١٢ - يَنْقَسِمُ التَّوْحِيدُ فِي الإِسْلامِ … إِلَىَ ثَلاثَةٍ مِنَ الأَقْسَامِ
أقسام التوحيد ثلاثة:
(١) توحيد الربوبية.
(٢) توحيد الألوهية ويسمى توحيد العبادة.
(٣) توحيد الأسماء والصفات
قال الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد: (التوحيد): مصدر وحد يوحد توحيدًا، أي: جعله واحدًا، وسمي دين الإسلام توحيدًا؛ لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء، والمرسلين الذين جاؤوا به من عند الله، وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ا. هـ والمؤلف بدأ بتوحيد الألوهية لأنه أهمها وسماه توحيد العبادة فقال:
١٣ - أَوَّلُهَا التَّوْحِيدُ فِي الْعِبَادَهْ … وَهْوَ أَهَمُّهَا بِهِ الشَّهَادَهْ
أولها: التوحيد في العبادة: وهو توحيد الألوهية: والألوهية مأخوذة من: ألَه يأْلَه إِلهة وأُلُوهةً: إذا عُبد مع المحبة والتعظيم. يقال: تَأَلَّه إذا عُبد مُعَظَّمًا مُحَبًّا، ففرقٌ بين العبادة والألوهة، فإن الألوهة عبادة فيها المحبة، والتعظيم، والرضا بالحال، والرجاء، والرغب، والرهب، فمصدر أَلَه يأْلَه: أُلُوهة وإلهة؛ ولهذا قيل: توحيد الإلهية، وقيل توحيد الألوهية، وهما مصدران لأَلَه يأْلَه. ومعنى (أَلَه) في لغة العرب:
[ ٢٨ ]
عبد مع المحبة، والتعظيم. والتأَلُّه: العبادة على ذاك النحو، فتوحيد الإلاهية، أو توحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، يعني: جَعْل العبادة لواحد، وهو الله - ﷻ-. والعبادة التي يفعلها العبد أنواع، والله - جل وعلا - هو المستحق للألوهة وللعبادة، فهو ذو الألوهة، وهو ذو العبادة على خلقه أجمعين.
و"توحيد الألوهية ": هو أيضا توحيد الله بأفعال العبد المتنوعة، التي يوقعها على جهة التقرب، فإذا توجه بها لواحد وهو الله- جل وعلا- كان موحدا إياه توحيد الإلاهية، وإذا توجه العبد بها لله ولغيره كان مشركا في هذه العبادة. وبدأ به الناظم لأنه أهم الأنواع الثلاثة ولذا قال: وهو أهمها: فحاجة الناس إلى بيان هذا النوع من التوحيد عظيمة ويجهله كثير من الناس فيقعون في الشرك وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وأما توحيد الربوبية فلم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول -ﷺ- بل كانوا مقرين به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض. ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم، إلا ما حصل من فرعون؛ فإنه أنكره مكابرة، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: من الآية ٣٨]. وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الاسراء: ١٠٢] فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله﷿-.
[ ٢٩ ]
وقول الناظم: به الشهادة: أي شهادة "ألا إله إلا الله" وهي كلمة التوحيد ومعناها متضمن لتوحيد الألوهية فمعناها الصحيح "لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ ﷿"، وَالتَّقْيِيدُ بِـ"حَقٍّ" يُخْرِجُ بِهِ الْآلِهَةَ الْمَعْبُودَةَ بِبَاطِلٍ. كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]
١٤ - وَرُكْنُهَا النَّفْيُ مَعَ الإِثْبَاتِ … فَاعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلثَّبَاتِ
وركنها أي ركن شهادة " ألا إله إلا الله" ولها ركنان هما:
النفي مع الإثبات: وبيانه: أن: "لَا إِلَهَ" نَافِي جَمِيع مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، و"إِلَّا اللَّهُ" إِثْبَات الْعِبَادَةِ لِلَّهِ فَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ فلا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه.
