تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد
المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فلقد يسر الله أن كتبت كتابًا بعنوان:
=عقيدة أهل السنة والجماعة مفهومها - خصائصها - خصائص أهلها+
وقد حظي ذلك الكتاب بتقريظ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ×.
وقد جاء ذلك الكتاب في مجلد، وطبع عدة مرات، ولقي قبولًا ولله الحمد.
ولهذا رأت بعض الجهات الخيرية اختصار ذلك الكتاب؛ ليتسنى طبعه، وتوزيعه على نطاق أكبر؛ فكان أن اختصر في هذه الرسالة التي جاءت حاملة العنوان التالي:
=مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة: المفهوم والخصائص+
وقد حذف من هذه الرسالة أكثر الحواشي والهوامش، والتفصيلات؛ فمن أراد الاستزادة فليراجع الأصل، والله المستعان وعليه التكلان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
محمد بن إبراهيم الحمد
الزلفي: ص. ب: ٤٦٠
www.toislam.net
مقدمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لأصل الكتاب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وآله وصحبه أما بعد:
فقد اطلعت على ما كتبه أخونا الكريم صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وما خصهم الله به من العلم النافع والعمل الصالح والخصال الحميدة، والأخلاق الكريمة، وقد سماه: =عقيدة أهل السنة والجماعة مفهومها_خصائصها_ خصائص أهلها+ فألفيته كتابًا قيمًا ومفيدًا وموضحًا لعقيدة أهل السنة والجماعة وأخلاقهم؛ فجزاه الله خيرًا وضاعف مثوبته وزادنا وإياه من العلم النافع والعمل الصالح.
وإني أنصح كل من اطلع عليه بقراءته والاستفادة منه لعظم فائدته وشرحه لأحوال أهل السنة.
والله المسؤول أن يوفقنا وجميع المسلمين للعمل النافع والعمل الصالح وأن يصلح ولاة أمر المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن؛ إنه سمع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
حرر في ٩/ ١١/ ١٤١٥هـ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
[ ٧ / ١ ]
مفهوم العقيدة الإسلامية
١_ تعريف العقيدة في الاصطلاح العام: هي الإيمان الجازم، والحكم القاطع الذي لا يتطرق إليه شك، وهي ما يؤمن به الإنسان، ويعقد عليه ضميره، ويتخذه مذهبًا ودينًا، بغضِّ النظر عن صحته من عدمها.
٢_ العقيدة الإسلامية: هي الإيمان الجازم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاء في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة من أصول الدين، وأموره، وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم لله_تعالى_في الحكم، والأمر، والقدر، والشرع، ولرسوله"بالطاعة والتحكيم والاتباع.
٣_ موضوعات علم العقيدة: العقيدة_بمفهوم أهل السنة والجماعة_اسم عَلَم على العِلْم الذي يُدرس ويَتَناول جوانب التوحيد، والإيمان، والإسلام، وأمور الغيب، والنبوات، والقدر، والأخبار، وأصول الأحكام القطعية، وما أجمع عليه السلف الصالح من أمور العقيدة، كالولاء والبراء، والواجب تجاه الصحابة، وأمهات المؤمنين_رضوان الله عليهم أجمعين_.
ويدخل في ذلك الرد على الكفار، والمبتدعة، وأهل الأهواء، وسائر الملل والنحل، والمذاهب الهدامة، والفرق الضالة، والموقف منهم، إلى غير ذلك من مباحث العقيدة.
٤_ أسماء علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة:
١_ العقيدة والاعتقاد، والعقائد.
٢_ التوحيد٣_ السنة. ٤_ الشريعة.
٥_ الإيمان ٦_ أصول الدين، أو أصول الديانة.
٥_ أهل السنة والجماعة: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي"وأصحابه، وهم المتمسكون بسنة النبي" وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة الهدى المتبعون لهم، وهم الذين استقاموا على الاتباع، وجانبوا الابتداع في أي مكان وزمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة.
وسموا بذلك لانتسابهم لسنة النبي"واجتماعهم على الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، في القول، والعمل، والاعتقاد.
[ ٧ / ٢ ]
٦_ أسماء أخرى لأهل السنة والجماعة: لأهل السنة والجماعة أسماء أخرى يعرفون بها، منها:
١_ أهل السنة والجماعة.
٢_ أهل السنة.
٣_ أهل الجماعة.
٤_ الجماعة.
٥_ السلف الصالح.
٦_ أهل الأثر.
٧_ أهل الحديث.
٨_ الفرقة الناجية.
٩_ الطائفة المنصورة.
١٠_ أهل الاتباع.
خصائص العقيدة الإسلامية عقيدة أهل السنة والجماعة
للعقيدة الإسلامية_عقيدة أهل السنة والجماعة_ خصائص عديدة، لا توجد في أي عقيدة أخرى، ولا غرو في ذلك؛ إذ إن تلك العقيدة تُستَمد من الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن تلك الخصائص مايلي:
١_ سلامة مصدر التلقي: وذلك باعتمادها على الكتاب والسنة، وإجماع السلف الصالح، فهي مستقاة من ذلك النبع الصافي، بعيدًا عن كدر الأهواء والشبهات.
وهذه الخصيصة لا توجد في شتى المذاهب والملل والنحل غير العقيدة الإسلامية_عقيدة أهل السنة والجماعة_.
٢_ أنها تقوم على التسليم لله_تعالى_ولرسوله": وذلك لأنها غيب، والغيب يقوم على التسليم.
فالتسليم بالغيب من أعظم صفات المؤمنين التي مدحهم الله بها، كما في قوله_تعالى_: [ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ] (البقرة: ٢، ٣) .
ذلك أن العقول لا تدرك الغيب، ولا تستقل بمعرفة الشرائع؛ لعجزها وقصورها؛ فكما أن سمع الإنسان قاصر، وبصره كليل، وقوتَه محدودة_فكذلك عقله، فَتَعَيَّن الإيمان بالغيب والتسليم لله_عز وجل_.
٣_ موافقتها للفطرة القويمة، والعقل السليم: فعقيدة أهل السنة والجماعة ملائمة للفطرة السليمة، موافقة للعقل الصريح، الخالي من الشهوات والشبهات.
٤_ اتصال سندها بالرسول"والتابعين وأئمة الدين قولًا، وعملًا، واعتقادًا: وهذه الخصيصة قد اعترف بها كثير من خصومها؛ فلا يوجد_بحمد الله_أصل من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة_ليس له أصل أو مستند من الكتاب والسنة، أو عن السلف الصالح، بخلاف العقائد الأخرى المبتدعة.
[ ٧ / ٣ ]
٥_ الوضوح والسهولة والبيان: فهي عقيدة سهلة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، فلا لبس فيها، ولا غموض، ولا تعقيد؛ فألفاظها واضحة، ومعانيها بينة، يفهمها العالم والعامي، والصغير والكبير، فهي تستمد من الكتاب والسنة، وأدلة الكتاب والسنة كالغذاء ينتفع به كل إنسان، بل كالماء الذي ينتفع به الرضيع، والصبي، والقوي، والضعيف.
٦_ السلامة من الاضطراب والتناقض واللبس: فلا مكان فيها لشيء من ذلك مطلقًا، كيف لا وهي وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
فالحق لا يضطرب، ولا يتناقض، ولا يلتبس.
بل يشبه بعضه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا] (النساء: ٨٢) .
٧_ أنها قد تأتي بالمحار، ولكن لا تأتي بالمحال: ففي العقيدة الإسلامية ما يبهر العقول، وما قد تحار فيه الأفهام، كسائر أمور الغيب؛ من عذاب القبر ونعيمه، والصراط، والحوض، والجنة والنار، وكيفية صفات الله_عز وجل_.
