الفصل الأول: عصر المؤلف
الفصل الأول: عصر المؤلف (٠٠٠ - ٤٤٤هـ)
تمهيد:
قبل الشروع في دراسة حياة المؤلّف والتعريف به، رأيت أن أقدم بين يدي ذلك عرضًا موجزًا للبيئة التي عاش فيها، والظروف التي سادت في عصره، وأحاطت بحياته، إذ أن المرء ابن بيئته، يتأثر بالظروف والمؤثرات المحيطة به.
لذا كان لزاما علينا ونحن ندرس حياة عَلم من أعلام الإسلام، كالإِمام أبي نصر السجزي، أن نلم بالأحوال التالية في عصره:
الحالة السياسية.
الحالة الاجتماعية.
الحالة العلمية.
الحالة الدينية
الحالة السياسية:
لم تذكر لنا مصادر ترجمة الإِمام أبي نصر السجزي متى كانت ولادته، وإنما اكتفت بذكر تاريخ وفاته وأنه بعد الأربعين وأربعمائة، ثم أشير فيها إلى أنه كان يعيش قبل الأربعمائة، حيث بدأ رحلته في طلب العلم كما سيأتي معنا.
إذًا علينا أن نعرض للحالة السياسية في الربع الأخير من القرن الرابع والنصف الأول ومن القرن الخامس الهجريين وهي الحقبة التي عاشها الإِمام أبو نصر على وجه التقريب.
[ ٢٨ ]
وعلى هذا فقد عاصر أبو نصر دولة بني العباس في عصر انحسار نفوذ الخلفاء وتقلص سلطان الدولة الفعلي، حيث استقل كل أمير بإمارته وكل أهل ناحية، بما يليهم، فقامت دويلات متناحرة، ولم يبق للخليفة العباسي سوى بغداد، ولم تكن سلطته عليها سائدة على كل حال.
فأدرك أبو نصر الخليفة العباسي القادر بالله أبا العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله (٣٨١-٤٢٢ هـ)، ثم الخليفة القائم بأمر الله أبا جعفر عبد الله بن القادر بالله (٤٢٢-٤٦٧ هـ) ١.
وكان الضعف قد دب في كيان هذه الدولة في نهاية الربع الأول من القرن الرابع الهجري، حيث أصيب العالم الإسلامي في نحو سنة ٣٢٤ هـ بانقسام كبير حتى كأنه عقد قد انفرط أو صخرة قد تفتت - كما يقول أحمد أمين ٢ - وإن كانت قد انفصلت بعض أجزاء الدولة قبل ذلك التاريخ، إلا أنه لم يحصل مثل هذا التمزق إلا في نحو هذا العام.
يقول ابن كثير: في هذه السنة: "وهَيَ أمر الخلافة جدًا، واستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها ولم يبق للخليقة حكم في غير بغداد ومعاملاتها، ومع هذا فليس له فيها نفوذ ولا كلمة تطاع" ٣.
ثم لازم هذا الوضع المتردي الدولة العباسية إلى أن أفل نجمها، وانثل عرشها على أيدي التتار سنة ست وخمسين وستمائة حين قضى هولاكو
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية١١/٣٠٨، ١٢/٣١، ١١٠. ٢ انظر: ظهر الإسلام ٢/١. ٣ انظر: البداية والنهاية ١١/١٨٤.
[ ٢٩ ]
على آخر خلفائها، المستعصم بالله ١.
فنرى القادر بالله والقائم بأمر الله الخليفتين اللذين عاصرهما الإمام السجزي، وليس لهما من الخلافة إلا الاسم والرسم، حيث استبد البويهون ٢ بأمور الدولة في العراق وفي بغداد نفسها، فضلًا عن سائر الأقاليم التي أصبحت دولًا لها ملوكها الذين لا يخضعون للدولة العباسية إلا اسمًا.
إذ لم تزل بقية من هيبة الخلافة وجلالها تكمن في أذهان أولئك السلاطين والأمراء.
فكان ملوك وسلاطين الأقاليم المنفصلة عن دولة الخلافة يعترفون بالسيادة الاسمية لدولة الخلافة، ويدعون للخليفة العباسي في المساجد وعلى المنابر، ويبعثون إليه من الهدايا ما يشترون به الألقاب، ويحرصون على الظفر بموافقته لاكتساب الصبغة الشرعية أمام العامة ٣.
_________________
(١) ١ انظر: المرجع السابق ١٣/٢٠٠. ٢ نسبة إلى جدهم أبي شجاع بويه. وقد استبدوا بالسلطة في عهد الدولة العباسية في الفترة من (٣٢٠ـ٤٤٧) - وكانوا شديدي التعصب للشيعة. ومن أهم زعمائهم في عصر الخليفة العباسي القادر بالله وابنه القائم بأمر الله، بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة حكما من ٤٠٣ـ٤١١ هـ ومشرف الدولة ٤١١ـ٤١٦هـ، وجلال الدولة ٤١٦ـ٤٣٥هـ وأبو كاليجار ٤٣٥ـ٤٤٠. انظر: تاريخ الإسلام السياسي ٣/٣٧ـ٦٣. ٣ انظر: تاريخ الإسلام السياسي ٣/٢٤٩.
[ ٣٠ ]
وكانت حينئذ الأندلس بيد الأمويين، ومصر وإفريقية والشام بيد الباطنيين، وغزنه ونواحيها بيد السبكتكينيين وخرسان وناحيتها يسيطر عليها السلاجقة ١.
هكذا كانت الحالة السياسية في عصر الإِمام أبي نصر السجزي، عصر الدويلات المتناحرة على السلطة، عصر السطو على سلطان الخليفة العباسي وتجريده من مسئولياته، مع الحفاظ على بقائه على عرش الخلافة اسما والدعاء له بذلك على المنابر، ما دام قانعًا راضيًا، بذلك فإن طمع في أكثر منه، قضي عليه بصورة أو بأخرى وجيء بمن هو أكثر منه قناعة، وأسلس قيادًا.
الحالة الاجتماعية:
لقد لاحظنا فيما سبق الفوضى السياسية التي عمت البلاد، وكيف سُلب الخليفة سلطانه الفعلي، وفقد سيطرته على أجزاء مملكته فاستقل الأمراء والسلاطين بالسلطة، واشتغلوا بالاقتتال عليها والتناحر من أجلها.
في ظل هذا الواقع السياسي غير المستقر، لا يمكن أن تكون الحياة الاجتماعية مستقرة وادعة.
فاشتغال السلاطين والأمراء بالوصول إلى السلطة، شغلهم عن تأمين حياة اجتماعية، كريمة آمنة للأمة.
والإِنفاق المفرط على الحروب التي نشبت بينهم، أرهق اقتصاد
_________________
(١) ١ انظر: محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ٢/٤٠٠ بتصرف.
[ ٣١ ]
البلاد، فنضبت أكثر الموارد وتفشى بين الناس أمران خطيران: غلاء المعيشة، واضطراب نظام الأمن في البلاد.
فأما الغلاء فقد بلغ حدًا لا يتحمله عامة الناس، ففي سنة ٣٨٢ غلت الأسعار ببغداد وهي حاضرة الخلافة، حتى بيع رطل الخبز بأربعين درهمًا والجزر بدرهم ١.
وزاد الحال سوءًا في سنة ٣٩٣ هـ فغلت الأسعار ببغداد جدًا وعدمت الحنطة وبيع الكر٢ بمائة وعشرين دينارًا كما يقول ابن كثير٣.
وفي سنة ٤١١ هـ بلغ الغلاء ذروته، والجوع غايته، فحل بالعراق غلاء مفرط حتى أكل الناس الكلاب والحمر٤.
