الفصل الأول: عصر المؤلف
المبحث الأول: الناحية السياسية
المبحث الأول الناحية السياسية
عاش الأشعري - ﵀ - في الفترة الواقعة ما بين عام ستين ومائتين حيث كانت ولادته، وعام أربعة وعشرين وثلاثمائة حيث كانت وفاته، وفي هذه الفترة بدأ الضعف يشق طريقه في الدولة العباسية، وبدأ معظم أطرافها يقوم بحركات انفصالية عنها بجانب الثورات الكثيرة التي كانت تقع، وظهرت القرامطة بسواد الكوفة١، وهم قوم خوارج زنادقة، مارقة من الدين، وكان ذلك في عام ثمانية وسبعين مائتين، كما ظهر بالبحرين أبو سعيد الجنابي القرمطي٢، وقويت شوكته، وعاث في الأرض فسادًا وتبعه خلق كثير، كما حاصر أحد أتباعه وهو يحيى بن ذكرويه دمشق، ودخل أخوه حلب وقتل فيها تسعة آلاف٣، واستمروا يغزون هذه البلاد حتى دخلوا البصرة وفعلوا فيها أكثر ما فعلوا في دمشق.
كما ظهر العبيديون في مصر وملكوا جيزة الفسطاط في عام ثمانية وثلاثمائة٤، كما ظهر الديلم في بلاد الريّ، وأخذت الروم سميساط واستباحوها وضربوا الناقوس في الجامع٥.
وخلاصة ما يمكن أن يقال عن وضع الدولة في هذا الوقت ما ذكره أحمد أمين في قوله: "أهم مظهر يأخذ بالأبصار في ذلك العصر ما حصل للدولة الإسلامية من الانقسام، فقد كانت المملكة الإسلامية كلها في العصر العباسي الأول - إذا استثنينا
الأندلس وبعض بلاد المغرب - تكون كتلة واحدة تخضع خضوعًا تامًا للخليفة في بغداد، هو الذي يعين ولاتها، وإليه يجبى خراجها وإليه يرجع في إدارتها وقضائها وجندها وحل مشاكلها، ويدعى له على المنابر وتضرب السكة باسمه، ونحو ذلك من مظاهر السلطان، ثم أخذ هذا السلطان يقل شيئًا فشيئًا، وأخذ يخشى ولاتها وأمراؤها بعضهم بأس بعض، ويضرب بعضهم بعضًا، فصارت المملكة الإسلامية عبارة عن دول متعددة مستقلة، علاقة بعضها بالبعض الآخر علاقة محالفة أحيانًا، وعداء غالبًا، وأصبح لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وسكتها وأميرها، إن اعترف بعضها بالخليفة في بغداد حينًا من الزمن فاعتراف ظاهري ليس له أثر فعلي، وسودت صحف التاريخ بالقتال المستمر بين هذه الدول، وشغلوا بقتال أنفسهم عن قتال عدوهم، ومن أجل هذا طمع فيهم الروم يغزونهم كل حين، ويستولون على بلادهم شيئًا فشيئًا، حتى الزنج والحبشة كانوا يعتدون على الدولة الفينة بعد الفينة، فينهبون ويسلبون، ولم تعد المملكة الإسلامية مخشية الجانب كما كانت أيام وحدتها، ففي سنة ٣٢٤هـ (وهي السنة التي مات فيها الأشعري) كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بوية، وأصبهان والريّ والجبل في يد أبي علي الحسين بن بوية، والموصل وديار بكر وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الأخشيديين، وأفريقية والمغرب في يد الفاطميين، وخراسان وما وراء النهر في يد السامانيين، وطبرستان وجرجان في يد ديلم، وخوزستان بيد البريدى، والبحرين واليمامة وهجر بيد القرامطة، ولم يبق للخليفة إلا بغداد وما حولها، وحتى هذه لم يكن فيها إلا الاسم"١.
_________________
(١) ١ انظر: كتابه ظهر الإسلام ١/٩٠. ١ انظر: البداية والنهاية ١١/٢٦١، وشذرات الذهب ٢/١٧٢. ٢ انظر: شذرات الذهب ٢/١٩٠. ٣ انظر: شذرات الذهب ٢/٢٠٢. ٤ انظر: شذرات الذهب ٢/٢٥٢. ٥ انظر: شذرات الذهب ٢/٢٦٩.
[ ١١ ]
الأندلس وبعض بلاد المغرب - تكون كتلة واحدة تخضع خضوعًا تامًا للخليفة في بغداد، هو الذي يعين ولاتها، وإليه يجبى خراجها وإليه يرجع في إدارتها وقضائها وجندها وحل مشاكلها، ويدعى له على المنابر وتضرب السكة باسمه، ونحو ذلك من مظاهر السلطان، ثم أخذ هذا السلطان يقل شيئًا فشيئًا، وأخذ يخشى ولاتها وأمراؤها بعضهم بأس بعض، ويضرب بعضهم بعضًا، فصارت المملكة الإسلامية عبارة عن دول متعددة مستقلة، علاقة بعضها بالبعض الآخر علاقة محالفة أحيانًا، وعداء غالبًا، وأصبح لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وسكتها وأميرها، إن اعترف بعضها بالخليفة في بغداد حينًا من الزمن فاعتراف ظاهري ليس له أثر فعلي، وسودت صحف التاريخ بالقتال المستمر بين هذه الدول، وشغلوا بقتال أنفسهم عن قتال عدوهم، ومن أجل هذا طمع فيهم الروم يغزونهم كل حين، ويستولون على بلادهم شيئًا فشيئًا، حتى الزنج والحبشة كانوا يعتدون على الدولة الفينة بعد الفينة، فينهبون ويسلبون، ولم تعد المملكة الإسلامية مخشية الجانب كما كانت أيام وحدتها، ففي سنة ٣٢٤هـ (وهي السنة التي مات فيها الأشعري) كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بوية، وأصبهان والريّ والجبل في يد أبي علي الحسين بن بوية، والموصل وديار بكر وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الأخشيديين، وأفريقية والمغرب في يد الفاطميين، وخراسان وما وراء النهر في يد السامانيين، وطبرستان وجرجان في يد ديلم، وخوزستان بيد البريدى، والبحرين واليمامة وهجر بيد القرامطة، ولم يبق للخليفة إلا بغداد وما حولها، وحتى هذه لم يكن فيها إلا الاسم"١.
_________________
(١) ١ انظر: كتابه ظهر الإسلام ١/٩٠.
[ ١٢ ]
المبحث الثاني الناحية الاجتماعية
لا شك أن ضعف الناحية السياسية، وضعف سيطرة السلطة الحاكمة - كما رأينا - سيؤثر تأثيرًا مباشرًا على الناحية الاجتماعية لما بينهما من ارتباط وثيق، فالتمزق الذي ظهر في الدولة والحروب التي وقعت فيها أنهكت البلاد والعباد، وظهر نتيجة لذلك الفقر والضيق وانتشر المرض والفزع والرعب وعدم الاستقرار، كما جاء ذلك في كتب التاريخ.
فمثلًا في العام الذي ولد فيه الأشعري (٢٦٠هـ) يحدثنا ابن كثير فيقول: "وقع غلاء شديد ببلاد الإسلام كلها حتى أجلي أكثر أهل البلدان منها إلى غيرها، ولم يبق بمكة أحد من المجاورين حتى ارتحلوا إلى المدينة وغيرها من البلاد، وخرج نائب مكة منها، وبلغ كر١ الشعير ببغداد مائة وعشرين دينارًا"٢.
وفي العام الذي توفي فيه الأشعري (٣٢٤هـ) اشتد الجوع وكثر الموت لدرجة أنه مات بأصبهان وحدها نحو مائتي ألف٣، وكما كان الفقر شائعًا وظاهرًا، كانت الأمراض كذلك.
وهكذا كان الأمر لحال الناس الأمنية، فقد أصاب الناس الفزع والرعب لكثرة الحوادث والحروب ولضيق الحال المادية، ولم يعد أحد يأمن على نفسه وماله وأهله من عبث المجرمين الفاسدين الذين كانوا ينهبون المال والنساء والبيوت٤.
_________________
(١) ١ الكر عند أهل العراق: ستون قفيزًا وهو يساوي اثني عشر وسقًا كل وسق ستون صاعًا. وعند أهل مصر أربعون أردبًا. (انظر: لسان العرب ٥/١٣٧) . ٢ انظر: البداية والنهاية ١١/٣١، وشذرات الذهب ٢/١٤٠. ٣ انظر: شذرات الذهب ٢/٣٠٠. ٤ انظر: البداية والنهاية ١١/٨٣، وشذرات الذهب ٢/١٩٠.
[ ١٣ ]
المبحث الثالث: الناحية العلمية
إن الناظر في الحالتين السياسية والاجتماعية - كما ذكرت سابقًا - سيقول: إن الناحية العلمية ضعيفة هزيلة شأنها شأن غيرها مما سبق ذكره لما بينهما من علاقة وترابط، ولكن ما حصل للناحية العلمية كان العكس فالفترة التي عاش فيها الأشعري كانت نتيجة لثمرة طيبة أرسى جذورها جهابذة١ هذه الأمة، وكانت هذه الفترة من أزهى عصور الإسلام الثقافية والعلمية، حيث كتب الناس في معظم العلوم.
فالسنة المطهرة كانت قد جمعت بأدق طرق الجمع والتحصيل على يد أئمة السنة والمحدثين، واقتضى ذلك ظهور علم الجرح والتعديل، وهكذا كان الأمر بالنسبة لتفسير القرآن الكريم، فالصحابة ومن بعدهم من التابعين كانوا يعطون هذا الأمر حقه، ويفسرون كتاب الله تعالى بأقوم وأسلم طريق، ولن تجد آية من كتاب الله إلا ولهم فيها قول.
كما أخذ الفقه وأصوله حقه في هذا العصر، حيث كان الفقهاء الأربعة وكانت آثارهم في المسائل العلمية الدقيقة تمت ونضجت قبل الأشعري، وورث الناس عنهم هذا العلم وتداولوه كما برز الأدباء منهم، وكثر التأليف عمومًا في مجالات الثقافة المختلفة.