فالعقول تحار في فهم حقيقة هذه الأمور، وكيفياتها، ولكنها لا تحيلها بل تسلِّم لذلك، وتنقاد، وتذعن؛ لأن ذلك صدر عن الوحي المنزل، الذي لا ينطق عن الهوى.
٨_ العموم والشمول والصلاح: فهي عامة، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان، وحال، وأمة.
بل إن الحياة لا تستقيم إلا بها.
٩_ الثبات والاستقرار والخلود: فهي عقيدة ثابتة، مستقرة خالدة، فلقد ثبتت أمام الضربات المتوالية التي يقوم بها أعداء الإسلام؛ من اليهود، والنصارى، والمجوس، وغيرهم.
فما إن يعتقد هؤلاء أن عظمها قد وهن، وأن جذوتها قد خبت، ونارها قد انطفأت، حتى تعود جذعة ناصعة نقية؛ فهي ثابتة إلى قيام الساعة، محفوظة بحفظ الله_تعالى_تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل؛ ورعيلًا بعد رعيل، لم يتطرق إليها التحريف، أو الزيادة، أو النقصان، أو التبديل.
كيف لا والله_عز وجل_هو الذي تكفل بحفظها، وبقائها ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه؟.
[ ٧ / ٤ ]
قال_تعالى_: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) .
١٠_ أنها سبب للنصر والظهور والتمكين: فذلك لا يكون إلا لأهل العقيدة الصحيحة، فهم الظاهرون، وهم الناجون، وهم المنصورون كما قال": =لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك+ (١) .
فمن أخذ بتلك العقيدة أعزه الله، ومن تركها خذله الله.
وقد عَلِم ذلك كلُّ من قرأ التاريخ، فمتى حاد المسلمون عن دينهم_حاق بهم ما حاق، كما حدث لهم في الأندلس وغيرها.
١١_ أنها ترفع قدر أهلها: فمن اعتقدها، وزاد علمًا بها، وعملًا بمقتضاها، ودعوة للناس إليها_أعلا الله قدره، ورفع له ذكره، ونشر بين الناس فضله، فردًا كان أو جماعة؛ ذلك أن العقيدة الصحيحة هي أفضل ما اكتسبته القلوب، وخير ما أدركته العقول؛ فهي تثمر المعارف النافعة، والأخلاق العالية.
١٢_ السلامة والنجاة: فالسنة سفينة النجاة، فمن تمسك بها سلم ونجا، ومن تركها غرق وهلك.
١٣_ العقيدة الإسلامية عقيدة الألفة والاجتماع: فما اتحد المسلمون، وما اجتمعت كلمتهم في مختلف الأعصار والأمصار_إلا بتمسكهم بعقيدتهم، وأخذهم بها، وما تفرقوا واختلفوا إلا لبعدهم عنها.
١٤_ التميز: فهي عقيدة متميزة، وأهلها متميزون، فطريقتهم مستقيمة، وأهدافهم محددة.
١٥_ أنها تحمي معتنقيها من التخبط والفوضى والضياع: فالمنهج واحد، والمبدأ واضح ثابت لا يتغير، فيسلم معتنقها من اتباع الهوى، ويسلم من التخبط في توزيع الولاء والبراء، والمحبة والبغضاء، بل تعطيه معيارًا دقيقًا لا يخطىء أبدًا، فيسلم من التشتت والتشرد والضياع، فيعرف من يوالي، ويعرف من يعادي، ويعرف ما له وما عليه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة ٣/١٥٢٤.
[ ٧ / ٥ ]
١٦_ أنها تمنح معتنقيها الراحة النفسية والفكرية: فلا قلق في النفس، ولا اضطراب في الفكر؛ لأن هذه العقيدة تصل المؤمن بخالقه_عز وجل_فيرضى به ربًا مدبرًا، وحاكمًا مشرعًا، فيطمئن قلبه بقدره، وينشرح صدره لحكمه، ويستنير فكره بمعرفته.
١٧_ سلامة القصد والعمل: بحيث يَسْلَمُ معتنقها من الانحراف في عبادة الله_عز وجل_فلا يعبد غير الله، ولا يرجو سواه.
١٨_ تؤثر في السلوك والأخلاق والمعاملة: فهي تأمر أهلها بكل خير، وتنهاهم عن كل شر، فتأمرهم بالعدل والاعتدال، وتنهاهم عن الظلم والانحراف.
١٩_ تدفع معتنقيها إلى الحزم والجد في الأمور.
٢٠_ تبعث في نفس المؤمن تعظيم الكتاب والسنة: لأنه يعلم أن الكتاب والسنة حق وصواب، وهدى ورحمة؛ فينبعث بذلك إلى تعظيمهما، والأخذ بهما.
٢١_ تَكْفُل لمعتنقيها الحياة الكريمة: ففي ظل العقيدة الإسلامية يتحقق الأمن والحياة الكريمة؛ ذلك أنها تقوم على الإيمان بالله، ووجوب إفراده بالعبادة دون من سواه، وذلك_بلا شك_سبب الأمن والخير والسعادة في الدارين؛ فالأمن قرين الإيمان، وإذا فقد الإيمان فقد الأمن، قال_تعالى_: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢٨)] (الأنعام: ٨٢) .
فأهل التقوى والإيمان لهم الأمن التام، والاهتداء التام في العاجل والآجل، وأهل الشرك والمعصية هم أهل الخوف وأولى الناس به، فهم مهددون بالعقوبات والنقمات في سائر الأوقات.
٢٢_ تجمع بين مطالب الروح، والقلب، والجسد.
٢٣_ تعترف بالعقل وتحدد مجاله: فالعقيدة الإسلامية تحترم العقل السوي، وترفع من شأنه، ولا تحجر عليه، ولا تنكر نشاطه، والإسلام لا يرضى من المسلم أن يطفىء نور عقله، ويركن إلى التقليد الأعمى في مسائل الاعتقاد وغيرها.
[ ٧ / ٦ ]
٢٤_ تعترف بالعواطف الإنسانية، وتوجهها الوجهة الصحيحة: فالعواطف أمر غريزي، ولا يتجرد منه أي إنسان سوي، والعقيدة الإسلامية ليست عقيدة هامدة جامدة، بل هي عقيدة حيَّة، تعترف بالعواطف الإنسانية، وتقدرها حق قدرها، وفي الوقت نفسه لا تطلق العنان لها، بل تُقوِّمها، وتسمو بها، وتوجهها الوجهة الصحيحة، التي تجعل منها أداة خير وتعمير، بدلًا من أن تكون معولَ هدمٍ وتدمير.
٢٥_ العقيدة الإسلامية كفيلة بحل جميع المشكلات: سواء مشكلات الفرقة والشتات، أو مشكلات السياسة والاقتصاد، أو مشكلات الجهل والمرض والفقر، أو غير ذلك.
فلقد جمع الله بها القلوب المشتتة، والأهواء المتفرقة، وأغنى بها المسلمين بعد العَيْلَة، وعلّمهم بها بعد الجهل، وبصّرهم بعد العمى، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف.
خصائص أهل السنة والجماعة
كما أن لعقيدة أهل السنة والجماعة ميزات تمتاز بها عن غيرها من العقائد_فكذلك لأهل السنة خصائص وميزات يمتازون بها عن غيرهم من أهل الملل والنحل، ويجدر بكل من انتسب إليهم أن يأخذ بها، ويأطر نفسه عليها، حتى ينال ما نالوه من خير وفضل.
فمن تلك الخصائص التي تميز بها أهل السنة والجماعة ما يلي:
١_ الاقتصار في التلقي على الكتاب والسنة: فهم ينهلون من هذا المنهل العذب عقائدَهم، وعباداتهم، ومعاملاتهم، وسلوكَهم، وأخلاقهم، فكل ما وافق الكتاب والسنة قبلوه وأثبتوه، وكل ما خالفهما ردوه على قائله كائنًا من كان.