وإذا كان هذا الحال في العراق وبغداد، عاصمة الدولة وحاضرتها فما بالك بما سواها من القرى والأمصار. لقد ضاق بأهلها الحال وجاع العيال. ومع هذأ فقد كان هناك إلى جانب هذه الفاقة والجوع وهذا الغلاء الذي حل بالبلاد، وعم أكثر العباد، كان هناك ترف وسرف في
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ١١/٣١١. ٢ الكر: مكيال لأهل العراق. والكر: ستة أوقار حمار وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا، قال أبو منصور. الكر: ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف. قال الأزهري: والكر من هذا الحساب اثنا عشر وسقًا، وكل وسق ستون صاعًا. انظر: اللسان ٥/١٣٧. ٣ البداية والنهاية ١١/٣٣٢. ٤ انظر: العبر ٣/١٠٤.
[ ٣٢ ]
بيوت الخلفاء والأمراء، كما كان هناك جدة للمال في أيدي بعض التجار وكثير من العيارين ١ والحرامية الذين سلبوا أموال الناس وسطوا على المتاجر والمنازل ونهبوا ما فيها، فتكونت في أيديهم ثروة وأموال أنفقوها على شهواتهم وملذاتهم.
وأما اضطراب نظام الأمن: فحدث عنه ولا حرج.
فنتيجة لضعف السلطان، وزوال هيبته، انتشر أمر العيارين والحرامية وقطاع الطرق، دون أن يجدوا سلطة رادعة من الدولة في أكثر الأحيان.
ففي سنة ٣٨٤ هـ في خلافة القادر بالله عظم الخطب بأمر العيارين وعاثوا ببغداد فسادًا وأخذوا أموال الناس وحرقوا مواضع كثيرة وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشُّرَطُ فلم يُفِدْ ذلك شيئا ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال وقتل الرجال وإرعاب النساء والأطفال في سائر المحال، فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم فهربوا بين يديه واستراح الناس من شرهم ٢.
لكن هروبهم لم يدم طويلًا فكثيرًا ما كانوا يظهرون ويعودون للنهب والسلب. ففي سنة ٣٩٠ هـ عظم أمرهم وأتوا بيوت الناس
_________________
(١) ١ رجل عيار: إذا كان كثير التطواف والحركة ذكيًا، قال ابن الأعرابي: والعرب تمدح بالعيار وتذم به يقال: غلام عيار: نشيط في المعاصي، وغلام عيار نشيط في طاعة الله. انظر: لسان العرب ٤/٦٢٣. ٢ البداية والنهاية ١١/٢١٢، والعبر ٣/٢٤.
[ ٣٣ ]
نهارًا جهارًا، وواصلوا العملات ١ وقتلوا وأشرف الناس بهم على أمر عظيم وقويت شوكتهم كما يقول الذهبي ٢.
وهكذا حدث في سنة ٣٩٢٣ و٤١٦هـ، ٤١٧ ٤ ثم استمر الحال على ذلك حتى إنهم قتلوا صاحب الشرطة في سنة ٤٢٤ وأخذوا أموال الناس عيانا بقيادة البرجمي الذي أرعب الناس فكانوا لا يجسرون أن يقولوا فعل البرجمي خوفًا منه بل يقولوا عنه: القائد أبو علي ٥.
هذا ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى قطع طريق الحاج وصده عن البيت الحرام. ففي سنة ٣٩٢ هـ رجع حجاج خراسان من بغداد خوفًا من الأعراب الذين عاثوا في الأرض فسادًا ولا ناصر ولا ناظر ينصرهم أو ينظر في أمرهم فرجعوا إلى بلادهم ولم يحج من بلاد المشرق أحد في هذه السنة.
وهكذا حدث في سنة ٣٩٩ هـ، حيث اعترض الأعراب طريق الحجاج فصدوهم عن السبيل وعاقوهم حتى فاتهم الحج. وكذا وقع سنة ٤١٦ هـ فلم يحج من أهل العراق وخراسان أحد.
وهكذا نرى الحياة الاجتماعية في هذه الفترة تعاني من اضطراب في الأمن ونقص في الأرزاق إلى درجة الجوع وأكل المحرمات والمستقذرات
_________________
(١) ١ أي السرقات. ٢ العبر ٣/٤٥. ٣ البداية والنهاية ١٢/١٨. ٤ العبر ٣/١٢١، ١٢٣. ٥ انظر: انظر المصدر نفسه.
[ ٣٤ ]
كالكلاب والحمر، وذلك بسبب الفوضى السياسية التي عمت البلاد كما أشرنا من قبل.
الحالة العلمية:
قد يظن القارئ وقد ارتسمت في ذهنه تلك الصورة السيئة للوضع السياسي ةالإجتماعي الذي ساد البلاد الإسلامية في هذه الحقبة من الزمن التي نحن بصدد دراستها، قد يظن أن الحالة ليست بأسعد حظا من سابقتيها.
ولكن الواقع - والحمد لله - كان خلاف ذلك فقد كانت الحالة العلمية في القرن الرابع والخامس الهجريين في اوج أزدهارها، ولم تتأثر بالضعف السياسي أو الفوضى الاجتماعية التي سادت، فلئن كانت الثمار السياسية قد تساقطت في هذه الفترة، فالثمار العلمية قد نضجت فيها١ وجنى علماء هذه الحقبة ثمار ما غرسته الأسلاف فكثرت التصانيف في كل فن في الحديث والتفسير، والفقه والأصول، والكلام، وغير ذلك من أنواع المعارف والعلوم. فبلغ الهتمام بالتصنيفو التأليف أوجه وذروته.
وما بين أيدينا وفي مكتبابتنا اليوم من نتاج هذه الحقبة خير شاهد على أزدهار الحركة العلمية في ذلك العصر ازدهارا لا مثيل له.
فلقد عاش في هذه الحقبة الكثير من العلماء والرواد في كل فنمن محدثين وفقهاء ومفسرين وأدباء وفلاسفة، وأطباء، وغيرهم.
نهارًا جهارًا، وواصلوا العملات ١ وقتلوا وأشرف الناس بهم على أمر عظيم وقويت شوكتهم كما يقول الذهبي ٢.
_________________
(١) ١ظهر الاسلام ٢/٢.
[ ٣٥ ]
وأنشئت دور العلم وزودت بالكتب القيمة وأوقفت على العلماء ١ وشجع الخلفاء والأمراء العلم وطلابه وتباروا في إكرامهم والتحبب إليهم ٢ فكان الخليفة العباسي القادر بالله محبًا للعلم وأهله ٣.
وعلى الرغم من انقسام الدولة إلى دويلات، فقد كان العلماء يستطيعون الرحلة في طلب العلم من مكان إلى آخر دون قيود، وحيثما حلوا وجدوا الترحيب فالبلاد كلها باختلاف دويلاتها بلد للمسلم. مما سهل على علماء الحديث وغيرهم شد الرحال إلى أهل العلم للرواية عنهم والسماع منهم، كما فعل الإمام السجزي ﵀ الذي طوف البلاد فخرج من بلده سجستان طلبًا اللحديث وحل خراسان والشام ومصر إلى أن انتهى به المقام في مكة حرسها الله.
الحالة الدينية:
أما الحالة الدينية فقد كانت وليدة الحالة السياسية. وربما كان العكس صحيحًا أيضًا، فبينهما تلازم شديد بحيث تتأثر إحداهما بالأخرى.
فالإمامة والخلافة أمر ديني. ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل السنة والشيعة فيمن يكون أحق بالإمامة.
لذا فقد ساءت الحالة الدينية كثيرًا نظرًا لتردي الوضع السياسي، واهتزاز مكانة الخليفة وسلطانه في أعين وقلوب الناس.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١١/٣١٢. ٢ ظهر الإسلام ٢/٢. ٣ انظر: البداية والنهاية ١٢/٣١.
[ ٣٦ ]
فكثيرًا ما تحصل الفتنة بين الرافضة وأهل السنة كما وقع في سنة ٣٩٨ هـ، وسنة ٤٠٦ ١، ٤٤٤هـ ٢ بسبب غلو الشيعة وجرأتهم على إظهار بدعتهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نلحظ في هذا العصر تسرب الخرافة والغلو إلى قلوب العامة. ففي سنة ٣٨٦ هـ كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طري عليه ثيابه وسيفه فظنوه الزبير بن العوام، وانتهى بهم الأمر أن بنوا على قبره مسجدًا وأجروا عليه الأوقاف٣.