أما من ناحية العقيدة، فكانت في هذه الفترة - رغم تمسك أهل السنة والحديث بعقيدة السلف كالإمام أحمد والبخاري - تمر بمحنة خطيرة نظرًا لظهور الفلسفة وعلم الكلام وموافقة بعض خلفاء العباسيين لأهل الكلام على آرائهم ومعتقداتهم، وكان نتيجة ذلك أن تفرقت الأمة، وظهر كثير من المبتدعة والفرق الضالة التي لعبت دورًا كبيرًا في إفساد عقائد المسلمين وإحلال الفكر الفلسفي في قلوب الكثير، وإن نظرة خاطفة لكتاب "مقالات الإسلاميين" الذي ألفه الأشعري لخير دليل على ما نقول.
_________________
(١) ١ جهابذة جمع جهبذ وجهباذ، وهو النقاد الخبير بغوامض الأمور، وهي كلمة معربة عن الفارسية. (انظر: المعجم الوسيط ٢/١٤١ من الطبعة الثانية لمجمع اللغة العربية بالقاهرة) .
[ ١٤ ]
وخلاصة ما يمكن أن يقال عن الناحية العلمية في هذا العصر ما ذكره أحمد أمين في قوله: " والخلاصة أن الحالة العلمية في أواخر القرن الثالث وفي القرن الرابع كانت أنضج منها في العصر الذي قبله، أخذ علماء هذا العصر ما نقله المترجمون قبلهم فشرحوه وهضموه، وأخذوا النظريات المبعثرة فرتبوها وورثوا ثروة من قبلهم في كل فرع من فروع العلم فاستغلوها"١.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب ظهر الإسلام ١/١٩٧.
[ ١٥ ]
الفصل الثاني: في سيرة الأشعري
المبحث الأول: اسمه ونسبه
المبحث الأول اسمه ونسبه
هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وكنيته أبو الحسن١.
_________________
(١) ١ مصادر ترجمته: الفهرست لابن النديم ص٢٥٧، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١١/٣٤٦، الأنساب للسمعاني ١/٢٦٦، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي ٦/٣٣٢، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان ٣/٨٥، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية لابن أبي الوفاء القرشي الحنفي المصري ١/٣٥٣، ٢/٢٤٧، العبر في خبر من غبر للذهبي ٢/٢٠٢، طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي ٣/٣٤٧، البداية والنهاية للحافظ ابن كثير ١١/١٨٧، الخطط للمقريزي ٣/٣٠٧، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغرابردى الأتابكي ٣/٣٠٣، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين لمرتضى الزبيدي ٢/٣، الأعلام للزركلي ٥/٦٩ دائرة المعارف الإسلامية ٣/٤٣١. وقد أفرد الحافظ ابن عساكر كتابًا خاصًا عن الأشعري تكلم فيه عن اسمه ونسبه وحياته وعلمه، وثناء الناس عليه وشيوخه وتلاميذه، كما رد على من طعن فيه وفي نسبه وسمى كتابه: "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري". كما كتب فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري رسالة عن الأشعري أبرز فيها الجانب الهام في حياته، ألا وهو: أطواره وعقيدته وذلك تحت عنوان "أبو الحسن الأشعري وعقيدته".
[ ١٦ ]
وعلى هذا فالأشعري من سلالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ﵁، وقد ذكر السمعاني أنه قيل له الأشعري؛ لأنه من ولد أبي موسى الأشعري١.
وقد طعن الأهوازي٢ في نسبة أبي الحسن إلى جده أبي موسى الأشعري، وقد تولى ابن عساكر الدفاع عن أبي الحسن الأشعري في ذلك ورد على الأهوازي قوله فقال: "وأما حكايته النكرة عن بعض شيوخ البصرة من أن أبا بشر كان يهوديًا فأسلم على يدي بعض الأشعريين، فحكاية مفتر عن مجاهيل مفترين، ما حكى أن أحدًا نفاه عن أبي موسى الأشعري غير هذا الجاهل المتحامل المفترى، وكيف تجاسر - لا رعاه الله - على هذه الكذبة وهو لا يعرف في الشرق ولا الغرب إلا بهذه النسبة"٣.
وقال أيضًا: "وفي إطباق الناس على تسميته بالأشعري تكذيب لما قاله هذا المفتري"٤.
كما ذكر الأهوازي أن أبا بشر الوارد في ترجمة الأشعري كنية لأبيه، وأنه كنّي بذلك؛ لأنه غير صحيح النسب، وقد رد ابن عساكر٥ ذلك أيضًا، وبين أن أبا بشر جد الأشعري، واسمه إسحاق بن سالم، وهو الصحيح.
وقد نص الخطيب البغدادي على ذلك فقال في ترجمته: "علي بن إسماعيل بن أبي بشر - واسمه إسحاق بن سالم "٦.
والأشعري نسبته إلى "أشعر"، وهي قبيلة مشهورة باليمن من أولاد سبأ، والأشعر هو: نبت بن أدد.
قال ابن الكلبي: "إنما سمي نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب ابن زيد بن كهلان بن سبأ (الأشعري)، لأن أمه ولدته وهو أشعر، والشعر على كل شيء منه"٧.
_________________
(١) ١ الأنساب للسمعاني ١/٢٦٧. ٢ هو: أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي (ت/ ٤٤٦هـ) ألف كتابًا باسم: "مثالب ابن أبي بشر" طعن وحمل فيه على الأشعري، ولكتابه نسخة بمكتبة الظاهرية تحت رقم (٤٥٢١ عام) انظر: تاريخ الآداب العربية لبروكلمان ٢/٣٧٤، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر ص٣٦٩. ٣ تبيين كذب المفتري ص٣٧٥. ٤ المرجع السابق ص٥٣، وانظر: رسالة البيهقي للشيخ العميد في التبيين ص١٠٢. ٥ انظر: تبيين كذب المفتري ص٣٥. ٦ انظر: تاريخ بغداد ١١/٣٤٦. ٧ انظر: الأنساب للسمعاني ١/٢٦٦، وتبيين كذب المفتري ص٣٧.
[ ١٧ ]
ولم أقف على لقب للأشعري في التراجم التي بين أيدينا عنه، إلا أن ابن عساكر ذكر أنه نودي على جنازته "بناصر الدين"١.
وعلى هذا يمكن أن نقول: إن لقب الأشعري هو "ناصر الدين" وإن المسلمين في جنازته هم الذين لقبوه به، ولم يعرف بذلك في حياته، إذ لو عرف لنقل لنا شيء من ذلك، كما أنه غير متداول بين المؤرخين، والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: تبيين كذب المفتري ص١٤٧.
[ ١٨ ]
المبحث الثاني موطنه ومولده
تجمع المصادر التي بين أيدينا أن الأشعري ولد بالبصرة، وانتقل منها إلى بغداد بعد رجوعه عن الاعتزال، ولم أر في ذلك خلافًا بين المؤرخين، ويقولون في ترجمته: وهو بصري سكن بغداد.
أما عن تاريخ ولادته فتكاد تجمع المصادر على تحديده أيضًا، فمعظمهم يثبت أنه ولد سنة ستين ومائتين، وابن عساكر - وهو مؤرخ له قيمته - يذكر ذلك عن أبي بكر الوزان ويعقب عليه بقوله: "لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفًا"١.
ومع هذا نجد بعض من جاء بعد ابن عساكر كابن خلكان (ت/٦٨١هـ) والمقريزي (ت/٨٤٥هـ) يذكران خلافًا في مولده، فالأول يقول: "ولد سنة سبعين، وقيل ستين ومائتين بالبصرة"٢، والثاني يقول: "ولد سنة ست وستين ومائتين، وقيل سنة سبعين"٣.
وفي الحقيقة أن هذا الخلاف لا يعتبر حيث إن أقوى المصادر السابقة واللاحقة تذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وهو ما يتفق مع حياته وأطواره التي عاشها - حيث تذكر لنا المصادر أنه بقي في الاعتزال أربعين عامًا٤، وأن تحوله عنه كان عام ثلاثمائة٥، وعليه فيكون مولده عام ستين ومائتين وهو ما أراه صحيحًا.
وقد رجح ذلك أيضًا مرتضى الزبيدي٦ في ترجمته عن الأشعري فقال: "ولد سنة ستين ومائتين، وقيل سنة سبعين، والأول أشهر، كما رجحت ذلك أيضًا الدكتورة فوقية حسين في ترجمتها للأشعري"٧.
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص١٤٦، وانظر: مصادر ترجمته التي أشرت إليها سابقًا. ٢ وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٢٨٤. ٣ الخطط للمقريزي ٣/٣٠٧. ٤ انظر: تبيين كذب المفتري ص٣٩، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/٣٤٧. والمراد بهذا التعبير أنه بقي على مذهب الاعتزال من صغره حتى بلوغه سن الأربعين من عمره. ٥ انظر: تبيين كذب المفتري ص٥٦. ٦ إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٢/٣. ٧ انظر: مقدمة تحقيقها لكتاب الإبانة ص١٣.
[ ١٩ ]
المبحث الثالث زهده وعبادته
أما عن زهده فقد ساق الخطيب البغدادي بسنده إلى بندار بن الحسن، وكان خادمًا لأبي الحسن قوله: "كان أبو الحسن يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه، وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهمًا"١. وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي قيمة الدرهم في ذلك الوقت، والناظر فيه يتبين له مدى تقلل الأشعري من الحياة الدنيا٢. وقال فيه الذهبي: "كان قانعًا متعففًا"٣.
وأما عن عبادته، فقد ساق ابن عساكر بسنده إلى أبي عمران موسى بن أحمد الفقيه قوله: "سمعت أبي يقول: خدمت الأمام أبا الحسن بالبصرة سنتين، وعاشرته ببغداد إلى أن توفي ﵀ فلم أجد أورع منه ولا أغض طرفًا، ولم أر شيخًا أكثر حياء منه في أمور الدنيا، ولا أنشط منه في أمور الآخرة"٤.
ومن طريف ما يذكر عنه أنه كان - مع زهده وعبادته فيه دعابة ومزح كبير٥.
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ بغداد ١١/٣٤٧، والتبيين لابن عساكر ص١٤٢. ٢ انظر: مذاهب الإسلاميين ١/٥٠٣، ٥٠٤. ٣ العبر في خبر من غبر ٢/٢٠٣. ٤ التبيين لابن عساكر ص١٤١. ٥ الفهرست لابن النديم ص٢٥٧.