٢_ التسليم لنصوص الشرع، وفهمها على مقتضى منهج السلف: فهم يسلِّمون لنصوص الشرع، سواء فهموا الحكمة منها أم لا، ولا يعرضون النصوص على عقولهم، بل يعرضون عقولهم على النصوص، ويفهمونها كما فهمها السلف الصالح.
٣_ الاتباع وترك الابتداع: فهم لا يقدمون بين يدي الله ورسوله، ولا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي"ولا يرضون لأحد كائنًا من كان أن يرفع صوته فوق صوت النبي".
[ ٧ / ٧ ]
بخلاف المبتدعة الضالين، الذين ابتدعوا في الدين، مستدركين على وحي رب العالمين، ألا ساء ما يعملون.
٤_ الاهتمام بالكتاب والسنة: فهم يهتمون بالقرآن حفظًا وتلاوة، وتفسيرًا، وبالحديث دراية ورواية.
بخلاف غيرهم من المبتدعة الذي يهتمون بكلام شيوخهم أكثر من اهتمامهم بالكتاب والسنة.
٥_ احتجاجهم بالسنة الصحيحة وترك التفريق بين المتواتر والآحاد: سواء في الأحكام أو العقائد، فهم يرون حجية الحديث إذا صح عن رسول الله"ولو كان آحادًا.
٦_ ليس لهم إمام معظم يأخذون كلامه كله، ويدعون ما خالفه إلا الرسول": أما غير الرسول"فإنهم يعرضون كلامه على الكتاب والسنة، فما وافقهما قُبِل، وما لا فلا، فهم يعتقدون أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول".
أما غيرهم من الفرق الأخرى، ومن متعصبة المذاهب_ فإنهم يأخذون كلام أئمتهم كله حتى ولو خالف الدليل.
٧_ هم أعلم الناس بالرسول": فهم يعلمون هديه، وأعماله، وأقواله، وتقريراته؛ لذلك فهم أشد الناس حبًا له، واتباعًا لسنته.
بخلاف غيرهم من أهل البدع الذي يعرفون عن أئمتهم ما لا يعرفونه عن رسول الله".
٨_ الدخول في الدين كله: فهم يدخلون في الدين كله، ويؤمنون بالكتاب كله؛ امتثالًا لقوله_تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] (البقرة: ٢٠٨) .
بخلاف الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون.
وبخلاف الذين نسوا حظًا مما ذكروا به، والذين جعلوا القرآن عضين؛ فآمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض.
٩_ تعظيم السلف الصالح: فأهل السنة يعظمون السلف الصالح، ويقتدون بهم، ويهتدون بهديهم، ويرون أن طريقتهم هي الأسلم، والأعلم، والأحكم.
١٠_ الجمع بين النصوص في المسألة الواحدة، ورد المتشابه إلى المحكم: فهم يجمعون بين النصوص الشرعية في المسألة الواحدة، ويردون المتشابه إلى المحكم؛ حتى يصلوا إلى الحق في المسألة.
[ ٧ / ٨ ]
١١_ الجمع بين العلم والعبادة: بخلاف غيرهم، فإما أن يشتغل بالعبادة عن العلم، أو بالعلم عن العبادة، أما أهل السنة والجماعة فيجمعون بين الأمرين.
١٢_ الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب: فهم لا ينكرون الأسباب، ولا تأثيرها إذا ثبتت شرعًا أو قدرًا، ولا يَدَعُون الأخذ بالأسباب، وفي الوقت نفسه لا يلتفتون إليها.
ولا يرون أن هناك تنافيًا بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب؛ لأن نصوص الشرع حافلة بالأمر بالتوكل على الله، والأخذ بالأسباب المشروعة أو المباحة في مختلف شؤون الحياة، فقد أمرت بالعمل، والسعي في طلب الرزق، والتزود للأسفار، واتخاذ العدد في مواجهة العدو.
قال_تعالى_: [إِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ] (الجمعة: ١٠) . وقال: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا] (الملك: ١٥) . وقال: تعالى_: [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] (البقرة: ١٩٧) . وقال_تعالى_: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ] (الأنفال: ٦٠) .
وقال النبي": =احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان+. (١)
١٣_ الجمع بين التوسع في الدنيا والزهد بها: فأهل السنة والجماعة لا ينكرون على من يتوسع في الدنيا، ويسعى في كسب الرزق، بل يرون أنه ينبغي للإنسان أن يكفي نفسه ومن يعول، ويستغني عن الناس، ويقطع الطمع مما في أيديهم، على ألا تكون الدنيا أكبر همه، ولا مبلغ علمه، وعلى ألا يكتسب المال من غير حله، كما لا يعيبون على من آثر الكفاف، ورضي بالقليل من متاع الدنيا، لأنهم يرون أن الزهد إنما هو زهد القلب، وهو أن يترك الإنسان ما لا ينفع في الآخرة.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٦٤) .
[ ٧ / ٩ ]
أما إذا توسع العبد في الدنيا، وجعلها في يده لا في قلبه، يرفد بها الإخوان، ويتصدق على الفقراء والمساكين، ويعين بها على نوائب الحق_فذلك من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء.
كما هو حال الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من أثرياء الصحابة من المهاجرين والأنصار_رضي الله عنهم_.
وكحال ابن المبارك ×فلقد كان من أغنى أهل زمانه، وهو في الوقت نفسه من أزهدهم إن لم يكن أزهدهم.
١٤_ الجمع بين الخوف والرجاء والحب: فأهل السنة والجماعة يجمعون بين هذه الأمور، ويرون أنه لا تنافي ولا تعارض بينها.
قال_سبحانه وتعالى_في وصف عباده الأنبياء والمرسلين: [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ] (الأنبياء: ٩٠) .
وقال في معرض الثناء على سائر عباده المؤمنين: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (السجدة: ١٦) .
وهناك مقولة مشهورة عند السلف، وهي قولهم: =من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف فهو حروري (١)، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء، ومن عبده بالخوف، والحب، والرجاء فهو مؤمن موحِّد+.
١٥_ الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة: بخلاف غيرهم ممن يأخذ جانبًا من هدي السلف ويدع الجانب الآخر، فيأخذون بالشدة في جميع أحوالهم أو باللين في جميع أحوالهم.
أما أهل السنة فيجمعون بين هذا وهذا، وكل في موضعه، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومقتضيات الأحوال.
_________________
(١) نسبة إلى حروراء مدينة في العراق وهي موطن الخوارج الأوائل.
[ ٧ / ١٠ ]
١٦_ الجمع بين العقل والعاطفة: فعقولهم راجحة، وعواطفهم صادقة، ومعاييرهم منضبطة، فلم يغلِّبوا جانب العقل على العاطفة، ولا جانب العاطفة على العقل، وإنما جمعوا بينهما على أكمل وجه وأتمه، فمع أن عواطفهم قوية مشبوبة إلا أن تلك العواطف تضبط بالعقل، وذلك العقل يضبط بالشرع.
[نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ] (النور: ٣٥) .
١٧_ العدل: فالعدل من أعظم المميزات لأهل السنة والجماعة، فهم أعدل الناس، وأولاهم بامتثال قول الله_عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ] (النساء: ١٣٥) .
وقوله: [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] (الأنعام: ١٥٢) .
حتى إن الطوائف الأخرى إذا تنازعت احتكمت إلى أهل السنة.
١٨_ الأمانة العلمية: فالأمانة زينة العلم، وروحه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم، وأهل السنة لهم القِدحُ المعلى في ذلك الشأن.