وفي سنة ٣٨٩هـ عمد جاهلة السنة إلى إحداث يوم في مقابلة يوم الغدير عند الشيعة وهو يوم السادس والعشرين من شهر ذي الحجة زاعمين أن النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ اختفيا في الغار في هذا اليوم.
يقول الحافظ الذهبي بعد أن نقل هذه القصة: وهذا جهل وغلط فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في شهر صفر وأول ربيع الأول ٤.
هذا حال العامة جهل بحقائق الدين والتاريخ، وغلو لم يأذن به الله ﷿ وفي مسائل الاعتقاد الأخرى كان يتجاذب الناس طوائف ثلاث في هذه الفترة:
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ١١/٣٣٨، ١٢/٦. ٢ انظر: الكامل ٩/٥٩١. ٣ العبر. ٤ العبر ٣/٤٢.
[ ٣٧ ]
١- المعتزلة: ويمثلهم في هذا العصر القاضي عبد الجبار الهمذاني (٤١٥) هـ ١ وأبو الحسين البصري ٢ (وغيرهما) .
٢- الأشاعرة: ومن كبرائهم في هذا العصر: ابن الباقلاني ٣، وابن فورك ٤، وابن اللبان ٥، وغيرهم ممن عاصر المؤلف وأدركه.
٣- أهل الحديث: ويعدّ أبو نصر السجزي - ﵀ - من أعلامهم في زمنه.
وكان الصراع محتدما بين هذه الفرق الثلاث وهو امتداد طبيعي للصراع الناشب في هذا الباب منذ ظهور فتنة الجعد، والجهم، وابن كلاب في القرنين الثاني والثالث الهجريين.
ولقد ألف المصنف في الرد على الطائفتين المعتزلة والأشاعرة كتابيه (الإِبانة) و(الرد على من أنكر الحرف والصوت) الذي نقدمه للقارئ الكريم اليوم.
_________________
(١) ١ وهو: أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني، إليه انتهت رياسة المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع توفي سنة ٤١٥ هـ انظر: المنية والأمل لابن المرتضى ص ٦٦. ٢ وهو: أبو الحسين محمد بن علي البصري صاحب المعتمد في أصول الفقه، أخذ عن القاضي عبد الجبار انظر: المصدر السابق ص ٧٠. ٣ وهو: أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني. انظر: ترجمته ص ١٦٣. ٤ وهو: محمد بن الحسن بن فورك. انظر: ترجمته ص ٢٦٩. ٥ وهو: عبد الله بن جمعة بن عبد الرحمن المعروف بن اللبان انظر. ترجمته ص ٣٥٧.
[ ٣٨ ]
وفيه يبدي أبو نصر تذمرًا واضحًا من سير الأمور في عصره التي اضطرته إلى أن يتكلم ويرد على أمثال هؤلاء، وكأنه يرى أن على السلطان أن يأخذ على أيديهم. فيقول: "ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب ويقمع، ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنا بالكلام مع من ينبغي أن يلحق بالمجانين" ١.
وفي الحقيقة لقد كان الخليفة القادر بالله ذا عناية بأمر العقيدة السلفية ونشرها فقد ألف كتابًا في الاعتقاد على مذهب السلف، وأمر بقراءته على الناس وإلزامهم به، ورد فيه على أهل البدع وفسق أو كفر من قال بخلق القرآن، وذكر ما وقع بين المريسي وعبد العزيز الكناني، وأخذ خطوط أهل العلم على ذلك وموافقتهم، وعزل خطباء الشيعة ورد خطباء السنة ٢.
وفي سنة ثمان وأربعمائة استتاب فقهاءَ المعتزلة فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإِسلام وأخذ خطوطهم بذلك وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم ٣.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة المؤلف ص ١٢٢. ٢ انظر: البداية والنهاية ١٢/٢٦، حوادث سنة ٤٢٠. ٣ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٧٣٣ حـ ١٣٣٣.
[ ٣٩ ]
لكن المؤلف ﵀ ربما كان يريد منه أن يصنع نحو ذلك مع الأشاعرة أيضًا.
وربما يكون قال ما قال بعد انقضاء خلافته حيث آلت الأمور إلى القائم بأمر الله، وهو الذي أميل إليه لأن تأليف الكتاب كان بعد وفاة القادر بالله كما سيأتي في الباب الثاني في مبحث تاريخ تأليف الكتاب. والله تعالى أعلم.
[ ٤٠ ]
الفصل الثاني: ترجمة المؤلف.
اسمه:
هو: عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد، بن محمد بن حاتم بن علوية، بن سهل بن عيسى بن طلحة الوايلي البكري السجزي١.
أجمعت مصادر ترجمته على أن اسمه عبيد الله بالتصغير، لم تختلف في ذلك اللهم إلا ما كان من ابن الجوزي فإنه قال: "عبد الله" واقتفى أثره في ذلك كحالة الذي ترجم له في موضعين قال في أحدهما: عبد اللِّه وفي الآخر: عبيد الله، وقد أشرت إلى الموضعين في الحاشية، وهو في ذلك تبع للمصادر التي نقل عنها، فمصدره في الموضع الأول المنتظم. وفي الموضع الثاني: التذكرة للذهبي.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في الكتب الآتية:
(٢) الإكمال ٤/٥٥١، حـ٢،٧/٣٩٧. ١٢ - طبقات الحفاظ ٤٢٩.
(٣) الأنساب ٥٧٨. ١٣ - حسن المحاضرة ١/٣٥٣.
(٤) المنتظم ٨/٣١٠. ١٤ - الجواهر المضيئة ٢/٤٩٥.
(٥) اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٣٥٢. ١٥ - تاج التراجم ٣٩.
(٦) الاستدراك ٢/٢٥٢ (مخطوط) ١٦ - الأنساب المتفقة ١٦٤.
(٧) سير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٤ـ٦٥٧ ١٧ - شذرات الذهب ٣/٢٧١ـ٢٧٢.
(٨) تذكرة الحفاظ ٣/١١١٨ـ١١٢٠. ١٨ - هداية العارفين ١/٦٤٨.
(٩) العبر ٣/٢٠٦ـ٢٠٧. ١٩ - معجم المؤلفين ٦/٥٨، ٢٣٩.
(١٠) المشتبه ١/٣٥٤. ٢٠ - كشف الظنون٤/٣٤٩.
(١١) البداية والنهاية ١٢/١١٧. ٢١ - الأعلام ٤/٣٤٩..
(١٢) تبصيرالمنتبه بتحريرالمشتبه ٢/٧٢٧.
[ ٤٢ ]
نسبته:
يقال له: الوايلي- البكري- السجزي أو السجستاني.
فأما الوايلي: "بفتح الواو وكسر الياء المنقوطة باثنتين من تحتها: فنسبة إلى (وايل) قرية من قرى سجستان على ثلاثة فراسخ من سجستان١.
وأما البكري: فنسبه إلى بكر بن وايل.
قال تلميذه عبد العزيز النخشي في معجم شيوخه: أبو نصر الوايلي كان من بكر بن وائل ٢. وكذا قال ابن ماكولا ٣.
أما ابن الأثير فيبدي تحفظا إزاء هذه النسبة فيقول عقب إيراده قول النخشبي السابق: "فإن اتفق له هذه النسبة في الأب والمكان وإلا فأحدهما خطأ" ٤ ولا أرى مجالًا لاحتمال الخطأ هنا:
لأن نسبة الوايلي: إلى قرية وايل لاشك في ذلك. وهذه نسبة مستقلة لا علاقة لها بنسبة (البكري) .
