الجاهلية، نسبة إلى الجهل، والجهل عدم العلم، والجاهلية هي التي ليس فيها رسول وليس فيها كتاب. والمراد بها: ما كان قبل بعثة النبي -ﷺ-. قال الشيخ ابن عثيمين: والمراد بالجاهلية: ما قبل البعثة؛ لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن. لكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، فهذه منة عظيمة؛ أن بعث فيهم النبي -ﷺ- لهذه الأمور السامية: يتلو عليهم آيات الله. ويزكيهم؛ فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها. ويعلمهم الكتاب. والحكمة. هذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، و"إن" هذه ليست نافية، بل مؤكدة؛ فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين. إذن المراد بالجاهلية ما قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم، فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله، وحقوق عباده، فمن جهلهم أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر ا. هـ
وأمور الجاهلية أي خصالها التي يجب الابتعاد عنها؛ لأن خصال أهل الجاهلية مذمومة، كما جاء في صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ:
[ ١٢٥ ]
«أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» فكل خصلة من خصال أهل الجاهلية إذا ظهر من يعيدها إلى أهل الإسلام بعد أن أنقذهم الله من ذلك ببعثة النبي -ﷺ- وظهور القرآن والسنة وبيان الأحكام فإنه مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، وهو من أبغض الرجال إلى الله ﷾. وقد ذكر الناظم من هذه الخصال ثمان خصال فبدأ بالأربع المجموعة في حديث أبي مالك الأشعري -﵁- فقال:
٥٩ - وَأَرْبَعٌ فِي أُمَّةِ الْمَعْصُومِ … مِنْهُنَّ الاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ
٦٠ - وَالنَّوْحُ ثُمَّ الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ … وَمِثْلُهُنَّ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ
ودليله ما رواه مسلم عن أَبَي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ -﵁- حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ» وَقَالَ -ﷺ-: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀- ما ملخصه:
قوله: "أربع" ليس للحصر؛ لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي -ﷺ- ذلك من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد؛ لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ
وقوله: " من أمر الجاهلية ": … أي: من شأن الجاهلية … وإضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير؛ لأن كل إنسان يقال له: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب، إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال
[ ١٢٦ ]
الجاهلية؛ فالغرض من الإضافة هنا أمران: التنفير. وبيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان.
قوله: "لا يتركونهن": المراد: لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعا، إنما الأمة كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيء من ذلك؛ لأن هذا خبر من الصادق المصدوق -ﷺ- والمراد بهذا الخبر التنفير؛ لأنه -ﷺ- قد يخبر بأشياء تقع، وليس غرضه أن يؤخذ بها.
الفخر بالأحساب
قوله: " الفخر بالأحساب": الفخر: التعالي والتعاظم، والباء للسببية؛ أي: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه. والحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد، كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة، فيفتخر بذلك، وهذا من أمر الجاهلية؛ لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والمتقي حقيقة هو الذي كلما ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعا للحق وللخلق. وإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية؛ فلا يجوز لنا أن نفعله، لأن كل ما ينسب إلى الجاهلية؛ فهو مذموم ومنهي عنه.
الطعن في الأنساب
قوله: "الطعن في الأنساب ": الطعن: العيب؛ لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون
[ ١٢٧ ]
في الجسد، ولهذا سمي العيب طعنا. والأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدبَّاغ،
الاستسقاء بالنجوم
قوله: " والاستسقاء بالنجوم ": أي: نسبة المطر إلى النجوم، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله ﷿ أما إن اعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر؛ فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة.
النياحة على الميت
قوله: " والنياحة على الميت ": هذا هو الرابع، والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت قصدا، وينبغي أن يضاف إليه على سبيل النوح؛ كنوح الحمام. والندب: تعداد محاسن الميت.
والنياحة من أمر الجاهلية، ولا بد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية؛ إما من الجهل الذي هو ضد العلم. أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة. وإنما كانت كذلك لأمور، هي:
• أنها لا تزيد النائح إلا شدة، وحزنا، وعذابا.
• أنها تسخط من قضاء الله وقدره، واعتراض عليه.
• أنها تهيج أحزان غيره.
• أنه مع هذه المفاسد لا يرد القضاء، ولا يرفع ما نزل.