ومن مظاهر الأمانة العلمية عندهم_الأمانة في النقل، والبعد عن التزوير، وقلب الحقائق، وبتر النصوص، وتحريفها، فإذا نقلوا عن مخالف لهم نقلوا كلامه تامًّا، فلا يأخذون منه ما يوافق ما يذهبون إليه، ويدعون ما سواه؛ كي يدينوا المنقول عنه، وإنما ينقلون كلامه تامًّا، فإن كان حقًا أقرّوه، وإن كان باطلًا ردّوه، وإن كان فيه وفيه، قبلوا الحق وردّوا الباطل، كل ذلك بالدليل القاطع، والبرهان الساطع.
ومن مظاهر الأمانة العلمية عندهم أنهم لا يحمّلون الكلام ما لا يحتمل، وأنهم يذكرون ما لهم وما عليهم، وأنهم يرجعون للحق إذا تبيّن، ولا يفتون ولا يقضون إلا بما يعلمون.
كما أنهم أحرص الناس على نسبة الكلام إلى قائله، وأبعدهم من نسبته إلى غير قائله.
١٩_ الوسطية: قال_تعالى_: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا] (البقرة: ١٤٣) .
فالوسطية من أعظم ما يتميز به أهل السنة والجماعة.
[ ٧ / ١١ ]
فكما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم التي تجنح إلى الغلو الضار، والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك_فكذلك أهل السنة والجماعة؛ فهم متوسطون بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم.
وتتجلى وسطية أهل السنة والجماعة في شتى الأمور؛ سواء في باب العقيدة، أو الأحكام، أو السلوك، أو الأخلاق، أو غير ذلك.
٢٠_ عدم الاختلاف في أصول الاعتقاد: فالسلف الصالح لا يختلفون_بحمد الله_في أصل من أصول الدين، وقواعد الاعتقاد؛ فقولهم في أسماء الله وصفاته وأفعاله واحد، وقولهم في الإيمان وتعريفه ومسائله واحد، وقولهم في القدر واحد، وهكذا في باقي الأصول.
٢١_ ترك الخصومات في الدين، ومجانبة أهل الخصومات: لأن الخصومات مدعاةٌ للفرقة والفتنة، ومجلبةٌ للتعصب واتباع الهوى، ومطيةٌ للانتصار للنفس، والتشفي من الآخرين، وذريعة للقول على الله بغير علم.
أخرج الآجري بسنده عن مسلم بن يسار أنه قال: =إياكم والمراءَ؛ فإنه ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته+.
وأخرج أن عمر بن عبد العزيز ×: =من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل+.
وقال جعفر بن محمد ×: =إياكم والخصومات؛ فإنه تشغل القلب وتورث النفاق+.
٢٢_ الحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق: فهم حريصون كل الحرص على وحدة المسلمين، ولمِّ شعثهم، وجمع كلمتهم على الحق، وإزالة أسباب النزاع والفرقة بينهم؛ لعلمهم أن الاجتماع رحمة، وأن الفرقة عذاب؛ ولأن الله_عز وجل_أمر بالائتلاف، ونهى عن الاختلاف كما في قوله_تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا] (آل عمران:١٠٢، ١٠٣) .
بخلاف الذين يسعون للفرقة بين المسلمين، ويبذرون بذور الشقاق في صفوفهم، فيفرقونهم عند أدنى نازلة، ويحزبونهم ويؤلبون بعضهم على بعض، ويُغرون بعضهم ببعض.
[ ٧ / ١٢ ]
٢٣_ سعة الأفق: فهم أوسع الناس أفقًا، وأبعدهم نظرًا، وأرحبهم بالخلاف صدرًا، وأكثرهم للمعاذير التماسًا.
وهم لا يأنفون من سماع الحق، ولا تحرج صدورهم من قبوله، ولا يستنكفون من الرجوع إليه، والأخذ به.
ثم إنهم لا يُلزمون الناس باجتهاداتهم، ولا يضللون كل من خالفهم، ولا تضيق أعطانهم في الأمور الاجتهادية، التي تختلف فيها أفهام الناس.
ومن مظاهر سعة الأفق عندهم بعدهم عن التعصب المقيت، والتقليد الأعمى، والحزبية الضيقة.
٢٤_ حسن الخلق: فأهل السنة أحسن الناس خلقًا، وأكثرهم حلمًا وسماحة وتواضعًا، وأحرصهم دعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال.
٢٥_ هم أهل الدعوة إلى الله: فهم يدعون إلى دين الإسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويسلكون في ذلك شتى الطرق المشروعة والمباحة؛ حتى يعرف الناس ربهم، ويعبدوه حق عبادته.
فلا أحد أحرص منهم على هداية الخلق، ولا أحد أرحم منهم بالناس.
٢٦_ هم الغرباء: الذين يُصْلحُونَ ما أفسد الناس، ويَصلُحون إذا فسد الناس.
٢٧_ هم الفرقة الناجية: التي تنجو من البدع والضلالات في هذه الدنيا، وتنجو من عذاب الله يوم القيامة.
٢٨_ وهم الطائفة المنصورة: لأن الله معهم، وهو مؤيدهم وناصرهم.
٢٩_ لا يوالون ولا يعادون إلا على أساس الدين: فلا ينتصرون لأنفسهم، ولا يغضبون لها، ولا يوالون لِعُبِّيَّة جاهلية، أو عصبية مذهبية، أو راية حزبية، وإنما يوالون على الدين، فولاؤُهم لله، وبراؤهم لله، ومواقفهم ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير.
٣٠_ سلامتهم من تكفير بعضهم لبعض: فأهل السنة سالمون من ذلك، فهم يردون على المخالف منهم، ويوضحون الحق للناس، فهم يُخطِّئون، ولا يكفرون، ولا يبدعون، ولا يفسقون إلا من استحق ذلك.
بخلاف غيرهم من الطوائف الأخرى كالخوارج الذي يكثر فيهم الاختلاف والتضليل والتكفير؛ ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضًا عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها.
[ ٧ / ١٣ ]
٣١_ سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب الرسول": فقلوبهم عامرة بحبهم، وألسنتهم تلهج بالثناء عليهم، فأهل السنة يرون أن الصحابة خير القرون؛ لأن الله_عز وجل_زكاهم وكذلك رسوله".
٣٢_ سلامتهم من الحيرة والاضطراب، والتخبط والتناقض: فأهل السنة والجماعة أكثر الناس رضًا ويقينًا، وطمأنينة، وإيمانًا، وأبعدهم عن الحيرة والاضطراب، والتخبط والتناقض.
حتى إنه ليوجد عند عوام أهل السنة من بَرْدِ اليقين، وحسن المعتقد، والبعد عن الحيرة_ما لا يوجد عند علماء الطوائف الأخرى، وحُذَّاقهم من أهل الكلام وغيرهم، ممن اضطربوا في تقرير عقائدهم فحاروا وحيروا، وتعبوا وأتعبوا.
ومما يدل على حيرتهم ما جاء على ألسنة حُذَّاق أهل الكلام الذي بلغوا الغاية فيه فلم يرجعوا بفائدة، ولم يعودوا بعائدة، فهذا الرازي أحد أكابر علم الكلام ينوح على نفسه ويبكي عليها قائلًا:
نهايةُ إقدام العقول عِقالُ **** وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا **** وغايةُ دنيانا أذىً ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا **** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة **** فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها **** رجال فزالوا والجبال جبال
ومنهم الشهرستاني الذي قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها **** وقلَّبت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كفَّ حائرٍ **** على ذَقَنٍ أو قارعًا سنَّ نادم
ومن الذين خاضوا في علم الكلام وندموا على ذلك: الجويني، والغزالي، والخسر وشاهي، وغيرهم.
