٢٩ - وَقَوْلُ أَهْلِ الْحَقِّ فِي الإِيْمَانِ … قَوْلٌ وَأَعْمَالٌ عَلَى أَرْكَانِ
أهل الحق: هم أهل السنة والجماعة المتبعون للسلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان فلا يدخل فيهم الخوارج ولا الأشاعرة ولا المرجئة ولا غيرهم من فرق أهل البدع. في الإيمان: يعني في تفسير الإيمان وبيان معناه والناظم نبه بهذا؛ إلى خطأ أهل البدع في الإيمان وتعريفهم إياه بتفسيرات مخالفة للكتاب والسنة ولما عليه أهل الحق والهدى وهم فرق شتى، ومنهم: "المرجئة" وهم على مذاهب:
• فمنهم الذين يقولون: "الإيمان هو اعتقاد القلب فقط"، فمتى اعترف الإنسان بقلبه بالله ﷿ فهو مؤمن سواءٌ عمل أم لم يعمل.
• ومنهم من يقول: الإيمان اعتقاد القلب ونطق اللسان" والعمل عندهم ليس من الإيمان. فاتفقوا على إخراج العمل من مسمى الإيمان وهذا ضلال مبين.
لكن قول أهل الحق أن الإيمان: قول وأعمال على أركان: فالأمر المجمع عليه عند أهل السنةِ والجماعةِ: أنَّ الإيمانَ: قولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان (الجوارح)، واعتقادٌ بالجَنان (القلب)، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأهله يتفاضلون فيه ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]
[ ٥٦ ]
أركان الإيمان
٣٠ - بِاللَّهِ وَالْمَلائِكِ الأَبْرَارِ … وَالْكُتْبِ وَالْرُّسْلِ وَبِالأَقْدَارِ
٣١ - وَالسَّادِسُ الإِيمَانُ بِالْقِيَامَهْ … فَاعْلَمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ الاسْتِقَامَهْ
أركان الإيمان ستة ودليلها قول النبي -ﷺ- لما قال له جبريل -﵍-: «أخبرني عن الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁- ورواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.
فالإيمان بالله يتضمن:
(١) الإيمان بوجوده … (٢) وبربوبيته
(٣) وبألوهيته … (٤) وبأسمائه وصفاته
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: فمن لم يؤمن بوجود الله، فليس بمؤمن، ومن آمن بوجود الله لا بانفراده بالربوبية؛ فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية لا بالألوهية، فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية والألوهية لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته؛ فليس بمؤمن، وإن كان الأخير فيه من يسلب عنه الإيمان بالكلية وفيه من يسلب عنه كمال الإيمان ا. هـ
والإيمان بالملائكة: أن نؤمن بأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور مكلفون بما كلفهم الله به من العبادات. وهم خاضعون لله ﷿ أتم الخضوع؛ فلا يُدْعَونَ من دون الله سبحانه. بل هم كما قال الله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ
[ ٥٧ ]
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]
ويتضمن الإيمان بالملائكة:
(١) الإيمان بوجودهم … (٢) الإيمان باسم من عُلِمَ اسمه كجبريل
(٣) الإيمان بصفة من علم وصْفه كجبريل أيضًا
(٤) والإيمان بأعمالهم ووظائفهم، مثل عمل جبريل ينزل بالوحي، ومالك خازن النار.
والإيمان بالكتب: معناه: التصديق الجازم بأن جميعها منزل من عند الله ﷿، وأن الله تكلم بها حقيقة، فمنها المسموع منه تعالى من وراء حجاب بدون واسطة الرسول الملكي، ومنها ما بلغه الرسول الملكي إلى الرسول البشري، ومنها ما كتبه الله تعالى بيده،
ويتضمن الإيمان بالكتب:
(١) تصديق كونها من عند الله … (٢) تصديق ما أخبرت به
(٣) التزام أحكامها إذا لم تنسخ
(٤) الإيمان بأسماء ما علم منها كالتوراة وما لم يعلم منها فيؤمن به إجمالًا
وقد سمى الله منها في القرآن: (القرآن)، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وذكر الباقي جملة. وكل الكتب منسوخة بالقرآن
والقرآن يجب القيام بحقه ومن ذلك: حفظه وتلاوته والقيام به آناء الليل والنهار وتدبر آياته وإحلال حلاله وتحريم حرامه والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والوقوف عند
[ ٥٨ ]
حدوده، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، والنصيحة له بكل معانيها والدعوة إلى ذلك على بصيرة.
والإيمان بالرسل يتضمن:
(١) الإيمان بأنهم صادقون في رسالتهم … (٢) تصديق ما أخبروا به
(٣) الإيمان بأسماء من علمت أسماؤه منهم وما لم يعلم فيؤمن به إجمالًا
(٤) التزام أحكام شرائعهم غير المنسوخة والشرائع السابقة كلها منسوخة بشريعة محمد -ﷺ-
فيجب التصديق الجازم:
• بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده والكفر بما يعبد من دونه،
• وأن جميعهم صادقون مصدقون بارون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون،
• وأنهم بلغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا، ولم يغيروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه،
• وأنهم كلهم على الحق المبين،
• وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم -﵍- خليلا، واتخذ محمدا -ﷺ- خليلا وكلم موسى -﵍- تكليما، ورفع إدريس -﵍- مكانا عليا،
• وأن عيسى -﵍- عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الله فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات.