١٥ - وَحَقُّهَا الْوَلاءُ وَالْبَرَاءُ … وَالْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ يَا أَبْنَاءُ
وحقها: "الحق" هو الشيء الثابت اللازم. والمراد: تفسيرها اللازم الثابت لها وهو:
الولاء والبراء: فالولاء: أن يحب التوحيد ويوالي الموحدين ويحبهم كما في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ﷿، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ". قال ابن رجب: فلا يكملُ التوحيدُ الواجبُ إلا بمحبةِ ما يحبُّه اللَّه وبغضِ ما يبغضه اللَّهُ، وكذلك لا يتمُّ الإيمانُ الواجبُ إلا بذلك. ومن هنا يُعلمُ أنَّ الإخلال ببعضِ الواجباتِ وارتكابِ بعضِ المحرَّماتِ ينقصُ به الإيمانُ الواجبُ بحسبِ ذلك ا. هـ
[ ٣٠ ]
والبراء: يعني أن التوحيد يتضمن البراءة من الشرك، بحيث لا يدعو مع الله أحدا، لا ملَكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرءوا من الشرك، بل هم واقعون فيه. ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]
فهذه الجملة فيها البراءة، وفيها الإثبات، فالبراءة: مما يعبدون، قال بعض أهل العلم: تبرأ من العبادة ومن المعبودين قبل أن يتبرأ من العابدين؛ لأنه إذا تبرأ من أولئك: فقد بلغ به الكراهة، والبغضاء، والكفر بتلك العبادة مبلغها الأعظم، وقد جاء تفصيل ذلك في آية الممتحنة في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ اشتملت على نفي وإثبات، فهي مساوية لكلمة التوحيد بل هي التوحيد، ففي هذه الآية تفسير شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا قال - جل وعلا - بعدها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] فما هذه الكلمة؟ قال قتادة: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ شهادة (أن لا إله إلا الله)، والتوحيد لا يزال في ذرية من يقولها من بعده: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: يتوبون أو يذكرون. فقوله - جلا وعلا -: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ فيه النفي الذي نعلمه من قوله (لا إله)، وقوله ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فيه الإثبات الذي نفهمه من قولنا (إلا الله). ففي آية سورة الزخرف هذه: أن إبراهيم -﵈- شرح لهم معنى كلمة التوحيد بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والبراءة هي: الكفر، والبغضاء، والمعاداة. وتبرَّأ من عبادة غير الله. فهذه البراءة لا بد منها، ولا يصح إسلام أحد حتى تقوم هذه البراءة في قلبه؛ لأنه
[ ٣١ ]
إن لم تقم هذه البراءة في قلبه، فلا يكون موحدا، والبراءة هي: أن يكون مبغضا لعبادة غير الله، كافرا بعبادة غير الله، معاديا لعبادة غير الله، كما قال في الآية هنا: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. فليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون. ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته. والكفر بالطاغوت: أي ومن حق كلمة التوحيد: "الكفر بالطاغوت" والدليل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ " فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله. ويتبرأ من عبادة غير الله؛ وينكرها، ويعتقد بطلانها. ومن رضي دين النصارى دينا يدينون الله به، فهو كافر؛ ومن صحح دين النصارى أو اليهود أو غيرهم من ملل الكفر، ولم يعتقد كفرهم فهو كافر لأنه إذا ساوى غير دين الإسلام مع الإسلام، فقد كذَّب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وبهذا يكون كافرا. ومن صحح دين النصارى كان مكذِّبا بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد. فالطاغية هو الذي تجاوز الحد في أمر الدين؛ ويعرف ابن القيم -﵀- الطاغوت بأنه: " كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع ".
[ ٣٢ ]
ومعنى مجاوزة العبد به حده: أنه تعدى الحد الذي لم يأذن به الشرع مجاوزته له، مثل توجهه إليه بالعبادة، أو اعتقاده فيه بعض خصائص الإلهية من أنه: يغيثه كيف ما شاء، ومن أنه يملك غوثه، ويملك الشفاعة له، أو أن يغفر له، وأن يعطيه، ويملك أن يقربه إلى الله- جل وعلا-، ونحو ذلك مما لا يملكه المعبودون. والمقصود بقوله: " أو متبوع " أي أنهم صاروا يتبعون بعض الناس مثل القادة أو العلماء، في كل ما قالوا، وإن أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، أو جعلوا لهم السنة بدعة، والبدعة سنة، وهم يعلمون أصل الدين، ولكنهم خالفوا لأجل ما قال فلان، فإن هذا قد تُجُوِّز به حده، فإن حد المتبوع في الدين: أن يكون آمرا بما أمر به الشرع، ناهيا عما نهى عنه الشرع. فإذا أحل الحرام، أو حرم الحلال فإنه يعتبر طاغوتا، ومن اتبعه فإنه يكون قد تجاوز به حده، وقد أقر بأنه طاغوت، واتخذه كذلك. وقوله: " أو مطاع " يشمل الأمراء، والملوك، والحكام، والرؤساء، الذين يأمرون بالحرام فيطاعون، ويأمرون بتحريم الحلال فيطاعون في ذلك مع علم المطيع بما أمر.