هذا هو شأن من ضل من أهل الفرق الإسلامية.
أما الكفار الذين تنكبوا الصراط المستقيم من الملاحدة وغيرهم_فلا تسل عن بؤسهم وشقائهم فهم يعيشون أدنى دركات الشقاء والنكد، فلقد سلبوا الأمن، وشاعت فيهم الأمراض النفسية والعصبية، وكثر فيهم الرعب، وانتشر فيهم الانتحار والرغبة في التخلص من الحياة.
[ ٧ / ١٤ ]
فها هو الفيلسوف الألماني المشهور =فريدريك نيتشه+ بعد أن ألغى من فكره عقيدة الإيمان بالله، ها هو يعرب عن دخيلة نفسه، وما يعانيه من عذاب وشقاء فيقول: =إنني أعلم جيد العلم لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك؛ لأنه هو الذي يعاني أشد العناء، فاضطره ذلك أن يخترع الضحك+.
وهذا الفيلسوف الفرنسي الملحد الوجودي اليهودي =جان بول سارتر+ عندما كفر بالله، واليوم الآخر أصبح ينظر إلى الحياة من منظوره الوجودي، فلا يرى الوجود كله إلا من دوائر القلق، والمتاعب، والغثيان، والآلام.
وكتب في ذلك جملة قصص ومسرحيات ضمنها آراءه الفلسفية الوجودية.
وحين حضره الموت سأله من كان عنده: تُرى إلى أين قادك مذهبك؟ فأجاب في أسىً عميقٍ ملؤه الندم: =إلى هزيمة كاملة+.
أين هؤلاء من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز_رحمه الله تعالى_إذ يقول: =أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر+.
وأين هم من شيخ الإسلام ابن تيمية_رحمه الله تعالى_عندما اقتيد إلى السجن فقال كلمته المشهورة =ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة+.
٣٣_ التثبت في الأخبار، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام: بخلاف الذين يسارعون في إطلاق الأحكام، ويتهافتون على إلصاق التهم بالأبرياء، فَيُفَسِّقُون، ويبدعون، ويكفرون بالتهمة والظنة، من غير ما برهان أو بينة.
٣٤_ حصول البشرى عند الممات: وذلك لإيمانهم بالله، واستقامتهم على أمره، قال_تعالى_: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ] (فصلت: ٣٠) .
٣٥_ مضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات: فمن أسباب مضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات_بل هو أساسها وأصلها_صحةُ العقيدة، وقوة الإيمان.
[ ٧ / ١٥ ]
وأهل السنة والجماعة أصح الناس عقيدةً، وأقواهم إيمانًا؛ ولذلك فأعمالهم تضاعف مضاعفة كبيرة، ودرجاتهم ترفع وتعلو عُلوًا لا يدانيه أحد، ولا يشاركهم فيه إلا من كان على مثل ما هم عليه من العقيدة والإيمان.
ولهذا كان السلف يقولون: =أهل السنة والجماعة إن قعدت بهم أعمالهم_قامت بهم عقائدهم، وأهل البدع إن كثرت أعمالهم قعدت بهم عقائدهم+.
هذه مآثر أهل السنة والجماعة، وهذه بعض خصائصهم التي تميزوا بها على غيرهم، وتلك هي الخصال التي طبقها سلفنا الصالح_رحمهم الله ورضي عنهم_فنالوا الخيرات، وحصلوا على البركات.
وليس معنى ذلك أن أهل السنة معصومون؟ لا، بل إن منهجهم هو المعصوم، وجماعتهم هي المعصومة.
أما آحادهم فقد يقع منه الظلم والبغي، والعدوان، وارتكاب المخالفات.
ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى غيرهم، ولا يُقَرُّ من فعل ذلك منهم، بل يبتعد عن السنة بقدر مخالفته.
ثم إن ما عند أهل السنة من مخالفات وأخطاء فعند غيرهم أكثر مما عندهم، وما عند غيرهم من فضل وعلم وكمال فعند أهل السنة أكمله وأتمه.
فما أجدرنا_معاشر المسلمين_أن نأخذ بمنهج أهل السنة، وأن نوطن أنفسنا على ذلك، وما أحرانا_نحن أهل السنة_أن نقوم بالسنة حق القيام، وأن نقتدي بسلفنا الصالح في كل أمورنا؛ لنرضي ربنا_جل وعلا_ولنعطي صورة مشرقة عن الإسلام الصحيح النقي؛ ليقبل الناس عليه، ويحرصوا على الدخول فيه، ولئلا نصبح فتنة لغيرنا من الكفار والمبتدعة، فإذا رأوا ما عليه بعض أهل السنة من بعد عن المنهج_قالوا: إذا كان خاصة المؤمنين بهذه المثابة فلا لوم علينا ولا تثريب، وبذلك تندرس معالم الحق، وتنطمس أنوار الهدى.
وأخيرًا: نحمد الله أن جعلنا من أهل السنة، ونسأله أن يتم علينا النعمة والمنة، وأن يرزقنا لزوم السنة، والعمل بالسنة، وأن يتوفانا على السنة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ٧ / ١٦ ]
تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد
كلمات في المحبة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فإن المحبة ركن العبادة الأعظم، فالعبادة تقوم على أركان ثلاثة، هي المحبة، والخوف، والرجاء.
وإليك هذه الكلمات المختصرة في هذا الركن الأعظم، وهو المحبة.
تعريف المحبة وحدُّها:
قال ابن القيم×: =لا تُحَدُّ المحبةُ بحدٍّ أوضحَ منها؛ فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً، وجفاءً، فحدُّها وُجُودُها، ولا توصف المحبة بوصفٍ أظهرَ من المحبة.
وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها؛ فحدودهم، ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص، ومقامه، وحاله، ومِلْكِهِ للعبارة+ (١) .
ومما قيل في حد المحبة وتعريفها ما يلي (٢):
١_ الميل الدائم بالقلب الهائم.
٢_ إيثار المحبوب على جميع المصخوب.
٣_ موافقة الحبيب في المشهد والمغِيب.
٤_ مواطأة القلب لمرادات المحبوب.
٥_ استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك.
٦_ سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب.
٧_ ميلك للشيء بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك، وروحك، ومالك، ثم موافقتك له سرًا، وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حبه.
٨_ الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته، والحرية من استرقاق ما سواه.
٩_ سفرُ القلب في طلب المحبوب، ولهجُ اللسان بذكره على الدوام.
١٠_ المحبة أن يكون كُلُّكَ بالمحبوب مشغولًا، وذلُّك له مبذولًا.
أقسام المحبة:
١_ محبة عبادة: وهي محبة التذلل، والتعظيم، وأن يقوم بقلب المُحبِّ من إجلال المحبوب، وتعظيمه ما يقتضي امتثال أمره، واجتناب نهيه.
وهذه المحبة أصل الإيمان والتوحيد، وهي التي يترتب عليها من الفضائل ما لا يمكن حصرُهُ وعدُّهُ.
_________________
(١) انظر مدارج السالكين ٣/١١.
(٢) انظر مدارج السالكين ٣/١٣_١٨ حيث ذكر حدًا للمحبة.
[ ٨ / ١ ]
ومَنْ صرف تلك المحبة لله فهو المؤمن الموحد، ومن صرفها لغير الله فقد وقع في المحبة الشركية؛ حيث أشرك بالله ﷿.
وذلك كمحبة المشركين الذين يحبون آلهتهم، وأندادهم كمحبة الله، من شجر، أو حجر، أو بشر، أو ملك أو غيرها كمحبة الله أو أكثر؛ فهذه المحبة أصل الشرك، وأساسه.