والإيمان باليوم الآخر: معناه: التصديق الجازم بإتيانه لا محالة، والعمل بموجب ذلك
[ ٥٩ ]
ويتضمن الإيمان باليوم الآخر:
(١) الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة.
(٢) الإيمان بالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور
(٣) الإيمان بما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع وتفاصيل المحشر: نشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة وغيرها
(٤) الإيمان بالجنة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله ﷿،
(٥) الإيمان بالنار وعذابها الذي أشده حجبهم عن ربهم ﷿.
والإيمان بالقدر:
القدر: هو تقدير الله ﷿، وذلك أن الله ﷿ كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ومعنى الإيمان بالقدر:
(١) أن تؤمن بأن الله علم الأشياء جميعا قبل وقوعها وقبل كونها،
(٢) وكتب ﷾ مقاديرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة،
(٣) وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،
(٤) وأنه سبحانه هو الخالق لكل شيء من الخير والشر، فإنه واقع بقضاء الله وقدره خلقه الله وعلمه وشاءه وقدره.
[ ٦٠ ]
مراتب الإيمان بالقدر
ولذا فإن الإيمان بالقدر هو الإيمان بهذه المراتب الأربع:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأقوالهم وأعمالهم وجميع حركاتهم وسكناتهم وأسرارهم وعلانيتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار.
المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة ذلك، وأنه تعالى قد كتب جميع ما سبق به علمه أنه كائن، وفي ضمن ذلك الإيمان باللوح والقلم.
المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهما متلازمتان من جهة ما كان وما سيكون ولا ملازمة بينهما من جهة ما لم يكن ولا هو كائن؛ فما شاء الله تعالى فهو كائن بقدرته لا محالة وما لم يشأ الله تعالى لم يكن
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا فيما بينهما إلا والله خالقها وخالق حركاتها وسكناتها سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه.
[ ٦١ ]
شعب الإيمان
٣٢ - بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مِنَ الْخِصَالِ … أَعْظَمُهَا شَهَادَةُ الْجَلالِ
البضع في اللغة: قال ابن منظور: والبَضْع والبِضْعُ، بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلى الْعَشْرِ، … وَقِيلَ: الْبِضْعُ مِنَ الثَّلَاثِ إِلى التِّسْعِ، وَقِيلَ مِنْ أَربع إِلى تِسْعٍ … إلخ
والإيمان له بضع وسبعون شعبة كلها من خصال الإيمان.
لأن الإيمان إذا أُفرد ذكره في النصوص شمل الدين كله.
والدليل حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) متفق عليه واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) وفي رواية له: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ).
قال الشيخ حافظ الحكمي في أعلام السنة المنشورة:
عدها جماعة من شراح الحديث وصنفوا فيها التصانيف فأجادوا وأفادوا، ولكن ليس معرفة تعدادها شرطا في الإيمان بل يكفي الإيمان بها جملة، وهي لا تخرج عن الكتاب والسنة، فعلى العبد امتثال أوامرهما واجتناب زواجرهما وتصديق أخبارهما، وقد استكمل شعب الإيمان، والذي عددوه حق كله من (أمور الإيمان)، ولكن القطع بأنه هو مراد النبي -ﷺ- بهذا الحديث يحتاج إلى توقيف ا. هـ
[ ٦٢ ]
زيادة الإيمان ونقصانه
٣٣ - يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ فِي الْقُلُوبِ … كَذَلِكُمْ يَنْقُصُ بِالذُّنُوبِ
الإيمان يزيد وينقص فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأدلة ذلك كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وسبب زيادته: الطاعة وهي امتثال أمر الله واجتناب نهيه وسبب نقصه: معصية الله بالخروج عن طاعته.
٣٤ - وَيُخْرِجُ الْعَبْدَ مِنَ النِّيرَانِ … مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيْمَانِ
دليله ما جاء في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ قَدْ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ». وهذا الحديث دليل على: زيادة الإيمان ونقصانه وعلى تفاضل الناس في الإيمان. وفيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالمعصية ويقولون إن صاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار. والمعتقد الصحيح الواجب على كل مسلم اعتقاده هو: أن جميع الذنوب - سوى الإشراك بالله تعالى- لاتُخْرِج المسلم من دين الإسلام، إلا إن استحلها. وكل مادون الشرك من الذنوب لايخلد صاحبها في نار جهنم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
فنصت الآية على أن صاحب الذنوب إلى مشيئة الله جل علا، إن شاء تعالى عفا عنه بمنه وكرمه، وإن شاء أدخله النار بقدر ذنوبه، ليطهره بها، ثم يخرجه منها بتوحيده فيدخل الجنة.
[ ٦٣ ]