أما (البكري) فنسبة إلى (بكر بن وائل) كما قال النخشبي "كان
_________________
(١) انظر: معجم البلدان ٥/٣٥٦، والأنساب ٥٧٨، واللباب٣/٣٥٢، والبداية والنهاية ١٢/١١٧. ٢ انظر: الأنساب ٥٧٨. ٣ الإكمال ٧/٣٩٧. ٤ اللباب ٣/٣٥٣.
[ ٤٣ ]
من بكر بن وائل" ولم يقل من وائل بن بكر، ولو كانت النسبة لوائل بن بكر لكان هناك مجالا للالتباس واحتمال الخطأ.
ثم إن نسبته (البكري) أثبتها كما ذكرنا أعرف الناس به، تلميذه الذي أخذ عنه وتلقى على يديه عبد العزيز النخشبي، فيبعد أن تكون خطأ.
ثم إن هذه السلسلة الطويلة من الأسماء العربية التي وردت في اسمه، توحي بأنه ينحدر من أصل عربي، وليس ذلك ببعيد فإن الصحابة والتابعين قد تفرقوا في الأمصار أيام المد الإسلامي والفتوحات التي شملت الكثير من البلدان بما فيها سجستان.
وأما السجزي: بكسر السين وسكون الجيم في آخرها زاي: فنسبة إلى (سجستان) على غير قياس ١ والقياس (السجستاني) .
وسجستان: بكسر أوله وثانيه، ناحية كبيرة وولاية واسعة، واسم مدينتها زرنج، بينها وبين هراة عشرة أيام، ثمانون فرسخًا، وهي جنوبي هراة ٢.
كنيته: أبو نصر. أجمعت مصادر ترجمته على ذلك.
مولده: لم تذكر المصادر تاريخ ولادته، لكن الأمر الذي نستطيع القطع به، أن مولده كان قبل الأربعمائة بزمن يؤهله للارتحال ذلك أن السمعاني ذكر أنه رحل إلى غزنة قبل الأربعمائة، والإمام الذهبي
_________________
(١) ١ انظر: اللباب ٢/١٠٤. ٢ انظر: معجم البلدان ٣/١٩٠.
[ ٤٤ ]
يذكر أنه طلب الحديث في حدود الأربعمائة وهذا يعني أنه كان في سنة الأربعمائة قد بلغ سنًا يتمكن معه من الطلب والفهم.
ثم إنا نلحظ أن شيوخه الذين تلقى عنهم كانت وفياتهم بين سنة ٤٠٥- ٤١٥هـ، فلابد أن يكون قد أنهى فترة التلقي عنهم قبل سنة ٤١٥هـ وأن يكون مولده قبل ذلك بزمن.
موطنه ونشأته: تدل نسبته إلى قرية (وايل) بسجستان على أنها كانت موطنه الأول الذي نشأ به واستحق أن ينسب إليه.
فنشأ بها وتلقى علومه الأولية على أبيه الذي كان فقيهًا حنفيًا، وأخذ عن بعض مشائخ سجستان قبل أن يبدأ رحلته الطويلة في طلب الحديث.
وفاته: أدركه الأجل ﵀ بمكة، في شهر المحرم من سنة أربع وأربعين وأربعمائة للهجرة، على الصحيح، على ذلك أكثر من ترجم له، وقال بعضهم مات بعد الأربعين وأربعمائة بدون تحديد.
وذهب ابن الجوزى في المنتظم إلى أن وفاته كانت سنة تسع وستين وأربعمائة وتابعه على ذلك ابن كثير، وكحالة في موضع وهو خطأ.
وقد أخطأ من قبل ابن الجوزى في ذكر اسمه كما تقدم وخالف سائر من ترجم له.
ومما يرجح القول بأن وفاته بعد الأربعين وأربعمائة ما ذكره السمعاني عن عبد العزيز النخشبي تلميذ أبي نصر السجزي فقال: ذكره
[ ٤٥ ]
عبد العزيز- النخشبي- في معجم شيوخه. وقال: أبو نصر بن الوايلي كان من بكر بن وائل ومات بعد الأربعين وأربعمائة ١.
لكن لم استطع أن أجزم فيما إذا كانت العبارة الأخيرة من كلام النخشبي أم هي من كلام السمعاني فإن كانت من كلام النخشبي فهي دليل قاطع في الموضوع. وإن كانت من كلام السمعاني. فاتفاق جمهور من ترجم له كاف في الموضوع والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ الأنساب ٥٧٨.
[ ٤٦ ]
الفصل الثالث: حياته العلمية وثقافته.
بيئته:
نشأ أبو نصر السجزي في بيت له عناية بالعلم، فقد كان أبوه١ فقيها على مذهب الكوفيين، كما نقل ذلك السمعاني عن النخشبي، ولقد أفاد أبو نصر من فقه أبيه فتفقه عليه ٢، ثم ولت وجهته بعد ذلك شطر الحديث وعلومه، فبدأ بعلماء بلده سجستان، فأخذ عنهم، وسمع بها: أبا سليمان محمد بن محمد بن داود الأصم، وأبا عمر محمد بن إسماعيل العنبري، وأبا زهير مسعود بن محمد بن الحسين اللغوي وأبا سعيد حاتم ابن أحمد ٣.
وقد يكون أبو سعيد هذا جد المصنف، وإن كنت لا أجزم بذلك، إذ لم أجد له ترجمة، فإن كان كذلك فلا شك أن ذلك يعد عمقًا علميًا في بيت أبي نصر.
رحلته في طلب العلم:
لما كانت الرحلة في طلب العلم ولا سيما علم الحديث وروايته ديدن طلبة العلم منذ عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، حيث كان
_________________
(١) ١ وهو: سعيد بن حاتم بن أحمد بن محمد بن علوية بن سهل بن عيسى بن طلحة السجزي. قال الحافظ أبو محمد النخشي كان فقيهًا على مذهب الكوفيين. انظر: الجواهر المضيئة ٢/٢٢٤، وانظر أيضًا: الأنساب في ترجمة ابنه. ٢ انظر: تاج التراجم ٣٩. ٣ انظر: الأنساب ٥٧٨.
[ ٤٨ ]
أحدهم يرحل في طلب حديث لم يكن سمعه من رسول الله ﷺ، المسافات الطويلة، كما فعل جابر ﵁ حين رحل إلى الشام ليسمع حديث عبد الله بن أنيس ﵁، ثم كانت الرحلة في طلب الحديث بعد ذلك سنة متبعة لدى طلبة العلم.
لذا فقد اقتفى أبو نصر السجزي سنن أولئك الأخيار وخرج من سجستان بعد أن سمع بها من ذكرنا، قاصدًا أمهات المدن والأمصار التي كانت آنذاك مراكز علمية يوجد بها الكثير من علماء الحديث، والمعنيين بروايته والاشتغال به.
فرحل إلى غزنة وهي مدينة من أول بلاد الهند، خرج منها جماعة من العلماء في كل فن ١، وكانت رحلته إليها قبل الأربعمائة كما ذكرنا.
ثم دخل نيسابور، فسمع بها أبا عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبا يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي.
ثم رحل بعد الأربعمائة، فدخل خراسان وحل بأطرافها فترة كما يذكر السمعاني، كما رحل إلى العراق فدخل البصرة وبغداد، وشملت رحلته الشام، ومصر فنزل بها وسمع الكثير.
ثم انتهى به المطاف إلى مكة حرسها الله، حيث دخلها حاجًا سنة ٤٠٤هـ فسمع بها أبا الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس العبقسي، وجاور بها إلى أن توفي بها سنة ٤٤٤هـ.
_________________
(١) ١ اللباب ٢/٣٨٠.
[ ٤٩ ]
أشهر شيوخه:
طوف أبو نصر ﵀ الكثير من البلاد ولقي الكثير من أهل العلم وحفاظ الحديث فسمع منهم وروى عنهم، فمن هؤلاء:
١- والده، حيث سبق وأن ذكرت أنه تفقه عليه.
٢- أبو سليمان محمد بن محمد بن داود الأصم. سمع منه بسجستان كما تقدم، ولم أجد له ترجمة، ويبدو أن له عناية بالقراءات حيث ذكره ابن الجزري في طبقات القراء ١.
