مقدمة المؤلف
القسم الثاني: الكتَاب المُحقَّق
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد (المغدى) ١ بن عبد الله الأيوبي، قلت: أخبركم الشيخ الإمام العارف أبو محمد المبارك بن المبارك بن علي ابن نصر السرّاج، قراءة عليه وأنا أسمع، يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة من سنة خمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن محمد الأصفهاني٢ قال: ناولني الشيخ العالم أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني٣ الحافظ ﵀. قال:
(مقدمة المؤلف)
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله أجمعين.
أما بعد:
فقد ذُكر لي عنكم، وفقنا الله وإياكم لمرضاته وقوفكم
_________________
(١) ١ في الأصل: الكلمة غير واضحة تحتمل ما أثبتُ وتحتمل أن تكون (المفدى) . ٢ تقدم الكلام على رجال السند عن الكلام على سند النسخة. انظر: الباب الثاني من الدراسة. ٣ هو: المصنِّف وقد تقدمت ترجمته. انظر: الباب الأوّل من الدارسة (التعريف بالمؤلِّف) . ٤ العنوان ليس في الأصل.
[ ١١٣ ]
على كتاب (الإبانة) ١ الذي ألفته في الرد على الزائغين٢ في مسألة القرآن، وأنكم وجدتم المخالفين ببلدكم٣/ يشغبون٤ عند ذكر الحرف والصوت، وأنه قد صعب عليكم تجريد القول فيهما، واستخراج ذلك من الكتاب لكثرة الأسانيد المتخللة٥ للنكت التي تحتاجون إليها، وسألتم إفراد القول في هذا الفصل بترك الأسانيد، ليسهل عليكم الأخذ بكظم٦
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه في الباب الأوّل من الدراسة عند الكلام على مؤلَّفاته. ٢ الزيغ: الميل. ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا تملنا عن الهدى والقصد ولا تضلّنا. انظر: ابن منظور: اللسان ٨/٤٣٢. والمراد هنا: المائلين عن قول الحقّ في هذه المسألة. ٣ وهو: مدينة زبيد. كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في: (درء تعارض العقل والنقل ٢/٨٣) و(بيان تلبيس الجهمية ١/٤٤٦) . وتقدم توضيح ذلك عند الكلام على إثبات نسبة الرسالة للمؤلِّف. انظر: ص: (٧٦-٧٧) . ٤ الشَّغْب "بسكون الغين" تهييج الشرّ والفتنة والخصام. والعامة تفتحها. وشَغَب فلان عن الطريق، يشغَب شغْبًا، وفلان مِشغَب: إذا كان عاندًا عن الحقّ. والشغب: الخلاف. انظر: ابن منظور: لسان العرب ١/٥٠٤، والرازي: مختار الصحاح ص: ٣٤٠. ٥ في الأصل: (المتحللة) بالحاء المهملة، وهو تصحيف. ٦ الكَظَم – بفتح الكاف والظا -: مخرج النفس. يقال: كظمني وخذ بكَظَمي، وأخذ بكَظَمه، أي: بحلقه. ويقال: أخذت بكَظَمِه، أي: بمخرج نفسه. ابن منظور: في لسان العرب١٢/٥٢٠.
[ ١١٤ ]
المخالف، (ورد الإِسناد معه) ١ وسامحت نفسي٢ بذلك، رجاء وصولكم إلى طلبتكم، وحصول العلم لكم بفساد مذهب الخصم، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب٣
_________________
(١) ١ هذه العبارة لم يتضح لي المراد بها، فأثبتها كما هي لوضوحها في النسخة أولا، ثم إنه قد يجد القارئ الكريم لها مناسبة. ٢ أي: وافقت على المطلوب. يقال: سمح لي فلان، أي: أعطاني، واسمح، وسامح وافقني على المطلوب. ويقال: أسمحت نفسه إذا انقادت. انظر: ابن منظور: لسان العرب٢/٤٨٩ ٣ واسمه: عبد الله بن سعيد – ويقال: ابن محمّد – أبو محمّد بن كلاب القطان، وكلاب مثل خطاف وزنًا ومعنى، لقب به لأنه كان لقوته في المناظرة يجتذب من يناظره. توفي بعد الأربعين ومائتين. وإليه تنسب الطائفة الكلابية. انظر ترجمته لدى: ابن النديم: الفهرست ٢٥٥، وذكر أنه كان يقول: إن كلام الله هو الله، وأنكر ذلك السبكي في طبقات الشافعية١/٥٢، والحقّ أنه أوّل من عرف عنه القول بأن الكلام معنى واحد قائم بالنفس، وأن الله لم يتكلم بصوت، كما أشار المصنف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وليس من طوائف المسلمين من أنكر أن الله يتكلم بصوت إلا ابن كلاب ومن اتبعه، كما أنه ليس في طوائف المسلمين من قال: إن الكلام معنى واحد قائم بالمتكلم إلا هو ومن اتبعه". الفتاوى٦/٥٢٨. وانظر عن مذهبه: مقالات الأشعري١/٢٤٩-٢٥٠، و٣٥٠، والشهرستاني: الملل والنحل١/١٤٨، ونهاية الأقدام ١٨١، ٢٠٣، والبغدادي: أصول الدين ٨٩، ٩٠، ٩٧، ١٠٤.
[ ١١٥ ]
والقلانسي١ والصالحي٢ والأشعري٣. وأقرانهم الذين يتظاهرون
_________________
(١) ١ هو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي – قال ابن عساكر: من معاصري أبي الحسن الأشعري لا من تلامذته كما قال الأهوازي واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات. وعلق الشيخ الكوثري على ذلك بقوله: "بل هو متقدم على الأشعري من حيث الذب عن السنة، وأعلى طبقة منه وكان لسان السنة قبل رجوع الأشعري عن الاعتزال"،قال: "والأشعري تأخر عنه ذبًا عن السنة ووفاة وإن أدركه سنًا". انظر: تبيين كذب المفتري ص:٣٨٩، حاشية (١)، ولم أجد له ترجمة في غيره من كتب التراجم التي توفرت بين يدي. انظر مذهبه لدى البغدادي في أصول الدين ص: ٤٠، ٤٥، ٦٧، ٥٤، والفرق ص:٨٠، ٩٦، ٢١٣، ٢٢١، والشهرستاني في: الملل والنحل١/٩٣. والشيخ الكوثري إنما يقصد بالسنة، المذهب الكلابي الذي اعتقده الأشعري ردحًا من الزمن، وكذا القلانسي، ولا يقصد بالسنة القول بما في الأحاديث والآثار من الصفات، فمعلوم موقفه من السنة وأهلها وتجهيله لهم وتأويله لآيات الصفات والأحاديث الواردة فيها. ولم يذكر لنا الشيخ الكوثري المرجع الذي استند إليه في كلامه عن القلانسي وتقدمه على الأشعري ولو ذكره لأفادنا. وذكر الدكتور حسين القوتلي محقِّق كتاب (فهم القرآن للمحاسبي) أن وفاة القلانسي كانت سنة: ٣٥٥هـ. انظر: مقدمة للكتاب ص:. ٢ الصالحي: لم أعرف من هو. ٣ هو: أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (٢٦٠-٣٢٤هـ) يتصل نسبه بأبي موسى الأشعري ﵁، كان أوّلًا معتزليًا ثم رجع عن ذلك وتاب وألف في الرد على المعتزلة كتاب الإبانة، وغيره، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية على أنهم يخالفونه إلى ما قد تاب منه ورجع عنه. انظر ترجمته لدى ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ص: ١٤٧، والأنساب ص:٣٩، والسبكي في طبقات الشافعية٢/٢٤٥، وابن خلكان: وفيات الأعيان٢/٢٨٥، وابن العماد: شذرات الذهب٢/٣٠٣.
[ ١١٦ ]
بالرد على المعتزلة١ وهم معهم بل أخس حالًا منهم في الباطن في أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق٢ وإن اختلفت به اللغات.
وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات٣ وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة.
وقالت العرب٤: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى [٤ – أ] فالاسم
_________________
(١) ١ المعتزلة: "بضم الميم وسكون العين وفتح التاء" نسبة إلى الاعتزال وهو الاجتناب. وسبب تسميتهم بذلك أن شيخهم ومقدمهم، واصل بن عطاء الغزال ٨٠- ١٣١هـ كان هو وعمرو بن عبيد١٤٢هـ من تلامذة الحسن البصري فلما أحدثا مذهبًا وهو: أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر وأنه في منزلة بين المنزلتين. اعتزلا حلقة الحسن البصري، فسموا معتزلة لذلك. ومن مقالاتهم: نفي صفات الله ﷿، والقول بأن كلام الله مخلوق، وغير ذلك. انظر عنهم وعن مقالاتهم: البغدادي في الفرق بين الفرق ص: ٢١-٢٢، و١١٤، والشهرستاني: في الملل والنحل١/٤٣، والرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص:٣٨، و٤٩، وابن الأثير في اللباب٣/٢٣١ ٢ اتسق الكلام: ضم بعضه إلى بعض، وكل ما انضم وجمع بعضه إلى بعض فقد اتسق. انظر: مادة (وسق): في لسان العرب ١٠/٣٧٩. ٣ كالمعتزلة والفلاسفة. انظر مثلًا: شرح الأصول الخمسة (٥٢٨) ونهاية الأقدام ص: (٣١٨) . ٤ أي علماء العربية، إذ هم الذين قسموا الكلام هذا التقسيم أما العرب الأوائل فلم يتكلموا في حد الكلام ما هو، ولهذا قال ابن تيمية ﵀ عند نقله لعبارة السجزي المذكورة-: (قالت - أي علماء العربية) انظر درء تعارض العقل والنقل ٢/٨٤.
[ ١١٧ ]
مثل: زيد، وعمرو، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك.
فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا١ فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعمًا منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علمًا٢ وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف، وصوت، ويدخله التعاقب، والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأن ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون. وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.
قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه. كما تقول: عبد الله، وخلق الله وفعل الله.
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإِلزام/ لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها وتسليمهم العنان٣ إلى مجرد العقل، فالتزموا ما
_________________
(١) ١ أي: قبل ابن كلاب ومن قال بمقالته. ٢ بزعمهم وسيأتي الكلام على ذلك في الفصل الثامن. انظر ص: (٢٨٣-٢٨٤) . ٣ العنان "بكسر العين" هو: السير الذي تمسك به الدابة. انظر: لسان العرب ١٣/٢٩١.
[ ١١٨ ]
قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العِيان١ وخرقوا الإِجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر. وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلامًا على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم٢.
فمنهم من اقتصر على (هذا) ٣ القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه ما ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة من الكلام٤.
ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله سبحانه تجسيم. وإثبات اللغة فيه تشبيه.
وتعلقوا بشبه٥ منها: قول الأخطل٦:
_________________
(١) ١ في (درء) ٢/٨٥ ضبطها بكسر العين أي: ما لا يشك فيه. يقال رأيته عيانًا إذا لم يشك في رؤيته إياه. وأشار في الحاشية إلى أنه في نسخة أخرى: (الأعيان) والأعيان: أفاضل القوم وأشرافهم. انظر لسان العرب ١٣/٣٥٢-٣٠٣. ٢ أنظر الباقلاني: الإِنصاف ص: ١٠٦، ١٠٨، ١١٠، والتمهيد ص: ٢٥١، والشهرستاني في نهاية الأقدام ص:٣٢٠. وسيأتي مزيد بيان لذلك في الفصل الرابع. ٣ الزيادة من (درء) ٢/٨٥، والسياق يقتضيها. ٤ انظر تبصرة الأدلة للنسفي ١/٢٨١. ٥ في الأصل: (شبهه) وهو تحريف. ٦ الأخطل، هو غياث بن غوث به الصلت بن طارقة بن عمر بن بني تغلب أبو مالك (١٩-٩٠هـ) وهو شاعر نصراني، اشتهر في عهد بني أمية، ومدح خلفاءهم وله ديوان شعر مطبوع. الأعلام٥/٣١٨، وانظر ترجمته في (الشعر والشعراء لابن قتيبة) ١/٤٩٠، ط ٣ سنة ١٩٧٧ تحقيق أحمد محمود شاكر.
[ ١١٩ ]
إن البيان١ من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا٢
فغيروه وقالوا:
إن الكلام من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الكلام دليلًا٣
_________________
(١) ١ في الأصل: "البتان". وهو تصحيف. ٢ هذا اللفظ أشار إليه ابن تيمية حيث قال. وقال بعضهم لفظه: إن البيان لفي الفؤاد انظر الإِيمان ص: ١٣٢. وأشار إليه أيضًا ابن أبي العز بصيغة التمريض ثم قال: وهذا أقرب إلى الصحة. ٣ لم أجد هذا البيت في ديوان الأخطل المطبوع، وفي ثبوت نسبته إليه نظر، بل أنكر بعضهم أن يكون من شعره، وقال بعضهم إنهم فتشوا ديوان الأخطل ولم يجدوه. قال ابن تيمية وهذا يروى عن أبي محمد الخشاب. انظر المصدر السابق نفس الصفحة. انظر أيضًا. ابن أبي العز شرح الطحاوية ص: (٩٨) . وهذا البيت يورده متكلمو الأشاعرة في مصنفاتهم للاستدلال به على الكلام النفسي، وقد ذكره منهم (أبو بكر الباقلاني) مع بيت قبله في كتاب الإنصاف ص: ١١٠ فقال: وأنشد الأخطل: لا تعجبنك من أثير خطبة حتى يكون مع الكلام أصيلًا إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا وأوردهما أيضًا: الغزالي: في الاقتصاد في الاعتقاد ص: ٥٩، ولم ينسبهما للأخطل. وأورد البيت الأول غيرهما، كالآمدي في غاية المرام ص: ٩٧، وأشار محقِّقه الأستاذ حسن محمود عبد اللطيف في الحاشية: إلى أن الآمدي أورده في الأبكار ٦/ ٩٦ آ) - قال - وانظر الاقتصاد (٦٩) حيث أورد قبله بيتًا أخر وهما للأخطل كما ذكر ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية، وابن حزم في الفصل (٣/٢١٩) وقد أورده محقِّق شعر الأخطل ط ٢ دار الشرق بيروت ص ٨٠٥ ضمن ما نسب إليه، ويؤكّد الأستاذ علي السباعي - أستاذ النحو الأسبق بدار العلوم - نسبته إليه أ. هـ حاشية ٣ ص: ٩٧ غاية المرام. وتعقيبًا على قول الأستاذ المحقق "وهما للأخطل كما أشار ابن أبي العز الحنفي" أقول: "الواقع أن ابن أبي العز لم يذكر البيتين وإنما ذكر البيت الأوّل فقط ثم أشار إلى ما قيل من أنه مصنوع أو موضوع منسوب للأخطل وليس في ديوانه كما أشار إلى الرواية الأخرى للبيت، وهي. إن البيان لفي الفؤاد وقال: وهذا أقرب إلى الصحة". انظر شرح الطحاوية ص: ١٩٨ وصنيع المحقق الفاضل فيه إيهام للقارئ بأن ابن أبي العز نسب البيتين للأخطل جزمًا مع أن الواقع ما ذكرتُ، وكان من الأمانة العلمية أن يشير المحقق إلى رأي ابن أبي العز ما دام أنه تطرق إليه واستشهد بنسبته البيت للأخطل. وكذلك ابن حزم فإنه وإن كان ذكر البيت الأوّل فقط ونسبه للأخطل إلا أنه صاحب ذلك نكير شديد. ولم يشر المحقق إلى ذلك أيضًا. وعلى فرض صحة نسبة البيت للأخطل: فليس ذلك بدليل ملزم. لأن الأخطل نصراني والنصارى قد ضلوا في مسمى الكلام، وقالوا: إن عيسى ﵇ هو نفس كلمة الله وأنه اتحد اللاهوت بالناسوت. فكيف يستدل بكلام نصراني ضال في هذا الباب. ثم إن القائلين بالاحتجاج بهذا البيت لا يحتجون في باب الاعتقاد بأحاديث الآحاد حتى ولو كان الحديث صحيحًا أخرجه الشيخان أو غيرهما. فكيف يحتجون ببيت شعر، لم يثبت نقله عن قائله بسند صحيح، ولم يتلقه أهل العربية بالقبول. ومثل هذا لا يثبت به أدنى شيء من اللغة فضلًا عن مسألة تتعلق بالاعتقاد اللهم. أهدنا سبيل الرشاد. (شرح الطحاوية ص: ١٩٨، والإيمان لابن تيمية ١٣٢ بتصرف) .
[ ١٢٠ ]
وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم في قول [٥-أ] الله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ١ وفي قوله ﷿: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
_________________
(١) ١ سورة المجادلة: آية (٨) .
[ ١٢١ ]
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ١.
واحتجوا بقول العرب: ":أرى في نفسك كلامًا، وفي وجهك كلامًا" ٢.
فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام، وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه.
ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب، ويقمع، ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنّا ٣ بالكلام مع من٤ ينبغي أن يلحق بالمجانين.
وأصل٥ تلبيسهم على العوام وتموههم ٦ على المبتدئين هو أن
_________________
(١) ١ سورة يوسف: آية (٧٧) . ٢ انظر مثلا: الباقلاني في التمهيد ص ٢٥١، والانصاف ص ١١٠.. ٣ أي: ابتلينا. يقال محنته وامتحنته بمنزلة خبرته واختبرته، وبلوته وابتليته انظر: لسان العرب ١٣/٤٠١. ٤ في الأصل زيادة (أن) هنا. ولعله خطأ من الناسخ. ٥ في الأصل هكذا (وصل) بدون ألف، والصواب إثباتها. ٦ التمويه: التلبيس، ومنه قيل للمخادع: مموه، وقد موه فلان باطله إدا زينه وأراه في صورة الحق. ابن منظور: لسان العرب١٣/٥٤٤.
[ ١٢٢ ]
الحرف والصوت لا يجوز أن يوجدا١ إلا عن آلة وانخراق مثل: الشفتين [٥-ب] والحنك٢ وأن لكل حرف مخرجًا معلومًا، وأن الله سبحانه ليس بذي أدوات بالاتفاق، فمن أثبت الحرف والصوت في كلامه فقد جعله جسمًا ذا أدوات، وهو كفر٣ قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤ فيجب أن لا يكون ككلامه كلام.
ونفوس ذوي النقص مسرعة إلى قبول هذا التمويه، يظنون أن في ذلك تنزيها لله سبحانه والأمر بخلاف ذلك.
وزاد علي بن إسماعيل الأشعري في التمويه فقال: "قد أجمعنا على أن لله سبحانه سمعًا، وبصرًا، وكلامًا، ووجهًا، واتفقنا على أن سمعه بلا انخراق، وبصره بلا انفتاح، ووجهه بلا تنضيد٥ فوجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت"٦ وقالوا جميعًا: إن أحدًا من السلف لم يقل إن كلام الله حرف وصوت، فالقائل بذلك محدث، والحدث في الدين
_________________
(١) ١ في الأصل (يوجد) هكذا بدون ألف وهو تحريف. ٢ الحنك من الإِنسان والدابة: باطن أعلى الفم من داخل، وقيل هو الأسفل من طرف مقدم اللحيين من أسفلهما. انظر: لسان العرب١٠/٤١٦. ٣ انظر مثلًا: الباقلاني في الإِنصاف ص: ٧٩، و. ١٢. ٤ سورة الشورى آية ١١ وتمامها ﴿ وهو السميع البصير﴾ ٥ تنضيد: يقال: نضدت المتاع أنضِده بالكسر نضدًا ونضّدتُه جعلت بعضه على بعض. ابن منظور: لسان العرب ٣/٤٢٣. ٦ لم أجد هذا الكلام في شيء من كتب أبي الحسن الأشعري التي وصلت إلينا ولعله في بعض كتبه التي ألفها قبل رجوعه إلى مذهب السلف. والله تعالى أعلم.
[ ١٢٣ ]
مردود١ والأشعري خاصة أضرب٢ قوله في هذا الفصل فقال في بعض كتبه [٦-أ]: "كلام الله ليس بحرف ولا صوت كما أن وجهه ليس بتنضيد وكلام كلّ متكلم سواه حرف وصوت"٣.
وقال في غير ذلك من كتبه: "الكلام معنى قائم بنفس المتكلم كائنًا من كان ليس بحرف ولا صوت"٤.
وإثبات قولين مختلفين في باب التوحيد، وإثبات الصفات تخبط، وضلال، والعقليات بزعم القائلين بها لا تحتمل٥ مثل هذا الاختلاف،
_________________
(١) ١ أجاب المصنف على قولهم هذا. انظر الفصل السادس من هذه الرسالة حيث قال بعد أن أورد الأحاديث والآثار الدالة على ذلك: "فقول خصومنا إن أحدًا لم يقل إن كلام الله حرف وصوت كذب وزور، بل السلف كلّهم كانوا قائلين بذلك " ص (٢٥٩) . ٢ يقال أضرب الرجل في البيت: أقام فيه. انظر لسان العرب (١/٥٤٧) والمعنى: أن الأشعري أقام على هذا القول وأطال الكلام فيه، والله أعلم. ٣ لم أقف على هذا القول في شيء من كتب الأشعري التي بين أيدينا - ولعله فيما لم يصل إلينا منها مما كتبه إبان إقامته على المذهب الكلابي. ٤ لم أقف على هذا القول أيضًا في شيء من كتب الأشعري التي وصلت إلينا، وقد عزا نحوه إليه الشهرستاني في نهاية الأقدام ٣٢٠ فقال: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أن الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية وبذات المتكلم وليس بحرف ولا صوت. قلت: ويحمل ذلك على المرحلة التي سبقت انتقاله إلى مذهب السلف. ٥ في الأصل (يحتمل) وهو تصحيف.
[ ١٢٤ ]
والحدود العقلية لا يرجع فيها إلا إلى من تقدم دون من أراد أن يؤسسَ١ لنفسه اليوم باختياره أساسًا واهيًا.
(فصول الرسالة)
فالذي تحتاجون إليه حفظكم الله معهم في إزالة تمويههم:
(الفصل الأول)
أن تقيموا البرهان أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب.
(الفصل الثاني)
ثم تبينوا ما السنة؟ وبماذا يصير المرء من أهلها؟ فإن كلًا يدعيها وإذا علمت وعرف أهلها بان [٦-ب] (أن مخالفها٣ زائغ لا ينبغي أن يلتفت إلى شبهه.
(الفصل الثالث)
وأن تدلوا٤ على مقالتهم أنها مؤدية إلى نفي القرآن أصلًا. وإلى
_________________
(١) ١ في الأصل (يؤسسُ) بالرفع وهو خطأ لأنه منصوب بـ (أن) . ٢ ما بين القوسين ليس في الأصل. ٣ في الأصل: (بأن مخلفها) وهو تحريف. ٤ تدلوا: يقال: دله على الشيء يدله دلًا ودلالة فاندل: سدده إليه ودللته فاندل، والدليل ما يستدل به. انظر لسان العرب١١/٢٤٨. والمقصود هنا. إقامة الدليل على أن مقالتهم مؤدية إلى نفي القرآن.
[ ١٢٥ ]
التكذيب بالنصوص الواردة فيه والرد لصحيح١ الأخبار ورفع أحكام الشريعة.
(الفصل الرابع)
ثم تبرهنوا على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه وذاك شبيه بالزندقة.
(الفصل الخامس)
ثم تعرفوا العوام أن فرق اللفظية، والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح، وفساد القول في بعضها.
(الفصل السادس)
وأن توردوا الحجة على أن الكلام لن يعرى٢ عن حرف وصوت البتة، وأن ما عري عنهما لم يكن كلامًا في الحقيقة وإن سمي في وقت بذلك تجوزًا واتساعًا، وتحققوا جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق، وتسوقوا قول السلف، وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما، وتجمعوا بين العلم والكلام في إثبات الحدود بهما.
_________________
(١) ١ في الأصل (بصحيح) والأفصح ما أثبت. ٢ يقال لكل شيء أهملته وخليته: عريته. فالمعنى: لن يخلى ولن يهمل الكلام عن حرف وصوت. انظر مادة عرا: في لسان العرب ١٥/٤٤.
[ ١٢٦ ]
(الفصل السابع)
ثم تذكروا [٧-أ] فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل المخالف له في الباطن وادعاءهم١ أن إثباتها على ظاهرها تشبيه.
(الفصل الثامن)
ثم تشرحوا أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
(الفصل التاسع)
وأن تذكروا شيئًا من قولهم لتقف العامة على ما يقولونه فينفروا عنهم، ولا يقعوا في شباكهم.
(الفصل العاشر)
ثم تنظروا كون شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى٢ الباطل ومرتبكين٣ إلى ما قد نهوا عنه.
(الفصل الحادي عشر)
ثم تحذروا الركون إلى كل أحد والأخذ من كل كتاب، فإن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشر.
_________________
(١) ١ في الأصل: في الصلب (وأعداهم) والتصويب من الهامش. ٢ في الأصل: (إلي) بالياء، وهو خطأ. ٣ يقال: ارتبك في الأمر إذا وقع فيه ونشب ولم يتخلص. انظر ابن منظور: لسان العرب١٠/٤٣١ مادة: (ربك) .
[ ١٢٧ ]
فجميع ما ذكرت أن بكم إليه حاجة عند الرد عليهم أحد عشر فصلًا من أحكمها تمكن من الرد عليهم إذا سبق له١ العلم بمذهبه ومذهبهم، وأما العامي والمبتدئ [٧-ب] فسبيلهما أن لا يصغيا إلى المخالف ولا يحتجا٢ عليه، فإنهما إن أصغيا إليه أو حاجاه خيف عليهما الزلل عاجلًا والانفتال٣ آجلًا، نسأل الله العون على بيان ما أشرنا إليه فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل. هـ
_________________
(١) ١ في الأصل: (لهم) وهو تحريف، والصواب ما أثبت لاقتضاء السياق. ٢ في الأصل: (يحتج) وهو تحريف. ٣ الفتل: ليُّ الشي. يقال: انفتل فلان عن صلاته أي: انصرف وفتله عن وجهه فانفتل أي: صرفه فانصرف. ابن منظور: لسان العرب١١/٥١٤.
[ ١٢٨ ]
الفصل الأول: في إقامة البرهان على أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب١
قال الله سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢. فأمر ﷻ نبيّه عليه السلام٣ أن يدعو٤ إلى إثبات الوحدانية بالوحي وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥ فبيّن أن من تقدم من الرسل كانوا يحتجون على الكفار في الوحدانية بالوحي ولم يؤمروا إلا بذلك.
وقال ﷻ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ عنوان الفصل لم يثبت في الأصل هنا، وقد نقلته من مقدمة المؤلف، وكذا سائر عناوين الفصول. ٢ سورة الكهف آية: ١١٠. ٣ الأولى أن يجمع بين الصلاة والسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب آية: ٥٦. ٤ في الأصل: (بدعوا) بزيادة الألف، وهو خطأ من النساخ. ٥ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٦ سورة النساء آية: ٥٩.
[ ١٣١ ]
وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ١.
وقال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى" ٢.
ولم يدع النبي ﷺ إلى المحاجة بالعقل أحدًا ولا أمر بذلك أمته.
وقال عمر٣ وسهل بن حنيف٤:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١١٦. ٢ خ: كتاب الإيمان / باب: فإن تابوا وأقاموا الصلا ١/٧٥ح: ٢٥ من حديث ابن عمر. وفي كتاب الصلاة / باب فضل استقبال القبلة١/٤٩٧ ح: ٣٩٢ من حديث أنس. وفي كتاب الزكاة / باب وجوب الزكاة، ٣/٢٦٢ ح: ١٣٩٩ من حديث أبي هريرة. وفي كتاب الاعتصام / باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ١٣/٢٥١ ح: ٧٢٨٤ من حديث أبي هريرة. م: في كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ١/٥٢-٥٣ ح: ٣٣-٣٦ من حديث أبي هريرة وجابر وابن عمر ﵃. ٣ عمر؛ هو: ابن الخطاب بن نفيل القرشي، أبو حفص أمير المؤمنين ﵁ استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣هـ وولي الخلافة عشر سنين ونصفا. انظر ترجمته في الإصابة ٢/٥١٨؛ والاستيعاب٢/٤٥٨ مع الإِصابة. ٤ هو: سهل به حُنيف بن واهب الأنصاري الأوسي يكنى أبو عبد الله صحابي من أهل بدر، استخلفه علي ﵁ علي البصرة، ومات في خلافته سنة ٣٨هـ. ترجمته في الإصابة٢/٨٧؛ والاستيعاب٢/٩٢ بهامش الإصابة، وضبطه ابن حجر في التقريب بضم الحاء المهملة١/٣٣٦.
[ ١٣٢ ]
"اتهموا الرأي على الدين"١ ولا مخالف لهما في الصحابة، وقد كانا يجتهدان في الفروع، فعلم أنهما أرادا بذلك المنع من
_________________
(١) ١ خ: في كتاب الاعتصام/ باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس١٣/٢٨٢؛ حـ: ٨٣٠٨، موقوفًا على سهل بن حنيف. وفي كتاب الجزية / باب٦/٢٨١ حـ: ٣١٨١، و٣١٨٢. وفي كتاب التفسير/ باب إذ يبايعونك تحت الشجرة٨/٥٨٧، حـ:٤٨٤٤. وفي كتاب المغازي / باب غزوة الحديبية٧/٤٥٧؛ حـ: ٤١٨٩. م: في كتاب الجهاد / باب صلحِ الحديبية٣/١٤١٢؛ حـ: ٩٥، و٩٦، موقوفًا على سهل بن حنيف. وأخرجه عن عمر الطبراني مطولًا بلفظ "يا أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله ﷺ برأي اجتهادًا فوالله ما آلو عن الحق، وذلك يوم أبي جندل والكتاب بين رسول الله ﷺ وأهل مكة. فقال: اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: ترانا قد صدقناك بما تقول؟ ولكنك تكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله ﷺ وأبيت حتى قال لي رسول الله: تراني أرضى وتأبى؟ ! قال: فرضيت" أ. هـ المعجم الكير ١/٢٦، حـ: ٨٢. ورجاله ثقات غير مبارك بن فضاله فإنه صدوق يدلس ويسوي. قاله في التقريب٢/٢٢٧. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:" رواه أبو يعلى ورجاله موثوقون وإن كان فيهم مبارك بن فضاله. وهو في: "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي": ص: ١٧٥. وقال محققه: والحديث بهذا السند لا يقل عن درجة الحسن، فرجاله كلهم موثوقون، وفيهم مبارك بن فضاله وهو صدوق وقد صرح بالتحديث فأمن تدليسه –قال-: وقد تقدم عن أبي زرعة أنه ثقة إذا قال: حدثنا، وعن أبي داود أنه ثبت إذا قال حدثنا". اهـ."اتهموا الرأي على الدين"١.
[ ١٣٣ ]
الرجوع إلى العقل في المعتقدات١.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن الكفار والملحدين لا يجب أن يناظروا بالعقليات٢، وأن المسلمين قد أمروا بالأخذ بما آتاهم الرسول، والانتهاء عما نهاهم عنه، وحذروا من أن تصيبهم الفتنة أو (العذاب) ٣ الأليم في مخالفتهم أمره، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥ وقد (كره) عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالته الصلح٦ يوم الحديبية، واستعظم رد المسلمين على الكفار، وكان ذلك من طريق العقل
_________________
(١) ١ لأن المعتقدات لا مجال للرأي والاجتهاد فيها بل العمدة على النص، فالرأي المذموم هو: ما خالف النص سواء كان في المعتقدات أو في الفروع، أما الرأي إذا كان يستند إلى أصل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع فلا بأس به بل منه ما هو محمود ولا سيما في الفروع التي يدخلها الاجتهاد. ٢ للمؤلف زيادة إيضاح لهذه المسألة في الفصل التاسع. انظر ص: (٣٠٥) . ٣ في الأصل في الهامش أشير إليها بعلامة لحق. وكتب بعدها (صح) . ٤ سورة الحشر آية (٧) . ٥ سورة النور آية: (٦٣) . ٦ في الأصل العبارة هكذا: "وقد عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالته كره الصلح".
[ ١٣٤ ]
حتى قال له النبي ﷺ: "تراني قد رضيت يا عمر وتأبى "١ فانتبه عند ذلك عمر وسكت علمًا منه أن رسول الله ﷺ مفترض٢ الطاعة، (ولأنه) ٣ لا ينطق عن الهوى، وأن الوحي لا يقابل بالعقل.
ولا خلاف بين المسلمين في أن كتاب الله لا يجوز رده بالعقل. بل العقل دل على وجوب قبوله والائتمام به، وكذلك قول الرسول ﷺ إذا ثبت عنه لا يجوز رده وأن الواجب رد كل ما خالفهما أو أحدهما.
واتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع٤ لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه الطبرانى في المعجم الكبير ١/٢٦ حـ ٨٢ وقد تقدم بلفظه عند تخريج قول عمر: "اتهموا الرأي على الدين" انظر: ص: (١٣٢) حاشية رقم: (١) . ٢ أي: واجب الطاعة. انظر: لسان العرب٧/٢٠٢. ٣ كذا بالأصل ولعل الصواب (وأنه) . ٤ وذهب المعتزلة إلى أن معرفة الله لا تنال إلا بالعقل، قال القاضي عبد الجبار بعد أن ذكر أنواع الدلالة وقسمها أربعة أنواع: العقل، والكتاب والسنة، والإجماع. قال: "ومعرفة الله لا تنال إلا بححة العقل" ثم علل ذلك بأن ما عدى العقل من الدلالات والحجج فرع على معرفة الله وتوحيده وعدله. ولو استدل بشيء منها على الله لكان ذلك استدلال بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز". (شرح الأصول الخمسة ص: ٨٨) وحكى الشهرستانى اتفاق المعتزلة على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع وأن الحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل. (الملل والنحل١/٤٥) . أمّا الأشاعرة فيوافقون السلف في أن معرفة الله ﷿ ممكنة بالعقل وأن الوجوب لا يكون إلا بالسمع. يقول الشهرستاني في حكاية مذهب الأشعري: "قال – أي الأشعري – والواجبات كلها سمعية، والعقل لا يوجب شيئًا ولا يقتضي تحسينًا ولا تقبيحًا، فمعرفة الله تعالى بالعقل تحصل وبالسمع تجب". (الملل والنحل ١/١٠١) وقال الإيجي: "النظر في معرفة الله واحب إجماعًا، واختلف في طريق ثبوته فهو عند أصحابنا السمع وعند المعتزلة العقل" المواقف ٢٨. فالأشاعرة إذًا يوافقون أهل السنة في أن معرفة الله إنما تجب بالسمع لا بالعقل وأن حصولها بالعقل ممكن فقط. غير أنهم يفارقونهم في قولهم إن أول الواجبات المعرفة أو النظر في المعرفة أو القصد إلى النظر في معرفة الله على اختلاف بينهم في ذلك. انظر: الإنصاف للباقلاني ص: ٢٢، والمواقف للإيجي ص: ٣٢، وإن وافقهم في ذلك بعض متكلمي أهل السنة من الحنابلة وغيرهم مثل أبي الفرج المقدسي كما نقل ذلك عنه ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل٨/٥، ومثل القاضي أبي يعلى إذ يقول في كتابه "المعتمد": "إذا ثبتت صحة النظر ووجوبه فإن أول ما أوجب الله على خلقه العقلاء النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله تعالى". نقل ذلك عنه ابن تيمية في المصدر السابق ص: ٣٤٩. والذي دلت عليه النصوص أن أول واجب على المكلف هو الشهادتان وأنه بهما يكون المرء من أهل الإسلام ولم يأمر النبي ﷺ أحدًا ليكون مؤمنًا بأن يستدل على معرفة الله وينظر في ذلك وإنما قال ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، ولم يقل حتى يستدلوا على معرفة الله، وقال ﷺ لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن: " يا معاذ إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ". ثم إن معرفة الله أو الاستدلال على معرفته ليس كافيًا لاعتبار الإِنسان مسلمًا أو مؤمنًا ففرعون كان عارفًا بربه، وأكثر مشركي العرب كانوا يعرفون الله ﷿ بأنه خالق الكون وأنه رب السماوات والأرض ومع ذلك لم تغن عنهم معرفتهم تلك شيئًا. وللسلف في المسألة قول آخر وهو أن معرفة الله ﷺ فطرية بمعنى أن الخلق فطروا على معرفة خالقهم. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "وأما الرب تعالى فهو معروف بالفطرة، ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكّ﴾، فالمشركون من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم وأنه رب السماوات والأرض والشمس والقمر وقال: في موضع آخر: والصحيح أنها – أي معرفة الصانع فطرية لأنه قد ثبت أن النبي ﷺ قال: " كل مولود يولد على الفطرة" قال: لكن قد يعرض للفطرة ما يفسدها فتحتاج حينئذ إلى النظر فهي في الأصل ضرورية وقد تكون نظرية". الرسائل الكبرى ٢/٣٣٧، و٣٤٠. ولا خلاف بين ما قاله المؤلف من أن المعرفة ممكنة بالعقل وبين قول شيح الإِسلام عن الفطرة، فالعقل السليم موافق للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. وأما قول المصنف إنها لا تجب إلا بالسمع فإنه يقصد أن الحجة لا تقوم على المكلف إلا بعد بعث الرسل. وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
[ ١٣٥ ]
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١ فلمّا علمنا بوجود العقل قبل الإِرسال،
وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا٢ أن الحجّة هي ما ورد به السمع لا غير.
وقد اتفقنا أيضًا على أن رجلًا لو قال: العقل ليس بحجّة في نفسه وإنما يعرف به الحجّة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجّة علينا بنفسه، كان كافرًا مباح الدم.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ١٥. ٢ هكذا في الأصل ويحتمل أن تكون (تبينا) تحرفت على الناسخ، وهو أوجه.
[ ١٣٧ ]
فتحققنا أن الحجّة القاطعة هي التي (يرد) ١ بها السمع لا غير.
ووجدنا أيضًا القائلين بالعقل المجرّد وأنه أوّل الحجج مختلفين فيه، كلّ واحد يزعم أنّ الحقّ معه وأنّ مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه، ونجدهم أيضًا يقولون اليوم قولًا يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجّة في نفسه.
ووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه٢.
وقد وجب (علينا) ٣ الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجّة فيه لا في مجرّد العقل.
وإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله٤وبيّن أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل٥ لأنّ العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه
_________________
(١) ١ هذه الكلمة ليست في الأصل زدتها لاقتضاء السياق ذلك. ٢ أي: في باب المعتقدات، والإخبار عما كان ويكون فإنه لا يجوز ورود النسخ فيها، وقد أشار المصنِّف إلى ذلك في الفصل الثامن. ٣ في الأصل: "على" في الصلب، صوبت في الهامش. ٤ والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ النحل آية: ٦٧، وكثيرًا ما يشير القرآن إلى العقل ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الروم آية: ٢٨. ٥ والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ البقرة آية: ٤٤، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ المائدة آية: ٥٨، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ العنكبوت آية: ٦٣.
[ ١٣٨ ]
له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك.
وفي هذا القدركفاية إن شاء الله تعالى.
على أنّ الأشعري يزعم أن العقل لا يقتضي حسنًا ولا قبيحًا١. وهذا لعمري مخالفة العقل عيانًا، وسيأتي بيان ذلك في غير هذا الفصل٢ بمشيئة الله ﷿.
وإذا ثبت ما قلناه زال شغبهم في أن العقل يقتضي ما يقولونه، لأنا لم نؤثر٣ باتباع عقل يخالف السمع، وسنذكر كذبهم في اقتضاء العقل ما صاروا٤ إليه بعد هذا٥ إن شاء الله ﷿ هـ.
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل ١/١٠١، فقد نقل عنه نحو ذلك. ٢ انظر: الفصل الخامس من هذه الرسالة. ٣ هكذا في الأصل، وأحسب أن الصواب "نؤمر". ٤ في الأصل: "وما" وهو خطأ من النساخ؛ لأن مقصود المؤلّف أنه سيذكر كذبهم في قولهم إن العقل يقتضي ما قالوه وما صاروا إليه. ٥ انظر: الفصل الرابع.
[ ١٣٩ ]
الفصل الثاني: في (بيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟)
اعلموا رحمكم الله أنّ السنة في لسان العرب هي: الطريقة١ فقولنا: سنّة رسول الله ﷺ يعني: طريقته، وما دعا إلى٢ التمسك به ولا خلاف بين العقلاء في "أن"٣ سنّة الرسول ﵇ لا تعلم بالعقل وإنما تعلم بالنقل.
فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول صلى الله عليه وسلم٤ "أو"٥ عن أصحابه ﵃ فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ / لأنهم ﵃ أئمة، وقد أمرنا باقتداء٦ آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج
_________________
(١) ١ انظر: لسان العرب ١٣/٢٢٦. ٢ في الأصل: "إلي" وهو تصحيف من النساخ. ٣ ما بين القوسين ليس من الأصل، زدته لاقتضاء السياق. ٤ قال شيخ الإسلام في إطلاق لفظ أهل السنة: " شاد به من خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنّة المحضة، فلا يدخل فيه إلاّ من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل السنة". انظر: منهاج السنة ٢/١٦٣. ٥ " أو " ليست في الأصل والسياق يقتضي إثباتها. ٦ في الأصل رسم الكلمة هكذا: " باقدا " وأعلاها إشارة صحّ، ويجوز أن تكون "باقتفاء " حرفت. والمعنى: لزوم سننهم وطريقهم وفي "اللسان": تقدّت به دابته: لزمت سنن الطريق. انظر: لسان العرب ١٥/١٧٢.
[ ١٤٣ ]
فيه إلى إقامة برهان. والأخذ بالسنّة واعتقادها مما لا مرية في وجوبه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ٢ وقال رسول الله ﷺ: " عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة " ٣ وقال عبد الله بن عمر (﵄):
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٣١. ٢ سرورة الأحزاب آية: ٢١. ٣ الحديث جزء من حديث العرباض بن سارية في سياق موعظة الرسول ﷺ أخرجه. د: في كتاب السنّة/ باب لزوم السنة ٥/ ١٣ ح: ٤٦١٧ عن العرباض بن سارية بسند رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن عمرو السلمي، فقد قال فيه ابن حجر في التقريب مقبول، ١/٤٩٣، وقد توبع من قبل يحيى بن أبي المطاع عند ابن ماجة وابن أبي بلال عند أحمد ٤/١٢٦، وفيه الوليد بن مسلم قال فيه ابن حجر في التقريب: "ثقة كثير التدليس والتسوية ٢/٢٣٦ " وقد صرح بالتحديث عن ثور ابن يزيد هنا. (في رواية أبي داود) . ت: كتاب العلم/ باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٥/٤٤ من حديث العرباض أيضًا ح: ٢٦٧٦ وقال: " حديث حسن صحيح " على أن في سنده بقية ابن الوليد قال عنه ابن حجر: " كثير التدليس عن الضعفاء " ١/١٠٥، وقد عنعن هنا غير أنه صرّح بالتحديث عن بحير في رواية أحمد في المسند ٤/١٢٦. جه: المقدّمة/ باب اتباع سنّة الخلفاء الراشدين ١/١٥،من حديث العرباض ح: ٤٢دي: المقدّمة/ باب اتباع السنّة ١/٤٤. حم: ٤/١٢٦ من عدّة طرق عن العرباض، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنّة ١/١٨-١٩-٢٩، وقال الألباني: " إسناده صحيح ورجاله ثقات ".
[ ١٤٤ ]
"من خالف السنّة كفر ":١ ٢.
_________________
(١) ١ ذكره الهيثمي عن مورق قال: "سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنّة كفر، وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح " أ. هـ. مجمع الزوائد ٢/١٥٤-١٥٥، ولم أجده في المطبوع من المعجم. وأخرجه ابن عبد البرّ بسنده في جامع بيان العلم وفضله ٢/٢٣٨ عن صفوان بن محرز القاري المأزري، وقال عقبه: " وقد بينا معنى قوله في هذا الحديث كفر في كتاب التمهيد فأغنى عن إعادته هنا ". قال في بيان ذلك في التمهيد: " الكفر ههنا: كفر النعمة وليس بكفر ينقل عن الملّة، كأنه قال: كفر لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبيّ ﷺ ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصه كما في امتثال عزيمته ﷺ " ١١/١٧٥-١٧٦، وذكره ابن بطة بدون إسناد. انظر: كتاب الشرح والإبانة على أصول السنّة والديانة ص: ١٢٣، وقال محقّقه: رواه عبد بن حميد في مسنده بتمامه (ق ١٠٩/٢) . وله شاهد من حديث ابن مسعود عند مسلم موقوفًا عليه وفيه: " ولو تركتم سنّة نبيّكم لكفرتم ". انظر: ١/٤٥٣/ كتاب المساجد باب صلاة الجماعة من سنن الهدى ح: ٦٥٤، وأخرجه أبو داود ١/٣٧٣، كتاب الصلاة: باب في التشديد في ترك الجماعة. ٢قال الخطابي في معنى كفرتم في حديث ابن مسعود: "أي يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئًا منها حتى تخرجوا من الملة" انظر: معالم السنن ١/٢٩١. والمراد هنا أن مخالفة السنة: مؤدية إلى الكفر لا سيما إذا كانت المخالفة من باب الإنكار والجحود والمعاندة لله ورسوله. أما إذا كان المخالف متأولًا، ظانا أن الحق معه فلا يعتبر كافرا وإن كان مخالفا لها. والله تعالى أعلم. وسيأتي مزيد بحث لمسألة الكفر والتكفير في الفصل الرابع.
[ ١٤٥ ]
وإذا كان الأمر كذلك فكلّ مدع١ للسنّة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك عُلِم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زأئغ وأنه لا يستحق أن يصغا٢ إليه أو (يناظر) ٣ في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم٤ لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي/ وقال الجبائي٥ فأقل ما يلزم المرء في بابهم أن يعرض ما قالوه على ما جاء عن النبي ﷺ، فإن وجده موافقًا له
_________________
(١) ١ في الأصل: " مدعى ". ٢ صغا: بالمقصورة والممدودة: مال، وأصغى إليه رأسه وسمعه: أماله، وأصغيت إلى فلان ملت بسمعك نحوه. انظر: لسان العرب ١٤/٤٦١. ٣ هكذا بالأصل: ويحتمل أنها محرفة عن (ينظر) وهو متجه. ٤ التمحين: الابتلاء والاختبار وقد تقدّم. انظر: لسان العرب ١٣/٤٠١. ٥ بضمّ الجيم وتشديد الباء الموحّدة نسبة إلى (جبى) قرية من قرى البصرة. وهو محمّد بن عبد الوهّاب الجبائي، أبو عليّ من معتزلة البصرة، وكان رأسًا في علم الكلام. وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري علم الكلام. ولد سنة: ٢٣٥هـ وتوفي سنة: ٣٠٣هـ. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٤/٦٠٧، والمنتظم ٦/١٣٧، وطبقات المعتزلة ص: ٨٠، وشذرات الذهب ٢/٢٤١، واللباب ١/٢٥٥.
[ ١٤٦ ]
ومستخرجًا منه قبله، وإن وجده مخالفًا له رمى به١.
ولا خلاف أيضًا في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ، لا يسمى محدثًا بل يسمى سنّيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولا وزعم أنه مقتضى عقله، وأنّ الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علمًا وعقله موجب للعلم، يستحقّ أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا / بتأمل هذا الفصل في أوّل وهله (ويعلم) ٢ أن أهل السنّة نحن دونهم وأنّ المبتدعة خصومنا دوننا. وبالله التوفيق هـ.
_________________
(١) ١ في الأصل: (رمي) وهو تصحيف من النساخ. ٢ في الأصل: (ويعلم) بالضم، وهو خطأ، والصواب الفتح، لأنّه معطوف على منصوب.
[ ١٤٧ ]
الفصل الثالث: في التدليل على أنّ مقالة الكلابية وأضرابهم مؤدية إلى نفي القرآن أصلًا، وإلى التكذيب بالنصوص الواردة فيه والردّ لصحيح الأخبار ورفع أحكام الشريعة
لا خلاف بين المسلمين أجمع في أن القرآن كلام الله ﷿، وأنه الكتاب المنزل بلسان عربي مبين١ الذي له أوّل وآخر، وهو ذو أجزاء وأبعاض، وأنه شيء ينقري٢ ويتأتي أداؤه، وتلاوته.
ثم اختلفوا بعد هذه الجملة: فقال أهل الحقّ. هو غير مخلوق، لأنه صفة من صفات ذاته، وهو المتكلم به على الحقيقة، وهو موصوف بالكلام فيما لم يزل٣.
_________________
(١) ١ أي: قبل ظهور مقالة ابن كلاب التي خرق بها إجماع المسلمين وهي قوله: " إن هذا القرآن الموجود بين أيدي المسلمين الذي يتلى ويقرأ ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه ". انظر: المقالات ٢/٢٥٨، ونقل الإجماع على ذلك ابن حزم. انظر: مراتب الإجماع ص: ١٧٣، وانظر أيضًا: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٣٤، ٥٤٣-٥٤٦. ٢ ينقري: هكذا في الأصل، وهو بمعنى: يقرأ. ٣ وهذا قول السلف قاطبة. قال الآجري: " اعلموا - رحمنا الله وإياكم أنّ قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحقّ ووفقوا للرشاد قديمًا وحديثًا؛ أن القرآن كلام الله ﷿ ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله تعالى وعلم الله ﷿ لا يكون مخلوقًا تعالى الله ﷿ عن ذلك ". انظر: الشريعة ص: ٧٥.
[ ١٥١ ]
وقال بعض أهل الزيغ: " هو مخلوق أحدثه في غيره وأضافه إلى نفسه"١. وقال آخرون٢ منهم: هو كلامه، ولا نزيد عليه، ولا نقول:
_________________
(١) ١ وهو قول الجهمية والمعتزلة والخوارج، وأكثر الزيدية، والمرجئة وكثير من الرافضة. انظر: مقالات الإسلاميين ٢/٤٥٦، وشرح الأصول الخمسة ص: ٥٢٨، والملل والنحل ١/٤٥، ٨٨، والفصل ٣/١٠٥. ٢ وهؤلاء يعرفون بالواقفة: لوقوفهم وإمساكهم عن إطلاق القول بخلق القرآن أو عدم خلقه. وهم ثلاثة أصناف:
(٢) صنف وقفوا شكًّا ولم يتبين لهم الأمر بزعمهم ويطلق عليهم شكّاك، وبعضهم بدع من خالفه. وقد أنكر السلف على هذا الصنف أشد النكير، وعدّوهم من الجهمية، فهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل يقول وقد سئل عن الواقفة: "من كان منهم يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي ". انظر: السنّة / لعبد الله بن أحمد ص: ٣٦. ويقول في كتاب السنّة له ص: ٥١، ضمن مجموعة شذرات البلاتين: " وهم شرّ الأصناف وأخبثها، وقد عقد الإمام الدارمي بابًا في الاحتجاج عليهم في كتابه الردّ على الجهمية ص: ١٠٢-١٠٥، وقد نقل الإمام اللالكائي في (شرح اعتقاد أصول أهل السنّة ص: ٣٢١) عن جماعة من أهل العلم كابن الماجشون وغيره أنهم قالوا: من وقف في القرآن بالشكّ فهو كافر.
(٣) وصف: سكتوا عن الخوض في ذلك مع اعتقادهم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق تورعًا ورأوا أن من كان قبلهم من السّلف لم يتكلموا في ذلك. ولمثل هؤلاء يقول الإمام أحمد وقد سئل هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام الله ثم يسكت فقال ولم يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت لكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون. انظر: مسائل أحمد لأبي داود ٢٦٤، فكان الأولى أن يبينوا للناس ولا سيما إذا كانوا من أهل العلم والحديث، لأن الناس بهم يقتدون وإليهم ينظرون.
(٤) وصنف جاهل: " وهذا عليه أن يسأل ليتعلم ". ويجمع كلّ هذه الأصناف ما رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السّنّة ص: ٣٦: " سمعت أبي سئل عن الواقفة فقال أبي: " من كان منهم يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يكن يعرف بالكلام يجانب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يسأل حتى يتعلم ".
[ ١٥٢ ]
إنه مخلوق أو غير مخلوق.
واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة.
والصحيح الأوّل، لأن من قال: إنه مخلوق صار منكرًا لصفة من صفات ذات الله ﷿، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير١.