١٦ - فَلَيْسَ غَيْرُ الْلَّهِ يَسْتَحِقُّ … عِبَادَةً وَالْلَّهُ فَهْوَ الْحَقُّ
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] قال الحافظ ابن كثير -﵀-: شَرَعَ ﵎ فِي بَيَانِ وَحْدَانِيَّةِ أُلُوهِيَّتِهِ، بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى عَبيده، بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَإِسْبَاغِهِ عَلَيْهِمُ النعمَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، بِأَنْ جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا، أَيْ: مَهْدًا كَالْفِرَاشِ مُقَرّرَة مُوَطَّأَةً مُثَبَّتَةً بِالرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وَهُوَ
[ ٣٣ ]
السَّقْفُ، … وَأَنْزَلَ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً -وَالْمُرَادُ بِهِ السَّحَابُ هَاهُنَا-فِي وَقْتِهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ؛ رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، كَمَا قَرَّرَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ … وَمَضْمُونُهُ: أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ مَالِكُ الدَّارِ، وَسَاكِنِيهَا، وَرَازِقُهُمْ، فَبِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرَك بِهِ غَيره؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
شروط لا إله إلا الله
وشروط (لا إله إلا الله) سبعة شروط، مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة. وقد جاءت منظومة في قول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي -﵀- في منظومته (سلم الوصول إلى علم الأصول) قال:
وَبِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ قَدْ قُيِّدَتْ … وَفِي نُصُوصِ الْوَحْيِ حَقًّا وَرَدَتْ
فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ قَائِلُهَا … بِالنُّطْقِ إِلَّا حَيْثُ يَسْتَكْمِلُهَا
الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ وَالْقَبُولُ … وَالِانْقِيَادُ فَادْرِ مَا أَقُولُ
وَالصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْمَحَبَّهْ … وَفَّقَكَ اللَّهُ لِمَا أَحَبَّهْ
وقد نظمها بعضهم في بيت واحد فقال:
عِلْمٌ يَقِيْنٌ وَإِخْلاصٌ وَصِدْقُكَ مَعْ … مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَها
وزاد بعضهم شرطا ثامنا. ونظمه بعضهم فقال:
وَزِيدَ ثامِنُها الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا … سِوَى الإِلهِ مِنْ الأَشْيَاءِ قَدْ أُلِها
وإليك توضيحا يسيرا لهذه الشروط وذكر بعض الأدلة:
[ ٣٤ ]
(١) العلم: بمعناها نفيًا وإثباتًا علما منافيا للجهل: ومعناها كما تقدم: البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله وحده باللسان والقلب وسائر الجوارح. ودليل هذا الشرط: قول الله ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) وفي الصحيح عَنْ عُثْمَانَ بن عفان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ) (^١).
(٢) اليقين: المنافي للشك: وذلك بأن يكون قائلها مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا. قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]
وفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ قَالَ -﵌-: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ). وفيه أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ). فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها.
(٣) القبول: لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه المنافي للرد: فالمشركون لم ينفوا ما نفته هذه الكلمة ولم يثبتوا ما أثبتته بل قالوا: إنكارًا واستكبارًا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦).
[ ٣٥ ]
وقال تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦]
(٤) الانقياد: لما دلت عليه هذه الكلمة المنافي للترك: والمراد هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد لما جاء به الرسول -ﷺ- عن ربه ﷾ بالطاعة، وذلك بالعمل بما فرضه الله وترك ما حرمه والتزام ذلك. ولا ينتفع قائل لا اله إلا الله بها إلا بهذا الانقياد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي بلا إله إلا الله ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢]. ومعنى ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ينقاد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحد، وتمام الانقياد وغايته ومعناه تقديم محاب الله وإن خالفت الهوى وبغض ما يبغضه الله وإن مال إليه الهوى وكما أن الاستسلام لله واجب فكذلك الاستسلام لرسوله -ﷺ- واجب، فلا يسمى الإنسان مؤمنًا إلا به ولذا أقسم الحق بنفسه مؤكدًا هذا الواجب. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
(٥) الصدق فيها المنافي للكذب: وهو أن يقولها صدقًا من قلبه يواطئ قلبه لسانه. جاء في الصحيحين عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: (يَا مُعَاذ بْنَ جَبَلٍ). قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ (يَا مُعَاذُ) قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ
[ ٣٦ ]
تَأَثُّمًا. (^١). فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقًا من قلبه فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب.