٢_ محبة لله ﷿: كمحبة ما يحبه الله من الأمكنة، والأزمنة، والأشخاص، والأعمال، والأقوال، ونحو ذلك؛ فهذه المحبة تابعة لمحبة الله.
٣_ المحبة الطبيعية: ويدخل تحت هذه المحبة ما يلي:
أ_محبة إشفاق ورحمة: كمحبة الوالد لولده، وكمحبة المرضى، والضعفاء.
ب_ محبة إجلال وتعظيم دون عبادة: كمحبة الولد لوالده، وكمحبة التلميذ لمعلمه وشيخه، ونحو ذلك.
ج_ محبة الإنسان ما يلائمه: كمحبة الطعام، والشراب، والنكاح، واللباس، والأصدقاء، والخلطاء، ونحو ذلك.
فهذه المحاب داخلة في المحبة الطبيعية المباحة، فإن أعانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب الطاعة، وإن صدت عن محبة الله، وتُوَسِّل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات، وإن لم تُعِن على طاعة، ولا معصية فهي في دائرة المباحات.
فضائل محبة الله:
محبة الله ﷿ أشرف المكاسب، وأعظم المواهب، وفضائلها لا تُعد ولا تحصى، ومن تلك الفضائل ما يلي:
١_ أنها أصل التوحيد وروحه: قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي×: =أصل التوحيد، وروحه إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التألُّهِ، والتعبد، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبةُ العبد لربه، وتسبق جميعَ المحابِّ، وتَغْلِبها، ويكون لها الحكم عليها؛ بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه+ (١) .
_________________
(١) القول السديد ص١١٠.
[ ٨ / ٢ ]
٢_ أن الحاجة إليها أعظم من الحاجة إلى الطعام، والشراب، والنكاح: قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =ففي قلوب بني آدم محبة لما يتألهونه ويعبدونه، وذلك قوام قلوبهم، وصلاح نفوسهم، كما أن فيهم محبةً لما يطعمونه، وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم، ويدوم شملهم.
وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ فإن الغذاء إذا فُقِد يَفْسُد الجسم، وبِفَقْدِ التأله تفسد النفس+ (١) .
وقال ابن القيم×: =فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلا بها.
وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظمَ من ألم العينِ إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنفِ إذا فقد شمّه، واللسان إذا فقد نُطْقَه؟ !
بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره، وبارئه، وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح.
وهذا الأمر لا يصدِّق به إلا مَنْ فيه حياةٌ، وما لِجُرْحٍ بميت إيلام+ (٢) .
٣_ تسلي المحب عند المصائب: قال ابن القيم×: =فإن المحب يجد من لذة المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد مِنْ مسِّها ما يجد غيرُه، حتى كأنه قد اكتسى طبيعةً ثانيةً ليست طبيعةَ الخلق.
بل يَقْوَى سلطانُ المحبةِ حتى يلتذَّ المحبُّ بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخليِّ (العاري من المحبة) بحظوظه وشهواته.
والذوقُ، والوَجْدُ شاهد بذلك، والله أعلم+ (٣) .
٤_ أنها من أعظم ما يحمل على ترك المعاصي: قال ابن القيم×في معرض حديث له عن محبة الله: =وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته، ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطانُ المحبةِ في القلب كان اقتضاؤه للطاعة، وترك المخالفة أقوى.
وإنما تصدر المعصية والمخالفة مِنْ ضَعْفِ المحبة، وسلطانِها.
_________________
(١) جامع الرسائل لابن تيمية ٢/٢٣٠.
(٢) الجواب الكافي ص٥٤١_٥٤٢.
(٣) مدارج السالكين ٣/٣٨.
[ ٨ / ٣ ]
وفرْقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيده خَوْفُه من سوطه وعقوبتِهِ، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده =.
إلى أن قال×: =فالمحب الصادق عليه رقيبٌ من محبوبه يرعى قَلْبَه، وجوارحَه.
وعلامةُ صدقِ المحبة شهودُ هذا الرقيبِ ودوامُه.
وها هنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه؛ فإذا قارنها الإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياءَ والطاعةَ، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوعَ أنسٍ، وانبساط، وتذكر، واشتياق.
ولهذا يتخلف أثرها ومُوجَبُها، ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه، وسبب ذلك تجرّدها عن الإجلال والتعظيم؛ فما عَمَرَ القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعْظيمه.
وتلك من أفضل مواهب الله للعبد، أو أفضلُها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء+ (١) .
٥_ أنها تقطع الوساوس: قال ابن القيم×: =فبين المحبة، والوساوس تناقض شديد كما بين الذكر والغفلة؛ فعزيمة المحب تنفي تردد القلب بين المحبوب وغيره، وذلك سبب الوساوس.
وهيهات أن يجد المحب الصادق فراغًا لوسواس الغير؛ لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه.
وهل الوسواس إلا لأهل الغفلة والإعراض عن الله تعالى؟ ومن أين يجتمع الحبُّ والوسواس؟
لا كان مَنْ لسواك فيه بقيةٌ **** فيها يُقَسِّم فِكْرَهُ ويوسوسُ (٢)
٦_ تمام النعيم، وغاية السرور: فذلك لا يحصلُ إلا بمحبة الله ﷿ فلا يغني القلبَ، ولا يَسُدُّ خلَّتَه ولا يشبعُ جوعته إلا محبتُه، والإقبال عليه ﷿ ولو حصل له كل ما يلتذ به لم يأنس ولم يطمئن إلا بمحبة الله_عز وجل_.
_________________
(١) طريق الهجرتين ص٤٤٩_٤٥٠.
(٢) مدارج السالكين ٣/٣٨.
[ ٨ / ٤ ]
قال ابن القيم×: =وأما محبةُ الرب سبحانه فشأنها غير الشأن؛ فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها، وفاطرها، فهو إلهها، ومعبودها، ووليها، ومولاها، وربُّها، ومدبرها، ورازقها، ومميتها، ومحييها؛ فمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفوس، وقوتُ القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن؛ فليس عند القلوب السليمة، والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذُّ، ولا أطيبُ، ولا أسرُّ، ولا أنعمُ من محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه.
والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتمُّ من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة+.
إلى أن قال: =ووجَدَانُ هذه الأمور، وذوقُها هو بحسب قوة المحبة، وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب، والقرب منه.
وكلما كانت المحبةُ أكملَ، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر كانت الحلاوةُ، واللذةُ، والنعيمُ أقوى.
فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعْرَف إلا بالذوق والوَجْد.
ومتى ذاق القلب ذلك لم يُمْكِنْهُ أن يقدِّم عليه حُبًَّا لغيره، ولا أنسًا به.
وكلما ازداد له حبًا ازداد له عبودية، وذلًا، وخضوعًا، ورِقًَّا له، وحرية من رق غيره+ (١) .
صفات المحبوبين لله:
الله ﷿ يُحِبُّ ويُحَبّ، قال الله تعالى: [فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ] (المائدة: ٥٤) .
وإليك فيما يلي إجمالًا لبعض صفات الذين خصهم الله بالمحبة:
١_ التوابون.
٢_ المتطهرون.
٣_ المتقون.
٤_ المحسنون.
٥_ الصابرون.
٦_ المتوكلون.
٧_ المقسطون.
٨_ الذين يقاتلون في سبيله صفًَّا كأنهم بينان مرصوص.
٩_ الأذلة على المؤمنين.
١٠_ الأعزة على الكافرين.
١١_ المجاهدون في سبيل الله.
١٢_ الذين لا يخافون لومة لائم.
_________________
(١) إغاثة اللهفان ص٥٦٧.