_________________
(١) ١ ورد تكفير من يقول بخلق القرآن عن عدد من أئمة السّلف، عدّ منهم الإمام اللالكائي أكثر من خمسمائة وخمسين نفسًا من التابعين وتابعيهم، كلّهم قالوا: " القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر. ثم قال: ولو اشتغلت بنقل المحدّثين بلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة لكني اختصرت ". شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٣١٢. لكن هل هو كفر ينقل عن الملة أم لا؟ فالمشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية لقولهم إن القرآن مخلوق ومناقضتهم للكتاب والسنة، وقال فيهم ابن المبارك: " إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية " وعدّهم هو وغيره من السلف خارجين عن الاثنتين وسبعين فرقة التي افترقت إليها الأمة. ذكر ذلك ابن تيمية، ثم ذكر قول أبي نصر السجزي فقال: " ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم في هذا قولين: أحدهما: أنه كفر ينقل عن الملة، قال: وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه كفر لا ينقل ". قال: ولذلك قال الخطابي: " إن هذا الذي قالوه على سبيل التغليظ ". الفتاوى ١٢/٤٨٦-٤٨٧. والحاصل أن إطلاق تكفير هؤلاء مأثور عن السلف، لكن لا يكفر المعين منهم، إلا إذا توفرت به شروط التكفير وانتفت عنه موانعه. ولذلك كان الإمام أحمد وهو من أعظم القائلين بتكفير الجهمية، يدعو للخليفة وغيره، ممن أراد أن يجبره على التجهم، ويستغفر لهم فلو كانوا كفارًا لم يستغفر لهم، فدلّ ذلك على أنه ﵀ لا يقول بتكفير المعين منهم لاحتمال عدم توفر شروط التكفير وعدم انتفاء موانعه. راجع الفتاوى أيضًا ١٢/٤٨٨-٤٨٩.
[ ١٥٣ ]
وقال أبو محمّد بن كلاب ومن وافقه، والأشعري وغيرهم: "القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه كافر إلا أن الله لا يتكلم بالعربية، ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم، والتأليف، والتعاقب، ولا يكون حرفًا ولا صوتًا "١.
_________________
(١) ١ هذا القول ثابت عن ابن كلاب ذكره الأشعري في المقالات ٢/٢٥٧، وهو قول الكلابية وكثير من الأشعرية. ولا سيما متأخريهم وقد نقل الشهرستاني عن الأشعري نفسه أنه يقول ببعض ما ذكر. انظر: الملل ١/٩٦. والذي رأيته في كتب الأشعري أنه يقول: " القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر، وأنه لا يجوز أن يقال: إن شيئًا من القرآن مخلوق لأن القرآن بكماله غير مخلوق. وقال عند قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ قال: والتكليم: المشافهة بالكلام. وهذا يرجح أنه ﵀ رجع عن القول بكلام النفس وإنكار الحرف والصوت، لأن إثباته للمشافهة يوحي بذلك إذ المشافهة بالكلام لا تكون إلا بحرف وصوت. والله تعالى أعلم. انظر: الإبانة ص: ٢٥، ٧٢، ١٠١
[ ١٥٤ ]
فقد بان بما قالوه١ أن القرآن الذي نفوا الخلق عنه ليس بعربي، وليس له أوّل ولا آخر.
ومنكر القرآن العربي وأنه كلام الله كافر بإجماع الفقهاء٢ ومثبت قرآن لا أوّل له ولا آخر كافر بإجماعهم، ومدعي قرآن لا لغة فيه جاهل غبي عند العرب، لأن القرآن اسم لكتاب الله ﷿ العربي مختص به عند كثير من العلماء ولذلك لم يهمزه غير واحد من القراء والفقهاء وهو قول الشافعي٣ رحمة الله عليه٤ وقراءة
_________________
(١) ١ في الأصل: " قالقوه " وهو تحريف. ٢ نقل أبو سعيد خلف بن عمر المعروف بمعلم الفقهاء: إجماع العلماء على أن من ردّ حرفًا من القرآن فقد كفر. انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض ٢/٤٩٠. وقال عبد الله بن مسعود: " من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به أجمع ". انظر: مصنف عبد الرّزّاق ٨/٤٧٢. فإذا كان هذا فيمن أنكر حرفًا منه فكيف بمن أنكره أجمع. وقد تقدم الكلام على مسألة إطلاق التكفير قبل هذا. ٣ هو الإمام أبو عبد الله محمّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعي. أحد الأئمة الأربعة. ولد بغزة سنة: ١٥٠هـ وتوفي بمصر سنة: ٢٠٤هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ١/٣٦١، والتقريب ٢/١٤٣، والأعلام ٦/٢٤٩. ٤ روى الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي في كتابه: (الوسيط) أن الشافعي ﵀ كان يقول: " القرآن: اسم وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله تعالى مثل: التوراة والإنجيل ". نقلًا عن تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/٨٣. وانظر: لسان العرب ١/١٢٨-١٢٩، وانظر أيضًا: التفسير الكبير للرازي ٥/٨٦.
[ ١٥٥ ]
ابن كثير١ وغيره٢. وقالوا: " إذا قرأ القارئ قوله سبحانه ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ٣ همز قرأت؛ لأنه مشتق من القراءة"٤.
وعند بقية القراء والعلماء أن القرآن مهموز وهو اسم مشتق من قرأ قراءة وقرآنًا، أو من ضم بعضه إلى بعض٥. والعقل غير (موجب) ٦ لتسمية صفة لله سبحانه قرءآنًا بالاتفاق٧.
وإنما أخذ هذا الاسم سمعًا والسمع قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٨،
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن كثير الكناني مولاهم الفارسي الأصل أحد القراء السبعة. ولد بمكة سنة خمس وأربعين، وتوفي بها سنة عشرين ومائة. كنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو معبد. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٣/٤١، وشذرات الذهب ١/١٥٧، وطبقات القراء ١/٤٤٣ ترجمة رقم: ١٨٥٣. ٢ كعمر بن العلاء. انظر: لسان العرب ١/١٢٩. ٣ سورة الإسراء آية: ٤٥. ٤ في الأصل: " القراة " على عادة الناسخ في تسهيل الهمزة وإهمالها في أكثر المواضع. ٥ انظر: لسان العرب ١/١٢٨. ٦ في الأصل: " موجبًا " وهو خطأ. والصواب ما أثبت لأنه مضاف إليه. ٧ اتفق السلف على أن الله سبحانه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه جلّ علا أو وصفه به رسوله ﷺ. ٨ سورة الزخرف آية: ٣.
[ ١٥٦ ]
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٣.
وما لا يجوز أن يكون لغة لا يكون شعرًا عند أحد، فلما نفى الله ﷿ كون ما زعم كفار قريش أنه شعر٤ وأثبته قرآنًا لم تبق شبهة لذي لبّ في أن القرآن المختلف في حكمه الذي أمر الجميع بالإيمان به هو كتاب الله سبحانه العربي، الذي علم أوّله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لما (هو) ٥ غيره وخلافه دونه بان حمقه٦ ا. هـ.
فإن أقرّ الأشعري ومن وافقه بأن القرآن هو الذي يعرفه الخلق
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٢. ٢ سورة الشعراء آية: ١٩٥. ٣ سورة يس آية: ٦٩. ٤ في الأصل: " شعرًا " وهو خطأ. ٥ " هو " ليست في الأصل زدتها لاقتضاء السياق. ٦ يجد القارئ صعوبة في فهم مراد المؤلِّف من هذه الجملة. والذي اتضح لي منها: أنه يريد أن يثبت أن هذا الذي ادعت قريش أنه شعر وأثبته الله قرآنًا، أنه لغة وأنه هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلام الله، لأن في ادعاء قريش أنه شعر إثباتًا لكونه لغة، لأن الشعر لا يكون إلا لغة، والله سبحانه إنما نفى كونه شعرًا ولم ينف كونه لغة؛ لأنه ليس كلّ لغة شعرًا، ثم أثبته قرآنًا عربيًا مبينًا. يرد بذلك على الكلابية الذين قالوا إن الله لا يتكلم بالعربية ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم والتأليف كما تقدم.
[ ١٥٧ ]
انتقض عليه قوله: إن الحرف والصوت لا مدخل لهما في كلام الله ﷿ وقد أقرّ بأنه غير مخلوق، وإذا لم يكن مخلوقًا وكان حروفًا لا محالة كان إنكارهم للحروف بعد ذلك سخفًا.
وإن زعموا أن القرآن غير الذي عرفه الخلق كفروا، ولم يجدوا حجّة على قولهم من عقل ولا سمع.
وإن قالوا: إن القرآن اسم لكلام الله جملة، وجب أن تسمى التوراة والإنجيل١ والزبور٢ والقرآن، وصحف إبراهيم٣ وموسى أجمع قرءآنًا، ووجب أن يكون المؤمن بالتوراة من اليهود مؤمنًا بالقرآن وبما فيه، وغير جائز أن تؤخذ منه الجزية بعد وجوب الحكم بإيمانه.
ثم قد أطلق الأشعري أن هذه التسميات لم يستحقها كلام الله / في الأزل، وإنما هي تسميات للعبارات المختلفة التي نزلت في الأزمان المتغايرة، وكلّ ذلك محدث فبين أن التوراة اسم الكتاب بالسريانية، وأنه
_________________
(١) ١ التوراة والإنجيل: كتابان أنزلا على موسى وعيسى ﵉، - على الترتيب - إلى بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ سورة المائدة آية: ٤٦. ٢ هو الكتاب الذي أنزل على نبيّ الله داود ﵇. ٣ قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ سورة الأعلى آية: ١٨، ١٩.
[ ١٥٨ ]
محدث، وأن القرآن اسم الكتاب بالعربية وأنه محدث١.
فقوله: القرآن غير مخلوق مع هذا القول تلاعب.
وقد ذكرنا في كتاب " الإبانة"٢ ضربًا مما ورد عن النبيّ ﷺ في هذا المعنى، وتكلمنا على صحيحه وغريبه، وأن أحدًا من الأمة قبل خصومنا هؤلاء ما عرف قرءآنا ينقري ولا يدخله الحرف والصوت، والأشعري
_________________
(١) ١ لم أجد ذلك عن الأشعري في كتبه التي اطلعت عليها كالإبانة، المقالات، واللمع، لكن حكي الشهرستاني عنه أنه قال: " والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي ". انظر: الملل ١/٩٦، وهذا مذهبه قبل أن ينتقل إلى مذهب السلف. فقد أثبت في كتاب الإبانة ص: ١٠١: " أنه لا يجوز أن يقال: إن شيئًا من القرآن مخلوق، لأن القرآن بكماله غير مخلوق، وأنكر على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق". وما ذكره المؤلِّف هو مذهب ابن كلاب. فقد ذكر الأشعري عنه أنه قال: " إنما سمي كلام الله سبحانه عربيًا لأن الرسم الذي هو العبارة عنه وهو قراءته عربي فسمي عربيًا لعلة، وكذلك سمي عبرانيًا لعلة، وهي أن الرسم الذي هو عبارة عنه عبراني ". انظر: المقالات ٢/٢٥٨. وهو مذهب المنتسبين إلى الأشعري؛ يقول البغدادي - وهو من أئمتهم -: " قال أصحابنا إن كلام الله سبحانه أمره وقراءة كلامه بالعربية قرآن، وقراءته بالعبرانية توراة، أو زبور، وبالسريانية إنجيل والقراءة غير المقروء لأن المقروء كلام الله وليست القراءة كلامه". انظر: أصول الدين ص: ١٠٧-١٠٨. ٢تقدم الكلام عليه عند الكلام على مؤلَّفات المؤلِّف.
[ ١٥٩ ]
أيضًا لم يعرف ذلك، وإنما حمله على ما قال التحير١ مع قلة الحيا، ألا ترى أنه يقول: " القراءة مخلوقة والمقروء بها صفة الله ﷿ غير مخلوقة٢، والخلق بالاتفاق لا يتوصلون إلى قراءة ما ليس بحرف ولا صوت، فليس يكون مقروء البتة، فإن جاز كونه مقروءًا فهو حروف، وأصوات لا محالة، وإن لم يجز أن يكون حروفًا فمحال أن يصير مقروءًا، وهذا ظاهر لمن هدي رشده ".
وأما رفع أحكام الشريعة، فلأنها إنما ثبتت بالقرآن فإذا كان الأشعري عنده القرآن غير هذا النظم العربي، وأهل الحل والعقد لا يعرفون ما يقوله ارتفعت أحكام الشريعة، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد سورة من القرآن، أو آية منه، أو حرفًا متفقًا عليه فهو كافر٣.
وفي هذا الإجماع تسويد وجه كلّ مخالف لنا وفيما ذكرت في هذا الفصل إشارات إذا تأملها ذو قريحة جرى في الميدان قوي الجنان. وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ يقال: تحير واستحار وحار؛ أي: لم يهتد لسبيله. وحار يحار حيرة وحيرًا أي: تحير في أمره. انظر: لسان العرب ٤/٢٢٢ مادة: حير. ٢ لم أجد هذا القول في شيء من كتبه التي اطلعت عليها، غير أن الشهرستاني حكى عنه أنه يقول: " والفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر محدث، والمذكور قديم ". الملل ١/٩٦. وهذا مذهب ابن كلاب. انظر: المقالات ٢/٧٢٠، والباقلاني وغيره من أئمة الأشاعرة كإمام الحرمين والغزالي. انظر: الإنصاف ص: ١٠٣، والإرشاد ص: ١٣٠، والاقتصاد ص: ٦٣-٦٤. ٣ انظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص: ١٧٤، وتقدم كلام خلف المعلم وقول ابن مسعود في ذلك.
[ ١٦٠ ]
الفصل الرابع: في (إقامة البرهان على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه)
وأما مخالفتهم لمقتضى العقل، ونص الكتاب، قولهم: إنّ الله سبحانه أفهم موسى- عليه السلام١- كلامه بلطيفة أدرك بها موسى أنه كلامه بلا واسطة٢ والكلام قديم غير مخلوق. وقال أبو بكر بن الباقلاني٣: إنّ الله متكلم في الأزل، ولا يجوز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل٤.
_________________
(١) ١ جملة "﵇" ليست في الأصل. ٢ أوضح المؤلف في كتاب الإبانة أنّ ذلك حقيقة مذهبهم وإن كانوا يتحاشون التصريح به؛ لئلا يشنع عليهم. انظر "النص الذي اقتبسه ابن تيمية عن "الإبانة" في كتابه "درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٩٠- ا ٩". ٣ هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلاني، البصري المتكلم المشهور، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة في عصره، ولد بالبصرة وسكن بغداد وتوفي بها سنة ٤٠٣ هـ. والباقلاني: "بفتح الباء وكسر القاف بعدها لام وألف ونون": نسبة إلى الباقلى وبيعه: انظر "وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٢٦٩" وتبيين كذب المفترى ص ٢١٧، واللباب لابن الأثير ١/ ١١٢، والأعلام ٧/ ٤٦. ويقال ابن الباقلاني كما ذكر المؤلف وابن عساكر في التبيين، ويقال الباقلاني كما في وفيات الأعيان وغيره. ٤ انظر الإنصاف ص ١١٠ لكن ليس فيه الجملة الأخيرة.
[ ١٦٣ ]
وفي هذا الفصل تناقض؛ لأنّ الإِفهام من صفات الفعل، وأفعال الله تعالى محدثة ١ في غيره، فالكلام على هذا الأصل مخلوق محدث، وإذا لم يجز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل كان التكليم فعلًا لا غير، فيكون الكلام مخلوقًا.
وأحد٢ ما استدل به العلماء على نفي الخلق عن كلام الله سبحانه قوله عزوجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٣ فقالوا: أتى بالمصدر ليعلم
_________________
(١) ١ أي عند الكلابية والأشعرية، يريد المؤلف ﵀ إلزامهم بأن قولهم: "إن الله أفهم موسى ﵇ كلامه بلطيفة.." مؤد إلى القول بخلق القرآن، لأن من مذهبهم وقولهم أن أفعال الله الاختيارية مخلوقة في غيره، والإفهام فعل اختياري، فيكون القرآن مخلوقا بناء على قولهم هذا، أما عند السلف، فأفعال الله تعالى ليست محدثة وإنما هي صفات له ﷿ قائمة به حاصلة بمشيئته وقدرته، كالخلق والرزق والمعافاة، ونحو ذلك، والذي عليه السلف أن الخلق غير المخلوق فالخلق فعل الخالق، والمخلوق مفعوله، وأفعال الرب قائمة به، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بأفعال الرب وصفاته كما في قوله ﷺ: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك" فاستعاذ بمعافاته، وهو فعل من أفعال الرب، ولو كان محدثًا لما جاز الاستعاذة به. راجع رسالة الصفات الاختيارية / لشيخ الإسلام ابن تيميه ضمن جامع الرسائل ٢/ ١٩-٢٠. وكنت قد وهمت في الطبعة الأولى في فهم كلام المؤلف ﵀ فنبهني أخي الفاضل "ماجد بن سليمان الخليفة" إلى ذلك فجزاه الله خيرًا وجعل ذلك في موازين حسناته. ٢ في الأصل "واحدٌ" بالتنوين. ٣ سورة النساء: جزء من آية "١٦٤".
[ ١٦٤ ]
أنه كلام من مكلِّم إلى مكلَّم. وقال نوح بن أبي مريم١ في تكليمًا: (يعني المشافهة بين اثنين) ٢ وإن لم يكن هناك مشافهة، فالله تعالى قال لموسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٣ والاستماع بين الخلق لا يقع إلا إلى صوت، وهو غير الإفهام؛ لأنّ الفهم يتأخر عن السمع.
وقول الأشعري: "إنّ كلام الله شيء واحد، لا يدخله التبعيض"٤ فإذا قال إنّ الله أفهم موسى كلامه، لم يخل٥ أمر٦ من أن يكون قد أفهمه كلامه مطلقًا، فصار موسى ﵇ عالمًا بكلام الله حتى لم يبق له كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه. وفي ذلك اشتراك مع الله في علم الغيب، وذلك كفر بالاتفاق.
_________________
(١) ١ هو نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي القرشي مولاهم، مشهور بكنيته، ويعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. مات سنة ١٧٣ هـ. انظر التقريب ٢/ ٣٠٩، واسم أبيه يزيد بن جعونة. انظر "الكنى للإمام مسلم ١/ ٦٤٣ ترجمة رقم: ٢٦١٣" والكنى للدولابي ٢/ ٣١. ٢ أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ص ٦٤، وابن جرير في التفسير "٩/ ٤٠٣". ٣ سورة طه: جزء من آية "١٣". ٤ ليس ذلك في شيء من كتبه التي وصلت إلينا، وقد حكاه عنه الشهرستاني في الملل ١/ ٩٦، وهو قول الكلابية والأشعرية. انظر "المقالات ٢/ ٢٥٧" والإرشاد لإمام الحرمين ص ١٣٦. ٥ في الأصل "يخلو" بإثبات حرف العلة. والصواب حذفها "كما أثبت" لدخول أداة الجزم. ٦ كذا في الأصل بالتنكير، والتعريف أفصح.
[ ١٦٥ ]
وفيه أيضًا رد لقول الله ﷿: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١ فبيَّن أنّ الرسل ﵈ لا يعلمون ما في نفسه ﷿.
والأشعري يقول:"إنّ الكلام معنى قائم بنفس ليس بلغة ولا حرف"٢ فإذا فهمه موسى صار عالمًا لما في نفس الله، وذاك غير جائز بالاتفاق.
ثم إذا لم (يكن) ٣ الكلام حرفًا ولا صوتًا، وكان معنى قائمًا بالنفس فهو والإرادة شيء واحد٤
وإن قالوا: أفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى التبعيض الذي يكفِّرون به أهل الحق، ويخالفون فيه نص الكتاب حيث قال الله
_________________
(١) ١ سورة المائدة جزء من آية "١١٦". ٢ تقدم الكلام على أنّ هذا مذهب الكلابية والأشاعرة. ٣ في الأصل سقطت من السطر وكتبت أعلاه. وهي غير واضحة، وأثبتت في الحاشية. ٤ لأن الإرادة عند الأشاعرة: صفة أزلية قائمة بذاته تعالى وهي واحدة محيطة بجميع مراداته. انظر: "أصول الدين للبغدادي ص ١٠٢"، "والملل والنحل ١/ ٩٦". والإرادة عند محققي السلف نوعان:
(٢) إرادة قدرية كونية خلقيه.
(٣) وإرادة أمرية دينية شرعية. فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى. والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات. وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية ص١١٦".
[ ١٦٦ ]
سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ ١ وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ٢
والكتاب عند السلف هو القرءآن باتفاق المسلمين كلام الله٣ ويقولون في الظاهر للعوام: "قد سمع موسى كلام الله على الحقيقة٤ وكلامه ليس بصوت"٥.
والعقل لا يقتضي أن يسمع بشر٦ مبقى على بنيته وعادته ما ليس
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: جزء من آية "٣٦" ٢ سورة البقرة: جزء من آية "٥٨" ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكتاب اسم للقرآن العربي بالضرورة والاتفاق" "قاعدة في صفة الكلام ضمن الرسائل المنيرية ٢/ ٥٦" وانظر: كلام الرازي: "التفسير الكبير١/ ١٤" "والنسفي في تفسير القرآن الجليل ١/ ١٩٥" و"الغزالي في المستصفى /١٢٠". ٤ انظر مثلًا قول الباقلاني في الإنصاف ص ٩٦، وإمام الحرمين: الإرشاد ص ١٣٤. ٥ تقدّم إثبات ذلك عنهم من كتبهم. ٦ في الأصل "يسمعوا" وهو تحريف. وللمؤلف زيادة إيضاح لهذه المسألة في "الإبانة" انظر: النص المقتبس عنها لدى ابن تيمية في درء التعارض ٢/ ٩٠. وفيه قال أبو نصر: "قلت له – أي لبعض الأشاعرة – أتقر بأنّ الله أسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟ فقال: نعم – وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم – وحقيقة سماع كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال؛ لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه من البنية وأجروا عليه من العادة – لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت. – قال – وإذا لم يكن كذلك فالواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما كما يحصل السماع، وربما سمى ذلك سماعًا على التجوز لقربه من معناه، فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري".إهـ
[ ١٦٧ ]
بصوت على الحقيقة.
ويقولون١: " إنّ كلام الله لا يجوز وجوده بغير الله٢، ولا نزوله إلى محل٣، وهو يتلى ويقرأ، وليس بلغة ولا حرف وتلاوة بل لا وصول للخلق إليه ولا يوجد عندهم، ولا مدخل للحروف فيه"٤ (وهذا) ٥ ممتنع في العقل. واختلف قول الأشعري في كتبه٦
_________________
(١) ١ في الأصل "فيقولون" وما أثبت أظهر. ٢ في الأصل "كغيره" والظاهر أنه خطأ من الناسخ، ولعل الصواب ما أثبت. ٣ لأنه عندهم معنى قديم قائم بذات الله ﷿، ومعنى نزوله عندهم نزول الإفهام والإعلام لا غير ويقولون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ الشعراء: من آية ١٩٣-١٩٥ قالوا: يجب أن نعتقد هنا أربعة أشياء. منزل، ومنزل، ومنزول عليه، ومنزول به والمنزل على الوجه الذي بيناه من كونه نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال كلام الله تعالى القديم الأزلي القائم بذاته"والمنزول به هو اللغة العربية التي تلا بها جبريل ونحن نتلوا بها إلى يوم القيام" اهـ من الباقلاني الإِنصاف ص٩٧ بتصرف. وانظر الإرشاد ص١٣٥. ٤ لأنه قائم بذات الله ﷿ لا يفارقها. "العقيدة النظامية للجويني ص٢٩ وما بعدها". ٥ الزيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام. ٦ أي في كتبه التي تعرض فيها لمسألة النسخ وليس المقصود أنّ له كتبًا بهذا الاسم؛ إذ لم أجد من ذكر ذلك له.
[ ١٦٨ ]
(في) ١ الناسخ والمنسوخ فقال في بعضها: "الناسِخ والمنسوخ في كلام الله على الحقيقة ". فإذا كان كلام (الله) ٢ عنده شيئًا واحدًا كان الناسخ هو
المنسوخ لا فرق بينهما ولا٣ من العقل ما يقوله البتة.
وقال في بعضها: الناسخ والمنسوخ في كتاب الله دون كلامه٤ ففرق بين كتاب الله وكلامه، ونصوص القرآن تنطق٥ بأن كتاب الله كلامه، ألا ترى أن الجن قالت في ما أخبر الله سبحانه عنها: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٦ وفي موضع آخر: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ٧ فبيَّن ﷻ أنّ الكتاب هو القرءآن لا غير بتقريره ما قالوه وتركه النكير عليهم لوجود الاتفاق على أن مسموع الجن في هذه القصة شيء واحد
_________________
(١) ١ "في" ليست في الأصل والسياق يقتضي زيادتها. ٢ ليست في الأصل، والزيادة يقتضيها السياق. ٣ في الأصل كلمة لم أتبيّن معناها ورسمها هكذا "يتمعنا". ٤ لم أجد ذلك عنه ولعله فيما لم يصل إلينا من كتبه الكثيرة التي ألفها قبل إيابه إلى مذهب السلف. ومذهب السلف: أن كتاب الله هو القرآن الذي بين دفتي المصحف وهو كلام الله ﷿ وقد تقدم بيانه. وقال البغدادي في حكاية مذهب أصحابه: "وفي أحكامه ناسخ ومنسوخ ولا ينسخ كلام الله؛ لأنه لا يجوز عدمه ورفعه". انظر: "أصول الدين ١٠٨". ٥ في الأصل "ينطق" بالياء. والصواب كما أثبت لعود الضمير على "نصوص" ٦ سورة الجن آية "١". ٧ سورة الأحقاف آية "٣٠".
[ ١٦٩ ]
في دفعة واحدة، وإنما أخبر الله سبحانه عنهم في غيرسورة فقال في بعضها: القرءآن وقال في غير ذلك: الكتاب١ والقرءآن كلام الله بالاتفاق.
واختلف قول الأشعري أيضًا في الإعجاز، فقال في موضع: الإعجاز يتعلق بهذا النظم، وليس ذلك بكلام الله ﷿، وإنما هو عبارة عنه، وأما صفة الله تعالى فلا يجوز أن يقال: إنّ الخلق يعجزون عنها كما لا يجوز أن يقال: يقدرون عليها. فجعل المعجز غير القرءآن، وإجماع الأمة حاصل على أنّ القرءآن هو المعجز للكافة٢ فمن زعم أنه ليس (بمعجز والمعجز) ٣ غيره كان رادًا لخبر الله سبحانه، وخارقًا للإِجماع، وذلك كفر.
وقال في غير ذلك الموضع: (الإعجاز متعلق بكلام الله، وكلام الله شيء واحد لا سورة فيه ولا حرف) ٤.
_________________
(١) ١ بل قال سبحانه ذلك في سورة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ سورة الاحقاف آية "٢٩، ٣٠" فبيّن سبحانه أن الكتاب هو القرآن لا غير. ٢ انظر: "ابن حزم الفصل ٣/ ١٥". ٣ في الأصل "بمعجزه والعجز" وهو تحريف. ٤ ما ذكره المؤلف ﵀ في هذه المسألة ونقله عن كتب الأشعري لم أجده في كتبه التي وقفت عليها، ولعل ذلك فيما لم يصل إلينا منها مما كتبه في سابق أحواله ورجع عنه في آخر عمره وكلاَ القولين ثابت عن الأشاعرة، والباقلاني وهو مقدمهم في عصره يصرح بأن الإعجاز يتعلق بالحروف المنظومة التي هي عبارة عن كلام الله القديم القائم بذاته تعالى عندهم، وأن التحدي واقع إلى هذه الحروف المنظومة وليس إلى الإتيان بمثل الكلام القديم الذي لا سبيل إليه، وأوضح أن هذا القول هو الذي عول عليه مشايخه. وحكى أنّ بعض أصحابه من الأشاعرة جوز القول الآخر وهو أنّ التحدي والإعجاز عائد إلى الكلام النفسي. انطر: "إعجاز القرآن ٢٦٠". وعزا هذا القول للأشعري ابن حزم في "الفصل ٣/١٥" بصيغة التمريض. ويرى الآمدي تارة: أن المعجز هو هذه العبارات والكلمات، وتارة يرىَ أنّ المعجز هو إظهار ذلك المقروء القائم بالنفس على لسان الرسول بما خلق الله من العبارات الدالة عليه. فلا يكون كلامه - أي كلام الرسول- الدال هو المعجز، ولا المدلول. بل إظهار ذلك المدلول بكلامه عند تحديه بنبوته. انظر: غاية المرام "٣٥١" وعلى هذا الرأي: يكون قد نفى الإعجاز عن العبارة وعن المعبر عنه وأثبته لما لا يتصور، فتأمل.
[ ١٧٠ ]
وفي هذا القول تكذيب للنص وإحالة: فأما التكذيب فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١ وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٢.
فبيّن أنّ التحدي واقع إلى مثل كلامه القرءآن وإلى سورة منه، فقول الأشعري:
_________________
(١) ١ سورة البقرة: آية "٢٣" ٢ سورة الإسراء: آية "٨٨"
[ ١٧١ ]
(إنّ المعجز هو الكتاب١ دون القرءآن) تكذيب للنص وخبره، وقوله: (إنّ المعجز هو الكلام وليس بسورة) تكذيب للنص أيضًا.
والإِحالة هي في أنّ التحدي واقع إلى الإتيان بمثل ما يعلم ويعقل٢، ولو كان بخلاف ذلك لما صح جملة لأن العقل يقتضي أن (لا) ٣ يتحدى واحد إلى الإِتيان بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل معناه٤، ومثل ذلك إذا سيم٥ واحد كان لعبًا وهزوًا، والله سبحانه يتعالى عن ذلك علوأً كبيرًا.
وقال الأشعري: "إنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة على الحقيقة" وأظهر الرد على من أنكرها.
وأفصح في بعض كتبه (أنه يرى بالأبصار) ٦ وقال في موضع آخر:
_________________
(١) ١ سبق أن ذكر المؤلف أنّ الأشعري فرق بين كلام الله وكتابه في مسألة النسخ. ٢ وهو كلام الله الموجود بين أيدينا الذي نتلوه ونعقله. ٣ "لا" ليست في الأصل وزيادتها يقتضيها السياق. ٤ "مثل الكلام النفسي القائم بالذات فالله ﷿ لم يكلفنا بمعرفته ولا سبيل للخلق لمعرفة ما في نفسه ﷿؛ يعلم ما في نفوس عباده ولا يعلمون ما في نفسه". ٥ سيم: أي كلف: في اللسان: سمته حاجة أي كلفته إياها من قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَاب﴾ أي يجشمونكم أشد العذاب. قال: وفي حديث علي – ﵁ – من ترك الجهاد ألبسه الله الذلة وسيم الخسف" أي كلف وألزم. إهـ ١٢/ ٣١٢ "لسان العرب". ٦ انظر: "الإبانة ٣٥" و"اللمع ٦١، ٦٣".
[ ١٧٢ ]
(لا تختص الرؤية بالبصر١ ولا تكون عن مقابلة٢ لأنّ٣ ما يرى مقابلة كان جسمًا) .
فهو إذا قال: إنه يرى بالأبصار لم يجز في العقل أن تكون عن غير مقابلة، وإن قال إنّ الرؤية لا تختص البصر عاد إلى قول المعتزلة، وصارت الرؤية في معنىالعلم الضروري٤. وقد حكي عن بعض متأخريهم أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلتُ إنّ الرؤية هي العلم لا غير٥.
وهكذا قالوا في سماع موسى ﵇ كلام الله سبحانه إنه لم يخص الأذن٦، وإذا لم يخص بزعمهم الأذن لم يكن سماعًا؛ لأن هذه البنية
_________________
(١) ١ في الأصل "البصر". ٢ لم أجد ذلك في كتبه التي وقفت عليها. وعزا هذا القول إليه أيضًا: الشهرستاني في "الملل والنحل ١/١٠٠" أما مذهبه الذي استقر عليه فهو ما صرح به في الإبانة من إثبات رؤية الله بالأبصار. وسبقت الإحالة إلى موضعه وهو مذهب السلف في هذه المسألة. ٣ في الأصل "لأنه" وهو تحريف. ٤ لأن من مذهب المعتزلة نفي رؤية الله ﷿ بالأبصار، وتأويل الرؤية في قولهصلى الله عليه وسلم: "سترون ربكم" بالعلم، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: "ثم نتناوله – أي حديث سترون ربكم – نحن على وجه يوافق دلالة العقل فنقول: المراد به سترون ربكم يوم القيامة أي ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر" انظر: "شرح الأصول الخمسة ٢٣٢، ٢٧٠، وراجع أيضًا المقالات ١/ ٢٨٩". ٥ لم أجده نسبة هذه الحكاية فيما اطلعت عليه من كتب القوم، ونسب شيخ الإسلام لمتأخري الأشاعرة من أتباع الجويني صاحب الإرشاد أنهم فسروا الرؤية بمزيد علم. انظر: "درء التعارض ٧/ ٢٣٧". ٦ لأنهم يقولون: السماع يطلق ويراد به الإدراك بحاسة الأذن، وقد يطلق ويراد به الانقياد والطاعة، وقد يطلق بمعنى الفهم والإحاطة، وعليه حملوا سماع موسى ﵇ كلام الله. انظر: الآمدي: غاية المرام ص ١١٠، والشهرستاني: نهاية الأقدام ص ٣٦٧. إذْ يقرر أنه يتحقق كلام في جانب المتكلم وسماع من جانب المستمع ولا حرف ولا صوت ولا لسان ولا صماخ – ثم قال: فإذا تصور مثل ذلك في الشاهد حمل استماع موسى كلام الله على ذلك.
[ ١٧٣ ]
مجبولة١ على أنها لا تسمع إلا بالأذن.
والمقابلة لا تقتضي التجسيم كما زعموا؛ لأن المرئيات في الشاهد لا تخرج عن أن تكون جسمًا أو عرضًا على أصلهم، والله سبحانه باتفاقنا مرئي. وليس بجسم٢ ولا عرض، وإذا صح ذلك، جاز أن يرى عن مقابلة، ولا يجب أن يكون جسمًا. وقد نص مالك بن أنس٣ ﵀، وغيره من الأئمة ﵏ على أنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة بالأبصار٤.
_________________
(١) ١ يقال: جبله على الشيء: طبعه، وجبل الإنسان على كذا: أي طبع عليه. وانظر لسان العرب مادة "جبل" ١١/ ٩٨. ٢ منهج أهل السنة: التوقف عن مثل هذه الألفاظ نفيًا أو إثباتًا، والمؤلف – ﵀ – خالف هذا المنهج. وسيأتي تحقيق القول في المسألة. ٣ والإمام الحافظ فقيه الأمة شيخ الإسلام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، كان مولده سنة ٩٣ هـ ووفاته سنة ١٧٩ هـ. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٧"، "والتقريب ٢/ ٢٢٣". ٤ أخرج الإِمام اللالكائي ﵀ بسنده إلى أشهب عبد العزيز صاحب مالك قال "قال رجل لمالك يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ قال: لو لم ير المؤمنون – ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٤٦٨ ح ٨٠٨". وأخرج الآجري في الشريعة بسنده إلى عبد الله بن وهب قال: قال مالك – رحمه الله تعالى – "الناس ينظرون إلى الله ﷿ يوم القيامة بأعينهم". "ص٢٥٤". وممن صرح بأن الله ﷿ يرى يوم القيامة بالأبصار وأنكر على من أنكر ذلك. إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - ﵀ -. انظر: "الرد على الجهمية والزنادقة له ص ١٢٦ وما بعدها" وانظر: "الشريعة ص ٢٥٤ و٢٥٥" والإمام الشافعي – ﵀ -. انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص ٢/ ٤٦٨/ ٨٠٩" وهو مروي عن عدد من الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الصالح. انظر: المصدر السابق ٢/ ٤٧٠ وما بعدها.
[ ١٧٤ ]
وزعموا أنّ كلام الله مكتوب في المصاحف (على) ١ الحقيقة وليس بحروف٢.
_________________
(١) ١ في الأصل الكلمة غير واضحة ورسمها هكذا "مل" وما أثبته من الإنصاف للباقلاني ص٩٣. ٢ "٣" هذا النص وارد في كثير من كتب أئمة الأشاعرة: انظر: الإنصاف للباقلاني ٩٣ و٩٩ حيث يقول في الموضع الأول: "ويجب أن يعلم أنّ كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة". ويقول في الموضع الثاني: "ويجب أن يعلم أنّ الله تعالى لا يتصف كلامه القديم بالحروف والأصوات ولاشيء من صفات الخلق". وانظر أيضًا "التمهيد ص ٢٥١" وانظر "الجويني: العقيدة النظامية: ٢٧، ٢٩" حيت يقول: "ثم معتقد أهل الحق أنّ كلام الله تعالى ليس بحروف منتظمة ولا أصوات مقطعة وإنما هو صفة قائمة بذاته تعالى". ثم يقول: "كلام الله ﵎ مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور". وهذا في كتبهم كثير يطول ذكره، وكلامهم، مؤد إلى أنّ هذا المكتوب في المصاحف ليس بكلام الله؛ لأنه مكتوب بحروف وليس كلامه سبحانه بحرف ولا صوت بزعمهم فتأمل. أما الأشعري نفسه فيقول في الإِبانة " القرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وأنكر على من قال لفظي بالقرآن مخلوق – ثم قال: "ولا يجوز أن يقال إن شيئًا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكامله غير مخلوق" انظر: "الإبانة ١٠٠/ ١٠١".
[ ١٧٥ ]
والعقل لا يقتضي وجود مكتوب عاريًا عن الحروف، وقالوا: ينبغي أن يكون كلام الله بخلاف كلام غيره. ثم قالوا: (كلامه) ١، (و) ٢ كلام غيره معنى قائم في النفس٣.
_________________
(١) ١ في الأصل بالحاشية. ٢ ليست في الأصل. ٣ هذا ثابت عنهم وهو مدون في أمهات كتبهم. انطر: "التمهيد: للباقلاني" حيث يقول فيه- في معرض الرد على خصومه: "ثم يقال لهم قد وهمتم علينا في قولكم أنا لم نعقل كلامًا إلا حرفًا وصوتًا. لأننا لم نعقل قط ذلك، لأن الكلام فيما بيننا إنما هو معنى قائم بالنفس يعبر عنه بهذه الأصوات المسموعة تارة وبغيرها أخرى" ٢٥١. وقال في "الإنصاف" " فحصل من هذه الجملة أن حقيقة الكلام على الإطلاق في حق الخالق والمخلوق، إنما هو المعنى القائم بالنفس لكن جعل لنا دلالة عليه تارة بالصوت والحروف نطقًا" ١٠٨، انظر. ١٠٦، ١٠٩ منه. وانظر أيضًا: "نهاية الأقدام للشهرستانى ص٣٢٠" فقد عزاه للأشعري فقال: "وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية وبذات المتكلم وليس بحروف ولا أصوات وإنما هو القول الذي يجده العاقل من نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلامًا حقيقيًا تردد أهو على سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز" وعزاه الجويني لبعض أصحابه، الإرشاد ١٠٨. وحكَى الأشعري أنّ ابن كلاب كان يقول "إن كلام الإنسان معنى قائم بالنفس يعبر عنه بالحروف وحكى عنه أَنه حروف" انظر: المقالات ٢/٢٧٣ وحكى عنه قبل ذلك انه يقول: "إنّ كلام الله سبحانه صفة له قائمة بذاته وأنه قديم وليس بحرف ولا صوت" انظر: "٢/ ٢٥٧".
[ ١٧٦ ]
فرفعوا ما أوجبوه من الخلاف١، وهذا تناقض.
وقالوا: إثبات الحروف في كلام الله تشبيه، ثم قالوا: (كلام الله وكلام غيره لا حروف فيهما) فافصحوا بالتشبيه٢. ولو كان قولنا: إن الكلام لا يعرى عن الحروف تشبيهًا، مع كون الكتاب دالا على صحة قولنا، وكذلك الأثر، وكلاّ أن يكون كذلك، لكان تشبيهم أفظع وأشنع، فإنهم زعموا أنّ كلام الله لا حرف فيه ولا صوت، وكلام الله وذو النحل٣ وساير الحكل٤ لا حرف فيه ولا صوت فشبهوا كلام الله
_________________
(١) ١ أي بين كلام الله وكلام خلقه إذ جعلوا الكلام الحقيقي في حق الخالق والمخلوق هو الكلام النفسي. ٢ لأنهم قالوا: إنّ الجميع معنى قائم بالنفس وليس بحرف ولا صوت كما تقدم نقل ذلك عنهم. ٣ هكذا في الأصل ولعل الصواب "ودويُّ النحل" أي صوته، والدوي. صوت ليس بالعالي كصوت النحل وغيره، ويقال لصوت الرعد دوي ابن منظور: "لسان العرب ١٤/ ٢٨١" وهو وإن كان صوتًا إلا أنه ليس بحروف مفهومة. ٤ الحكل: "بضم الحاء المهملة وسكون الكاف" العجم من الطيور والبهائم. قال ابن سيده: والحكل من الحيوان ما لا يسمع له صوت كالذر والنمل. وكلام الحكل: كلام لا يفهم. انظر: "لسان العرب ١١/ ١٦٢".
[ ١٧٧ ]
بكلام الحكل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقد اتفقت الأئمة على أنّ الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف.
فقول المتكلمين في نفي الصفات أو إثباتها بمجرد العقل أو حملها
على تأويل مخالف للظاهر ضلال. ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه (إلا) ١ بما وصف به نفسه أو وصفه٢ به رسوله صلى الله عليه وسلم٣ وذلك إذا
_________________
(١) ١ في الأصل بالحاشية. ٢ في الأصل "وصف" وهو تحريف. ٣هذه هي القاعدة التي اتفق عليها السلف في باب أسماء الله وصفاته، وهي أنّ أسماء الله ﷾ وصفاته توقيفية لا تعرف إلا من طريق الشرع فلا يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله ﷺ كما أشار المصنف ﵀. والنقول عن أئمة السلف في ذلك متكاثرة كلها تدل على هذا المعنى: قال الإمام أحمد بن حنبل: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث" عن ابن تيمية في الحموية ص ١٠٠١. ويقول الإمام الدارمي ت ٢٨٠: " نصفه بما وصف به نفسه أو وصفه به الرسول، ثم ذكر طرفًا من أسماء الله وصفاته الواردة في الشرع ثم قال: "فبهذا الرب نؤمن وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله" الرد على الجهمية ٣- ٤. وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإِقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنّ من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله ". التمهيد: "٧/ ١٤٥" فتدبر هذا الكلام فإن عليه من الله برهان. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان مذهب السلف: "فمن سبيلهم – أي السلف – في الاعتقاد الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها " الفتاوى ٤/ ٢.، وخالف في هذا الباب فريقان:
(٢) الجهمية والمعتزلة: ومذهبهم قائم على النفي والتعطيل: فنفوا صفات الله ﷿ وقالوا: هو عالم بذاته، وقادر بذاته، وحي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. ونفوا كلامه وقالوا إنه محدث مخلوق. انظر: "الشهرستاني: في الملل والنحل ١/ ٤٤". وقال الأشعري: وزعمت الجهمية أنّ الله تعالى لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أنّ الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم – قال – وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل – انظر: "الإبانة: ١٤٣"
(٣) الأشاعرة والكلابية: الذين أولوا بعض صفات الله جل وعلا وأخرجوها عن ظاهرها ومفهومها فأولوا: الاستواء بالاستيلاء، وعلو المرتبة، واليدين. حملوها على القدرة، والعينين على البصر، والوجه على الوجودالخ. ومن أئمة هؤلاء إمام الحرمين الجويني: انظر "الإرشاد ١٥٥" والغزالي: انظر: الاقتصاد ٣١، وابن فورك: انظر مشكل الحديث ١٩٣، ١٠٨، ١٨٥، وكلا الفريقين قد ضل في هذا الباب.
[ ١٧٨ ]
ثبت الحديث١ ولم يبق شبهة في صحته.
_________________
(١) ١ قال الإمام أحمد في أحاديث الرؤية: "أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكلما روي عن النبي ﷺ بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر" اللالكائي: شرح أصول السنة رقم: ٨٨٩، وقال ابن عيينة في أحاديث الرؤية أيضًا: حق نرويها على ما سمعنا ممن نثق به ونرضاه. الدارقطني الصفات: ٤١، وعبد الله بن أحمد في السنة ٤٠، وفي هذا بيان منهج السلف في الاستدلال بالسنة الثابتة والإذعان لها والقبول.
[ ١٧٩ ]
فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها١ باتفاق العلماء للأثر٢.
ومخالفة الأشعري وأضرابه للعقليات، ومناقضتهم تكثر ولعل الله سبحانه يسهل لنا جمع ذلك في كتاب بمنه، وإنما أشرنا هاهنا إلى يسير منه وفيه مقنع إن شاء الله تعالى.
وأما تظاهرهم بخلاف ما يعتقدونه كفعل الزنادقة ففي إثبات أن الله سبحانه استوى على العرش، ومن عقدهم: أنّ الله سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه في سماء ولا في أرض، ولا على عرش ولا فوق٣.
_________________
(١) ١ في الحاشية زيادة "إلا" بعد كلمة "فيها" والسياق يأبى ذلك. لأن في إثباتها عكس المعنى المراد. لأنه ليس للعلماء ولا لغيرهم أن يجتهدوا في إثبات صفة لله ﷿ لم يرد بها نص من الكتاب والسنة. ٢ هكذا في الأصل والتركيب غير سليم ولو قال: "باتفاق علماء الأثر" لكان أولى. ٣ ويؤولون آيات وأحاديث الاستواء والفوقية: بأنّ المراد الاستيلاء وعلو القدر والمرتبة وليس المراد فوقية الذات والمكان. انظر: "ابن فورك: مشكل الحديث ٦٤ – ٦٥" و"الغزالي: الاقتصاد ٢٤، ٣١"، و"الآمدي: غاية المرام ١٤١". أما الأشعري نفسه: فقد أثبت استواء الله ﷿ على عرشه استواء يليق بجلاله، وأنكر على من أوله بالقدرة والاستيلاء واحتج عليهم. فقال ﵀: "إن قال: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله ﷿ يستوي على عرشه استواء يليق به. . . إلى أن يقول: " ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أنّ الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض" انظر: الإبانة ١٠٥ – ١٠٧".
[ ١٨٠ ]
وقد ذكر ابن١ الباقلاني: "أن الاستواء فعل له أحدثه في العرش"٢
وهذا مخالف لقول علماء الأمة، وقد سئل مالك بن أنس رحمة الله عليه عن هذه المسألة فأجاب: "بأن الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة، الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"٣.
_________________
(١) ١ في الأصل "بن" ٢ لم أجد ذلك في كتبه التي وقفت عليها "كالتمهيد والإنصاف" وقد عزاه إليه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: "الفتاوى ١٦/ ٣٩٤" ونراه فيما وصل إلينا من كتبه يثبت استواء الله على عرشه كما أخبر في كتابه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تحديد ولا تصوير. انظر: "التمهيد: ٢٦٠" وانظر: الذهبي: العلو ١٧٣ – ١٧٤". وقد نسب هذه العبارة لأبي الحسن الأشعري البيهقي في الأسماء والصفات ٤١٠ فقال: "وذهب أبو الحسن علي بن إسماعيل إلى أنّ الله تعالى جل ثناؤه فعل في العرش فعلًا سماه استواء، كما فعل في غيره فعلًا فسماه رزقًا ونعمة " والبغدادي في أصول الدين ١١٣. وينبغي أن يحمل ذلك على مرحلة ما قبل الإبانة. والله أعلم. ٣ أخرجة الدارمي: الرد على الجهمية ٣٣ بزيادة على لفظ المصنف. واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص٣٩٨ برقم: ٦٦٤. والبيهقي: الأسماء والصفات ٤٠٨.
[ ١٨١ ]
قال الله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢ وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣ وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ﴾ الآية٥ والآية التي بعدها٦.
وقال النبي ﷺ: "ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا – حتى ذكر سبع سماوات- وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال٧ كواهلهم تحت عرش الرحمن، وأقدامهم تحت الأرض السابعة السفلى، وفوق ذلك العرش، والله (سبحانه)
_________________
(١) ١ سورة النحل آية "٥٠" ٢ سورة السجدة آية "٥" وتمامها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ٣ سورة فاطر: "جزء من آية "١٠". ٤ سورة المعارج: آية "٣" وجزء من آية "٤". ٥ سورة الملك: آية "١٦" وتمامها ﴿تَمُورُ﴾ . ٦ وهي قوله تعالى ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ "١٧" الملك. ٧ قال ابن الأثير: "الوعول تيوس الجبل واحده وعل" وقال معنى قوله تعالى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قيل: ثمانية أوعال: أي ملائكة على صورة الأوعال. انظر: "النهاية: ٥/ ٢٠٧". ٨ في الأصل بالحاشية.
[ ١٨٢ ]
فوق ذلك". (أخرجه) ١ أبو داود٢ في كتاب السنن عن أبي هريرة٣ ٤
_________________
(١) ١ ويحوز أن تكون "أخرج" فإنه مناسب لقوله "هذا المعنى" أي أخرج هذا المعنى الذي هو ذكر السموات وأن العرش فوقها والله فوق ذلك، إذ ليس كل من ذكر من الصحابة أخرج عنهم حديث الأوعال بنصه. ٢ هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني ولد لسنة ٢ ٢٠، بالبصر ة وتوفي بها سنة ٢٧٥. انظر: "الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١". ٣ وهو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر الدوسي، مشهور بكنيته، اختلف في اسمه واسم أبيه كثيرًا، أسلم عام خيبر وشهدها، لازم رسول الله ﷺ، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله، مات بالعقيق سنة سبع وقيل ثمان وقيل تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة. انظر: "ابن عبد البر: الاستيعاب: ٤/ ٢٠٢ مع الإصابة. و"ابن حجر: الإصابة: ٤/ ٢٠٢". ٤ لم يخرج أبو داود حديث الأوعال ولا ما في معناه عن أبي هريرة، وإنما أخرجه من حديث العباس بن عبد المطلب: كتاب السنة/ باب الرَّد على الجهمية ٥/ ٩٣ حـ٤٧٢٣ من عدة طرق عن إلى سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس. وأخرجه الترمذي: كتاب التفسير/ باب سورة الحاقة ٥/٤٢٤ حـ٣٣٢٠ وقال هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في المقدمة/ باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٩حـ ١٩٣. حم: ١/ ٢٠٦ "وفيه يحيى بن العلاء" رمي بالوضع. انظر: التقريب ٢/ ٣٥٥. ابن أبي عاصم: السنة ١/ ٢٥٣ حـ٥٧٧، والآجري: الشريعة ٢٩٢. ومداره على عبد الله بن عميره متكلم فيه، قال الذهبي: في "الميزان ٢/٤٦٩": فيه جهالة، قال البخاري لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس له عن العباس حديث المزن والعنان، رواه عنه سماك بن حرب ورواه عن سماك الوليد بن ثور وجماعة، ورواه أيضًا يحيى بن العلاء وهو واه ". فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة في هذا الباب، وفي الآيات والأحاديث الصحيحة الثابتة في الباب غنية. وأخرج عن أبي هريرة- هذا المعنى "مسيرة ما بين سماء وسماء خمسمائة عام "الترمذي٢/ ٥٢٥" و"أحمد: ٢/٣٧٠" و"ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٥٤ حـ ٥٧٨" و"أبو الشيخ: العظمة: لوحة "٣٤- ب" و"البيهقي: الأسماء والصفات٤٠٠" كلهم من طريق الحسن البصري عن أبي هريرة. وهو منقطع؛ إذ لم يسمع الحسن من أبي هريرة. انظر: "ابن أبي حاتم الرازي: كتاب المراسيل ٣٤" و"ابن المديني: العلل ٥٧".