٣- أبو زهير مسعود بن محمد بن الحسين اللغوي.
٤- أبو سعيد حاتم بن أحمد.
٥- أبو عمر محمد بن إسماعيل العنبري.
وهؤلاء الثلاثة سمع منهم بسجستان أيضًا، ولم أجد من ترجم لهم.
٦- أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، الحافظ الكبير، المتوفى سنة ٤٠٥هـ ٢، لقيه بنيسابور وسمع منه كما تقدم.
٧- أبو يعلى المهلبي حمزة بن عبد العزيز بن محمد النيسابورِي، تفرد بالسماع من غير واحد، توفي سنة ٤٠٦هـ٣، وكان شيخًا عالمًا ثقة متقدمًا أيضًا في معرفة الطب ٤.
_________________
(١) ١ غاية النهاية في طبقات القراء ٢/٢٣٧. ٢ انظر: ترجمة في تذكرة الحفاظ ٣/١٠٣٩. ٣ شذرات الذهب٣/١٨١. ٤ انظر سير أعلام النبلاء ١٧/٢٦٤.
[ ٥٠ ]
٨- أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس، العبقسي، المكي العطار، مسند الحجازِ والحرم في وقته، مات بمكة سنة خمس وأربعمائة عن ثلاث وتسعين سنة ١، وكان ثقة ثبتًا، قاضيًا عدلًا، وثَّقه أبو ذر في معجمه وكذا السجزي، وكان من كبار أهل زمانه وإليه الرحلة في أوانه٢.
٩- أبو أحمد الفرضي عبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي مسلم المقري، شيخ بغداد مات سنة ٤٥٦ هـ، وله اثنتان وثمانون سنة٣. قال الخطيب: كان ثقة ورعا دينًا، وقال الأزهري: عبيد الله كان إمامًا من الأئمة ٤.
١٠- محمد بن محمد بن محمد بن بكر الهزّاني ٥.
١١- أبو العلاء علي بن عبد الرحمن الخزاز السوسي اللغوي، ذكر صاحب اللباب أن أبا نصر السجزي سمع منه ٦.
١٢- أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت المجبر البغدادي، مسند بغداد، توفي سنة خمس وأربعمائة وله إحدى وتسعون
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ٣/١٠٦٣، شذرات الذهب ٣/١٧٣. ٢ سير أعلام النبلاء ١٧/١٨١ـ١٨٣. ٣ شذرات الذهب ٣/١٨١، والمنتظم ٧/٢٧٨، واللباب ٢/٤٢٢، والسير ١٧/٢١٣. ٤ تاريخ بغداد ١٠/٣٨٠. ٥ التذكرة ٣/١١١٩. ٦ اللباب ٢/١٥٤.
[ ٥١ ]
سنة وكان صالحًا دينًا ضعيفًا في الحديث ١.
١٣- أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، كان شيخًا عالمًا متصوفًا، غير أنه ضعيف الحديث. توفي سنة ٤١٢هـ ٢.
١٤- أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري الهروي الماليني، أحد الرحالين في طلب الحديث والمكثرين فيه، رحل إلى البلاد الكثيرة، وسمع من أشياخ كثيري العدد، ثم رحل إلى مصر فمات بها سنة ٤١٢ هـ وكان ثقة متقنًا صدوقًا ٣.
١٥- أبو العباس أحمد بن محمد الحاج بن يحيى الأشبيلي المعدل بمصر، انتقى عليه أبو نصر السجزي، ومات سنة ٤١٥ هـ ٤.
١٦- الشيخ الصدوق مسند الوقت أبو عمر عبد الواحد بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن مهدي، قال الخطيب: كان ثقة أمينًا، وكان مولده سنة ٣١٨هـ ووفاته سنة ٤١٠هـ ٥.
أشهر تلاميذه:
كان الحافظ أبو نصر السجزي أحد أئمة أهل الحديث في وقته فقد كان إمامًا حافظًا متقنًا ثقة فيه، لذا فقد حرص على السماع منه والرواية
_________________
(١) ١ الشذرات ٣/١٧٤، وانظر: سير أعلام النبلاء ١٧/١٨٦. ٢ التذكرة ٣/١٠٤٦. ٣ المنتظم ٣/٨، والتذكرة ٣/١٠٧٠، والسير ١٧/٣٠١ـ٣٠٣. ٤ شذرات الذهب ٣/٢٠٢. ٥ انظر: أعلام النبلاء ١٧/٢٢١ـ٢٢٢، وتاريخ بغداد ١١/١٣.
[ ٥٢ ]
عنه الكثير من طلبة علم الحديث، يقول أحد أشهر تلاميذه وهو أبو إسحاق الحبال: "خرج الحافظ أبو نصر السجزي على أكثر من مائة لم يبق منهم غيريِ"١. وكان الحبال أحد المكثرين عن أبي نصر يقول ابن طاهر عنه: "خرج له عشرين جزءًا في وقت الطلب وكتبها في كاغد عتيق" ٢ فمن أشهر تلاميذه:
١- الحافظ الإمام المتقن محدث مصر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد ابن عبد الله النعماني مولاهم الحبال المصري، كان أحد المكثرين عن أبي نصر كما أسلفنا وكان مولده سنة٣٩١هـ ووفاته سنة٤٨٢ هـ٣.
٢- ومنهم: الحافظ الإمام أبو الفضل جعفر بن يحيى بن إبراهيم التميمي المعروف بابن الحكاك، سمع أبا نصر السجزي بمكة، وكان يترسل من أمير مكة ابن أبي هاشم إلى الخلفاء والملوك، ويتولى قبض الأموال منهم، ويحمل كسوة البيت، قال المؤتمن الساجي صحب أبا نصر السجزي وأبا ذر الهروي وكان ذا معرفة ولد سنة ٤١٦ هـ وكانت وفاته سنة ٤٨٥ هـ ٤.
٣- ومنهم المسند أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف اليوسفي - وهو راوي كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت هذا –
_________________
(١) ١ انظر: تذكرة الحفاظ ٣/١١٩٤. ٢ المصدر السابق. ٣ المصدر السابق ٣/١١٩١، وطبقات الحفاظ ٤٤٢. ٤ تذكرة الحفاظ (٣/١٣١٣، وطبقات الحفاظ ٤٤٦.
[ ٥٣ ]
ذكره الذهبي في وفيات سنة ٤٩٢ هـ ١.
٤ – ومنهم: الحافظ عبد العزيز بن محمد بن عاصم النخشبي. كان حافظًا حسن الفهم والإِتقان٢وكان قد ذكر أبا نصر في معجم شيوخه
كما سبق أن نقلنا ذلك عن السمعاني ٣.
٥- ومنهم: الإِمام المفيد أبو سعد محمد بن الحسن بن محمد المكي الحافظ المعروف بالحرمي، سمع أبا نصر بمكة وكانت وفاته بهراة سنة ٤٩١هـ ٤.
٦- ومنهم: أبو الفرج سهل بن بشر الإسفرائيني محدث دمشق، توفي سنة ٤٩١ هـ عن ٨٢ سنة ٥.
ثقافته:
لقد كان أبو نصر ﵀ ذا ثقافة حديثية عالية، إذ كان واسع الرواية جيد الحفظ، بصيرًا بطرق الحديث ورجاله، بلغ في ذلك شأوًا بعيدا، استحق أن يطلق عليه لقبا الحافظ الإِمام. وهما لقبان لهما مدلولهما ومفهومهما عند أهل العلم، لا يطلقان جزافًا، ولا ينالهما كل أحد. وسنرى فيما بعد من أطلق عليه ذلك عندما نتحدث عن ثناء الناس عليه.
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ٤/١٢٣٠. ٢ التذكرة ٣/١١٥٦. ٣ راجع الأنساب ٥٧٨. ٤ تذكرة الحفاظ ٤/١٢٢٨، وطبقات الحفاظ ٤٤٩. ٥ تذكرة الحفاظ ٤/١٢٢٨.
