في رد الإشراك في العلم
الحواس الخمس الظاهرة، والعقل، منحة إلهية عامة للبشر
قال اللَّه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، اعلم أن اللَّه تعالى قد وهب عباده قوى ووسائل للاطلاع على أمور ظاهرة، فرزقهم العين ليبصروا، والأذن ليسمعوا، والأنف ليشموا، واللسان ليذوقوا، واليد ليجسوا، والعقل ليفهموا ويتبصروا، وقد مكنهم من هذه الطرق والوسائل، وملكهم إياها ليستخدموها في مآربهم وحاجاتهم، فكلما أراد الإنسان أن يبصر فتح عينه وإلا أطبقها، وإذا أراد أن يتذوق شيئا وضعه في فمه، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فكأنما أعطاهم مفاتيح لاكتشاف هذه الأشياء والاطلاع عليها، ومن كان عنده مفتاح كان القفل خاضعا له، تابعا لإرادته، إن شاء فتح، وإن لم يشأ لم يفتح، فكان الاطلاع على الأمور الظاهرة في تصرف الناس، وكانوا أحرارا فيه، يتصرفون فيه كما يشاءون.
علم الغيب خاص بالله تعالى، ووراء طور البشر:
وهذا شأن الاطلاع على الغيب فيما يختص بالله تعالى، فهو يملكه ويتصرف فيه كما يشاء، وهي صفته الدائمة، ولم يجعل لولي أو نبي،
[ ١٠١ ]
أو جني أو ملك، أو شيخ أو شهيد، أو إمام، أو سليل إمام، ولا لعفريت ولا لجنية أن يطلعوا على الغيب متى شاءوا، إن اللَّه قد يطلع من يشاء على ما يشاء متى يشاء، لا يجاوز علمه ما أراد اللَّه إطلاعه عليه مثقال ذرة، وكان ذلك خاضعا لإرادة اللَّه تعالى، لا لهواهم.
وقد وقع للنبي ﷺ مرارا أنه رغب في الاطلاع على شيء فلم يتيسر له ذلك، فلما أراد اللَّه ذلك أطلعه عليه في طرفة عين. وقصة الإفك مشهورة معلومة للجميع، وقد أشاع المنافقون عن سيدتنا عائشة ما هي منه بريئة، وقد كبر ذلك على النبي ﷺ، وبلغ منه كل مبلغ، وقضى أياما يفحص فيها الأمر فلم تنكشف له الحقيقة، وبقي أياما مشغول الخاطر، فلما أراد اللَّه أن تنجلي عنه هذه الغمة، وتنكشف له الحقيقة أخبره بأن المنافقين هم الكاذبون، وأن عائشة ﵂ بريئة من هذه التهمة، فعلم من ذلك يقينا أن مفتاح الغيب بيد اللَّه تعالى لم يمكن منه أحدا، ولم يملكه إياه، وليس له خازن بل هو الذي يفتح هذا القفل بيده، فيهب من يشاء ما يشاء، لا يمسك يده أحد، ولا يمنعه عن ذلك أحد.
من ادعى لنفسه، أو اعتقد في أحد علم الغيب بالاستقلال والدوام كان كاذبا آثما:
وقد تبين من هذه الآية أن من ادعى علما يعرف به الغيب متى شاء وأن الاطلاع على الأمور المستقبلة ميسور له، وتحت تصرفه، كان كذابا، مدعيا للألوهية، ومن اعتقد ذلك في نبي أو ولي، أو جني أو ملك، أو إمام أو ابن إمام، أو شيخ أو شهيد، أو مُنِجِّم أو رمَّال، أو جفار، أو من يبحث عن الفال في كتاب (١)، وغير ذلك، أو كاهن أو سادن، أو عفريت أو جنية كان مشركا، منكرا لهذه الآية.
ومن وسوست له نفسه، وسول له الشيطان أنه قد يتحقق ما يخبر به منجم، أو رمال، أو كاهن، أو محترف بالأخبار بالسعد والنحس، فيدل ذلك على علمه للغيب، فكل ذلك باطل، فإن كثيرا ما تخطئ أخبارهم ويقع عكسها، فثبت من ذلك أنه لا صلة له بعلم الغيب، وأنه ليس في تصرفهم، وإنما يتكلمون رجما بالغيب، وقد يصيبون، وقد يخطئون، وهذا هو الشأن في الاستخارة والكشف، ومن يبحث عن الفال في
_________________
(١) اعتاد الناس - في الهند وغيرها أنهم إذا غم عليهم أمر، وكانوا في حيرة وتردد، يقدمون - رجلا، ويؤخرون أخرى، فتحوا كتابا يعتقدون في مؤلفة الخير، وشفوف الروح، فيفتحونه من غير تخير، فما واجههم في الصفحة التي فتحوها تفاءلوا به، وبتوا الأمر، وقد كثر الاعتماد على ذلك في إيران، وشبه القارة الهندية، على «ديوان حافظ» الشاعر الإيراني الغزلي الصوفي، المتوفى سنة ٧٩٣هـ ويسمون هذا الاستفتاء «برؤية الفال» .