[ ١٨٣ ]
وجبير بن مطعم ١ ٢ وغيرهما٣ عن النبي ﷺ هذا المعنى والطرق مقبولة٤
_________________
(١) ١ ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف كان من أكابر قريش وحلمائها وسادتها عالمًا بأنسابها، أسلم بين الحديبية والفتح، ومات في خلافة معاوية سنة سبع، وِقيل ثمان، وقيل تسع وخمسين، انظر: "ابن عبد البر: الاستيعاب ١/٢٣٠ مع الإصابة" و"ابن حجر: الإصابة ١/٢٦٦". ٢ الذي أخرجه أبو داود عنه هو حديث الأطيط ٥/ ٩٤حـ ٤٧٢٦ وفيه أتدري ما الله إنّ عرشه على سماواته هكذا وقال بأصبعية مثل القبة عليه وإنه ليئط أطيط الرحل بالراكب. قال الألباني: إسناده ضعيف ورجاله ثقات لكن ابن إسحاق مدلس ومثله لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث وهذا ما لم يفعله فيما وقفت عليه من الطرق إليه. انظر: "حاشية ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٥٢ ح ٥٧٥". ٣ منهم أبو ذر رضي الله تعالى عنه: أخرجه عنه البيهقي: الأسماء والصفات ٤٠١ وقال فيه انقطاع. وقال الألباني: وهو مع انقطاعه ضعيف لضعف أحمد بن عبد الجبار. السنة لابن أبي عاصم ١/٢٥٥. ٤ أما طرق هذا الحديث فليست كذلك، وإن كان يشير إلى أن المعنى الذي هو العلو والاستواء له طرق ثابتة مقبولة فهو كذلك كحديث الجارية، "وسيأتي قريبًا" وحديث أنس في قول زينب زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماواته البخاري/ كتاب التوحيد/ باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم ١٣/ ٤٠٣ حـ ٧٤٢٠.
[ ١٨٤ ]
محفوظة وروي عن عبد الله بن مسعود١٢ وعبد الله بن عباس٣٤ وعبد الله بن عمر٥٦ وأنس بن
_________________
(١) ١ وهو عبد الله بن مسعود بن غافل "بمعجمة وفاء" ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، أحد السابقين إلى الإسلام هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، لازم النبي ﷺ، وكان صاحب نعله، كان من كبار العلماء من الصحابة ومناقبه جمة، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وقيل: ثلاث وثلاثين. انظر "ابن حجر الإصابة ٢/ ٣٦٩" و"التقريب ١/٤٥٠". ٢ أخرجه الدارمي: الرد على الجهمية ٢٦ موقوفًا عن ابن مسعود ﵁ قال: "ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام.. والعرش على الماء، والله تعالى فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه "، وابن خزيمة: كتاب التوحيد ١٠٥، ١٠٦ وأبو الشيخ: العظمة. لوحة "٣٥-١"، والبيهقي: الأسماء والصفات ٤٠١. ٣ هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي ابن عم رسول الله ﷺ، ولد قبل الهجرة، بثلاث سنين دعا له الرسول ﷺ فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، كان يسمى حبر الأمة، مات بالطائف سنة ثمان وستين وله إحدى وسبعون سنة. انظر: "ابن حجر: الإصابة ٢/٣٣٠". ٤ أخرج عنه الدارمي موقوفًا عليه قصة دخوله على عائشة وهي تموت وأنه قال لها: " وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات" الرد على الجهمية ٢٧. ٥ ترجمته في الإصابة ٢/ ٣٤٧. ٦ لم أهتد إلى تخريجه عنه.
[ ١٨٥ ]
مالك١٢ وغيرهم٣ مثل ذلك موقوفًا. هـ ونص أحمد بن حنبل٤رحمة الله عليه على أن الله تعالى بذاته٥ فوق العرش، وعلمه بكل مكان٦.
وروى ذلك هو وغيره عن عبد الله بن نافع٧ عن مالك بن
_________________
(١) ١ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين، وأحد المكثرين من الرواية عنه، مات بالمدينة سنة ٩١، ٩٢، ٩٣، وقد جاوز المائة. انظر: "ابن عبد البر: أسد الغابة ١/ ٧١ مع الإصابة" و"ابن حجر: الإصابة ١/ ٧١" و"التقريب ١/ ٨٤". ٢ لم أهتد إلى تخريجه عنه. ٣ كعبد الله بن عمرو بن العاص. انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ٤٠٢. ٤ هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني ناقد السنة وقامع البدعة والثابت في المحنة. كانت ولادته سنة ١٦٤ هـ ووفاته سنة ٢٤١ هـ وله ٧٧ سنة. انظر في ترجمته: "الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١" و"ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ١/ ٤" و"العليمي: المنهج الأحمد ١/ ٥١". ٥ لم يؤثر عن هؤلاء الأئمة إطلاق هذه اللفظة وسيأتي الكلام عليها قريبًا. ٦ انطر: "السنة" حيت يقول ﵀ "الله ﵎ على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله. وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان " ٤٨ شذرات البلاتين، وقال في الرد على الجهمية: ١٣٧: " وهو على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان". ٧ هو عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك. كان قد لزم مالكًا لزومًا شديدًا، وكان لا يقدم عليه أحدًا. وثق، وقال البخاري: في حفظه شيء، وقال أحمد: لم يكن بذاك في الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: هو لين في حفظه وكتابه أصح. وقال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: ثقة. ولد سنة نيف وعشرين ومائة، وتوفي بالمدينة في رمضان سنة ١٨٦هـ. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: توفي سنة ٢٠٦ ثم قال: فهذا الصواب في وفاته وما عداه فوهم وتصحيف. انظر ترجمته في: "ميزان الاعتدال ٣/٥١٣" و"الديباج المذهب لابن فرحون ١/ ٤٠٩ و"سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٧١".
[ ١٨٦ ]
أنس رحمة الله عليه١ وقد رواه غير وحد مع ابن نافع عن مالك بن أنس، وكذلك رواه الثقات عن سفيان بن سعيد الثوري٢٣ وروي نحوه عن/ الأوزاعي٤٥ وهؤلاء أئمة الآفاق. واعتقاد أهل
_________________
(١) ١ قال الإمام أحمد حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك: "الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان". انظر: "مسائل أحمد من رواية أبي داود ٢٦٣"، "السنة لعبد الله بن أحمد ص٦٢"، "والشريعة للآجري ٢٨٩"، "وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٦٧٣". ٢ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه، إمام حجة، قال فيه شعبة ويحيى بن معين وجماعة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وكان ربما دلس. توفي سنة ١٦١هـ وله أربع وستون سنة. انظر: "ترجمته في التقريب١/ ٣١١" و"تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٢" و"ميزان الاعتدال ٢/ ٦٩". ٣ انظر: "السنة لعبد الله بن أحمد ص ٧٢" و"البخاري: خلق أفعال العباد ١٢٢" و"الآجري: الشريعة ٢٨٩" و"اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٦٧٢". ٤ هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو الفقيه ثقة جليل، قال ابن سعد: وكان ثقة مأمونًا صدوقًا فاضلًا خيرًا كثير الحديث والعلم والفقه حجة. مات ببيروت سنة ١٥٧هـ. انظر ترجمته في: "التقريب ١/ ٤٩٣" و"طبقات ابن سعد ٧/ ٤٨٨". ٥ انظر: "البيهقي: الأسماء والصفات ٤٠٨" فقد روى عنه ﵀ قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا".
[ ١٨٧ ]
الحق أنّ الله سبحانه فوق العرش بذاته ١ من غير
_________________
(١) ١ أجمع أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة على أنّ الله ﷿ مستو على عرشه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل. نقل إجماعهم على ذلك كثير من الأئمة الأعلام، كالإمام الأوزاعي حيث يقول: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفات الله جل وعلا". روى ذلك عنه البيهقي في الأسماء والصفات ٤٠٨ كما تقدم. كما نقل ذلك ابن أبي حاتم وأبو زرعة الرازي: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء من جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وأنّ الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف أحاط بكل شيء علمًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ روى ذلك اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم ٣٢١. ومنهم الإمام أبو عمر الطلمنكني إذ يقول في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أنّ معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أنه علمه، وأنّ الله تعالى فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء" نقلًا عن العلو للذهبي ١٧٨. ومنهم الحافظ ابن عبد البر: "ت ٤٦٣": قال بعد إيراده لحديث النزول "وفيه دليل على أنّ الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إنّ ﷿ في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ التمهيد ٧/ ١٢٩ وقال في الرد على استدلال أهل التأويل بقول الله ﷿ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قال: فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التآويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: "هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله". المصدر السابق ٧/ ١٣٨- ١٣٩. فبان بهذه النقول عن هؤلاء الأئمة الفحول أنّ القول باستواء الله على عرشه حقيقة هو قول سلف هذه الأمة من التابعين وأتباعهم أهل القرون المفضلة وهم القوم. والذين حكوا الإجماع على ذلك كثير. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل أقوال عدد من أهل العلم في حكاية الإجماع على استواء الله على عرشه: "وهذا باب واسع لا يحصيه إلا الله تعالى، فإن الذين نقلوا إجماع أهل السنة أو إجماع الصحابة والتابعين على أنّ الله فوق العرش بائن من خلقه لا يحصيهم إلا الله " بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٥٣١ وهو كما قال رحمة الله. وأما إطلاق لفظ "بذاته" فلم يعرف قبل القرن الثالث: وأول من نقل عنه إطلاقها فيما وقفت عليه ابن أبي شيبة "ت ٢٩٧". انظر: كتاب العرش له ص ٥١، ثم أطلق ذلك بعده ابن أبي زيد القيرواني "ت ٣٨٩" وأبو عمر الطلمنكي وأبو نصر السجزي – المؤلف – وابن عبد البر وغيرهم. وأومأ الإمام الذهبي إلى أنّ ذلك من فضول الكلام الذي يحسن تركه، وأنكر على السجزي نسبة ذلك للأئمة كسفيان الثوري والإمام مالك وغيرهما، والحق أنه لم يثبت عن سفيان وطبقته إطلاق ذلك "العلو: ١٧١، ١٨٠". ولعل السجزي نسبها إليهم بالمعنى وأنهم يثبتون الاستواء على الحقيقة. والذي دعا هؤلاء إلى إطلاق لفظ "بذاته" هو أنّ الجهمية لما قالوا إنّ الاستواء مجاز صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته مبالغة في إثبات استواء المولى ﷿ على عرشه على الحقيقة. وذلك مثل إطلاقهم في القرآن: أنه كلام الله غير مخلوق. فإن الصحابة لم يصرحوا بلفظ "غير مخلوق" وإنما كانوا يقولون القرآن كلام الله. فلما ظهر من يقول إنه مخلوق دعا ذلك الأئمة إلى أن يصرحوا بأنه غير مخلوق وأنكر الإمام أحمد على من يقول: كلام الله ويسكت فقال ولِمَ يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت ولكن حيث تكلموا لأي شيء لا يتكلمون "روى ذلك عنه أبو داود في مسائله ص ٢٦٣ – ٢٦٤" وانظر: " ابن القيم: مختصر الصواعق ٢/ ١٣٤ "، "والألباني مختصر العلو ١٨ – ١٩" ففيهما مزيد بيان.
[ ١٨٨ ]
مماسة١ وأن الكرامية ٢ ومن تابعهم على قول المماسة ضلال ٣.
وقد أقر الأشعري بحديث النزول٤٥ ثم قال: [النزول فعل
_________________
(١) ١ الأولى عدم إطلاق لفظ المماسة نفيًا أو إثباتًا؛ لأنه لم يرد نفيه ولا إثباته عن الشارع. ٢ الكرامية: هم أصحاب وأتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني "المتوفى سنة ٢٥٥" الذي بالغ في إثبات الصفات إلى حد التجسيم، وهم فرق وطوائف بلغ عددها اثنتي عشرة فرقة. وقد أطلق ابن كرام في كتابه: "عذاب القبر" إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا. وقال بعضهم امتلأ العرش به. انظر: عن هذه الطائفة: "الشهرستاني: الملل ١/ ١٠٨ – ١٠٩" والبغدادي: "الفرق بين الفرق ٢١٦" و"ابن حزم: الفصل ٤/ ٢٠٤" و"الاسفرائيني: التبصير في الدين ٢٦٥ و"الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٦٧". ٣ الكلام من قوله: "واعتقاد أهل الحق – إلى هنا -: اقتبسه بنصه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتاب بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٦٦" وقد قابلته به هنا. ٤ حديث النزول: أخرجه البخاري: كتاب التهجد باب الدعاء والصلاة في آخر الليل ٣/ ٢٩ حـ ١١٤٥ من حديث أبي هريرة. م: كتاب صلاة المسافرين / باب الترغيب والدعاء في آخر الليل١/ ٥٢١حـ ١٦٨. ٥ انظر: الإبانة ص ٢٩ حيث صرح ﵀ بذلك فقال: "ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأنّ الرب ﷿ يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر "وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل".
[ ١٩٠ ]
له يحدثه في السماء] ١.
وقال بعض أصحابه: [المراد به نزول أمره] ٢ ونزول الأمر عندهم لا يصح٣ وعند أهل الحق الذات بلا كيفية ٤ ٥.
_________________
(١) ١ هذا القول ليس فيما بين أيدينا من كتبه، ولكن عزاه له البيهقي فقال: " وهكذا قال - أي الأشعري - في أخبار النزول أنّ المراد فعل يحدثه الله ﷿ في سماء الدنيا كل ليلة يسميه نزولًا بلا حركة ولا نقله": "الأسماء والصفات ٤٤٩". وأشار ابن تيمية إلى أن هذا مذهب الأشعري وأصحابه. فقال ﵀: "ومعنى ذلك - أي معنى النزول والقرب - عنده - الأشعري - وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته أنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا كما قال: إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواء. . . إلى أن قال – الأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش بذاته، لكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم نفي قيام الأفعال الاختيارية به" "شرح حديث النزول ٥١" وانظر أيضًا: "أصول الدين للبغدادي ١١٣". ٢ انظر هذا المعنى لدى ابن فورك في "مشكل الحديث" ص ٨٠ – ٨١. ٣ بناء على قولهم في كلام الله: "إنه نفسي قائم بذاته" فلا يتصور نزوله. ٤ في الأصل "لا كيفية". والمراد بلا كيفية نعلمها. ٥ هذا مذهب السلف في هذا الباب يقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀: "وينزل ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف يشاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". رسالة السنة ٣٧. ويقول شيخ الإسلام الصابوني ﵀ في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى سماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف" "مجموع الرسائل المنبرية ١/ ١١٢". ونقل الإمام ابن القيم التصريح بلفظ: "ينزل بذاته" عن جماعة من أهل العلم كنعيم ابن حماد وإن لم يصح الحديث المرفوع الذي روى من طريقه في ذلك. وعلى أي حال فقد تقدم في المسألة الاستواء قريبًا الكلام على إطلاق بعض العلماء لفظ "بذاته" فيقال هنا ما قيل هناك. والله أعلم.
[ ١٩١ ]
وزعم الأشعري: أن الله سبحانه غير ممازج للخلق وغير مباين لهم، والأمكنة غير خالية منه، وغير ممتلية به١.
وهذا كلام مسفت٢ لا معنى تحته، وتحقيقه النفي بعد الإثبات.
وبعض أصحابه وافق المعتزلة وسائر الجهمية في قولهم: إن الله بذاته في كل مكان٣ / وذكر عن بشر المريسي٤ أنه قيل له: فهو في جوف حمارك فقال نعم٥.
_________________
(١) ١ هذا مذهب متأخري الأشعرية كالرازي حيث يقول: "إنا ندعي وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات الست". انظر: أساس التقديس ص ٤ ط حلبي. ٢ في القاموس: سفت: كسمع أكثر من الشراب ولم يرو، والسفت: بالكسر: الزفت، وككتف: طعام لا بركة فيه. "١/ ١٥٥". وعليه فالكلام المسفت: هو الذي لا بركة فيه ولا معنى تحته كما أشار المؤلف ﵀. ٣ لم أقف على من قال بذلك منهم. ٤ تقدمت له ترجمة. ٥ قال ابن عبد البر: قال- أبو داود- وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: "حدثني محمد بن عمرو الكلابي، قال سمعت وكيعًا يقول: كفر بشر المريسي في صفته هذه، قال: هو في كل شيء، قيل له: وفي قلنسوتك هذه؟ قال نعم. قيل له: وفي حمارك؟ قال: نعم". انظر: "التمهيد ٧/ ١٤٣".
[ ١٩٢ ]
ومن قال هذا فهو كافر، والله سبحانه متعال عما قالوه.
وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته فوق العرش بلا كيفية بحيث لا مكان١.
وقد ثبت الحديث الذي في موطأ مالك٢ بن أنس ﵀ وفي
_________________
(١) ١ إطلاق لفظ المكان في حق الله ﷿ نفيًا أو إثباتًا من الأمور التي لم يرد بها كتاب ولا سنة وينبغي الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ والوقوف عند ما ورد به النص من استواء الله على عرشه فوق سماواته. لأن لفظ المكان من الأمور التي تحتمل حقًا وباطلًا ولأهل العلم تفصيل في ذلك:
(٢) فقد يراد بالمكان أمر وجودي وهو ما يحوي الشيء ويحيط به، أو ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجًا إليه. والله ﷿ منزه عن المكان بهذا المعنى الذي يقتضي الإحاطة والافتقار وهذا الذي قصد المصنف نفيه عن الله ﷿ بقوله "بحيث لا مكان".
(٣) وقد يراد بالمكان: أمر عدمي: وهو ما فوق العالم من العلو. والله ﷾ فوق العالم غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته. فيصح إطلاق أن الله في مكان بهذا المعنى. وإن كان الأولى الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ نفيًا أو إثباتًا كما قدمت والانتهاء حيث انتهت النصوص من إثبات العلو المطلق في حقه ﷾ وأنه مستو على عرشه كما أخبر. راجع: "ابن تيمية: منهاح السنة ٢/ ١٠٦" و"الألباني: مقدمة مختصر العلو ٧٢". ٢ انظر الموطأ: كتاب العتق والولاء/ باب ما يجور من العتق في الرقاب الواجبة ٢/ ٧٧٦ حـ ٨ من حديث عمر بن الحكم. وهو خطأ والصواب معاوية بن الحكم كما نبه إلى ذلك ابن عبد البر في الحاشية.
[ ١٩٣ ]
غيره من كتب العلماء١: أنّ النبي ﷺ قال للجارية التي أراد عتقها من عليه عتق رقبة مؤمنة: " أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة".
وعند الأشعري أن من اعتقد أن الله بذاته في السماء فهو كافر٢.
وإن زمانا يقبل فيه قول من يرد على الله سبحانه، وعلى الرسول ﷺ، ويخالف العقل، ويعد مع ذلك إمامًا، لزمان صغب٣ والله المستعان.
ولقد قال الأوس بن حارث بن ثعلبة٤ عند موته قصيدة يوصي
_________________
(١) ١ انظر: م: كتاب المساجد/ باب تحريم الكلام في الصلاة ١/ ٣٨١ حـ ٣٣ من حديث معاوية بن الحكم السلمي أيضًا. د: كتاب الأيمان والنذور/ باب الرقبة المؤمنة ٣/ ٨٥٧ حـ٣٢٨٢. وفي الصلاة/ باب تشميت العاطس في الصلاة ١/ ٥٧٠ حـ ٩٣٠. حم: مسند أبي هريرة ٢/ ٢٩١ مسند الشريد بن سويد الثقفي ٤/ ٢٢١ مسند معاوية بن الحكم ٥/ ٤٤٧. ن: وصايا/ باب فضل الصدقة عن الميت ٦/ ٢١١ من حديث الشريد بن سويد الثقفي. ٢ لم أعثر على تخريج هذا النص عنه. ٣ في اللسان: يقال لبيضه القملة: صغاب وصؤاب "١/ ٥٢٥" المصغبة لغة في "المسغبة" وهي الجوع. انظر: "تاج العروس ١/ ٣٣٥" والمعنى أن هذا زمان لا خير ولا فائدة فيه ما دام الحال فيه ما ذكر. ٤ هو جد قبيلة الأوس، ارتحل هو وأخوه الخزرج من اليمن إلى نجران ثم مكة المكرمة ثم إلى يثرب حيث أقاما بها، وإليهما تنسب الأوس والخزرج الأنصار بالمدينة. انظر ترجمته لدى: "اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٠٣"، "وابن قتيبة: المعارف ١٠٩" "وابن حزم: جمهرة أنساب العرب ٣٣٢" "والزركلي: الأعلام ١/٣٧٤".
[ ١٩٤ ]
فيها إلى ابنه مالك١ وذلك قبل الإسلام فيها:
فإن تكن الأيام أبلين أعظمي وشيبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا ربا عليٌ فوق عرشه عليمًا بما نأتي من الخير والشر٢
وقال غيره قبل الإِسلام:
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا ٣
_________________
(١) ١ نفس المراجع. ٢ لم أجد تخريجهما. ٣ البيت لعبد الله بن رواحة كما أشار المصنف، أخرجه الدارمي مع بيت قبله وآخر بعده بسنده إلى قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب أن عبد الله بن رواحة ﵁ وقع بجارية له فقالت له امرأته: فعلتها؟ قال أما أنا فأقرأ القرآن، فقالت: أما أنت فلا تقرأ القرآن وأنت جنب فقال: أنا أقرأ لك فقال: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا تحمله ملائكة كرام وملائكة الإله مسومينا فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر. "الرد على الجهمية ٢٧". وقال ابن عبد البر في ترجمته وقصته مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة رويناها من وجوه صحاح. ثم ساق القصة وذكر الأبيات. انظر: "الاستيعاب ٢/ ٢٩٦" هذا ولم أجد من نسب هذا البيت لغير عبد الله بن رواحة لا قبل الإسلام ولا في الإسلام.
[ ١٩٥ ]
وقيل إن عبد الله بن رواحة١ قاله في الإسلام، وهو صحابي.
ومثله في الشعر وكلام العرب قديمًا كثير.
وليس٢ في٣ قولنا: إنّ الله سبحانه فوق العرش تحديد٤ وإنما التحديد
يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه٥ فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حد، لاتفاقنا أن الله سبحانه٦ كان ولا مكان، ثم خلق المكان وهوكما كان قبل خلق المكان) ٧.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة، أحد النقباء، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعده، قتل يوم مؤتة شهيدًا، وهو أحد الأمراء في هذه الغزوة، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ. ترجمته لدى: ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٢٩٣ بهامش الإصابة. ٢ النص ما بين الحاصرتين. اقتبسه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتابه بيان تلبيس الجهمية. انظر: ١/ ٤٤٦. ٣ في "ب": "من". ٤ في "ب" زيادة: "له". ٥ في "ب" زيادة "وتعالى". ٦ في "ب": "تعالى". ٧ أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية إطلاق هذه الجملة، وأنكر على من زادها على لفظ حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه الذي فيه قوله ﷺ "كان الله ولم يكن قبله شيء" وفي لفظ "معه" وفي لفظ "غيره" وكان عرشه على الماء خ: ١٣/ ٤٠٣حـ ٧٤١٨ فزاد بعضهم: "وهو الآن على ما عليه كان" وهذه الزيادة لا تصح. ووصفها بأنها "زيادة الحادية: قصد بها المتكلمة والمتجهمة نفي الصفات التي وصف - الله -بها نفسه من استوائه على العرش ونزوله من سماء الدنيا وغير ذلك، فقالوا: كان في الأزل ليس مستويًا على العرش وهو الآن على ما عليه كان فلا يكون على العرش" انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٦٤، والفتاوى ١٨/ ٢٢١. ولا شك أنّ المصنف ﵀ بإثباته هذه الجملة لم يقصد ما قصده المتكلمة والمتجهمة من نفي الاستواء، كيف وهو الذي لم يأل جهدًا في إثبات استواء الله ﷿ على عرشه وبينونته عن خلقه، وإيراد الدلائل على ذلك والإنكار على المخالف. وإنما قصد ﵀ من إطلاق هذه الجملة: إثبات تنزيه الله ﷿ واستغنائه عن المكان الوجودي الذي هو مخلوق له، وأنه سبحانه غني عن مخلوقاته غير مفتقر إلى شيء منها. ولا ريب أنّ ترك إطلاق هذه العبارة، والوقوف عند ما ورد به النص أولى وأسلم، فإن أقل ما يقال فيها: إنها عبارة تحتمل حقًا وباطلًا ولم يرد أثر بإطلاقها، وما كان كذلك كان تركه أولى والله أعلم.
[ ١٩٦ ]
وقد ذكر الله سبحانه في القرآن ما يشفي الغليل وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ١ فخص العرش بالاستواء، وذكر ملكه لسائر الأشياء فعلم أنّ المراد به غير الاستيلاء.
وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه بكل٢ مكان، وقد علم أنّ الأمكنة محدودة، فإذا٣ كان فيها بزعمهم كان محدودًا، وعندنا أنه
_________________
(١) ١ سورة طه آية "٥،٦" ٢ في "ب" "على". ٣ في"ب" "فإن".
[ ١٩٧ ]
مباين للأمكنة، ومن حلها ومن فوق١ كل محدث. فلا تحديد٢ في قولنا٣ وهو ظاهر لا خفاء به٤ هـ.
_________________
(١) ١ "من" ليست في "ب" وحذفها أظهر. ٢ في "ب" "لذاته". ٣ من قوله: "وإنما يقول بالتحديد.. - إلى هنا - اقتبسه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتابه: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٤٦". ٤ اختلف السلف في قضية الحد: وهل يقال لله ﷾ حد أم ليس له حد وقبل أن نذكر أقوالهم في ذلك ينبغي أن نبين أولًا معنى الحد في اللغة فالحد في اللغة: هو الفصل بين شيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر. وحد الشيء من غيره يحده حدًا وحدده: ميزه. انظر: لسان العرب ٣/١٤٠ فالحد إذا: ما يتميز به الشيء عن غيره. والسلف مجمعون على أن الله ﷿ متميز عن خلقه بائن منهم مستو على عرشه وورد إطلاق لفظ الحد لله ﷿ بهذا المعنى عن شيخ الإسلام عبد الله ابن المبارك "ت ١٨١". فقد روى الدارمي بسنده عن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه سئل: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق العرش، فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه- قال- قلت: بحد قال فبأي شيء انظر: الرد على الجهمية ص:٥، ورواه عبد الله ابن أحمد من عدة طرق إلى الحسن بن شقيق وفي بعضها لفظ "بحد" وليس في بعضها ذكر ذلك، انظر: السنة: ٧، ٣٥. . وروى الخلال بسنده عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن قول ابن المبارك هذا قال: قد بلغني ذلك عنه وأعجبه. وفي رواية أخرى قال: هكذا على العرش استوى بحد، قال: فقلنا له: ما معنى قول ابن المبارك بحد؟ قال لا أعرفه، ولكن لهذا شواهد من القرآن في خمسة مواضع ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو على العرش وعلمه بكل مكان. وكذلك روى عن ابن راهوية قال الخلال: أخبرنا حرب بن إسماعيل قال قلت لإسحاق- يعني ابن راهوية- على العرش بحد؟ قال نعم بحد- وذكر قول ابن المبارك، نقلا عن ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: ١/٤٢٨-٤٢٩. والذي دعا هؤلاء الأئمة لإِطلاق لفظ الحد: هو أن الجهمية لما قالوا إن الخالق في كل مكان وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم بيَّن هؤلاء الأئمة أن الرب سبحانه على عرشه مباين لخلقه وذكروا الحد لأن الجهمية كانوا يقولون ليس له حد وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم. انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٤٤٣. ومنع بعض السلف من إطلاق الحد عليه ﷾ وهو قول: الخطابي: الذي يرى أنه لفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة فلا ينبغي إطلاقه في حق الله، لأن صفات الله إنما تؤخذ عن الله وعن رسول الله ﷺ، وأجيب بأن الذين أثبتوا الحد لم يثبتوه صفة لله. وممن منع منه: القاضي أبو يعلى في سابق قوليه وقد رجع عنه وقال بإطلاقه وروى الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: "نحن نؤمن بالله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف ويحده أحد فصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية.."، نقلا عن ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية: ١/٤٣٠. فقد نفى الإِمام أحمد الحد في هذه الرواية، وأثبته في الرواية المتقدمة وأحسن ما قيل في الجمع بين الروايتين: إن إطلاق الحد يحمل على معنى أنه سبحانه: خارج العالم متميز عن خلقه، وأنه سبحانه على صفة يبين بها من غيره ويتميز. وتحمل رواية المنع: على الحد الذي بمعنى الصفة وأن خلقه لا يحدونه ولا يصفونه إلا بما وصف به نفسه ولا يدركون كنه وكيفية صفاته، كما في رواية عن أحمد "له حد لا نعلمه". أما الحد الذي نفاه الحافظ السجزي فهو الذي بمعنى الحصر فهو ﵀ ينفي عن الله ﷾ أن يكون محدودًا بشيء من الأمكنة لا تحده ولا تحصره لأنه سبحانه مباين لها، ولأنها محدثة والله سبحانه فوق المحدثات. أما الحد الذي أثبته ابن المبارك والإمام أحمد وغيرهما فهو الحد الذي بمعنى التمييز والمباينة للخلق. والإمام السجزي لا ينازع فيه بهذا المعنى. فهورحمه الله موافق للإمام أحمد وسائر السلف في إثبات علو الله على خلقه ومباينته وتميزه عن سائر مخلوقاته. والخلاف إنما هو في إطلاق لفظ الحد ولكل وجهة والاتفاق بينهم حاصل على التنزيه وإثبات العلو ومباينته سبحانه للمخلوقات. والله تعالى أعلم.
[ ١٩٨ ]
الفصل الخامس: في بيان أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها
وأما موافقتهم للمعتزلة: فإن المعتزلة قالت: لا تجوز رؤية الله تعالى بالأبصار، وأنه ليس بمرئي١.
وقال الأشعري: هو مرئي ولا يرى بالأبصار عن مقابلة٢. فأظهر
_________________
(١) ١ وانظر لتحرير مذهبهم في ذلك: (شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار٢٣٢) و(المقالات: للأشعري ١/ ٢٣٨) . ٢ نقل الشهرستاني عنه أنه كان يقول: "لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع، أو على سبيل انطباع فإن كل ذلك مستحيل ثم قال:- وله في ماهية الرؤية قولان: أحدهما: أنه علم مخصوص والثاني أنه إدراك وراء العلم.." انظر: (الشهرستاني: الملل والنحل ١/ ١٠٠) و(نهاية الأقدام ٣٥٦) . والذي في كتب الأشعري التي اطلعت عليها: إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار؛ إذ يقول في كتاب الإبانة ص٢٥: وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ ثم عقد بابًا في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ص ٣٥. وقال في رسائله لأهل الثغر: "وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله ﷿ يوم القيامة بأعين وجوههم على ما صرح به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقد بين ذلك النبي ﷺ ورفع كل إشكال فيه بقوله للمؤمنين: "ترون ربكم عيانًا "، وقوله: "ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته ". فبين أن رؤيته تعالى بأعين الوجوه أ. هـ (لوحة ١٤٨ مخطوط مصور بمكتبة الدراسات تحت رقم ٤٧ عقائد) . وفي المطبوع ص ١٣٤، ويحمل ما ذكره المؤلف وما نقله الشهرستاني عنه على ما كان عليه قبل أن يرجع إلى مذهب السلف، ومذهب السلف أن الرؤية لا تكون إلا عن مقابلة، وعند سائر عقلاء الأمم لابد أن يكون المرئي مقابلًا للرائي، والنقل دل على أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم كما قال ﷺ: " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم ". انظر: (مختصر الصواعق لابن القيم ١/ ٢٨٠ –- ٢٨١) والحديث أخرجه (ابن ماجه: المقدمة/ باب ما أنكرت الجهمية ١/ ٦٥ حـ ١٨٤) .
[ ٢٠٣ ]
خلافهم وهو موافق لهم.
وقالت المعتزلة: لا يجوز أن توصف ذات الله بالكلام١، ولا كلام إلا ما هو حرف وصوت٢.
وقال الأشعري: [يجب وصف ذاته سبحانه بالكلام وليس ذلك بحرف ولا صوت] ٣ فنفى ما نفته المعتزلة وأثبت ما لا يعقل، فهو مظهر خلافهم موافق لهم في الأصل.
وأنكرت حديث المعراج.
_________________
(١) ١ لأن مذهب المعتزلة أن الكلام ليس من صفات ذاته تعالى ولكنه صفة فعلية فيقولون إن الله متكلم بمعنى أنه خلق الكلام: يقول القاضي عبد الجبار: "أما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله ووحيه وهو مخلوق محدث". (شرح الأصول الخمسة ٥٢٨) . ٢ انظر المصدر السابق ٥٢٨ حيث يقول: "ونذكر حقيقة الكلام وأنه الحروف المنظومة والأصوات المقطعة". ٣ تقدم الكلام على ذلك.
[ ٢٠٤ ]
وقال الأشعري: إنه ثابت١، ثم قال: [الله لا يجوز أن يوصف أنه فوق] ٢ فكذب بما في حديث المعراج، فصار موافقًا لهم مع (إظهاره) ٣ الخلاف.
وقالت المعتزلة: السور والآي مخلوقة، وهي قرآن معجز٤.
_________________
(١) ١ انظر الإبانة ص ٣١ حيث يقول: "ونصدق بحديث المعراج". ٢ لم أجد هذا القول فيما اطلعت عليه من كتبه ولعل هذا قوله قبل أن ينتقل إلى مذهب السلف. فالثابت عنه إثباته الفوقية لله جل وعلا، وأنه سبحانه مستوى على عرشه. يقول في الإبانة ص٩٣ بعد استدلاله بحديث الجارية: "وهذا يدل على أن الله ﷿ على عرشه فوق السماء" ويقول في رسائله إلى أهل الثغر "وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه". وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ إلى أن قال – وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر؛ لأنه ﷿ لم يزل مستوليًا على كل شيء. ورقة ١٤٧ مخطوط بمكتبة الدراسات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٧ عقائد. وفي المطبوع ص١٣٠. والقول بنفي الفوقية هو ما تبناه متأخروا الأشاعرة، أمثال الرازي في تأسيس التقديس ص٤ إذ يقول: "اعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحس أنه هاهنا أو هناك". وأبي حامد الغزالي: إذ يقول: "ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست ثم قال فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال" انظر: الاقتصاد في الاعتقاد ص٢٤. ٣ في الأصل (اظهارهم) وهو تحريف. ٤ انظر: (شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨ حيث زعم أن هذا القرآن كلام الله مخلوق وأنه هذا الذي يتلى ويسمع. ثم يقرر في ص ٥٨٦ – ٥٨٧ أن القرآن معجز وأن التحدي واقع بهذه الآيات المسموعة.
[ ٢٠٥ ]
وقال الأشعري: [القرآن كلام الله سبحانه والسور والآي ليست بكلام الله سبحانه وإنما هي عبارة عنه، وهي مخلوقة] ١.
فوافقهم في القول بخلقها، وزاد عليهم بأنها ليست قرآن ولا كلام الله سبحانه. فإن زعموا أنهم يقرون بأنها قرآن. قيل لهم: إنما يقرون بذلك على وجه المجاز، فإن من مذهبهم أن القرآن غير مخلوق، وأن الحروف مخلوقة، والسور حروف بالاتفاق، من أنكر ذلك لم يخاطب.
وإذا كانت حروفًا مخلوقة لم يجز أن يكون قرآنًا غير مخلوق.
وقالت المعتزلة: الزنا والسرقة، وأخذ أموال الناس بغير حق، وما
_________________
(١) ١ ليس هذا في شيء من كتب الأشعري التي بين يدي الناس اليوم كالإبانة والمقالات واللمع ورسائل أهل الثغر، بل نراه يقرر في هذه الكتب أنه لا يجوز أن يقال شيء من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن كله بكماله غير مخلوق وأنكر على من قال لفظي بالقرآن مخلوق. انظر مثلًا: (الإبانة: ص١٠١) . ولعل ما ذكره المصنف عنه مما كان يقول به قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة، وهو ما عليه المنتسبون إليه، ويحكون عنه أن كان يقول: "وكلامه واحد وهو أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي" انظر: (الملل والنحل ١/ ٩٦) . وهذا مخالف كما ترى لقول الأشعري الذي انتهى إليه آخر الأمر في (الإبانة وغيرها) "أنه لا يجوز أن يقال شيء من القرآن مخلوق".
[ ٢٠٦ ]
شاكل ذلك حرام وهو قبيح في العقل قبل التحريم١.
وقال الأشعري: العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه٢.
_________________
(١) ١ ذلك أن من مذهبهم: "أن الحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك بالعقل". انظر: (الشهرستاني: الملل والمحل١/ ٤٥) . ٢ ليس ذلك في شيء من كتبه المعروفة، لكن نقل نحوه عنه. الشهرستاني: انظر: (الملل ١/ ١٠١) وهو قول الأشاعرة بعده. كالجويني في: (الإرشاد ٢٥٨) و(الشهرستاني في نهاية الأقدام ٣٧٠) . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف الناس في هذه المسألة، وأشار إلى كلام السجزي هنا. ويحسن أن أورد كلامه فإنه أحسن من تكلم في هذه المسألة ولخص مقاصدها تلخيصًا حسنًا. فقال ﵀: لكن تنازعوا- أهل السنة- في مسألتين: إحداهما: أن العباد هل يعلمون بعقولهم حسن بعض الأفعال، ويعلمون أن الله متصف بفعله، ويعلمون قبح بعض الأفعال ويعلمون أن الله منزه عنه؟ على قولين معروفين: أحدهما: أن العقل لا يعلم به حسن فعل ولا قبحه، أما في حق الله تعالى فلأن القبيح منه ممتنع لذاته، وأما في حق العباد فلأن الحسن والقبح لا يثبت إلا بالشرع. وهذا قول الأشعري وأتباعه، وكثير من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وهؤلاء لا ينازعون في الحسن والقبح إذا فسر بمعنى الملائم والمنافي أنه قد يعلم بالعقل، وكذلك لا ينازعون- أو لا ينازع أكثرهم أو كثير منهم- في أنه إذا عنى به كون الشيء صفة كمال أو نقص أنه يعلم بالعقل. والقول الثاني: أن العقل قد يعلم به حسن كثير من الأفعال وقبحها في حق الله تعالى وحق عباده، وهذا مع أنه قول المعتزلة فهو قول الكرامية وغيرهم من الطوائف، وهو قول جمهور الحنفية، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كأبي بكر الأبهري، وغيره من أصحاب مالك وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب الكلوذاني من أصحاب أحمد، وذكر أن هذا القول قول أكثر أهل العلم، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال وغيرهما من أصحاب الشافعي، وهو قول طوائف من أئمة أهل الحديث. وعدوا القول الأول من أقوال أهل البدع، كما ذكر ذلك أنو نصر السجزي في رسالته المعروفة في السنة وذكره صاحبه أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في شرح قصيدته المعروفة في السنة. قال- وفي المسألة قول ثالث اختاره الرازي في آخر مصنفاته وهو القول بالتحسين والتقبيح العقليين في أفعال العباد دون أفعال الله) أ. هـ (منهاج السنة ١/٣١٦ – ٣١٧) .
[ ٢٠٧ ]
ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة١.
والنص٢ إنما دل على ترك عقوبته لا على أنه مستحق لها.
فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها واستحق تارك النظر فيها اللوم. كان متلاعبًا.
وإن قال: إنها حسنة. فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح. وِإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد (الله) ٣ شيئًا ثم عذب عليه كان ظلمًا. فركب الطريقة الشنعاء
_________________
(١) ١ سيأتي الكلام على هذه المسألة في الفصل التاسع. ٢ وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . ٣ لفظ الجلالة ليس في الأصل.
[ ٢٠٨ ]
في أن لا حسن في العقل ولا قبيح.
وكان الأمر (أيسر) ١ في رد ما قالوه من هذا، لأن موضوع اسم
الظلم: لوضع الشيء في غير موضعه، وأخذ ما ليس للآخذ أخذه٢ والله خالق الأشياء ومالكها، ومدبرها وليس لأحد أن يعترض عليه فيما يصنع فيها، ولا يضع الشيء إلا فيما يجعله موضعًا له، ولا يأخذ شيئًا إلا وهو أولى به، ولا يتصور معنى الظلم في أفعاله. وقد قال الله سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣.
ولقد حكى محمد بن عبد الله المالكي المغربي٤٥ وكان فقيهًا صالحًا عن الشيخ أبي سعيد البرقي٦ وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة٧ عن أستاذه خلف المعلم٨ وكان من فقهاء المالكيين
_________________
(١) ١ في الأصل (اليسر) . ٢ وانظر: (لسان العرب ١٢/ ٣٧٣) مادة: (ظلم) . ٣ سورة الأنبياء: آية (٢٣) . ٤ في النص الوارد في درء التعارض ٧/٢٣٦، (المغربي المالكي): ٥ لم أجد له ترجمة. ٦ لم أجد له ترجمة. ٧ برقة: "بفتح الباء وسكون الراء وفتح القاف" اسم صقع كبير يشتمل على مدن وقرى بين الاسكندرية وإفريقية. انظر: (معجم البلدان: للحموي ١/ ٣٨٨) . ٨ وهو أبو سعيد: خلف بن عمر، وقيل اسمه: عثمان بن عمر، وقيل عثمان بن خلف، المعروف بابن أخي هشام الخياط، من أهل القيروان، وكان شيخ الفقهاء، وإمام أهل زمانه في الفقه والورع، وكان يعرف بمعلم الفقهاء، لم يكن في وقته أحفظ منه، اختلط علم الحلال والحرام بلحمه ودمه وما اختلف الناس فيه، وما اتفقوا عليه، عالمًا بنوازل الأحكام حافظًا بارعًا فراجًا للكروب مع تواضع ورقة قلب وسرعة دمعة ونية خالصة. كان مولده سنة ٢٩٩، وقيل ٢٩٧، وتوفي سنة ٣٧١ وقيل ٣٧٣ هـ. انظر ترجمته في: (الديباج المذهب١/ ٣٤٧) و(ترتيب المدارك ٢/ ٤٨٨ - ٤٩١) .
[ ٢٠٩ ]
أيضًا أنه١ قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول.
وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره ٢.
_________________
(١) ١ عبارة (أيضًا أنه) ليست في درء التعارض. ٢ نقل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الجملة من كلام المؤلف- (من قوله: (حكى.. إلى قوله (وغوره) في كتابه درء تعارض العقل والنقل٧/ ٢٣٦ وقال: ذكره السجزي في الإبانة. وهو بنصه في هذه الرسالة، ولعل المصنف ذكره في الكتابين وقد أشرت إلى ذلك في الدراسة. ثم علق ابن تيمية على قول المعلم: (فرجع عن الفروع وثبت على الأصول) . بقوله: (قلت ليس مراده بالأصول ما أظهره من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة كمسألة الرؤية والقرآن والصفات، ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم كما قد بينا كلام أبي الحسين البصري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامها في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أصحابه المتأخرين كأتباع صاحب "الإرشاد" فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم، لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة. وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم. قال- والمعتزلة تنكر هذا بالكلية، وصارت المعتزلة والفلاسفة مع سائر جمهور العقلاء يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضروريات. إ هـ.
[ ٢١٠ ]
ففي هذا القدر كفاية، ولعل غير هذه الرسالة يأتي على شرح موافقته لهم فيقفوا عليه إن شاء الله تعالى.
[ ٢١١ ]
الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلامًا في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزًا واتساعًا وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما.
ينبغي: أن ينظر في كتب من درج، وأخبار السلف هل قال أحد منهم: إن الحروف المتسقة التي يتأتى١ سماعها وفهمها ليست بكلام الله سبحانه على الحقيقة؟ وأن الكلام غيرها ومخالف لها، وأنه معنى لا يدرى ما هو غير محتمل شرحًا وتفسيرًا؟ فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف، وأهل النحل قبل مخالفينا الكلابية والأشعرية عذروا في موافقتهم إياه.
وإن لم يرد ذلك عمن سلف من القرون٢ والأمم ولا نطق به كتاب منزل ولا فاه به نبي مرسل ولا اقتضاه عقل، علم جهل مخالفينا وإبداعهم٣
_________________
(١) ١ في الأصل (يأتي) . ٢ في الأصل (القران) وهو تحريف. ٣ أي ابتداعهم: يقال: أبدع الرجل وابتدع: إذا أتى ببدعة، ويقال: أبدعت الشيء إذا اخترعته على غير مثال سابق. انظر: (تاج العروس مادة (بدع) ٥/ ٢٧١) و(الصحاح: للجوهري: ٣/١١٨٢) .
[ ٢١٥ ]
ولن يقدر أحد (في) ١ علمي على إيراد ذلك عن الأوائل ولا اتخاذه إيانا٢ في أثر ولا عقل.
وكل ما يتعلق به مخالفونا في هذا الفصل فمن المجاز، أو بنيات الطرق، والعقل والسمع معًا يؤيدان ما نقوله، وبه ينطق الكتاب والأثر، وثبت العرف به.
فأما تعلقهم ببيت الأخطل٣ فإن معنى قوله: إن البيان من الفؤاد٤ هو: أن المرء إنما يروي في نفسه أولًا ما يريد أن يتكلم به، فالموجب للبيان هو الذي انطوى عليه القلب٥ وحقيقة الكلام هو النطق به المسموع لا غير.
والذي قاله الأخطل إنما يكون في أوقات مخصوصة لآحاد من الناس. والغالب من أحوالهم الكلام على الهاجس٦ بما لم يرددوه في أنفسهم ولم يهموا به.
_________________
(١) (في) ليست في الأصل وزدتها لاقتضاء السياق. ٢ هكذا في الأصل والكلام غير مستقيم ويحتمل أن يكون صوابها هكذا: (ولا اتخاذهم إياه دينًا في أثر أو عقل) . والله أعلم. ٣ تقدم التعريف به، انظر ص ١٢٠. ٤ تقدم البيت بتمامه مع تخريجه، انظر ص ١٢٠. ٥ وهو المعنى. ٦ الهاجس: الخاطر: والهجس: "ما وقع في خلدك، تقول: هجس في قلبي هم وأمر". انظر: (لسان العرب ٦/ ٢٤٦) .
[ ٢١٦ ]
ولو كان حقيقة الكلام ما يتعلق بالفؤاد دون النطق لكان كل ذي فؤاد ناطقًا متكلمًا في حال سكوته، ووجود الآفة به، كالأخرس١ والطفل والنائم.
ولا خلاف بين العقلاء في أن الطفل الرضيع أول (ما) ٢ يولد غير متكلم، وأن الأخرس والساكت ليسا بمتكلمين، وكذلك النائم في الغالب٣.
وقد دل القرآن على أن القرآن هو النطق، وذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٤. والإنصات عند العرب ترك النطق٥، وقال النبي ﷺ: " رحم الله (من) ٦ تكلم فغنم،
_________________
(١) ١ في الأصل (كالخرس) . (ما) ليست في الأصل. ٣ احترز بقوله في الغالب عما قد يقع من النائم من الكلام في الأحلام والرؤى أحيانًا. ٤ سورة الأعراف آية (٢٠٤) . ٥ قال الراغب: والإنصات: هو الاستماع مع ترك الكلام. (المفردات ٢٨٩) . والإنصات: هو السكوت والاستماع للحديث. انظر: (تاج العروس ١/ ٥٩١) و(لسان العرب ٢/ ٩٩) والسكوت: خلاف النطق، وقيل: هو ترك الكلام مع القدرة عليه. انظر: (تاج العروس أيضًا ١/ ٥٥٣) . (من) في الأصل بالهامش وعليها إشارة تضبيب، ولم أقف على هذه اللفظة إلا عند ابن المبارك في لفظ أشار إليه المحقق في الحاشية انظر: الزهد ١٢٨ حاشية ٣.
[ ٢١٧ ]
أو سكت فسلم" ١
فعلم بذلك أن السكوت والكلام لا يجتمعان في الوقت الواحد، في محل واحد.
ولا خلاف بين صدور علماء المسلمين (في أن) ٢ من قال في نفسه: عبدي حر من غير أن ينطق بذلك، لم يعتق عبده.
ولو قال: عبدي حر نطقًا ثم قال: لم أنو بما قلت عتقه. حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته.
_________________
(١) ١ الحديث روي بألفاظ مختلفة ففي بعضها "رحم الله امرءًا تكلم فغنم أو سكت فسلم". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن مرسلًا، وفي بعضها "رحم الله عبدًا قال فغنم أو سكت فسلم ". أخرجه أبو الشيخ عن أبي أمامة، وفي بعضها: "رحم الله عبدًا قال فغنم أو سكت عن سوء فسلم". أخرجه ابن المبارك عن خالد ابن أبي عمران مرسلًا. انظر: السيوطي: الجامع الصغير ٢/ ٢٣، وابن المبارك: الزهد ١٢٨. وللحديث طرق أخرى عند البغوي من حديث كامل بن طلحة (٣/ ٢) والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٤٧) . من طريقين عن الحسن مرسلًا ومرفوعًا. أشار إلى ذلك الشيخ ناصر الدين الألباني، وقال بعد أن ذكر من خرج الحديث: "فالحديث عندي حسن بمجموع هذه الطرق والله أعلم" انظر: الصحيحة ٢/ ٥٣٥ ح ٨٥٥. وأخرج نحوه الطبراني بلفظ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرًا فليتكلم بحق أو ليسكت " من حديث أبي هريرة ﵁ من طريق الجعفي عن زائدة ابن قدامة عن ميسرة الأشجعي، قال: لم يروه عن ميسرة إلا زائدة تفرد به عن الجعفي (المعجم الصغير ١/ ٢٦٢) . ٢ في الأصل (بأن) والسياق يقتضي ما أثبت.
[ ٢١٨ ]
ولو قال إنسان في نفسه: أم فلان زانية أو فلان زان ولم ينطق بذلك لم يلزمه حد القذف، وإن نطق بذلك وقال: ما في نفسي شيء مما قلته. حُدّ، ولم يلتفت إلى ما في نفسه١.
وغير جائز عند ذوي التحصيل تعلق الأحكام بالمجاز دون الحقيقةفيها. فلما وجدنا أحكام الشريعة المتعلقة بالكلام منوطة بالنطق الذي هو حرف وصوت، دون ما في النفس، علمنا أن حقيقة الكلام هي الحرف والصوت.
ولو حلف امرء أنه لا يتكلم ساعة من النهار، فأقام في تلك الساعة
_________________
(١) ١ ذلك لأن الشارع علق المؤاخذة والأحكام على ما يتكلم وينطق الإنسان به دون ما يجول في نفسه، من الحديث والوسوسة، كما في قوله ﷺ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به". وسيورد المؤلف نص الحديث قريبًا. وقد نقل الخطابي الإجماع على معنى ذلك حيث قال: وأجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يلفظ به،- قال: وهو بمعنى الطلاق وكذلك لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة، وقد حرم الله تعالى الكلام في الصلاة، فلو كان حديث النفس بمعنى الكلام لكانت صلاته تبطل. انظر: (معالم السنن ٣/ ١٣٥) . وقال ابن قدامة المقدسي- في مسألة العتق: ويحصل العتق بالقول والملك والاستيلاد،- ثم قال: ولا يحصل بالنية المجردة، لأنه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة كسائر الإزالة – وقال: "ولو قال. عبدي حر نطقًا ثم قال لم أنو بما قلت عتقه حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته". (المغني: ١٠/ ٢٩٣ – ٢٩٤) .
[ ٢١٩ ]
يحدث نفسه بأشياء، ولا ينطق بها، كان بارًا غير حانث، ولو كان الكلام هو ما في النفس حنث في أول ما يحدث به نفسه١.
فإن قيل: الأيمان إنما تعلق بالعرف فلذلك لم يحنث إذا لم ينطق.
قيل: هذا أعظم الحجج عليكم لأنكم أُلجئتم إلى إقرار بأن عرف الناس كافة، هو: أن حقيقة الكلام هي النطق الذي لا يعرى عن حرف وصوت، دون ما في النفس. ولو كان الكلام من الفؤاد على ما زعموا لم يجز أن يوصف الله سبحانه بالكلام أصلًا؛ لأنه ليس بذي فؤاد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا٢.
_________________
(١) ١ حكى ابن قدامة إجماع الفقهاء على ذلك فقال: "واتفق العلماء بأجمعهم على أن من حلف لا يكلم فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث ولو نطق حنث". انظر: (روضة الناظر ٩٨) . ويشهد لذلك قضية الكلام في الصلاة فقد صح عنه ﷺ أنه قال: " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". وقد اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. انظر: (شرح الطحاوية: ١٩٩) و(الإيمان لابن تيمية: ١٢٧) . ٢ منهج السلف في باب أسماء الله وصفاته ٠"أن لا يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ" فلا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما ورد به النص ولم يرد نص أنه ذو فؤاد ولا أنه ليس بذي فؤاد، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود النص. والله أعلم.
[ ٢٢٠ ]
والأخطل نصراني١ إسلامي٢ وهو ومن تقدمه من شعراء الجاهلية، إنما نحتج بقولهم في موضوعات لغة العرب.
ومعرفة الكلام ما هو؟ مما يشترك فيه العرب وسائر الناس ولا يحتج فيه ببيت نادر مع ظهور فساده٣.