[ ٥٤ ]
وهو ﵀ إلى جانب عنايته بالحديث وحفظه وبصره بطرقه ورجاله، ضم إلى ذلك الفهم والفقه.
يقول عنه ابن الجوزى: "سمع أبو نصر الحديث الكثير، وفقه وفهم وصنف وخرج وكان قيما بالأصول والفروع وله التصانيف الحسان" ١.
فقد شملت ثقافته إذًا الحديث وعلومه كما ذكرنا، والأصول، ونعني بها أمور العقيدة، وكتاباه (الإبانة)، و(الرد على من أنكر الحرف والصوت) يبرزان مدى عنايته بذلك، كما شملت الفروع، على أنه لم يُذكر لنا شيء عن مؤلفاته في ذلك، كما تناولت ثقافته جانب التاريخ كما يذكر السمعاني، وجانب الأدب ونظم القوافي ٢.
ولعلنا لا نعدوا الحقيقة إذا قلنا إن أبا نصر كان عالمًا مشاركًا في كثير من الفنون. في الحديث، في الأصول، في الفروع، في التاريخ. وله في ذلك التصانيف الحسان، على أن كتب التراجم لم تذكر لنا من ذلك إلا كتاب الإبانة كما سيأتي، ووجدنا بعضها في زوايا المكتبات، بالإضافة إلى نقول وإشارات إلى بعضها في ثنايا الكتب التي اقتبست عنها واستفادت منها.
_________________
(١) ١ المنتظم ٨/٣١٠. ٢ هناك خمسة أبيات من نظمه بعث بها إلى أبي يعلى الفراء جوابًا لكتاب ورد منه. أولها: كتابك سيدي لما أتاني سررت به وجدد لي ابتهاجا وذكرك بالجميل لنا جميل يقلدنا ولم نمزج مزاجا انظر: طبقات الحنابلة ٢/٢٠٢.
[ ٥٥ ]
مؤلفاته وآثاره:
لقد كان الإمام أبو نصر صاحب تصانيف حسان، كما ذكرنا ذلك ونقلناه عن الإمام ابن الجوزي ﵀.
وقبل ابن الجوزى وصفه السمعاني بقوله: "كان صاحب التصانيف والتاريخ" ١ وقبلهما ابن ماكولا﵀ - قال: "الإمام صاحب التصانيف" ٢.
وبعدهم جميعًا الحافظ ابن كثير، قال عنه: "صنف وخرج وله الإِبانة في الأصول وله في الفروع أيضًا" ٣.
لكن ما هي هذه التصانيف، ما الذي بقي لنا منها، أو على الأقل ما الذي ذكر لنا اسمه منها وإن لم يبق. ذلك ما سنعرض له فيما يلي:
من أهم وأعظم مصنفات الإِمام السجزي إن لم يكن أهمها وأعظمها على الإِطلاق:
١- كتابه العظيم (الإِبانة في الرد على الزائغين في مسألة القرآن):
وهو الكتاب الذي اقترن اسمه باسم المؤلف، فقلما يذكر السجزي إلا ويذكر كتاب الإبانة معه. وسأورد لك كلام الأئمة الذين ذكروه، وإن اختلفت عباراتهم في التعريف به إلا أن الجميع اتفقوا على أن اسمه
_________________
(١) ١ الأنساب ٥٧٨. ٢ الإكمال ٤/٥٥١. ٣ البداية والنهاية ١٢/١١٧.
[ ٥٦ ]
(الإِبانة) واختلفوا فيما وراء ذلك: فهو عند ابن الجوزى ١: (الإِبانة في الرد على الرافعين) ٢ وعند ابن كثير "الإِبانة في الأصول" كما تقدم.
أما الذهبي: فيقول في تذكرة الحفاظ٣: (كتاب الإِبانة الكبرى) في مسألة القرآن- ثم يقول-: "وهو كتاب طويل دال على إمامة الرجل وبصره بالرجال".
ويقول في سير أعلام النبلاء ٤ (الإِبانة الكبرى) في أن القرآن غير مخلوق وهو مجلد كبير دال على علم الرجل بفن الأثر.
ونقل السيوطي ٥ عبارة الذهبي في التذكرة.
وهو في كشف الظنون٦ باسم (الإِبانة في الحديث) .
وعند الكتاني ٧ باسم (الإِبانة في أصول الديانة) .
وعنه أخذ الزركلي في الأعلام ٨.
وفي شذرات الذهب ٩ (الإبانة في القرآن) .
_________________
(١) ١ المنتظم ٨/٣١٠. ٢ الرافعين: يظهر أنها صحف عن (الزائغين) . ٣ التذكرة ٣/١١١٨. ٤ ١٧/٦٥٤. ٥ انظر: طبقات الحفاظ ٤٢٩. ٦ ١/٢. ٧ الرسالة المستطرفة ٣٠. ٨ الأعلام ٤/٣٤٩. ٩ الشذرات ٣/٢٧٢.
[ ٥٧ ]
أما كحالة ١ فمرة ينقل عبارة الذهبي (الإِبانة الكبرى في مسألة القرآن) .
ومرة أخرى ينقل عبارة ابن الجوزى (الإبانة في الرد على الرافعين) والذي أرجحه أن اسم الكتاب هو (الإبانة) وأن باقي العبارات إنما هي زيادة بيان لموضوع الكتاب.
والمؤلف نفسه ذكر أن اسم الكتاب هو (الإبانة) ثم أفصح عن موضوعه وبين أنه في الرد على الزائغين في مسألة القرآن. فقال في مقدمته لكتاب (الرد على من أنكر الحرف والصوت) - هذا-: (كتاب الإبانة الذي ألفته في الرد على الزائغين) .
ولقد بحثت في كتب التراث، وفهارس المكتبات عن مؤلفات السجزي، وخاصة كتاب الإبانة هذا، فعثرت في فهرس مكتبة كوبرلي بتركيا على أنه موجود بها تحت رقم (٢٣١) حديث.
وقد قام فضيلة شيخنا حماد الأنصاري حفظه الله بالسعي للحصول على صورة لهذا الكتاب، وبعث بالرقم المشار إليه، ووصلت إليه صورة تحمل نفس الرقم، لكن الكتاب اتضح أنه (الإبانة) لابن بطة، وليس إبانة السجزي.
ولم أيئس، وقلت في نفسي لابد أن يكون في هذه المكتبة كتاب للسجزي وربما حصل خطأ في الفهرسة، فسافرت إلى استانبول
_________________
(١) ١ معجم المؤلفين ٦/٢٣٩.
[ ٥٨ ]
(القسطنطينية) وزرت مكتبة (كوبرلي) فاتضح لي أن الإبانة التي بها لابن بطة وليست للسجزي ولم أجد بها أثارة من علم السجزي.
ثم بحثت في باقي مكتبات هذه المدينة وهي كثيرة جدًا، بها من روائع تراثنا الإسلامي الشيء الكثير مما يستحق أن تشد إليه الرحال ويسترخص في سبيله المال. على أني وإن لم أجد بها بغيتي فإنني والحمد لله لم أعد منها بخفي حنين.
وهناك، اقتباسات عن كتاب الإبانة لدى شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم والإمام الذهبي في عدد من مؤلفاتهم، اكتفي بالإشارة إلى مواطن هذه الاقتباسات بذكر اسم الكتاب والجزء والصفحة:
١- درء تعارض العقل والنقل، طبعة جامعة الإمام ٢/٨٦-٩٤، ٦/٢٥٠، ٧/٢٣٦.
٢- بيان تلبيس الجهمية ٢/٣٨،٤١٦-٤١٧.
٣- الفتاوى ١٢/ ٤٢٨-٤٢٩، ٣٩٧.
٤- مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ٢/٢١٤.
٣- العلو للعلي الغفار للذهبي ١٨٠.
٦- سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/٦٥٧.
٧- عدّه السيوطي: أحد مصادره في كتابيه (جمع الجوامع) و(الجامع الصغير) .