[ ٢٠ ]
المبحث الرابع أسرته وأثرها في تكوين شخصيته
ذكرت سابقًا أن أبا الحسن من سلالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ﵁، وكان من فقهاء الصحابة وقرّائهم١، وقد أثنى الرسول الكريم ﷺ عليه وعلى قومه، وذلك فيما أخرجه الحاكم بسنده إلى سماك ابن حرب قال: "سمعت عياض الأشعري يقول: لما نزلت ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول الله ﷺ: "هم قومك يا أبا موسى، وأومأ رسول الله ﷺ بيده إلى أبي موسى الأشعري" ٢.
وقد كان لأبي موسى وأحفاده من بعده مجهود ضخم في رعاية أمور المسلمين وخدمتهم٣، وقد كان أبو موسى نفسه أحد الحكمين بين علي ومعاوية رضي الله عن الجميع، ولا شك أن هذا الأصل الطيب له أثر في ثمرته الطيبة، ولا شك أن هذا ليس قاعدة مطردة، ولكني أردت هنا أن أبين مدى تأثر الأشعري بالبيئة التي عاش فيها، وما هو الدافع وراء تأثره بالاعتزال منذ حداثة سنه، وهذا ما سيتضح لنا فيما يأتي.
أما أبوه، فقد ذكر أبو بكر بن فورك أنه كان سنيًا جماعيًا حديثيًا٤ وأنه أوصى بالأشعري عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي٥، وهو إمام في الفقه والحديث.
فوالد الأشعري إذًا من أهل السنة والجماعة، بل من أهل الحديث، ويظهر لنا حرصه وتمسكه بمذهب أهل الحديث ما قام به عند وفاته، حيث دفع ابنه إلى إمام من أئمة الحديث، وهو الحافظ زكريا الساجي محدث البصرة، وقد ذكر الذهبي في التذكرة أن الأشعري أخذ عنه مقالة أهل الحديث، كما ذكر ابن عساكر أن الأشعري روى عنه كثيرًا في تفسيره٦.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد٦/١٦، والتهذيب لابن حجر ٥/٣٦٢. ٢ أخرجه الحاكم وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ٢/٣١٣. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد ٧/١٦. ٣ انظر: ما ذكره ابن عساكر في التبيين عن أبي موسى وفضله ومكانته، وكذلك أولاده من بعده ص٥٧–٩١. ٤ انظر: تبيين كذب المفتري ص٣٥. ٥ هو الإمام الحافظ محدث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي (ت/ ٣٠٧هـ) . انظر: ترجمته في تذكرة الحفاظ ٢/٧٠٩، والتبيين ص٣٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/٢٩٩، وشذرات الذهب ٢/٢٥٠. ٦ التبيين ص٣٥.
[ ٢١ ]
والناظر في ذلك يقول: بأن الأشعري سينهج نهج أبيه وأستاذه المحدث على الدوام، ولكن شاء الله أن يموت أبوه، وهو صغير السن وقت أن كان يتلقى دروسه الأولى١، ولم تحدد لنا المصادر تاريخ وفاته.
ولما مات أبوه تزوجت أمه٢ برجل من كبار رجال الاعتزال وهو أبو علي الجبائي٣، ومن ثم تأثر به الأشعري، ونحا نحو المعتزلة في الأمور الاعتقادية بل إنه برع فيها لدرجة أن شيخه وزوج أمه الجبائي كان ينيبه عنه في المجالس والدروس٤.
وبذلك اتجه الأشعري منذ حداثة سنه إلى الاعتزال للعلاقة التي نشأت بينه وبين الجبائي المعتزلي، ولم يستطع وقتئذٍ - وهو صغير السن - أن يسير على نهج أبيه، وظل كذلك حتى هداه الله إلى الحق، ورجع عن الاعتزال وفارق الجبائي، وسأذكر ذلك بتفصيل عند الكلام على أطواره وعقيدته - إن شاء الله -.
ولقد كان لهذا الاتجاه أثره البالغ في هضم الأشعري لآراء المعتزلة الكلامية وإحاطته بها، ومن ثم تمكن - بعد رجوعه عنها - من الرد عليها ونقدها نقد الخبير المتمكن العارف بأخبارها وأوزارها، كما كان لهذه النشأة أثر سيئ للغاية، وهو صرف الأشعري عن الحديث وعلومه، لو كان له فيه ما لغيره من الأئمة لكان له شأن آخر.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة تحقيق الإبانة للأشعري، للدكتورة فوقية حسين ص١٦. ٢ انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢/٢٤٧، والخطط للمقريزي ٣/٣٠٨. ٣ هو أبو علي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام المعروف بالجبائي (ت/ ٣٠٣هـ) كان إمامًا في علم الكلام، وأخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة، وله في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، وعنه أخذ الأشعري علم الكلام. انظر: ترجمته في تاريخ بغداد ٦/٩٧، ومعجم البلدان ٢/١٢–٣١، ووفيات الأعيان ٤/٢٦٧، وشذرات الذهب ٢/٢٤١، والخطط للمقريزي ٣/٣٠٨. ٤ انظر: التبيين ص٩١.
[ ٢٢ ]
المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء الناس عليه
لقد برع الأشعري في معظم العلوم والفنون، وكتب فيها كتابات قيمة تدل على عمق بحث وسعة أفق.
وإذا استعرض الباحث مؤلفاته - التي سأذكرها فيما بعد - يجد أنه كتب في الجدل ورد على أرسطو في كتابه: "السماء والعالم والآثار العلوية" كما رد على الدهرية والمجوس والمشبهة والخوارج والرافضة والقدرية، وبرع في الرد على المعتزلة، بل إنه ألف كتابًا رد فيه على نفسه وقت أن كان معتزليًا كما أنه كان مؤرخًا للعقائد من الصف الأول، وحسبنا في ذلك كتابه "مقالات الإسلاميين" كما أن له إلمامًا بالسير والأخبار، وقد ألف كتابًا خاصًا بأفعال النبي ﷺ.
ومما يفضي إلى العجب أن الرجل كانت له قدم راسخة في علوم الشريعة فقد كتب في القياس والاجتهاد، وألف في خبر الواحد والإجماع، ورد على ابن الراوندي في إنكاره التواتر، وله كتاب ضخم في التفسير.
وهذا يدل على علو منزلته وعظيم قدره، ودفع أهل العلم والفضل إلى الثناء عليه، وإليك بعض ما قيل في ذلك:
قال الخطيب البغدادي: "أبو الحسن الأشعري المتكلم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة، وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة"١.
وذكر بسنده عن أبي بكر الصيرفي أنه كان يقول: "كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فحجزهم في أقماع السمسم"٢.
وقال ابن خلكان: "هو صاحب الأصول والقائم بنصرة مذهب السنة وإليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه"٣.
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد ١١/٣٤٦. ٢ تاريخ بغداد ١١/٣٤٧. ٣ وفيان الأعيان ٣/٢٨٤.
[ ٢٣ ]
وقال ابن العماد: "ومما بيض به وجوه أهل السنة النبوية، وسود به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان به وجه الحق الأبلج، ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج مناظرته مع شيخه الجبائي التي بها قصم ظهر كل مبتدع مرائي"١، ثم ساقها نقلًا عن ابن خلكان، وملخص هذه المناظرة أن الأشعري سأل الجبائي عن ثلاثة إخوة، مات أحدهم بعد تكليفه مستحقًا للجنة والثاني مات بعده مستحقًا للنار، والثالث مات صغيرًا، فحين رأى الصغير منزلة الكبير في الجنة قال لربه: هلا بلغتني منزلة هذا، فقال الجبائي يقول الله له: إني علمت أنك لو كبرت كفرت ودخلت النار، فقال الأشعري للجبائي فإذا قال الذي في النار: فهلا أمتني صغيرًا فماذا يكون الجواب، وعند ذلك انقطع الجبائي ولم يجد جوابًا.
كما نقل ابن عساكر٢ نقولًا كثيرة عن من تقدمه من العلماء في مدح الأشعري والثناء عليه بما يثبت رجوعه إلى مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وهكذا فعل السبكي في الطبقات٣.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٢/٣٠٣. ٢ انظر: تبيين كذب المفتري ص٩٠ – ١٢٨. ٣ انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٣/٣٤٧.
[ ٢٤ ]
المبحث السادس: مؤلفاته
سبق أن ذكرت مكانة الأشعري العلمية، وما منَّ الله به عليه من سعة الأفق التي جعلته يكتب بعمق وأصالة في معظم العلوم والفنون.
ومؤلفات الأشعري كثيرة للغاية، ولم يتمكن الدارسون والباحثون من العثور إلا على جزء قليل، بل إننا إذا اعتبرنا ما ذكره ابن عساكر في التبيين١، والزركلي في الأعلام٢ من أن مؤلفات الأشعري بلغت ثلاثمائة مصنفًا سنقول: إننا لم نعرف الكثير عن أسماء مؤلفاته فضلًا عن محتواها.
وقد ذكر ابن حزم أن مؤلفات الأشعري بلغت خمسة وخمسين مصنفًا، ورد ابن عساكر هذا القول وقال: "قد ترك من عدد مصنفاته أكثر من النصف، وذكر أبو بكر بن فورك مسميات تزيد على الضعف"٣، وقال السبكي: "ذكر ابن حزم ما وقف عليه في بلاد المغرب"٤.
ولقد قام بعض المسلمين والمستشرقين بدراسات واسعة عن تراث الأشعري الضخم الذي خلفه للمسلمين٥، وذلك بتحقيقه وإخراج ما عثر عليه منه، أو بالكلام حول ما لم يتيسر العثور عليه كما فعل الدكتور "عبد الرحمن بدوي" في كتابه مذاهب الإسلاميين.
وآخر ما وصلنا من دراسة لكتب الأشعري، ما قامت به الدكتورة "فوقية حسين" في مقدمتها لكتاب الإبانة.
وفي الحقيقة أنها قامت بجهد تشكر عليه في هذا الباب حيث أثبتت تعليقات الباحثين من مسلمين ومستشرقين حول مصنفات الأشعري مع الإدلاء برأيها في ذلك بعد الدراسة والبحث.