والنياحة تشمل ما إذا كانت من رجل أو امرأة، لكن الغالب وقوعها من النساء، ولهذا قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها " أي: إن تابت قبل الموت؛ تاب الله
[ ١٢٨ ]
عليها، وظاهر الحديث أن هذا الذنب لا تكفره إلا التوبة، وأن الحسنات لا تمحوه؛ لأنه من كبائر الذنوب، والكبائر لا تمحى بالحسنات؛ فلا يمحوها إلا التوبة. قوله: " تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران "، أي: تقام من قبرها، والسربال: الثوب السابغ كالدرع، والقطران معروف، ويسمى "الزفت"، وقيل: إنه النحاس المذاب.
قوله: " ودرع من جرب ": الجرب: مرض معروف يكون في الجلد، يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به؛ فكيف ومعه قطران؟! والحكمة أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء سربال من قطران ودرع من جرب؛ فكانت العقوبة من جنس العمل.
ويستفاد من الحديث:
١ - ثبوت رسالته -ﷺ- لأنه أخبر عن أمر من أمور الغيب فوقع كما أخبر.
٢ - التنفير من هذه الأشياء الأربعة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت.
٣ - أن النياحة من كبائر الذنوب لوجود الوعيد عليها في الآخرة، وكل ذنب عليه الوعيد في الآخرة؛ فهو من الكبائر.
٤ - أن كبائر الذنوب لا تكفر بالعمل الصالح؛ لقوله -ﷺ-: " إذا لم تتب قبل موتها ".
٥ - أن من شروط التوبة أن تكون قبل الموت؛ لقوله -ﷺ-: " إذا لم تتب قبل موتها"
٦ - أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة:
[ ١٢٩ ]
فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. ومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لا بد أن يعاقب، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية.
٧ - ثبوت الجزاء والبعث.
٨ - أن الجزاء من جنس العمل.
الحكم بغير ما أنزل الله
٦١ - وَكُلُّهَا أُمُورُ جَاهِلِيَّهْ … كَالْحُكْمِ وَالظَّنِّ مَعَ الْحَمِيَّهْ
كَالْحُكْمِ: وهذه الخصلة الخامسة في كلام الناظم، أي الحكم بغير ما أنزل الله كما قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف: قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] واختلف أهل العلم في ذلك:
فقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد؛ لأن الكافر ظالم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠]، أي: كفروا.
وقيل: إنها لِمَوصُوفين متعددين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح.
[ ١٣٠ ]
فيكون كافرا في ثلاثة أحوال:
أ- إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، فكل ما خالف حكم الله؛ فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله فالمحل والمبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن اعتقد حل الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن.
ب- إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله.
ج- إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله. بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكاما وهو أحكم الحاكمين:
فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن: فهو كافر لأنه مكذب للقرآن. ويكون ظالما: إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للعباد والبلاد، وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو ظالم. ويكون فاسقا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه؛ أي: محبة لما حكم به لا كراهة لحكم الله ولا ليضر أحدا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رشي إياها، أو لكونه قريبا أو صديقا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه؛ فهذا فاسق، وإن كان أيضا ظالما، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم.
[ ١٣١ ]
أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله؛ فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين، فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله، وعندما نقول بأنه كافر؛ فنعني بذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر.
ولكن قد يكون الواضع له معذورا، مثل أن يغرر به كأن يقال: إن هذا لا يخالف الإسلام، أو هذا من المصالح المرسلة، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس.
فيوجد بعض العلماء وإن كانوا مخطئين يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكا للربا أو ضرائب على الناس؛ فهذا لا شيء فيه. وهذا لا شك في خطئه؛ فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من علماء الدولة لا علماء الملة …
وليعلم أنه يجب على الإنسان أن يتقي ربه في جميع الأحكام؛ فلا يتسرع في البت بها خصوصا في التكفير الذي صار بعض أهل الغيرة والعاطفة يطلقونه بدون تفكير ولا روية، مع أن الإنسان إذا كفر شخصا، ولم يكن الشخص أهلا له؛ عاد ذلك إلى قائله، وتكفير الشخص يترتب عليه أحكام كثيرة؛ فيكون مباح الدم والمال، ويترتب عليه جميع أحكام الكفر، وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معين حتى يتبين شروط التكفير في حقه يجب أن لا نجبن عن تكفير من كفره الله ورسوله، ولكن يجب أن نفرق بين المعين وغير المعين؛ فالمعين يحتاج الحكم بتكفيره إلى أمرين:
١ - ثبوت أن هذه الخصلة التي قام بها مما يقتضي الكفر.