٢- الكتاب الثاني من مؤلفات الإِمام السجزي: كتاب (رواية الأبناء
[ ٥٩ ]
عن الآباء) ذكره ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث) ١ فقال: (النوع الخامس والأربعون. معرفة رواية الأبناء عن الآباء. ولأبي نصر الوايلي الحافظ في ذلك كتاب) .
كما ذكره ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) فقال- تحت موضوع: رواية الأبناء عن الآباء -: وقد صنف فيه الحافظ أبو نصر الوايلي كتابًا حافلًا، وزاد عليه بعض المتأخرين أشياء مهمة نفيسة) ٢.
ولم يذكر هذا الكتاب أيٌّ ممن ترجم له، ولعل شهرة كتاب الإِبانة طغت على غيره، فاكتفي به ولم يذكر له سواه.
٣- والثالث من مصنفاته: هو كتابنا هذا (الرد على من أنكر الحرف والصوت) وسيأتي الكلام عليه في الباب الثاني من هذه الدراسة.
٤- هناك نصوص من كلام الإِمام السجزي، لدى ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث) نقلها ولم يشر إلى اسم الكتاب أو الكتب التي اقتبسها منها.
وإليك هذه النصوص:
النص الأوّل:
قوله: "أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم على أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما ورد عن النبي ﷺ قد صح
_________________
(١) ١ انظر: علوم الحديث ٢٨٣. ٢ انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ٢٠٤.
[ ٦٠ ]
عنه، ورسول الله ﷺ قاله لاشك فيه، أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته"١.
النص الثاني:
قال ابن الصلاح: "وذكر أبو نصر السجزي الحافظ قول الراوي: " بلغني " نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: للمملوك طعامه وكسوته.. قال السجزي: أصحاب الحديث يسمونه المعضل"٢.
النص الثالث:
قال ابن الصلاح في مسألة الإجازة: "وممن أبطلها من أهل الحديث الإِمام إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ، والحافظ أبو نصر الوايلي السجزي،- قال- وحكى أبو نصر فسادها عن بعض من لقيه، قال أبو نصر "وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون: قول المحدّث: "قد أجزت لك أن تروي عني" تقديره: قد أجزت لك ما لا يجوز في الشرع، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع"٣.
فهذه النصوص تدلنا على مكانة الإِمام السجزي في علوم الحديث، وبصره بهذا الفن حتى غدتْ أقواله فيه ذات قيمة عالية عند أهل الفن تؤخذ بعين الاعتبار.
_________________
(١) ١ علوم الحديث، ص ٢٢. ٢ علوم الحديث ص: ٥٤. ٣ علوم الحديث ص: ١٣٤.
[ ٦١ ]
وهي تدل أيضًا على أن له مؤلفات في هذا الفن ضاعت فيما ضاع من تراث هذه الأمة من كتب أئمة السلف وعلماء الأثر.
مكانته العلمية وثناء الناس عليه:
رغم أن المصادر التي تحدثت عن الإمام السجزي لم تستوعب جوانب كثيرة من حياته، غير أنها لم تخل من إشارات ومقتطفات متفرقة نستطيع أن نلمح من خلالها المنزلة العلمية العالية التي تبوأها أبو نصر ﵀، فلقد وصف بالعلم، والإِمامة والحفظ والإتقان، وسعة الرواية، والدراية بالرجال والطرق. وصفه بذلك تلامذته الذين تلقوا عنه، ومترجموه الذين عرفوا منزلته وفضله. وسأورد هنا طائفة من أقوالهم وهي وإن كانت مقتضبة إلا أنها تدل على مكانة عالية وذكر حسن.
فهذا تلميذه: عبد العزيز النخشبي يقول فيه: (العالم الحافظ، شيخ متقن ثقة ثبت من أهل السنة) ١.
وهذا تلميذه: أبو إسحاق الحبال يصفه بالحفظ، يقول ابن طاهر: "سألت الحافظ الحبال عن أبي نصر السجزي، والصوري٢ أيهما أحفظ؟ فقال: كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري" ٣.
_________________
(١) ١ الأنساب ص: ٥٧٨. تذكرة الحفاظ٣/١١١٩ ٢ وهو: الإمام الحافظ عبد الله محمّد بن علي بن عبد الله الصوري أحد الأعلام (٣٧٧- ٤٤١هـ) ترجمته في: سير أعلام النبلاء١٧/٦٢٧، والتذكرة ٣/١١١٥-١١١٦. ٣ تذكرة الحفاظ٣/١١١٩
[ ٦٢ ]
ولنا أن نتخيل سعة حفظ الإِمام السجزي إذ عرفنا أن الإِمام الصوري وصف بقوة الحفظ إلى درجة أن أبا الوليد الباجي يقول فيه: "الصوري أحفظ من رأيناه"١ وليس ذلك رأي الباجي فحسب بل هو رأي كثير من أهل العلم. يقول غيث بن علي الأرمنازي: "رأيت جماعة من أهل العلم يقولون ما رأينا أحفظ من الصوري"٢.
وكان الإِمام الصوري لقوة تمكنه من الحفظ يقول: "انظروا إلى أي حديث شئتم من حديث رسول الله ﷺ اقرءوا إسناده لأقرأ متنه، أو اقرءوا متنه حتى أخبركم بإسناده"٣.
فإذا كانت هذه هي مكانة الحافظ الصوري في الحفظ والضبط والإِتقان، فما بالك بمكانة الإمام السجزي الذي شهد له بأنه أحفظ من خمسين مثل الصوري رحم الله الجميع.
ويقول فيه ابن ماكولا: "كان أحد الحفاظ المتقنين"٤.
يقول السمعاني: "كان أحد الحفاظ وكان صاحب التصانيف والتاريخ"٥.
ويقول ابن نقطة: "أبو نصر الحافظ الإِمام"٦.
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ٣/١١١٥. ٢ تذكرة الحفاظ٣/١١١٥. ٣ المصدر نفسه. ٤ الإكمال٧/٣٩٧. ٥ الأنساب ص: ٥٨٧. ٦ الاستدراك٢/٥٥٢- ب.
[ ٦٣ ]
ويقول ابن الجوزى: "هو الحافظ سمع الحديث الكثير وفقه وفهم وصنف وخرج وكان قيمًا بالأصول والفروع وله التصانيف الحسان"١.
ويقول فيه الإمام الذهبي: "الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة أبو نصر عبيد الله بن سعيد شيخ الحرم ومصنف الإبانة الكبرى في أن القرآن غير مخلوق وهو مجلد كبير دال على علم الرجل بفن الأثر"٢.
وقال في التذكرة: "الحافظ الإمام علم السنة عبيد الله بن سعيد صاحب الإبانة الكبرى وهو كتاب طويل في معناه دال على إمامة الرجل وبصره بالرجال والطرق"٣.
فهذه الطائفة من كلام أهل العلم عن الحافظ أبي نصر تبين لنا المكانة التي احتلها ﵀ في الحفظ والعلم والضبط والإتقان، والإمامة والتقدم على أقرانه في ذلك. ﵀ رحمة واسعة.
زهده في الدنيا وإخلاصه في طلب العلم:
نتبين ذلك من خلال قراءتنا لهذه القصة التي يرويها عنه تلميذه الحبال فيقول:
_________________
(١) ١ المنتظم٨/٣١٠. ٢ سير أعلام النبلاء١٧/٦٥٤. ٣ التذكرة ٣/١١١٨.
[ ٦٤ ]
"كنت يومًا عند أبي نصر السجزي فدق الباب، فقمت ففتحت، فدخلت امرأة، وأخرجت كيسًا فيه ألف دينار، فوضعته بين يدي الشيخ، وقالت: أنفقها كما ترى. قال: ما المقصود؟ قالت: تتزوجني ولا حاجة لي في الزوج لكن لأخدمك، فأمرها بأخذ الكيس وأن تنصرف، فلما انصرفت قال: خرجت من سجستان بنية طلب العلم، ومتى تزوجت سقط عني هذا الاسم، وما أوثر على ثواب طلب العلم شيئًا".