[ ٨ / ٥ ]
١٣_ المتقربون بالنوافل بعد الفرائض.
الأسباب الجالبة لمحبة الله:
١_ قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم لمعانيه، وما أريد به.
٢_ التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض.
٣_ دوامُ ذكرِ الله على كل حال باللسان، والقلب، والعمل، والحال.
٤_ إيثارُ محابِّ الله على محابِّ النفس عند غلبات الهوى.
٥_ مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته، ومشاهدتها، ومعرفتها.
٦_ مشاهدة برِّه، وإحسانه، وآلائه، ونعمه الظاهرة، والباطنة.
٧_ إنكسار القلب بكلِّيته بين يدي الله تعالى.
٨_ الخلوة بالله وقتَ النزولِ الإلهي؛ لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب، والتأدب بآداب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
٩_ مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايبُ الثمر، وألا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعَلِمْتَ أن فيه مزيدًا لحالك، ومنفعة لغيرك.
١٠_ مباعدةُ كلِّ سببٍ يحول بين القلب، وبين الله ﷿ (١) .
اللهم إنا نسألك حبك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ العمل الذي يقربنا إلى حبِّك.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كلمات في الخوف (٢)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
فإن منزلة الخوف من أجلِّ منازل العبودية، وأنفعها، وهي فرض على كل أحد.
قال الله تعالى: [فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٧٥)، وقال: [وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ] (الرحمن: ٤٦) .
تعريف الخوف:
١_ قيل: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس.
٢_ وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام.
٣_ وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره.
٤_ وقيل: الخوف غمّ يلحق النفس؛ لتوقع مكروه.
أقوال في الخوف:
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين ٣/١٨_١٩.
(٢) انظر تفصيل الحديث عن الخوف في مدارج السالكين ١/٥٠٧_٥١٣، وشرح كتاب التوحيد باب"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه".
[ ٨ / ٦ ]
١_ قال أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد النيسابوري: الخوف سراج في القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر، وكل أحد إذا خفته هربت منه، إلا الله ﷿ فإنك إذا خفته هربت إليه. فالخائف من ربه هارب إليه.
٢_ وقال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.
٣_ وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها.
٤_ وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يَزُلْ عنهم الخوف؛ فإذا زال الخوف ضلّوا الطريق.
الخوف المحمود:
الخوف المحمود الصادق: هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ﷿ فإذا تجاوز ذلك خِيْفَ منه اليأس والقنوط.
قال أبو عثمان الحِيْري: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا، وباطنًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله.
الخوف الواجب والخوف المستحب:
الخوف الواجب: هو ما حمل على فعل الواجبات، وترك المحرمات.
والخوف المستحب: هو ما حمل على فعل المستحبات، وترك المكروهات.
الجمع بين الخوف والرجاء والحب:
لا بدّ للعبد من الجمع بين هذه الأركان الثلاثة؛ لأن عبادة الله بالخوف وحده طريقة الخوارج؛ فهم لا يجمعون إليه الحبَّ والرجاء؛ ولهذا لا يجدون للعبادة لذة، ولا إليها رغبة، فيجعلون الخالق بمنزلة سلطان جائر.
وهذا يورث اليأس والقنوط من رحمة الله، وغايته إساءةُ الظن بالله، والكفر به سبحانه.
وعبادة الله بالرجاء وحده طريقة المرجئة الذين وقعوا في الغرور والأماني الباطلة، وترك العملِ الصالحِ، وغايتُه الخروجُ من الملة.
وعبادة الله بالحب وحده طريقة غلاة الصوفية الذين يقولون: نعبد الله لا خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته، وإنما حبًَّا لذاته.
وهذه طريقة فاسدة، ولها آثار وخيمة، منها الأمن من مكر الله، وغايتُه الزندقةُ، والخروج من الدين.
[ ٨ / ٧ ]
ولهذا قال السلف ﵏ كلمة مشهورة وهي: =مَنْ عبدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروريٌ أي خارجي ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف والحب والرجاء فهو مؤمن موحِّد+.
قال ابن القيم×: =القلب في سيره إلى الله ﷿ بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف، والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر+.
أيهما يُغلَّب: الخوف أم الرجاء؟
قال ابن القيم×: =السلف استحبوا أن يُقَوِّي في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره.
وقال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء فَسَدَ.
وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف، وغلبةُ الحب؛ فالمحبة هي المرْكَبُ، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه+.
أقسام الخوف:
١_ خوف السر: وهو خوف التَّأَلُّه، والتعبد، والتقرب، وهو الذي يزجر صاحبه عن معصية مَنْ يخافه؛ خشيةً من أن يصيبه بما شاء من فقر، أو قتل، أو غضب، أو سلب نعمة، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته.
فهذا القسم لا يجوز أن يصرف إلا لله ﷿ وصَرْفُه له يعد من أجل العبادات، ومن أعظم واجبات القلب، بل هو ركن من أركان العبادة، ومن خشي الله على هذا الوجه فهو مخلص موحِّد.
ومن صرفه لغير الله فقد أشرك شركًا أكبر؛ إذ جعل لله نِدًا في الخوف، وذلك كحال المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم ذلك الاعتقاد، ولهذا يُخَوِّفون بها أولياء الرحمن، كما قال قوم هود ﵇ الذين ذكر الله عنهم أنهم خوفوا هودًا بآلهتهم فقالوا: [إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ] (هود: ٥٤) .
[ ٨ / ٨ ]
وكحال عباد القبور؛ فإنهم يخافون أصحاب القبور من الصالحين، بل من الطواغيت كما يخافون الله، بل أشد؛ ولهذا إذا توجَّهَتْ على أحدهم اليمينُ بالله أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا، فإن كانت اليمين بصاحب التربة لم يُقْدِم على اليمين إن كان كاذبًا.
وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله.
وكذا إذا أصاب أحدًا منهم ظلمٌ لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب، وإذا أراد أحدهم أن يظلم أحدًا فاستعاذ المظلوم بالله لم يُعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يُقْدِمْ عليه بشيء، ولم يتعرض له بالأذى.
٢_ الخوف من وعيد الله: الذي توعد به العصاة، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وهو درجات، ومقامات، وأقسام كما مضى ذكره قبل قليل.
٣_ الخوف المحرم: وهو أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بغير عذر إلا لخوف الناس.
وكحال من يفر من الزحف؛ خوفًا من لقاء العدو؛ فهذا خوف محرم، ولكنه لا يصل إلى الشرك.
٤_ الخوف الطبيعي: كالخوف من سَبُع، أو عدوٍّ، أو هدم، أو غرق، ونحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري؛ فهذا لا يُذَمُّ، وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵇ في قوله ﷿: [فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ] (القصص: ٢١)، وقوله: [فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى] (طه: ٦٧) .
ويدخل في هذا القسم الخوف الذي يسبق لقاء العدو، أو يسبق إلقاء الخطب في بداية الأمر؛ فهذا خوف طبيعي، ويحمد إذا حمل صاحبه على أخذ الأهبة والاستعداد، ويذم إذا رجع به إلى الانهزام وترْكِ الإقدام.
٥_ الخوف الوهمي: كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب ضعيف جدًا؛ فهذا خوف مذموم، ويدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ النبي"من الجبن؛ فهو من الأخلاق الرذيلة.
[ ٨ / ٩ ]
ولهذا كان الإيمان التام، والتوكل الصحيح أعظمَ ما يدفع هذا النوع من الخوف، ويملأ القلب شجاعة؛ فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه الخوف من غير الله، وكلما ضعف إيمانه زاد وقوي خوفه من غير الله.