وأما احتجاجهم بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يما نقول﴾ ٤
_________________
(١) ١ تقدم نقل ذلك في ترجمته، كما تقدم بيان ضلال النصارى في مسألة كلام الله. انظر: ص١٢٠. ٢ هذه الكلمة لم يتضح لي مناسبتها للسياق، والمعنى بدونها واضح والكلام تام. وقد يكون في الكلام سقط وتقدير الكلام (والأخطل نصراني وليس بإسلامي) أي شاعر نصراني وليس بمسلم. ٣ لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حسن في هذا المعنى يؤيد ما ذهب إليه المؤلف يقول ﵀: " ثم يقال: مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس مما يحتاج فيه إلى قول شاعر، فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه في لغتهم كما عرفوا مسمى الرأس، واليد، والرجل. وأيضًا فالناطقون باللغة يحتج باستعمالهم للألفاظ في معانيها لا بما يذكرونه من الحدود فإن أهل اللغة الناطقين لا يقول أحد منهم إن الرأس كذا واليد كذا، والكلام كذا، واللون كذا، بل ينطقون بهذه الألفاظ دالة على معانيها فتعرف لغتهم من استعمالهم. فعلم أن الأخطل لم يرد أن يذكر مسمى الكلام ولا أحد من الشعراء يقصد ذلك البتة وإنما أراد – إن كان قال ذلك – ما فسره به المفسرون للشعر. أي: أصل الكلام من الفؤاد، وهو المعنى " انظر: الإيمان (١٣٢/ ١٣٣) . ٤ في الأصل الآية هكذا (ويقولون في أنفسهم ما ليس لهم علم) وهو خطأ من الناسخ فليس في المصحف آية بهذا النص، وصواب الآية ما أثبت في الأصل وهي في سورة (المجادلة آية ١٨) .
[ ٢٢١ ]
فنقلت١ عليهم؛ لأن القول لما كان في الحقيقة هو الحروف المتسقة٢ المسموعة، والذي من المنافقين بخلاف ذلك بين الله سبحانه أنهم قالوه في أنفسهم.
ونحن لا ننكر تجويز العرب وسائر العقلاء أن يقال: قلت في نفسي، وحدثت نفسي، وإنما نقول: إن ذلك تجوز واتساع وليس بحقيقة الكلام لما ذكرنا أولًا من تعلق الأحكام بما هو حروف دون ما في النفس٣.
وأما تعلقهم بقوله ﷻ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ٤ فمثل الأول والقول في النفس مجاز وإنما سمي بذلك لأنه يصير في ثاني الحال قولًا، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان قريبًا منه أو كان منه بسبب٥.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، ولعلها: فتقلب. ٢ في الأصل المشتقة وهو خطأ من الناسخ؛ لأن الحروف ليست من المشتقات. ٣ تقدم ذلك في أول هذا الفصل. ٤ سورة يوسف آية (٧٧) . ٥ قال الثعالبي: "العرب تسمي الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له أو كان منه بسبب كتسميتهم المطر بالسماء؛ لأنه منها ينزل وفي القرآن: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ أي المطر، وكما قال جل اسمه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي عنبًا ولا خفاء بمناسبتها " انظر: (فقه اللغة وسر العربية ٤٨٤ – ٤٨٥) .
[ ٢٢٢ ]
وقد ذكرنا قول الأوائل والعرب قبل هذا١ وأن الكلام هو الحروف المتسقة٢ والأصوات المقطعة والاسم والفعل والحرف الجاي لمعنى. وقد " نهى النبي ﷺ عن صوم الصمت "٣.
وإذا كان الصامت متكلمًا في حال صمته فلا معنى للنهي.
ومن قول الحكماء: [لئن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب] ٤.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة المؤلف. ٢ في الأصل المشتقة وهو خطأ. ٣ د/ الوصايا / باب ما جاء متى ينقطع اليتم ٣/ ٢٩٣ ح ٢٨٧٣ من حديث علي ابن أبي طالب ﵁ ولفظه "حفظت عن رسول الله ﷺ "لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل ". وقال المنذري: في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري. قال الخطابي: يتكلمون فيه. وقال ابن حبان يجب التنكب عما انفرد به من الروايات. وذكر العقيلي هذا الحديث، وذكر أن هذا الحديث لا يتابع عليه يحيى الجاري قال – وقد روي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وليس فيها شيء يثبت. إهـ (مختصر سنن أبي داود ٤/ ١٥٢ – ١٥٣) وقال ابن حجر في ترجمة يحيى الجاري: "إنه صدوق يخطيء". انظر: (التقريب ٢/ ٣٥٧) على أن الإمام السيوطي أشار إلى أن الحديث حسن. (الجامع الصغير ٢/ ٢٠٤) وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: (صحيح الجامع الصغير ٦/ ٢١٣) . ٤ روي ذلك من كلام لقمان الحكيم: انظر: ابن أبي عاصم: الزهد ص ٢٢، وابن أبي الدنيا: الصمت وآداب اللسان ٦١٤ حـ ٧٤١. ورواه ابن أبي الدنيا من كلام سليمان بن داود ﵉. انظر: ص ٢١٦ حـ ٤٧ المرجع السابق.
[ ٢٢٣ ]
ففضل السكوت على الكلام لاقتران السلامة به. فإن النبي ﷺ قال: "من صمت نجا "١.
والشاعر قال:
ما إن ندمت على سكوت مرة فلقد ندمت على الكلام مرارًا٢
_________________
(١) ١ ت: صفة القيامة / باب رقم ٥٠ جـ ٤/ ٦٦٠ حـ ٢٥٠١ من حديث عبد الله ابن عمرو. وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ". دي: رقائق / باب في الصمت ٢/ ٢٩٩ من طريق ابن لهيعة من حديث عبد الله ابن عمرو أيضًا. حم: ٢/ ١٥٩، ١٧٧. قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعد أن ساق قول الترمذي السابق: "قلت يعني أنه ضعيف لسوء حفظ ابن لهيعة الذي عرف به، لكن رواه عنه بعض العبادلة الذين حديثهم عنه صحيح عند المحققين من أهل العلم منهم عبد الله بن المبارك فقال في كتاب الزهد: (ق١٧٢/١ كواكب ٥٧٥ ورقمه ٣٨٥) . طبع الهند وانظر كتاب الزهد/ باب حفظ اللسان ص١٣٠ بتحقيق الأعظمي. انبأنا عبد الله بن لهيعة به، ومنهم عبد الله بن وهب فرواه في الجامع ٤٩، وأخرجه ابن شاهين في الترغيب (ق ١٠٧ / ١) من طريق ابن وهب عنه به، لكنه قرن معه عمرو بن الحارث، وهو ثقة. ولعل الطبراني أخرجه من هذه الطريق فقد قال المنذري: (٤/ ٩) رواه الترمذي وقال غريب والطبراني رواته ثقات، ونقل المناوي عن الزين العراقي أنه قال: "سند االترمذي صعيف وهو عند الطبراني بسند جيد اهـ، انظر: فيض القدير ٦/١٧١. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٦٢ حـ ١٧١) . ٢ ذكره ابن حبان البستي مع بيت قبله وبيتين بعده ولم يعزها لأحد. فقال: ولقد أحسن الذي يقول: إن يعجبك السكوت فإنه قد كان يعجب قبلك الأخيارا ولئن ندمت على سكوت مرة فلقد ندمت على الكلام مرارا إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارا وإذا تقرب خاسر من خاسر زادا بذلك خسارة وتبارا (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص ٤٥) .
[ ٢٢٤ ]
والذي يقول في نفسه من غير أن ينطق به ساكت عند الخلق كافة. ولا يقع التفاضل بينه وبين السكوت وإنما يقع ذلك بين النطق بالحروف والأصوات والسكوت عنه.
وقال عمر١بن الخطاب ﵁ في حديث السقيفة٢: [وكنت زورت في نفسي مقالة أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر] ٣ فبين أنه لم يقم بها في حال تزوره. والتزوير٤ في هذا الموضع هو: أن يروي المرء في نفسه أولا ما يحب أن يتكلم به ويصلحه، ويتأمل إن قيل به، حتى يتصور كالمقول ثم ينطق به. وهذا شأن ذوي التحصيل خيفة منهم على٥ وقوع الزلل مع العجلة.
وقال النبي ﷺ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما
_________________
(١) ١ في الأصل (بن عمر) ومضروب على كلمة (بن) . ٢ أي سقيفة بني ساعدة. ٣ خـ: كتاب الحدود / باب رجم الحبلى من الزنا ١٢/ ١٤٤ حـ ٦٨٣٠ من حديث عبد الله بن عباس. وفيه: "وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر". حم: ١/ ٥٦. بلفظ البخاري. ٤ قال الأصمعي: "التزوير تهيئة الكلام وتقديره، والإنسان يزور كلامًا، وهو أن يقومه ويتقنه قبل أن يتكلم به". انظر: (لسان العرب ٤/ ٣٣٧) . ٥ كذا بالأصل ولعل الأصوب (من) .
[ ٢٢٥ ]
لم تكلم أو تعمل به" ١.
وهو حديث صحيح مشهور، وقد تلقته الأمة بالقبول وعلقوا به كثيرًا من الأحكام.
وقد أخرج النبي ﷺ حديث النفس عن أن يكون كلامًا في الحقيقة بقوله: "ما لم تتكلم به٢ فبين أن من تحدث (في) ٣ نفسه بالشيء غير متكلم به في تلك الحالة وغير مؤاخذ بما كان منه.
وقال اليزيدي٤ في كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه من لغات
_________________
(١) ١ خ: كتاب العتق / باب الخطأ والنسيان ٥/ ١٦٠ حـ ٢٥٢٨ من حديث أبي هريرة ﵁. وكتاب الأيمان والنذور / باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ١١/ ٥٤٨ حـ ٦٦٦٤. وكتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والنسيان ٩/ ٣٨٨ حـ ٥٢٦٩. م: الإيمان /باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر ١/١١٦ حـ ٢٠١، ٢٠٢ ت: الطلاق / باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته ٣/ ٤٨٠ حـ ١١٨٣ د: الطلاق / باب في الوسوسة بالطلاق ٢/ ٦٥٧ حـ ٢٢٠٩. ن: الطلاق / باب من طلق في نفسه ٦/ ١٢٧. جه: الطلاق / باب من طلق في نفسه ولم يتكلم ١/ ٦٥٨ حـ ٢٠٤٠، وباب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩ حـ ٢٠٤٤. حم: ٢/ ٤٢٥، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩١ مسند أبي هريرة. ٢ في الأصل يتكلم وهو خلاف الرواية. ٣ ليست في الأصل. والسياق يقتضيها. ٤ هو إبراهيم بن أبي محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي أبو إسحاق، أديب وشاعر من ندماء المأمون العباسي، توفي سنة ٢٢٥ هـ. ترجمته لدى: ابن خلكان: وفيات الأعيان ٦/ ١٩٠، والأعلام: ١/ ٧٤.
[ ٢٢٦ ]
العرب"١: الحرف هو الواحد من حروف الكلام، والحرف حرف البئر وحرف الرغيف، وحرف كل شيء جانبه، والحرف الشك، فسروا قوله جل وعز: (على حرف) ٢ على شك، والحرف الناقة الضامرة التي قد نحلت٣.
فبين أن الكلام عند العرب هو الحروف لا غير.
واليهود، والنصارى، مقرون بأن لله كلامًا، ومختلفون في نفي الخلق عنه وإثباته كاختلاف المسلمين، ومجمعون على أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا. فإن قال قائل: إن أكثر ما ذكرت في هذا الفصل مما يتعلق / بالشاهد والله تعالى بخلاف المشاهدات. فوجب أن لا يكون كلامه حرفًا وصوتًا، إلا أن يأتي نص من الكتاب أو إجماع من الأمة، أو خبر من أخبار التواتر بأن كلام الله سبحانه حرف وصوت.
قيل له: الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ لما أداها بتفسير
_________________
(١) ١ ص: ٢٤٥، بتحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. ٢ سورة الحج آية ١١ – وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ . ٣ وانظر هذه المعاني والإطلاقات للحرف في: (لسان العرب ٩/ ٤١ – ٤٢) .
[ ٢٢٧ ]
يخالف الظاهر فهي على يعقلونه ويتعارفونه.
والذي يوضح ذلك: هو أن الله سبحانه قد أثبت لذاته علمًا ونطق بذلك كتابه فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ١ وكان المعقول من العلم عند المخاطبين به أنه إدراك المعلوم على ما هو به فكان علم الله سبحانه إدراك المعلوم على ما هو به، وعلم المحدث أيضًا إدراك المعلوم على ما هو به.
وكذلك لما أثبت الله لنفسه السمع بدلالة النص حيث قال: ﴿ِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٢ وقال النبي ﷺ في ذكر الحجب: (ما أدركه بصره) ٣ وقالت عائشة٤ ﵂: (يا سبحان الله من وسع سمعه الأصوات)
_________________
(١) ١ سورة النساء: جزء من آية (١٦٦) . ٢ سورة النساء جزء من آية (٥٨) . ٣ م: كتاب الإيمان / باب قوله ﵇ إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور ١/ ١٦١ ح ٢٩٣ من حديث أبي موسى وفيه: "حجابه النور – وفي رواية أبي بكر النار – لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".جه: المقدمة / باب فيما أنكرت الجهمية ١/ ٧٠ حـ ١٩٥ – ١٩٦. حم: ٤/ ٤٠١، ٤٠٥ من حديث أبي موسى من طريقين في أحدهما: " لوكشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره". ٤ أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄، أفقه نساء العالمين توفيت سنة٥٨ وقيل ٥٧ هـ. انظر: (ابن حجر: الإصابة ٤/ ٣٥٩) و(الاستيعاب ٤/ ٣٥٦ مع الإصابة) . ٥ خ: تعليقًا بصيغة الجزم: كتاب التوحيد / باب: "وكان الله سميعًا بصيرًا" ١٣/ ٣٧٢ فقال: قال الأعمش عن تميم عن عروة عن عائشة قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ". جه: المقدمة/باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٧حـ ١١٨ بلفظ البخاري وبأتم منه. حم: ٦/ ٤٦. ابن أبي عاصم: السنة ١/ ٢٧٨ حـ ٦٢٥. والآجري في الشريعة ٢٩١ من طريقين أحدهما بلفظ "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات". والآخر: "تبارك الله الذي وسع سمعه الأصوات كلها". واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٤١٠ حـ٦٨٩. وقال الشيخ الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم: "إسناده حسن، ورجاله ثقات رجال مسلم على ضعف في يحيى بن عيسى الفاخوري الرملي، لكنه قد توبع كما يأتي، فالحديث صحيح. ثم أشار إلى رواية الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير. ثم قال – قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم " انظر: السنة ١/ ٢٧٨. ولم أجده بنص لفظ المصنف.
[ ٢٢٨ ]
وكان المعقول أن السمع هو إدراك المسموعات على ما هي به، والبصر إدراك كل ما يبصر على ما هو به، كان سمعه سبحانه إدراك المسموع، وبصره إدراك ما يبصر (به) ١ وكذلك سمع المحدث وبصره، ومع ذلك فليس مثل علمه علم، ولا مثل سمعه وبصره سمع ولا بصر، لأن علمه صفة لازمة لذاته سبحانه في الأزل لا يدخل عليه السهو، ولا يجوز الجهل ولا النسيان٢. وعلم المحدث عرض مكتسب، يوجد وقتًا ويعدم وقتًا. وكذلك السمع والبصر ليسا من الله تعالى جارحتين، وهما
_________________
(١) ١ قوله (به) زائدة هنا ولعلها خطأ من الناسخ، إذ أن في إثباتها إخلالًا بالمعنى المراد. والله أعلم. ٢ في الأصل (نسيان) .
[ ٢٢٩ ]
من المحدث جارحتان.
وهذه القضية توجب أن يكون كلامه حرفًا وصوتًا، وكذلك كلام المحدث، إلا أن كلامه معجز ولا انتهاء له وأزلي١ وكلام المحدث غير معجز وهو متناه، وعرض لم يكن في وقت، ولا يكون في وقت.
وكلامه سبحانه بلا أداة ولا آلة ولا جارحة، وكلام المحدث لا يوجد إلا عن أداة وآلة وجارحة في المعتاد٢.
وقول الأشعري: "لما كان سمعه بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت". مغالطة وبناؤه لا يقتضي ما قاله، وإنما يقتضي: أن سمعه لما كان بلا انخراق وجب أن يكون كلامه من غير لسان وشفتين وحنك، ولو قال ذلك لاستمر ولم يقع فيه خلاف. وإنما موه، وغالط ويمر ذلك على من قصر علمه.
_________________
(١) ١ يريد ﵀ أنه أزلي النوع. فإن من مذهب محققي أهل السنة أن كلام الله ﷿ أزلي النوع حادث الآحاد. وصنيع المصنف ﵀ في هذا الكتاب يدل على ما أشرنا إليه. ٢ احترز عما ورد أنه تكلم من المحدثات وليس له في الشاهد أداة ولا جارحة كما ذكر جل وعلا عن السماوات والأرض أنها (قالتا أتينا طائعين) وما ورد من تكلم الذراع والحجر وحنين الجذع كما سيأتي كل ذلك قريبًا. ومذهب السلف عدم النفي والإثبات إلا بنص، فلا نثبت الأدوات والجوارح ولا ننفيها إذ لم يرد دليل على تكلمه بأدوات، أو أن كلامه بدون أدوات. فيتوقف في الأمر ويكتفي بإثبات ما أثبته النص وهو تكلمه سبحانه.
[ ٢٣٠ ]
فهذا الذي ذكرناه من طريق العقل الذي يدعون أنه الحجة القاطعة.
وأما على طريقتنا١: فالله سبحانه قد بين في كتابه ما كلامه؟ وبين رسوله ﷺ، واعترف به الصدر الأول والسلف الصالح ﵏، وآمنوا به. فقال الله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ ٢ اللَّهِ﴾ ٣ وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ٤ وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٥.
وما سمع مستجير قط إلا كلامًا ذا حروف وأصوات، ولا قرأ قارئ البتة إلا ذلك.
فلما (سمى) ٦ سبحانه هذا القرآن العربي (الفصل) ٧ كلامه علم أن كلامه حروف، كيف وقد أكد ذلك بذكر الحروف المقطعة في أوائل السور منه مثل: ﴿الم﴾ ٨، و﴿الر﴾ ٩،
_________________
(١) ١ أي طريقة السلف في إثبات الأسماء والصفات. وهي اتباع النص والإيمان بما وردت به النصوص الصحيحة. ٢ في الأصل (كلامه) وهو خطأ. ٣ سورة التوبة: آية (٦) . ٤ سورة المزمل: آية (٢٠) . ٥ سورة المزمل: آية (٢٠) . ٦ في الأصل: في الحاشية من أعلى، وفي الحاشية من اليمين أعادها مع الكلمة التي بعدها.
(٢) لعلها (المفصل) . (آية ١) في كل من سورة (البقرة) و(آل عمران) و(العنكبوت) و(الروم) و(لقمان) و(السجدة) . (جزء من آية ١) في كل من سورة (هود) و(يوسف) و(إبراهيم) .
[ ٢٣١ ]
و﴿كهيعص﴾ ١، و﴿طه﴾ ٢، و" ﴿حم﴾ ٣، و﴿يس﴾ ٤، و﴿ص﴾ ٥، و﴿ق﴾ ٦، و﴿ن﴾ ٧.
فمن زعم أنها ليست من القرآن فهو كافر، ومن زعم أنها من القرآن والقرآن ليس بكلام الله فهو كافر، ومن زعم أنها عبارة عن الكلام الذي لا حروف فيه قيل له: هذا جهل وغباء؛ لأن الكلام الذي تزعمه ليس يعرفه سواك، ولا يدري ما هو غيرك وأنت أيضًا لا تدريه٨ وإنما تتخبط فيه.
ثم لو كان قولك صحيحًا لوجب أن تكون عنه مفهومة المعنى بالاتفاق، لأن موضوع العبارة التفسير، ليفهم ما أشكل من ظاهر الكلام، فإذا كان الكلام شيئًا واحدًا لا يدرى ما تفسيره، وكانت العبارة عنه حروفًا كثير الاختلاف في معانيها، ولم يتفق على معنى منها لم تفد العبارة شيئًا. والنبي ﷺ يقول: "من قرأ سورة الإخلاص "٩
_________________
(١) ١ سورة مريم: (آية ١) . ٢ سورة طه: (آية ١) . ٣ آية (١) في كل من سورة (غافر) و(فصلت) و(الشورى) و(الزخرف) و(الدخان) و(الجاثية) و(الأحقاف) . ٤ سورة يس: (آية ١) . ٥ سورة ص: (جزء من آية ١) . ٦ سورة ق: (جزء من آية ١) . ٧ سورة القلم: (جزء من آية ١) . ٨ في الأصل (فلا تدريه) . ٩ المشهور لفظ: (من قرأ قل هو الله أحد) وانظر: السيوطي في الجامع ٢/ ١٧٨. ولم أجد تخريجه بنص المؤلف. وحيث إنه إنما أورده بهذا اللفظ للاستشهاد به على أن النبي ﷺ بين أن القرآن سورٌ، فيحسن أن نبين أنه ثبت عنه ﷺ أنه صرح بذلك في عدة أحاديث صحيحة ثابتة نذكر منها على سبيل الإيجاز:
(٢) قوله ﷺ "اقرأوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران اقرأوا سورة البقرة " أخرجه م: / كتاب صلاة المسافر ١/ ٥٥٣ حـ ٢٥٢ وحـ ٢٥٣ وفيه: " يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران".
(٣) وقوله ﷺ: "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه" م: / صلاة المسافر ١/ ٥٥٣ حـ ٢٥٥. ٣ – قوله ﷺ "من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من الدجال" م: / كتاب صلاة المسافر ١/ ٥٥٣ حـ ٢٥٥. والله ﷿ قد أفصح في القرآن الكريم بأن القرآن سور وآيات فقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (سورة البقرة آية ٢٣) وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (سورة هود آية ١٣) وذلك كثير في كتاب الله ﷿.
[ ٢٣٢ ]
و" من قرأ آية الكرسي "١. و" من قرأ حرفًا من
_________________
(١) ١ الحديث له بقية مذكورة في مواطنها من كتب الحديث والمصنف اقتصر على محل الشاهد منه وأنا أشير إلى من خرجه دون الإشارة إلى ألفاظه نظرًا لاتفاق الروايات على محل الشاهد. فأخرجه: ت/ فصائل القرآن / باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي ٥/ ١٥٧ حـ ٢٨٧٩ من حديث أبي هريرة، وقال هذا حديث غريب. دي/ فصائل القرآن / باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي ٢/ ٤٤٩ من حديث أبي هريرة أيضًا. وابن السني (عمل اليوم والليلة/ باب ما يستحب أن يقرأ في اليوم والليلة ٢٥٤ حـ ٦٩٢ من حديث أبي هريرة أيضًا. وأورده الهيثمي من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، وقال رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد وأحدها جيد. مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٢) كما أورده الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٦٩٧ ح ٩٧٢ وأشار إلى صحة الحديث من عدة طرق.
[ ٢٣٣ ]
القرآن" ١.
فبين أن القرآن سور وآي وحروف. ويقول: " من حلف بسورة البقرة لزمه في (كل) ٢ آية كفارة " ٣.
_________________
(١) ١ ت/ فصائل القرآن/ باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر ٥/ ١٧٥ حـ ٢٩١٠ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وفيه "من قرأ حرفًا من كتاب الله ". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وذكره الهيثمي: من حديث عوف بن مالك الأشجعي. وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير والبزار، وفيه موسى بن عبيد الربذي وهو ضعيف. (مجمع الزوائد ٧/ ١٦٣) . ٢ في الأصل: في الهامش، أشار إليها بعلامة الحاق. ٣ أخرجه عبد الرزاق مرسلًا عن مجاهد عن النبي ﷺ بلفظ: "من حلف بسورة من القرآن فعليه لكل آية يمين صبر من شاء بره ومن شاء فجره " وأخرجه عن الحسن موقوفًا (المصنف ٨/ ٤٧٣ حـ ١٥٩٤٨ و١٥٩٤٩) . ورواه الخلال عن الإمام أحمد عن الحسن مرسلًا أيضًا (المسند من مسائل الإمام أحمد برواية الخلال لوحة ١٧٢) مخطوط. وفي المطبوع ٦/ ٨٨ برقم ١٩٢٣ وأخرجه البيهقي من طريق مجاهد ومن طريق الحسن. وقال: هذا الحديث إنما روي من وجهين جميعًا مرسلًا، ثم قال: وروي عن ثابت الضحاك موصولًا مرفوعًا وإسناده ضعيف. (السنن الكبرى ١٠/ ٤٣) .
[ ٢٣٤ ]
وروى: "في كل حرف"١ وأفتى بذلك غير واحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - منهم عبد الله بن مسعود٢ وأبو هريرة٣.
وأظهر مما ذكرنا ويبين خزي مخالفينا فيه قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ وكن حرفان ولا يخلو الأمر من أحد وجهين، إما أن يكون المراد بقوله: (كن) التكوين كما قالت
_________________
(١) ١ ورد بهذا اللفظ موقوفًا على ابن مسعود عند عبد الرزاق: انظر: (المصنف ٨/ ٤٧٢ حـ ١٥٩٥٠) . ٢ انظر: (المصنف ٨/ ٤٧٢ حـ ١٥٩٤٧) ولفظه: (عن أبي كنف أن ابن مسعود مر برجل وهو يقول وسورة البقرة. فقال: أتراه مكفرًا؟ أما إن عليه بكل آية يمينًا) . وبرواية أخرى عن أبي الأحوص عن ابن مسعود أنه سمع رجلًا يقول: وسورة البقرة يحلف بها فقال أما إن عليه بكل حرف منها يمينًا) . (حـ ١٥٩٥٠) . وأخرجه بنحو اللفظ الأول: الخلال في (المسند من مسائل الإمام أحمد لوحة (١٧٢ خـ) . وفي المطبوع ٦/ ٨٨ برقم ١٩٢٥. وأخرج نحوه أيضًا البيهقي في (السنن الكبرى ١٠/ ٤٣) وقال: "فقول عبد الله بن مسعود ﵁ مع الحديث المرسل فيه دليل على أن الحلف بالقرآن يكون يمينًا في الجملة، ثم التغليظ في الكفارة متروك بالإجماع". ونقل ابن عبد البر الإجماع على اعتبار ذلك يمينًا تجب فيه الكفارة فقال: (فالذي أجمع عليه العلماء في هذا الباب هو أنه من حلف بالله أو باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته أو بالقرآن أو بشيء منه فحنث فعليه كفارة يمين، وعلى ما وصف الله في كتابه من حكم الكفارة، وهذا ما لا خلاف فيه عند أهل الفروع) التمهيد١٤/٣٦٩. ٣ أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده: ١/ ٤٠٢ برقم ٤٤٢. ٤ سورة النحل: آية (٤٠) .
[ ٢٣٥ ]
المعتزلة١ أو يكون المراد به ظاهره وأن الله تعالى إذا أراد إنجاز شيء قال له كن. على الحقيقة فيكون.
وقد اتفق الأشعري معنا على أنه على ظاهره لا بمعنى التكوين٢ واستدل على نفي الخلق عن القرآن لما رد على المعتزلة بقوله: (كن) فإن ثبت على أنه على ظاهره فهو حرفان وانتقض مذهبه. وإن قال: إنه ليس بحرف البتة صار بمعنى التكوين، ولم يبق بينه وبين المعتزلة فرق.
وأيضًا فلو كان الكلام غير حرف، وكانت الحروف عبارة عنه لم يكن بد٣ من أن يحكم لتلك العبارة بحكم إما أن يكون الله أحدثها في صدر، أو لوح، أو أنطق بها بعض عبيده فتكون منسوبة إليه.
(فيلزم) ٤ الأشعري أو من قال بقوله أن يفصح بما عنده في السور
_________________
(١) ١ قال القاضي عبد الجبار: (وإن الصحيح في هذا الباب إنما يحدث ما يحدثه بكونه قادرًا على ما نقوله) (شرح الأصول الخمسة ٥٦٣) . ٢ انظر: (الإبانة ٦٥ –٦٦) . وقال في: كتاب اللمع ص٣٤: "فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي نكونه فيكون من غير أن يقول له في الحقيقة شيئًا، قيل له: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فلو جاز لقائل أن يقول لم يكن الله تعالى قائلًا لشيء في الحقيقة "كن" وإنما المعنى أن نكونه فيكون، لجاز لزاعم أن يزعم أن الله تعالى لا يريد شيئا.. وإنما معنى (أردناه) فعلناه من غير أن تكون إرادة على وجه من الوجوه " ٣ في الأصل: (مد) وهو تحريف. ٤ في الأصل: (فليزم)
[ ٢٣٦ ]
والآي والحروف، أهي عبارة جبريل أم عبارة محمد ﵉.
ثم يلزمه أيضًا أن يوسع على الخلق في العدول عن ألفاظها إلى غير تلك الألفاظ مما يؤدي معناها، كما وسع عليهم في التفسير والمعاني.
وأن يجيز لهم القراءة في الصلاة بأي لغة أرادوا، إذا أدوا معنى ما في السور؛ لأن التضييق إنما وقع لكون السور كلام الله. فأما من قال: إنها ليست بكلام الله البتة فلا معنى لتضييقه.
والإجماع حاصل من الفقهاء على أن الصلاة لا تجزي إلا بقراءة هذا النظم على ما هو به١ إلا ما كان من أبي حنيفة٢ فإنه قال: " تجوز القراءة بالفارسية "٣. وقد سألت القاضي أبا جعفر
_________________
(١) ١ حكى الباقلاني المنع من قراءة القرآن بالفارسية وقال إن القرآن سنة متبعة وإن ذلك مذهب السلف والخلف من الأمة، وأنه لا يجوز بدل اللفظة منه بما هو في معناه من العربية بالفارسية – قال – ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن حدث خلاف بعض أصحاب أبي حنيفة – فبعضهم ينكره على أبي حنيفة وبعضهم يثبته. (الانتصار للقرآن ٣٣٧) وقال ابن قدامة: "ولا تجزئه القراءة بغير العربية. ولا إبدال لفظها بلفظ عربي سواء أحسن قراءتها – أي الفاتحة – بالعربية أو لم يحسن، وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك". (المغني ١/ ٤٨٦) . ٢ وهو النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي (٨٠ – ١٥٠) أحد الأئمة الأربعة. انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٨) . ٣ قال السرخسي: "إذا قرأ في صلاته بالفارسية جاز عند أبي حنيفة ﵀ ويكره" المبسوط ١/ ٣٧) وقال السمرقندي في (تحفة الفقهاء) "ولو قرأ القرآن بالفارسية في الصلاة فعلى قول أبي حنيفة تجوز صلاته سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن. وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لا يجوز وإن كان لا يحسن يجوز، وقال الشافعي لا يجوز في الحالتين" (١/ ٢٢٥) .
[ ٢٣٧ ]
النسفي١ عن هذه المسألة، فحكى عن أبي بكر الرازي٢ أنها تجوز عند أبي حنيفة إن سميت الفارسية قرآنا٣ وقال أبو جعفر: فالكلام يرجع إلى ارتفاع الخلف.
وسألت أبا محمد عبد الله بن الحسين الناصحي٤ قاضي قضاة٥
_________________
(١) ١ هو: محمد بن أحمد بن محمود القاضي أبو جعفر النسفي، كان من أعيان الفقهاء، أخذ عن أبي بكر الرازي عن الكرخي، ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة. انظر: (الفوائد البهية في تراجم الحنفية ١٥٧) . ٢ هو أبو بكر أحمد بن علي الجصاص، شيخ الحنفية في وقته صاحب أبي الحسن الكرخي له من الكتب شرح مختصر الطحاوي، وكتاب أحكام القرآن، وكتاب شرح الجامع الكبير لمحمد بن الحسن. ولد سنة ٣٠٥هـ وتوفي ببغداد سنة٣٧٠هـ. انظر ترجمته لدى: ابن النديم: الفهرست ص٢٩٣، الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٩٥٩ وابن العماد: شذرات الذهب ٣/٧١، وسزكين: تاريخ التراث العربي ٢/٩٥. ٣ وحكى ذلك عنه أيضًا: الباقلاني: الانتصار ٣٣٧. ٤ هو عبد الله بن الحسين أبو محمد الناصحي – وناصح اسم بعض أجداده شيخ الحنفية في عصره والمقدم على الأكابر من القضاة والأئمة في دهره، كان ورعًا مجتهدًا ثقة صالحًا دينًا، وكان إمامًا كبيرًا له مجلس التدريس والفتوى، ولي قضاء القضاة للسلطان محمود بن سبكتكين ببخارى. قدم بغداد حاجًا سنة ٤١٢، وتوفي سنة ٤٤٧ هـ. ومن تصانيفه: تهذيب أدب القضاة للخصاف. انظر ترجمته في: (الجواهر المضيئة ٢/ ٣٠٥ – ٣٠٦) و(الفوائد البهية ١٠٢) و(الأعلام ٧/ ١٠٣ في الحاشية) . ٥ كره بعض أهل العلم إطلاق قاضي القضاة، وألحقوه بالتسمي ب (ملك الأملاك) الذي ورد في قوله ﷺ: "إن أخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله" في: ١٠/ ٥٨٨، م: ٣/ ١٦٨٨. وممن كره ذلك ابن أبي جمرة، والعراقي. انظر: (تيسير العزيز الحميد ٦١٣) .
[ ٢٣٨ ]
خراسان١ عنها فقال: إنما تجوز القراءة بالفارسية إذا وافقت النظم والبلاغة وذلك متعذر.
ثم عند أبي حنيفة لا يجوز أن يقرأ بالعربية بغير ألفاظه، ومقتضى مذهب الأشعري جواز ذلك.
وإذا أفصح بأنها عبارة محمد وافق الوليد بن المغيرة٢ لما قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٣ ونحن (نقول) ٤ هو كلام الله تعالى. لقوله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٥ فمن لم يميز بين المقالتين كان كمن حش له٦. فهذا في الحروف.
_________________
(١) ١ خراسان: سيأتي التعريف بها. ٢ هو: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد شمس، من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش، أدرك الإسلام وهو شيخ هرم فعاداه وقاوم دعوته. هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو والد سيف الله خالد بن الوليد. انظر ترجمته في: تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٥٨ وانظر تحقيق مقالته في القرآن: (تفسير ابن كثير ٤/ ٤٤٢ – ٤٤٣) . ٣ سورة المدثر: (آية ٢٥) . (نقول) ليست في الأصل، والسياق يقتضي إضافتها. ٥ سورة التوبة (آية ٦) . ٦ أي: كالدابة يقطع ويجلب لها الحشيش وهو اليابس من الكلأ. انظر: (ابن منظور: لسان العرب ٦/ ٢٨٢) مادة (حشش)
[ ٢٣٩ ]
وأما الصوت: فقد زعموا أنه لا يخرج إلا من هواء١ بين جرمين وذلك لا يجوز وجوده من ذات الله تعالى.
والذي قالوه باطل من وجوه: ألا ترى أن النبي ﷺ ذكر سلام الحجر عليه٢، وعلم تسليم الحصا في يده٣، وتسبيح
_________________
(١) ١ في الأصل: (هوايين) وهو تصحيف. ٢ وذلك قوله ﷺ: " إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن". أخرجه م / فضائل / باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه ٤/ ١٧٨٢ حـ (٢٢٧٧) من حديث جابر بن سمرة ﵁. ت / مناقب / باب في آيات نبوة النبي ﷺ ٥/ ٥٩٢ حـ ٣٦٢٤ نحوه. حم: ٥/ ٨٩. دي: المقدمة باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم والجن ١/ ١٢. ٣ يشير إلى ما جاء من حديث أبي ذر ﵁ قال: "كنا عند النبي ﷺ فأخذ حصيات فسبحن في يده، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فسبحن، ثم أعطاهن أبا بكر فسبحن في يده فوضعهن فخرسن، ثم أعطاهن عمر فسبحن في يده، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فخرسن، ثم أعطاهن عثمان فسبحن في يده، ثم أعطاهن عليًا فوضعهن فخرسن". قال الزهري: "الخلافة أعطاها الله أبا بكر وعمر وعثمان" قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف. وله طريق أحسن من هذا في علامات النبوة وإسناه صحيح. (مجمع الزوائد ٥/ ١٧٩) . وقال بعد إيراده الطريق الآخر: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات وفي بعضهم ضعف (٨/ ٢٩٩) . وأخرجه اللالكائي في (شرح) أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٨٠٠ حـ ١٤٥٧ من حديث أبي ذر أيضًا – ﵁ – وقال محققه (إسناده ضعيف) . وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر الحديث وأشار إلى من خرجه: وأما تسبيح الحصى فليس له إلا هذه الطريق مع ضعفها. انظر: (فتح الباري ٦/ ٥٩٢) .
[ ٢٤٠ ]
الطعام١، بين يديه٢، وحنين الجذع عند مفارقته إياه٣، وما (جا) ٤ لشيء من ذلك هواء منخرق بين جرمين.
_________________
(١) ١ في الأصل (العظام) وهو تحريف. والذي ورد في الحديث تسبيح الطعام. ٢ أخرجه البخاري / كتاب المناقب / باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٥٨٧ حـ ٣٥٧٩ من حديث عبد الله بن مسعود وفيه " ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ". قال الحافظ ابن حجر بعده: (أي في عهد رسول الله ﷺ، ووقع ذلك عند الاسماعيلي صريحًا أخرجه عن الحسن بن سفيان عن بندار عن أبي أحمد الزبيري في هذا الحديث "كنا نأكل مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام" (الفتح ٦/ ٥٩٢) . ٣ أخرجه: خ: / مناقب / باب علامات النبوة ٦/ ٦٠١ حـ ٨٥٨٣ من حديث ابن عمر ﵄ ولفظه: " كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح عليه ". ت: كتاب المناقب ٥/ ٥٩٤ حـ ٣٦٢٧ من حديث أنس. جه: إقامة الصلاة / باب ما جاء في شأن بدأ المنبر ١/ ٤٥٤ حـ ١٤١٤ من حديث الطفيل بن أبي كعب عن أبيه. دي: المقدمة / باب ما أكرم النبي ﷺ بحنين المنبر ١/ ١٥ من حديث ابن عمر وجابر وأبي سعيد وابن عباس. حم: ١/ ٢٤٩، ٢٦٧ من حديث ابن عباس وأنس. ن: الجمعة / باب مقام الإمام في الخطبة ٣/ ٨٣. ٤ في الأصل (الكلمة غير واضحة ورسمها مقارب لما أثبت) .
[ ٢٤١ ]
وقد أقر الأشعري: أن السماوات والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ١ حقيقة لا مجازًا٢، ولا خلاف بين العقلاء ٣ في أن الله سبحانه قادر على أن ينطق الحجر الأصم على ما هو به، وقال الأشعري: (بعد أن يجعل فيه روحًا) ٤ والناس كلهم مخالفون له فيما قال.
وإذا وصف بقدرة على إنطاق الحجر الأصم على ما هو به. بطل قول من زعم أن وجود الصوت غير جائز إلا من هواء منخرق بين جرمين.
ثم لو كان الأمر على ما زعموا، لم يجب أن يوصف الله سبحانه بما يخالف الشاهد ألا ترى أن الله سبحانه بالاتفاق واحد، حي، قادر، عالم،
_________________
(١) ١ سورة فصلت: (جزء من آية ١) . ٢ انظر: (الإبانة: ٧٩) و(اللمع ص ٣٦) حيث يقول فيها (فإن قال ما معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾؟ قيل: له معنى ذلك أنهما قالتا في الحقيقة (أتينا طائعين) . ٣ في الأصل كلمة لم أتبين معناها رسمها هكذا (علمي) . ٤ نسب هذا القول إليه أيضًا: البغدادي في أصول الدين ص٢٩ فقال: "وإنما اختلف أصحابنا في كون الحياة شرطًا في وجود الكلام فيما ليس بحي، فاشترطها الأشعري فيه وأجاز القلانسي وجود الكلام لما ليس بحي" إهـ. وصنيع الأشعري ﵀ في الإبانة على خلاف ذلك إذ قال في معرض الرد على المعتزلة: "فإن قالوا: لا تكون الشجرة متكلمة لأن المتكلم لا يكون إلا حيًا، قيل لهم: ولا يجوز خلق الكلام في شجرة، لأن من خُلق الكلام فيه لا يكون إلا حيًا، فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحي فلِمَ لا يجوز أن يتكلم من ليس بحي" (٧٩) . فدل ذلك على أنه لا يشترط الحياة في المتكلم، كما دل على رجوعه عما نقل عنه، إذ الإبانة من آخر ما صنف ﵀.
[ ٢٤٢ ]
سميع، بصير، قوي، مريد، فاعل، وليس بجسم ولا في معناه١.
_________________
(١) ١ لفظ الجسم من الألفاظ المبتدعة في حق الله ﷿، فلم ينقل عن الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف هذه الأمة، أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم، بل نفي ذلك أو إثباته في جانب الله ﷿ بدعة في الشرع. ذلك لأن إطلاق لفظ الجسم في حق الله ﷿ من الألفاظ التي لم ترد في الشرع والتي تحتمل حقًا وباطلًا، وما كان هذا شأنه فالأولى التوقف عنه وعدم إطلاقه في حق الله ﷿ نفيًا أو إثباتًا؛ لأنه قد ينفيه عنه قوم: ليتوصلوا بنفيه إلى نفي ما أثبته الله تعالى ورسوله كالجهمية والمعتزلة ينفون الجسم حتى يتوهم المسلمون أن قصدهم التنزيه ومقصودهم بذلك أن الله لا يرى في الآخرة وأنه لم يتكلم بالقرآن ولا غيره وإنما خلق كلامًا. ولذلك احتج أبو عيسى محمد بن عيسى بن برغوث على الإمام أحمد لما ناظره في القرآن وأن كلام الله غير مخلوق قال ابن برغوث: إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسمًا وهذا منتف: فلم يوافقه الإمام أحمد لا على نفي ذلك ولا على إثباته بل قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ونبه – ﵀ – على أن هذا اللفظ لا يدري ما يريدون به، وإذا لم يعرف مراد المتكلم به لم يوافق، لا على إثباته ولا على نفيه. وقد يثبته قوم: ومرادهم أن يتوصلوا بإثباته إلى إثبات ما نفاه الله ورسوله من اتصافه بالنقائص ومماثلته للمخلوقات. والخلاصة: أن ما كان هذا سبيله من الألفاظ المحتملة التي لم يرد بها الشرع لا تثبت ولا تنفى إلا بعد الاستفسار عن معانيها، فإن وجدت معانيها مما أثبته الرب لنفسه أثبتت، وإن وجدت مما نفاه عن نفسه نفيت، وإن وجدنا اللفظ أثبت به حق وباطل أو نفي به حق وباطل، أو كان مجملًا يراد به حق أو باطل وصاحبه أراد به بعضها لكنه عند الإطلاق يوهم الناس ويفهمهم ما أراد وغير ما أراد فهذه الألفاظ لا يطلق نفيها ولا إثباتها كلفظ الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك. انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/ ٤٢٩ – ٤٣٤، وتلبيس الجهمية ٢/ ٤٧، وتفسير سورة الاخلاص ص٩٢، ٩٧، ١٠٥ – ١٠٦ بتصرف.
[ ٢٤٣ ]
وفي الشاهد لا يجوز وجود حي عالم، قادر، سميع بصير، إلا جسمًا.
وإذا صح ما ذكرناه. لم يضرنا قول من زعم أن الصوت في الشاهد لا يوجد إلا من هواء منخرق بين جرمين كيف وقد بينا بطلان دعواه قبل هذا.
وقبل كل شيء ينبغي أن يعلم اعتمادنا في المعتقدات أجمع على السمع، فإذا ورد السمع بشيء قلنا به، ولم نلتفت إلى شبهة يدعيها مخالف.
وقد ورد السمع بذكر الصوت من قبل الله تعالى، ومن قبل أنبيائه- (﵈) ١ ومن قبل الأئمة والعلماء بعدهم.
قال الله سبحانه لموسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٢ وكان يكلمه من وراء حجاب، لا ترجمان بينهما، واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت. ومن زعم أن غير الصوت يجوز في المعقول أن يسمعه من كان على هذه البنية التي نحن عليها، احتاج إلى دليل.
وقد روى الزهري٣ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن
_________________
(١) ١ ليست في الأصل. ٢ سورة طه: (أية ١٣) . ٣ هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارت بن زهرة ابن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر، الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه. مات سنة ١٢٥، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. (ابن حجر: تقريب ٢/ ٢٠٧) .
[ ٢٤٤ ]
الحارث١ عن جرير بن جابر٢ عن كعب٣ أنه قال: "لما كلم الله موسى ﵇ كلمه بالألسنة كلها، قبل لسانه فطفق موسى يقول: والله يا رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل صوته". وذكر الحديث٤.
_________________
(١) ١ هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارت بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل أبو بكر اسمه، وكنيته: أبو عبد الرحمن، وقيل اسمه كنيته. ثقة، فقيه عابد، مات سنة ٩٤ هـ وقيل غير ذلك (ابن حجر: تقريب ٢/ ٣٩٨) . ٢ اختلف في اسمه: فقال البخاري: جرز بن جابر وقال عبد الرزاق عن معمر: جرير، وقال يونس وابن أخي الزهري والزبيدي: جزؤ، وقال إسماعيل عن أخيه عن ابن عتيق: جرو ابن جابر) التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٦ حـ ٢٣٧٨) . وقال ابن أبي حاتم: جزء بن جابر الخثعمي، روى عن كعب وروى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. في رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، وفي رواية معمر جزء بن جابر وهو وهم. وتابعه الزبيدي، ويقال: حزن بن جابر سمعت أبي يقول ذلك. (الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٧) . وقال الحافظ المزي في ترجمة تلميذه أبي بكر بن عبد الرحمن: روى عن جرير بن جابر ويقال جزء بفتح الجيم وسكون الزاي الخثعمي. (تهذيب الكمال: ٧٩٢/ آ) . ٣ هو كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة، من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، ثقة مخضرم، قدم من اليمن في زمن عمر فسكن الشام، مات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة. انظر: (الذهبي: التذكرة ١/ ٥٢) و(ابن حجر: تقريب ٢/ ١٣٥) . ٤ أخرجه عبد الله بن أحمد من طريق معمر عن الزهري به ولفظه: "لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه فطفق موسى يقول: يا رب والله ما أفقه هذا حتى كلمه آخر ذلك بلسانه مثل صوته، فقال: موسى هذا يا رب كلامك فقال الله: "لو كلمتك بكلامي لم تك شيئًا" أو قال: "لم تستقم له" قال: أي رب فهل من خلقك شيء يشبه كلامك قال: لا. وأقرب خلقي شبهًا بكلامي أشد ما يسمع الناس من الصواعق. قال عبد الله: والحديث على لفظ حديث أبي عن عبد الرزاق. (السنة ص ٦٣) . وأخرجه: الدارمي من طريق شعيب عن الزهري. بمثل لفظ المصنف وفي آخره زيادة (يعني بمثل لسان موسى وبمثل صوت موسى) . (الرد على الجهمية ٩٣) . وذكر نحوه الإمام أحمد بدون سند، مع اختلاف في اللفظ يسير. (الرد على الجهمية والزنادقة ١٣٢) . وابن كثير في التفسير: من طريق معمر أيضًا عن الزهري. وقال: "وهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين". (تفسير ابن كثير ١/ ٥٨٨) وأخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ٥٢٧. وفي الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الصحيحة والحسنة الواردة في هذا الباب ما يغني ويكفي.
[ ٢٤٥ ]
وهذا محفوظ عن الزهري رواه عنه ابن أبي عتيق١ والزبيدي٢، ومعمر٣
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أبو بكر، المعروف بابن أبي عتيق، صدوق فيه مزاح. انظر: (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٤٧) . ٢ هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، الزاي والموحدة، مصغرًا، أبو الهذيل الحمصي، القاضي، ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهري، مات سنة ست، وقيل سبع، وقيل تسع وأربعين ومائة. انظر: (ابن حجر: التقريب ٢/ ٢١٥) . ٣ هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة، ثبت فاضل، أحد الأعلام وعالم أهل اليمن مات سنة ١٥٤هـ، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقال الذهبي: مات سنة ١٥٣، وقيل: سنة أربع، والأول أصح ولم يبلغ الستين. انظر: (ابن حجر: التقريب ٢/ ٢٦٦)، و(الذهبي: التذكرة ١/ ١٩٠) وتقدم تخريج روايته عند عبد الله بن أحمد وابن كثير.
[ ٢٤٦ ]
شمالك، وأمامك، وخلفك، ومحيط بك)، وذكر الحديث١.
وررى أبو الحويرث٢: أن قوم موسى (﵇) كانوا ينظرون إلى أذنه، فقال ﵇ (ما لكم تنظرون إلى أذني؟ فقالوا: أذن سمعت كلام الله سبحانه٣.
وروى همام بن يحيى ٤ عن القاسم بن عبد الواحد ٥ عن عبد الله
_________________
(١) ١ أخرجه ابن قتيبة بسنده عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه وذكره باختلاف يسير في اللفظ. ولم يزد على رواية المولف شيئًا. (تأويل مختلف الحديث ٢٧٥) . وذكره الملطي بدون سند عن وهب بن منبه. وزاد على لفظ المؤلف "فلما سمع موسى ﵇ علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه ﷿، فأيقن به فقال كذلك أنت يا إلهي فكلامك أسمع أم رسولك؟ قال: بل انا الذي أكلمك". ولعل هذه الزيادة هي التي أشار إليها المؤلف بقوله: (وذكر الحديث) انظر: (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ١٢٦) . وقال ابن القيم: رواه عبد بن حميد في تفسيره، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وذكره عن الإمام أحمد. انظر: (مختصر الصواعق ٢/ ٢٨٥) . ٢ هو عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث – بالتصغير – الأنصاري الزرقي أبو الحويرث المدني، مشهور بكنيته، صدوق سيء الحفظ، رمي بالارجاء، مات سنة ١٣٠ وقيل بعدها. (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٩٨) وذكر الذهبي الاختلاف في توثيقه والاحتجاج به. انظر: (الميزان ٢/ ٥٩١) . ٣ لم أقف على تخريجه. ٤ هو همام بن يحيى بن دينار العوذي، "بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة" أبو عبد الله، أبو بكر، البصري، ثقة ربما وهم. مات سنة أربع وقيل خمس وستين ومائة. (ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٢١) و(الذهبي: في الميزان ٤/ ٣٠٩) و(التذكرة ١/ ٢٠٠) . ٥ هو: القاسم بن عبد الواحد بن أيمن المكي، مولى بني مخزوم، مقبول. قاله ابن حجر في: (التقريب ٢/ ١١٨) وقال الذهبي: وثق. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقيل له يحتج به؟ قال: يحتج بسفيان وشعبة. مات شابًا، روى عنه همام وعبد الوارث وداود العطار. (الميزان ٣/ ٣٧٥) .
[ ٢٤٨ ]
ابن محمد بن عقيل١ عن جابر بن عبد الله٢ عن عب د الله بن أنيس٣ عن النبي ﷺ أنه قال: "يحشر الله الناس يوم القيامة عراة حفاة٤ بهما٥
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، أمه زينب بنت علي، صدوق، في حديثه لين، ويقال تغير بآخره مات بعد الأربعين. (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٤٧) . ونقل الذهبي الاختلاف في توثيقه والاحتجاج به عن الأئمة في الميزان ٢/ ٤٨٤. وقال: قلت حديثه في مرتبة الحسن) . ٢ هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري، ثم السلمي بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن وأبا محمد، أحد المكثرين عن النبي ﷺ. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وقيل ثلاث وقيل ثمان وسبعين، ويقال عاش أربعًا وتسعين سنة. (ابن حجر: الإصابة ١/ ٢١٣، والتقريب ١/ ١٢٢) . ٣ هو: أبو يحيى عبد الله بن أنيس الجهني الأنصاري المدني، حليف بني سلمة، شهد العقبة وأحد وما بعدها، أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة، توفي بالشام سنة ٥٤هـ. (ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٢٥٨ بهامش الإصابة) و(ابن حجر: الإصابة ٢/ ٢٧٨) . ٤ لفظة: حفاة: لم ترد في الروايات التي خرجتها. والذي فيها: (عراة غرلًا بهما) سوى البيهقي فعنده (عراة بهما) . ٥ بهما: في النهاية ١/ ١٦٧، جمع بهيم، وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه، يعني ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعرج وغير ذلك، وإنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار. وقال بعضهم في تمام الحديث: قيل وما البهم؟ قال: ليس معهم شيء، وفي رواية البخاري في الأدب: قلنا ما بهما؟ قال: (ليس معهم شيء)، كذا في رواية أحمد وابن أبي عاصم.