(٦) الإخلاص: وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، ولا يكون له من وراء الشهادتين غرض آخر غير قصده لربه، فتارك الإخلاص لم يستكمل شروط لا إله إلا الله ولو كان منقادًا صادقًا مستيقنًا. ومن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله. قال الله سبحانه تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصًَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
(٧) المحبة: والمراد بها: المودة والرغبة لـ (لا إله إلا الله)، ولما اقتضته ودلت عليه من الأقوال والأفعال محبة منافية لضدها. ومن ذلك: أن يكون الله سبحانه ورسوله أحب إليه مما سواهما، والمحبة لأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها، وبغض من ناقض ذلك فإنه لا يحصل لقائلها معرفة وقبول إلا بالمحبة، لأن المحبة تدل على الإخلاص المنافي للشرك، ومن أحب الله تعالى أحب دينه قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فأخبر الله ﷿ أن عباده المؤمنين أشد حبًا له، وذلك لأنهم
_________________
(١) قوله (صدقا من قلبه) من أفراد البخاري.
[ ٣٧ ]
لم يشركوا معه في محبته أحدًا كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أندادًا يحبونهم كحبه. فأهل (لا إله إلا الله) يحبون الله حبا خالصا وأهل الشرك يحبونه ويحبون معه غيره وهذا ينافي مقتضى (لا إله إلا الله). قال الحافظ ابن رجب -﵀-: قول لا إله إلا الله تقتضي أن لا يحب سواه فإن (الإله) هو: الذي يطاع فلا يعصي محبة وخوفا ورجاء. ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئا مما يكرهه الله أو كره شيئا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله وما أحبه مما يكرهه الله؛ قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] قال الليث عن مجاهد في قوله ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] قال: لا يحبون غيري (^١) إلخ (^٢).
(٨) الكفر بالطاغوت: والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. وتقدم الكلام عليه في البيت الخامس عشر ودليل هذا الشرط: قول الله ﷿: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦] ومعنى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ أي ينكر عبادة غير الله ويتبرأ منها ويجحدها ويبين أنها باطلة. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾
_________________
(١) رواه أبو إسحاق الختلي في "المحبة لله" رقم (٦٤) قال: ثنا أبو بحر فرات بن محبوب السكوني ثنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ليث عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لا يشركون بي شيئًا﴾، قال: لا يحبون غيري. ومن طريق فرات رواه أبو نعيم في الحلية (ترجمة مجاهد). وفي إسناده: ليث وهو ابن أبي سليم ضعيف مختلط.
(٢) من كتاب كلمة الإخلاص لابن رجب -﵀-.
[ ٣٨ ]
يعني يؤمن بأن الله هو المعبود بالحق وأنه هو المستحق للعبادة. فلا يتم الإيمان ولا يصح إلا بالبراءة من عبادة غير الله وإنكارها واعتقاد بطلانها، والإيمان بأن الله هو المستحق للعبادة ﷾، وهذا هو معنى قوله ﷾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] وقوله سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠] وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ وهو: سَعْدُ بنُ طَارِقِ بنِ أَشْيَمَ عَنْ أَبِيهِ (طارق بن أشيم) -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) وفي رواية: (مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ …). قال الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀-: وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله)،
• فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال،
• بل ولا معرفة معناها مع لفظها،
• بل ولا الإقرار بذلك،
• بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له،
• بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله؛
فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه.
فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها! وياله من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!) ا. هـ (^١)
_________________
(١) كتاب التوحيد، باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
[ ٣٩ ]
تفسير العبادة وذكر بعض أنواعها
١٧ - وَكُلُّ مَا يُحِبُّه وَيَرْضَى … عِبَادَةٌ إِنْ سُنَّةً أَوْ فَرْضَا
١٨ - كَالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ وَكَالدُّعَاءِ … وَالْبِّرِّ وَالْخَوْفِ مَعَ الرَّجَاءِ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب "العبودية" (ص: ٤٤):
الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة. وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله. وَذَلِكَ أَنْ الْعِبَادَة لله هِيَ الْغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ الَّتِي خَلق الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل كَمَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] وَكَذَلِكَ قَالَ هود وَصَالح وَشُعَيْب وَغَيرهم لقومهم … والدين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة … ا. هـ
كالنذر: النذر: هو أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئًا ممكنًا بأيِّة صيغة كانت، كأن يقول: لله عليّ أو لله نذر أو أنذر أو غير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه مكروه، ولكن إذا نذر الإنسان وجب عليه الوفاء
[ ٤٠ ]
بنذره؛ لثناء الله ﷿ على الموفين في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، ولقول النبي -ﷺ-: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» رواه البخاري. والنذر عبادة لا يجوز صرفه لغير الله؛ فمن نذر لغير الله بشيء تقربًا فإنه قد وقع في الشرك وخرج من الإسلام.
والذبح: هو شق حلق الحيوان، والمراد به هنا: ذبح ما يتقرب به لله. وهذا مثل ما يذبح من الأضاحي، أو يذبح من الهدي فذلك مما يذبحه المرء تعظيما لله - جل وعلا - مما أمر به شرعا، فهذا الذي تذبحه لله: تقصد التقرب به إليه. ودليل الذبح قول الحق سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] والذبح بقصد اللحم أو لإكرام ضيف ونحوه مما لا يقصد به التقرب لله ولا لغيره جائز لأن هذا من المأذون به شرعا.
وكالدعاء: وهو العبادة كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد. فمن دعا غير الله لجلب نفع أو دفع ضر فقد أشرك.
[ ٤١ ]
والبر: كلمة جامعة قال ابن رجب -﵀- الْبَرُّ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ:
أحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا خُصَّ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَيُقَالُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَيُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ عُمُومًا، … وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِهِ فِعْلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] ا. هـ
والخوف: دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] والمراد به هنا:
• خوف العبادة والتذلل والتعظيم والخضوع، وهو ما يسمى بخوف السر؛ وهذا لا يصلح إلا لله - سبحانه -، فمن أشرك فيه مع الله غيره، فهو مشرك شركا أكبر، وذلك مثل: من يخاف من الأصنام أو الأموات، أو من يزعمونهم أولياء ويعتقدون نفعهم وضرهم، كما يفعله بعض عباد القبور: يخاف من صاحب القبر أكثر مما يخاف الله.
• أما الخوف الطبيعي والجبلي، فهذا في الأصل مباح؛ لقوله تعالى عن موسى -﵍-: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١].
• لكن إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم؛ فهو محرم.
[ ٤٢ ]
مع الرجاء: ودليل الرجاء قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. والناظم ذكر الرجاء بعد الخوف؛ لأنه قرينه، فالإنسان له جناحان يطير بهما: الخوف والرجاء، وبهما يبلغ المأمن،
قال شيخ الإسلام -﵀-: وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَاحِدًا، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ هَلَكَ صَاحِبُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ غَلَبَ خَوْفُهُ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْيَأْسِ، وَمَنْ غَلَبَ رَجَاؤُهُ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ. ا. هـ
وقال الحافظ ابن رجب في كتاب "استنشاق نسيم الأنس": العبادةَ إنما تُبنى على ثلاثةِ أصول: الخوفِ، والرجاءِ، والمحبةِ. وكلٌّ منهما فرضٌ لازِم، والجمعُ بين الثلاثةِ حتم واجب، فلهذا كانَ السلفُ يذمونَ من تعبَّدَ بواحدٍ منها وأهملَ الآخَرَينِ، فإن بدعَ الخوارج ومن أشبهَهُم إنما حدثتْ من التشديدِ في الخوفِ والإعراضِ عن المحبةِ والرجاءِ. وبدعُ المرجئةِ نشأتْ من التعلقِ بالرجاءِ وحدَهُ والإعراض عن الخوفِ، وبدعُ كثيرٍ من أهلِ الإباحةِ والحلول ممن يُنسبُ إلى التعبدِ نشأتْ من إفرادِ المحبةِ والإعراضِ عن الخوفِ والرجاءِ. ا. هـ
وقال ابن رجب أيضا في كتاب "التخويف من النار":
وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان، … إلخ.
