[مسمى الإيمان]
مسائل الإيمان مسمى الإيمان: لفظ الإيمان في نصوص القرآن والسنة يذكر مفردا، ويذكر مقرونا بالإسلام، فإذا ذكر مقرونا بالإسلام كما في حديث سؤالات جبريل، أريد بالإسلام ما في الظاهر وهو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده، وأركانه خمسة: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، وأريد بالإيمان ما في الباطن وهو معرفة القلب وتصديقه وإقراره وأركانه ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره» .
وإذا ذكر مفردا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٢ - ٣] (الأنفال الآية: ٢ - ٣)، وكما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، أريد به الدين كله، كما أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه أصل الإيمان وهو ما في القلب.
ومن هنا قلنا: الإيمان قول وعمل.
والمراد قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.
وعمل القلب: وهو النية والإخلاص ونحو ذلك، وعمل الجوارح كالصلاة والزكاة ونحوهما.
[ ٨١ ]
[زيادة الإيمان ونقصانه]
زيادة الإيمان ونقصانه: الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد دلت على ذلك الأدلة كما في الآية السابقة وحديث شعب الإيمان.
حكم مرتكب الكبيرة: الإيمان شعب متفاوتة كما دل الحديث المتقدم، منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى، وكما أن شعب الإيمان إيمان، فكذا شعب الكفر كفر.
ولهذا قال أهل السنة: إن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (النساء الآية: ٣١) .
والكبائر على درجتين: منها ما هو مخرج عن الملة، كما تقدم من الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ومنها ما ليس كذلك، مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك.
وهذه الدرجة الثانية هي المقصودة عند الإطلاق، ومذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وله في الدنيا من الموالاة بقدر ما معه من الإيمان، أما في الآخرة فهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له بسبب منه مثل الأعمال الصالحة أو من غيره من دعاء أو شفاعة، أو بدون سبب بل بفضل الله ورحمته، وإن شاء عذبه بعدله وحكمته، لكنه لا يخلده في النار.
والدليل على ثبوت اسم الإيمان قوله تعالى في آية القصاص:
[ ٨٢ ]
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة الآية: ١٧٨) فجعل القاتل وولي المقتول أخوين في الإيمان، وقوله ﷺ في شارب الخمر: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» رواه البخاري عن أبي هريرة.
والدليل على أن إيمانه ليس كاملا قوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم فيهم بحكم المرتد ولا أمر بقطع الموالاة بينهم وبين جمهور المسلمين، بل أقام عليهم الحدود الشرعية.
والدليل على أنه في الآخرة تحت مشيئة الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء الآية: ٤٨) .
والدليل على أنه إن أدخل النار لا يخلد قوله ﷺ: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق» رواه البخاري ومسلم عن أبي ذر، وقوله ﷺ: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)» رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري.
[حقوق أهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته]
حقوق أهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته: لأهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته - ﵃ - حقوق يجب القيام بها، فعلينا أن نحب آل بيت رسول الله ونتولاهم ونذب عنهم امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] (الشورى الآية: ٢٣)
[ ٨٣ ]
وقوله ﷺ: «أذكركم الله في أهل بيتي» رواه مسلم عن زيد بن أرقم، وقد أمرنا الرسول ﷺ بالصلاة عليهم مع الصلاة عليه، فقال لنا قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. . .» الحديث.
وأهل بيته أقاربه الذين حرمت عليهم الصدقة، ومن أهل بيته أمهات المؤمنين زوجاته في الدنيا وهن زوجاته في الآخرة.
وكذا نحب صحابة رسول الله ﷺ ونتولاهم ونترضى عنهم ونعتقد عدالتهم ونقبل ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم ومراتبهم، ونشهد بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ منهم.
ونؤمن بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي - ﵃ -، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
ونمسك عما شجر بينهم فلا نخوض فيه، فهم صفوة هذه الأمة التي هي خير الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠)، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (التوبة الآية: ١٠٠)، وقال ﷺ: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» الحديث في الصحيحين عن عدد من الصحابة، وقال ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» رواه البخاري ومسلم.
وما ينسب إليهم في بعض الكتب من مساوئ، فأكثره كذب افتراه أعداؤهم، ومنه ما قد زيد فيه ونقص وغيره عن وجهه الصحيح، وما ثبت منه فهم فيه معذورون، لأنه إما أن يكون صدر عن اجتهاد أصابوا فيه أو أخطأوا، أو تابوا منه، إذ هم غير معصومين، بل تجوز عليهم الذنوب في
[ ٨٤ ]
الجملة، لكن لهم من الرسوخ في الخيرات والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من أسباب الغفران ما ليس لمن بعدهم، وبكل حال فما يذكر في هذا السبيل فهو قليل مغمور في بحر فضائلهم ومحاسنهم.
نسأل الله ﷾ أن يجعلنا ممن ذكرهم بقوله - بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (الحشر الآية: ١٠) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
[ ٨٥ ]