[ ٢٤٩ ]
فيناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان" وذكر الحديث.
رواه عن همام، يزيد بن هارون١ وأبو الوليد الطيالسي٢ وجماعة من الأئمة، واستشهد به البخاري في كتابه الصحيح٣.
_________________
(١) ١ هو: يزيد بن هارون بن زادان، السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، ولد سنة ١١٨ وتوفي سنة ٢٠٦، وقد قارب التسعين. (الذهبي: التذكرة ١/ ٣١٧) و(ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٧٢) . ٢ في الأصل: (أبو اليد) وهو خطأ. وهو: هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم، أبو الوليد الطيالسي البصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٢٧هـ. وله أربع وتسعون سنة. (ابن حجر: المصدر السابق ٢/ ٣١٩) . ٣ تعليقًا في كتاب التوحيد / باب قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١٣/ ٤٥٣، بصيغة التمريض، وذكر الارتحال بصيغة الجزم في كتاب العلم / باب الخروج في طلب العلم ١/ ١٧٣. وأخرجه: في الأدب المفرد / باب المعانقة ص ٢٥٢ حـ ٩٧٠ من طريق موسى عن همام.. وأخرجه في خلق أفعال العباد ص ١٩٢ (ضمن مجموعة عقائد السلف) من طريق داود بن شيبة عن همام. وأخرجه حم: ٣/ ٤٩٥ من طريق يزيد بن هارون. وابن أبي عاصم في السنة / باب ذكر الكلام والصوت ١/ ٢٢٥ حـ ٥١٤ من طريق شيبان بن فروخ عن همام. والحاكم: باب الأهوال ٤/ ٥٧٤ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي: الأسماء والصفات ص ٧٨ – ٧٩ من طريق يزيد بن هارون. وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة: "حديث صحيح" وإسناده حسن (أو قريب منه وذكر من خرجه ثم قال: وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، كذا قالا - قال - وأحسن أحواله أن يكون حسنًا كما ذكرنا) (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٢٥) . وقال الحافظ ابن حجر: وله طريق أخرى أخرجها الطبراني في مسند الشاميين، وتمام في فوائده من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر وإسناده صالح، وله طريق ثالثة أخرى أخرجها الخطيب في الرحلة من طريق أبي الجارود العنسي عن جابر، وفي إسناده ضعف. (الفتح ١/ ١٧٤) . وقال ابن القيم: "هذا حديث حسن جليل، وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق حسن الحديث وقد احتج به غير واحد من الأئمة، وتكلم فيه من قبل حفظه وهذا الضرب ينتفي من حديثهم ما خالفوا فيه الثقات ورووا ما يخالف روايات الحفاظ وشذوا عنهم، وأما إذا روى أحدهم ما شواهده أكثر من أن تحصر مثل هذا الحديث فلا ريب في قبول حديثه، وأما القاسم بن عبد الواحد فحسن الحديث أيضًا وقد احتج به النسائي مع تشدده في الرجال". إهـ. (مختصر الصواعق ٢/ ٢٨٠) .
[ ٢٥٠ ]
وروى عطية بن سعد١وأبو صالح السمان٢عن أبي سعيد الخدري٣
_________________
(١) ١ هو: عطية بن سعد بن جنادة – "بضم الجيم بعدها نون خفيفة" – العوفي الجدلي. "بفتح الجيم المهملة" الكوفي، أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا. مات سنة١١١هـ. (ابن حجر: التقريب ٢/ ٢٤) ونقل الذهبي أقوال الأئمة فيه. انظر: (الميزان ٣/ ٨٠) . ٢ واسمه: ذكوان، أبو صالح السمان الزيات المدني ثقة ثبت، كان يجلب الزيت إلى الكوفة مات ١٠١. (ابن حجر: التقريب ١/ ٢٣٨) . ٣ هو: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الأنصاري، أبو سعيد الخدري، مشهور بكنيته استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها، وغزا هو ما بعدها، روى عن النبي ﷺ الكثير، مات سنة ٧٤ وقيل ٦٤ وقيل ٦٣ وقيل ٦٥. (ابن حجر: الإصابة ٢/ ٣٥) و(التقريب ١/ ٢٨٩) .
[ ٢٥١ ]
(﵁) عن النبي ﷺ في ذكر إسرافيل١ أنه قد التقم القرن بفيه وحنى جبهته وأصغى سمعه تحت العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ ٢ والنفخة الآخرة التي للبعث قد نطقت الأخبار بأنها تكون ولا حي إذ ذاك إلا الله سبحانه، ثم إن٣ إسرافيل٤ فإصغاء سمعه تحت العرش انتظارا للأمر لا يكون إلا لصوت٥ الآمر.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ ٧ وقال ﷻ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا
_________________
(١) ١ اسرافيل – ﵇ -: هو الملك الموكل بالصور والنفخ فيه. وانظر عنه وما ورد فيه: (الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي ٢٥ – ٣٠) . ٢ أخرجه: ت/باب: ومن سورة الزمر ٥/٣٧٢حـ ٣٢٤٣. وقال هذا حديث حسن. حم: ١/٣٢٦، ٣/٧ وفي ٣/٧٣ بلفظ (..وصاحب الصور قد التقم الصور ) والحميدي: في مسنده ٢/ ٣٣٢. (إن) زائدة. فيما ظهر لي من السياق. ٤ جاء في حديث الصور الطويل: أن نفخة البعث: تكون وقد أحيا الله حملة العرش وجبريل وميكائيل. انظر: (ابن كثير: التفسير ٢/ ١٤٦ – ١٤٧) قال: وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه المطولات) . ٥ في الأصل: (الصوت الأمر) وهو تحريف. ٦ سورة الشعراء: (آية ١٠) . ٧ سورة النازعات: (آية ١٦) .
[ ٢٥٢ ]
نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.والنداء عند العرب صوت لا غير٢، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﵇ أنه من الله غير صوت. ولا خلاف بيننا في أن موسى مكَلَّم بلا واسطة، فسقط قول من زعم أن العرب تقول: نادى الأمير من ينادي.
وروى أحمد بن حنبل٣ رحمة الله عليه عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي٤ عن الأعمش٥، عن مسلم بن صبيح٦ عن مسروق٧
_________________
(١) ١ سورة القصص: (آية ٣٠) . ٢ قال ابن منظور: النِّداء، والنُّداء: الصوت مثل الدعاء والرغاء، وقد ناداه ونادى به، وناداه مناداة ونداء: صاح به والنداء: ممدود: الدعاء بأرفع الصوت. (لسان العرب ١٥/ ٣١٥) . ٣ تقدم. ٤ هو: عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس قاله أحمد، مات سنة ٢٩٥هـ. (ابن حجر: التقريب ١/٤٩٧) . ٥ هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة، ورع لكنه يدلس. مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة، وكان مولده سنة إحدى وستين. (المصدر نفسه ١/ ٣٣١) . ٦ هو: مسلم بن صبيح - بالتصغير - الهمداني، أبو الضحى الكوفي، العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل. مات سنة مائة هـ. (المصدر نفسه ٢/ ٢٤٥) . ٧ هو: مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة، الكوفي، ثقة، فقيه، عابد، مخضرم. مات سنة اثنتين وستين، وقيل ثلاث وستين. (المصدر نفسه ٢/ ٢٤٢) .
[ ٢٥٣ ]
عن عبد الله بن مسعود١ (﵁) قال: "إذا تكلم الله سبحانه بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدًا".
ذكره بهذا اللفظ عبد الله بن أحمد٢ عن أبيه في "كتاب الرد على الجهمية"٣ وما في رواته إلا إمام مقبول٤.
_________________
(١) ١ هو: الصحابي الجليل، تقدمت ترجمته. ٢ وهو: عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن، ولد الإمام ثقة، مات سنة تسعين ومائتين وله بضع وسبعون سنة (ابن حجر: التقريب ١/ ٤٠١) . ٣ أخرجه في كتاب (السنة له) وليس له كتاب بعنوان الرد على الجهمية ولعل المقصود كتاب السنة فإنه فيه بلفظ المصنف. وفي آخره بعد قوله (سجدًا): "حتى إذا فزع عن قلوبهم قال: سكن عن قلوبهم نادى أهل السماء ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق قال كذا وكذا". (ص:٦٢) وقال ابن القيم: (رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن أبيه) (مختصر الصواعق ٢/ ٢٨٤) . وأخرجه: خ: تعليقًا عن ابن مسعود باختلاف في اللفظ / كتاب التوحيد / باب قول الله ﷿: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١٣/ ٤٥٢. د: مرفوعًا: كتاب السنة / باب في القرآن ١٠٥حـ ٤٧٣٨ باختلاف في اللفظ. وكذا ابن خزيمة: باب صفة تكلم الله ﷿ بالوحي (كتاب التوحيد ١٤٥) . والبيهقي موقوفًا ومرفوعًا في: الأسماء والصفات ٢٠١. ٤ العبارة في الأصل مضطربة ونصها: "وما في رواية الإمام مقبول". والتصويب من كتاب (الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم. للشيخ موفق الدين ابن قدامة لوحة ١٩٥ مخطوط مجموع رقم ١٥٤٦ بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية) حيث نقل عن المصنف أنه قال عقب حديث ابن مسعود: هذه العبارة (وما في رواة هذا الخبر إلا إمام مقبول) . وهو في المطبوع ص ٤٨.
[ ٢٥٤ ]
وقد ذكرنا في كتاب الإبانة١ عدة أحاديث سوى ما ذكرناه هاهنا في ذكر الصوت.
وحد الصوت: هو ما يتحقق سماعه، فكل متحقق سماعه صوت، وكل ما لا يتأتى سماعه البتة ليس بصوت٢.
وصحة الحد هذا وهو أن يكون مطردًا، منعكسًا٣ يمنع غيره من الدخول عليه.
وأما قول خصومنا إن الصوت هو: الخارج من هواء بين جرمين. فحد غير صحيح، لأنا قد بينا أنه قد يوجد خلاف ما زعموه، والله أعلم٤.
فإن قالوا: الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضينا ٥ عددًا والله سبحانه واحد من كل وجه٦.
_________________
(١) ١ تقدم التعريف به. ٢ قال الأزهري: "وأما الصوت فهو الذي يسمعه الناس" انظر: (النووي: تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨٠) . ٣ الطرد هو: تحقيق المحدود مع تحقق الحد. و(العكس) هو: انتفاء المحدود مع انتفاء الحد. انظر: (الرد على المنطقيين) ١٧ نقله عن أبي المعالي. وانظر أيضًا: التعريفات للجرجاني ١٤١، ١٥٣. ٤ يشير إلى تكلم الحجر وحنين الجذع وتسبيح الحصا والطعام. وقد تقدم. ٥ هكذا بالأصل ولعل الصواب (اقتضيا) . ٦ وانظر هذا المعنى عند الباقلاني، وهو من أئمة الأشاعرة ومقدميهم، إذ يقول: ( وأيضًا فإن الحروف متناهية معدودة، وكلام الله قديم لا مفتتح لوجوده، ولا نهاية لدوامه كعلمه وقدرته، ونحو ذلك من صفات ذاته، وقد أكد الله تعالى ذلك بغاية التأكيد وأن كلامه لا يدخله العدد والحصر والحد بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ . فأخبر تعالى أنه لا نهاية لكلامه إذ كل ما له نهاية له بداية وإنما نتصور النهاية في حق من يتصور في حقه البداية. (الإنصاف ١٠٣) .
[ ٢٥٥ ]
قيل لهم: قد بينا لكم مرارًا أن اعتماد أولى الحق في هذه الأبواب على السمع، وقد ورد السمع بأن القرآن ذو عدد١، وأقر المسلمون بأنه كلام الله حقيقة لا مجازًا.
وكلامه صفة وقد عد الأشعري صفات الله سبحانه (سبع عشرة) ٢ صفة، وبين أن منها ما لا يعلم إلا بالسمع٣ وإذا جاز أن يوصف بصفات معدودة لم يلزمنا بدخول العدد في الحروف شيء.
فإن قالوا: إن التعاقب يدخلها وكل ما تأخر عن ما سبقه محدث٤.
_________________
(١) ١ وأنه سور وآيات وحروف، وقد تقدم بيان ذلك في ص ٢٣٥. ٢ في الأصل: (سبعة عشر) . ٣ انظر: (الإبانة: ٢١ – ٣٣) و(المقالات ١/ ٣٤٥ – ٣٤٩) . ٤ وقد قالوا نحو هذا. قارن هذا القول بكلام الباقلاني في الإنصاف ص ٩٩ إذ يقول: "وأيضًا فإن حروف الكلمة يقع بعضها سابقًا لبعض، فعند خط الكاتب (با) قد حصلت وثبتت قبل خطه (سينا) وكذلك السين حصلت وثبتت قبل خطه ميما - في كلمة (بسم) - وما تقدم بعضه على بعض وتأخر بعضه عن بعض فهو صفة الخلق لا صفة الحق، وكذلك الأصوات يتقدم بعضها على بعض ويتأخر بعضها عن بعض ويخالف بعضها بعضًا، وكل ذلك صفة كلام الخلق لا صفة كلام الحق الذي هو قديم ليس بمخلوق".إهـ فجعل تعاقب الحروف والأصوات ومجيء بعضها عقب بعض دليلًا على حدوث الكلام وخلقه، ثم نفى أن يكون كذلك. أي: ليس بحرف ولا صوت.
[ ٢٥٦ ]
قيل: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن (أداء) ١ شيء إلا بعد الفراغ من غيره.
وأما المتكلم بلا جارحة٢ فلا يتعين في تكلمه التعاقب.
وقد اتفقت العلماء على أن الله سبحانه يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة٣، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده، وهذا خلاف التعاقب. ثم لو ثبت التعاقب لم يضرنا، لأن النبي ﷺ قال لما خرج من باب الصفا: "نبدأ بما بدأ الله به ثم قرأ: ﴿إن
_________________
(١) ١ في الأصل: (أداة) وهو تحريف. ٢تقدم التعليق على إثبات الجوارح ونفيها في تكلم الله جلَّ وعلا. ٣ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، ولا يشغله حساب هذا عن حساب هذا. وكذلك إذا ناجوه أو دعوه أجابهم، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني ويبن عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي " الحديث - أخرجه مسلم ١/ ٢٩٦ حـ ٣٩٥ كتاب الصلاة باب قراءة الفاتحة من حديث أبي هريرة – قال شيخ الإسلام: فقد أخبر النبي ﷺ أن الله يقول هذا لكل مصل والناس يصلون في ساعة واحدة والله تعالى يقول لكل منهم هذا – وقال -: وقد روي أن ابن عباس قيل له: كيف يحاسب الله الخلق في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. انظر: (درء تعارض العقل والنقل ٤/ ١٢٩ – ١٣٠) .
[ ٢٥٧ ]
الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ١ ٢ فبين أن الله بدأ بذكر الصفا. والقرآن كله بإجماع المسلمين كلام الله سبحانه. وفي هذا القدركفاية لمن وفق للصواب.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية"٣ سألت أبي فقلت: إن قومًا يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت فقال أبي: بلى إن الله سبحانه يتكلم بصوت وإنما (ينكر) ٤ هذا الجهمية، وإنما يدورون على التعطيل٥. واحتج بحديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي
_________________
(١) ١ سورة البقرة: (آية ١٥٨) . ٢ أخرجه: م: الحج / باب حجة النبي ﷺ ٢/ ٨٨٦ حـ ١٤٧ من حديث جابر وفيه "أبدأ" بدل "نبدأ". ت: التفسير / سورة البقرة ٥/ ٢١٠ حـ ٢٩٦٧ من جابر وقال: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. د: مناسك/باب صفة حجة النبي ﷺ ٢/٤٥٥ حـ ١٩٠٥ من حديث جابر أيضًا. ط: الحج / باب البدء بالصفا ١/ ٣٧٢ حـ ١٢٦. ن: الحج / باب الصفا والمروة ٥/ ١٩١. جه: مناسك / باب حجة النبي ﷺ ٢/ ١٠٢٢ حـ ٣٠٧٤. دي: المناسك / باب في سنة الحاج ٢/ ٤٦. ٣ وهو المشهور بكتاب السنة كما تقدم. ٤ في الأصل في الهامش (واضحة في الميكروفلم وهي غير ظاهرة في المكبرة) . ٥ انظر: (السنة ص ٦٢ ولفظه: قال: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وقال أبي: حديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان" قال أبي: وهذه الجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت.
[ ٢٥٨ ]
الذي سقناه١.
فقول خصومنا: إن أحدًا لم يقل إن القرآن٢ كلام الله حرف وصوت كذب وزور.
بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك، وإذا أوردنا فيه المسند وقول الصحابة من غير مخالفة وقعت بينهم في ذلك صار كالإجماع.
ولم أجد أحدًا يعتد به ولا يعرف ببدعة (من) ٣ نفر من ذكر الصوت إلا البويقي٤ إن صح عنه ذلك. فإن عند أهل مصر رسالة يزعمون أنها عنه وفيها: لا أقول إن كلاَم الله حرف وصوت ولا أقول إنه ليس بحرف وصوت٥.
_________________
(١) ١ تقدم في هذا الفصل ص ٢٥٣. ٢ في الأصل فراغ بقدر كلمة مسحت، وقد تبينتها بواسطة الميكروفلم فإذا هي (القرآن) . (من) مثبتة في الأصل، والمعنى لا يستقيم، فلعلها زائدة، أو لعلها (ممن) وهو متجه. ٤ كذا بالأصل (البويقي) وهو تحريف، وصوابه: البويطي. وهو أبو يعقوب يوسف ابن يحيى المصري، صاحب الإمام الشافعي، كان ممن امتحن في مسألة القرآن وثبت على الحق حتى مات في قيده مسجونًا بالعراق سنة ٢٣١هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٨ – ٦١. ٥ لم أجد تخريج هذا القول عنه ولم أطلع على ذكر لرسالته تلك عند غير المصنف.
[ ٢٥٩ ]
وهذا إن صح عنه فليس فيه أكثرمن إعلامنا أنه لم يتبين هذه المسألة ولم يقف على الصواب فيها.
وأما غيره ممن نفى الحرف والصوت فمبتدع ظاهر البدعة أو مقروف بها ١ مهجور على ما جرى منه. والله الموفق للصواب.
_________________
(١) ١ أي: متهم بها. وانظر: ص ٣٢٦.
[ ٢٦٠ ]
الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلامًا في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزًا واتساعًا وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما
ويونس بن يزيد١، وشعيب بن أبي "حمزة"٢ وهؤلاءكلهم أئمة ولم ينكره واحد منهم.
وقوله: بمثل صوته معناه: أن موسى ﵇ حسبه مثل صوته في تمكنة من سماعه وثباته عنده ويوضح صحة هذا آخر الحديث فإنه قال: (لو كلمتك يا موسى بكلامي لم تك شيئا ولم تستقم له٣) .
وروي عن وهب بن منبه٤ أنه قال: لما سمع موسى ﵇ كلام الله تعالى أنس بالصوت فقال: (يا رب (أسمع) ٥ صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال الله سبحانه: أنا فوقك، وعن يمينك، وعن
_________________
(١) ١ هو: يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، "بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام" أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة، إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ. مات سنة ١٥٩ على الصحيح. انظر: (ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٨٦) . (حمزة) في الأصل بالهامش. وهو: شعيب بن أبي حمزة الأموي مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، مات سنة ١٦٢ أو بعدها. (ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٥٢) وقال الذهبي: كان مليح الضبط أنيق الخط، قال الإمام أحمد: رأيت كتب شعيب ابن أبي حمزة فرأيت كتبًا مضبوطةً مفيدةً. (التذكرة ١/ ٢٢١) وتقدم تخريجه عند الدارمي. ٣ انظر: ص ٢٤٥ هامش رقم ٤. ٤ هو: الحافظ: وهب بن منبه أبو عبد الله الصنعاني، عالم أهل اليمن، ولد سنة ٣٤هـ وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنه صرف عنايته إلى ذلك، وبالغ، كان ثقة واسع العلم، توفي سنة ١١٤هـ. انظر ترجمته لدى: (الذهبي: التذكرة ١/ ١٠٠، والميزان ٤/ ٣٥٢)، و(ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٣٩) . ٥ في الأصل (استمع) .
[ ٤٧ ]
الفصل السابع: في بيان فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل في الباطن
وينبغي أن يتأمل قول الكلابية والأشعرية في الصفات، ليعلم أنهم غير مثبتين (إلهًاَ) ١ في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه.
من ذلك اعترافهم بأن الله سبحانه موصوف بأن له يدًا وأن هذه الصفة إنما عرفت من جهة السمع، وأظهروا الرد على المعتزلة في ذلك.
وأهل السنة متفقون على أن لله سبحانه يدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر، قال الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٢. وقال النبيّ ﷺ: "وكلتا يدي الرحمن يمين" ٣.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل ويجوز أن تكون (لها) . ٢ سورة ص: (آية ٧٥) . ٣ أخرجه: م: الإمارة/ باب فضيلة الإمام العادل٣/١٤٥٨حـ ١٨ (١٨٢٧ من حديث عبد الله بن عمر ولفظه: قال رسول الله ﷺ:"إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿ وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". حم: ٢/١٦٠،٢٠٣. ن: كتاب آداب القضاة/ فضل الحاكم العادل في حكمه ٨/ ١٩٥ ابن منده: (الرد على الجهمية) ص ٧٣/ ح ٤٤ من حديث ابن عمر. وقال: وهذا حديث ثابت باتفاق. الآجري: (الشريعة) ص ٣٢٢ عن ابن عمر ﵄ من عدة طرق. البيهقي: (الأسماء والصفات ٣٢٤ عن ابن عمر أيضا) .
[ ٢٦٣ ]
وعند الكلابية أن له يدا واحدة١ ومن أثبت له يدي صفة فقد ضل. ثم فسروا اليد وعدلوا في التفسيرعن الظاهر إلى تأويل مخالف له فعادوا إلى المعتزلة.
والأشعري أثبت يدين لكنه وافق ابن كلاب في التأويل٢.
وكل حديث جاء في الصحيح مما يتعلق في الصفات عدلوا به إلى معنى غير الصفة. منها حديث ابن مسعود عن النبيّ ﷺ في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣
_________________
(١) ١ وهي التي بمعنى القدرة، أو النعمة عندهم. ٢ الواقع أن الذي انتهى إليه الأشعري في آخر مصنفاته: إثبات اليدين لله ﷿ من غيرتكييف، ورد على من أولها بالنعمة أو القدرة ردًا حسنًا أجاد فيه وأفاد ﵀. انظر: الإبانة ١٢٥ - ١٤٠ و(رسائل الثغرص ١٤٧ مخطوط بمكتبة الدراسات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٧ عقائد) . وانظر المطبوع ص ١٢٧. وما ذكره المؤلف هو مذهب المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري المتمسكين بمذهبه الكلابي الذي ثبت رجوعه عنه. وانظر مثلا: (مشكل الحديث وبيانه: ٣٨، ١٠٤، ٢٢٤) و(الإرشاد للجويني ١٥٥) . ٣ سورة الزمر: آية ٧.
[ ٢٦٤ ]
فقال١: "يحمل السموات على أصبع والأرضين على أصبع" ٢.
ومنها حديثه الثابت عنه ﵇: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع إلرحمن" رواه النواس بن سمعان ٣ وجماعة من
_________________
(١) ١ في الأصل: بالهامش. ٢ طرف من حديث أخرجه: خ: كتاب التوحيد/باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي: ١٣/٣٩٢ حـ ٧٤١٤، وحـ: ٧٤١٥ وفي باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ ١٣/٤٣٨ حـ ٧٤٥١ وفي باب/ كلام الله عزوحل يوم القيامة للأنبياء وغيرهم ١٣/٤٧٤ حـ٧٥١٣ كتاب التفسير/ تفسيرسورة الزمر باب/ وما قدروا الله حق قدره ٨/٥٥٠ حـ ٤٨١١. م: كتاب صفات المنافقين/ باب صفة القيامة والجنة والنار ٤/٢١٤٧ حـ١٩ (٢٧٨٦) . ت. التفسير: باب/ ومن سورة الزمر ٥/ ٣٧١ حـ ٣٢٣٨ ابن أبي عاصم (السنة ٢٣٨ حـ٥٤١) . ابن خزيمة (التوحيدص ٧٦) الدارقطني (كتاب الصفات ص ٢١-٢٦ حـ ١٩-٢٧) ابن منده (كتاب الرد على الجهمية ص٨٣-٦٢) البيهقي (الأسماء والصفات ٣٣٣) ٣ هو النواس به سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط الكلابي الأنصاري له ولأبيه صحبة، وحديثه عند مسلم في صحيحه، سكن الشام. (ابن حجر: الإصابة ٣/ ٥٧٦، والتقريب ٢/٣٠٨) .
[ ٢٦٥ ]
الصحابة رحمهم الله١.
ومنها (حديث) ٢ أبي هريرة عن النبي ﷺ: "يضحك الله ﷾ إلى رجلين" ٣
_________________
(١) ١ الحديث أخرحه: م: كتاب القدر/ باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ٤/ ٢٠٤٥ حـ ١٧ (٢٦٥٤) من حديت عبد الله بن عمرو بن العاص. ت: كتاب القدر/ باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ٤/٤٤٨حـ٢١١٤ من حديث أنس. حم: ٢/ ١٦٨ من حديث عبد الله به عمرو بن العاص رضي ألله عنهما و٤/١٨٢ من حديث النواس بن سمعان ﵁ و٦/ ٢٥١ من حديث عاثشة رضي الله تعالى عنها. جه: المقدمة/ باب فيما أنكرت الجهمية ١/٧٢ حـ١٩٩ من حديث النواس (كتاب التوحيد ص ٨٠) . الدارقطني: (كتاب الصفات ص ٢٧حـ ٢٩ من حديث عبد الله بن عمرو. ابن منده: (الرد على الجهمية ٨٧ حـ ٦٨ من حديث النواس وحـ ٦٩ من حديث جابر والبيهقي (الأسماء والصفات ٣٤٠ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والنواس ﵃. ٢ في الأصل. الكلمة في الهامش من أسفل أشير إليها بعلامة لحق. ٣ طرف من حديت أخرجه. خ: الجهاد: باب الكافريقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل ٦/٣٩ حـ ٢٨٢٦ من حديث أبي هريرهَ م: الإمارة/ باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان النار ٣/١٥٠٤حـ ١٢٨، ١٢٩ من حديث أيى هريرة أيضًا. ن: الجهاد/ باب اجتماع القاتل والمقتول في سبيل الله في الجنة ٦/ ٣٢ ط. كتاب الجهاد/ باب الشهداء في سبيل الله ٢/٤٦٠حـ ٢٨ ابن خزيمة (التوحيد ص ٢٣٤) الآجري. (الشريعة ص ٢٧٧ حـ ٢٧٨) .
[ ٢٦٦ ]
وحديث أبي رزين١ في معناه٢.
ومن ذلك الغضب، والرضى، وغير ذلك، وقد نطق القرآن بأكثرها٣.
_________________
(١) ١ هو أبو رزين العقيلي. واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر العامري أبو رزين العقيلي. (ابن حجر: الإصالة ٣/٣٣٠) . ٢ ولفظه: "قال قال رسول الله ﷺ ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره قال قلت يا رسول الله أو يضحك الرب ﷿، قال نعم. قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا ". أخرجه بهذا اللفط. الإمام أحمد/ المسند ٤/ ١١ جه المقدمة/ باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٤ حـ١٨١. ابن أيى عاصم: (السنة ١/ ٢٤٤) والدارقطي: كتاب الصفات ص ٢٧ حـ ٣٠ واللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص ٤١١ حـ٧٢٢ والحديث سنده ضعيف لأجل وكيع بن حدس مختلف فيه. فبينما ذكره ابن حبان في الثقات قال فيه ابن القطان مجهول الحال، وقال الذهبي لا يعرف (الميزان ٤/ ٣٣٥) وحكم الألباني بضعفه. انظر (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٤٤) . ٣ فقال تعالى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ النساء ٩٣ وقال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الفتح ٦ وقال في الرضى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ المائدة ١١٩ ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ التوبة ١٠٠ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الفتح ١٨.
[ ٢٦٧ ]
وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسر منها إلا ما فسره النبي ﷺ أو الصحابي
بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها والاعتقاد بما فيها بلا كيفية١.
_________________
(١) ١ وهذا هو مذهب أهل الحق من سلف هده الأمة وخلفها، وقد ثبت عن أئمة السلف رحمة الله علينا وعليهم أنهم- قالوا في أحاديث الصفات: (تمركما جاءت ولا يفسر شيء منها) بمعنى لا يكيف. فهذا سفيان بن عيينة يقول- وقد سئل عن أحاديت العجب والضحك-: (هي كما جاءت نقر بها، ونحدث بها بلا كيف)، انظر: الصفات للدارقطني ٤٢حـ ٦٣. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث ابن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: امضها بلا كيف انظر: الصفات للدارقطني ٤٤حـ٦٧. وقد ثبت عن الإمام مالك بن أنس وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن قولهم في الاستواء: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب) وقد تقدم تخريج هذا القول عنهما. ومقصود السلف ﵏ بقولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف: إثبات حقيقة معاني ألفاظها والإيمان بها، مع نفي علمهم بكيفيتها. وليس المقصود أنهم يؤمنون باللفظ من غير فهم لحقيقة معناه. فهم يفهمون حقيقة معاني هذه الألفاظ الواردة في الصفات كالاستواء والضحك ويؤمنون بذلك على ما يليق بالله ﷾، ويفوضون في الكيفية فقط. يقول شخ الإسلام ابن تيمية: (ولو كانوا يؤمنون باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه لما قالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) ولما قالوا:"أمروها كما جاءت بلا كيف" فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهول. ثم قال: وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية. إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا: فإن من ينفي الصفات لا يحتاج إلى أن يقول: (بلا كيف) فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: (بلا كيف) فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا (بلا كيف) . وأيضا: فقولهم أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإن هذه الألفاظ جاءت دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم غير مراد" أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة" انظر: الفتوى الحموية ص ١١٢ ضمن مجموعة نفائس.
[ ٢٦٨ ]
ولأبي بكر بن فورك الأصبهاني١ كتابان في تفسيرما ورد في القرآن من الصفات، ومعنى ما جاء في الحديث الصحيح٢ منها ما يخالف
_________________
(١) ١ هو محمد بن الحسن بن فورك الأديب المتكلم الأصولي الواعظ النحوي أبو بكر، درس مذهب الأشعري بالعراق على أبي الحسن الباهلي ثم رحل إلى نيسابور ثم إلى غزنه، بلغت تصانيفه في أصول الدين وأصول الفقه ومعاني القرآن قريبا من المائة توفي مسمومًا في طريق عودته من غزنة سنة ٤٠٦هـ. ترجمته لدى (ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ٢٣٢) . و(ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤/٢٧٢) (والسبكي: طبقات الشافعية ٣/٥٢) . ٢ له كتاب (تفسير القرآن) ذكر سزكين أنه يوجد منه المجلّد الثالث ويقع في ٢٠٠ورقة. وهو محفوظ في مكتبة فيض الله. انظر: (تاريخ التراث ٢/٣٩٠) وذكره السيوطي ونقل عنه في الإتقان ٤/٢٠٢. وله كتاب (تأويل مشكل الحديث وبيانه)، وهو مطبوع متداول، وكلّه في أحاديث الصفات وسلك فيه مسلك التأويل ورد على أئمة الإثبات كابن خزيمة وغيره. وإنما جاءه الإشكال في هذه الأحاديث حينما أدخل العقل وحكمه في النص وقاس الغائب على الشاهد فذهب ينفي ويؤول ما ظن أنه مشكل ومؤد إلى التشبيه، ولو سلك سبيل السلف من الإيمان بالنص وإثبات معنى الصفة، ثم فوض العلم بالكيفية لما حصل له إشكال، فآيات الصفات وأحاديثها ليست عند السلف من المتشابه ولا من المشكل أصلًا.
[ ٢٦٩ ]
في ١ أهل السنة. ومن أتقن السنة ثم تأمل كتابيه بانَ له خلاف أبي بكر بن فورك وأصحابه للحق.
والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضررًا على عوام أهل السنة من هؤلاء، لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف٢ ولم تموه. بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان٣، وإنه غيرمرئي٤ وإنه لا سمع له ولا بصر،
_________________
(١) ١ في الأصل كلمة لم أتبينها. ٢ الاستقفاء: الإتيان من الخلف. يقال: تقفيته بالعصا واستقفيته ضربت قفاه بها. (لسان العرب ١٥/١٩٣) . والمقصود هنا أن المعتزلة صرحوا بمعتقدهم في صفات الله وجاهروا به، ولم يحاولوا إخفاءه ومخادعة خصومهم والتمويه عليهم. ٣ وقال بعضهم معنى: كونه في كل مكان: أي أنه مدبر لكل مكان. ولهم قول آخر وهو أنه لا في مكان بل هو على ما لم يزل عليه انظر: (الأشعري: المقالات١/٢٨٦) ٤ وانظر لتحقيق مذهبهم في الرؤية: (القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة ٢٣٢) والبغدادي: الفرق بين الفرق ١١٤) والشهرستاني: الملل والنحل ١/٤٥) و(الأشعري: المقالات١/٢٣٨) .
[ ٢٧٠ ]
ولا علم، ولا قدرة ولا قوة، ولا إرادة، ولا كلام، و(لا) ١ صفات مضافة إلى ذاته لازمة لها، بل هذه الأشياء أفعال له محدثة في غيره٢ وإن القرآن مخلوق٣، وإن من مات من غيرتوبة من أصحاب الكبائر خلد في النار مع الكفار٤ وإن الحوض والشفاعة، والميزان لا أصل لها٥، وإن من زنا أو سرق أو ارتكب كبيرة
_________________
(١) ١ في الأصل: (ولا) بالحاشية. ٢ وقالوا: هو عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنه لو شاركته هذه الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الألهية. انظر: (الشهرستاني: الملل ١/٤٤) والبغدادي الفرق بين الفرق ١١٤) وانظر تفصيل مذهبهم في باب الصفات: شرح الأصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار ص١٥١ وما بعدها) . ٣ وانظر: لتحقيق مذهبهم في ذلك: (شرح الأصول الخمسة ٥٢٨) و(المقالات ٢/٢٥٦) و(الفرق بين الفرق ١١٤) و(الملل ١/٤٤) . ٤ وانظر: شرح الأصول الخمسة ٦٦٦، والملل ١/٤٥) . ٥ فأما الحوض فقد حكى إنكارهم له: الأشعري في (الإبانة ص٢٤٥) وأومأ إليه في المقالات ٢/١٦٥ وانظر: أيضا: (السفاريني: لوامع الأنوار ٢/٢٠٢) . وأما الشفاعة: فعندهم أنها للتائبين من المؤمنين، وأن الفساق ومرتكبي الكبائر لا شفاعة لهم. انظر: (شرح الأصول الخمسة ٦٨٨-٦٩٠) و(الإبانة ١٥) و(المقالات ٢/١٦٦ الفصل ٤/٦٣) و(لوامع الأنوار ٢/٢٢٢) . وأما الميزان: فهم مختلفون فيه فمنهم من أنكره، ومنهم من أثبته لكنّه أحال وزن الأعمال به لأنها أعراض متقضية ومن هؤلاء القاضي عبد الجبار انظر: شرح الأصول الخمسة ٧٤٨) . و(متشابه القرآن ١/٢٧٤) .
[ ٢٧١ ]
خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر وسمي فاسقًا١.
وإن الدار إذا (لم) ٢ يظهر فيها قولهم دار حرب٣، وإن من انتحل مذهب أهل الأثر واعتقد ما في الأحاديث على ظاهرها حشوى٤،
_________________
(١) ١ وهذا أحد الأصول الخمسة من الأصول التي اتفق عليها المعتزلة وهو القول بـ (المنزلة بين المنزلتين، وأول من قال به: واصل بن عطاء الغزال) وانظر: لتحقيق ذلك: (شرح الأصول الخمسة ١٣٩، و٧٠١) و(الفرق بين الفرق ١١٥) و(الملل ١/٤٧) . (لم) ليست في الأصل، والمقام يقتضي إثباتها. ٣ حكى البغدادي عنهم نحو ذلك فقال: (وزعم أكثر المعتزلة أن البلدان التي غلبت عليها أهل السنة دار كفر وزعم بعضهم أنها دار فسق، وجعل للفسق دارا كما جعل الفاسق في منزلة بين المنزلتين) انظر: (أصول الدين ٢٧٠) وحكى ذلك الأشعري: عن الجبائي من المعتزلة فقال: وقال الجبائي: كل دار لا يمكن فيها أحدا أن يقيم بها أو يجتاز بها إلا بإظهار ضرب من الكفر أو بإظهار الرضى بشيء من الكفر وترك الإنكار له فهي دار كفر - قال الأشعري – وبغداد على قياس الجبائي دار كفر لا يمكن المقام بها عنده إلا بإظهار الكفر الذي هو عنده كفر أو الرضا كنحو القول: إن القرآن غير مخلوق وأن الله سبحانه لم يزل متكلما به، وأن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها، لأن هذا كله عنده كفر، وكذلك القول في مصر وغيرها على قياس قوله وفي سائر أمصار المسلمين وهذا هو القول بأن دار الإسلام دار كفر معاذ الله من ذلك. (المقالات ٢/١٥٤-١٥٥) . ٤ في الأصل (حشو) . والحشو: من الكلام الفضل الذي لا يعتمد عليه، وكذلك هو من الناس، وحشوة الناس رذالتهم انظر: (لسان العرب١٤/ ١٨٠) وأول من عرف عنه أنه تكلم فِى الإسلام بهذا اللفظ عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة فإنه ذكر له عن ابن عمر شيء يخالف قوله فقال: كان ابن عمر حشويا: نسبة إلى الحشو وهو العامة والجمهور – والمعتزلة تطلق على من أثبت الصفات والقدر حشويًا. انظر: (ابن تيمية بيان تلبيس الجهمية ١/٢٤٤) . وقد عدّ السلف إطلاق هذا النبز على أهل السنة: من علامة الزندقة كما روي عن أبي حاتم أنه قال: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية يريدون بذلك إبطال الأثر، وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة مجبرة، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر نابتة وناصبة. انظر: (عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ١/١٣٢-١٣٣ مجموعة الرسائل المنيرية) .
[ ٢٧٢ ]
وعند التحقيق كافر.
فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء.
والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه، وقولهم في القرآن حيره١ يدعون قرآنا ليس بعربي وأنه الصفة الأزلية وأما هذا النظم العربي فمخلوق عندهم٢.
ويقولون: الإِيمان: التصديق٣.
_________________
(١) ١ أي لم يهتدوا فيه إلى الصواب: وفي اللسان يقال: تحير، واستحار، وحار: لم يهتد لسبيله، وحار يحار حيرة وحيرا أي تحير في أمره، وحيرته أنا فتحير ورجل حائر بائر إذا لم يتجه لشيء. ٤/٢٢٢ مادة: حير) . ٢ تقدم ذكر ذلك: وانظر أيضا: (الجويني في الإرشاد ١١٦ إذ يقول في معرض الردّ على المعتزلة ( فإنّ معنى قولهم – أي المعتزلة –"هذه العبارات كلام الله» أنها خلقه، -قال – ونحن لا نمنع أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلما به فقد أطبقنا على المعنى وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته» . ٣ وهذا مذهب جمهور الأشاعرة ويحكونه عن أبي الحسن: انظر: (الباقلاني: التمهيد ٣٤٦ و(الإنصاف ٥٥) والبغدادي: أصول الدين ٢٤٨) و(الشهرستاني: الملل والنحل ١/١٠١) و(الإيحبي: المواقف ٣٨٤) والآمدي: غاية المرام ٣٠٩) ولبعضهم أقوال أخرى لكن ما ذكرناه هو الذي عليه جمهورهم. والذي اسقرّ عليه أبو الحسن الأشعري في هذا الباب هو قول السلف في الإيمان (وأنه قول وعمل يزيد وينقص) انظر: الإبانة ص ٢٧) .
[ ٢٧٣ ]
وعلى أصلهم أن من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو مؤمن، (لأمرين) ١:
أحدهما: أن أصل الإيمان عندهم المعرفة كما قال جهم٢.
والثاني: أن الكلام معنى في النفس فهو إذا صدق بقلبه فقد تكلم على أصلهم به.
وعند أهل الأثر أن الإِيمان: قول وعمل يزيد وينقص، وعلماء الآفاق المتبعون كلهم على هذا القول٣.
ومخالفونا هؤلاء يقولون معنا في الظاهر مثل ذلك، وعندهم أن
_________________
(١) ١ في الأصل (لم يعين) وهو تحريف من الناسخ. ٢ وهو جهم بن صفوان، تقدمت له ترجمة ص ١٧. ومذهبه: أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى، وأن الكفر هو الجهل به. وانظر: مقالته هذه لدى: (الأشعري: المقالات ١/٢١٤ و(البغدادي: الفرق بين الفرق ٢١١) و(الشهرستاني: الملل١/٨٨) . ٣ حكى ابن عبد البر إجماع أهل الفقه والحديث على ذلك – نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في (الإيمان ٣١٣) و(قال وكيع: أهل السنة يقولون الإيمان قول وعمل..) أخرج ذلك عنه: الآجري في الشريعة: ١٤٥) . وانظر: (الإيمان: لابن أبي شيبة ص ٤٦) . وذكر شيخ الإسلام الصابوني أن ذلك قول أهل الحديث ١/١٢٣ (ضمن مجموعة الرسائل المنييرة) .
[ ٢٧٤ ]
التصديق لا مدخل للزيادة والنقصان فيه وهو الإيمان١.
وعند المعتزلة أن الاسم غير المسمى٢. وأن أهل السنة (عندهم) ٣ أن الاسم هو المسمى. وقد نص على ذلك جماعة من الأئمة (كـ) الشافعي٤، والأصمعي٥٦.
_________________
(١) ١ قارن ذلك بكلام الباقلاني حيث يقول: (نحن لا ننكر أن نطلق أن الإيمان يزيد وينقص كما جاء في الكتاب والسنة، لكن النقصان والزيادة يرجع في الإيمان إلى أحد أمرين إما أن يكون ذلك راجعًا إلى القول والعمل دون التصديق، لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان. فأما التصديق فمتى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان انظر: (الإنصاف ٥٧) . ٢ وانظر: (المقالات: ١/٢٥٣) . ٣ في الأصل: بالهامش. ٤ فكان ﵀ يقول:"من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة، لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة وبالصفا والمروة فليس عليه الكفارة لأنه مخلوق وذلك غير مخلوق"، روى ذلك عنه الربيع بن سليمان. انظر: (ابن أبي حاتم/ آداب الشافعي ومناقبه ١٩٣) و(اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢٢١حـ٣٤٣، ٣٤٤) والبيهقي: الأسماء والصفات ٢٥٥) . ٥ وهو الإمام الحافظ حجة الأدب ولسان العرب أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، الأصمعي البصري، اللغوي الإخباري، أحد الأعلام يقال اسم أبيه عاصم ولقبه قريب ولد سنة بضع وعشرين ومائة، ومات سنة ٢١٥ وقيل ٢١٦. (الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٠/١٧٥) و(ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣/١٧٠) . وقد أخرج اللالكائي بسنده إلى حفص بن عمر السياري قال سمعت أبا سعيد الأصمعي يقول: إذا سمعته يقول الاسم غير المسمى فاحكم – أو قال فاشهد – عليه بالزندقة) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢١٢ح ٣٤٦، ٣٤٧) . ٦ الواقع أن كلام الإمام الشافعي والأصمعي ليس فيه التصريح بالقول بأن الاسم هو المسمى وإنما فيه الإنكار على من يقول أسماء الله مخلوقة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا مرادهم، فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فأشهد عليه بالزندقة – قال: ولم يعرف أيضا عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى، بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة، وأنكره أكثر أهل السنة عليهم انظر: (الفتاوى ٦/١٨٧) .
[ ٢٧٥ ]
وعند الأشعري: أن الاسم الذي نختلف فيه ليس هو المسمى ولا هو غير المسمى١٢.
_________________
(١) ١ حكى الأشعري: أن ذلك قول ابن كلاب. انظر: المقالات ١/٢٥٠) . وقد نقل الإيحبي: للأشعري تفصيلا في الموضوع فقال: قال الشيخ قد يكون الاسم عين المسمى نحو الله فإنه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره نحو الخالق والرازق مما يدل على نسبته إلى غيره ولا شك أنها غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره كالعليم والقدير مما يدل على صفة حقيقية ومن مذهبه أنها لا هو ولا غيره كما مر (المواقف ٣٣٣) وقال شيخ الإسلام وهو المشهور عن أبي الحسن. (الفتاوى ٦/١٨٨) . وأما قوله الذي استقرّ عليه بآخره فهو ما أفصح عنه في الإبانة بقوله: (وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًا) ص٢٢. ٢ تعليق: الكلام في قضية الاسم المسمى من القضايا التي اشتهر النزاع فيها بعد أئمة السلف الأوائل كالإمام أحمد وغيره، والذي كان معروفا عند أئمة السنة أحمد وغيره في ذلك: هو: الإنكار على الجهمية الذين يقولون أسماء الله مخلوقة أخرج اللالكائي عن إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل – وهو مختف عندي – فسألته عن القرآن فقال: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢١٤حـ٣٥١. لأن الجهمية يقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق. فذمهم السلف وغلظوا القول فيهم لأن أسماء الله من كلامه وكلام الله غير مخلوق بل هو المتكلم به وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء فأنكر الإمام أحمد قول الجهمية هذا لأنهم يريدون أن يتوصلوا إلى القول بأنّ القرآن مخلوق. على هذا القدر اقتصر القول في هذه المسألة في عصر الإمام أحمد، ثم اشتهر النزاع فيها بعده، وتحصل فيها عدة أقوال: الأول: أن الاسم غير المسمى – وهو قول الجهمية والمعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة والزيدية. الثاني: أن الاسم هو المسمى وأن أسماء الباري هي الباري. وهو قول أكثر أصحاب الحديث والمنتسبين إلى السنة مثل أبي بكر بن عبد العزيز، وأبي القاسم الطبري واللالكائي، والبغوي. انظر: المقالات ١/٢٥٢ و(الفتاوى ٦/١٨٧) . الثالث: أن الاسم لا هو المسمى ولا هو غيره، وأن أسماء الباري لا هي الباري ولا هي غيره. وعزاه الأشعري لبعض أصحاب ابن كلاب. الرابع: التوقف: فلا يقال: أسماء الباري هي الباري، ولا يقال: لا هي الباري، ولا هي غيره. وذكر هذه الأقوال الأربعة الأشعري في المقالات ١/٢٥٢-٢٥٣) . الخامس: وهناك قول خامس في المسألة ارتضاه ابن جرير الطبري في كتابه (صريح السنة بعد أن ذكر أن الكلام في هذه المسألة من الأمور المحدثة التي لم يرد فيها نصٌّ عن السلف. وهو أن لاسم للمسمى. فقال: (وأما القول في الاسم هو المسمى أم هو غيره فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قوله جلّ ثناؤه الصادق وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ اهـ (صريح السنة ص ١١ ضمن المجموعة العلمية السعودية) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عقب إيراده كلام الطبري هذا: (وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره) انظر: الفتاوى ٦/١٨٧) . وذكر ابن أبي يعلى أن الإمام أحمد كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى ويقول: هذا كلام محدث ولا يقول إن الاسم غير المسمى ولا هو هو، ولكن يقول: إن الاسم للمسمى اتباعا لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . انظر: (طبقات الحنابلة ٢/ ٢٧٠) .
[ ٢٧٦ ]
وعند المعتزلة أن الذي تحويه دفتا المصحف قرآن وكذلك ما وعته الصدور، وكذلك ما يتحرك به لسان القاريء وكل ذلك مخلوق.
وعند أهل السنة أن ذلك قرآن غير مخلوق و(عند) ١ الأشعري أنه مخلوق وليس بقرآن وإنما هو عبارة عنه٢.
وكذلك كثير من مذهبه، يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملًا، ثم عند التفسير، والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره، والعالم يجهره٣ لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإِظهار أولئك ومجاوبتهم٤ أهل السنة وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق. نسأل الله السلامة من كل برحمته.
_________________
(١) ١ في الأصل: (وان) وهو تحريف. ٢ تقدم تخريج هذه الأقوال في ص ١٥٤. ٣ أي: يكشفه: يقال جهرت الشيء إذا كشفته. وانظر: (ابن منظور: لسان العرب ٤/ ١٤٩ مادة جهر) . ٤ كذا في الأصل ولعلها: ومجانبتهم.
[ ٢٧٨ ]
الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات
وقد زعموا أن أصحاب الحديث يعتقدون ما في الأحاديث من ذكر الصفات على ظاهرها، ويثبتون لله سبحانه الكف، والأصابع، والضحك، والنزول، وأنه في السماء فوق العرش وهذه من صفات الأجسام حتى قال بعض سقاطهم: (ما بين شيوخ الحنابلة، وبين اليهود إلا خصلة واحدة) ١.
ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة، لكنها بخلاف ما تصوره الساقط.
وتلك الخصلة أن الحنابلة على الإسلام والسنة، واليهود على الكفر والضلالة.
أول ما نقول: إن القول بما في الأحاديث (الثابتة) ٢ مما أمر الله سبحانه بقبوله فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٣ ولا خلاف بين عقلاء أهل الملة في أن الرسل أعرف بالله سبحانه، وبصفاته من غيرهم، لأنهم أوفر الناس عقلًا، والوحي ينزل عليهم، والعصمة من الضلال
_________________
(١) ١ لم أتوصل إلى معرفة قائل ذلك. ٢ في الأصل: (ثابتة) . ٣ سورة الحشر: (آية ٧) .
[ ٢٨١ ]
تصحبهم، وقد جعل الله سبحانه طاعة رسوله محمد ﷺ مقرونة بطاعته، ووعد من أطاعه وأطاع رسوله بالفوز العظيم١.
فأمر هذه الأخبار التي وقع الخلاف (فيها) ٢ لا يخلو من أن يكون (صدقًا) ٣ أو كذبًا. فإن كانت صدقا، وجب المصير إليها، وإن كانت كذباَ لزم تركها.
ووجدنا رواة هذه الأحاديث أئمة المسلمين وصدورهم وعلماءهم٤ وثقاتهم خلفًا عن سلف، وهم من أهل العدالة الظاهرة، والمرجوع إليهم وإلى فتاويهم في الدماء والفروج، كسفيان الثوري٥، ومالك بن أنس الأصبحي٦، وحماد بن زيد الأزدي٧،
_________________
(١) ١ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب (آية ٧١) . ٢ ليست في الأصل. ٣ في الأصل: بالحاشية. (صدقا به) . ٤ في الأصل: (علمائهم) وهو خطأ نحوي. ٥ تقدمت ترجمته ص ١٨٧. ٦ تقدمت ترجمته ص ١٧٤. ٧ هو حماد بن زيد بن درهم الإمام الحافظ المجود شيخ العراق، أبو إسماعيل الأزدي مولاهم البصري، قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: هو من أئمة المسلمين من أهل الدين، وهو أحب إليّ من حماد بن سلمة. مولده سنة ثمان وتسعين ووفاته سنة ١٧٩هـ. وكان ثقة ثبتًا ﵀. الذهبي: التذكرة ١/٢٢٨) و(ابن حجر: التقريب ١/١٩٧ و(ابن العماد: الشذرات ١/٢٩٢) .
[ ٢٨٢ ]
وسفيان بن عيينة الهلالي١، وعبد الله بن المبارك المروزي٢، وأمثالهم.
وفي طبقة كل من قبلهم وبعدهم من حاله في العلم والعدالة كحالهم، فغير جائز أن يكذب خبرهم.
وما من حديث منها إلا وقد ورد من عدة طرق متساوية الحال في تعلّق الأسباب الموجبة للقبول بها، ومع ذلك فهم الذين رووا الأحكام والسن، وعليهم مدار الشريعة، فمن صدقهم في نقل الشريعة لزمه أن يصدقهم في نقل الصفات ومن كذبهم في أحد النوعين وجب عليه تكذيبهم في النوع الآخر.