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص١٣٦. ٢ الأعلام ٥/٦٩. ٣ تبيين كذب المفتري ص٩٢. ٤ طبقات الشافعية الكبرى ٣/٣٥٩. ٥ انظر: مقدمة الدكتورة فوقية حسين لكتاب الإبانة ص٣٨.
[ ٢٥ ]
ولقد دفعني ذلك إلى الاكتفاء هنا بسرد مؤلفات الأشعري ذاكرًا ما تمس الحاجة إلى ذكره، وذلك مثل التعريف ببعض محتويات كتبه، أو بيان صحة نسبتها إليه.
وأولى ما يمكن أن يعتمد عليه في ذلك ما ذكره الأشعري نفسه عن مؤلفاته في كتابه "العمد في الرؤية" الذي ساق فيه أسماء كتبه حتى سنة عشرين وثلاثمائة، كما ذكر ذلك ابن فورك، وعقب عليها - أي ابن فورك - بذكر ما جاء بعد هذه السنة من مؤلفات للأشعري حتى تاريخ وفاته، ثم استدرك ابن عساكر على ابن فورك ثلاثة مؤلفات أخر لم يذكرها.
ولنبدأ بذكر ما أثبته الأشعري من مؤلفاته، كما جاء في كتابه العمد١.
١- (الفصول) في الرد على الملحدين والخارجين عن الملة.
٢- (الموجز) اشتمل على اثني عشر كتابًا على حسب تنوع مقالات المخالفين من الخارجين عن الملة والداخلين فيها، وآخره كتاب الإمامة.
٣- (كتاب في خلق الأعمال) نقض فيه اعتلالات المعتزلة والقدرية في خلق الأعمال.
٤- (كتاب في الاستطاعة) رد على المعتزلة.
٥- (كتاب كبير في الصفات) تكلم فيه عن أصناف المعتزلة والجهمية ورد عليهم، وذكر أنه اثبت فيه الوجه واليدين والاستواء.
٦- (كتاب في جواز رؤية الله بالأبصار) نقض فيه جميع اعتلالات المعتزلة.
٧- (كتاب كبير في اختلاف الناس في الأسماء والأحكام والخاص والعام) .
٨- (كتاب في الرد على المجسمة) .
٩- (كتاب في الجسم) ذكر فيه أن المعتزلة لا يمكنهم أن يجيبوا عن مسائل الجسمية، كما يمكنه ذلك، وبين فيه لزوم مسائل الجسمية على أصولهم.
١٠- (إيضاح البرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان) .
١١- (اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع) مطبوع قام بنشره أولا "مكارثي" (مستشرق)، ثم الدكتور "حمودة غرابة" الذي قدم له وعلق عليه.
١٢- (اللمع الكبير) وهو مدخل لكتاب إيضاح البرهان الذي سبق ذكره.
١٣- (اللمع الصغير) وهو مدخل للّمع الكبير.
_________________
(١) ١ انظر: تبيين كذب المفتري ص١٢٨– ١٣٦.
[ ٢٦ ]
١٤- (الشرح والتفصيل في الرد على أهل الأفق والتضليل) جعله مقدمة ينظر فيها قبل كتاب اللمع، وهو للمبتدئين ويصلح للمتعلمين.
١٥- (كتاب مختصر مدخل إلى الشرح والتفصيل) .
١٦- (كتاب في نقض كتاب الأصول للجبائي) كشف فيه عن تمويهه في سائر الأبواب، بل إنه ذكر فيه حججًا للمعتزلة لم يذكرها أحد منهم، ثم نقضها بحجج الله وبراهينه.
١٧- (كتاب كبير نقض فيه الكتاب المعروف بنقض تأويل الأدلة للبلخي) رد فيه على شبهه التي أوردها ومنها الصفات.
١٨- (مقالات المسلمين) استوعب فيه اختلافهم ومقالاتهم وهو الكتاب المطبوع حاليًا باسم "مقالات الإسلاميين".
١٩- (جمل المقالات) أثبت فيه جمل مقالات الملحدة، وجمل أقاويل الموحدين.
٢٠- (الجوابات في الصفات عن مسائل أهل الزيغ والشبهات) وهو كتاب كبير في الصفات. يقول عنه ابن عساكر: إنه أكبر كتبه١، ويقول عنه الأشعري: "نقضنا فيه كتابًا كنا ألفناه قديمًا فيها على تصحيح مذهب المعتزلة، لم يؤلف لهم مثله، ثم أبان الله سبحانه لنا الحق فرجعنا عنه، فنقضناه وأوضحنا بطلانه"٢.
٢١- (كتاب في الرد على ابن الراوندي في الصفات والقرآن) .
٢٢- (كتاب نقض فيه كتابًا للخالدي ألفه في القرآن والصفات قبل أن يؤلف كتابه الملقب بالملخص) .
٢٣- (القامع لكتاب الخالدي في الإرادة) نقض به كتابه في إثبات حدث إرادة الله تعالى، وأنه شاء ما لم يكن، وكان ما لم يشأ.
٢٤- (نقض كتاب المهذب للخالدي) ذكر الأشعري أن الخالدي ألف كتابًا في المقالات فنقضه الأشعري بهذا الكتاب وسماه "الدافع للمهذب"٣.
٢٥- (نقض كتاب الخالدي الذي نفى فيه رؤية الله تعالى بالأبصار) .
٢٦- (نقض كتاب الخالدي الذي نفى فيه خلق الله للأعمال وتقديرها) .
٢٧- (كتاب نقض به على البلخي كتابًا ذكر أنه أصلح به غلط ابن الراوندي في الجدل) .
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص١٣١. ٢ نفس المصدر ص١٣١. ٣ تبيين كذب المفتري ص١٣١.
[ ٢٧ ]
٢٨- (كتاب في الاستشهاد) بين فيه كيف يلزم المعتزلة على محجتهم في الاستشهاد بالشاهد على الغائب، أن يثبتوا علم الله وقدرته وسائر صفاته.
٢٩- (المختصر في التوحيد والعدل) تكلم فيه عن الرؤية وسائر الصفات وأبواب القدر، وقال عنه الأشعري: "سألناهم فيه عن مسائل كثيرة ضاقوا بالجواب عنها ذرعًا ولم يجدوا إلى الانفكاك عنها بحجة سبيلًا"١.
٣٢- (شرح أدب الجدل) .
٣١- (كتاب الطبرانيين) في فنون كثيرة من المسائل.
٣٢- (جواب الخراسانية) .
٣٣- (كتاب الأرجانيين) .
٣٤- (جواب السيرافيين) .
٣٥- (جواب العمانيين) .
٣٦- (جواب الجرجانيين) .
٣٧- (جواب الدمشقيين) .
٣٨- (جواب الواسطيين) .
٣٩- (جواب الرامهرمزيين) .
ما تقدم ذكره من رقم (٣١ - ٣٩) كتبًا تحمل أجوبة من الأشعري لأهل هذه البلاد، ويذكر الأشعري أنها في مسائل من الكلام، وأشياء كانت تدور بينه وبين المعتزلة٢.
٤٠- (المسائل المنثورة البغدادية) في مسائل دارت بينه وبين أعلام المعتزلة.
٤١- (المنتخل) في المسائل المنثورات البصريات.
٤٢- (الفنون في الرد على الملحدين) .
٤٣- (النوادر في دقائق الكلام) .
٤٤- (الإدراك في فنون من لطائف الكلام) .
٤٥- نقض الكتاب المعروف باللطيف على الإسكافي) .
٤٦- (كتاب نقض فيه كلام عباد بن سليمان في دقائق الكلام) .
٤٧- (كتاب نقض فيه كتابًا لعلي بن عيسى) .
٤٨- (المختزن) في مسائل من الكلام.
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص١٣١، ١٣٢. ٢ تبيين كذب المفتري ص١٣٢.
[ ٢٨ ]
٤٩- (كتاب في باب "شيء" وأن الأشياء هي أشياء وإن عدمت) قال عنه الأشعري: "رجعنا عنه ونقضناه فمن وقع إليه فلا يعول عليه"١.
٥٠- (كتاب الاجتهاد في الأحكام) .
٥١- (كتاب في أن القياس يخص ظاهر القرآن) .
٥٢- (كتاب في المعارف) .
٥٣- (كتاب في الأخبار وتخصيصها) .
٥٤- (الفنون) في أبواب من الكلام، وهو غير الفنون في الرد على الملحدين السابق ذكره.
٥٥- (جواب المصريين) في مسائل من الكلام.
٥٦- (كتاب في أن العجز عن شيء ليس العجز عن ضده، وأن العجز لا يكون إلا من الموجود) .
٥٧- (المسائل على أهل التثنية) .
٥٨- (كتاب ذكر فيه جميع اعتراض الدهريين في قول الموحدين) قال عنه الأشعري: "وهو مرسوم بالاستقصاء لجميع اعتراض الدهريين، وسائر أصناف الملحدين"٢.
٥٩- (كتاب على الدهريين) .
٦٠- (كتاب نقض به اعتراضًا على داود بن علي الأصبهاني في مسألة الاعتقاد) .
٦١- (كتاب تفسير القرآن) . رد فيه على الجبائي والبلخي ما حرفا من تأويله.
٦٢- (كتاب زيادات النوادر) .
٦٣- (كتاب جوابات أهل فارس) .
٦٤- (كتاب أخبر فيه عن اعتلال من زعم أن الموت يفعل بطبعه) .
٦٥- (كتاب في الرؤية) رد فيه على الجبائي.
٦٦- (الجوهر في الرد على أهل الزيغ والمنكر) .
٦٧- (كتاب أجاب فيه عن مسائل الجبائي في النظر والاستدلال وشرائطه) .
٦٨- (أدب الجدل) .
٦٩- (كتاب في مقالات الفلاسفة) .
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص١٣٣. ٢ المصدر السابق.
[ ٢٩ ]
٧٠- (كتاب في الرد على الفلاسفة) قال عنه الأشعري: "يشتمل على ثلاث مقالات، ذكرنا فيه نقض علل ابن قيس الدهري، وتكلمنا فيه على القائلين بالهيولى، والطبائع ونقضنا فيه علل أرسطو طاليس في السماء والعالم، وبيّنا ما عليهم في قولهم بإضافة الأحداث إلى النجوم وتعليق أحكام السعادة والشقاوة بها"١.