[ ١٣٢ ]
٢ - انطباق شروط التكفير عليه، وأهمها العلم بأن هذا مكفر، فإن كان جاهلا؛ فإنه لا يكفر، ولهذا ذكر العلماء أن من شروط إقامة الحد: أن يكون عالما بالتحريم، هذا وهو إقامة حد وليس بتكفير، والتحرز من التكفير أولى وأحرى … ولا بد مع توفر الشروط من عدم الموانع، فلو قام الشخص بما يقتضي الكفر إكراها أو ذهولا لم يكفر … ا. هـ
الظن بالله ظن السوء
وَالظَّنِّ: وهذه الخصلة السادسة في كلام الناظم، قال الله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]
لما كان الله - جل وعلا - موصوف بصفات الكمال، فهو سبحانه كامل في أسمائه، كامل في صفاته، كامل في ربوبيته، ومن كماله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته أنه لا يفعل الشيء إلا لحكمة بالغة، والحكمة هي: أنه - جل وعلا - يضع الأمور في مواضعها التي توافق الغايات المحمودة منها، فلهذا وجب لكماله - جل وعلا - أن يظن به ظن الحق، وأن لا يظن به ظن السوء، وأن يعتقد فيه ما يجب لجلاله - جل وعلا - من تمام الحكمة، وكمال العدل، وكمال الرحمة، فالذي يظن به - جل وعلا - أنه يفعل الأشياء لا عن حكمة فإنه قد ظن به ظن النقص، وهو ظن السوء الذي ظنه أهل الجاهلية فالواجب - تحقيقا للتوحيد - أن يظن
[ ١٣٣ ]
العبد بالله - جل وعلا - ظن الحق. وأما ظن السوء فهو ظن الجاهلية، الذي هو مناف لأصل التوحيد في بعض أحواله، أو مناف لكمال التوحيد، وظن السوء بالله - جل وعلا - من خصال أهل الجاهلية.
قال ابن القيم في الزاد عن قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾:
وَقَدْ فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ:
• بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وَأَنّهُ يُسْلِمُهُ لِلْقَتْلِ،
• وَقَدْ فُسِّرَ بِظَنِّهِمْ أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَلَا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ،
فَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَ رَسُولِهِ، وَيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ظَنُّ السَّوْءِ الَّذِي ظَنَّهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بِهِ ﷾ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَنَّ السَّوْءِ، وَظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ الْمَنْسُوبَ إِلَى أَهْلِ الْجَهْلِ، وَظَنَّ غَيْرِ الْحَقِّ لِأَنّهُ ظَنُّ غَيْرِ مَا يَلِيقُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَذَاتِهِ الْمُبَرَّأَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَسُوءٍ، بِخِلَافِ مَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّهِ، وَمَا يَلِيقُ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ الَّذِي لَا يُخْلِفُهُ وَبِكَلِمَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ لِرُسُلِهِ أَنَّهُ يَنْصُرُهُمْ وَلَا يَخْذُلُهُمْ، وَلِجُنْدِهِ بِأَنَّهُمْ هُمُ الْغَالِبُونَ؛ فَمَنْ ظَنَّ: بِأَنَّهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَلَا يُتِمُّ أَمْرَهُ، وَلَا يُؤَيِّدُهُ وَيُؤَيِّدُ حِزْبَهُ، وَيُعْلِيهِمْ وَيُظْفِرُهُمْ بِأَعْدَائِهِ، وَيُظْهِرُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَنْصُرُ دِينَهُ وَكِتَابَهُ، وَأَنّهُ يُدِيلُ الشِّرْكَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ إدَالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَهَا التَّوْحِيدُ وَالْحَقُّ اضْمِحْلَالًا لَا يَقُومُ
[ ١٣٤ ]
بَعْدَهُ أَبَدًا، فَقَدْ ظَنَّ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَنَسَبَهُ إِلَى خِلَافِ مَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتِهِ، فَإِنَّ حَمْدَهُ وَعِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَإِلَهِيَّتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ، وَتَأْبَى أَنْ يُذَلَّ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ، وَأَنْ تَكُونَ النُّصْرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ وَالظَّفَرُ الدَّائِمُ لِأَعْدَائِهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْعَادِلِينَ بِهِ، فَمَنْ ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ أَسَمَاءَهُ وَلَا عَرَفَ صِفَاتَهُ وَكَمَالَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ رُبُوبِيَّتَهُ وَمُلْكَهُ وَعَظَمَتَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ مَا قَدَّرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا صَدَرَ عَنْ مَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ حِكْمَةٍ وَغَايَةٍ مَطْلُوبَةٍ هِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ فَوْتِهَا، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ الْمَكْرُوهَةَ الْمُفْضِيَةَ إِلَيْهَا لَا يَخْرُجُ تَقْدِيرُهَا عَنِ الْحِكْمَةِ لِإِفْضَائِهَا إِلَى مَا يُحِبُّ، وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَهُ فَمَا قَدَّرَهَا سُدًى، وَلَا أَنْشَأَهَا عَبَثًا، وَلَا خَلَقَهَا بَاطِلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ السَّوْءِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ، وَلَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَعَرَفَ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَعَرَفَ مُوجِبَ حَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ،