فلم يبق بعد هذا إلا قولهم٣: إن أخبار الآحاد لا توجب عند
_________________
(١) ١ هو الإمام سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد، محدث الحرم، مولى محمد بن مزاحم كان إمامًا حجة حافظًا واسع العلم كبير القدر. مولده سنة (١٠٧) ووفاته سنة (١٩٨) هـ. الذهبي: التذكرة ١/٢٦٢) و(الميزان: ٢/١٧٠) و(ابن حجر: التقريب ١/٣١٢) . ٢ هو الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي الحنظلي مولاهم، كان ﵀ ثقة ثبتا فقيها عالما جوادا مجاهدا جمعت فيه خصال الخير، مولده سنة ١١٨هـ ووفاته سنة ١٨١هـ. انظر: ترجمته لدى: الذهبي في: التذكرة ١/٢٧٤) وسير أعلام النبلاء ٨/٣٧٨) و(ابن حجر: التقريب١/٤٤٥) . ٣ أي الكلابية والأشاعرة. وانظر لتفصيل مذهبهم في ذلك: (الباقلاني: التمهيد ٣٨٦ وما قبلها) و(البغدادي: أصول الدين ص ١٢ وهو مذهب المعتزلة أيضا انظر: (شرح الأصول الخمسة ٧٦٨) .
[ ٢٨٣ ]
أكثر العلماء علمًا وإنما يجب العمل بها١.
وقد بينا في كتاب «الإبانة» هذا الفصل، وجملته أن المطلوب من التواتر سكون النفس إليه وتبلج الصدر بكونه، وينتفي٢ ظن الكذب والوهم والتواطؤ عنه، وأكثر ما ورد في الصفات بهذا الوصف.
وقد اتفق أكثر الأصوليين على أن المتواتر ليسر له عدد محصور،
_________________
(١) ١ وليس الأمر كما زعموا فإن القول بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم هو قول لبعض أهل الكلام فقط وأكثر أهل العلم بل جمهور الأمة يقولون إن خبر الآحاد الذي تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم. كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم فقال: (وأما القسم الثاني من الأخبار) فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملًا به أو تصديقا له فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد ﷺ، من الأولين والآخرين. أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع. وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل: السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية وابن خواز منداد وغيره من المالكية، ومثل أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية ومثل أبي إسحاق الاسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل. انظر: مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٧٢-٣٧٣. وقال: «وخبر الواحد المتلقي بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالاسفرائيني وابن فورك» الفتاوى ١٨/٤١. ٢ هكذا في الأصل ولعل الصواب (انتفاء) فهو الذي يناسب ما قبله.
[ ٢٨٤ ]
وليس المراد بذلك أنهم يخرجون الكثرة عن الحصر، وإنما المراد أنه لا يحصر بأن الذي يوجب العلم ما نقله اثنان، أو ثلاثة، أو عشرة، بل ننظر إلى وقوع العلم به وانتفاء الظنّ عنه. فربما حصل ذلك بمائة أو أكثر، وربما حصل بأربعة أو أقل١.
_________________
(١) ١ اختلف الناس: في تحديد العدد الذي يحصل به التواتر. فقال بعضهم: لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب. وقال بعض الفقهاء يشترط أن يكونوا عددا لا يحصيهم عدد ولا يحويهم بلد. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا عدد أهل بدر. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن سبعين عدد المختارين من قوم موسى. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن خمسين عدد القسامة. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن أربعين لأنه العدد الذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين وتنعقد به الجمعة. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل عن عشرين. وقالت طائفة يشترط أن لا يقل اثني عشر. وقالت طائفة أن يكونوا أكثر من أربعة وهو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى. وقالت طائفة يشترط ألا يقل عن ثلاثة: لقوله ﷺ «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أنه قد نزل به جائحة. وأكثر الأصوليين ذكر هذه الأقوال، ثم بين أنه لا برهان عليها ولا يصح في تعيين العدد شيء. وذكر أن المقصود سكون النفس إلى الخبر وعدم تأتي التواطؤ على الكذب: يقول ابن تيمية: (ولا يعتبر في التواتر عدد محصور، بل يعتبر ما يفيد العلم على حسب العادة في سكون النفس إليهم وعدم تأتي التواطؤ على الكذب منهم، إما لفرط كثرتهم وإما لصلاح دينهم ونحو ذلك) . المسودة ٢٣٥، وانظر: نحوه في: الفتاوى ١٨/٥٠. وقال ابن حزم: عقب ذكره الأقوال في العدد (وهذه كلها أقوال بلا برهان وما كان هكذا فقد سقط إلى أن قال – فلم يبق إلا قول من قال بالتواتر ولم يحدد عددا. ثم بين أن المقصود بالتواتر وسكون النفس وانتفاء التواطؤ. (الإحكام: ١/١١٧، ١١٨، ١٢٠) . وقال الإمام الحرمين الجويني بعد أن ذكر اختلاف الناس في تحديد العدد ونقض أقوالهم قال: فإذا تمهد لنا ذلك قلنا: «لا يتوقف حصول العلم بصدق المخبرين على حد محدود وعدد معدود، لكن إذا ثبتت قرائن الصدق ثبت العلم به، ثم ذكر أن العلم قد يحصل بخبر مخبر واحد إذا حف به من القرائن ما يتضمن العلم بصدقه وضرب لذلك مثالًا. ثم قال: إذا ثبت إمكان حصول العلم بصدق مخبر واحد، فإنه قد يتخلف العلم بالصدق عن اخبار عدد كثير وجم غفير إذ جمعتهم إيالة (سياسية) وضمهم في اقتضاء الكذب حالة، ثم ضرب لذلك مثالًا أيضا. انظر: (البرهان ١/٥٧٦-٥٧٧) . وقال ابن قدامة: الصحيح: أنه ليس له عدد محصور وأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد فتحكم فاسد لا يناسب الغرض ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدلّ على فسادها، ثم بين أن المقصود حصول العلم. انظر: روضة الناظر ٥٠-٥١. وانظر: هذا المبحث في (أصول السرخسي – أيضا – ص ٢٩٤) .
[ ٢٨٥ ]
ونحن والحمد لله نجد أنفسنا ساكنة إلى هذه الأحاديث المشار إليها، ورواتها ممن لا يظن بهم الكذب، ولا الوهم، ولا التواطؤ في هذه الروايات.
ولا شك في اختلاف أحوال الناس فمائة منهم يجوز عليهم أن يهموا في الشيء، وأن يتواطؤوا عليه، وعشرة منهم تخالف أحوالهم أحوال المائة، فيعلم أن الوهم، والكذب والتواطؤ منتفية عن خبرهم١،
_________________
(١) ١ تقدم هذا المعنى في كلام الجويني وغيره قبل هذا. وانظر أيضا الفتاوى حيث يقول شيخ الإسلام: «فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم لما هم عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤهم، وأضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم. هذا هو الحق الذي لا ريب فيه وهو قول جمهور الفقهاء والمحدثين وطوائف من المتكلمين» . (٢٠/٢٥٨) .
[ ٢٨٦ ]
وهذا لا يعلمه إلا من عرف الحديث وأهله وأتقن معرفته١ ذلك، وعند الأشعري وأصحابه أن العلم يقع بنقل المجوس واليهود والنصارى، إذا تواتر نقلهم، وليس من شرط التواتر أن يكون ناقلوه مسلمين عدولا٢ ومن الطريق٣ العلم بنقل الكفار إذا كثروا، وعدم العلم بنقل عدول المسلمين إذا كانوا دونهم.
وقد أجمعنا في الأحكام على أن شهادة عدلين من المسلمين تقتضي الحكم في الأموال، وبعض الحدود٤ وشهادة أربعة منهم في الزنا وما في حكم ذلك٥ ولوشهد ألف من الكفار لم تقبل شهادتهم على مسلم في
_________________
(١) ١ كذا في الأصل ولعلها (معرفة) . ٢ ليس هذا عند الأشعري وأصحابه فقط، بل هو مذهب غيرهم من سائر أهل السنة فكما يقول بذلك الباقلاني – وهو من أئمة الأشاعرة – في التمهيد ٣٨٥. وإمام الحرمين – وهو من أئمة متأخريهم – كما في الإرشاد له ٤١٦. كذلك يقول آل تيمية بما فيهم شيخ الإسلام. انظر المسودة ٢١٠. وكذلك يقول ابن قدامة الحنبلي - انظر: (روضة الناظر ٥١ ويعلل ذلك بأن إفضاء خبر التواتر إلى العلم من حيث أنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه ويمكن ذلك في الكفار كإمكانه في المسلمين. ٣ ويجوز أن تكون (الطريف) بالفاء. ٤ وحكى الإجماع على ذلك أيضا: (ابن حزم في: مراتب الإجماع ص ٥٢) . ٥ وحكى الإجماع على ذلك أيضا: (ابن حزم في: مرتب الإجماع ٥٣) . و(ابن المنذر: الإجماع ص ١٤٣) .
[ ٢٨٧ ]
مال ولا حد١.
ولا ينبغي أن ينقلب الأمر في باب المتواتر ويرجع إلى التسوية بين الكفار والمسلمين، فإن كل طائفة حكم بسقوط عدالة كل واحد منهم على الانفراد، لم يردهم الاجتماع إلى العدالة، وكل فرقة حكم لكل امريء منهم بالعدالة على حدته فإذا اجتمعوا زادوا خيرا، وقوي القلب بما شهدوا به.
فلما كان الكفار ساقطي العدالة، مجتمعين وفرادى، لم يجز أن يكون خبرهم موجبا للعلم الضروري إلا باقتران دلالة به مقتضية لوجوبه.
وأخبار الآحاد عند أحمد بن حنبل (و) ٢ غيره من علماء النقل ضربان. فضرب لايصح أصلًا، ولا يعتمد، فلا العلم يحصل بمخبره ولا العمل يجب به.
وضرب: صحيح موثوق بروايته وهو على ضربين:
أ- نوع منه قد صح لكون رواته عدولًا ولم يأت إلا من ذلك الطريق، فالوهم وظن الكذب غير منتف عنه، لكن العمل يجب.
ب- ونوع: قد أتى من طرق متساوية في عدالة الرواة، وكونهم
_________________
(١) ١ قال ابن حزم: (واتفقوا على أنه لا يقبل مشرك على مسلم في غير الوصية في السفر) المصدر السابق ص ٥٣. ٢ في الأصل (أو) وهو غير سديد.
[ ٢٨٨ ]
متقنين أئمة متحفظين من الزلل. فذلك الذي يصيرعند أحمد في حكم المتواتر١.
وينبغي أن يعلم أن الأخبار في الجملة إنما ترد في أحد معنيين: إمّا ما يراد به العمل وإمّا ما سبيله الاعتقاد.
فما كان واردًا في العمل، جائز ورود مثله في الصحة، وثقة الرواة مخالفا لحكمه، وذلك لجواز ورود النسخ في الأحكام، فيطالب عند ذلك (بالعلم) ٢ بالناسخ ليعمل به، وبالمنسوخ ليترك هـ.
وما كان واردًا في المعتقدات برواية الثقات لا يجوز أن يرد برواية
_________________
(١) ١ قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن إمامنا ﵀ في حصول العلم بخبر الواحد. فروي أنه لا يحصل به، وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا. وروي عنه أنه قال في أخبار الرؤية يقطع على العلم بها.. قال – وهذا يحتمل أن يكون في أخبار الرؤية وما أشبهها مما كثرت رواته وتلقته الأمة بالقبول ودلت القرائن على صدق ناقله فيكون إذن من المتواتر إذ ليس للمتواتر عدد محصور. ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدا للعلم وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر.
(٢) وقال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم واتقانهم ونقل من طرق متساوية وتلقته الأمة بالقبول ولم ينكره منهم منكر.. ثم ذكر اتفاق السلف على نقل أخبار الصفات وليس فيها عمل وإنما فائدتها وجوب تصديقها واعتقاد ما فيها. انظر: (روضة الناظر ص ٥٢) وانظر هذا المبحث أيضا في المسودة: ٢١٦-٢٢٣) . ٢ في الأصل (العلم) .
[ ٢٨٩ ]
أمثالهم ما يخالف ذلك.
لأن الخبر عن كون الشيء وصفته إذا كان صدقًا لا يجوز ورود النسخ عليه١ ولا كون مخبره على صفتين متضادتين.
_________________
(١) ١ وهذا مذهب جمهور أهل العلم، كما نقل ذلك غير واحد من علماء الأصول قال السرخسي: قال جمهور العلماء لا نسخ في الأخبار أيضا يعنون في معاني الأخبار واعتقاد كون المخبر به على ما أخبر به الصادق الحكيم، بخلاف ما يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الأخبار التي تكون في المستقبل. (الأصول ٢/٥٩) . وذكر الأشعري اختلاف الناس في أسماء الله ومديحه وأخباره هل يجوز نسخها أو لا؟ فقال: أجاز ذلك طوائف من أهل الأثر فزعموا أن ما تأخر تنزيله ناسخ لما تقدم نزوله وأن المدني ناسخ للمكي خبرًا كان أو مدحًا من مديح الله ﷿. وأنكره أكثر الناس وقالوا: (لا يجوز النسخ في أخبار الله ﷿ ومديحه وأسمائه) . المقالات ٢/٢٧٩) . وقال ابن تيمية: (لا يدخل النسخ في الخبر في قول أكثر الفقهاء والأصوليين وقال قوم يجوز ذلك. وقال الباقلاني: لا يجوز ذلك في خبر الله وخبر رسوله فأما ما أمرنا بالإخبار به فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به. وذكر عن القاضي – (أبي يعلى – ضابطًا – للخبر الذي يدخله النسخ والذي لا يدخله فقال: وضابط القاضي: في نسخ الخبر أنه إن كان مما لا يجوز أن يقع إلا على وجه واحد كصفات الله وخبر ما كان وما سيكون لم يجز نسخه، وإن كان مما يصح تغيره وتحوله كالإخبار عن زيد بأنه مؤمن وكافر وعن الصلاة بأنها واجبة جاز نسخه، قال- وهذا قول جيد) انظر: (المسودة ١٧٦-١٧٧ وانظر هذا المبحث أيضا في: الإحكام: لابن حزم ٥٧٧ وما بعدها، وكتاب فهم القرآن للمحاسبي (٣٣٢) وقد منع فيه ورود النسخ في معنيين: باب الأسماء والصفات، والإخبار عما كان أو يكون.
[ ٢٩٠ ]
ولم نجد والحمد لله في الأخبار الواردة في الصفات، التي حكم العلماء بصحتها، وتلقوها بالقبول اختلافًا في صفة ولا معنى. ولو وجدنا ذلك لكان دالًا على كونها كذبا أو وهمًا.
وإنما وجد هذا الوصف فيما سبيله العمل به دون وقوع العلم الضروري بمخبره١.
وإذا ثبت ما ذكرناه وعلم أن طاعة الرسول واجبة، وأن قبول خبره لازم، وجب اعتقاد ما في هذه الأحاديث المذكورة في الصفات، ولو لم يلزم اعتقاد ذلك، لم تكن هذه الأخبار لا محالة دون سائر الأخبار الواردة فيما سبيله العمل به فينبغي أن يعمل (بها) ٢ أيضًا والعمل بها هو القول بمخبرها.
وقبل وبعد فالأئمة الذين رووها غير منكرين٣ لشيء منها، بل قد أوردوها في السنن، وبينوا٤ أن اعتقادها سنة وحق بل واجب وفرض.
ولا يخلو أمرهم من أن يكونوا مخطئين في فعلهم أو مصيبين في رأيهم. فإن أصابوا، فاتباعهم على الصواب هدى.
_________________
(١) ١ في الأصل (مخبره) وهو تحريف. ٢ في الأصل: (بهذا) وهو تحريف. ٣ في الأصل في الحاشية أمام هذه الكلمة توجد عبارة (وإنما ينكر) ولم يشر إليها بعلامة لحق ولم أر لها مناسبة. ٤ في الأصل (وبينوها) وهو تحريف، والسياق بعده يقتضي ما أثبت.
[ ٢٩١ ]
وإن أخطأوا (بزعمهم) ١ – بزعم المخالف – وهم الأئمة المقبولون، المرضيون بالاتفاق، فالمخالفون الذين قد حكم بأنهم من أهل الزيغ والضلال أقرب إلى الخطأ وأبعد من الصواب منهم، فيجب أن لا يصغى إليهم، ولا يعول على تمويههم. ثم نهاية شغبهم أن إثبات هذه الصفات يقتضي التشبيه والتجسيم لما نراه في الشاهد، وهذا الشغاب ينعكس عليهم، ويعلم بطلانه بذلك.
ألا ترى أن في الشاهد أن الفاعل للأشياء المتقنة العالم الخبير الحي السميع البصير جسم والله سبحانه حي سميع بصير عليم فاعل وليس بجسم٢.
وإثبات الصفات له على ما جاء به النص عنه وعن رسوله ﷺ، لا يوجب التجسيم والتشبيه، بل كل شيء يتعلق بالمحدثات مكيف، وصفات الباري لا كيفية لها٣، فالتجسيم والتشبيه منتفيان عنه وعن صفاته. وبالله التوفيق هـ.
_________________
(١) ١ أحسبها زائدة. أو أن ما بعدها توضيح لها. ٢ تقدم التعليق على إطلاق لفظ الجسم في حق الله تعالى نفيًا وإثباتًا وبيان مذهب السلف في ذلك. انظر: ص ٢٤٣ حاشية رقم ١. ٣ أي (لا كيفية لها نعلمها) إذ المراد نفي علمنا بكيفية صفاته جل وعلا. وليس المراد أنه لا كيفية لها. ولذا قال الإمام مالك بن أنس ﵀ (الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب) . وقد تقدم فبين ﵀ أن كيفية الاستواء لا نعقلها ولا نعلمها. ولو كان ليس لاستوائه ﷿ كيفية أصلا لقال: وقد سئل: كيف استوى؟ -: لا كيفية لاستوائه. والله تعالى أعلم.
[ ٢٩٢ ]
الفصل التاسع: في ذكر شيء من أقوالهم ليقف العامة عليها فينفروا عنهم ولا يقعوا في شباكهم.
قد صنف غير واحد من١ المتكلمين من المعتزلة والكرامية في فضائح الأشعرية، والكلابية، كما صنف هؤلاء في فضائح الآخرين أيضًا.
ولكل مخالف للسنة وطريقة أهل الأثر ما يفتضح به عند التأمل. وأهل الأثر لا فضيحة عليهم عند محصل. لأنهم لم يحدثوا شيئًا وإنما تبعوا الأثر، ومن ادعى في الأثر فضيحة بعد الحكم بصحته، لم يكن مسلمًا٢.
ونحن لا نذكر من فضائح الأشعري ومن وافقه ما ذكره من لا يرضى مذهبه من (معتزلي وكرامي) ٣ بل ما لا يمكنهم إنكاره، وتنطق به كتبهم، فمنها:
(١) أن الأمر عند الفقهاء على الوجوب إلا أن يقترن به ما يدل أن
_________________
(١) ١ في الأصل: (عن) وهو تحريف. ٢ وقد كفر بعض السلف من جحد ما ثبت بخبر الواحد، فكيف بمن يدعي أن في إثباته فضيحة. والتكفير منقول عن إسحاق بن راهويه. انظر: (آل تيمية: المسودة ص ٢٤٥) . ٣ في الأصل: (معزلي وكرمي) وهو تحريف.
[ ٢٩٥ ]
المراد به الندب، أو الإباحة١.
وعند أكثر المتكلمين صيغة الأمر للندب والإباحة، إلا أن يدل دليل على أن المراد به الوجوب٢.
وعند الأشعري: أن الأمر لا صيغة له. إذا قال الله سبحانه افعلوا كذا لا يفهم منه وجوب ولا ندب ولا غيرذلك، ولا يفيد بمجرده شيئًا حتى يقترن به دليل على المراد به٣.
_________________
(١) ١ وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي وعامة المالكية وجمهور الفقهاء، وبه قال جماعة من المتكلمين أيضا كأبي الحسن البصري -كذا عند الآمدي، ولعله أبو الحسين البصري صاحب (المعتمد في أصول الفقه) - والجبائي في أحد قوليه. وانظر هذا المبحث في: (المسودة: لآل تيمية ص ٥) والآمدي: في الإحكام ٢/١٤٤) و(السرخسي: الأصول ١/١٥) و(ابن قدامة: روضة الناظر ١٠٠) و(الجويني: البرهان ١/٢١٦ وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا) . انظر: (ابن حزم: الإحكام٣/٣٢٩) . ٢ وهو مذهب كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، وهو قول بعض الشافعية انظر: المسودة: ٥) و(الآمدي: الإحكام ٢/١٤٤) و(ابن قدامة: الروضة ١٠٠) وانظر أيضا: (إمام الحرمين: ١/٢١٥) وذكر لهم قولا آخر، وأشار إلى أن الأول أقرب إلى حقيقة مذهب القوم. (البرهان) . ٣ لأن: صيغة (افعل) للوجوب عند التجرد عن القرائن عند جمهور الفقهاء. وعند الأشاعرة: لا تدل عليه وإنما يتوقف فيها لأن قول القائل (افعل) متردد بين الأمر والنهي والإباحة والندب.. فوجب التوقف في ذلك، ولا يصار إلى حمله على أحد هذه المعاني إلا بقرينة. ولذا سموا الواقفة أو الواقفية. وحكى إمام الحرمين أن ذلك منقول عن الأشعري ثم قال: والذي أراه في ذلك قاطعا به: أن أبا الحسن ﵀ لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل: أوجبت والزمت، أو ما شاكل ذلك، وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل: (افعل) من حيث الفاه في وضع اللسان مترددا. ثم رجح إمام الحرمين أن صيغة (افعل) لمحض الطلب. وأسقط النهي والإباحة فقال: لكن الوجوب يستفاد من الوعيد – على المخالفة وعدم الامتثال –ثم أراد أن يوفق بين قوله هذا وقول جمهور الفقهاء والشافعي فقال: وأنا أبني على منتهى الكلام شيئا يقرب ما اخترته من مذهب الشافعي ﵀ فأقول: ثبت في وضع الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبًا. انظر: (البرهان ١/٢١٤،٢١٣، ٢٢٢-٢٢٣) وانظر: المسألة أيضا لدى: (الآمدي: في الإحكام ٢/١٤٥،١٤١) وآل تيمية في المسودة ٤.
[ ٢٩٦ ]
وهذا شيء ينفرد به الأشعري ومن وافقه وهو مؤد إلى فساد كثير. هـ
(٢) ومنها: أن الإيمان والنبوة عرضان يحلان الأجسام في حال الحياة ويزولان عنها بزوال الحياة، فالمؤمن إذا مات يدخل قبره ولا إيمان معه، والنبي ﷺ إذا مات يدفن وليس بنبي١ وعلى هذا الأصل يقتضي أن
_________________
(١) ١ وحكى ذلك أيضا ابن حزم واقتصر على مسألة نفي النبوة، ونقل عن الباجي أن ابن فورك يقول بذلك وأن السلطان محمود بن سبكتكين قتله بالسم لذلك. ثم ذكر ابن حزم أن الذي حمل الأشاعرة على القول بذلك قولهم: أن الروح عرض والعرض يفني أبدا ويحدث ولا يبقى وقتين، فروح النبي ﷺ عندهم قد فنيت وبطلت ولا روح له الآن عند الله تعالى وأما جسده ففي قبره موات فبطلت نبوته بذلك ورسالته. انظر: الفصل ١/٨٨. وأما القشيري الذي أنكر نسبة هذا القول للأشعري وأصحابه، وقال: إن ذلك بهتان عظيم وكذب محض لم ينطق به منهم أحد، ولا سمع في مجلس مناظرة عنهم، ولا وجد ذلك في كتاب لهم. فيرى أن أصل هذه المقالة هو: (أن بعض الكرامية الزم بعض الأشاعرة وقال: إذا كان عندكم الميت في حال موته لا يحس ولا يعلم فيجب أن يكون النبيّ ﷺ في قبره غير مؤمن لأن الإيمان عندكم المعرفة والتصديق والموت ينافي ذلك فإذا لم يكن له علم وتصديق لا يكون له إيمان ومن لا يكون مؤمنا لا يكون نبيا ثم قال – واعلموا رحمكم الله أن ما يلزمه الخصم بدعواه فيقول هذا على أصلكم ومقتضى علتكم يلزمكم فلا يجوز أن ينسب ذلك إلى صاحب المذهب فيقال هذا مذهب فلان) انظر: (رسالة شكاية أهل السنة (ضمن طبقات الشافعية ٢/ ٢٧٩-٢٨٢) . ونفى السبكي أن يكون ابن فورك قال بذلك وقتل لأجله، وذكر أن الكرامية دسوا عليه ذلك لدى السلطان وأن ابن فورك أنكر ذلك أمامه. فأمر بإعزازه وإكرامه وإرجاعه إلى وطنه. فسلط عليه بعض الكرامية من سمه. انظر الطبقات: ٣/٥٤. والحق أني لم أجد في كتب القوم التي اطلعت عليها من قال بذلك ولم أجد من نسب ذلك إليهم غير المصنف وابن حزم. فهذا الباقلاني وهو من أئمتهم ورؤوسهم يقول في: الإنصاف: «ويجب أن يعلم أن نبوات الأنبياء صلوات الله عليهم لا تبطل، ولا تنخرم بخروجهم عن الدنيا وانتقالهم إلى دار الآخرة، بل حكمهم في الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، وحالة اشتغالهم، إما بأكل أو شرب أو قضاء وطر ثم قال: وقد غلط من نسب إلى مذهب المحققين من الموحدين إبطال نبوة الأنبياء ﵈ بخروجهم من دار الدنيا. وليس ذلك بصحيح، لأن مذهب المحققين أنه ما استحق شرف الرسالة بتأدية الرسالة وإنما صار رسولا واستحق شرف الرسالة والنبوة بقول مرسله: وهو الله تعالى (أنت رسولي ونبي، وقول الله قديم لا يزول ولا يتغير» الإنصاف ص٦٣-٦٤. والذي أراه: أن في ثبوت نسبة هذا القول للقوم نظرًا إذ لم يقم دليل على ذلك. بل كتب أئمتهم تصرح بعكس ذلك وتفصح بإثبات نبوة الأنبياء بعد موتهم كما أشرت، ولم يقم لدينا دليل قوي ولا ضعيف على نسبة ذلك إليهم، وإنما يدان القوم من كتبهم أو النقل الصحيح الموثق عنهم، فنسبة ذلك إليهم تشنيع لا دليل عليه ولا مبرر له، والذي يظهر أنه إلزام ألزم به بعضهم كما ذكر القشيري وأومأ إليه ابن حزم كما سبق. ولازم المذهب ليس بمذهب على الصحيح. والله اعلم.
[ ٢٩٧ ]
يزول الإيمان عن الرجل إذا نام وهذا من أشنع الأقاويل. هـ
(٣) ومنها: أن وقوع الكبائر من الأنبياء ﵈ في حال النبوة جائز إلا فيما يختص بالرسالة (فإنه) ١ لا يجوز عليهم الكذب فيها ولا التغيير، ولا الكتمان٢.
_________________
(١) ١ في الأصل: (فإن) وهو تحريف. ٢ نقل ابن حزم أن هذا قول الباقلاني ومن اتبعه من الأشعرية وقال: وأما هذ الباقلاني فإنا رأينا في كتاب صاحبه أبي جعفر السمناني قاضي الموصل أنه كان يقول إن كل ذنب دق أو جل فإنه جائز على الرسل حاشى الكذب في التبليغ فقط، قال وجائز عليهم أن يكفروا، قال: وإذا نهى النبيّ ﷺ عن شيء ثم فعله فليس ذلك دليلا على أن ذلك النهي قد نسخ لأنه قد يفعله عاصيًا لله ﷿ وليس لأصحابه أن ينكروا عليه ذلك (الفصل ٤/٢) ونقل عن ابن فورك أنه: لا يجوز عليهم الكبيرة. وجوز عليهم الصغائر بالعمد. قلت: إن هذا النقل عن الباقلاني ليس فيه أكثر من أن يكون ذلك قولا له، لا يعبر بالضرورة عن مذهب جمهور الأشاعرة، فإن جمهورهم ليسوا على ذلك: يقول البغدادي: أجمع أصحابنا على وجوب كون الأنبياء معصومين بعد النبوة عن الذنوب كلها، وقال: وأما السهو والخطأ فليس من الذنوب فلذلك ساغ عليهم. (أصول الدين ١٦٧-١٦٨) ونقل الإيحبي: إجماع الأمة على عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة، وعلى عصمتهم من الكبائر عمدًا عند الجمهور، أما الصغائر فجائز عمدًا أو سهوا. (المواقف ٣٥٨-٣٥٩) . ونقل شيخ الإسلام: عن الآمدي: أن القول بعصمة الأنبياء من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر الأشعرية. انظر: الفتاوى٤/٣١٩) وذكر إمام الحرمين: أن عصمتهم من الفواحش المؤذنة بالسقوط وقلة الديانة تجب إجماعًا. انظر: (الإرشاد ٣٥٦) . فما ذكره المصنف ليس قول أكثر الأشاعرة، وإنما هو قول لبعضهم وجمهورهم يقول بقول السلف في ذلك. وسيأتي ذكر قول السلف بعد هذا.
[ ٢٩٩ ]
وعند المعتزلة: لا يجوز حصول كبيرة منهم في حال الأداء، ولا قبله١.
وعند أهل السنة: أن وجود الكبائر منهم ﵈ قبل أن يوحى إليهم جائز، فأما بعد الوحي فهم معصومون من ارتكاب الكبائر٢.
_________________
(١) ١ انظر: القاضي عبد الجبار: (شرح الأصول الخمسة ٥٧٣) والمغني: (١٥/٣٠٠-٣٠٤) و(الأشعري: المقالات ١/٢٩٦) . ٢ دون الصغائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. (الفتاوى:٤/٣١٩) . وقال في منهاج السنة: وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها. ١/٣٣١) . ويرى ابن حزم أنهم معصومون أيضا من الصغائر عمدا (الفصل ٤/٢) وقال إن هذا مذهب جميع أهل الإسلام، ولا يخفى ما فيه من تجوز.
[ ٣٠٠ ]
(٤) ومنها: أن عوام المسلمين الذين لا يعرفون الله تعالى بالأدلة العقلية ليسوا بالمؤمنين في الحقيقة وإنما تجرى عليهم أحكام الشريعة١ وهو
_________________
(١) ١ وقد نقل عنهم ابن حزم أيضا مثل ذلك فقال: (ذهب محمد بن جرير الطبري، والأشعرية كلها حاشا السمناني، إلى أنه لا يكون مسلما إلا من استدل وإلا فليس مسلما، وقال الطبري: من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال والنساء، أو بلغ المحيض من النساء ولم يعرف الله ﷿ بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال فهو كافر حلال الدم والمال. الفصل ٤/ ٣٥. قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبًا على ذلك: هذا القول: هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام وإنما قاله من قاله من الأشعرية موافقة لهم، ولهذا قال أبو جعفر السمناني: القول بإيجاب النظر: بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة ثم قال – وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم، بل هم متنازعون في ذلك. فقال الأشعري في بعض كتبه: قال بعض أصحابنا: أول الواجبات الإقرار بالله تعالى وبرسله وكتبه ودين الإسلام. وقال أيضا: لو سأل سائل عمن ورد من الصين ورأى الاختلاف ماذا يلزمه؟ فقال عنه جوابان: أحدهما: أنه يلزمه النظر ليعرف الحق فيتبعه. والثاني: يلزمه إتباع الحق وقبول الإسلام ثم تصحيح المعرفة بالنظر والاستدلال على أقل ما يجزئه. (درء التعارض ٧/٤٠٧) وقد أنكر: القشيري أن يكون الأشعري قال: بتكفير العوام – فقال: وأما ما قالوا: أن الأشعري يقول بتكفير العوام فهو أيضا كذب وزور ثم قال فنحن نحكم لجميع عوام المسلمين بأنهم مؤمنون مسلمون في الظاهر ونحسن الظن بهم ونعتقد أن لهم نظرا واستدلالا في أفعال الله وأنهم يعرفونه سبحانه والله أعلم بما في قلوبهم وقال- فإن قالوا: فالأشعري يقول إن العوام إذا لم يعلموا علم الكلام فهم أصحاب التقليد، فليسوا بمؤمنين قيل هذا تلبيس، ونقول: إن الأشعري: لا يشترط في صحة الإيمان ما قالوا من علم الكلام بل هو وجميع أهل التحصيل من أهل القبلة يقولون يجب على المكلف أن يعرف الصانع المعبود بدلائله التي نصبها على توحيده واستحقاق نعوت الربوبية، وليس المقصود استعمال ألفاظ المتكلمين من الجوهر والعرض. انظر: (شكاية أهل السنة ضمن طبقات الشافعية ٢/٢٨٥-٢٨٦) . وهذه المسألة تعرف بمسألة وجوب الاستدلال على معرفة الله، ووجوب النظر والاستدلال مع أنه قول المعتزلة وكثير من الأشاعرة، فهو أيضا قول كثير من أتباع الأئمة الأربعة: كأبي الفرج المقدسي الحنبلي. انظر: (درء التعارض ٨/٤) و(أبي الفرج البغداي صاحب محجة الساري إلى معرفة الباري (المصدر السابق ص٢٥) وأبي يعلى (المصدر السابق ٧/٤٤٢) و(ابن الزاغوني نفس المصدر ٤٤٣) وغيرهم، مع اختلافهم في كيفية الاستدلال. والواقع أننا إذا نظرنا في النصوص الواردة عن الرسول ﷺ في هذا الباب نجد أنه ﷺ: ما كان يأمر أحدًا بالنظر والاستدلال ابتداء، ليدخل في الإسلام، وما كان يدعوا الناس إلى ذلك عندما يغزوهم ويدعوهم للإسلام، بل كان أول ما يدعوهم إليه: الشهادتان، وبذلك أمر معاذ بن جبل في الحديث الصحيح لما بعثه إلى اليمن فقال له: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات.." م / كتاب الإيمان / باب الدعاء إلى الشهادتين ١/٥٠حـ٢٩. وبين ﷺ انه يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.. " خـ ١/ ٧٥حـ٢٥، ولم يقل حتى يستدلوا على معرفة الله. فإذا قالوها كف عن قتالهم وقبل إسلامهم، ولم يؤمر بمطالبتهم بالاستدلال على معرفة معبودهم، ومِنْ ثَمَّ أنكر ﷺ على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قتله الرجل بعد تلفظه بالشهادة وقال له ﷺ: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال- أسامة قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا، قال قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " خـ ١٢/ ١٩١ كتاب الديات حـ ٢/٦٨٧. فدل ذلك على أن من تلفظ بكلمة التوحيد دخل في الإسلام، وحرم دمه، وإن لم يستدل. قال شيخ الإسلام: (وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين، سواء كان معطلًا أو مشركا أو كتابيًا بذلك يصير الكافر مسلما ولا يصير مسلما بدون ذلك. وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام – وهو بالغ صحيح يعقل – أنه مسلم ) انظر الإجماع لابن المنذر ١٥٤. ودرء التعارض ٨/٧. قلت: وهذا هو المذهب الحق في هذه المسالة الذي ندين الله به؛ لأنه هو الثابت المأثور عن النبيّ ﷺ وسائر أصحابه الذين فتحوا البلدان بعده وفي عهده، لم يؤثر عنهم انهم كانوا يدعون الناس إلى النظر والاستدلال وإنما كانوا يدعونهم إلى الشهادتين أولًا ويكتفون منهم بها، ويكفون عن قتال من قالها.
[ ٣٠١ ]
من أفضع الأقاويل، وهو قول جهم.
(٥) ومنها: أن كل حديث ورد مخالفًا للعقل لا يمكن الجمع بينه وبين العقلِ فهو زور، وإن رواه من لا يشك في عدالته قبل ذلك، وأن من رواه مع العلم بحاله مثبتًا له، تسقط عدالته، ولا يجوز قبول خبر في باب الاعتقاد، إلا ما وافق قضية العقل فيه١. وهذا يؤدي إلى رد الأخبار
_________________
(١) ١ المعروف عن الأشاعرة أنهم يشترطون لحديث الآحاد إذا صحّ إسناده أن لا يكون متنه مخالفا للعقل. يقول البغدادي: (وأخبار الآحاد متى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها دون العلم) أصول الدين ١٢ وهذا في الأصل قول المعتزلة: فإن من مذهبهم أن أحاديث الآحاد تقبل في الاعتقاد إذا كانت متونها موافقة لعقولهم، يقول القاضي عبد الجبار وإن كان – أي حديث الآحاد – مما طريقه الاعتقاد ينظر فإن كان موافقًا لحجج العقول قبل موجبه لا لمكانه بل للحجة العقلية، وإن لم يكن موافقا لها فإن الواجب ان يرد ويحكم بأن النبيّ ﷺ لم يقله وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف) . انظر: (شرح الأصول الخمسة ص ٧٧٠) .
[ ٣٠٣ ]
الواردة في الصفات وإلى تفسيق أئمة المسلمين١ هـ.
(٦) ومنها: أن الصلاة وسائر قوانين الشريعة لا يعتد بقيام المرء بها إلا بعد معرفته ربه بدليل العقل٢ وأول الفروض عليه النظر في الأدلة ليعرفه، وإذا اشتغل٣ بالفروع قبل إحكام الأصول لم ينتفع به٤.
وشهادة أن لا إله إلا الله إذا لم يعرف قائلها صحة الأدلة شهادة
_________________
(١) ١ أما كونه مؤد إلى رد أخبار الصفات فواضح، لأنهم لا يقبلون الكثير منها بدعوى مخالفته لمقتضى عقولهم، وما قبلوه منها جنحوا فيه إلى التأويل. وأما كونه مؤد إلى تفسيق أئمة المسلمين، فلأن رواة أحاديت الصفات هم أئمة المسلمين من سلف هذه الأمة فإذا ردت أحاديثهم وقيل بإسقاط عدالتهم لأنهم رووا من الأحاديث ما يخالف عقول المعتزلة والأشاعرة، وكان ذلك تفسيقًا لهم. وحاشاهم من ذلك بل هم الأئمة العدول، الذين رووا احاديث الأصول والفروع والأحكام. فالقول بتفسيقهم وإسقاط عدالتهم، هدم للدين وإبطال لسنة سيد المرسلين. ٢ في الأصل: (العقلي) وهو تحريف.. ٣ في الأصل: (استقل) وهو تصحيف. وقد يصح على وجه. ٤ هذه المسألة متفرعة عن المسألة رقم (٤) وهي قضية إيمان العوام، ووجوب الاستدلال والنظر وقد تقدم الكلام عليها هناك.
[ ٣٠٤ ]
عارية عن العلم غيرمنتفع بها. هـ
(٧) ومنها: أن الملحد، والمجوسي، واليهودي، والنصراني ينبغي أن يدعوا إلى المناظرة ويتعلم الكلام لجدالهم و ١ الله سبحانه قد منع من الجلوس مع الخائضين في آياته٢ واتفق أهل الحل والعقد من العلماء على أن الملحد، والمجوسي، وأهل سائر النحل لا يلزمنا جدالهم، وأجمع أكثرهم على أن الجدال منسوخ بالأمر بالقتال، وفي مناظرتهم أكبر فساد (لانتشار) ٣ شبههم بها في الناس، وجواز عدم من يصل إلى حلها في الحال.
(٨) ومنها: أن المخالف من أصحاب الحديث، وأهل الأثر، لا يبلغ عقل كثير منهم معرفة العقليات ولا يفهمونها، فإن كل واحد منهم ينبغي أن يخاطب على قدر عقله. وفي ضمن هذا إخفاء المذهب عن قوم وإظهاره لآخرين، وهذا شبيه بالزندقة.
وبهذا الفعل منهم دخل كثير من العوام والمبتدئين في مذهبهم لأنهم يظهرون له الموافقة في الأول ويكذبون بما ينسب إليهم حتى يصطادوه، فإذا وقع جروه قَليلًا قليلًا حتى ينسلخ من السنة.
وكان أبو بكر بن الباقلاني من أكثرهم استعمالًا لهذه الطريقة وقد
_________________
(١) ١ في الأصل كلمة (وقد) ولا معنى لها هنا، والكلام مستقيم بدونها. ٢ يشير إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ . النساء آية ١٤٠. ٣ في الأصل (لانتشاره) وهو تحريف.
[ ٣٠٥ ]
وشح كتبه بمدح أصحاب الحديث واستدل على الأقاويل بالأحاديث في الظاهر، وأكثر الثناء على أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وأشار في رسائل له إلى أنه كان يعرف الكلام، وأنه لا خلاف بين أحمد والأشعري١ وهذا من رقة الدين، وقلة الحياء.
(٩) ومنها: ما أظهره متأخروهم و ٢ منهم وهو أن القرآن إذا كتب بمداد فيه نجس أو رمي المصحف في الخلاء، أو طرح عليه قذر على سبيل العمد لم يجب فيه كبير نكير٣.
_________________
(١) ١ أما استدلاله بالأحاديث فملاحظ في كتبه غير أنه يؤولها حسب اعتقاده كما فعل في قوله ﷺ: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو " أوله بأن المراد: لا تسافروا بكتابة القرآن، لأنه يعتقد أن ما في المصحف كتابة القرآن وليس هو القرآن. انظر: (الإنصاف ص ١٣٧) . وأما قوله: (إن الإمام أحمد كان يعرف الكلام ) فلم أقف عليه في شيء من كتبه (التي اطلعت عليها) . ٢ في الأصل كلمة لم أتبينها. ٣ لم أجد تخريج هذا القول من كتب القوم التي وقفت عليها، لكن ذكر عنهم ابن تيمية نحوه وعزاه للجهال والغالية منهم، وليس هو قول أهل العلم بالمقالة والإيمان بالشريعة منهم، فإن هؤلاء يعظمون المصحف ويعرفون حرمته، ويوجبون له ما أوجبته الشريعة من الأحكام. ثم بين السبب الذي دعا أولئك إلى إنكار حرمة المصحف فقال: لكن جهالهم وغاليتهم إذا تدبروا حقيقة قول مقتصديهم: إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنه ليس إلا معنى واحد قائم بالذات، وأصوات العباد، ومداد المصاحف يدل على ذلك المعنى، وإنه ليس لله في الأرض كلام في الحقيقة، وليس في الأرض إلا ما هو دال على كلام الله وكلام الله إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض، ولا يتكلم الرب بمشيئته وقدرته إلى أمثال ذلك من حقائق قول المقتصدين اسقطوا حرمة المصحف وربما داسوه ووطؤوه وربما كتبوه بالعذرة وغيرها. ذلك لأنهم لم يروا في المصحف أكثر من كونه دليلًا على كلام الله وليس فيه كلام الله حقيقة، فلم يوجبوا له احتراما، كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام فإن الموجودات كلها أدلة عليه ومع ذلك لا يجب احترامها. انظر: مجموع الفتاوى: ١٢/ ٣٨١-٣٨٢، ٨/٤٢٥.
[ ٣٠٦ ]
لأن صفة الله سبحانه ليست في الدنيا، وإنما المصحف بما فيه مخلوق وهومن جملة المثمنات١ والله تعالى يقول: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢ والنبي صلى الله عليه وسلم٣ نهى عن حمله إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو٤.
_________________
(١) ١ الثمن: ما يستحق به الشيء وهو قيمته، وشيء ثمين: أي مرتفع الثمن انظر: لسان العرب ١٣/٨٢. والمقصود هنا: أن المصحف من العروض التي تباع وتشترى بثمن. وليس هو كلام الله عندهم، لأن كلام الله عندهم كلام نفسي فلا يتأتى بيعه وتثمينه. ٢ سورة الواقعة: آية: ٧٩. ٣ ليست في الأصل. ٤ يشير إلى حديث ابن عمر ﵄- في ذلك وقد أخرجه: خ: كتاب الجهاد/ باب كراهية السفر بالمصحف إلى أرض العدو ٦/ ١٣٣، حـ٢٩٩٠، ولفظه "أن النبيّ ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو". م: الإمارة/ باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم ٣/١٤٩٠، ٩٢، ٩٣ وفيه: (مخافة أن يناله العدو) . د: الجهاد / باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو ٣/ ٨٢ ح ٢٦١٠. جه: الجهاد/ باب النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ٢/ ٩٦١ حـ٢٨٧٩، ٢٨٨٠. حم: مسند ابن عمر ٢/٦، ١٠، ٥٥، ٦٣. ط: الجهاد / باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ٢/٤٤٦ حـ ٧ وفيه ان قوله (مخافة أن يناله العدو) من كلام الإمام مالك وليس من كلام النبيّ ﷺ. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن عبد البر قوله: «وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه – قال ابن حجر- وأشار إلى ابن وهب تفرد برفعها- قال وليس كذلك لما قدمته من رواية ابن ماجه ثم ذكر من رفعها غير ابن وهب وقال فصح أنه مرفوع وليس بمدرج ولعل مالكا كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه» . انظر فتح الباري ٦/١٣٤.
[ ٣٠٧ ]
والفقهاء مجمعون على أن مس المحدث إياه لا يجوز١.
(١٠) ومنها: ما ارتكبه أهل الوقت منهم٢، خصوصًا من كان منهم من المغاربة، وهو أن كل من (يخالفهم) ٣ نسبوه إلى سب العلماء
_________________
(١) ١ ذكر ابن قدامة أن القول بعدم جواز مسّ المحدث المصحف، مروي عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاووس، والشعبي والقاسم بن محمد - قال –وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي – ثم قال – لا نعلم لهم مخالفا إلا داود. وهؤلاء هم فقها الأمة.. انظر (المغني ١/١٤٧) . ٢ لم أتوصل إلى معرفة المقصود منهم. ٣ في الأصل: (مخالفهم) .
[ ٣٠٨ ]
لينفروا١ قلوب العوام عنه وقرفوه٢ بأقاويل لا يقول بها ولا يعتقدها بهتا منهم وكذبا؛ لأن البهتان والكذب لا قبح لهما في العقل وإنما علم قبحهما بالسمع.
والقائلون بخلاف قولهم ضلال عندهم ولا حرمة لهم.
وفي المذهب أشياء كثيرة في نهاية الشناعة لم أرد ذكرها في الحال خوفًا من الإطالة؛ لأن هذه الرسالة إنما اشتملت على نكت وإشارت، ولعلنا في غيرها نشرح بعض ما أشرنا إليه من فضائح مذهبهم إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ في الأصل (لينفر) . ٢ يقال قرفه بكذا: إذا أضافه إليه واتهمه به. انظر لسان العرب (٩/٢٨٠) .
[ ٣٠٩ ]
الفصل العاشر: في بيان أن شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى الباطل وأنهم مرتبكون إلى ما قد نهوا عنه
لما١ زعم عوام مخالفينا: أنهم موافقون للأئمة، متبعون لهم، احتجنا أن نشير٢ إلى أمر الأئمة، وإلى معنى الإمامة في العلم، ليعلم مَن٣ المستحق منهم للاتباع، ومَن الواجب هجرانه.
اعلموا أرشدنا الله وإياكم أن الإمامة هي التقدم٤ في معنى بالناس إلى معرفته حاجه أو قضى/ (٤٦/ب) عليهم (خوض) ٥ فيه وارتكابه وإن كان بهم عنه غنى٦.
فأئمة قد أثنى الله عليهم خيرًا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً٧ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
_________________
(١) ١ في الأصل (لم) وهو تحريف. يدل عليه السياق بعده. ٢ في الأصل غير واضحة تماما في الصلب. فأعادها الناسخ في الحاشية. ٣ جملة (ليعلم من) غير واضحة عليها أثار طمس، أعادها الناسخ في الحاشية. ٤ في الأصل (التعدم) وهو تصحيف ٥ في الأصل (خصوص) وهو تحريف. ٦ وفي اللسان: أم القوم، وأم بهم: تقدمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين. ١٢/٢٤. ٧ قرأ: أئمة، بتحقيق الهمزتين، و: (أيمة) بتسهيل الهمزة الثانية وإبدالها ياء. وهما قراءتان سبعيتان متواترتان. قرأ بالأولى: ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي. قرأ بالثانية: نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، ورويس، واختلف هؤلاء في كيفية تسهيل الهمزة، فمنهم من جعلها بين بين، ومنهم من جلعها ياء خالصة. راجع: (النشر في القراءات العشر لابن الجزري (١/ ٣٧٨-٣٧٩) .
[ ٣١٣ ]
لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ٢.
وأئمة قد أثنى٣ الله سبحانه عليهم شرا فقال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية٤. وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة السجدة: (آية:٢٤) . ٢ سورة القصص: (آية ٥) . ٣ الثناء: يستعمل في الخير والشر، والمدح والذم، يقال أثنى عليه خيرًا ويقال: أثنى عليه شرًا. انظر: (لسان العرب ١٤/١٢٤) و(الفروق للعسكري: ٤٢) وفي الحديث "مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال النبيّ ﷺ: وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا.." خـ ٣/١٢٨. ٤ وتمامها ﴿ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ سورة التوبة: (آية ١٢) . ٥ سورة القصص: (آية ٤١، ٤٢) .
[ ٣١٤ ]
فلما علم أن الأئمة على ضربين: أئمة حق ممدوحون، وأئمة ضلال (مذمومون) ١.
احتجنا إلى أن نبين أحوال الضربين ليتبع المحق ويهجر المبطل.
فأئمة الحق: هم المتبعون لكتاب ربهم سبحانه، المقتفون سنة نبيهم ﷺ، المتمسكون بآثار سلفهم الذين أُمروا بالاقتداء بهم.
وعلومهم التي صاروا بمعرفتها وجمعها والتقدم فيها أئمة/ (٤٧/أ) لغيرهم: القرآن ومعرفة (قراءآته) ٢ وناسخة ومنسوخة، وأحكامه، وفيمن نزل، والعلم بمحكمه ومتشابهه، والأخذ بالآيات المحكمات منه، والإيمان بالمتشابه.
ثم الحديث، وتبيين صحيحه من سقيمه، وناسخه من منسوخه، ومتواتره من آحاده، ومشهوره من غريبه، وما تلقته الأمة منه بالقبول، وما تركوا العمل به، وما يجب اعتقاد ما فيه، ومعرفة علله وأحوال رواته.
ثم الفقه: الذي مدار الشريعة على ضبطه، وهو مستنبط من الكتاب والحديث، وطلبه فرض، وأحكام أصوله التي شرحها متقدموا الفقهاء٣، دون ما أحدثه المتكلمون منها ومزجوه ببدعهم، ورضي به بعض المتأخرين.
_________________
(١) ١ في الأصل (مذمون) . ٢ في الأصل (قراته) . ٣ كالإمام الشافعي ﵀ (في الرسالة) .
[ ٣١٥ ]
وما يستقيم لكم تحصيل١ هذه العلوم إلا بأن يشرع في أخذ لغة العرب قبل ذلك، ليعلم معنى ما يرد عليه في القرآن، والحديث، والفقه.
ولا بد له من تعلم شيء من/ (٤٧/ب) النحو الذي به يوزن كلام العرب ويعرف صحيحه من فاسده.
فإذا تقدم واحد في هذه العلوم، وكان أخذه إياها ممن علم تقدمه فيها، وكونه متبعا (للسلف) ٢ مجانبا للبدع حكم بإمامته٣، واستحق أن
_________________
(١) ١ في الأصل بعد كلمة (تحصيل) لفظ: (ذلك) مضروب عليه. ٢ في الأصل (السلف) بالتنكير، وإثباتها بالتعريف يقتضيه السياق. لأن السلف بالتعريف إذا أطلق لا يفهم منه إلا السلف الصالح.. أما بالتنكير فقد يفهم منه غير ذلك فإن لكل خلف سلفًا. والمؤلّف إنما يقصد هنا المعهود في الذهن وهو السلف الصالح الذين هم أئمة الحق والهدى. ٣ اشترط المؤلف ﵀ ثلاثة شروط للحكم على شخص ما بأنه إمام: الأول: أن يتقدم في العلوم التي ذكرها. وهو شرط وجيه لأن الجاهل ونصف المتعلم لا يصلح أن يقدم ويؤتم به في العلم. الثاني: أن يكون أخذه تلك العلوم عمن عُلم تقدمه فيها. وهو شرط وجيه أيضا. الثالث: ان يكون من أخذها عنه متبعًا للسلف ومجانبا للبدع. وهذا الشرط يحتاج إلى إيضاح. فقد يقال: إن الحق ضالة المؤمن أنى وجده أخذه ومعروف انه تقدم في بعض العلوم لا سيما علوم العربية كثير ممن ابتلي ببدعة. فهل يؤخذ عنهم. لا شك أنه إذا كان يوجد من السلف من هو متقدم فيما تقدم فيه هؤلاء فالأخذ عنه أولى. أما إذا لم يوجد إلا ذلك المبتدع فلا بأس من الأخذ عنه سيما إذا لم يدع إلى بدعته، أو أمن الآخذ عنه الافتتان به. وإنما اشترط المؤلّف هذا الشرط وأطلقه احترازا لأنه قلّ أن يوجد صاحب بدعة لا يدعو إليها أو على الأقل يمزج علمه بشيء منها. هذا إذا كان الضمير في قوله (وكونه) يعود للمأخوذ عنه، أما إذا كان يعود للآخذ فالأمر واضح ولا إشكال.