هذه هي أسماء الكتب التي ذكرها الأشعري في كتابه "العمد في الرؤية"، وبين لنا شيئًا مما احتوت عليه، وذلك بذكر تعريف مختصر عن الكتاب دون ذكر اسمه في الغالب.
وقال ابن فورك بعد سرده لها: "هذه هي أسماء كتبه التي ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة سوى أماليه على الناس والجوابات المتفرقة عن المسائل الواردة من الجهات المختلفات، وسوى ما أملاه على الناس مما لم يذكر أساميه هنا، وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وصنف فيها كتبًا منها"٢.
٧١- (نقض المضاهات على الإسكافي في التسمية بالقدر) .
٧٢- (العمد في الرؤية) وهو الكتاب الذي ساق فيه أسماء كتبه السابق ذكرها.
٧٣- (كتاب في معلومات الله ومقدوراته) رد فيه على أبي الهذيل.
٧٤- (كتاب على حارث الوراق في الصفات فيما نقض على ابن الراوندي) .
٧٥- (كتاب على أهل التناسخ) .
٧٦- (كتاب في الرد في الحركات على أبي الهذيل) .
٧٧- (كتاب على أهل المنطق) ذكر ابن فورك أنه مسائل سئل عنها الجبائي في الأسماء والأحكام ومجالسات في خبر الواحد وإثبات القياس٣.
٧٨- (كتاب في أفعال النبي ﷺ) .
٧٩- (كتاب في الوقوف والعموم) .
هكذا ورد اسم الكتاب في التبيين، ولم يعلق عليه أحد بشيء حتى نفهم المراد من كلمة "الوقوف" غير أن المستشرق مكارثي ذكر أنه قد يكون في "خلق القرآن" بعد أن أثبت صعوبة فهم المقصود من كلمة "وقوف"٤، وقد يكون عنوان الكتاب "الخصوص والعموم" ونقل إلينا بالعنوان الأول من باب الخطأ.
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص١٣٤. ٢ تبيين كذب المفتري ص١٣٥. ٣ تبيين كذب المفتري ص١٣٥. ٤ انظر: مقدمة تحقيق كتاب الإبانة للدكتورة فوقية حسين ص٦٥ – ٦٦.
[ ٣٠ ]
٨٠- (كتاب في متشابه القرآن) .
٨١- (نقض كتاب التاج على ابن الراوندي) .
٨٢- (كتاب فيه بيان مذهب النصارى) .
٨٣- (كتاب في الإمامة) .
٨٤- (كتاب فيه الكلام على النصارى)، وقد ذكر ابن فورك: أنه مما يحتج به عليهم من سائر الكتب التي يعترفون بها١.
٨٥- (كتاب في النقض على ابن الراوندي في إبطال التواتر) .
٨٦- (كتاب في حكايات مذاهب المجسمة وما يحتجون به) .
٨٧- (كتاب نقض شرح الكتاب) والعنوان كما ترى لا يفهم المقصود منه وقد أثبتت الدكتورة فوقية دهشة مستشرق مكارثي من هذا العنوان وتذكر أنه أثبت رأي مهرن في قراءة هذا العنوان وهو: (كتاب نقض شرح الكبار) ٢.
٨٨- (كتاب في مسائل جرت بينه وبين أبي الفرج المالكي في علة الخمر) .
٨٩- (نقض كتاب الآثار العلوية على أرسطو طاليس) .
٩٠- (كتاب في جوابات مسائل لأبي هاشم استملاها ابن أبي صالح الطبري) .
٩١- (كتاب الاحتجاج) .
٩٢- (كتاب الأخبار) الذي أملاه على البرهان.
٩٣- (كتاب في دلائل النبوة) .
٩٤- (كتاب في الإمامة) .
هذه هي آخر الكتب التي ذكرها ابن فورك عقب ذكر الأشعري لكتبه في كتاب العمد، ولقد نقل ابن عساكر ذلك كله في التبيين، ثم استدرك على ابن فورك كتبًا لم يذكرها وهي:
٩٥- (الحث على البحث) .
٩٦- (رسالة في الإيمان) وقد ذكرت الدكتورة فوقية أن شبيتا حققها ونشرها مع ترجمة ألمانية في كتاب له عن الأشعري ومذهبه٣.
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص١٣٥. ٢ مقدمة الدكتورة فوقية لكتاب الإبانة ص٦٨. ٣ انظر: مقدمتها لكتاب الإبانة ص٨٦، ٨٧.
[ ٣١ ]
٩٧- (جواب مسائل كتب بها إلى أهل الثغر في تبيين ما سألوه عنه من المذهب الحق)، وهي موضوع الرسالة التي نحن بصدد تحقيقها وسيأتي الكلام عليها بالتفصيل - إن شاء الله -.
هذا كل ما أثبته ابن عساكر في كتابه التبيين عن كتب الأشعري كما ذكرها الأشعري نفسه وابن فورك.
ويلاحظ أنها جميعًا اشتركت في عدم التنصيص على أهم كتاب وردنا عن الأشعري، وهو ما يمثل عقيدته النقية الصافية التي رجع بها إلى أصول مذهب السلف، وهذا الكتاب هو:
٩٨- (الإبانة عن أصول الديانة) .
وابن عساكر وإن لم ينص عليه فيما استدركه على ابن فورك إلا أنه نقل كثيرًا منه في التبيين، واعتمد عليه في بيان عقيدة الأشعري١، وأشاد به كثيرًا، وبين مكانته في نفوس أتباع الأشعري الملتزمين بمنهجه كالحافظ الصابوني الذي ذكر عنه ابن عساكر أنه كان لا يخرج إلى مجلس درسه إلا بكتاب الإبانة، ويقول: "ما الذي عليّ من هذا؟ الكتاب شرح مذهبه"٢.
وقد ساق ابن درباس في رسالته الذب عن الأشعري عن كثير من العلماء ما يثبت أن هذا الكتاب من تأليفه.
وابن النديم (ت/٣٨١هـ) وهو قريب العهد بالأشعري يذكر أن للأشعري كتابًا اسمه "التبيين عن أصول الدين"٣ ولعله هو الإبانة.
ولفضيلة الشيخ حماد الأنصاري رسالة عن الأشعري - أشرت إليها سابقًا - ذكر فيها نقولًا كثيرة عن أهل العلم في إثبات هذا الكتاب للأشعري، بل إن المستشرق جولد تسيهر عدّ الإبانة رسالة مهمة، ومن الوثائق الأساسية في تاريخ العقائد الإسلامية، وأفاد منه مرارًا في كتابه "محاضرات في الإسلام" وقرر أنه يمثل العرض النهائي لمذهب الأشعري٤.
_________________
(١) ١ انظر: تبيين كذب المفتري ص ١٥٢. ٢ انظر: تبيين كذب المفتري ص٣٨٩. ٣ الفهرست ص٢٥٧. ٤ انظر: مذاهب الإسلاميين للدكتور عبد الرحمن بدوي.
[ ٣٢ ]
ولقد طبع هذا الكتاب أكثر من مرة، وأخيرًا قامت الدكتورة "فوقية حسين" بتحقيقه والتعليق عليه مع مقدمة واسعة عن الأشعري.
وكتاب الإبانة يمثل الطور الأخير لدى أبي الحسن الأشعري، فهو بهذا آخر كتبه، ومما ذكره الدكتور "حمودة غرابة" في مقدمته لكتاب اللمع من أن اللمع متأخر عن الإبانة١، وكذلك الدكتورة فوقية في مقدمتها للإبانة٢ قول لا دليل عليه ولا يعتمد على البحث العلمي الدقيق حيث إن معظم المصادر تذكر أنها من آخر كتبه، وهو ما يتفق مع أطواره التي سيأتي الإشارة إليها٣.
بقي بعد ذلك رسالة مطبوعة ومنسوبة للأشعري لم يرد لها ذكر في القائمة السابقة وهي بعنوان "استحسان الخوض في علم الكلام" ولقد ناقش الدكتور بدوي موضوع هذه الرسالة وتوصل أخيرًا إلى أنها ليست من تأليف الأشعري، ورجح أنها من وضع أشعري متأخر عن زمن الأشعري، وقد يكون في القرن الخامس أو السادس٤، وقد أيدت الدكتورة فوقية هذا الرأي، وذكرت أنها من الكتب المنسوبة للأشعري٥.
ويظهر أن هذا رأي صحيح لعدم ورود هذه الرسالة - كما ذكر - في القائمة السابقة، وحتى لو كانت حقًا من تأليف الأشعري، فمما لا شك فيه أنها وقعت منه فترة وجوده على مذهب المعتزلة ودفاعه عن آرائهم ومعتقداتهم، كما ذكر أيضًا الأستاذ "فؤاد سزكين" أن الأشعري له رسالة بعنوان "عقيدة" مخطوطة بمكتبة الأزهر، وهي أربع ورقات ضمن مجموع ٥١١ تحت رقم ٣٢٠٣، ولها نسخة أخرى في برلين تحت رقم ٢١٠٩٦.
كما ذكر الأستاذ "فؤاد السيد" أن للأشعري كتابًا بعنوان "شجرة اليقين" وهو نسخة مصورة بالفوتوستات عن أصل مكتوب بخط مغربي سنة ١١٧٤٧.
_________________
(١) ١ انظر: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ص٧. ٢ انظر: مقدمة تحقيق الإبانة ص٩١. ٣ انظر: رسالة الشيخ حماد الأنصاري عن الأشعري وعقيدته ص٨ – ١٥. ٤ انظر: مذاهب الإسلاميين ١/٥١٨ – ٥٢١. ٥ انظر: مقدمة تحقيقها لكتاب الإبانة ص٧٢ – ٧٤. ٦ تاريخ التراث العربي ٢/٣٧٧. ٧ فهرس مخطوطات دار الكتب المصرية القسم الثاني /٣.
[ ٣٣ ]
المبحث السابع المراحل والأطوار التي مر بها
مر الأشعري بأطوار مختلفة نظرًا لاختلاف البيئة التي نشأ فيها وتربى بينها، وقد أشرت إلى ذلك سابقًا، وتكاد المراجع كلها تتفق على أن الأشعري نشأ معتزليًا ثم انتقل إلى المذهب الكلامي، ثم هداه الله إلى الحق ورجع إلى مذهب أهل السنة والحديث.
