التنجيم: مصدر نجّم بتشديد الجيم؛ أي: تعلم علم النجوم، أو اعتقد تأثير النجوم.
قال الشيخ صالح الأطرم في الأسئلة والأجوبة في العقيدة (ص: ٤٨): التنجيم هو: تعلم النجوم ومنازلها وحركاتها ومدى الاستفادة منها، أما حكم تعلمها فبحسب المعلوم منها ومقاصد المتعلم:
أ- فإن قصد من تعلم النجوم معرفة دلالتها على الجهات وعلى القبلة فهذا جائز وهو ما يسمى بعلم التسيير قال - تعالى ـ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وهذا النوع ميسر لكل أحد لربط حاجات الناس به في أسفارهم جوًا وبرًا وبحرًا وتتعلق به معرفة أوقات العبادات كأوقات الصلوات وتجزئة الليل ومعرفة الأوقات التي يناسب فيها الغرس وبذر الحبوب بإذن الله، وما وجد من الآلات التي هدى الله الخلق إليها مما تدل على الأوقات فإنها برمجت على علم التسيير في حركة منازل الكواكب والنجوم.
ب- وإن كان قصد متعلم النجوم ربط تأثير النجوم بالحوادث الأرضية معتقدًا أنها فاعلة مختارة فهذا كفر، لاعتقاده أن النجوم مدبرة مع الله - تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ـ،
ج- وإن ربط الحوادث الأرضية بسير الكواكب كاجتماعها وافتراقها معتقدًا أنها مؤثرة بإذن الله فهذا حرام لكونه وسيلة إلى الشرك … ا. هـ
وقال الإمام الخطابي -﵀-: علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان كأوقات هبوب الرياح ومجيء الأمطار وتغير الأسعار وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك بمعرفتها
[ ١٥٩ ]
بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله بعلمه فلا يعلم الغيب سواه ا. هـ
وقال ابن رسلان في " شرح السنن ": " والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه … وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى وكم بقي؛ فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه: التحدث بمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الرياح، وتغير الأسعار ". نقله الشوكاني في " نيل الأوطار
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه
في هذا الحديث بيان أن تعلم النجوم تعلم للسحر، وتعلمه أنواع كما تقدم منها ما يحل ومنها ما يحرم
وقوله: " من اقتبس شعبة": يعني من تعلم بعضا من علم النجوم؛ لأن الشعبة هي: الطائفة من الشيء، أو جزء من أجزائه، فكل جزء من أجزاء علم النجوم الذي هو علم التأثير نوع من أنواع السحر، قال. " فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" يعني: كلما زاد في تعلم علم النجوم زاد في تعلم السحر، حتى يصل إلى آخر حقيقة علم التأثير كما يسمونه، فيصبح سحرا وكهانة على الحقيقة، ومن التنجيم كما تقدم علم التأثير وهو جعل الكواكب والنجوم في حركتها والتقائها وافتراقها وطلوعها وغروبها مؤثرة في الحوادث الأرضية، أو دالة على ما سيحدث في الأرض،
[ ١٦٠ ]
فيجعلونها دالة على علم الغيب، ومنبئة على المغيبات، وهذا القدر من السحر؛ لأنه يشترك معه في حقيقته وهو أنه تأثير بأمر خفي ا. هـ
وفي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ -﵁- قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ "
قال السيوطي -﵀-: (السَّمَاء) أَي الْمَطَر (بِنَوْء كَذَا) النوء بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو وهمز أَصله مصدر ناء النَّجْم ينوء نوءا أَي سقط وَغَابَ وَقيل نَهَضَ وطلع ثمَّ سمي بِهِ النَّجْم تَسْمِيَة للْفَاعِل بِالْمَصْدَرِ (فَذَلِك كَافِر بِي) أَي إِنْ اعْتقد أَنه للمطر حَقِيقَة كَمَا كَانَتْ الْعَرَب تنْسب الْمَطَر إِلَى النَّجْم السَّاقِط الغارب وَأما من قَالَ مُعْتَقدًا أَنْ الْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى وَأَنْ النوء مِيقَات لَهُ وعلامة بِاعْتِبَار الْعَادة فَلَا يكفر وَلَكِن يكره لَهُ هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ شعار الْجَاهِلِيَّة وَمن سلك مسلكهم وَلِأَنَّهُ كَلَام مُتَرَدّد بَين الْكفْر وَغَيره ا. هـ
وفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: " أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ. يَقُولُونَ الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ "
[ ١٦١ ]
٧٤ - ثُمَّ النُّجُومُ زِينَةُ السَّمَاءِ … وَرَجْمُ شَيْطَانٍ عَنِ الأَنْبَاءِ
٧٥ - وَلِلْهُدَى عَلامَةٌ عَلَى الطُّرُقْ … فَمَنْ يُحَاوِلْ غَيْرَهُ فَمَا صَدَقْ
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] قَالَ قَتَادَةُ -﵀- إِنَّمَا خُلِقَتْ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلَاثِ خِصَالٍ: خَلَقَهَا اللَّهُ زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِرَأْيِهِ وَأَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ جرير، وابن أبي حاتم.