[ ٤٣ ]
القسم الثاني من أقسام التوحيد
١٩ - وَبِالرُّبُوبِيَّةِ قِسْمٌ آَخَرُ … بِأَنَّهُ لِلْخَلْقِ رَبٌّ فَاطِرُ
وبالربوبية …: النوع الثاني من أنواع التوحيد: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله في أفعاله. وأفعال الله كثيرة، منها: الخَلْق، والرِّزْق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الملك، والنفع، والضُّر، والشفاء، وإجابة دعوة المضطر، وإجابة دعوة الداعي، ونحو ذلك من أفراد الربوبية. فالمتفرد بذلك على الكمال هو الله - جل وعلا- فتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله - سبحانه-. أي الإيمان بأنه هو وحده الخالق والمالك الذي يدبر الأمر … إلخ وتقدم عند البيت (١٣) أن توحيد الربوبية لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول -ﷺ- بل كانوا مقرين به.
القسم الثالث من أقسام التوحيد
٢٠ - وَالثَّالِثُ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ … سَبِيِلُهُ التَّنْزِيهُ وَالإِثْبَاتُ
النوع الثالث من أنواع التوحيد هو: توحيد الأسماء والصفات وهو: الإيمان بكل ما ورد في القرآن الكريم، أو الأحاديث الصحيحة من أسماء الله وصفاته، وإثباتها لله وحده على الوجه اللائق به سبحانه من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؛ عملا بقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والتحريف: صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل ومثاله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فظاهر اللفظ أن الله تعالى استوى على العرش أي استقر عليه، وعلا عليه،
[ ٤٤ ]
فإذا قال قائل: معنى ﴿اسْتَوَى﴾ استولى على العرش، كما يقوله طائفة من المبتدعة فنقول: هذا تحريف لأنه صرف اللفظ عن ظاهره، بلا حجة صحيحة والدليل على خلافه. والمراد بالتعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات. والتكييف: حكاية كيفية الصفة؛ كقول القائل: كيفية يد الله، أو نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا. والتمثيل: إثبات مماثل له والتشبيه: إثبات مشابه له. فالتمثيل يقتضي المماثلة، وهي المساواة من كل وجه، والتشبيه يقتضي المشابهة، وهي المساواة في أكثر الصفات، وقد يطلق أحدهما على الآخر.
سبيله التنزيه والإثبات: أي القاعدة في هذا الباب هو إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-. ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله -ﷺ-. قال العلامة ابن عثيمين في القواعد المثلى: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية. وسلبية. فالثبوتية: ما أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك. فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به، … والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله -ﷺ- وكلها صفات نقص في حقه، كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب. فيجب نفيها عن الله تعالى … مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، … ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته. مثال آخر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله ا. هـ
[ ٤٥ ]
من صفات الله الحسنى
٢١ - فَاللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى … وَوَجْهُهُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ يُرَى
الدليل قول الله تعالى في ستة مواضع من كتابه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فيجب أن نؤمن بأنه ﷾: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. واستواؤه على العرش، علوه عليه بذاته، علوا خاصا، يليق بجلاله وعظمته، لا يعلم كيفيته إلا هو. ونؤمن بأنه تعالى مع خلقه، وهو على عرشه، يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر أمورهم، يرزق الفقير ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ولا نقول كما تقول الحلولية، من الجهمية وغيرهم: إنه مع خلقه في الأرض. فمن قال ذلك، فهو كافر أو ضال لأنه وصف الله بما لا يليق به من النقائص. ومن جميل ما قيل في ذلك قول بعض أهل العلم:
عَلىَ عرْشِهِ الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ اسْتَوىَ … كَمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ وَالمُصْطَفَى رَوَى
وَذَاكَ اسْتِواءٌ لَائِقٌ بِجَلَالِهِ … وَأَبْرَأُ مِنْ قَوْلِي لَهُ العرْشُ قَدْ حَوَى
فَمَنْ قَالَ مِثْلَ الفُلْكِ كَانَ اسْتِواَؤُهُ … عَلَى جَبَلِ الجودِي مِنْ شَاهِقٍ هَوَى