وابن النديم (ت/٣٨٥هـ) وهو أول من ترجم للأشعري يقول: "كان أولًا معتزليًا ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة"١، وقول ابن النديم هذا سار عليه معظم المؤرخين القدامى والمحدثين، إلا أن الحذاق منهم، وأهل الفقه والعلم بعقيدة السلف ذكروا أنه تنقل في أطواره فكان أولًا معتزليًا، ثم سلك طريقًا وسطًا بين الاعتزال وأهل السنة، وأخيرًا رجع إلى عقيدة السلف.
وعلى هذا فالأطوار التي مر بها الأشعري ثلاثة كما يلي:
١ - الطور الأول:
كان فيه معتزليًا يقول بقولهم ويأخذ بأصولهم حتى صار إمامًا لهم.
٢ - الطور الثاني:
خرج فيه على المعتزلة ومال إلى أهل السنة والحديث ولماَّ يلحق بهم. وفي هذا الطور سلك طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب٢.
_________________
(١) ١ الفهرست ص٢٥٧. ٢ عبد الله بن سعيد، ويقال: عبد الله بن محمد أبو محمد بن كلاب القطان، أحد أئمة المتكلمين، ووفاته فيما يظهر بعد الأربعين ومائتين بقليل. انظر: طبقات الشافعية ٢/٢٩٩. وهو من المتكلمين الذين يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة وليسوا منهم، ولكنهم أقرب من غيرهم نسبيًا وزاد عليه قوله: إن كلام الله تعالى لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل لحدوث هذه الأمور وقدم الكلام النفسي، وإنما يتصف بذلك فيما لا يزول. انظر: طبقات الشافعية ٢/٣٠٠. ويقول ابن تيمية: "إن ابن كلاب أثبت الصفات اللازمة به سبحانه كالعلم والقدرة والحياة، ونفى عنه ما يتعلق منها بمشيئته وقدرته من الأفعال، وذلك كالإتيان والمجيء وغير ذلك، وقد كان الناس قبله صنفين فقط". انظر: موافقة صريح المعقول لصريح المنقول ٢/٤ – ٨. والمراد بالصنفين في كلام ابن تيمية السلف المثبتون، والمعطلة النفاة.
[ ٣٤ ]
وأنا أرى أن خير كتاب يمثل هذا الطور عند الأشعري - فيما بين يدينا من كتب - هو كتاب (اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)، ذلك أن الأشعري يهاجم فيه المعتزلة هجومًا شديدًا، ويدخل معهم في مناقشات جدلية تصل إلى حد التعقيد أحيانًا، فهو بهذا يتخلص من مذهب الاعتزال ويرد عليه ويفنده، ومع هذا نجد أنه لا يذكر الإمام أحمد ولا يشيد بمذهبه كما فعل في الإبانة، كما أنه لم يتعرض لذكر كثير من الصفات التي يؤمن بها السلف كالوجه والاستواء، ويتكلم عن نظرية الكسب بإسهاب.
فلذا أمكن القول بأنه كان في هذا الطور وسطًا بين السلف كالإمام أحمد بن حنبل والمعتزلة، وقد أشار ابن تيمية إلى ذلك في قوله: "وأبو الحسن لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب ومال إلى أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها"١.
ويلاحظ أن ابن تيمية هنا ذكر طورين للأشعري دون أن يفصل بينهما ويوضح، وإن كان يفرق بين طريقة ابن كلاب ومذهب الإمام أحمد، ولكني لم أقف على تحديد للمدة التي بقاها الأشعري على طريقة ابن كلاب بعد البحث والتحري، ولكن الثابت عنه أنه انتقل إلى مذهبه، وقد أوضح ذلك وفصله تلميذه الحافظ ابن كثير - ﵀ - فقال في الطبقة الثالثة من كتابه طبقات الفقهاء عند الشافعية "ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق، ونحو ذلك.
والحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريًا على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا"٢.
ويقول المقريزي: "إن الأشعري خرج على الاعتزال وأخذ في الرد عليهم وسلك بعض طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب القطان وبنى على قواعده"٣.
_________________
(١) ١ انظر: الموافقة ٢/١٠، ١١. ٢ انظر: كتاب طبقات الفقهاء عند الشافعية ورقة ٢٦/ ب. ٣ انظر: الخطط للمقريزي ٣/٣٠٨.
[ ٣٥ ]
وقد فصل هذا الأمر أكثر العالم الفاضل محب الدين الخطيب في تعليقه على المنتقى من منهاج الاعتدال فقال: "أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري من كبار أئمة الكلام في الإسلام، نشأ في أول أمره على الاعتزال وتتلمذ فيه على الجبائي، ثم أيقظ الله بصيرته وهو في منتصف عمره وبداية نضجه، فأعلن رجوعه عن ضلالة الاعتزال ومضى في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر ويلقي الدروس في الرد على المعتزلة سالكًا طريقًا وسطًا بين طريقة الجدل والتأويل وطريقة السلف، ثم مَحضّ طريقته وأخلصها لله بالرجوع الكامل إلى طريقة السلف في إثبات كل ما ثبت بالنص من أمور الغيب التي أوجب الله على عباده إخلاص الإيمان بها، وكتب بذلك كتبه الأخيرة ومنها في أيدي الناس كتاب الإبانة، وقد نص مترجموه على أنها آخر كتبه، وهذا ما أراد أن يلقى الله عليه، وكل ما خالف ذلك مما ينسب إليه، أو صارت تقول به الأشعرية فالأشعري رجع عنه إلى ما في كتاب الإبانة"١.
ونقطة تحول الأشعري هذه هي أهم شيء حدث له في تاريخ حياته وكان لها أثر كبير في نصرة مذهب السلف أهل السنة والجماعة ودحض الباطل الذي كان عليه قبل ذلك، وخاصة بعد ما حرر نفسه بالرجوع الكامل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ذلك في طوره الأخير وهو:
٣ - الطور الثالث:
هو الذي أعلن فيه الأشعري انتسابه إلى الإمام أحمد كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الإبانة، وتصريحه بذلك يدل على أنه وقف على كتب الإمام أحمد، واستقى منها كثيرًا في العقيدة، وهذا يظهر في كلامه على الصفات ومطابقته لكلام الإمام أحمد وذلك مثل صفة الكلام، وقد أشرت إلى ذلك في التحقيق.
ويذكر في سبب رجوعه عن الاعتزال أنه رأى النبي ﷺ في المنام ثلاث مرات، في كل مرة كان يأمره باتباع منهجه وسلوك طريقته٢، كما تذكر لنا المصادر - المشار إليها سابقًا - أن الأشعري كان يورد الأسئلة على أستاذه في الدرس، فلا يجد في جوابه ما يكفي
_________________
(١) ١ انظر: التعليق على المنتقى من منهاج الاعتدال ص٤١. ٢ انظر: التبيين ص٣٨ – ٤٣، وطبقات الشافعية ٣/٣٤٨.
[ ٣٦ ]
ويشفي، وكان يناظره أحيانًا في هذه الأسئلة، ولعل ذلك كان سببًا في رجوعه عن الاعتزال إلى الحق.
ولا شك أن الأشعري كان يعيش مرحلة حرجة في تلك الفترة التي سبقت رجوعه إلى منهج السلف بعد إعلانه خروجه من الاعتزال، حتى إنه اعتزل الناس خمسة عشر يومًا في بيته، خرج بعدها بالقرار الذي أعلنه على الناس في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة، حيث رقى كرسيًا ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة١.
ويلاحظ من هذا القرار أن الأشعري يعلن براءته صراحة من المعتزلة وينص على بعض العقائد التي خرج عليهم فيها، وسلك فيها سبيل أهل الهدى والرشاد.
ومن وقت الإعلان بدأ الأشعري يدافع عن عقائد أهل السلف ويحارب المعتزلة بكل ما أوتي من لسان وبيان حتى صار شجى في حلوق المعتزلة.
_________________
(١) ١ الفهرست لابن النديم ص٢٥٧.
[ ٣٧ ]
المبحث الثامن: منهج الأشعري
تعدد منهج الأشعري تبعًا لمواقفه المختلفة من العقيدة الإسلامية فنجده أولًا ينهج نهج المعتزلة ويسلك مسلكهم في الاستدلال على العقائد فيقدم العقل على النقل، ولا يهتدي في ذلك بكتاب أو سنة، وبرع في استخدام العقل والمجادلة والنظر حتى أن شيخه الجبائي كان ينيبه عنه في مجلسه وكان هذا في الطور الأول الذي سبقت الإشارة إليه.
ولما هداه الله إلى الحق، وخلع ثوب الاعتزال سلك منهجًا آخر، وهو التسليم لما جاء به النقل مع محاولة تحليل ما يتعارض مع رأيه بالعقل، مثل قوله في نظرية الكسب١ كما جاءت في كتابه اللمع، وكذلك سكوته عن الصفات الخبرية وعدم ذكره لها، ويعدّ ذلك مرحلة انتقالية من مذهب تصور أصوله ومسائله إلى مذهب آخر لم يقف إلا على القليل منه، وكان ذلك في طوره الثاني.
ولما استقر على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، ووقف على مسلكهم ممثلًا في الإمام أحمد بن حنبل الذي شاد به وأثنى عليه في طوره الأخير نهج نهجهم وسلك طريقتهم، والتي تعتمد أساسًا على الكتاب والسنة، وقد صرح بذلك في كتابه الإبانة، والرسالة التي معنا.
وعلى هذا يمكن أن نقرر أن الأشعري كان ينطلق من منطلق السلف في هذه المرحلة، ويقدم النقل على العقل، ويجعل العقل تابعًا لما ورد به النص ويؤمن بأسماء الله وصفاته وجميع ما جاء به النقل من الغيبيات، ويرى الاحتجاج بأحاديث الآحاد، بل يستدل بها في العقيدة، ثم في النهاية يستخدم الحجج العقلية ليدحض آراء الخصوم ويؤيد النص المنزل من عند الله، وقد شهد له ابن تيمية - ﵀ - بذلك فقال: "والأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى، ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة، ويثبت الاستواء على العرش، ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش"٢.
_________________
(١) ١ الكسب من الأمور الغامضة ولا حقيقة له كما قيل عند الأشاعرة اقتران قدرة العبد بالفعل دون أن يكون لقدرته تأثير البتة. (انظر الإرشاد للجويني ص١٨٧- ٢٠٣) . ٢ انظر: الموافقة ٢/٨.