[ ٣١٦ ]
يؤخذ عنه ويرجع إليه ويعتمد عليه.
ثم يلزمه في الأداء: التحفظ من الزلل، والتحرز من الإحداث والتوقي عن مجاوزة ما أحاط به علمه، وقبول ما يتجه له من الصواب، وإن أتاه ذلك ممن هو دونه، والتواضع لله سبحانه الذي من عليه بما علمه، واللين لمن يتعلم منه، والجري على طريقة من تقدم من العلماء في التورع والتخوف من العثرة ١ والعلم بأنه ليس بمعصوم وأن الذي صار إليه من العلم يسير، (وإن حرمه خلق الله كثير) ٢.
والذين كانوا على هذا المنهاج بعد الصحابة الذين فازوا بالسبق والسؤدد، وظفروا بالحظ الأوفر من كل خير، واشتركوا في الإمامة، والعدالة، وكان بينهم تفاضل، وتقارب ﵃ هم التابعون لهم بإحسان، وهم خلق كثير، لم يخالفوا طريقة الصحابة ولم يجدثوا في الدين حدثًا.
فبالمدينة من أعلامهم/ (٤٨/أ) سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي٣، والقاسم
_________________
(١) ١ في الأصل (العثره) بدون نقط على الثاء وهو تصحيف. والعثرة: الزلة انظر: (لسان العرب مادة عثر: ٤/٥٣٩) . ٢ العبارة بين الحاصرتين غير مستقيمة. فإما أن يكون فيها سقط (من) بعد (حرمه) فيكون تصويبها هكذا (وإن حرمه من خلق الله كثير) أو يكون هناك زيادة (ألف) قبل لفظ الجلالة فتحذف وعليه تكون صحة العبارة هكذا: (وإن حرمه خلق لله كثير) وكلا الاحتمالين وارد. ٣ القرشي أبو محمد، فقيه المدينة وعالمها، سيد التابعين في زمانه. قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما من سعيد، هو عندي أجل التابعين. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وتوفي سنة ٩٤هـ. (ترجمته في طبقات ابن سعد ٥/١١٩، المعارف ٤٣٧، المعرفة والتاريخ ١/ ٤٦٨، تذكرة الحفاظ ١/٥٤، سير أعلام النبلاء ٤/٢١٧.
[ ٣١٧ ]
ابن محمد بن أبي بكر١، وسالم بن عبد الله بن عمر٢ وعروة بن الزبير بن العوام٣،
_________________
(١) ١ وهو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله، كان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة وكان أفضل أهل زمنه. ولد في خلافة علي ﵁، ومات سنة ١٠١هـ وقيل ١٠٧ بقديد، موضع بين مكة والمدينة. انظر: طبقات ابن سعد ٥/١٨٧، المعرفة والتاريخ ١/٥٤٥، تذكرة الحفاظ ١/٩٦، سير أعلام النبلاء ٥/٥٣، وفيات الأعيان ٤/٥٩/٥٣٣، ٢ هو أبو عمر ويقال أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، المدني الفقيه الحجة، أحد من جمع بين العلم والعمل والزهد والشرف، كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت. كان مولده في خلافة عثمان ﵁، ومات سنة ١٠٦ على الصحيح. انظر ترجمته في: (الطبقات لابن سعد ٥/١٩٥) والمعارف ١٨٦) و(التذكرة ١/٨٨) والسير ٤/ ٤٥٧) والتقريب ١/٢٨٠) . ٣ وهو: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، الإمام عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي أحد الفقهاء السبعة. ولد سنة ٢٣، وقيل ٢٩هـ، وتوفي سنة ٩٤هـ على الراجح. انظر: (طبقات ابن سعد ٥/ ١٧٨ و(المعارف: ٢٢٢) و(المعرفة والتاريخ ١/٣٦٤، ٥٥٠) وترجمته في: (سير أعلام النبلاء ٤/٤٢١) و(التقريب ٢/١٩) و(وفيات الأعيان ٣/٢٥٥) و(التذكرة ١/٦٢) .
[ ٣١٨ ]
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة١، وخارجة بن زيد ابن ثابت٢، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف٣، وسليمان بن يسار٤، وقبيصة
_________________
(١) ١ هو الإمام الفقيه، أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، المدني الضرير أحد الفقهاء السبعة، وجده عتبة هو أخو الصحابي عبد الله بن مسعود ﵄. ولد في خلافة عمر أو بعيدها قال فيه العجلي: كان أعمش، وكان أحد فقهاء المدينة، ثقة رجلا صالحًا جامعًا للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز، مات بالمدينة سنة ٩٨ وقيل ٩٩هـ. انظر: (طبقات ابن سعد ٥/٢٥٠) و(المعارف ٢٥٠) و(المعرفة والتاريخ ١/٥٦٠) و(سير أعلام النبلاء ٤/٤٧٥) و(التذكرة ١/٧٨) . ٢ وهو: خارجة بن زيد بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، الإمام، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة كانت وفاته بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة ٩٩ وقيل ١٠٠هـ. انظر: (طبقات ابن سعد ٥/٢٦٢) و(المعارف ٢٦٠) و(سير أعلام النبلاء ٤/٤٣٧) و(التذكرة ١/٩١) و(وفيات الأعيان ٢/٢٢٣) . ٣ اسمه كنيته قاله الإمام مالك، وقيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني الحافظ، أحد الأعلام بالمدينة، ولد سنة بضع وعشرين، وقال ابن سعد: توفي سنة ٩٤ في خلافة الوليد، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وقال هذا أثبت من قول من قال إنه توفي سنة أربع ومائة. انظر: (طبقات ابن سعد ٥/١٥٥) و(سير أعلام النبلاء ٤/٢٨٧) و(التذكرة ١/٦٣) و(التقريب ٢/٤٣٠) ٤ هو عالم المدينة ومفتيها، أبو أيوب، وقيل أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله سليمان بن يسار، المدني مولى أم المؤمنين ميمونة وقيل أم سلمة، ولد في خلافة عثمان قال أبو الزناد: كان ممن أدركت من فقهاء المدينة وعلمائهم ممن يرضى وينتهي إلى قولهم: سعيد بن المسيب، وعروة ، وسليمان بن يسار، وقال النسائي: (أحد الأئمة) مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. قال الذهبي: فيكون مولده آخر خلافة عثمان سنة ٣٤هـ. انظر ترجمته في: (طبقات ابن سعد ٥/١٧٤) و(طبقات خليفة ت ٢١٣١) و(سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٤) و(التذكرة ١/٩١) و(التقريب ١/٣٣١) .
[ ٣١٩ ]
بن ذؤيب١، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث٢، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج٣ هـ.
وبمكة: طاووس بن كيسان٤ الصنعاني٥، وعطاء بن أبي
_________________
(١) ١ هو الإمام الكبير الفقيه، أبو سعيد أو أبو إسحاق قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، المدني، ثم الدمشقي، مولده عام الفتح سنة ثمان، أُتي به النبي ﷺ وهو صغير فدعا له، وكان على الختم، والبريد للخليفة عبد الملك، كان من أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، وكان من علماء الأمة. توفي سنة ست أو سبع وثمانين في خلافة عبد الملك، ولأبيه صحبة. ترجمته في: (طبقات ابن سعد ٥/١٧٦، ٧/٤٤٧) و(طبقات خليفة ت ٢٩١٦) و(سير أعلام النبلاء ٤/٢٨٢) و(التذكرة ١/٦٠ و(التقريب ٢/١٢٢) . ٢ ابن هشام بن المغيرة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، اسمه كنيته، ولد في خلافة عمر ومات سنة ٩٤ بالمدينة. تقدمت له ترجمة. وانظر ترجمته أيضا: في طبقات ابن سعد ٥/٢٠٧ وطبقات ابن خياط ت٢٠٩٧ وسير أعلام النبلاء ٤/٤١٦ والتذكرة ١/٦٣ والمعارف ٢٨٢. ٣ هو أبو داود: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد الملك الهاشمي المدني كاتب المصاحف. نزل الإسكندرية ومات بها سنة سبع عشرة ومائة. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٦/٢٩٠) و(التقريب ١/٥٠١) و(التذكرة١/٩٧) . ٤ في الأصل (طاووس بن ليسان) وهو تحريف. ٥ هو الفقيه القدوة، عالم اليمن، أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان، الفارسي ثم اليمني الجندي، الحافظ كان من أبناء الفرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن، ولاؤه لحمير وقيل لهمدان، ولد في خلافة عثمان أو قبلها. قيل اسمه: ذكوان، وطاووس لقب، وهو ثقة فقيه فاضل حجة باتفاق. توفي بمكة قبل التروية بيوم وقيل يوم التروية سنة ست ومائة، وصلى عليه الخليفة هشام بن عبد الملك. انظر: طبقات ابن سعد ٥/٥٣٧، وطبقا ابن خياط ٢٨٧ وسير أعلام النبلاء ٥/٣٨، والتذكرة ١/٩٠ وفيات الأعيان ٢/٥٠٩، والتقريب ١/٣٧٧.
[ ٣٢٠ ]
رباح١، وعبيد بن عمير٢، ومجاهد بن جبر٣.
وبالعراق: الحسن٤، ومحمد بن سيرين٥، ومطرف بن عبد الله
_________________
(١) ١ هو: أبو محمد عطاء بن أبى رباح القرشي مولاهم واسم أبي رباح أسلم مفتي الحرم، سيد التابعين علما وعملا، وإتقانا في زمانه بمكة. وكان حجة إماما كبير الشأن، مولده في خلافة عثمان وقيل في خلافة عمر – قال الذهبي: وهو أشبه. وهو من مولدي الجند باليمن ونشأ بمكة، وتوفي بها سنة أربع عشرة ومائة. وقيل خمس عشرة ومائة. وله ثمان وثمانون. انظر: الطبقات لابن سعد ٥/٤٦٧، والتذكرة ١/٩٨، والميزان ٣/٧٠، والتقريب ٢/٢٢، والمعارف ٤٤٤، والسير ٥/٧٨. ٢ هو أبو عاصم: عبيد بن عمير بن قتادة، الليثي، الجندعي، المكي، الواعظ المفسر، ولد في حياة الرسول ﷺ، وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، وكان يذكر الناس فيحضر ابن عمر ﵄ مجلسه. مات قبل ابن عمر بأيام يسيرة، وقيل توفي سنة أربع وسبعين. انظر: طبقات ابن سعد ٥/٤٦٣ وابن خياط ت ٢٥٢٤ ص ٢٧٩، وسير أعلام النبلاء ٤/١٥٦. ٣ وهو الإمام أبو الحجاج المكي مجاهد بن جبر الأسود، المخزومي مولاهم شيخ القراء والمفسرين، أعلم الناس بالتفسير في زمانه، مات وهو ساجد سنة اثنتين، وقيل ثلاث وقيل أربع وقيل سبع وقيل ثمان ومائة. وقد بلغ ثلاثا وثمانين سنة. انظر: (طبقات ابن سعد ٥/٤٦٦) و(المعارف ٤٤٤) و(السير ٤/٤٤٩) و(التذكرة ١/٩٢) و(الميزان ٣/٤٤٠) . ٤ هو الحسن بن أبي الحسن، واسم أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، الأنصاري مولاهم، ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بها بوادي القرى، وقال سليمان التميمي: كان الحسن يغزو، وكان مفتي البصرة جابر بن زيد أبو الشعثاء، ثم جاء الحسن فكان يفتي وكان ﵀ ثقة، فاضلا مشهورا، كثير الإرسال. توفي سنة عشر ومائة. انظر: (طبقات ابن سعد ٧/١٥٦) و(المعارف ٤٤٠) و(السير ٤/٥٦٣) و(التذكرة١/٧١) و(الميزان ١/٤٨٣) و(التقريب ١/١٦٥) . ٥ هو الإمام الرباني: أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري البصري – مولى انس بن مالك، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، وكان فقيها إماما غزير العلم ثقة ثبتا علامة في التعبير، رأسا في الورع مات بالبصرة سنة عشر ومائة. انظر: (طبقات ابن سعد ٧/ ١٩٣) و(المعارف ٤٤٢) و(السير ٤/٦٠٦)، و(التذكرة ١/٧٧) و(التقريب ٢/١٦٩) .
[ ٣٢١ ]
ابن الشخير١، وج
_________________
(١) ابر بن زيد أبو الشعثاء٢، وعامر بن ١ وهو الإمام، القدوة الحجة: أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير (بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة)، وكان رأسا في العلم والعمل، وله جلالة في الإسلام، ووقع في النفوس، ولد في حياة رسول الله ﷺ، ولأبيه صحبة، وتوفي ﵀ سنة خمس وتسعين هـ على الصحيح. انظر ترجمته في: (طبقات ابن سعد ٧/١٤١) و(المعارف ٤٣٦) و(التذكرة ١/٦٤) و(السير ٤/١٨٧) و(التقريب ٢/٢٥٣) . ٢ وهو: جابر بن زيد الأزدي اليحمدي مولاهم البصري، الخوفي، وقيل الجوفي، نسبة إلى الخوف ناحية من عمان، أو إلى الجوف درب محلة بالبصرة. كان ﵀ أحد الأعلام، عالم البصرة ومفتيها قبل الحسن، قال فيه قتادة يوم موته: اليوم دفن عالم أهل البصرة. أو قال عالم أهل العراق. مات سنة ثلاث وتسعين قال الذهبي: وشذّ من قال إنه توفي سنة ثلاث ومائة. وقال ابن سعد: مات جابر بن زيد سنة ثلاث ومائة مجمع عليه، ووهم من قال غير ذلك. انظر: (طبقات ابن سعد ٧/١٧٩) و(المعارف ٤٥٣) و(السير ٤/٤٨١) و(التذكرة ١/٧٢) و(التقريب ١/١٢٢) .
[ ٣٢٢ ]
(شراحيل) ١، الشعبي٢، وعلقمة بن قيس٣، والأسود بن يزيد٤.
وبالشام: جنادة بن أبي أمية٥، ورجاء بن
_________________
(١) ١ في الأصل (شرحبيل) وهو تحريف، والتصويب من كتب التراجم. ٢ وهو علامة التابعين في عصره، أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني، ثم الشعبي، ولد في خلافة عمر ﵁ عام جلولاء وكانت سنة سبع عشرة وقيل تسع عشرة وقيل ولد سنة إحدى وعشرين. وكان إماما حافظا فقيها، متفننا ثبتا متقنا. مات سنة أربع ومائة وقد بلغ اثنتين وثمانين سنة. انظر: (طبقات ابن سعد ٦/٢٤٦) و(المعارف٤٤٩) و(السير ٤/٢٠٤) و(التذكرة ١/٧٩) و(التقريب ١/٣٨٧) . ٣ وهو فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، الإمام الحافظ المجود المجتهد الكبير أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الكوفي من كبار التابعين، ولد في حياة الرسول ﷺ، هاجر في طلب العلم والجهاد ونزل الكوفة ولازم ابن مسعود ﵁ حتى رأس العلم والعمل وتفقه به العلماء وبعد صيته. وتفقه به أئمة كبار كإبراهيم والشعبي. مات بعد الستين ببضع سنين. وقيل بعد السبعين. (طبقات ابن سعد ٦/٨٦) و(المعارف ٤٣١) و(السير ٤/٥٣) و(التذكرة ١/٤٨) و(التقريب ٢/٣١) . ٤ وهو: الأسود بن يزيد بن قيس، الإمام القدوة أبو عمرو النخعي الكوفي. وقيل يكنى أبو عبد الرحمن عالم الكوفة، وابن أخي عالمها علقمة بن قيس، وخال إبراهيم النخعي، كان مخضرما أدرك الجاهلية والإسلام. سئل عنه الشعبي فقال: كان صواما قوما حجاجا. توفي ﵀ سنة خمس وسبعين وقيل أربع وسبعين. انظر: (طبقات ابن سعد ٦/٧٠) و(المعارف ٤٣٢) و(السير ٤/٥٠) و(التقريب ١/٧٧) . ٥ وهو جنادة بن أبي أميّة الأزدي الدوسي، واسم ابيه: كبير، ولأبيه صحبة، واختلف في صحبة جنادة، وقال ابن سعد والعجلي وطائفة هو تابعي شامي. قال الذهبي: وهو الصواب، ورجح ذلك أيضا ابن حجر. مات ﵀ سنة ثمانين وقيل سبع وسبعين وقيل غير ذلك. والله أعلم. الطبقات لابن سعد: ٧/٤٣٩، وطبقات خليفة ص ٣٠٥، والسير ٤/٦٢، والتقريب ١/١٣٤.
[ ٣٢٣ ]
حيوة١، وعبد الله بن محيريز٢، وحسان بن عطية٣. وفي كل ناحية قوم مشهورون.
ثم من بعدهم من تأخر عنهم، ولحق متأخري الصحابة موتا وأخذوا
_________________
(١) ١ وهو: الإمام القدوة، الوزير العادل، أبو نصر، رجاء بن حيوة بن جرول وقيل ابن جزل وقيل ابن جندل، الكندي الأزدي ويقال الفلسطيني، شيخ أهل الشام من أجلة التابعين، وكان ثقة عالما فاضلًا. مات ﵀ سنة اثنتي عشرة ومائة. طبقات ابن سعد ٧/٤٥٤، وابن خياط ص ٣١٠، والمعارف ٤٧٢، والتذكرة ١/١١٨، والسير ٤/٥٥٧، وفيات الأعيان ٢/٣٠١ والتقريب ١/٢٤٨. ٢ هو: أبو محيريز عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب الجمحي، وكان إماما، فقيها قدوة، من العاملين ومن سادة التابعين ﵀، كان يتيمًا بمكة ثم نزل بيت المقدس مات سنة تسع وتسعين وقيل بعدها. طبقات ابن سعد ٧/٤٤٧، وابن خياط ص ٢٩٤، والتذكرة ١/٦٨، والسير ٤/٤٩٤، والتقريب ١/٤٤٩. ٣ وهو الإمام الحجة، أبو بكر حسان بن عطية المحاربي مولاهم الدمشقي، كان فقيها عابدا، من ثقات التابعين ومشاهيرهم، وقد رمي بالقدر، قال الذهبي: لعله رجع وتاب. مات بعد العشرين ومائة وربما بقي إلى حدود سنة ثلاثين ومائة ﵀. انظر ترجمته في: (حلية الأولياء ٦/٧٢-٧٩) و(الميزان ١/ ٤٧٩) و(تهذيب التهذيب ٢/١٥١) و(التقريب ١/١٦٢) .
[ ٣٢٤ ]
عن كبار التابعين بعدهم. كالزهري١ بالمدينة وعمرو بن دينار٢ بمكة. وإبراهيم بن يزيد النخعي ٣ بالكوفة، وأيوب السختياني ٤ بالبصرة،
_________________
(١) ١ وهو الإمام محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر القرشي المدني، ولد سنة خمسين كان ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا، من أعلم الناس بالسنة، يقول عمر بن عبد العزيز عليكم بابن شهاب هذا فإنكم لا تلقون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه، وقال مكحول: ما بقي أعلم بسنة ماضية من ابن شهاب، مات ﵀ سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل في وفاته غير ذلك. والله أعلم. انظر: (طبقات ابن سعد: الجزء الذي حققه زياد منصور (طبع المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية ص١٥٧) وتهذيب التهذيب ٩/٤٤٥) و(تذكرة الحفاظ ١/١٠٨) وسير أعلام النبلاء ٥/٣٢٦) و(التقريب ٢/٢٠٧) . ٢ وهو الإمام الكبير الحافظ أبو محمد عمرو بن دينار الجمحي مولاهم المكي الأثرم أحد الأعلام وشيخ الحرم في عصره، ولد سنة خمس أو ست وأربعين وتوفي سنة خمس أو ست وعشرين ومائة. طبقات ابن سعد ٥/٤٧٩، المعارف ٤٦٨، وتذكرة الحفاظ ١/١١٣، والميزان ٣/٢٦٠، وسير أعلام النبلاء ٥/٣٠٠، تهذيب التهذيب ٨/٢٨، التقريب ٢/٨٩. ٣ وهو الإمام الحافظ فقيه العراق أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني ثم الكوفي، أحد الأعلام، مات ﵀ سنة خمس وتسعين. وهو ابن ست وأربعين سنة. (المعارف٤٦٣، تذكرة الحفاظ ١/٧٣، سير أعلام النبلاء ٤/٥٢٠، التهذيب ١/١٧٧) . ٤ هو الإمام الحافظ أبو بكر أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، البصري أحد الأعلام، من طبقة صغار التابعين، ولد سنة ثمان وستين وقيل ست وستين قال فيه الحسن: هذا سيد شباب أهل البصرة، وكان ثقة ثبتا في الحديث، جامعا كثير العلم حجة عدلًا، وكانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون سنة. انظر: طبقات ابن سعد ٧/٢٤٦، تذكرة الحفاظ ١/١٣٠، سير أعلام النبلاء ٦/١٥تهذيب التهذيب ١/٣٩٧، التقريب ١/٨٩.
[ ٣٢٥ ]
ومكحول بالشام١، وخير بن نعيم٢ بمصر، ومعاوية بن صالح٣ بالأندلس.
وفي وقتهم دبت البدع ٤، وقرف آخرون ٥ بشيء منها ولم يصح
_________________
(١) ١ هو عالم أهل الشام أبو عبد الله وقيل أبو أيوب وقيل أبو مسلم بن أبي مسلم الهذلي، الدمشقي، كان فقيهًا حافظًا قال الزهري: العلماء أربعة، ابن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة ومكحول بالشام، قيل كان يرى القدر، لكنه رجع عنه كما يقول الذهبي. قال الأوزاعي: كشفنا عنه فإذا هو باطل – أي رميه بالقدر. مات سنة اثنتي عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائة. طبقات ابن سعد ٧/٤٥٣، التذكرة ١/١٠٧، السير ٥/١٥٥، تهذيب التهذيب١٠/٢٨٩. ٢ وهو خير بن نعيم بن مرة بن كريب الحضرمي، أبو نعيم، ويقال أبو إسماعيل المصري القاضي بمصر وبرقة، كان فقيها صدوقا. مات سنة سبع وثلاثين ومائة انظر: تهذيب التهذيب ٣/١٧٩، التقريب١/٢٣٠. ٣ وهو الإمام الفقيه أبو عمرو، معاوية بن صالح بن حدير، الحضرمي الحمصي، قاضي الأندلس، ولد في خلافة عبد الملك في حدود سنة الثمانين، وكان ﵀ من أوعية العلم ومعادن الصدق مات في سنة ثمان وخمسين ومائة. طبقات ابن سعد ٧/٥٢١، تذكرة الحفاظ١/١٧٦، ميزان الاعتدال ٤/١٣٥، سير أعلام النبلاء ٥/٤٦٦، تهذيب التهذيب ١٠/٢٠٩، التقريب ٢/٢٥٠. ٤ في هذه الفترة: ظهر أربعة من كبار المبتدعين ورؤوسهم: (الجعد ابن درهم (١٢٤هـ) و(واصل بن عطاء ١٣١، مؤسس المعتزلة) و(الجهم بن صفوان ١٢٨) و(مقاتل ابن سليمان ١٥٠) . ٥ قرف: أي اتهم باقتراف شيء من البدع يقال اقترف الذنب إذا أتاه وفعله والاقتراف الاكتساب. (لسان العرب ٩/٢٧٩-٢٨٠) .
[ ٣٢٦ ]
ذلك ثم عمر الله البلاد بالفقه والحديث، فظهر بالمدينة مالك١ بن أنس، وابن أبي ذئب٢ وبمكة/ (٤٨/ب) ابن جريج٣ وسفيان بن عيينة٤.
وبالشام: أبو عمرو الأوزاعي٥، وسعيد بن عبد العزيز٦.
_________________
(١) ١ هو الإمام تقدمت ترجمته. ٢ وهو الإمام الفقيه أبو الحارث، عبد الرحمن بن المغيرة الحارث بن أبي ذئب- واسم ابن أبي ذئب هشام بن شعبة – القرشي العامري المدني كان يفتي بالمدينة وكان عالما ثقة، ولد سنة ثمانين، مات بالكوفة سنة ثمان وخمسين وقيل تسع وخمسين وهو يومئذ ابن تسع وسبعين سنة وكانوا يرمونه بالقدر وما كان قدريا، كما يقول ابن سعد. انظر: (طبقات ابن سعد: القسم المتمم لتابعي المدينة، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية ص ٤١٢) و(المعارف ٤٨٥) تذكرة الحفاظ ١/١٩١) سير أعلام النبلاء ٧/١٣٩) تهذيب التهذيب ٢/١٨٤) . ٣ وهو فقيه أهل مكة في زمانه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو خالد وأبو الوليد، أول من دون العلم بمكة، وصنف الكتب قاله الإمام أحمد، ولد سنة ثمانين عام الجحاف سيل بمكة، مات سنة خمسين ومائة أو بعدها. انظر: المعارف ٤٨٨، التذكرة ١/١٦٩، السير ٦/٣٢٥، الميزان ٢/٦٥٩، تهذيب التهذيب ٦/٤٠٢، التقريب ١/٥٢٠. ٤ وهو الإمام الكبير حافظ العصر، شيخ الإسلام الحجة مطلقا، أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي، كان ﵀ صاحب سنة واتباع وتقدمت له ترجمة. انظر أيضا: طبقات ابن سعد ٥/٤٩٧، المعارف ٥٠٦، التذكرة ١/٢٦٢، الميزان٢/١٧٠، سير أعلام النبلاء ٨/٤٥٤، التهذيب ٤/١١٧. ٥ وهو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام. تقدمت له ترجمة. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/٤٨٨، تذكرة الحفاظ ١/١٧٨، سير أعلام النبلاء ٧/١٠٧، تهذيب التهذيب ٦/٢٣٨. ٦ وهو: أبو محمد سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، ويقال: أبو عبد العزيز، فقيه أهل دمشق، كان لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدم والفقه والأمانة. ولد سنة تسعين للهجرة، كانت وفاته سنة سبع وستين ومائة وقيل بعدها وله بضع وسبعون سنة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/٢١٩، سير أعلام النبلاء ٨/٣٢، الميزان ٢/١٤٩، تهذيب التهذيب ٤/٥٩.
[ ٣٢٧ ]
وبمصر: الليث بن سعد١ وعمرو بن الحارث٢.
وبالكوفة: سفيان بن سعيد الثوري٣.
_________________
(١) ١ هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية، أبو الحارث الليث بن سعد الفهمي، وهو إمام حجة فقيه كثير التصانيف، كان مولده سنة أربع وتسعين بقرقشند قرية بمصر، ومات سنة خمس وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون ﵀. انظر: طبقات ابن سعد ٧/٥١٧، التذكرة ١/٢٢٦، سير أعلام النبلاء ٨/١٣٦، تهذيب التهذيب ٨/٤٥٩، والمعارف ٥٠٥. ٢ وهو العلامة الحافظ الثبت، عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم، المدني الأصل، المصري، عالم الديار المصرية، ومفتيها مع الليث بن سعد، ولد بعد التسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكانت وفاته في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٦/٣٤٩، التذكرة ١/١٨٣، الميزان ٣/٢٥٢، تهذيب التهذيب ٨/١٤. ٣ وهو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه أبو عبد الله سفيان ابن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي المجتهد، أمير المؤمنين في الحديث. وتقدمت له ترجمة موجزة. انظر ترجمته أيضا في: طبقات ابن سعد ٦/٣٧١، المعارف ٤٩٧، سير أعلام النبلاء ٧/٢٢٩، تهذيب التهذيب ٤/١١١.
[ ٣٢٨ ]
وبالصرة: حماد بن زيد بن درهم الأزدي١.
وبخراسان: عبد الله بن المبارك٢.
وكانوا أئمة في العلم، مشاهير بالاتباع، والأخذ عن أمثالهم، وكان في وقتهم علماء لهم تقدم في علوم، واتباع على مذهبهم لكنهم وقعوا في شيء من البدع إما القدر، وإما التشيّع أو الإرجاء عرفوا بذلك فانحطت منزلتهم عند أهل الحق.
وظهر بعد ذلك: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي٣. رحمة الله
_________________
(١) ١ وهو الإمام الثبت، محدث الوقت أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي، وإمام البصرة ورجلها في زمانه، كانت وفاته سنة تسع وسبعين ومائة ﵀. تقدمت له ترجمة قصيرة وانظر: طبقات ابن سعد ٧/٢٨٦، المعارف ٥٠٢، سير أعلام النبلاء ٧/٤٥٦، تهذيب التهذيب ٣/٩. ٢ وهو الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، أبو عبد الرحمن عبد الله المبارك الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي الحافظ الغازي، أحد الأعلام، أعلم أهل المشرق قال فيه الفراء: ما أخرجت خراسان مثل هؤلاء الثلاثة ابن المبارك، والنضر ابن شميل ويحيى بن يحيى. ولد سنة تسع عشرة ومائة وقيل ثماني عشرة، وكانت وفاته إحدى وثمانين منصرفا من الغزو. وقد تقدم له ترجمة موجزة. وانظر ترجمته أيضا في: المعارف ٥١١، سير أعلام النبلاء ١٨/٣٧٨، تهذيب التهذيب ٥/٣٨٢. ٣ الإمام (١٥٠-٢٠٤هـ) تقدمت له ترجمة.
[ ٣٢٩ ]
عليه، وأصحاب أبي حنيفة١، وأصحاب مالك٢، وكثرت العصبية، واضطربت الأمور، وصعب على ناس كثيرظهور مذهب الشافعي، لقيامه بالفقه والحديث واللغة، وشرفه في النسب٣ وكونه مقبولاعند المتبعين من أهل عصره.
ثم ظهر الكلام وأهله وانتشرت/ (٤٩/أ) كتب الفلاسفة٤، وأهل الزيغ في
_________________
(١) ١ كالقاضي: أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (١١٣-١٨٢هـ) . ومحمد بن الحسن الشيباني (١٣٢-١٨٩هـ) . ٢ كعبد الله بن نافع الصائغ (١٢٠-٢٠٦) . وابن وهب (١٢٥-١٩٧) . وابن الماجشون (..-٢١٣) . ٣ وبسبب التعصب طعن البعض في نسب الإمام الشافعي. وممن اقترف ذلك من المتأخرين الشيخ الكوثري. يقول الشيخ عبد الله محمد الصديق الغماري: (وكنا نعجب بالكوثري لعلمه وسعة اطلاعه وتواضعه، كما كنا نكره منه تعصبه الشديد للحنفية تعصبًا يفوق تعصب الزمخشري لمذهب الاعتزال. حتى كان يقول عنه شيخنا الحافظ أبو الفيض: هو مجنون أبي حنيفة ولما أهداني رسالته: (إحقاق الحق) في الرد على رسالة إمام الحرمين في ترجيح مذهب الشافعي) وقرأتها وجدته غمز نسب الإمام الشافعي ونقل عبارة عن زكريا الساجي في ذلك، فلمته على هذا الغمز، وقلت له: إن الطعن في الأنساب ليس برد علمي، فقال لي: متعصب رد على متعصب - قال الشيخ الغماري- فاعترف بتعصبه) . انظر: (بدع التفاسير ١٨٠) . ٤ لا سيما بعد ترجمتها، وانتشارها في عصر الخليفة العباسي المأمون (١٩٨-٢١٨) فاطلع عليها أئمة المعتزلة وشيوخهم وأفادوا منها، وتأثروا بها وظهر ذلك واضحًا في أقوالهم، وأحكامهم، التي لا تخلو من غرابة وشذوذ، وانحراف. يقول الشهرستاني: (ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنًا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام. (الملل ١/٢٩) .
[ ٣٣٠ ]
أيدي الناس، وكثرت المذاهب في الأصول.
فأيد الله سبحانه بمنّه أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني١ ﵀، حتى قام بإظهار المنهاج الأول، وكان جامعًا، قد تقدم في الفقه فنظر في مذهب أبي حنيفة وسفيان٢ أولا، ثم نظر في مذهب مالك، ثم نظر في مذهب الشافعي، واختار لنفسه ما وجده في الحديث، وكان في معرفته مبرزا، وكان شديد الورع، ومتمسكا بآثار السلف، ومتمكنا من العقل والحلم، فنشر ما كان عليه السلف، وثبت في المحنة٣ ولم يأت من عنده بشيء، ولم يعول إلا على السنن الثابتة.
وإنما عرف المذهب به لتفرده بالقيام٤ في وقته وسكوت أترابه عن
_________________
(١) ١ وهو الإمام حقا، شيخ الإسلام صدقا أبو عبد الله. (١٦٤-٢٤١) تقدم. انظر ترجمته أيضا في: طبقات ابن سعد ٧/٣٥٤، طبقات الحنابلة ١/٢٠٤، تذكرة الحفاظ ٢/٤٣١، سير أعلام النبلاء ١١/١٧٧. ٢ هو (ابن عيينة ١٠٧-١٩٨هـ) تقدمت ترجمته. ٣ وهي المحنة المشهورة بمحنة القول بخلق القرآن، والتي اشتدّ أوارها في أواخر عهد المأمون سنة ٢١٨هـ وصدر عهد المعتصم، العباسيين حيث امتحن العلماء، فأجاب بعضهم متأولًا، وأجاب البعض خوفا من السيف، وثبت الإمام أحمد وحمد ابن نوح. انظر: أخبار المحنة: سير أعلام النبلاء ١١/٢٣٢-٢٦٢. ٤ في وجه الباطل، والثبات على الحق والسنة ولا سيما في محنة القول بخلق القرآن كما أشرت.
[ ٣٣١ ]
ذلك، إما لخوف البعض، أو عرفان من/ (٤٩/ب) آخرين (بأنه) ١ أولاهم بما قام به، لتقدمه عليهم في خصال الخير.
واليوم فمن عرف منه لزوم المنهاج٢ وظهرتقدمه في العلوم التي ذكرناها، فهو إمام مقتدى به.
ومن زاغ عن الطريقة وفاوض أهل البدع والكلام، وجانب الحديث وأهله استحق الهجرإن والترك وإن كان متقدما في تلك العلوم.
وأما أئمة الضلالة فالمشركون، والمدعون الربوبية، والمنافقون ثم كل من أحدث في الإِسلام حدثا، وأسس بخلاف الحديث طريقا، ورد أمر المعتقدات إلى العقليات، ولم يعرف شيوخه باتباع الآثار، ولم يأخذ السنة عن أهلها (أو أخذ) ٣ (عنهم) ٤ ثم خالفهم.
وهم فرق، والأصول أربعة: القدرية، والمرجئة، والرافضة، والخوارج ثم تشعبت المذاهب من هذه الأربعة، والكل ضلال.
فكل من رد الأمر إلى نفسه وادعى قدرته على ما يريد، وزعم أن/ (٥٠/أ)
الله سبحانه لم يقدر المعاصي ولم يكتبها، ولم يردها فهو قدري٥.
_________________
(١) ١ في الأصل: (بأنهم) وهو تحريف. ٢ أي: المنهاج المستقيم، باتباع الكتاب واقتفاء السنة. ٣ في الأصل: (وأخذ) وهو تحرف. ٤ في الأصل: الكلمة غير واضحة في الصلب أعادها الناسخ في الحاشية. ٥ القدرية هم الذين يزعمون أن الاستطاعة والمشيئة والقدرة لهم وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر والضر والنفع والطاعة والمعصية، والهدى والضلال بدءًا من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله ﷿، أو في علم الله ﷿. هذا هو مفهوم القدرية عند السلف إذا أطلق وانظر: (السنة للإمام أحمد ٥٠ ضمن شذرات البلاتين) . وهذا المفهوم يتضمن أمرين: الأول: أن القدرية ينفون قدر الله ﷿ ويثبتون قدرتهم على الأفعال واستطاعتهم وإرادتهم لها. الثاني: أنهم ينفون مع ذلك تقدم علم الله بأفعالهم قبل حدوثها. وهذا في الحقيقة هو مذهب الغلاة من القدرية من متقدميهم الذين كانوا يقولون (لا قدر وان الأمر أنف) أي لم يكن الأمر بقدر الله ولم يسبق له علم به. أما جمهور القدرية فإنهم لا ينكرون تقدم علم الله بأفعالهم ويقرون بأن الله علم ما العباد فاعلون قبل أن يفعلوه ٠انظر: فتاوى ابن تيمية (٨/٤٢٩) ويرى القرطبي فيما نقله عنه ابن حجر أن مذهب الغلاة قد انقرض وأنه لا يعرف أحدا من زمانه ينسب إليه. وأن قدرية اليوم مطبقون على تقدم علم الله بأفعال العباد قبل فعلها. انظر: فتح الباري ١/١١٩. وأول ما ظهر الكلام في القدر زمن متأخري الصحابة موتا كابن عمر الذي أنكره وتبرأ ممن قال به، وذلك بعد منتصف القرن الأول. وكان أول من نطق به رجل يقال له سوسن أو سنسوية كان نصرانيًا فأسلم ثم ارتد ثم أخذه عنه معبد الجهني الذي أظهره ونشره بالبصرة. أخرج الآجري عن ابن عون: «أول من تكلم من الناس في القدر بالصرة معبد الجهني وأبو يونس الأسواري» الشريعة ٢٤٣. لذا يقول البعض إن معبد هو أول من اظهر القول في القدر. وقد أخرج الآجري بسنده إلى محمد بن شعيب قال: سمعت الأوزاعي ﵀ يقول: «أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن وكان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد» الشريعة ٢٤٣. رواه أيضا اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٤٩-٧٥٠ حـ ١٣٩٨، وقال محققه أخرجه ابن بطة في الإبانة ٢/٤١٤-٤١٥، وأشار إلى رواية الآجري.. وانظر عن القدرية: الفرق بين الفرق ١١٤.
[ ٣٣٢ ]
وكل من زعم أن الإيمان قول مفرد، أو قول ومعرفة، أو قول وتصديق، أو معرفة مجردة، أو تصديق مفرد، أو أنه لا يزيد ولا ينقص، فهو مرجيء١ وبعضهم٢ جهمي.
وكل من يبغض أبا بكر وعمر (وعثمان) ٣ ﵃ أو واحدًا منهم، وأنكر إمامته وتقدمه وفضله فهو رافضي٤.
_________________
(١) ١ الإرجاء: هو التأخير، يقال: أرجيته وأرجأته إذا أخرته. وسميت المرجئة بذلك لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، وقالوا: لا تضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة. انظر: (الملل والنحل ١/١٣٩) وهم عند صاحب الملل أربعة أصناف:
(٢) مرجئة الخوارج.
(٣) مرجئة القدرية.
(٤) مرجئة الجبرية.
(٥) المرجئة الخالصة في حين جعلهم البغدادي ثلاثة أصناف ولم يذكر منهم (مرجئة الخوارج) . انظر (الملل ١/١٣٩) و(الفرق ٢٠٢) . وأول من أثر عنه القول بالإرجاء في الإيمان غيلان الدمشقي المقتول بعد عام ١٠٥هـ كما قال الشهرستاني. انظر: الملل ١/١٣٩. ٢ وهو من قال إن الإيمان هو المعرفة المجردة فإن هذا قول جهم بن صفوان ت (١٢٨هـ) . انظر: (الملل والنحل ١/٨٨ و(الفرق ٢١١) . ٣ في الأصل: (عمان) وهو تحريف واضح. ٤ وإنما سمي الرافضة بذلك لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر كما يقول الأشعري (المقالات ١/٨٩) ويذكر الرازي قصة تسميتهم بذلك فيقول: (إنما سموا بالروافض لأن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵃ خرج على هشام بن عبد الملك فطعن عسكره في أبي بكر فمنعهم من ذلك، فرفضوه ولم يبق معه إلا مائتا فارس، فقال لهم- أي زيد بن عليّ – رفضتموني قالوا: نعم فبقي عليهم هذا الاسم. (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٥٢) . وقد سئل إمام أهل السنة الإمام أحمد، عن الرافضة من هم فقال: هم «الذين يسبون أو يشتمون أبا بكر وعمر» (السنة لعبد الله بن أحمد ١٩٢) . وقال في «عقيدة أهل السنة»: وأما الرافضة: (فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن عليّ بن أبي طالب أفضل من أبي بكر الصديق وإن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر) . (شذرات البلاتين ٨١) . فمبدأ الرافضة إذن يدور على أمرين الأول: الغلو في عليّ بن أبي طالب ﵁. والثاني: الطعن في أصحاب رسول الله وبالأخص أبي بكر وعمر ﵄. وترجع الجذور التاريخية لهذين المبدأين إلى زمن اليهودي عبد الله بن سبأ الذي يعتبر أول من ابتدع الغلو في عليّ ﵁ والطعن في أبي بكر وعمر. لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأصل الرفض: من المنافقين والزنادقة. فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في عليّ بدعوى الإمامة والنص، وادعى العصمة له. انظر: (الفتاوى ٤/٤٣٥) . بل بلغ من غلوه فيه أن زعم أنه نبي ثم إله، وتبعه على ذلك قوم فلما بلغ ذلك عليا أنكر عليهم وأمر بإحراقهم، ونفى ابن سبأ إلى المدائن. انظر: الفرق ٢١، ٢٣٣، الملل ١/١٧٤.
[ ٣٣٤ ]
وكل من تنقص عثمان أو عليًا وعائشة ومعاوية١ وأبا موسى٢
_________________
(١) ١ هو معاوية بن أبي سفيان الصحابي الجليل، أسلم قبل الفتح وكتب الوحي وتوفي ﵀ خليفة في سنة ٦٠هـ. انظر الإصابة ٣/٤٣٣، والتقريب ٢/٢٥٩. ٢ هو أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري وهو صحابي مشهور وهو أحد الحكمين بصفين وفي ذلك يكمن سر بغض الخوارج له ﵁. مات ﵀ سنة ٥٠هـ وقيل بعدها. الإصابة ٢/٣٥٩، والتقريب ١/٤٤١.
[ ٣٣٥ ]
وعمرو بن العاص١ ﵃ فهوخارجي٢.
ومن تنقص بعضهم ولم يتنقص عثمان وعليًا فهو ضال على أي مذهب كان٣.
وقد روي عن النبي أنه قال: "لعنت القدرية والمرجئة على لسان
_________________
(١) ١ وهو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، صحابي مشهور أسلم عام الحديبية وهو الحكم الثاني في صفين. مات ﵀ بعد الأربعين وقيل بعد الخمسين. تقريب ٢/٧٢. ٢ والخوارج هم: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة واشتهر بهذا اللقب جماعة خرجوا على عليّ ﵁ كانوا معه في حرب صفين، حملوه على قبول التحكيم ثم قالوا له: لم حكمت الرجال لا حكم إلا لله، وكان من أشدهم عليه الأشعث بن قيس الكندي في عصابة معه. وهم فرق عدة لهم آراء في الدين غير صائبة كالقول بتخليد صاحب الكبيرة، ويجمعهم القول بتكفير عليّ بن أبي طالب، وعثمان والحكمين، وأصحاب الجمل، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما والقول بالخروج على الإمام إذاكان جائرًا. انظر عنهم: الملل والنحل١/١١٤، والفرق بين الفرق ٧٢، ٧٣ والمقالات ١/١٦٧. ٣ لأن مذهب أهل السنة وسلف هذه الأمة: حبّ أصحاب رسول الله ﷺ، وذكر محاسنهم كلهم أجمعين والكف عن الذي شجر بينهم فمن سبهم أو أحدًا منهم فهو مبتدع، فحبهم سنة، والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة. هذا هو اعتقاد أئمة السلف كالإمام أحمد. انظر: (السنة شذرات البلاتين ٤٩) وابن المديني، وأبي زرعة وابن أبي حاتم. انظر: شرح أصول اعتقاد اهل السنة ١/١٦٧، ١٨١.
[ ٣٣٦ ]
سبعين نبيا" ١.
وروي عنه في الروافض أنهم مشركون٢.
_________________
(١) ١ طرف حديث روي مرفوعا من طريقين: الأول: عن طريق معاذ بن جبل ﵁ بلفظ: "ما بعث الله تعالى نبيا إلا وفي أمته قدرية ومرجئة إن الله لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًاّ". أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/١٤٢ ح ٣٢٤ وقال الألباني: (إسناده ضعيف) والبيهقي في الاعتقاد ص ١١٧. وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه بقية بن الوليد وهو لين، ويزيد بن حصن لم أعرفه مجمع الزوائد ٧/٢٠٤. والثاني: من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه (ما بعث الله نبيا قبلي فاستجمعت له أمته إلا وكان منهم مرجئة وقدرية يشوشون عليه أمر أمته بعده ألا وإن الله لعن المرجئة والقدية على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم أو أحدهم) . أخرجه: الآجري في الشريعة ص١٤٨. قال الألباني: وهو ضعيف أيضا فيه شهاب ابن خراش في في حفظه ضعف، وسويد بن سعيد أسوأ حالًا منه، ثم ذكر متابعة لسويد بن سعيد عند ابن بطة في الإبانة ٧/٩٦/٢. انظر: (تعليقه على السنة لابن أبي عاصم ١/١٤٣) . وذكره صاحب: تنزيه الشريعة ١/٣١٢ وقال: وروى الهروي في ذم الكلام وقال سمعت يعقوب الحافظ يقوي هذا الحديث. ٢ هو طرف من حديث روي مرفوعًا من حديث عدد من الصحابة منهم: عليّ بن أبي طالب: أخرجه عبد الله بن أحمد في (السنة ص ١٩٢) وابن أبي عاصم (السنة ٢/٤٧٤ ح٩٧٩) وإسناده ضعيف. أم سلمة: أخرجه ابن أبي عاصم (السنة ٢/٤٧٥ ح٩٨٠) وإسناده ضعيف أيضًا. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الفضل بن غانم وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/٢٢) . عن ابن عباس: ابن أبي عاصم (السنة ٢/٤٧٥ ح٩٨١) وإسناده ضعيف. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف، ثم ساقه عنه بلفظ آخر وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن. فاطمة بنت محمد: وقال فيه الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن زينب بنت عليّ لم تسمع من فاطمة فيما أعلم والله أعلم. (المجمع ١٠/٢٢) .
[ ٣٣٧ ]
وروي عنه في الخوارج "أنهم كلاب أهل النار" ١.
_________________
(١) ١ روي مرفوعا من حديث ابن أبي أوفى، وأبي أمامة. فأما حديث ابن أبي أوفى فأخرجه: الإمام أحمد في المسند ٤/٣٥٥. وعبد الله بن أحمد في السنة ص ٢٤٧. والآجري في الشريعة ص ٣٧. وابن ماجه: المقدمة / باب في ذكر الخوارج ١/٦١ح١٧٣. وابن أبي عاصم (السنة / باب المارقة والحرورية ٢/٤٣٨حـ٩٠٤): كلهم من طريق الأعمش عن ابن أبي أوفى به. وقال الألباني: حديث صحيح ورجال إسناده رجال الشيخين غير أن الأعمش لم يسمع من ابن أبي أوفى، وهو مع ذلك مدلس، لكن للحديث إسناد آخر يأتي في الكتاب بعده، وشاهد من حديث أبي أمامة ثم قال بعد أن ذكر الإسناد الآخر: (إسناده حسن، رجاله ثقات وفي حشرج بن نباته كلام من قبل حفظه) . وأما حديث أبي أمامة: فأخرجه: ت/كتاب تفسير القرآن ٥/٢٢٦ ح ٣٠٠٠، وقال: هذا حديث حسن. حم ٥/٢٥٠، ٢٥٣، ٢٥٦، ٢٦٩. جه: المقدمة / باب من ذكر الخوارج ١/٦٢حـ ١٧٦. عبد الله بن أحمد: السنة ٢٥١، ٢٥٢. الآجري: الشريعة ص ٣٥، ٣٦. الطبراني في (الصغير ٢/١١٧) وفي سنده قريب والد الأصمعي منكر الحديث كما في الميزان ٣/٣٨٩. مشكاة المصابيح ٢/١٠٥٥ح ٣٥٥٤ وقال رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن. قال محققه الشيخ الألباني: إسناده حسن.
[ ٣٣٨ ]
وروي عنه أنه قال:" من أحدث حدثًا في ديننا فهو رد عليه "١.
وروي عنه ﵇: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ٢.
_________________
(١) ١ خ: كتاب الصلح/باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ٥/٣٠١ حـ ٢٦٩٧ من حديث عائشة بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . م: كتاب الأقضية / باب نقض الأحكام الباطلة. ورد محدثات الأمور ٣/١٣٤٣ حـ١٣ (١٧١٨) من حديث عائشة بلفظ البخاري. حم: ٦/٢٧٠ مسند عائشة. حه: مقدمة / باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ١/٧ حـ ١٤. د: كتاب السنة / باب لزوم السنة ٥/٤٦٠٦ بلفظ (فيه) بدل (منه) . ٢ طرف من حديث أخرجه: م: كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/٥٩٢ حـ ٤٣ من حديث جابر ابن عبد الله ﵄ وفيه" وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة". د: كتاب السنة / باب لزوم السنة ٥/١٣/٤٦٠٧ من حديث العرباض بن سارية ﵁. حم: ٣/٣٧١ من حديث جابر، و٤/١٢٦ من حديث العرباض. ن: العيدين باب كيفية الخطبة ٣/١٥٣ من حديث جابر. جه: المقدمة / باب اجتناب البدع ١/١٧ حـ ٤٥ من حديث جابر وحـ: ٤٦ من حديث ابن مسعود. دي: المقدمة / باب اتباع السنة ١/٤٤ من حديث العرباض وفي باب كراهية أخذ الرأي ١/٦٩ من حديث جابر.
[ ٣٣٩ ]
فالمتبع للأثر يجب تقدمه وإكرامه، وإن كان صغير السن غير/ (٥٠/ب) نسيب، والمخالف له يلزم اجتنابه وإن كان مسنا شريفا.
والذين بلي كثير من أهل العلم بهم: المعتزلة، وهم أعداء الأثر وأهله، و(كبراؤهم) ١ أبو الهذيل العلاف٢، وجعفر بن مبشر٣، والنظام٤،
_________________
(١) ١ في الأصل (وكبرائهم) وهو خطأ. ٢ وهو محمد بن الهذيل العبدي، كان يلقب بالعلاف لأن داره بالبصرة كانت في العلافين، وكان فصيحا جدلًا كان شيخ البصريين في الاعتزال ومن أكبر علمائهم (١٣٤-٢٣٥هـ) . انظر: طبقات المعتزلة ٥٤-٥٩، وفيات الأعيان: ٤/٢٦٥. ٣ وهو: أبو محمد جعفر بن مبشر الثقفي، من رؤوس المعتزلة، له تصانيف في الكلام، مات سنة ٢٣٤هـ، وإليه وإلى جعفر بن حرب تنسب فرقة الجعفرية من المعتزلة. ترجمته في طبقات المعتزلة ٨١-٨٢، وميزان الاعتدال ١/٤١٤، وانظر عن الجعفرية: الفرق بين الفرق ١٦٧، وميزان الاعتدال ١/٤١٤. ٤ هو: أبو إسحاق إبراهيم بن سيار المعروف – بالنظام - لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة- أخذ الاعتزال عن أبي الهذيل العلاف وكان من أذكياء المعتزلة، وكان واسع الاطلاع على كتب الفلاسفة، فقرر مذهبهم في القدر، وتبعه عليه خلق، وإليه تنسب النظامية من طوائف المعتزلة. مات ما بين سنة ٢٢١-٢٢٣هـ. وانظر عنه وعن مذهبه طبقات المعتزلة ٤٩-٥٢، النجوم الزاهرة ٢/٢٣٤، والعبر ١/٣١٥، ٤٥٦، والفرق بين الفرق ١٣١، والمقالات ١/٢٤٧، واعتقادات فرق المسلمين ٤١.