• فَمَنْ قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَأَيِسَ مِنْ رَوْحِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
• وَمَنْ جَوَّزَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَذِّبَ أَوْلِيَاءَهُ مَعَ إحْسَانِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَيُسَوِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
• وَمَنْ ظَنَّ بِهِ أَنْ يَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى مُعَطَّلِينَ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، وَلَا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَلَا يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، بَلْ يَتْرُكُهُمْ هَمَلًا كَالْأَنْعَامِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
• وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَنْ يَجْمَعَ عَبِيدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي دَارٍ يُجَازِي الْمُحْسِنَ فِيهَا بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ، وَيُبَيِّنَ لِخَلْقِهِ حَقِيقَةَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ،
[ ١٣٥ ]
وَيُظْهِرَ لِلْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ صِدْقَهُ وَصِدْقَ رُسُلِهِ، وَأَنَّ أَعْدَاءَهُ كَانُوا هُمُ الْكَاذِبِينَ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
• وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُضَيِّعُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ الصَّالِحَ الَّذِي عَمِلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَيُبْطِلُهُ عَلَيْهِ بِلَا سَبَبٍ مِنَ الْعَبْدِ، أَوْ أَنَّهُ يُعَاقِبُهُ بِمَا لَا صُنْعَ فِيهِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا إرَادَةَ فِي حُصُولِهِ، بَلْ يُعَاقِبُهُ عَلَى فِعْلِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ بِهِ … إلخ فليراجع فإنه كلام نفيس جدا
حمية الجاهلية
مَعَ الْحَمِيَّهْ: وهذه الخصلة السابعة من خصال الجاهلية المذمومة في كلام الناظم، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] قال الحافظ ابن كثير: وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وَذَلِكَ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَكْتُبُوا "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وَأَبَوْا أَنْ يَكْتُبُوا: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" ا. هـ
وقال القرطبي: الْحَمِيَّةَ" فَعِيلَةُ وَهِيَ الْأَنَفَةُ. يُقَالُ: حَمِيتُ عَنْ كَذَا حَمِيَّةً (بِالتَّشْدِيدِ) وَمَحْمِيَّةً إِذَا أَنِفْتَ مِنْهُ وَدَاخَلَكَ عَارٌ وَأَنَفَةٌ أَنْ تَفْعَلَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَمِيَّتُهُمْ أَنَفَتُهُمْ مِنَ الْإِقْرَارِ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- بِالرِّسَالَةِ وَالِاسْتِفْتَاحِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ … وَقَالَ ابْنُ بَحْرٍ: حَمِيَّتُهُمْ عَصَبِيَّتُهُمْ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَنَفَةُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَهَا. وَقِيلَ: " حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ" إِنَّهُمْ قَالُوا: قَتَلُوا أَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا ثُمَّ يَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فِي مَنَازِلِنَا، وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا" ا. هـ يعني فمَنَعُوكُمْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أَحْرَمَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَعَ
[ ١٣٦ ]
أَصْحَابِهِ بِعُمْرَةٍ، وَمَنَعُوا الْهَدْي وَحَبَسُوهُ عَنْ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. وَهَذَا كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَلَكِنَّهُ حَمَلَتْهُمُ الْأَنَفَةُ وَدَعَتْهُمْ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى أَنْ يَفْعَلُوا مَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَدْخَلَ الْأُنْسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِبَيَانِهِ وَوَعْدِهِ. وفي الصحيحين عن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ -﵄- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فهذا أيضا من حمية الجاهلية المذمومة.