ولهذا فإن خواص المؤمنين وأقوياءهم تنقلب المخاوف في حقهم أمنًا وطمأنينة؛ لقوة إيمانهم، ولسلامة يقينهم، وكمال توكلهم [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ] (آل عمران:، ١٧٣ ١٧٤) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
كلمات في الرجاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن الرجاء ركن من أركان العبادة؛ فالعبادة تقوم على الحب، والخوف، والرجاء.
والرجاء عمل عظيم من أعمال القلوب، والنصوص الشرعية متضافرة على ذكره، والثناء في أهله.
قال الله تعالى: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ] (الإسراء: ٥٧) .
فابتغاء الوسيلة إليه طلب القرب منه بالعبودية والمحبة؛ فَذَكَرَ مقاماتِ الإيمان الثلاثة الحب، والخوف، والرجاء.
وقال تعالى: [مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ] (العنكبوت: ٥) .
وقال: [أُلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَت اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيْمٌ]
وفي صحيح مسلم قال ﵊: =لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه+.
وفي الصحيح قال": =يقول الله ﷿: =أنا عند ظن عبدي، فليظن بي ما شاء+.
* حد الرجاء:
١_ قيل: الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويُطَيِّب لها السير.
[ ٨ / ١٠ ]
٢_ وقيل: هو الاستبشار بجود فضل الرب ﵎ والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه.
٣ - وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى.
٤_ وقيل: هو النظر إلى سعة رحمة الله.
* الجمع بين الخوف والرجاء والحب:
لابدّ للعبد من سيره إلى الله من الجمع بين الأركان الثلاثة؛ فالحب بمنزلة الرأس للطائر، والخوف والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقِد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر كما قال ابن القيم×.
* أنواع الرجاء:
أنواع الرجاء ثلاثة، نوعان محمودان، ونوعٌ غرور مذموم؛ فالأولان: رجاءُ رجلٍ عمل بطاعة الله على نور من الله؛ فهو راجٍ لثوابه، ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها، فهو راجٍ لمغفرة الله تعالى وعفوه، وإحسانه، وجوده، وحلمه، وكرمه، فهذان النوعان محمودان.
والثالث: رجاء رجل متمادٍ في التفريط، والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل؛ فهذا هو الغرور، والتمني، والرجاء الكاذب.
* الفرق بين الرجاء والتمني:
الفرق بينهما أن التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك صاحبه طريق الجد، والاجتهاد.
والرجاء يكون مع بذل الجهد، وحسن التوكل.
فالأول: كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها، ويأخذ زرعها.
والثاني: كحال من يشق أرضه، ويفلَحها، ويبذرها، ويرجو طلوع الزرع.
=تساؤل+ أيهما أكمل: رجاءُ المحسنِ ثوابَ إحسانه، أو رجاء المسيء التائب مغفرةَ ربِّه، وعفوه؟.
والجواب: أن هذه المسألة وقع فيها خلاف؛ فطائفة رجَّحت رجاء المحسن؛ لقوة أسباب الرجاء معه، وطائفة رجّحت رجاء المذنب التائب؛ لأن رجاءه مُجَرَّدٌ عن علة رؤية العمل، مقرون بالانكسار، وذلة رؤية الذنب.
* الرجاء لا يصح إلا مع عمل:
فقد أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل.
أما ترك العمل، والتمادي في الذنوب؛ اعتمادًا على رحمة الله، وحسن الظن به ﷿ فليس من الرجاء في شيء.
[ ٨ / ١١ ]
بل هو جهل، وسفه، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المفرطين، المعاندين، المُصِرِّين.
قال ابن القيم×في شأن المتمادين في الذنوب؛ اتكالًا على رحمة الله: =وهذا الضرب في الناس قد تعلق بنصوص الرجاء، واتَّكل عليها، وتعلق بكلتا يديه، وإذا عوتب على الخطايا، والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله، ومغفرته، ونصوص الرجاء.
وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب+ (١) .
ثم ساق×أمثلة عديدة لما جاء عن أولئك.
* ضابط حسن الظن:
قال ابن القيم×: =فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما على انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتَّى إحسان الظن.
فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستندُ حسنِ الظنِّ سعةَ مغفرةِ الله، ورحمته، وعفوه، وجوده، وأنَّ رحمَتَه سبقت غضبَه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو.
قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك أجلُّ، وأكرم، وأجود، وأرحم، وإنما يضع ذلك في محله اللائق به؛ فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والعزة، والانتقام، وشدة البطش، وعقوبة من يستحق؛ فلو كان مُعَوَّلُ حسنِ الظن على صفاته، وأسمائه لاشترك في ذلك البرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوُّه؛ فما ينفع المجرمَ أسماؤه، وصفاته، وقد باء بسخطه، وغضبه، وتعرض للعْنته، ووقع في محارمه، وانتهك حرماته؟ !
بل حسن الظن ينفع مَنْ تاب، وندم، وأقلع، وبدَّل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسَّن الظن بعدها؛ فهذا هو حسن الظن، والأول غرور، والله المستعان+ (٢) .
فوائد الرجاء:
وبعد أن تبين لنا حدُّ الرجاء، وضوابُطه فهذه نبذه عن فوائده، وفضائله؛ فالرجاء إذا كان في محله، وعلى وجهه الصحيح يثمر ثمراتٍ عظيمةً؛ فمن فضائل الرجاء، وثمراته ما يلي:
_________________
(١) الجواب الكافي لابن القيم ص٦٧_٦٨.
(٢) الجواب الكافي ص٧٦_٧٧.
[ ٨ / ١٢ ]
١_ إظهار العبودية، والفاقة، والحاجة إلى ما يرجوه العبد من ربه، ويستشرفه من إحسانه، وأنه لا يستغني عن فضله، وإحسانه طرفة عين.
٢_ أن الرجاء محبوبٌ لله؛ فالله ﷿ يحب من عباده أن يرجوه، ويأملوه، ويسألوه من فضله؛ لأنه الملك الحق الجواد؛ فهو أجود من سئل، وأوسع من أعطى.
وأحب ما إلى الجواد أن يُرجى، ويُؤمل، ويُسأل.
٣_ التخلص من غضب الله؛ فمن لم يسأل الله يغضب الله عليه، والسائل راجٍ، وطالبٌ.
٤_ أن الرجاء حادٍ يحدو بالعبد في سيره إلى الله، ويطيِّبُ له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته؛ فلولا الرجاء لما سار أحد؛ فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء.
٥_ أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة؛ فإنه كلما اشتدّ رجاؤه، وحصل له ما يرجوه ازداد حبًا لله تعالى وشكرًا له، ورضًا به، وعنه.
٦_ أنه يبعثه على أعلى المقامات، وهو مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية؛ فإنه إذا حصل له مرجوّه كان أدعى لشكره.
٧_ أنه يوجب له المزيد من معرفة الله، وأسمائه، ومعانيها، والتعلق بها؛ فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى، متعبدٌ، وداعٍ بها.
٨_ أن المحبة لا تنفك عن الرجاء؛ فكل واحد منهما يمد الآخر، ويقويه.
٩_ أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف؛ فكل راجٍ خائفٌ، وكل خائف راجٍ.
١٠_ أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربِّه، فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطفَ موقعًا، وأحلى عند العبد، وأبلغ من حصول ما لم يَرْجُه.
١١_ أن في الرجاء من الانتظار، والترقب، والتوقع لفضل الله ما يوجب تعلق القلب بذكره، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه، وصفاته، وتنقُّلُ القلب في رياضها الأنيقة، وأخذه بنصيبه من كل اسم، وصفة.
اللهم إنا نسألك حبك، وخوفك، ورجاءك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
[ ٨ / ١٣ ]