[ ٣٤٠ ]
والجاحظ١، وأبو علي الجبائي٢، وابنه أبو هاشم٣، وأبو القاسم الكعبي البلخي٤ وقبل هؤلاء: عمرو بن
_________________
(١) ١ وهو: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني المعروف بالجاحظ، أبو عثمان البصري، أخذ الاعتزال عن النظام وغيره، وإليه تنسب الفرقة المعروفة من فرق المعتزلة، وله تصانيف كثيرة. مات سنة ٢٥٥ وقد بلغ التسعين وقيل أكثر. ترجمته في: طبقات المعتزلة ٦٧، وفيات الأعيان ٣/٤٧٠، وراجع عن فرقته: الفرق بين الفرق ١٧٥، والملل والنحل ١/٧٥، والتبصير ٤٩، واعتقادات فرق المسلمين ٤٣. ٢ وهو: أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، نسبة إلى جبي (بضم الجيم وتشديد الباء) بلد من أعمال خوزستان، وهو شيخ المعتزلة، وهو الذي سهل علم الكلام وذلَّلَه ويسره وكان معروفا بقوة الجدل. وإليه تنسب الجبائية من المعتزلة. توفي سنة ٣٠٣هـ انظر ترجمته في: طبقات المعتزلة ٨٥-٩٠، وفيات الأعيان ٣/٣٩٨، العبر ٢/١٢٥، شذرات الذهب ٢/٢٤١. وراجع عن فرقته: الفرق بين الفرق ١٨٣، والملل والنحل ١/٧٨، والتبصير ٥٢، واعتقادات فرق المسلمين ٤٣، والمقالات ١/٢٣٦، ٢٧٧، ٢٧٩. ٣ وهو: أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، كان من كبار المعتزلة، ولد سنة ٢٤٧ وتوفي سنة ٣٢١ ببغداد. إليه تنسب البهشمية من المعتزلة. وانظر ترجمته في الفهرست ٢٤٧، طبقات المعتزلة ١٠٠، وفيات الأعيان ٣/١٨٣، العبر ٢/١٨٧، ميزان الاعتدال ٢/٦١٨، شذرات الذهب ٢/٢٨٩. وانظر عن البهشمية: الفرق بين الفرق ١٨٤، والملل والنحل ١/٧٨ مع الجبائية، والتبصير٥٣، اعتقادات فرق المسلمين ٤٤. ٤ وهو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، والكعبي (بفتح الكاف وسكون العين)، نسبة إلى بني كعب والبلخي: (بفتح الباء الموحدة وسكون اللام بعدها خاء معجمة) نسبة إلى بلخ إحدى مدن خراسان. وهو شيخ من شيوخ المعتزلة ورأس طائفة منها عرفت بالكعبية. توفي سنة ٣١٧ وقيل ٣١٩. وانظر ترجمته في: طبقات المعتزلة ٨٨، وفيات الأعيان ٣/٤٥، والعبر ٢/١٧٦، شذرات الذهب ٢/٢١٨. وانظر عن الكعبية: الفرق بين الفرق ١٨١، والتبصير ٥١، والملل والنحل ١/٧٦ مع الخياطية.
[ ٣٤١ ]
عبيد١، وواصل بن عطاء٢.
وبعدهم: أبو عبد الله البصري٣ وأبو القاسم الواسطي٤.
_________________
(١) ١ وهو أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب المتكلم الزاهد المشهور، كان جده من سبي كابل، شارك واصل بن عطاء في ضلالته وزاد عليه أشياء. وكان شيخ المعتزلة في وقته، وإليه تنسب العمروية من المعتزلة. وكانت ولادته سنة ٨٠هـ ووفاته سنة ١٤٤ وقيل: ٢، ٣، ٨، وأربعين ومائة. وانظر ترجمته في: المعارف ٤٨٢، وتاريخ بغداد ١٢/١٦٦، وطبقات المعتزلة ٣٥، والعبر ١/١٩٣، والميزان ٣/٢٧٣، وفيات الأعيان ٣/٤٦٠، والشذرات ١/٢١٠. وراجع عن فرقته: الفرق بين الفرق ١٢٠، والملل ١/٤٩ مع النظامية والتبصير ٤٢، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٤٠. ٢ وهو: واصل بن عطاء الغزال، شيخ المعتزلة، وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، ولد بالمدينة سنة ٨٠هـ وتوفي سنةإحدى وثلاثين ومائة، وإليه تنسب الواصلية من المعتزلة. وانظر ترجمته في: ميزان الاعتدال ٤/٣٢٩، ولسان الميزان ٦/٢١٤. وانظر عن فرقته: الفرق بين الفرق ١١٧، والملل والنحل ١/٤٦، والتبصير ٤٠، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٤٠. ٣ هو أبو عبد الله الحسين بن علي البصري، المعروف بالكاغدي، وكان من أهل البصرة، فقيها متكلما عالي الذكر، انتهت إليه رئاسة أصحابه في عصره، كان مولده سنة ٣٩٩، وفي طبقات المعتزلة ٣٦٧، وقيل ٣٦٩ ورجحه محقق شرح الأصول الخمسة انظره ص ١٧. ٤ ذكره ابن المرتضى في: (باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل) ص ٦٤، في ترجمة أبي القاسم السيرافي من رجال الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة.
[ ٣٤٢ ]
وبعدهما: الصاحب إسماعيل بن عباد١، وعبد الجبار الأسدي٢، كل هؤلاء دعاة إلى الضلالة.
ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع. وضررهم أكثر من ضرر (المعتزلة) ٣ وغيرهم، وهم: أبو محمد بن كلاب٤،
_________________
(١) ١ وهو الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد، وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد، فقيل له صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علمًا عليه. وقيل إنما سمي بذلك لصحبته مؤيد الدولة من صباه. ولد سنة ست وعشرين وثلاثمائة بإصطخر، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وكان أديبا بارعا له تصانيف في الأدب والسياسة وله كتاب في فضائل عليّ وآخر في أسماء الله وصفاته. ترجمته في: وفيات الأعيان ١/٢٢٨، معجم الأدباء ٢/٢٧٣-٣٤٣، المنتظم ٧/١٧٩ وأنباه الرواة ١/١٠١، ولسان الميزان ١/٤١٣، الأعلام ١/٣١٣. ٢ وهو: أبو الحسن القاضي عبد الجبار بن أحمد بن الخليل الهمذاني الأسدأبادي نسبة إلى همذان وهي مدينة مشهورة بخراسان. (معجم البلدان ٤/٩٨١) والأنساب ٥٩٢ والأسد أبادي، نسبة إلى أسد أباد وهي بلدة كبيرة على منزل من همذان (معجم البلدان ١/٢٤٥) و(السمعاني ٣٢) و(اللباب ١/٥٢) انتهت إليه رئاسة المعتزلة في عصره، ألف في أصولهم: (المغني) وشرح الأصول الخمسة وكانت وفاته سنة ٤١٥ وقيل ٤١٦ وقد جاوز التسعين. انظر ترجمته في: طبقات المعتزلة ١١٨-١٢٠، طبقات الشافعية ٣/٢١٩، لسان الميزان ٣/٣٨٦، وتاريخ بغداد ١١/١١٣، شذرات الذهب ٣/٢٠٢) . ٣ في الأصل (المعزلة) وهو تصحيف. ٤ تقدمت ترجمته ص ١١٥.
[ ٣٤٣ ]
وأبو العباس القلانسي١، وأبو الحسن الأشعري٢.
وبعدهم: (محمد٣ بن أبي تريد٤ بسجستان٥ وأبو عبد الله بن مجاهد٦ بالبصرة.
وفي وقتنا: أبو بكر بن الباقلاني٧ ببغداد، وأبو إسحاق الاسفرائيني٨
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص ١١٦. ٢ تقدمت ترجمته ص ١١٦. ٣ في الأصل (أحمد) وهو تحريف. والتصويب من ترجمته. ٤ وهو: محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي (بفتح الميم وضم التاء وكسر الراء) محلة بسمرقند يقال لها ما تريد، وما تريت انظر: (اللباب ٣/١٤٠) وهو من أئمة المتكلمين، وإليه تنسب الماتريدية وله مؤلّفات منها (التوحيد) و(أوهام المعتزلة) و(مآخذ الشريعة) وغير ذلك. مات سنة ٣٣٣هـ. انظر ترجمته في: (الفوائد البهية ١٩٥) و(الأعلام ٧/٢٤٢) . ٥ سجستان: بكسر أوله وثانيه: ناحية كبيرة وولاية واسعة تقع جنوبي هراة. انظر: (معجم البلدان ٣/١٩٠) . ٦ وهو: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد أبو عبد الله الطائي، المتكلم، صاحب أبي الحسن الأشعري، وهو من أهل البصرة سكن بغداد وعليه درس القاضي الباقلاني الكلام، كانت وفاته سنة ٣٧٠. ترجمته في: (تبيين كذب المفتري ١٧٧) و(الديباج المذهب ٢/٢١٠) . ٧ تقدمت ترجمته ص ١٦٣. ٨ هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، أبو إسحاق الإسفرائيني الملقب بركن الدين، كان أحد أئمة الأشاعرة الكبار في الكلام والأصول، وكان فقيها شافعيا. أخذ عنه الكلام عامة شيوخ نيسابور، وله تصانيف منها: كتاب: (الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين) . كانت وفاته بنيسابور سنة ٤١٨. انظر ترجمته في: (تبيين كذب المفتري ٢٤٣، وفيات الأعيان ١/٢٨، وطبقات الشافعية للسبكي ٣/١١١، وشذرات الذهب ٣/٢٠٩) .
[ ٣٤٤ ]
وأبو بكر بن فورك١ بخراسان٢ فهؤلاء / (٥١/أ) يردون على (المعتزلة) ٣ بعض أقاويلهم. ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردّوه على المعتزلة.
وظهر بعد هؤلاء: الكرامية٤، والسالمية٥ فأتوا بمنكرات من القول.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص ١٦٩. ٢ خراسان: وهي بلاد كبيرة من الري إلى مطلع الشمس. معناها: (خر) اسم للشمس بالفارسية وأسان موضع الشيء ومكانه، وقيل معناها كل بالرفاهية، والأول أصح. (اللباب ١/٤٢٩) وقال الحموي: هي بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق أزاذوار قصبة جوين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، قال: وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها وتشمل على أمهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو وغيرها. انظر: معجم البلدان ٢/٣٥٠. ٣ في الأصل (المعزلة) وهو تحريف. ٤ الكرامية: (بفتح الكاف والراء المشددة) فرقة من المبتدعة، تنسب إلى زعيمها ومؤسس ضلالاتها: أبي عبد الله محمد ابن كرام السجستاني، المتوفى سنة ٢٥٥هـ، وكان يتظاهر بالزهد، خرج من سجستان مطرودًا أيام محمد بن طاهر وورد نيسابور وراجت بدعته هناك وتبعه خلق كثير. ومن أشهر ضلالاته: القول بالمماسة وهي أن الله مماس للعرش، والقول بأن الإيمان قول باللسان وإن اعتقد بقلبه الكفر، وغير ذلك. والكرامية: طوائف عدهم بعض مؤلفي الفرق: اثنتي عشرة فرقة وذكر البغدادي أنهم ثلاث فرق، وكلهم على ضلالة. وراجع عنها: الفرق بين الفرق ٢١٥، والملل والنحل ١٠٨، والفصل ٤/٢٠٤. وانظر ترجمة ابن كرام في: ميزان الاعتدال ٤/٢١، والعبر ١/١٠، ولسان الميزان ٥/٣٥٣. ٥ وهم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم (المتوفى سنة ٢٩٧) وابنه الحسن بن أحمد بن سالم (المتوفى سنة ٣٥٠) ويميل السالميون في مذهبهم إلى التشبيه والمزج بين كلام المعتزلة وأهل السنة. وفيهم نزعة صوفية. انظر: شذرات الذهب ٣/٣٦، والفرق بين الفرق ١٥٧، ٢٠٢، وطبقات الصوفية ٤١٤-٤١٦ والطبقات الكبرى للشعراني١٠/١٢٩، واللمع للسراج ٤٧٢-٤٧٦ ودرء تعارض العقل ١/١٣.
[ ٣٤٥ ]
وكلهم أئمة ضلالة يدعون الناس إلى مخالفة السنة وترك الحديث وإذا خاطبهم من له هيبة وحشمة من أهل الاتباع قالوا: الاعتقاد ما تقولونه وإنما نتعلم الكلام لمناظرة الخصوم. والذي يقولونه (كذب) ١ وإنما يستترون بهذا لئلا يشنع عليهم أصحاب الحديث.
فمن أنكر قولي فليأت بحديث موافق لما قالوه، ولا يجد إلى ذلك والحمد لله سبيلا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" أخاف على أمتي الأئمة المضلين "٢.
ثم قد دخل في مذاهبهم خلق كثير (ممن) ٣ يتظاهر بالفقه والحديث
_________________
(١) ١ في الأصل (كذبا) وهو خطأ. ٢ وهو طرف من حديث ثوبان ﵁ أخرجه: د: كتاب الملاحم/ باب ذكر الفتن ودلائلها: ٤/٤٥٠حـ٤٢٥٢. ت: كتاب الفتن / باب ما جاء في الأئمة المضلين ٤/٥٠٤ حـ ٢٢٢٩. وقال أبو عيسى: (وهذا حديث حسن صحيح) . حم: ٥/٢٧٨، ٢٨٤، ومن حديث شداد بن أوس ٤/١٢٣. جه: المقدمة / باب ما يكون من الفتن ٢/١٣٠٤ حـ٣٩٥٢. دي: المقدمة / باب كراهية أخذ الرأي ١/٧٠. دي: الرقائق / باب في الأئمة المضلين ٢/٣١١. ٣ في الأصل (فيمن) .
[ ٣٤٦ ]
فمنهم من أظهر ذلك وعرف به، ومنهم المنكرأنه منهم في الظاهر، وهويعضدهم في الباطن، ويثني عليهم في الباطن، يرضى لنفسه بالكذب والنفاق.
ويتعلق قوم من المغاربة علينا بأن أبا محمد بن أبي زيد١ وأبا الحسن (القابسي) ٢ قالا: إن الأشعري إمام٣ وإذا بان صحة حكايتهم / (٥١/ب) عن
_________________
(١) ١ وهو: أبو محمد عبد الله بن أبي زيد، واسم أبي زيد عبد الرحمن، وهو إمام المالكية في وقته، كان يلقب بمالك الصغير، فهو جامع مذهب مالك وشارح أقواله وله تصانيف كثيرة منها (الرسالة) وله (رسالة النهي عن الجدل) ورسالة في الرد على القدرية، ورسالة في (أصول التوحيد) توفي ﵀ سنة ٣٨٦، وانظر ترجمته في: الديباج المذهب ١/٤٢٧-٤٣٠ وترتيب المدارك ٢/٤٩٢-٤٩٧. وتاريخ التراث لسزكين ٢/١٥٤. ٢ في الأصل (القلانسي) وهو تحريف. وهو أبو الحسن عليّ بن محمد بن خلف المعافري المعروف بابن القابسي، كان علامة المغرب في وقته إماما في علم الحديث متونه وأسانيده وجميع ما يتعلق به وصنف «ملخص الموطأ) وأحكام الديانة، و(المنقذ من شبه التأويل) . وكانت ولادته سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ووفاته سنة ثلاث وأربعمائة بمدينة القيروان، وقد بلغ الثمانين أو نحوها. انظر: ترجمته في: (ترتيب المدارك ٢/٦١٦) و(وفيات الأعيان ٣/٣٢٠) و(التذكرة ٣/١٠٧٩) و(اللباب ٣/٥) و(الرسالة المستطرفة ١٢) وشذرات الذهب ٣/١٦٨) و(تاريخ التراث لسزكين ٢/١٦٢) و(تاريخ الأدب العربي بروكلمان ٣/٢١٧) . ٣ ذكر ابن عساكر: لأبي محمد بن أبي زيد: رسالة كتبها جوابًا لعليّ بن أحمد البغدادي المعتزلي قال فيها: (هو يعني الأشعري – رجل مشهور أنه يرد على أهل البدع وعلى القدرية والجهمية، متمسك بالسنة) انظر: تبيين كذب المفترى ١٢٢-١٢٣. وذكر ابن عساكر أيضًا عن محمد بن موسى بن عمار الكلاعي المايرقي: أن لأبي الحسن القابسي رسالة في أبي الحسن الأشعري ﵀ أحسن الثناء عليه وذكر فضله وإمامته. وقال ابن عساكر: قرأت بخط بعض أهل العلم بالفقه والحديث من أهل الأندلس في جواب سؤال سئل عنه أبو الحسن عليّ الفقيه القيرواني المعروف بابن القابسي وهو من كبار أئمة المالكية بالمغرب سأله عنه بعض أهل تونس من بلاد المغرب فكان في جوابه له أن قال: «واعلموا أن أبا الحسن الأشعري ﵁ لم يات من هذا الأمر يعني الكلام إلا ما أراد به إيضاح السنن والتثبيت عليها ودفع الشبه عنها فهمه من فهمه بفضل الله عليه وخفي عمن خفي بقسم الله وما أبو الحسن الأشعري إلا واحد من جملة القائمين بنصر الحق ما سمعنا من أهل الإنصاف من يؤخره عن رتبته تلك ولا من يؤثر عليه في عصره غيره ومن بعده من أهل الحق سلكوا سبيله في القيام بأمر الله غز وجل والذب عن دينه حسب اجتهادهم قال وأما قولكم وإن كان التوحيد لا يتم إلا بمقالة الأشعري فهذا يدل على أنكم فهمتم أن الأشعري قال في التوحيد قولًا خرج به عن أهل الحق فإن كان قد نسب هذا المعنى عندكم إلى الأشعري فقد أبطل من قال ذلك عليه، لقد مات الأشعري ﵁ يوم مات وأهل السنة باكون عليه وأهل البدع مستريحون منه، فما عرفه من وصفه بغير هذا» .المصدر السابق ١٢٢-١٢٣. وقال ابن فرحون في ترجمة الأشعري: «وكان أبو الحسن القابسي يثني عليه وله رسالة في ذكره لمن سأله عن مذهبه فيه أثنى عليه وأنصف وأثنى عليه أبو محمد بن أبي زيد وغيره من أئمة المسلمين» . الديباج المذهب ٢/٩٤-٩٦. ولم أجد أيا من الرسالتين، ولم أطلع على من ذكرهما غير من ذكرت سوى السبكي نقلًا عن ابن عساكر. انظر: طبقات الشافعية ٢/٢٥٦. ولعل هذه الرسالة هي ما ورد في ثبت مؤلفات أبي محمد باسم (مناقضة رسالة البغدادي المعتزلي) انظر: المدارك ٢/ ٤٩٤، وما ذكر من ثنائهما على أبي لالحسن الأشعري. غير مستبعد سيما وقد نقله عنهما من ذكرت، وإنما أثنوا عليه لموافقته السنة وانتصاره لمذهب السلف وذبه عن الحق ورده على المعتزلة وتفنيده لباطلهم ومقارعته لحججهم، وذلك أمر مشهور عنه ﵀ مدون في كتبه، لا ينكر فضله، ولا يغمط حقه. فكل من أحب الأشعري وأثنى عليه أو انتصر له من أهل العلم المعروفين بالاتباع فإنما يحبه ويثني عليه إما لموافقته لأهل السنة والحديث، وإما لرده على من خالف السنة والحديث وبيانه تناقض حججهم أو لكلا الأمرين. ومن تكلم فيه أو ذمه من أهل العلم، فإنما تكلم فيه بقدر مخالفته للسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن تُكُلِّم فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلم فيه أهل الإيمان لمخالفته السنة والشريعة – قال – وبهذا ذم السلف والأئمة: أهل الكلام والمتكلمين الصفاتيه، كابن كرام، وابن كلاب، والأشعري، وما تكلم فيه من تكلم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين فيها من جميع طوائف الفقهاء، وأهل الحديث والصوفية إلا بما يقولون أنهم خالفوا فيه السنة والحديث لخفائه عليهم، أو إعراضهم عنه، أو لاقتضاء أصل قياس – مهدوة – رد ذلك كما يقع نحو ذلك في المسائل العلمية – قال- فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النص إنما يكون لعدم علمه به أو لاعتقاده صحة ما عارضه» . انظر: الفتاوى ٤/١٤-١٥. ومعلوم أن أبا الحسن الأشعري ﵀ كان من كبار المعتزلة ومتكلميهم، ثم سلك طريقة ابن كلاب، ثم انتقل إلى مذهب أهل السنة فكان كما يقول ابن تيمية له خبرة مفصلة بالكلام مجملة بالحديث، انظر: درء التعارض ٧/٤٦٢. لذا وقع في كلامه ما أنكره عليه بعض أهل العلم، فلم يكن في جميع مذهبه وآرائه على السنة المحضة بل كان له من الانتصار للسنة والموافقة للحديث وأهله ما حمد لأجله، ووقع في قوله من المخالفة ما ذم لأجله أيضا. وذلك كقوله في مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذاته تعالى مثل كونه يتكلم بمشيئته ﷾، فإن الأشعري مع إثباته لكلام الله سبحانه وأنه غير مخلوق إلا أنه نقل عنه أن كلامه معنى واحد قائم بذاته لا يتعلق بمشيئة. انظر أيضا: الفتاوى ١٣/١٣١. وربما كان حمل ما ورد عنه من ذلك على أن ذلك قوله قبل أن ينتقل إلى مذهب السلف أولى.
[ ٣٤٧ ]
هذين فلا (يخلو) ١ حالهما من أحد وجهين: أن يدعى أنهماكانا على مذهبه فلا يحكم بقولهما بإمامته، وإن كانت لهما منزلة كبيرة كما لم يحكم بما يقول ابن الباقلاني وأشكاله٢.
وإما أن يقر بأنهما مخالفان له في الاعتقاد فقولهما بعد ذلك (انه) ٣ إمام لا يؤثر شيئا يفرح به٤.
وهذه رسالة أبي محمد بن أبي زيد في الفقه، ورسالة الأبي الحسن القابسي في الاعتقاد، موجودتان٥.
_________________
(١) ١ في الأصل (يخلوا) بإثبات الألف وهو تحريف. ٢ في الأصل كلمة غير واضحة ورسمها مقارب لما أثبت. ٣ في الأصل الكلمة غير واضحة اجتهدت في تقديرها بما يناسب السياق. ٤ ويمكن أن يحمل قولهما بإمامته. على أنهما قالاه بعد أن ثبت رجوعه إلى مذهب السلف. وهو أظهر. ٥ أما رسالة ابن أبي زيد: فمطبوعة متداولة وهي مشهورة بـ (الرسالة) وأما القابسي فله كتاب (أحكام الديانة) و(المنقذ من شبه التأويل) و(كتاب المنبه للفطن من غوائل الفتن) و(كتاب الاعتقادات) و(أحكام المتعلمين والمعلمين) انظر: (ترتيب المدارك ٢/٦١٨-٦١٩) ذكر الأخيرة بركمان وسزكين باسم الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين.
[ ٣٥٠ ]
فأبو محمد قال في رسالته: «إن الله فوق عرشه بائن من خلقه» ١.
وعند الأشعري أن اعتقاد هذا كفر٢ وعندنا أن أبا محمد محق فيما قال، والسنة معه فيه.
ولأبي محمد كتاب في (إنكار) ٣ الكلام والجدال والحث على الأثر واتباع السلف٤.
وأبو الحسن القابسي ذكر في كتابه: «إن الاعتماد على السمع وإن الكلام والجدال مذموم وذكر فيه «إن لله يدين كما يقول أهل الأثر» .
وعند بعض أصحاب الأشعري أن لله يدًا واحدة، ومن قال إن له يدي صفة ذاتيه فهو زائغ٥.
_________________
(١) ١ في الرسالة (وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه) . انظر الرسالة مع شرحها الثمر الداني ص١١. وفي كتاب الجامع له أيضا: «وأنه فوق سمواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه» ص١٠٨. ٢ تقدم نحوه انظر التعليق غليه ص ١٣٠. ٣ هذه الكلمة مكررة في الأصل حذفت إحداهما. ٤ له (رسالة النهي عن الجدال) انظر: (الديباج المذهب ١/٤٢٧-٤٣٠) ومقدمة محققي (كتاب الجامع ص٤٧، وترتيب المدارك ٢/٤٩٤) وله كتاب (الاقتداء بأهل السنة) انظر: نفس المصدر. ٥ تقدم الكلام على هذه المسألة انظر ص ٢٦٣.
[ ٣٥١ ]
فبان بما ذكرنا أن هذين الشيخين/ (٥٢/أ) رحمهما الله (إن) ١ قالا ما يحكى عنهما من إمامة الأشعري فإنما قالاه لحسن ظنهما به، لتظاهره بالرد على المعتزلة، والروافض، ولم يخبرا مذهبه، ولو خبراه لما قالا ما قالاه والله أعلم٢.
وإذا جاز لأبي محمد أن يخالفه في كرامات الأولياء٣ وفي معنى
_________________
(١) (إن) ليست في الأصل زدتها لاقتضاء السياق. ٢ الأولى أن يحمل ذلك على أنهما قالا ذلك فيه بعد رجوعه إلى السنة ونصرته لها. كما سبق وأن أشرت إلى ذلك. ٣ يشير إلى ما أشيع عن ابن أبي زيد من أنه أنكر الكرامات، حيث ألف ﵀ كتابي «الكشف» و«الاستظهار» في الرد على عبد الرحيم الصقلي ونقض كتابه في خوارق العادات. ففهم بعض المتصوفة، وكثير من أصحاب الحديث أنه ينكر كرامات الأولياء وشنعوا عليه لذلك. وألف في الرد عليه كثير من أهل الأندلس وأهل المشرق، كأبي الحسن ابن جهضم الهمداني، وأبي بكر الباقلاني، وأبي عمر الطلمنكي وغيرهم، بيد أن تأليف الباقلاني لم يكن ردًا عليه أكثر منه توضيحا لقصده وشرح مراده، لذا يقول القاضي عياض «وكان أرشدهم – يعني الذين تصدوا للرد على ابن أبي زيد، وإيضاح مراده – في ذلك وأعرفهم بغرضه ومقداره إمام وقته أبو بكر بن الخطيب اباقلاني فإنه بين مقصوده» . ترتيب المدارك للقاضي عياض ٢/٤٩٥. بينما يرى الطلمنكي أن تلك هنة وقعت منه ﵀ جره إليها الجدل ومناظرة الخصوم. ثم رجع عن القول بذلك. فيقول: كانت تلك من أبي محمد نادرة لها أسباب أوجبها نفي الكرامات – بل من طالع كتابه عرف مقصده. قلت: لذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية عند كلامه على هذه المسألة يقول بعد أن ذكر من أنكر الكرامات من المعتزلة: «بل يحكي هذا القول عن أبي إسحاق الاسفرائيني وأبي محمد ابن أبي زيد ولكن كأن في الحكاية عنهما غلطا» . النبوات ص ٥. ونخلص من ذلك إلى احتمالين: الأول: أن ابن أبي زيد لم ينكر الكرامات الثابتة للصالحين وإنما أنكر ما يدعيه أهل البدع من وقوع خوارق العادات واعتبارها كرامات لهم، فلم يفهم كثير مقصوده ونسب إليه القول بإنكار الكرامات. وهذا الرأي يميل إليه الباقلاني والقاضي عياض وابن تيمية. كما سبق. الثاني: أنه وقع منه ذلك، لأسباب منها داعي المناظرة والجدال والإلزام لكنه رجع عن ذلك وهذا ماذهب إليه الطلمنكي. وعلى كلى الاحتمالين فلا يعتبر منكرًا لكرامات الأولياء لأنه إما لم يكن وقع ذلك منه أصلا، أو يكون قد وقع منه ورجع عنه. والله تعالى أعلم.
[ ٣٥٢ ]
الاستواء، وغير ذلك، وجاز لأبي محمد مخالفته، والقول بما نطق به الكتاب، وثبت به الأثر.
(فهو) ١ غيرقائل بإمامته في السنة. وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ في الأصل (وهو) وهو تحريف.
[ ٣٥٣ ]
الفصل الحادي عشر: في الحذر من الركون إلى كل أحد، والأخذ من كل كتاب لأن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشر
اعلموا رحمنا وإياكم الله سبحانه، أن هذا الفصل من أولى هذه الفصول بالضبط لعموم البلاء، وما يدخل على الناس بإهماله، وذلك أن أحوال أهل الزمان قد اضطربت، والمعتمد فيهم قد عز، ومن يبيع دينه بعرض يسير، أو تحببا إلى من يراه قد كثر (والكذب على المذاهب قد انتشر فالواجب) ١ على كل مسلم يحب الخلاص (أن) ٢ لا يركن إلى كل أحد ولا يعتمد على كل كتاب، ولا يسلم عنانه إلى من أظهر له الموافقة.
فلقد وقفت على رسالة عملها رجل/ (٥٢/ب) من أهل أصبهان يعرف بابن اللبان٣ وهو حي بعد فيما بلغني، وسماها «بشرح مقالة الإمام الأوحد أبي
_________________
(١) ١ هذه العبارة في الأصل فيها اضطراب ونصها هكذا: (الكذب على المذاهب وقد فالواجب) والتصويب مستوحى من عنوان الفصل الوارد في مقدمة المؤلف، وقد أثبته في أول الفصل. (أن) ليست في الأصل والسياق يقتضيها. ٣ وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، أبو محمد الوائلي البكري الأصبهاني المعروف بابن اللبان – نسبة إلى بيع اللبن. (اللباب ٣/ ١٢٦-١٢٧) قال الخطيب: كان أحد أوعية العلم ومن أهل الدين والفضل، أخذ عن أبي بكر الباقلاني علم أصول الديانات وأصول الفقه، ودرس فقه الشافعي على ابي حامد الاسفرائيني وكان متدينًا حافظًا للقرآن حسن الصوت به، ومات بأصبهان سنة ست وأربعين وأربعمائة. انظر ترجمته في: (تبيين كذب المفتري ٢٦١) و(طبقات الشافعية السبكي ٣/ ٢٠٧) و(التذكرة ٣/ ١١٢٤) و(اللباب ٣/ ١٢٧) وشذرات الذهب ٣/ ٢٧٤) و(الأعلام ٤/ ٢٦٦) .
[ ٣٥٧ ]
عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل» ١ وذكر فيها مذهب الأشعري المخالف لأحمد (أعطى) ٢ منها نسخا إلى جماعة يطوفون بها في البلاد، ويقولون هذا إمام من أئمة (أصحاب) ٣ أحمد رحمة الله عليه، قد شرح مقالته ليكتبها العوام ويظنوا صدق الناقل فيقعوا في الضلالة. وأُخرج هذا الرجل من بغداد بهذا السبب٤ وعاد إلى أصبهان، وهو من أصحاب أبي بكر بن الباقلاني٥.
وههنا بمكة معنا من٦ شغله برواية الحديث أكثر وقته
_________________
(١) ١ لم أجد من نسبها إليه ممن ترجم له، وذكر ابن عساكر عن الخطيب أن له كتبًا كثيرة. انظر: (التبيين ٢٦١) . ٢ في الأصل: (اعطا) . ٣ في الأصل: بالحاشية. ٤ لم أجد من ذكر ذلك ممن ترجم له، وذكر ابن عساكر عن الخطيب أنه أدرك شهر رمضان من سنة ٤٢٧ ببغداد، فصلى بالناس التراويح في جميع الشهر، ثم ذكر وفاته بأصبهان. انظر: (تبيين كذب المفتري ٢٦١) . ٥ أخذ عنه علم الكلام وأصول الفقه. كما هو في ترجمته. ٦ لعله يشير إلى أبي ذر عبد بن أحمد الهروي (٣٥٥ – ٤٣٤ هـ) الذي جاور بمكة واشتغل بعلم الحديث، وخرج على الصحيحين، وله مستدرك عليهما، وكان حافظًا كثير الشيوخ، لكنه التقى في بغداد بأبي بكر بن الباقلاني وتردد عليه، وأخذ عنه طريقته في الكلام، وأدخلها إلى الحرم وعنه أخذها أهل المغرب، روى أبو إسماعيل الهروي عن أبي أسامة المكي: أن أبا ذر أول من حمل الكلام إلى الحرم وأول من بثه في المغاربة. انظر: (درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٧١) . وكان قد وقع بين أبي ذر وأبي نصر السجزي – المصنف – خلاف معروف في مسألة اللفظ فكان أبو ذر ينصر القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، وأبو نصر ينصر القول بأن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، وصنف كتابه المشهور بالإبانة في ذلك، وإن كان الحق في مسألة اللفظ عدم إطلاق الأمرين والاكتفاء بالقول بأن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وكان الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، كما تقدم لنا ذكر ذلك. راجع (درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٦٨ – ٢٧١) . وانظر: ترجمة أبي ذر ومسألة اعتناقه مذهب الباقلاني في: (تبيين كذب المفتري ٢٥٥) و(المدارك ٢/ ٦٩٦) و(تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٠٣) لكن قول المصنف هنا (يصيح أنه ليس بأشعري) يجعلنا لا نجزم بأن المراد هو أبو ذر الهروي؛ لأن أبا ذر لم ينكر أنه أشعري، بل صرح بانتمائه لمذهب الأشعري وذكر قصة اعتناقه له. انظر: (تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٠٤ – ١١٠٥) وكذا في تبيين كذب المفتري في ترجمته.
[ ٣٥٨ ]
و(يصيح) ١ أنه ليس بأشعري، ثم يقول: (رأيت منهم أفاضل ومن التراب تحت رجله أفضل من خلق، وإذا قدم البلد رجل منهم قصده قاضيا لحقه، وإذا دخله رجل من أصحابنا جانبه وحذر منه. وكلما ذكر بين يديه شيخ من شيوخ الحنابلة وقع فيه، وقال: أحمد نبيل لكنه بلي بمن يكذب) ٢.
_________________
(١) ١ في الأصل (يصبح) وهو تصحيف. ٢ هذه النصوص لم أهتد إلى تخريجها لا عن أبي ذر ولا عن غيره من الأشاعرة فيما وقفت عليه، سوى الجملة الأخيرة وهي قوله: (أحمد نبيل ولكنه بلي بمن يكذب) فقد رأيت في تبيين كذب المفتري كلامًا بمعناها يرويه أبو ذر الهروي عن ابن شاهين، حيث يقول أبو ذر: (سمعت ابن شاهين يقول: رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء جعفر بن محمد وأحمد بن حنبل) . انظر: تبيين كذب المفتري ١٦٤) . وابن شاهين هذا هو: أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين (٢٩٧ – ٣٨٥ هـ) انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٨٧) .
[ ٣٥٩ ]
وهذا مكر منه لا يحيق إلا به.
ولو جاز أن يقال: إن أصحاب أحمد كذبوا عليه قي الظاهر من مذهبه، والمنصوص له، لساغ أن يقال إن أصحاب مالك والشافعي وغيرهما كذبوا عليهم فيما نقلوه عنهم، وهذا لا / (٥٣/أ) يقوله إلا جاهل رقيق الدين قليل الحياء.
ومن الناس من يظهر الرد على الأشعرية ويقول: ما أتكلم في الحرف والصوت. ومن كان هكذا، لم يخل أمره من أحد وجهين: إما أن يكون غير خبير بمذهب أهل الأثر، وهو يريد التظاهر به تكسبًا أو تحببًا.
وإما أن يكون من القوم١ فيتظاهر بمخالفتهم، ليدلس قولهم فيما يقولونه، فيقبل منه، أو يحسن قبيحهم فيتابع عليه ظنًا أنه مخالف لهم، وكثيرًا ما يتم على أهل السنة مثل هذا.
فمن رام النجاة من هؤلاء، والسلامة من الأهواء فليكن ميزانه الكتاب، والأثر في كل ما يسمع ويرى فإن كان عالمًا بهما عرضه عليهما واتباعه للسلف٢.
_________________
(١) ١ أي من الكلابية أو الأشعرية. ٢ قوله (واتباعه للسلف، معطوف على الكتاب والأثر) وتقدير الكلام: «فليكن ميزانه الكتاب والأثر واتباعه للسلف» . والله أعلم.
[ ٣٦٠ ]
ولا يقبل من أحد قولًا إلا وطالبه على صحته بآية محكمة، أو سنة ثابتة، أو قول صحابي من طريق صحيح.
وليكثر النظر في كتب السنن لمن تقدم مثل: أبي داود السجستاني١، وعبد الله بن أحمد بن حنبل٢، وأبي بكر الأثرم٣، وحرب بن إسماعيل السيرجاني٤، وخشيش بن أصرم
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص ١٨٣ وكتابه (السنن) مطبوع مشهور، وهو أحد الكتب الستة ويتضمن (كتاب السنة) وكله فيما يتعلق بالاعتقاد. ٢ تقدمت ترجمته ص ٢٥٤. وله كتاب (السنة) مطبوع متداول. ٣ وهو الحافظ الكبير: أبو بكر أحمد بن محمد بن هانيء الإسكافي الطائي الأثرم صاحب الإمام أحمد وأحد تلامذته الكبار، قال الخلال: كان جليل القدر حافظًا، وله كتاب (السنن)، و(العلل) وذكر سزكين له (مسائل أحمد) وقال: منها مقتبسات عند ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٦٦ – ٧٤) انظر: تاريخ التراث ٢/ ٣٠٩ ولعلها (السنن) وكانت وفاته بعد الستين ومائتين. ورجح ابن حجر أن وفاته تأخرت إلى سنة ٢٧٣ نقل ذلك عن ابن قانع. انظر: التهذيب ١/ ٧٩. وانظر: ترجمته أيضًا في: (الفهرست ٣٢٠ وقال: (له كتاب السنن في الفقه على مذهب أحمد وشواهده من الحديث) وطبقات الحنابلة ١/ ٦٦ – ٧٤، والتذكرة ٢/ ٥٧٠، والعبر ٢/ ٢٢، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٦٢٣، وطبقات الحفاظ ٢٥٦، والمنهج الأحمد ١/ ٢١٨، وشذرات الذهب ٢/ ١٤١. ٤ وهو: حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وكان فقيهًا حافظًا من أصحاب الإمام أحمد، روى عنه مسائل. قال الذهبي: «مسائل حرب من أنفس كتب الحنابلة وهو كبير في مجلدين» قال سزكين: ومنه مقتبسات عند ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٤٥ – ١٤٦) و(تاريخ التراث ٢/ ٢٠٥) . وكانت وفاته سنة مائتين وثمانين وقد قارب التسعين. والسيرجاني «بكسر السين وسكون الياء والراء وفتح الجيم» نسبة إلى سيرجان مدينة من بلاد كرمان مما يلي بلاد فارس. (اللباب ٢/ ١٦٥) . وانظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١/ ١٤٥ – ١٤٦) و(تذكرة الحفاظ ٢/ ٦١٣) و(سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٤٥) و(المنهج الأحمد ١/ ٣٩٤) و(شذرات الذهب ٢/ ١٧٦) .
[ ٣٦١ ]
النسائي١، وعروة بن مروان الرقي٢، وعثمان بن سعيد الدارمي السجستاني٣.
_________________
(١) ١ وهو خشيش (بالتصغير) بن أصرم بن الأسود أبو عاصم النسائي، وكان حافظًا حجة صاحب سنة واتباع مات بمصر سنة ٢٥٣، وله كتاب (الاستقامة في السنة والرد على أهل الأهواء)، ولا يوجد منه إلا نص نقله الملطي في كتابه (التنبيه ص ٧٧) كما ذكر سزكين. وانظر الرسالة المستطرفة ٣٠، وانظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٢/٥٥١، سير أعلام النبلاء ١٢/٢٥٠، تهذيب التهذيب ٣/١٤٢، شذرات الذهب ٢/١٢٩، معجم المؤلفين ٤/٩٩، الأعلام ٢/٣٥٣، تاريخ التراث: سزكين ٢/ ٣٦٩. ٢ لعله: عروة بن مروان العرقي، وعرقة – قرية من عمل طرابلس الشام، أبو عبد الله، كان عابدًا متقشفًا، لكنه ليس بالقوي في الحديث، قال الذهبي: «ويقال له أيضًا الرقي لسكناه الرقة مدة ومنهم من فصلهما وجعلهما اثنين بل هما واحد» ولم يذكر تاريخ وفاته. لكن ذكر أنه روى عن ابن المبارك وعبيد الله بن عمرو وطبقتهما. انظر: ميزان الاعتدال ٣/٦٤، ولسان الميزان ٤/١٦٤. ٣ وهو الإمام الحجة: أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني، وكان جذعًا وقذى في أعين المعتزلة قيمًا بالسنة ثقة ثبتًا، ولد قبل المائتين بيسير، توفي سنة ثمانين ومائتين. وله تصانيف. منها: كتاب «الرد على الجهمية» وكتاب «الرد على بشر المريسي» وهما مطبوعان. وانظر ترجمته في: طبقات الحنابلة ١/٢٢١، تذكرة الحفاظ ٢/٦٢١، العبر ٢/٦٤، سير أعلام النبلاء ١٣/٣١٩، طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ٥٣، البداية والنهاية ١١/٦٩، طبقات الحفاظ ص٢٧٤، شذرات الذهب ٢/١٧٦، تاريخ التراث ١/٣٧٠.
[ ٣٦٢ ]
وليحذر تصانيف من تغير١ حالهم فإن فيها العقارب وربما تعذر٢ الترياقي٣.
ولقد قال بعض السلف: (سمعت مبتدعًا) ٤ في ٥ قولًا اجتهد في إخراجه من قلبي/ (٥٣/ب) وسمعي، ولا يتم لي ذلك) ٦.
_________________
(١) ١ في الأصل (تخير) . ٢ صعب وتعسر. (اللسان ٤/ ٥٤٩) . ٣ الترياق: «بكسر التاء» هو: (دواء السموم، يقال: ترياق ودرياق، وهو فارسي معرب. انظر: (لسان العرب ١٠/ ٣٢) . ٤ في الأصل (مبتدع) وهو خطأ. ٥ في الأصل كلمة لم أتبينها. ٦ هذا الأثر يبدو أنه وقع فيه سقط، ولم أجد تخريجه بهذا اللفظ. لكن ورد بنحوه عن محمد بن سيرين أخرجه الخلال في مسائله عن أحمد ولفظه: أن رجلا دخل على محمد بن سيرين في بيته فذكر له شيئا من القدر فقال محمد: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عنى الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون» . قال: وأخذ بأصبعيه في أذنيه فقال لتخرجن من عندي أو لأخرجن عنك فخرج الرجل فقالوا يا أبا بكر لو سمعت من الرجل، فقال محمد إن قلبي ليس بيدي وإني خفت أن ينفث في قلبي شيئًا لا أستطيع أن أخرجه من قلبي، فكان أحب إلي أن لا أسمع كلامه» . (مسائل أحمد برواية الخلال ١٧٨ – آ) مخطوط، وانظر المطبوع: ٧/٩ برقم ١٩٦٧. وأخرج نحوه: اللالكائي (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٣٣ ح ٢٤٢) وليس فيه الآية، وفيه أن الداخل رجلان. وكذا (ابن بطة في الإبانة ١/ ٤٠ – ب) وابن وضاح: (البدع والنهي عنها ٥٣) .
[ ٣٦٣ ]
وكان (ابن) ١ طاووس٢ يسد أذنه إذا سمع مبتدعًا يتكلم ويقول: القلب ضعيف٣.
وليكن من قصد من تكلم في السنة اتباعها وقبولها لا مغالبة الخصوم، فإنه يعان بذلك عليهم، وإذا أراد المغالبة ربما غلب.
_________________
(١) (ابن) ليست في الأصل، والتصويب من مراجع التخريج؛ لأن الأثر إنما رووه عن ابن طاووس. ٢ وهو: عبد الله بن طاووس بن كيسان اليماني، يروي عن أبيه وعطاء، وكان ثقة مأمونًا، وكانت وفاته سنة ١٣٢، وقيل: ١٣١ هـ. انظر ترجمته في: المعرفة والتاريخ ١/ ٧٠٩، وسير أعلام النبلاء ٦/ ١٠٣، والتهذيب ٥/ ٢٦٧. ٣ أخرجه عبد الرزاق عن معمر – بلفظ أتم منه – قال: «كنت عند ابن طاووس وعنده ابن له، إذ أتاه رجل يقال له صالح يتكلم في القدر فتكلم بشيء فتنبه فأدخل ابن طاووس أصبعيه في أذنيه وقال لابنه أدخل أصابعك في أذنيك واشدد فلا تسمع من قوله شيئًا فإن القلب ضعيف» المصنف ١١/ ١٢٥ ح ٢٠٠٩٩. وأخرجه: اللالكائي من طريق عبد الرزاق. (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٣٥) . وأخرجه: ابن بطة في الإبانة (١/ ٤٠ – ب) . وذكره عبد الله بن أحمد في (السنة ١٨) وبلفظ أخصر منه.
[ ٣٦٤ ]
وقال الحسن١: (المؤمن ينشر حكمة الله فإن قبلت منه حمد الله، وإن ردت عليه حمد الله) ٢ وموضع الحمد في الرد أنه قد وفق لأداء ما عليه.
وقال الهيثم بن جميل٣: قلت لمالك بن أنس يا أبا عبد الله الرجل يكون عالمًا بالسنة يجادل عليها؟ قال: لا. يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا أمسك) ٤ هـ.
[وقال العباس بن غالب الهمداني الوراق٥ قلت لأحمد بن حنبل
_________________
(١) ١ هو البصري تقدم. ٢ ذكره الآجري بدون إسناد. انظر: (الشريعة ٧١) بلفظ أتم من هذا وفيه: (قال الحسن: المؤمن لا يداري ولا يماري ينشر حكمة الله ﷿ فإن قبلت حمد الله ﷿ وإن ردت حمد الله ﷿ وعلا) . ٣ هو: الهيثم بن جميل أبو سهل البغدادي ثم الأنطاكي، كان ثقة صاحب سنة من أصحاب الحديث. مات سنة ٢١٣. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/ ٤٩٠، ترتيب المدارك ١/ ٢٧٦، ذكره في الرواة عن مالك، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٦٣، ميزان الاعتدال ٤/٣٢٠، سير أعلام النبلاء ١٠/٣٩٦، تهذيب التهذيب ١١/٩٠. ٤ ذكره ابن عبد البر بدون إسناد ولفظه مقارب. انظر: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٥) وذكره أيضًا القاضي عياض في (ترتيب المدارك ١/ ١٧٠) . ٥ هو: العباس بن غالب الوراق، وكان شيخًا ثقة لا بأس به، وثقه أبو زرعة وأبو داود، مات ببغداد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. ترجمته في: تاريخ بغداد ١٢/ ١٣٦، وانظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢٣٦، والمنهج الأحمد ١/ ٤٣٣.
[ ٣٦٥ ]
﵀: يا أبا عبد الله / (٥٤/أ): أكون في المجلس ليس فيه من يعرف السنة غيري فيتكلم مبتدع فيه أرد عليه؟ فقال: لا تنصب نفسك لهذا، قال: أخبر بالسنة ولا تخاصم. فأعدت عليه القول، فقال: ما أراك إلا مخاصمًا] ١.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أراد الله بقوم شرًا ألقى بينهم الجدل وخزن العمل" ٢.
وقيل للحسن بن أبي الحسن البصري: نجادلك؟ فقال: لست في
_________________
(١) ١ ذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٣٦) والعليمي في (المنهج الأحمد ١/ ٤٣٣. ٢ هو بهذا اللفظ إنما يروى من كلام الأوزاعي وليس بمرفوع. أخرجه عنه: اللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٤٥) . وابن عبد البر: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٤) . والهروي: (ذم الكلام وأهله) انظر: (صون المنطق للسيوطي ٥٨) . وقد ورد مرفوعًا بمعناه من حديث أبي أمامة ﵁ بلفظ: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الزخرف ٥٨. أخرجه: ت: كتاب التفسير / باب من سورة الزخرف ٥/ ٣٧٨ حـ ٣٢٥٣ وقال: هذا حديث حسن صحيح. حم: ٥/ ٢٥٦. جه: المقدمة باب اجتناب البدع والجدل ١/ ١٩ حـ ٤٨. وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٤٧ وقال الألباني إسناده حسن وقد صححه جماعة.
[ ٣٦٦ ]
شك من ديني) ١.
وقال مالك بن أنس: (أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله) ٢ ٣.
وقال حسان بن عطية٤ لغيلان٥: إنك وإن أعطيت لسانًا / (٥٤/ب) فإنا
_________________
(١) ١ أخرجه الآجري في (الشريعة ٥٧) . واللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٢٨) باختلاف في اللفظ وأبو المظفر السمعاني: (الانتصار لأهل الحديث) عن السيوطي: صون المنطق ١٥٣) وروى نحوه عن الإمام مالك. انظر: (العلو للعلي الغفار ١٠٤) . ٢ أخرجه: الخطيب البغدادي (شرف أصحاب الحديث ص٥) بلفظ مقارب. واللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٤٤ حـ ٢٩٤، ٢٩٣ من طريق الطباع عن مالك. والهروي (ذم الكلام وأهله ٥/ ٩٤/ ١) وقال الألباني: وسنده صحيح (مختصر العلو ١٤٠) وذكر نحوه ابن عبد البر بدون إسناد: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٧)، وأخرجه البيهقي في المدخل: ١/٢١٧ برقم ٢٣٨. ٣ الكلام من قوله: وقال العباس بن غالب إلى هنا يوجد بنصه تقريبًا ونفس الترتيب، في (طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى ١/ ٢٣٦) وأحسب أنه اقتبسه عن المؤلف. والله أعلم. ٤ هو المحاربي من ثقات التابعين ومشاهيرهم. تقدم. ٥ هو غيلان بن مسلم أبو مروان الدمشقي، القدري، ثاني من تكلم في القدر بعد موت معبد الجهني كما قال الأوزاعي، صلبه هشام بن عبد الملك بباب دمشق. انظر: المعارف: ص ٤٨٤، والميزان ٣/ ٣٣٨. وانظر: الملل والنحل ١/ ٢٨ والفرق بين الفرق ١٩، واللباب ٢/ ٣٩٨، وطبقات ابن سعد ٧/ ٤٧٨، والأعلام ٥/ ٣٢٠ وجعل وفاته بعد ١٠٥ قال: لأن خلافة هشام الذي يقال إنه صلبه كانت في هذه السنة.
[ ٣٦٧ ]
نعلم أنا على حق وأنك على الباطل١.
وقال النبي (ﷺ) ٢ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والمحدثات فإن كل محدثة (بدعة) " ٣ ٤. وقال الأوزاعي٥: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول) ٦.
فليحذر كل مسلم مسئول ومناظر من الدخول فيما ينكره على غيره وليجتهد في اتباع السنة، واجتناب المحدثات، كما أمر٧، وليعلم أن
_________________
(١) ١ روى نحوه أبو نعيم بسنده إلى الأوزاعي من طريقين عن حسان مع اختلاف في اللفظ أحدهما قريب من رواية المصنف وفيه (قال حسان بن عطية لغيلان القدري: أما والله لئن أعطيت لسانًا لم نعطه، إنا لنعرف باطل ما تأتي به) الحلية ٦/ ٧٢. ٢ في الأصل: توجد كلمة (صلى) غير واضحة وباقي الجملة ليس في الأصل. ٣ ساقط من الأصل. ٤ وهو بعض من حديث العرباض بن سارية، وقد تقدم ض ١٤٤. ٥ عبد الرحمن بن عمرو تقدم ص ١٨٧. ٦ أخرجه الآجري: (الشريعة ١٠٢) وفيه: (وإن زخرفوها لك بالقول) وقال الألباني: سنده صحيح. انظر: (مختصر العلو ١٣٨) . وابن عبد البر: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٧٧) من طريق الآجري. والهروي في ذم الكلام وأهله عن (صون المنطق ص٣٩) والخطيب البغدادي: (شرف أصحاب الحديث ص ٧) وفيه: (وإن زخرفوه بالقول فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم) . وأخرجه البيهقي في المدخل ١/٢١٣ رقم ٢٣٣. ٧ النص من قوله: وقال النبي ﷺ: عليكم بسنتي.. إلى هنا، ذكره بنص مقارب وبنفس الترتيب: ابن أبي يعلى في: (طبقات الحنابلة ١/ ٢٣٦) ولعله اقتبسه عن المؤلف.
[ ٣٦٨ ]
الله سبحانه لو أراد أن يَكِل الأمر إلى الناس ويأمرهم بالاجتهاد فيه برأيهم لفعل لكنه أبى ذلك، وأمرهم ونهاههم، ثم الزمهم الاجتهاد في القيام بما أمروا به، واجتناب ما نهوا عنه.
وأنا أرجو أن من تأمل هذه الرسالة حق التأمل وجد فيها بتوفيق الله سبحانه شفاء غليله. وأسأل الله تعالى أن يجعل قيامي بها لوجهه خالصًا، وأن ينفع بها من نظر فيها. إنه ولي ذلك والقادر عليه. هـ
تمت الرسالة والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هـ١.
_________________
(١) ١ في الأصل توجد كلمة لم أتبينها.
[ ٣٦٩ ]