[ ١٠٢ ]
المصحف.
وبالعكس من ذلك فإنه لا خطأ في الوحي، والوحي لا يملكون من أمره شيئا، وإنما ذلك إلى اللَّه، إذا شاء أوحى إليهم بما شاء، وإذا لم يشأ لم يوح إليهم، لا أثر لرغبتهم في ذلك، يقول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، فعلم أنه لا سلطان لأحد على الغيب، ودليله أن جميع المؤمنين يؤمنون بأن الساعة آتية لا ريب فيها، ولكنهم لا يعلمون موعدها بالتحديد، يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا
[ ١٠٣ ]
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] .
الأمور المستقبلة التي لا تعلم بالقطع:
فإذا كان هذا شأن الساعة التي هي من الأمور القطعية، ومن ضروريات الدين، لا يعلمها أحد، فما ظنك بغيرها من الأخبار والحوادث كالفتح والهزيمة، والمرض والصحة، فإنها لم تشتهر اشتهار القيامة، ولم تكن منزلتها من القطع واليقين كمنزلة القيامة، كذلك لا يعرف أحد متى ينزل المطر، مع أن الفصول معينة، وللأمطار فصل وإبان، تجيء فيه الأمطار في غالب الأحيان، أما الأشياء التي ليس لها فصل معين، ولا يتفق الناس على الحاجة إليه، أو الرغبة فيه، كأن يموت رجل أو يعيش، أو أن يرزق أحد ولدا، أو يغنى الإنسان أو يفتقر، أو أن ينتصر أحد في حرب أو ينهزم أحد، فلا سبيل إلى علمها لأحد، وكذلك ما كان في الأرحام من نطفة، فلا يعلم.
العلم بمكنونات الضمائر وهواجس الخواطر، ليس بميسور دائما:
وإذا كان هذا شأن أمور تظهر أماراتها، وتعرف مقدماتها، فكيف بما يضمره الإنسان من أفكار وخواطر، وإرادات ونيات، وإيمان ونفاق، وهي في بطون الضمائر، وطيات الصدور، وإذا لم يعلم أحد ما مصيره غدا، وما هو فاعله ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ فكيف يعلم
[ ١٠٤ ]
حال غيره؟ وإذا لم يعلم مكان موته ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فكيف يعلم أين يموت فلان ومتى يموت؟
المدعون المحترفون بالإخبار عن الأمور الغيبية:
وجملة القول: أن الذين يدعون الغيب، أو يدعون الكشف منهم من يستخرج الأخبار من تقويم النجوم، أو الرمل، ومنهم من يطوف في الناس، فإنهم كلهم كاذبون مزورون، ويجب على المسلم الصادق أن يبتعد عنهم، ولا يقع في شباكهم.
نداء الأموات من بعيد أو قريب للدعاء إشراك في العلم:
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥]، وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة، فقد عدلوا عن اللَّه القادر العليم، إلى أناس لا يسمعون دعاءهم، وإن سمعوا ما استجابوا [لهم]، وهم لا يقدرون على شيء، فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون ويظنون أنهم ما أشركوا، فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة، وإنما طلبوا منهم الدعاء، وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد، كما يسمعون نداءهم عن قرب.
[ ١٠٥ ]
نفي القدرة المطلقة والاستقلال بعلم الغيب عن النبي ﷺ:
وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الأعراف.
وقد خاطب اللَّه في هذه الآية سيد الأنبياء، ومنه تعلم الناس الدين، وباتباعه واقتفاء آثاره نال من نال الشرف عند الناس، والمنزلة عند اللَّه، فأمره بأن يخبر الناس بخبره، حتى يقيس به الناس غيره، فإذا كان هو لا يقدر على شيء ولا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولو كان يعلم الغيب لعرف عواقب الأمور، فإذا عرف عن أمر أنه يؤول إلى نجاح أقدم إليه، وأقبل عليه، وإذا عرف أنه لا خير فيه، أمسك عنه وزهد فيه (١) .
وقد نفى النبي ﷺ عن نفسه الشريفة القدرة المطلقة، والعلم بالغيب، إنما أكرمه اللَّه بالرسالة، وشرفه بالنبوة، والنبي مكلف بالإنذار والتبشير لا غير، ينذر السيئات بسخط اللَّه وعذابه، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ولا ينفع الإنذار والتبشير إلا أهل الإيمان (٢)، وليس من شأن النبي أن يخلق الإيمان في قلوب الناس، إنما هو خلق اللَّه.