التبرج
٦٢ - ثُمَّ التَّبَرُّجُ أَوِ السُّفُورُ … قَدْ أَفْلَحَ الدَّاعِيَةُ الصَّبُورُ
التَّبَرُّجُ: وهذه الخصلة الثامنة من خصال الجاهلية المذمومة في كلام الناظم. قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] نهى الله تعالى نساء النبي -ﷺ- عن التبرج، وهو إظهار الزينة في الأسواق، وأمام الناس؛ لأن أهل الجاهلية كانت نساؤهم تتبرج، بل تكشف عن عوراتها، كما في الطواف عندهم، يرون أن هذا من المفاخر. وليس هذا خاصا بهن بل هو لجميع نساء الأمة فإنه إذا كان نساء النبي -ﷺ- وهنَّ أكمل النساء عفة وأقومهن في دين الله، ومع ذلك قال الله لهن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فغيرهن من باب أولى.
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في شرح رياض الصالحين -بتصرف-: فإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى خروج المرأة من بيتها، فلتخرج كما أمرها الرسول -ﷺ- غير
[ ١٣٧ ]
متطيبة ولا متبرجة. وكذلك أمر باحتجاب المرأة إذا خرجت عن كل رجل ليس من محارمها، والحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة جميع ما يكون النظر إليه ذريعة إلى الفاحشة، وأهمه الوجه، فإن الوجه يجب حجبه عن الرجال الأجانب أكثر مما يجب حجب الرأس وحجب الذراع وحجب القدم. ولا عبرة بقول من يقول: إنه يجوز كشف الوجه؛ لأن قوله هذا فيه شيء من التناقض. كيف يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، ويجب عليها عند هذا القائل أن تستر قدميها؟ أيهما أعظم فتنة وأيهما أقرب إلى الزنى: أن تكشف المرأة وجهها أو تكشف قدميها؟ كل إنسان عاقل يفهم ما يقول، يقول: إن الأقرب إلى الزنى والفتنة أن تكشف وجهها.
ومن ذلك أيضا: ألا تخرج المرأة متطيبة، فإن خرجت متطيبة فقد أتت بوسيلة الفتنة منها وبها، فيفتن الناس بها، وهي تفتتن أيضا حيث تمشي في الأسواق وهي متطيبة. نسأل الله العافية. ولا يجوز لأحد أن يمكن أهله من ذلك أبدا، وعليه أن يتفقدهم، سواء كانت الزوجة أو البنت، أو الأخت، أو الأم، او غير ذلك، ولا يجوز لأحد ان يمكن أهله من الخروج على غير الوجه الشرعي ا. هـ
ويراجع للاستزادة في هذا الباب:
• "مسائل الجاهلية" للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي -﵀- فقد ذكر نحوا من (١٣١) من مسائل الجاهلية-.
• "فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية" للعلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي -﵀-.
• "الزوائد على مسائل الجاهلية"-بلغت ٢١١ مسألة-، للشيخ عبد الله الدويش -﵀-.
[ ١٣٨ ]
قَدْ أَفْلَحَ الدَّاعِيَةُ الصَّبُورُ: قال العلامة ابن باز -﵀-: الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى ما خلقوا له من أفضل القربات وأهم الواجبات وهي سبيل الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة كما قال الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣] وقال النبي -ﷺ-: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أخرجه مسلم عن أبي مسعود -﵁-. وقال لعلي -﵁-: «فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» متفق عليه فحقيق بأهل العلم والإيمان أن يضاعفوا جهودهم في الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى أسباب النجاة وتحذيرهم من أسباب الهلاك ولا سيما في هذا العصر الذي غلبت فيه الأهواء وانتشرت فيه المبادئ الهدامة والشعارات المضللة وقل فيه دعاة الهدى وكثر فيه دعاة الإلحاد والإباحية فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ا. هـ بتصرف يسير
٦٣ - إِذْ لا تَزَالُ فِرْقَةٌ مَنْصُورَهْ … مِنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ فِي الْمَعْمُورَهْ
يشير إلى قول النبي -ﷺ-: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» متفق عليه.
قال الشيخ حافظ حكمي -﵀-: وهذه الطائفة هي الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة، كما استثناها النبي -ﷺ- من تلك الفرق بقوله: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». وفي رواية قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب ا. هـ
[ ١٣٩ ]