[ ٣٨ ]
ويقول في موطن آخر: "وليس للأشعري نفسه في إثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان، بل لم يختلف قوله إنه يثبتها ولا يقف فيها، بل يبطل تأويلات من ينفيها"١.
كما تكلم الدكتور "محمد أبو زهرة" عن منهج الأشعري وحدده في نقاط أربع كما يلي:
١ - أنه يرى أن يأخذ بكل ما جاء به الكتاب والسنة من عقائد، ويحتج بكل وسائل الإقناع والإفحام.
٢ - أنه يأخذ بظواهر النصوص في الآيات التي يظن أنها توهم التشبيه من غير أن يقع في التشبيه٢، فهو يعتقد أن لله وجهًا لا كوجه العبيد، وأن لله يدًا لا تشبه أيدي المخلوقات.
٣ - أنه يرى أن أحاديث الآحاد يحتج بها في العقائد وهي دليل لإثباتها وقد أعلن اعتقاد أشياء ثبتت بأحاديث الآحاد.
٤ - أنه في آرائه كان يجانب أهل الأهواء جميعًا ومنهم المعتزلة ويجتهد في ألا يقع فيما وقع فيه كثير من المنحرفين.
ثم عقب أبو زهرة على ذلك بقوله: "وقد سلك الأشعري في الاستدلال على العقائد مسلك النقل ومسلك العقل، فهو يثبت ما جاء به القرآن الكريم والحديث الشريف من أوصاف الله ورسله واليوم الآخر والملائكة والحساب والعقاب والثواب ويتجه إلى الأدلة العقلية، والبراهين المنطقية يستدل بها على الله ﷾ "٣.
كما حددت الدكتورة "فوقية حسين" منهج الأشعري في المسائل الدينية والاعتقادية من خلال كتبه وخرجت منها بعدة أصول سار عليه الأشعري في كتبه، وهي في جملتها الأصول التي عليها السلف الصالح وهي كما يلي:
_________________
(١) ١ انظر: الموافقة ٣/٢٣٩. ٢ آيات الصفات كلها لا توهم التشبيه إلا عند من لا يعرف الله تعالى ولا يقدره حق قدره، ويقيس الغائب على الشاهد. ٣ انظر كتابه: ابن تيمية حياته وعصره - آراءه الفقهية ص١٨٩ – ١٩١.
[ ٣٩ ]
الأصل الأول: إعطاء الأولوية للنص المنزل قرآنًا كان أم سنة.
الأصل الثاني: تفسير القرآن بالقرآن.
الأصل الثالث: تفسير القرآن بالحديث.
الأصل الرابع: أخذه بما أجمع عليه السلف قبله.
الأصل الخامس: أن القرآن الكريم على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة.
الأصل السادس: الاعتقاد واليقين بأن الله خاطب العرب بلغتهم.
الأصل السابع: مراعاة مناسبة النزول.
الأصل الثامن: مراعاة الخصوص والعموم١.
والناظر في هذه الأصول يتبين له أنها أصول سليمة لفهم القرآن والسنة والسائر عليها لا شك متبع لطريق الهدى والرشاد وهو ما صار عليه الأشعري أخيرًا بعد عودته إلى مذهب السلف، ولقد اتبع هذه الأصول في كتابه الإبانة والرسالة التي نحن بصدد تحقيقها.
هذا هو منهج الأشعري الذي سلكه وسار عليه بعد رجوعه عن الاعتزال والكلابية مع ميوله إلى النزعة الكلامية في تأييده لهذا المنهج وذلك بسبب نشأته الأولى الاعتزالية وقيامه بالدفاع عن العقيدة الإسلامية ضد من انحرفوا عنها من المتكلمين، فكان لابد له من سلوك طريقتهم في الرد عليهم لأنهم لا يقتنعون بأدلة النصوص.
ولقد خالف هذا المنهج تلامذة الأشعري والمنتسبون إليه من بعده حتى وصل إلى طور جديد نوضحه في المبحث التالي - إن شاء الله -.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة كتاب الإبانة للدكتورة فوقية ص١١٠ – ١٣٤.
[ ٤٠ ]
المبحث التاسع: مخالفة الأشعريين لمنهج الأشعري
لقد تطور المذهب الأشعري تطورًا سريعًا ومخالفًا لما كان عليه واضعه الذي ينتسب المذهب إليه، حيث أصبح أتباع الأشعري يسلكون منهجًا آخر يخالف المنهج المذكور عن الأشعري سابقًا، وتعرضوا لآيات الصفات، فلم يثبتوا منها إلا ما أثبته العقل فقط، أما ما لا مجال للعقل فيه فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل، ثم نسبوا ذلك كله للأشعري، دون أن يبينوا للناس أن هذا هو مذهب الأشعري الكلابي الذي كان عليه قبل أن يرجع إلى عقيدة السلف، ولكنه بعد رجوعه عنه لا يصح أن ينسب إليه.
ولتوضيح هذه الحقيقة سأسوق هنا كلام بعض من جاء بعد الأشعري في بعض الصفات وموقفهم منها، ومدى موافقته لمذهب الأشعري أو مخالفته.
أثبت الأشعري في كتابه الإبانة١، والرسالة التي نحن بصدد تحقيقها أن الله استوى على العرش، وأن عرشه فوق سماواته وأبطل قول المعتزلة في تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فقال: "وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْض﴾، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وليس استواه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه ﷿ لم يزل مستويًا على كل شيء"٢.
ومع هذا التصريح الواضح من الأشعري عن هذه الصفة وموقفه منها نجد أتباعه من بعده يذهبون فيها مذهبًا آخر تمامًا وهذا المذهب قد نص الأشعري نفسه على فساده وبطلانه.
فعبد القاهر البغدادي (ت/٤٢٩هـ) وهو من كبار الأشاعرة ينسب إلى الأشعري قولًا لم يقله في هذه الصفة وذلك بعد رجوعه إلى مذهب السلف، وهو أن الله أحدث فعلًا في العرش سماه استواء، ثم يقول: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره"٣.
_________________
(١) ١ انظر: الإبانة ص٣٠- ٤٠ طبعة الجامعة الإسلامية. ٢ انظر: رسائل الثغر ص٢٣ ب من المخطوطة. ٣ انظر: كتابه "أصول الدين" ص١١٣ من الطبعة الأولى بتركيا.
[ ٤١ ]
وإذا ذهبنا إلى أشعري آخر ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري فسنجد نفس التأويل بل أشد.
فأبو حامد الغزالي (ت/٥٠٥هـ) وهو من المعدودين عند ابن عساكر من الطبقة الخامسة السائرين على منوال الأشعري١ يذهب إلى أن الاستواء بمعنى الاستيلاء ويدافع عن ذلك دفاعًا شديدًا فيقول: "ويصلح الاستيلاء عليه - أي على العرش - لأن يمتدح به، وينبه به على غيره الذي هو دونه في العظم، فهذا مما لا يحيله العقل، ويصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعًا، أما صلاح اللفظ له فظاهر عن الخبير بلسان العرب، وإنما ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين على لغة العرب الناظرين إليها من بعد الملتفتين إليها التفات العرب إلى لسان الترك حيث لم يتعلموا منها إلا أوائلها، فمن المستحسن في اللغة أن يقال: استوى الأمير على مملكته، حتى قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق"٢
وإذا جئنا إلى صفة أخرى كاليد مثلًا نجد أن الأشعري يثبت اليدين صفة لله ﷿، ويقرر أن هذه الصفة لا يمكن أن يكون المراد بها النعمة أو القدرة كما ذهب إلى ذلك من ذهب من المعطلين بعده وقبله فيقول: "وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحًا، وأن يديه غير نعمته، وقد دل على ذلك تشريفه لآدم ﵇ حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ "٣.
ومع هذا التصريح الواضح من الأشعري في إثبات هذه الصفة نجد تلامذته من بعده يؤولونها ويذهبون فيها المذهب الذي نص الأشعري نفسه على بطلانه كما سبق في صفة الاستواء فالبغدادي يقول فيها: "وقد تأول بعض أصحابنا اليد على معنى القدرة وذلك صحيح على المذهب إذا أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء، ولذلك قال في آدم ﵇ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ووجه تخصيص آدم بذلك أنه خلقه بقدرته لا على مثال
_________________
(١) ١ انظر: التبيين ص٢٩١. ٢ انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص٣١. ٣ انظر: رسائل الثغر / ق ٢٢ ب، والإبانة ص٣٥ – ٣٨.
[ ٤٢ ]
له سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام، كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام"١.
وهكذا نجد أتباع الأشعري والمنتسبين إليه يضعون مذهبًا لأنفسهم بعيدًا كل البعد عن عقيدة الأشعري التي لقي الله عليها فأولوا الصفات التي أثبتها الأشعري لله ﷿، وتلقى الناس عنهم ذلك على أنه مذهب الأشعري وقد سار في هذا المنوال جميع المتأخرين المنتسبين إليه بلا استثناء كالفخر الرازي والنسفي وابن عاشر والباجوري وغيرهما كثير، بل إن كثيرًا من الجامعات الإسلامية اليوم تدرس هذا المذهب الباطل المنسوب إلى الأشعري على أنه مذهب الأشعري، والأشعري منه بريء، كما يلاحظ أنهم يطلقون على هذا المذهب مذهب أهل السنة والجماعة باعتبار أنه منسوب لإمام أهل السنة والجماعة وهو الأشعري وكل ذلك زعم باطل وقول غير سديد.
ولولا الرغبة في الاختصار لعرضت لأمثلة كثيرة من هذا النوع، ولكني أكتفي بما سبقت الإشارة إليه كدليل واضح لما أردت الوصول إليه من حقيقة وهي: أن بين الأشعري والأشاعرة فجوة كبيرة، أحدثها المنتسبون إليه بخروجهم عن عقيدته، وهذا ضياع للحقيقة وهدم لمكانة الأشعري السلفية التي رجع إليها بانتسابه إلى الإمام أحمد كما أوضحت سابقًا.
ولقد تبين لكثير من العلماء والباحثين مدى مخالفة الأشاعرة لإمامهم الأشعري فنصوا على ذلك في كتبهم وسأسوق هاهنا بعضًا مما وقفت عليه من ذلك تأكيدًا لهذه الحقيقة، وأسأل الله جل ذكره أن يكون فيما أكتب مفتاحًا لطلاب الحق حتى يصلوا إليه.