_________________
(١) صح من قوله ﷺ: «ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي» (صحيح مسلم، كتاب الحج، ص ٣٩٠، ج ١) .
(٢) يقول اللَّه ﷿: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس: ١١] .
[ ١٠٦ ]
سر شرف الأنبياء، وكرامة الأولياء ليس في التصرف المطلق، والعلم المستقل بالغيب:
وقد دلت هذه الآية على أن الأنبياء والأولياء، إنما شرفهم اللَّه على الخلق، وعلت منزلتهم عند اللَّه، لأنهم يدعون الناس إلى اللَّه، ويرشدون إلى طرائق الحق، ولأنهم يعرفون ما هو صالح الأعمال، وما هو فاسدها، فيعلمون الناس ذلك، وينفع اللَّه بكلامهم، فينفذ في القلب، ويهتدي الناس إلى الصراط المستقيم، وليس شرفهم، لأن اللَّه ﷾ منحهم قدرة التصرف في العالم، فيميتون من يشاءون، أو يرزقون من يشاءون الأولاد، أو يفرجون الكرب، ويكشفون الغم، ويحققون أماني الناس، ويقضون حاجاتهم، ويجعلون من يشاءون منتصرا أو منهزما، أو غنيا أو فقيرا، أو ملكا أو أميرا، أو وزيرا، وينتزعون ممن يشاءون ملكا أو إمارة، أو يخلقون في قلب من يشاءون الإيمان، أو ينزعونه منه، أو يشفون المريض، أو يسلبون منه الصحة، قد تساوى في ذلك جميع العباد، فكلهم عاجزون ضعفاء لا يقدرون على شيء.
وكذلك لا يمتازون عن الناس بأن اللَّه ﷾ مكنهم من علم الغيب، وبسط لهم فيه، فيطلعون على خواطر النفوس متى شاءوا، ويطلعون على شؤون من غاب إذا شاءوا، فيعرفون هل هو حي أم مات، وفي أي مدينة هو، وما تكتنفه من أحوال، وما يتقلب فيه من نعيم أو بؤس، ويعرفون ما هو كائن غدا، فيعرفون أن فلانا سيرزق ولدا، وفلانا لا يولد له، وفلانا يربح في التجارة أو يخسر، وهل يقدر لفلان الانتصار في الحرب، أو سيلقى الهزيمة، فقد تساوى في ذلك جميع العباد كبارهم وصغارهم، هم عن ذلك في عمى، إلا ما ينقل عن بعض
[ ١٠٧ ]
العقلاء شيء من الحدس، أو لتقدير مصدره القرائن أو العقل السليم، فيتفق ذلك مع الواقع، كذلك هؤلاء السادة والعظماء قد يحكمون على شيء بعقل أو قرينة، فيتحقق في بعض الأحيان، ويتخلف في بعض الأحيان، أما ما كان عن طريق الوحي والإلهام، فهو لا يقاس على ذلك، ولا يتطرق إليه خطأ، ولا ترتقي إليه شبهة.
استنكار النبي ﷺ لنسبة علم الغيب إليه:
أخرج البخاري عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: «جاء النبي ﷺ فدخل حين بُنِيَ عَلَيَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: " وفينا نبي يعلم ما في غد " فقال: " دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين» .
وقد دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يعتقد الإنسان في نبي أو ولي، وإمام أو شهيد، أنه يعلم الغيب، حتى لا يصح هذا الاعتقاد في حضرة الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه، ولا يصح أن يمدح بذلك في شعر أو كلام، أو خطبة، أما ما اعتاده الشعراء من المبالغة والإسراف في مدح الرسول ﷺ أو غيره من الأنبياء والأولياء، والصلحاء والمشايخ، أو الأساتذة، فتخطوا في ذلك حدود الشرع، ونعتوهم في بعض الأحيان بما يليق بالله تعالى، فإذا عورضوا قالوا: إن الشعر جماله المبالغة، وكل شعر تجرد عن المبالغة فهو بالنشر أشبه منه بالشعر، ولكن
[ ١٠٨ ]
لا يصح هذا الاعتذار، فإن النبي ﷺ نهى جواري الأنصار عن أن ينشدن شعرا نسب إليه في علم الغيب، فما ظنك بعاقل يقول مثل هذا الشعر أو يستحسنه؟
أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «من أخبرك أن محمدا ﷺ يعلم الخمس التي قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، فقد أعظم الفرية» .
وهذه الخمس هي التي ذكرها اللَّه في آخر سورة لقمان، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] .
وأخرج البخاري عن أم العلاء قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: «والله لا أدري وأنا رسول اللَّه ما يفعل بي ولا بكم» .
[ ١٠٩ ]