وَمَنْ يَتَّبِعْ مَا قَدْ تَشاَبَهَ يَبْتَغِي … بِهِ فِتْنَةً أَوْ يَبْغِي تَأْوِيلَهُ غَوَى
فَلَمْ أَقُلِ اسْتَوْلَى وَلَسْتُ مُكَلَّفًا … بِتَأْوِيِلِهِ كَلَّا وَلَمْ أَقُلِ احْتَوَى
ومَنْ قَالَ لي كَيْفَ اسْتَوَى لَا أُجِيبُهُ … بِشَيء سِوَى أَنِّي أَقُولُ لَهُ اسْتَوَى
[ ٤٦ ]
ووجهه في جنة الخلد يرى: فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وفي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. وفي الصحيحين عن جَرِير بْن عَبْدِ اللهِ البجلي -﵁- قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا»
٢٢ - فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَخِيرِ يَنْزِلُ … تُعْطِي يَدَاهُ كَرَمًا مَنْ يَسْأَلُ
دليله: ما ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»
وقال الإمام ابن أبي داود -﵀- في حائيته:
وَقُلْ يَنْزِلُ الجَبَّارُ في كُلِّ لَيْلَةٍ … بِلا كَيْف جَلَّ الواحدُ المتَمَدِّحُ
إلى طَبَقِ الدُّنيا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ … فَتُفْرَجُ أَبْوابُ السَّماءِ وتُفْتحُ
يَقولُ: ألا مُسْتغفِرٌ يَلْقَ غَافِرًا … ومُسْتَمنِحٌ خَيْرًا ورِزقًا فأمْنَحُ
رَوَى ذَاكَ قَومٌ لا يُرَدُّ حَدِيثَهم … ألا خَابَ قَوْمٌ كذَّبوهُم وقُبِّحُوا
[ ٤٧ ]
فهذا وما أشبهه مما صح نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه.
تعطي يداه كرما من يسأل: فيه التنبيه على إثبات صفة اليدين لله ﷿.
ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: " قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ"
٢٣ - كَلامُهُ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِهِ … كَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ حَيَاتِهِ
مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل فنزل به على قلب محمد -ﷺ-. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] ومعنى قولهم: " منه بدأ " أن الله تكلم به ابتداء، وفيه رد على أهل البدع القائلين بأنه خلقه في غيره. وأما قولهم: "وإليه يعود" فيحتمل معنيين: أحدهما: أنه تعود صفة الكلام بالقرآن إليه بمعنى أن أحدا لا يوصف بأنه تكلم به غير الله، لأنه هو المتكلم به، والكلام صفة للمتكلم. الثاني: أنه يرفع إلى الله تعالى كما جاء في سنن ابن ماجة عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «…
[ ٤٨ ]
وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ﷿ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ …» الحديث وذلك إنما يقع - والله أعلم - حين يعرض الناس عن العمل بالقرآن إعراضا كليا فيرفع عنهم تكريما له والله المستعان.
كعلمه وسمعه حياته: وهذه من صفات الله تعالى نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته وأدلة ذلك كثيرة معلومة. ولما كان الأشعرية-وهي من فرق أهل البدع المخالفين لأهل السنة- لا يثبتون من الصفات إلا سبعًا زعموا أن العقل دل عيها ويؤولون ما عداها وهي المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له * إرادة وكذاك السمع والبصر
فبين الناظم أنهم لما أقروا بإثبات هذه الصفات لزمهم إثبات صفة الكلام، فإنهم يثبتون لله كلاما نفسيا وينكرون أن يكون الله يتكلم حقيقة وزعموا أن إثبات ذلك يؤدي إلى التشبيه. وهذا باطل فإننا إذا اتفقنا وسائر المسلمين على أنه تعالى: حي عليم قدير، وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين، فنقول: وكذلك الرحمة والمحبة والكلام وسائر الصفات المثبتة في الكتاب والسنة التي نثبتها لله - تعالى - ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق وهكذا.
٢٤ - وَكُلُّ وَصْفٍ جَاءَ فِي الْقُرْآَنِ … أَوْ صَحَّ عَنْ نَبِيِّهِ الْعَدْنَاني
٢٥ - نُثْبِتُ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ كَيْفِ … وَغَيْرِ تَعْطِيلٍ وَغَيْرِ زَيْفِ
هذه قاعدة تقدم بيانها وهي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-. ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله -ﷺ-
الْعَدْنَاني: نِسبَةً إلى عدنان، فإنه -ﷺ-: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن
[ ٤٩ ]
مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وقد أجمع المؤرخون على أن عدنان من ولد نبي الله إسماعيل -﵍- لكن الأسماء النَّسَبِيَّة من عدنان إلى إسماعيل -﵍- لم يتفقوا عليها.
وقوله: بغير كيف … إلخ سبق بيانه.
[ ٥٠ ]