يقول ابن تيمية وهو بصدد الكلام على أتباع الأشعري: "ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ما جاء به الشرع مطلقًا، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون: الأدلة السمعية، لا تفيد اليقين، بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم"٢.
وهذا ينطبق على الأشعري بعد رجوعه إلى مذهب السلف وترك الاعتزال والعقيدة الكلابية التي كان عليهما فترة من الزمن.
_________________
(١) ١ انظر: أصول الدين ص١١١. ٢ موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ٢/٨، ٩.
[ ٤٣ ]
ويقول المقريزي (ت/٨٤٥هـ) بعد ما ذكر جملة أصول عقيدة الأشعري: "والأشعرية يسمون الصفاتية لإثباتهم صفات الله تعالى القديمة، ثم اختلفوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة كالاستواء والنزول والأصبع واليد والقدم والصورة والجنب والمجيء على فرقتين: فرقة تؤول جميع ذلك على وجوه محتملة اللفظ، وفرقة لم يتعرضوا للتأويل ولا صاروا إلى التشبيه ويقال لهؤلاء الأشعرية الأثرية"١.
ويقول محب الدين الخطيب: "أما الأشعرية أي المذهب المنسوب إليه في علم الكلام فكما أنه لا يمثل الأشعري في طور اعتزاله، فإنه ليس من الإنصاف أيضًا أن يلصق به فيما أراد أن يلقى الله عليه، بل هو مستمد من أقواله التي كان عليها في الطور الثاني، ثم عدل عن كثير منها في آخرته التي أتمها الله عليه بالحسنى"٢.
ويقول أئمة المستشرقين في العالم: "وإن منهج الأشعري في التدليل في عين القارئ الأوربي لا يختلف للنظرة الأولى عن منهج أتباع أحمد بن حنبل المغالين في المحافظة؛ ذلك أن كثيرًا من حججه يقوم على تفسير القرآن والحديث على أن السبب في ذلك كان مرجعه إلى أن خصومه أيضًا بما فيهم المعتزلة أنفسهم قد استعانوا بحجج من هذا القبيل، وأن الأشعري كان يعتمد دائمًا على مخاطبة عواطف المرء لا عقله، ومع ذلك فإن خصومه حين يسلمون بدليل عقلي صرف، فإن الأشعري كان لا يتردد في استخدامه في دحض أقوالهم وما إن تقرر جواز مثل هذه الحجج في نظر كثير من المتكلمين على الأقل، حتى استطاع الأشعرية أن ينموا هذا الجانب من منهجه، وانتهى الأمر في القرون المتأخرة بأن أصبح الكلام عقليًا تمامًا، على أن هذا كان بعيدًا أشد البعد من مزاج الأشعري نفسه"٣. ثم استمروا يوضحون هذه الحقيقة إلى أن قالوا: "وختامًا يجوز لنا أن نقول: إن المذهب قد اختفى في وهج من الفلسفة"٤.
ويقول الدكتور حمودة غرابة: "أما مذهب الأشعري نفسه فقد مزجه أغلب أتباعه بآرائهم، ومن حاول منهم كالشهرستاني أن يضعه في صورة خاصة تميزه عن رأي تلامذته، فإنه لم يسلم من الخطأ في هذا التصوير مما كان له أسوأ الأثر في تكوين فكرة خاطئة عن هذا المذهب في نفس قارئه ومن تعرض لذلك"٥.
_________________
(١) ١ الخطط للمقريزي ٣/٣١٠. ٢ انظر: تعليقه على المنتقى من منهاج الاعتدال ص٤٣. ٣ انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٣/٤٣٤، ٤٣٥. ٤ انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٣/٤٣٨، ٤٣٩. ٥ انظر كتابه: الأشعري أبو الحسن ص٤ مطبعة الرسالة – القاهرة.
[ ٤٤ ]
المبحث العاشر: وفاته
اختلف المؤرخون في تحديد سنة وفاة الأشعري، ومعظم المؤرخين ذكر أكثر من تاريخ، وكلها تدور في أنه مات بين سنة عشرين وثلاثمائة وبين سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة١، وبعض المؤرخين ذكره فيمن مات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ومن هؤلاء ابن كثير٢، وابن تغرى بردى٣، والذهبي٤، ورجحه السبكي في الطبقات٥، وجزم به ابن عساكر في التبيين٦ معللًا أن ابن فورك هو الذي ذكر هذا التاريخ وابن فورك تلميذ الباهلي، وهو تلميذ الأشعري، وبناءً على ما تقدم تكون وفاة الأشعري سنة ٣٢٤هـ؛ إذ خير من يعتمد عليه في معرفة وفاة العلماء تلاميذهم.
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ بغداد ١١/٣٤٧، والأنساب للسمعاني ١/٢٦٧، ووفيات الأعيان ٣/٢٨٤، ٢٨٥، والخطط للمقريزي ٣/٣٠٧. ٢ البداية والنهاية ١١/١٨٧. ٣ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ٣/٢٥٩. ٤ العبر في خبر من غبر ٢/٢٠٢. ٥ طبقات الشافعية الكبرى ٣/٣٥٥. ٦ تبيين كذب المفتري ص١٤٧.
[ ٤٥ ]
الفصل الثالث: شيوخه وتلاميذه
المبحث الأول: شيوخه
المبحث الأول شيوخه
علمنا مما سبق أن الأشعري عاش فترته الأولى من حياته إلى سن الأربعين من عمره على مذهب الاعتزال، وكان الجبائي١ هو شيخه الوحيد في هذه الفترة.
ولما هداه الله إلى الحق وخلع ثوب الاعتزال وتخلص من المذهب الكلابي تتلمذ على أئمة أهل السنة والجماعة، وقد وصلنا من شيوخه في هذه الفترة ما يلي:
١ - أبو خليفة الجمحي:
هو الفضل بن الحباب الجمحي البصري مسند العصر، وكان محدثًا متقنًا ثبتًا إخباريًا عالمًا، روى عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب وطبقتهما، وتوفي عام (٣٠٥هـ) ٢.
٢ - ابن سريج:
هو أحمد بن سريج القاضي أبو العباس البغدادي (ت/٣٠٦هـ) إمام أصحاب الشافعي في وقته، شرح المذهب ولخصه، وحدث شيئًا يسيرًا عن الحسن بن محمد الزعفراني، وعباس بن محمد الدوري، ومحمد ابن عبد الملك الدقيقي، وأبي داود السجستاني ونحوهم٣.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته في ص٣٣. ٢ انظر: شذرات الذهب ٢/٣٥٥، ٣٥٦. ٣ انظر: تاريخ بغداد ٤/٢٨٧، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/٢١، ووفيات الأعيان١/ ٦٦، ٦٧، وشذرات الذهب ٢/٢٤٧، ٢٤٨.
[ ٤٦ ]
٣ - الحافظ زكريا الساجي:
هو الإمام الحافظ محدث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي (ت/ ٣٠٧هـ) وعنه أخذ الأشعري تحرير مقالة أهل الحديث والسلف، وروى عنه بعض الأحاديث١.
٤ - أبو إسحاق المروزي:
هو إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي الفقيه الشافعي إمام عصره في الفتوى والتدريس، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج وبرع فيه وانتهت إليه الرئاسة بالعراق بعد ابن سريج (ت/ ٣٤٠هـ) ٢.
وهؤلاء المشايخ سلفيون، لأن الأشعري أخذ عنهم بعد رجوعه إلى مذهب السلف كما ذكرت ذلك في الصفحة السابقة.
_________________
(١) ١ انظر: تذكرة الحفاظ ٣/٧٠٩، والبداية والنهاية ١١/١٨٧، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/٣٥٤، وشذرات الذهب ٢/٢٥٠. ٢ انظر: وفيات الأعيان ١/٢٦، ٢٧، وشذرات الذهب ٢/٣٥٥، ٣٥٦.
[ ٤٧ ]
المبحث الثاني: تلاميذه
لقد اهتم ابن عساكر١ من بين المؤرخين الذين كتبوا عن الأشعري بالحديث عن تلامذته والآخذين منه، واستدل بذلك على عظم منزلته وجلالة قدره - ﵀ -، وقد قسم ابن عساكر الآخذين عن الأشعري إلى خمس طبقات بدأ فيها بأصحابه الذين أخذوا منه وأدركوه واعتبرهم الطبقة الأولى ثم أتبع ذلك بمن أخذ عن تلامذة الأشعري واعتبرهم الطبقة الثانية، وهكذا إلى أن وصل إلى الطبقة الخامسة.
وينبغي التنبيه هنا على أن هؤلاء التلاميذ المذكورين في الطبقات الخمس عند ابن عساكر ليسوا جميعًا قائلين بمذهب الأشعري السلفي وإن انتسبوا إليه وأخذوا ببعض أقواله وخاصة في المرحلة الثانية التي عاشها من حياته - كما أوضحت سابقًا -.
وسأكتفي هنا بذكر الآخذين عن الأشعري نفسه وهم كما يلي:
١ - أبو عبد الله بن مجاهد البصري.
٢ - أبو الحسن الباهلي البصري.
٣ - أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي.
٤ - أبو بكر القفال الشاشي.
٥ - أبو سهل الصعلوكي النيسابوري.
٦ - أبو زيد المروزي.
٧ - أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي.
٨ - أبو بكر الجرجاني المعروف بالإسماعيلي.
٩ - أبو الحسن عبد العزيز بن محمد بن إسحاق الطبري.
١٠ - أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري.
١١ - أبو جعفر السلمي البغدادي النقاش.
١٢ - أبو عبد الله الأصفهاني.
_________________
(١) ١ انظر: تبيين كذب المفتري ص١٧٧ – ٢٢٨.
[ ٤٨ ]
١٣ - أبو محمد القرشي الزهري.
١٤ - أبو بكر البخاري المعروف بالأودني الفقيه.
١٥ - أبو منصور بن حمشاد النيسابوري.
١٦ - أبو الحسين بن سمعون البغدادي.
١٧ - أبو عبد الرحمن الشروطي الجرجاني.
١٨ - أبو علي الفقيه السرخسي.
[ ٤٩ ]