أورد هذه القصة الإمام الذهبي ثم عقب بقوله: "قلت: كأنه يريد: متى تزوج للذهب نقص أجره، وإلا فلو تزوج في الجملة لكان أفضل، ولما قدح ذلك في طلبه العلم، بل يكون قد عمل بمقتضى العلم، لكنه كان غريبًا فخاف العيلة وأن تتفرق عليه حاله عن الطلب"١.
مذهبه الفقهي:
سبق أن ذكرت أن أبا نصر تفقه على أبيه، وأن أباه كان فقيهًا على مذهب الكوفيين.
والكوفيون على مذهب أبي حنيفة، فهل يعني ذلك أن أبا نصر كان حنفي المذهب في الفقه؟ لعل ذلك ما فهمه القرشي٢ والبغدادي٣ وغيرهما عندما عداه في الحنفية.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٥-٦٥٦، وانظر القصة دون التعقيب أيضًا في: تذكرة الحفاظ٣/١١١٩. ٢ الجواهر المضئية٢/٤٩٥. ٣ هداية العارفين١/٦٤٨.
[ ٦٥ ]
ولقد كان المذهب الحنفى سائدًا في سجستان موطن أبي نصر الأوّل، كما يقول أحمد أمين: " وأغلب أهلها- أي سجستان - على مذهب أبي حنيفة لا ترى من غيرهم إلا القليل"١.
فهل يكفي ذلك للدلالة على أن أبا نصر كان حنفيًا؟
الواقع أن أبا نصر ﵀ كان من أهل الحديث بل من أئمتهم والمقدمين فيهم، ولم يثبت انتماؤه إلى مذهب فقهي٢، لذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما يذكر مذاهب الناس في مسألة ويذكر قول الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، يذكر أهل الحديث طائفة غير منتمية إلى أي من المدارس الفقهية المذكورة، ويذكر أبا نصر في أهل الحديث. فمثلًا عندما تكلم ﵀ عن مذاهب الناس في مسألة الحسن والقبح العقليين ذكر أقوال الأشاعرة، والحنابلة، والأحناف، والمالكية، والشافعية، ثم أشار إلى قول أهل الحديث فقال: قول طوائف من أئمة
_________________
(١) ١ ظهر الإسلام١/٢٧٨. ٢ وقفت عند اعداد الكتاب للطبعة الثانية على إشارة غير موثقة للكوثري يزعم فيها أن أبا نصر السجزي وصاحبه السعد الزنجاني كانا ينتحلان مذهب الشافعي. انظر تكملته على السيف الصقيل ص ٢٠ حاشية رقم (٢) ولم يوثق قوله هذا، فلا يلتفت إليه فيما يتعلق بالسجزي خاصة وأما الزنجاني فمذكور في طبقات الشاقعية بخلاف السجزي فلم أقف على من ذكره في الشافعية، والله أعلم.
[ ٦٦ ]
الحديث ثم ذكر أبا نصر السجزي وعزا إليه١.
وفي هذا الكتاب نرى تعاطفه الشديد مع الحنابلة وشيوخهم٢ ودفاعه عنهم وإعجابه الشديد بالإمام أحمد ﵀ وتسليمه له بالإمامة والتقدم في الفقه والسنة إذ يقول فيه: "فأيد الله سبحانه بمنه أبا عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ﵀ حتى قام بإظهار المنهاج الأول وكان جامعًا قد تقدم في الفقه فنظر في مذهب أبي حنيفة وسفيان أولا، ثم نظر في مذهب الشافعي واختار لنفسه ما وجده في الحديث وكان في معرفته مبرزًا شديد الورع متمسكًا بآثار السلف٣.
على أنه ليس في تعاطفه وإشادته بالإمام أحمد ودفاعه عن الحنابلة وشيوخهم ما يدعو للقول بأنه كان حنبليًا فقد يكون داعيه لذلك ما كان عليه الإمام أحمد وأصحابه من التمسك بالسنة والثبات عليها في المحنة.
ومن الأمور التي تدعونا على الأقل للشك في كونه حنفيًا: أنَّا نجده غير عالم بمذهب أبي حنيفة فعندما احتاج أن يعرف حقيقة مذهب أبي حنيفة في مسألة جواز قراءة الفاتحة بالفارسية٤، ذهب يسأل أبا جعفر النسفي، وأبا محمد الناصحي عن ذلك، فلو كان حنفيًا لكان ذا علم
_________________
(١) ١ انظر: منهاج السنة١/٣١٧. ٢ الردّ على من أنكر الحرف والصوت (ق ٤٠-آ)، (ق ٥٢-ب) ص: ١٨٥، ٢٢٧ ٣ الردّ على من أنكر الحرف والصوت (ق ٤٩-آ) ص: ٢١٥. ٤ الردّ على من أنكر الحرف والصوت (ق ٣٢-آ) ص: ١٥٧.
[ ٦٧ ]
بالمذهب ولا سيما بهذه المسألة التي يهمه معرفتها. ولا يقال إنه ليس من لازم التمذهب أن يكون المرء عالمًا بالمذهب. فإنا نقول: ذلك في حق العامي، أما مثل أبى نصر الذي علم وفهم وفقه فيجدر به إذا كان حنفيًا أن يكون من علمائهم. والله تعالى أعلم.
عقيدته:
تقدم لنا في مبحث ثناء الناس عليه، وصف غير واحد له بأنه من أهل السنة وأنه علم من أعلامهم، وكتابه هذا خير شاهد على انتمائه لأهل السنة واتباعه للنصوص على مذهب السلف، فهو قد بين فيه في الفصل الثاني منه أن "أهل السنة هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول ﷺ أو عن أصحابه ﵃ فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ لأنهم ﵃ أئمة وقد أمرنا باقتداء آثارهم واتباع سنتهم"١.
ثم بين في آخر الفصل أنّه على السنة، وأنّ خصومه على البدعة.
ثم أفصح عن منهجه في باب الاعتقاد، فقال في هذا الكتاب أيضًا: "وقبل كل شيء ينبغي أن يعلم أن اعتمادنا في المعتقدات أجمع على السمع فإذا ورد السمع بشيء قلنا به، ولم نلتفت إلى شبهة يدعيها مخالف"٢.
_________________
(١) ١ الردّ على من أنكر الحرف والصوت (ق ١٠-آ) ص: ٩٦. ٢ الردّ على من أنكر الحرف والصوت (ق ٢٩-ب) ص: ١٥٣.
[ ٦٨ ]
وهذا هو منهج أهل السنة الذين هم سلف هذه الأمة الصالح، الذين كان الإمام السجزي يترسم خطاهم ويقتفي آثارهم، وقد ذكر في كتاب الإبانة الأئمة الذين بهم اقتدى وبهداهم اهتدى فقال: "وأئمتنا كسفيان ومالك والحمادين وابن عيينة والفضيل وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق"١ ثم ذكر قولهم في الاستواء.
كما ذكر في كتاب الرد هذا عددًا من أئمة الهدى الذين بين أنهم هم الأئمة الذين ينبغي اتباع آثارهم.
وبعد: يمكننا القول بأن أبا نصر سلفي العقيدة سائر مع النص الصحيح، متبع للسلف الصالح. رضي الله عن الجميع وشمل كلا برحمته.
بل يمكننا القول: إن أبا نصر كان إمامًا من أئمة أهل السنة وعلمًا من أعلامهم وفحلًا من فحولهم. فهو كما وصفه ابن تيمية: "من أكابر أهل الإثبات "٢.
وكما وصفه الذهبي: "شيخ السنة"٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء١/٦٥٦، والعلو للعلي الغفار ص: ١٨٠. ٢ انظر: بيان تلبيس الجهمية١/٤٤٦. ٣ تقدمت الإشارة إ لى المرجع في ذلك.
[ ٦٩ ]