٧٦ - وَعِلْمُهَا نَوْعَانِ فَالتَّسْيِيرُ … أَجَازَ مَا نَحْتَاجُهُ الْجُمْهُورُ
٧٧ - وَالثَّانِ عِلْمٌ بَاطِلٌ مُحَرَّمُ … يُعْرَفُ بِالْتَّأْثِيرِ فِيمَا يُزْعَمُ
قال الشيخ صالح آل الشيخ: التنجيم، ينقسم إلى جائز ومحرم، والمحرم منه نوع من أنواع السحر، وهو كفر وشرك بالله- جل وعلا-، فادعاء معرفة المغيبات عن طريق النجوم، هو التنجيم المذموم المحرم الذي هو من أنواع الكهانة والسحر.
أنواع التنجيم
والتنجيم الذي يتعاطاه الناس ثلاثة أنواع:
الأول: التنجيم الذي هو اعتقاد أن النجوم فاعلة مؤثرة بنفسها، وأن الحوادث الأرضية منفعلة ناتجة عن النجوم وعن إرادات النجوم، وهذا تأليه للنجوم، وهو الذي كان يصنعه الصابئة ويجعلون لكل نجم وكوكب صورة وتمثالا، تحل فيها أرواح الشياطين، فتأمر أولئك بعبادة تلك الأصنام والأوثان، وهذا كفر أكبر بالإجماع وشرك كشرك قوم إبراهيم.
[ ١٦٢ ]
والنوع الثاني من التنجيم: هو ما يسمى علم التأثير، وهو الاستدلال بحركة النجوم والتقائها وافتراقها، وطلوعها وغروبها، على ما سيحصل في الأرض، فيجعلون حركة النجوم دالة على ما سيقع مستقبلا في الأرض، والذي يفعل هذه الأشياء ويستدل بها يقال له: المنجم، وهو من أنواع الكهان؛ لأنه يخبر بالأمور المغيبة عن طريق الاستدلال بحركات الأفلاك وتحرك النجوم، وهذا النوع محرم وكبيرة من الكبائر، وهو نوع من الكهانة وكفر بالله- جل وعلا-؛ لأن النجوم ما خلقت لذلك وهؤلاء تأتيهم الشياطين، فتوحي إليهم بما يريدون وبما سيحصل في المستقبل ويجعلون حركة النجوم دليلا على ذلك.
النوع الثالث مما يدخل في اسم التنجيم: ما يسمى بعلم التسيير، وهو أن يتعلم منازل النجوم وحركاتها، لأجل أن يعلم القبلة، والأوقات، وما يصلح من الأوقات للزرع وما لا يصلح، والاستدلال بذلك على وقت هبوب الرياح، وعلى الوقت الذي جرت سنة الله ألا ينزل فيه من المطر كذا، ونحو ذلك. فهذا يسمى علم التسيير، وقد رخص فيه بعض العلماء، وسبب الترخيص فيه: أنه يجعل النجوم وحركتها والتقاءها وافتراقها، وطلوعها أو غروبها، يجعل ذلك وقتا وزمنا، لا يجعله سببا، فيجعل هذه النجوم علامة على زمن يصلح فيه كذا وكذا، والله -جل وعلا- جعل النجوم علامات كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] فهي علامة على أمور كثيرة، كأن يعلم- مثلا- أنه بطلوع النجم الفلاني يدخل وقت الشتاء، فدخول الوقت ليس بسبب طلوع النجم، ولكن حين طلع استدللنا بطلوعه على دخول الوقت، وإلا فهو ليس بسبب لحصول البرد، وليس بسبب لحصول الحر، وليس بسبب للمطر، وليس بسبب لمناسبة غرس النخل أو زرع المزروعات ونحو ذلك، ولكنه وقت، فإذا كان على ذلك فلا بأس به قولا أو تعلما؛ لأنه يجعل النجوم وظهورها وغروبها أزمنة وذلك مأذون به ا. هـ
[ ١٦٣ ]