ٦١٢)، (الاستفتاء في مَلك الحجاز مج ٢٤ ص ٥٩٣)، (زيارة ملك الحجاز لشرقي الأردن مقدماتها وأسبابها ونتيجتها مج ٢٥ ص ٢٣٠)، (مبايعة الحجاز لحسين بالخلافة مج ٢٥ ص ٤٦٣)، هذا بالإضافة لما أورده في كتبه وخاصة كتاب "الرحلة الحجازية"، وكتاب "الوهابيون والحجاز " حول الموضوع.
[ ٣٧ ]
تفسير المؤلف لقوله تعالى ﴿أولئك الذين يدعون﴾
طالبني بعض أهل السنة بالرد على هذا الكتاب وقد تصفحت أهم مسائل أبوابه في زهاء ثلاث ساعات فرأيت فيها من الكذب في النقل أو الاقتصار منه على ما يوافق هواه ومن الدعاوي الباطلة والكلم المحرف عن مواضعه وتأويل النصوص القطعية ما يبخل الحريص على وقته أن يقرأه كله فكيف يضيعه في الرد على كل ما فيه من الباطل؟
ولكن في نشر هذا الكتاب ضررًا عظيمًا وإفسادًا كبيرًا لعقائد المسلمين كافة وعقائد أهل السنة خاصة؛ لما فيه من الشبهات الكثيرة الصادرة في صور الأدلة على عبادة موتى الصالحين بالدعاء وغيره وتحريف نصوص القرآن الصريحة في منع ذلك كقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)
(الجن: ١٨) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤) وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (الإسراء: ٥٧) أي أولئك الذين يدعونهم من دون الله توسلًا بهم إليه هم يبتغون الوسيلة والقربى إلى الله ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (الإسراء: ٥٧) أي
_________________
(١) ويوجد منهم من ينسب إلى أبي الحسن الكاظم أنه قال: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ قال: «هم الأوصياء» (الكافي ١/٣٥٢ كتاب الحجة. باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية)، وينسبون أيضًا إلى الصادق ﵀ أنه قال في تفسير الآية: «إن الإمام من آل محمد فلا تتخذوا من غيرهم إمامًا» البرهان: ٤/٣٩٣. وهكذا تحول عند الغلاة موضوع إفراد الله تعالى بالدعاء إلى إفراد علي بالإمامة، وانتقل الضمير العائد على لفظ الجلالة (الله) إلى علي والأوصياء، فمعنى ﴿فلا تدعو مع الله أحدا﴾ أي: لا تدعو مع الأوصياء إماما آخر!!..
[ ٣٨ ]
مناظرة بين العالمين الشيعي والسلفي المستقل في "المنار"
يبتغي ذلك أقربهم إلى الله كالمسيح ﵇ والملائكة فكيف من دونهم؟ (١)
كما أنه يرد بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك؛ لأنها من رواية أهل السنة، أو يحرفها بالتأويل.
وما أضعف المسلمين في دينهم ودنياهم شيء كما أضعفهم وأفسدهم الاتكال على الميتين في قضاء حاجاتهم ومصالحهم ودفع الأذى عنهم، فهذا مما يضر أهل السنة والشيعة، ولا سيما في هذا العصر، وهو يوهم الفريقين أنه من الإسلام وأنه لم يخالف فيه أحد منهم إلا الوهابية، مع أنه لم يقل به أحد من أئمتهم لا أئمة أهل البيت كالصادق والباقر ولا أئمة الأمصار الآخرين كالأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، بل النصوص عن أئمة أهل البيت ﵈ موافقة للأحاديث الصحيحة من منع هذه البدع الخرافية كما يعلم من المناظرة بين العالمين الشيعي والسلفي المستقل التي نشرناها في المجلد الثامن والعشرين من المنار. (٢)
ومثال ما يضر أهل السنة وحدهم ما صوَّره الرافضي المتعصب في رسالته وكتابه لهم من أن أصول الدين والفقه عند الشيعة
_________________
(١) قال الشيخ المؤلف رحمه: «أي أن أولئك الأولياء الذين يدعونهم لكشف الضر عنهم أو تحويله توسلًا بهم كالمسيح - هم أنفسهم يطلبون الوسيلة إلى الله تعالى بعبادته ويرجون رحمته باتباع سنته والعمل بشريعته ويخافون عذابه إذا قصروا، حتى إن أقربهم من مرضاته هو أخوفهم منه وأرجاهم له. ذلك بأن عذاب الله في الدنيا والآخرة مخوف ومحذور في نفسه لأن لله فيه سننًا لا تتبدل يوشك أن يخالفها المرء من حيث يدري أو من حيث لا يدري وأن القلوب تتقلب وأنه لا يجب لأحد من خلقه عليه شيء» . اهـ انظر: مجلة المنار مج ٩ ص ١٣٢ - ١٤٠.
(٢) العالم السني المعني هنا هو «الأستاذ الشيخ محمد عبد القادر الهلالي وهو عالم سلفي مستقل لا يتعصب لمذهب من المذاهب المقلدة» كما وصفه الشيخ المؤلف ﵀، وأما العالم الشيعي فهو «الأستاذ الشهير مهدي كاظمي القزويني»، وانظر جميع هذه المناظرات في مجلة المنار مج ٢٨ ص٣٤٩، ٤٣٩، ٥١٦، ٥٩٣، ٦٨٤، ٧٧٦، مج٢٩ ص٥٧
[ ٣٩ ]
وأهل السنة واحدة، وإنما الفرق الوحيد بينهما مسألة حب آل بيت الرسول عليه وعليهم السلام وموالاتهم والاحتجاج بما رواه أئمتهم عنه وما اجتهدوا فيه وهو ما نبينه فيما يلي مع الإشارة إلى دسيسته فيه.
***